بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث من خلاصة العرب، من أعرب عن معاني الشرع بأفصح المعاني وأوضحها وأبينها وأوجزها وأخصرها، صلى عليه ربنا وسلم، وآله وصحبه دوامًا سرمدًا.
وبعد أيها الأحبة، فحياكم الله في مدارسة جديدة لمصنف جديد من كتب أهل العلم المتقدمين، أستهل به المرحلة الثانية من مشروع غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية. هذه المدارسات المتواصلة التي نقوم بها هدفنا فيها أن ننهل من هذا المعين العذب من كلام الأئمة المتقدمين، من مصنفاتهم تلك المصنفات المليئة بالعلم الجم التي تحتاج إلى غواصين يحسنون الغوص في كلام أهل العلم واستخلاص تلك الذخائر وتلك اللآلئ المكنونة. لذلك نحن في غراس العلم نهدف إلى أن نهيئ مجموعة من الطلبة ذكورًا وإناثًا لهم القدرة على الإبحار وحدهم في مصنفات أهل العلم، وهذا لا يأتي إلا من خلال المدارسة المكثفة والاطلاع، أن يتطلع الإنسان إلى كلام أهل العلم ومن مصنفاته مدارسة ومذاكرة مع أهل العلم ومع طلبة العلم، ثم بعد ذلك يهيئه الله سبحانه وتعالى لأن يبحر وحده وليفهم مقاصد كلامهم بإذنه عز وجل.
والكتاب الذي بين أيدينا اليوم أيها الأحبة هو كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام أبي محمد عبد الله جمال الدين بن يوسف بن هشام الأنصاري رحمه الله تعالى. هذا الكتاب الذي بين أيدينا، كما لا يخفى عليكم، هو كتاب في علم النحو، وعلم النحو أيها الأحبة هو قسم من أقسام علوم اللغة العربية؛ فهناك علم يسمى علم اللغة العربية، يعرفه أهل العلم بأنه العلم الذي يحترز به عن الخلل في كلام العرب لفظًا أو كتابة. وعلم اللغة العربية ينقسم إلى اثني عشر قسمًا، من هذه الأقسام علم النحو؛ فهذه فائدة ينبغي على طالب العلم أن يتقنها، لأن بعض الطلبة يظن أن علم اللغة العربية هو علم النحو، ونقول: لا، علم اللغة العربية أوسع من علمنا؛ هو العلم الذي يحترز به عن الخلل في كلام العرب لفظًا أو كتابة، وله اثنا عشر اسمًا؛ منها الصرف، ومنها علم المعاني، ومنها علم البيان، ومنها علم البديع، ومنها علم العروض، ومنها علم القوافي، وعلم النحو هو قسم من هذه الأقسام.
وهنا يأتي سؤال يتكرر من كثير من طلبة العلم: لماذا هذا الاهتمام المتواصل من العلماء والمدرسين في تدريس علم اللغة العربية؟ ما علاقة علم اللغة العربية بالشريعة؟ هل لهذه اللغة تلك الأهمية والمكانة العظمى في علوم الشريعة حتى تحظى بتلك الأهمية من التصنيف والتدريس قبل أن يشرع الطالب في علوم الشريعة؟ فالجواب باختصار أيها الأحبة عن هذا الاستشكال أجمله في نقطتين.
النقطة الأولى أيها الأحبة: أن نقول إن علم اللغة العربية ودراسة اللغة العربية هي في الحقيقة ولاء وانتماء لدين الإسلام؛ فاللغة العربية تمثل هوية وحضارة أمة، اللغة العربية دين ندين الله سبحانه وتعالى به ونتعبد به لله عز وجل، بل نستطيع أن نقول إن اللغات بشكل عام هي شعار الأمم؛ تختزل الأمة هويتها في الحقيقة في لغتها. لذلك يقول الأديب الرافعي رحمه الله تعالى: اللغة هي صورة صادقة للأمة بأفكارها وهويتها وحقائق أنفسها. انظروا كيف يجعل اللغة هي صورة لوجود الأمة بأفكارها وهويتها وحقائق أنفسها؛ لذلك من ينظر في اللغة يجد أن الأمم المتقدمة حضاريًا التي لها سطوة تجد لغتها هي اللغة المقدمة في العالم، والأمم المغلوبة المقهورة تجدها تتبع في لغتها لغة الأمم الغالبة المنتصرة.
لذلك الاستعمار عندما غزا بلاد الإسلام في المائة سنة التي مضت، لاحظوا ماذا فعل بالدول التي استعمرها؛ حاول أن يسلخ هذه الأمة من ثقافتها ومن لغتها؛ فانظروا في دول أفريقيا مثلاً، الآن أصبح يغلب على أكثرها لغة الدول المستعمرة، لماذا؟ لأن الاستعمار أدرك أن سلخ هذه الأمم من حضارتها ومن هويتها يبدأ بسلخها من لغتها؛ فليس الأمر خاصًا باللغة العربية، حتى في الدول الأفريقية التي كانت تتكلم بلغاتها المحلية حاول الاستعمار أن يفكك تلك اللغات ويجعل هذه الدول تتكلم بلغة المستعمر. انظروا أيها الأحبة إلى دور الاستعمار في إنشاء طائفة المستشرقين الذين سعوا إلى تدمير اللغة العربية، وسعوا إلى هدم قواعدها، وسعوا إلى تغليب اللغة العامية؛ إذا لم نستطع أن ننشر لغة المستعمر فلا أقل من أن نهدم أساس اللغة العربية وننشر اللغة العامية حتى يزهد الناس بها. فلاحظوا أثر الحرب الشعواء التي شنها أعداء الأمة على اللغة العربية، هذه الحرب التي أدرك الأدباء أنها كانت حربًا على الهوية الإسلامية.
وللأسف السنوات التي مضت كثير من الفقهاء والمتفقهة وحملة الشريعة لم يدركوا غاية الحرب على اللغة العربية، بينما أدركها الأدباء؛ لذلك تجد الإمام الرافعي رحمه الله تعالى الأديب المصري عندما يؤلف كتاب "تحت راية القرآن" أراد أن يبين أيها الأحبة أن اللغة العربية هي عقيدة، في ظل الموجة التي شنها طه حسين وغيره من المستشرقين على اللغة العربية أراد هذا الأديب المسلم أن يبين أن اللغة العربية ليست فقط لغة ثقافة أو لغة جرائد أو لغة مجتمع، بل هي اللغة التي تجمعنا تحت العقيدة الواحدة. كذلك الشيخ شاكر في "أباطيل وأسمار" وغيره من الكتب أراد أن يرد على هؤلاء الذين يدعون إلى اللغة العامية ويدعون إلى لغة ضعيفة هزيلة؛ فالذي أدرك عمق المعركة على الإسلام أدرك أنها أتت من المعركة على اللغة العربية ومن التشكيك فيها.
أيها الأحبة، إذا شككت أنت في اللغة العربية شككت في الكتاب والسنة؛ شككت في مصادر التشريع من أين أتت وكيف أخذت؟ لكن هذا كما قلنا أدركه الأدباء أصحاب النظر العميق فألفوا المصنفات، ثم بعد ذلك الحمد لله توالت صحوة إسلامية وعودة حقيقية إلى المنابع الأصيلة في فهم اللغة العربية وإنشاء المجمعات وإنشاء الكتب والمصنفات التي تهتم بحماية اللغة العربية وبيان مآخذها وأصولها صيانة لها. فبشكل عام هذا الذي أردت أن ألمح إليه: أن اللغة العربية يا طالب العلم علاقتك بها هي علاقة عقدية، علاقة انتماء وعلاقة ولاء؛ أنت لا تدرس اللغة العربية على هامش طلبك للعلم، ولا تدرسها على أنها شيء من العلوم التي تواطأ العلماء على تدريسه، عليك أن تشعر وأنت تدرس اللغة العربية بالانتماء للأمة، تشعر بالانتماء لعقيدتك، تشعر بأن هذه اللغة هي لغة التوحيد، هي لغة «لا إله إلا الله» التي أنزلت بها خاتمة الشرائع.
وينبغي التنبه على هذا القدر، وانظروا أيها الأحبة لو تنبهنا إلى أثر اللغات الأجنبية في واقعنا المعاصر وفي مجتمعاتنا، تعرف حينئذ صدق القائل حينما قال إن اللغة تؤثر في الأخلاق وفي الدين وفي العادات والتقاليد. انظروا في مجتمعاتنا إلى هؤلاء الذين يتكلمون برطانة العجم ويتكالبون على الثقافة الأجنبية ويزهدون في اللغة العربية؛ انظر في دينهم وفي تعبدهم وفي أخلاقهم وسلوكياتهم وفي انبهارهم بالغرب؛ هؤلاء في مجتمعات العرب يحيون بيننا لكن يأنفون عن الكلام بالعربية، تجدهم في مجالسهم يحيون الكلام باللغة الأجنبية، لماذا؟ هناك نوع من الانهزام، هناك نوع من الانبهار بثقافة الغرب، فيؤثر ذلك ليس فقط في لسانه وليس فقط في تربية أبنائه، بل يؤثر في دينه وأخلاقه ونظرته لتعاليم الدين وفي تصوره لـ «لا إله إلا الله».
فالقضية في الحقيقة أكثر من أن تقف على حروف وكلمات تخرج من الفم؛ اللغة ليست فقط حروفًا وكلمات، علينا أن ندرك -خاصة طلبة العلم- أهمية اللغة على الفطرة وعلى الإيمان وعلى التوحيد؛ كلما كان عمق هذه اللغة في قلبك وفهمك لحقيقة المعركة أنها معركة عقيدة، ومعركة التوحيد، وليست على هامش المعارك الشرعية، كلما زاد تعلقك باللغة العربية وزاد التفاتك إلى تعلمها وإدراكك لعظمة ما تقوم بدراسته. هذا هو الأمر الأول في الجواب عن سؤال: لماذا نكثر من تعلم اللغة العربية ونحاول أن نصبغ ألسنتنا بها؟ لأن اللغة العربية هي العقيدة، هي الانتماء، هي الولاء، هي الهوية الإسلامية، علينا أن نحافظ عليها، علينا أن نعود ألسنتنا ونعود ألسنة أبنائنا والمجتمع وطلبة العلم على التكلم بها.
لذلك السلف رحمهم الله تعالى أدركوا أهمية اللغة، وأن الانحراف عن الجادة الصحيحة وظهور اللحن هو انحراف في الشريعة؛ لذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه -كما يذكر البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع"- كان يقول: العربية، فإن تعلمها مروءة. وكذلك أبو العباس المبرد يقول: سمعنا السلف يقولون: تعلموا العربية فإنها المروءة الظاهرة. كانوا يضربون أبناءهم على اللحن في اللغة؛ لماذا؟ لأنهم يعلمون أن بداية الانحراف في العقيدة يبدأ من الانحراف في اللغة العربية. لذلك من تتبع تاريخ البدع وظهورها من الفرق كالجهمية وغيرها والكرامية، يجد أن رؤوس أهل البدع كانوا من الأعاجم؛ الجهم بن صفوان لم يكن عربيًا، وابن كرام لم يكن عربيًا. رؤوس أهل البدع ما دخلت البدعة في الأمة الإسلامية وظهر التفرق وظهرت النحل إلا عندما ضعف اللسان العربي، وعندما ظهر اللحن، وظهر هؤلاء الذين لا يحملون الكلام العربي على طريقة المتقدمين وطريقة العرب، أصبحوا ينزلون الكتاب الكريم وينزلون السنة النبوية على عقولهم وعلى أهوائهم، وليس على ما تقتضيه اللغة العربية من الفهم، وهنا نشأ الخلاف العقدي من هذه الزاوية؛ عندما ظهر كثير من الأعاجم لا يتقنون اللغة العربية ولا يعرفون الاستعمال الشرعي للغة العربية.
هاتان نقطتان: الأولى أن تعرف اللغة العربية، والثانية أن تعرف الاستعمال الشرعي للغة العربية؛ لأن الشريعة أيضًا عندما استخدمت اللغة أحيانًا كانت تغير المعنى من عمومه إلى خصوصه ومن خصوصه إلى عمومه. عندما نشأ عندنا من لا يحسن اللغة العربية ولا يحسن فهم الشارع وكيف استخدم الشارع اللغة العربية، نشأت عندنا البدع في هذه الأمة وما زلنا للأسف نعيش في ظلالها إلى هذا اليوم؛ فإذا لاحظوا اللغة العربية في نشوء البدع في الفرقة في الضلال في الابتعاد عن الهوية، نجد أن اللغة العربية شأنها عظيم وأمرها كبير أكثر بكثير مما يتصوره كثير من طلبة العلم.
القضية الثانية أيها الأحبة: هي قضية أن تعلم اللغة العربية شرط في الاجتهاد، وهذا خاص بطلبة العلم؛ القضية الأولى قضية للأمة أن اللغة العربية عقيدة ومنهج، والقضية الثانية لماذا نكثر من دراسة اللغة العربية؟ لأن الأصوليين والعلماء أجمعوا على أنه لا يجوز أن يفتي في دين الله سبحانه وتعالى من لا يتقن اللغة العربية، هذا إجماع يذكره الأصوليون في مصنفاتهم واتفقوا عليه. طبعًا عندما يقولون لا يجوز أن يفتي في دين الله ولا يتأهل إلى مرتبة الاجتهاد من لا يتقن اللغة العربية، هم لا يقصدون بإتقان اللغة العربية أن تصل إلى مرتبة سيبويه والخليل، ولكن لابد أن تتضلع من علوم اللغة العربية جملة، صرفًا ونحوًا وبلاغة، أن يكون عندك اتساع على أساليب العرب في تخاطبها، أن تحذر من اللحن الفاحش، حينئذ يا طالب العلم تتأهل إلى مرتبة وتكون قد خطوت خطوة نحو الاجتهاد.
أما ما يحدث الآن أيها الأحبة في واقعنا المعاصر أن يتأهل أناس إلى الإفتاء في دين الله سبحانه وتعالى وهم لا يحسنون صياغة جملة عربية واحدة صحيحة، هذا في الحقيقة إشكال؛ كيف تفتي؟ كيف تتجرأ على الفتيا في دين الله سبحانه وأنت لا تتقن شيئًا من علوم اللغة العربية ولا تحسن صياغة الكلام وتكثر اللحن في الكلام؟ لذلك يقولون إن وكيعًا عندما ذهب إلى الأعمش ليتعلم منه الحديث بدأ يقرأ عليه في علم الحديث، فرآه الأعمش كثير اللحن، فقال يا وكيع -الأعمش يخاطب تلميذه وكيعًا- يقول له: يا وكيع، كان الأولى بك أن تطلب ما هو أهم من الحديث؛ فوكيع استغرب فقال: وهل هناك ما هو أولى من الحديث؟ قال: تتعلم النحو ثم تتعلم الحديث، فذهب وكيع وتعلم من شيخه الأعمش، ثم بعد ذلك عاد إلى تعلم الحديث. أما طالب علم يقرأ في صحيح البخاري ولا تكاد صفحة تخلو من خطأ ومن لحن، يقرأ في كتاب الله سبحانه وتعالى فيخفض ويرفع وينصب كما يشاء، ثم بعد ذلك تجده يفتي، تجده حمل شهادة جامعية وأصبح في...
على المنابر وعلى الإذاعات يتكلم في دين الله سبحانه وتعالى. هذا حقيقة انحراف عن جادة أهل العلم، وابتعاد عن الطريق القويم في طلب العلم، وفي فهمنا وفي ضبطنا لمفهوم الاجتهاد؛ إذ لا يتأهل للاجتهاد وللكلام في أمر الأمة وللكلام في النوازل إلا من أتقن وضبط شروطاً، من أهمها أن يكون متقناً إتقاناً عاماً للغة العربية بصروفها.
إذن هذان سببان أيها الأحبة يدفعاننا إلى تعلم اللغة العربية والاجتهاد في قراءة مصنفاتها. السبب الأول ما هو؟ أن اللغة العربية عقيدة وولاء وانتماء إلى دين الإسلام. ثانياً: أن اللغة العربية أيها الأحبة تعلمها شرط من شروط الاجتهاد. ثم اعلم يا طالب العلم أن اللغة العربية بحد ذاتها لها شرفها الخاص ولها جمالها. لذلك يقول ابن كثير رحمة الله تعالى عليه في تفسيره: اللغة العربية هي أفصح اللغات وأوسعها وأبينها وأكثرها قدرة على تأدية المعاني القائمة في النفوس.
لذلك أيها الأحبة الله سبحانه وتعالى اختار اللغة العربية لتكون لغة خاتمة الشرائع. يتحدى بها المعجزة الخالدة لهذه الأمة ما هي؟ القرآن الكريم أنزله الله عز وجل باللغة العربية متحدياً به إلى قيام الساعة. أنزله الله عز وجل بهذه اللغة لينور ولينبه على شرف هذه اللغة، فهذه اللغة العربية هي وعاء الشريعة، نزلت بها خاتمة الشرائع. اللغة العربية اختارها الله عز وجل لكتابه العزيز، فعليك أن تعرف قدرها وتعلم لماذا جعل العلماء أن من شرط الاجتهاد تعلم اللغة العربية.
يقول الطالب: لماذا من شرط الاجتهاد أن يتعلم الطالب اللغة العربية؟ ما علاقة اللغة العربية؟ نقول: اللغة العربية هي وعاء الشريعة. الله سبحانه وتعالى اختار اللغة العربية لخاتمة الشرائع؛ كتاب عربي والسنة النبوية عربية. والله عز وجل عندما أنزل الكتاب بهذه اللغة العربية، وعندما جعل نبينا عربياً فصيحاً بليغاً، أراد أن ينبه على شرف هذه اللغة. فعليك يا طالب العلم إذا أردت أن تلج إلى علوم الشريعة، إذا أردت أن تستنبط من معين الكتاب والسنة، أن تكون ضابطاً للغة العربية.
هي هكذا الأمور. كيف مثلاً الإنسان الآن يدرس علم الطب؟ تحتاج دراسة اللغة الإنجليزية لأن هذا العلم مصطلحاته دونت بهذه اللغة، فتعتبر اللغة الإنجليزية هي المدخل لدراسة علم الطب والعلوم الحديثة. فنقول في المقابل: الله عز وجل جاء بالشريعة باللغة العربية، فاللغة العربية إذاً هي المدخل إلى دراسة علوم الشريعة. فطالب علم يريد أن يلج إلى علوم الشريعة، إلى صلبها، إلى عمقها، وهو لا يملك الآلة، لا يملك اللغة التي جاءت بها هذه الشريعة، هذا خلل في التأصيل.
إذاً هذه مقدمة سريعة، دائماً نتكلم في بداية أي مصنف في علوم اللغة، نتكلم عن أهمية اللغة عن شرف اللغة. نعيد التنبيه والتذكير، نحن بينا ذاك في شرح "نظم المقصود" فيما سبق، بينا في شرح "ملحة الإعراب"، في شرح "الآجرومية" أهمية اللغة العربية ودورها في الأمة، ونعيد ونكرر حتى يبقى طالب العلم متنبهاً متيقظاً متذكراً للمقصد الذي من أجله يدرس علم اللغة العربية.
الآن أيها الأحبة ندخل في المصنف الذي بين أيدينا. قلنا الكتاب الذي بين أيدينا ما هو أيها الأحبة؟ كتاب "قطر الندى وبل الصدى" للإمام أبي محمد عبد الله جمال الدين. طبعاً عندما يجتمع الاسم واللقب يؤخر اللقب فتقول محمد جمال الدين، إلا في بعض الأحيان وعلى طريقة المتأخرين كما يقول البعض يجوزون تقديم اللقب على الاسم. وإلا الأصل كما يقول ابن مالك: "واسم أتى وكنية ولقباً.. وأخّر ذاك سواه صحبا". فالأصل إذا اجتمع الاسم مع اللقب أن يتأخر اللقب فتبدأ بالاسم تقول عبد الله، ما لقبه؟ جمال الدين. لذلك حتى في الكتاب الذي بين أيديكم انظروا إلى الصفحة الأولى إلى صفحة المجلد، تجدون تصنيف "محمد عبد الله جمال الدين"، جمال الدين ليس اسمه لا، جمال الدين هو لقبه. لماذا أخره؟ لأن هذا هو الأصل. الأصل إذا اجتمع الاسم مع اللقب أن يتأخر اللقب عن الاسم.
لذلك هذا الكتاب "قطر الندى وبل الصدى" للإمام أبي عبد الله محمد جمال الدين بن يوسف بن هشام الأنصاري المصري. لعلنا نقرأ شيئاً من ترجمته، لكن ما معنى "قطر الندى وبل الصدى"؟ "قطر الندى" ما هو أيها الأحبة؟ قطر الندى هي تلك القطرات الندية النقية تجدها في ساعات الصباح على أوراق الشجر وعلى الجدران ونحو ذلك من الأسطحة. قطرات قليلة، أليس كذلك؟ إذاً قال "قطر الندى"، "وبل الصدى"، الصدى هو العطش الشديد. الصدى هو العطش الشديد. فقال هذا المتن "بلّ الصدى"، بلّ للعطش الشديد. فكأن ابن هشام رحمه الله تعالى يريد أن يقول: هذا المتن للطالب الصبيان العطشان التائق إلى دراسة اللغة العربية. لكن هذا المتن الذي أهديه إليك أيها الطالب الصبيان العطشان هذا المتن لا يرويك، لا يشبعك، وإنما هو مثل قطرات الندى قليلة متناثرة يبلّ عطشك ولكنه لا يرويك. فكأنه يريد أن يقول: هناك ما هو أكثر، فهذا الكتاب لا يروي الظمأ، ولكنه يبلّ. لذلك قال "قطر الندى" قطرات متناثرة، و"بل الصدى" بلّ ذاك الحلقوم العطش الظمأ ولكنه لا يرويه، فتحتاج بعد دراسة هذا الكتاب إلى الإكمال في دراسة علوم اللغة العربية. إذاً هذا معنى العنوان.
ثم بعد ذلك لمحة عن هذا الكتاب. هذا الكتاب أيها الأحبة عبارة عن متن وضعه الإمام ابن هشام الأنصاري رحمة الله عليه في علم النحو. وهذا الكتاب في الحقيقة من أهم كتب علم النحو. وكتب ابن هشام رحمة الله عليه في جملتها، سواء كان "قطر الندى" أو "شذور الذهب" أو شرح ابن هشام على "ألفية ابن مالك" الموسوم بـ"أوضح المسالك" أو "مغني اللبيب"، بشكل عام كتب ابن هشام رحمه الله تعالى على طالب العلم أن يهتم بدراستها، أن ينظر فيها بتمعن وتأمل. لأن ابن هشام آتاه الله عز وجل ملكة التصنيف والترتيب في التصنيف. هذه الملكة، حسن الترتيب في التصنيف موهبة يؤتيها الله عز وجل من يشاء من عباده. هناك أئمة كبار عندهم علم جم لكن لا يحسنون التصنيف، فالفائدة لا تصل إلى الطالب. وهناك علماء منحهم الله عز وجل هذه الموهبة، منهم ابن هشام رحمه الله تعالى، آتاه الله عز وجل هذه الموهبة. لذلك تجد كتبه كتباً تعليمية تصلح لطالب العلم أن ينكب عليها، يجد هناك تدرجاً في المعلومة، وضوحاً في العبارة، تألقاً في المعاني، تألقاً في الاستشهاد. تجد هناك اللطائف، تجد الدقائق منمقة مرتبة بشكل واضح بين، بحيث يسهل على الطالب أن يقرأها وحده. لذلك دائماً كان مشايخنا، كان علماؤنا يحثوننا على قراءة كتب هذا الإمام.
ومن أهم الكتب هذا المتن المبارك "قطر الندى وبل الصدى". وهذا المتن أيها الأحبة تختلف طرق المدرسين، منهم من يجعله بعد دراسة "ألفية ابن مالك"، وهذا يكثر في بلاد المغرب، أن يحفظ الطالب الألفية يدرسها دراسة خفيفة ثم بعد ذلك يتبعها بدراسة "قطر الندى". ومنهم من يقدم دراسة هذا المتن على دراسة الألفية، وهذا المسلك الذي نسلكه نحن في "غراس العلم" أننا ندرس "قطر الندى" ككتاب، ثم بعد ذلك ننتقل إلى دراسة ابن مالك بإذن الله. وهذا أمر اصطلاحي، يعني قدمت دراسة الألفية على القطر أو أخرت، هذا في النهاية أمر اصطلاحي، أن يسير الطالب في ركب العلم وأن يجد من يعلمه ومن ينبهه ومن يوقفه على دقائق المصنفات والمتون.
هذا الكتاب أيها الأحبة "قطر الندى وبل الصدى" عليه عدة شروح. أهم تلك الشروح شرح ابن هشام رحمه الله تعالى على متنه، لأن ابن هشام وضع هذا المتن الموسوم بـ"قطر الندى وبل الصدى"، ثم قام وشرحه. ونحن بإذن الله عز وجل في هذه الدورة لن نشرح فقط متن ابن هشام، سنشرح المتن والشرح لابن هشام؛ لأن الفائدة المرجوة في شرحه في الحقيقة أكثر من الفائدة المرجوة في المتن. جيد، متن ابن هشام متن جيد، لكن الفائدة في الحقيقة في شرحه أعظم بكثير، وفيه ترتيب وفيه نكت وفيه معاني وفيه دقائق وفيه استشهادات لا بد أن يقف عليها الطالب. لذلك نحن في هذه الدورة لن نشرح فقط المتن، ننبه ابتداءً، نحن سنقرأ المتن والشرح ونعلق، ودعها تأخذ منا وقتاً لا حرج في ذلك. دعنا نجلس في معين هذا الكتاب ننهل منه، دعنا ننظر ونتأمل ونحقق ونحلّي عبارات ابن هشام رحمه الله تعالى، وبعد أن ننهي الكتاب من ضبط هذا الكتاب وفهمه، سيجد نفسه تشرب من علم النحو تشرباً عظيماً، يجد أن المتن مع الشرح بإذن الله سيجعلك ترتوي. هو قال "قطر الندى وبل الصدى" هذا للمتن، لكن من قرأ المتن مع الشرح سيجد هناك نوعاً من الارتواء بإذن الله، سيجد فائدة عظيمة. فعندما يحفظ "ألفية ابن مالك" سيرتاح كثيراً، سيجد نفسه ربما شرح من الألفية من سبعين إلى ثمانين بالمئة منها، هذا الكتاب تضمن من سبعين إلى ثمانين بالمئة من معاني "ألفية ابن مالك". فالكتاب في الحقيقة عظيم ليس بمتنه فقط، بل بمتنه وشرحه.
إذاً هذا هو الشرح الأول لهذا الكتاب، شرح ابن هشام رحمه الله تعالى. الشرح الثاني أيها الأحبة المهم، شرح الإمام الفاكهي رحمه الله تعالى الموسوم بـ"مجيب النداء"، وشرح الإمام الفاكهي عليه حاشية نفيسة للإمام ياسين الحمصي رحمه الله تعالى، ياسين الحمصي وضع حاشية على "مجيب النداء". فهذا الشرح، شرح الفاكهي مع حاشيته من الكتب النفيسة التي وضعت على هذا المتن المبارك. وهناك حواشٍ أخرى، حاشية الفيشي وغيرها من الحواشي، يعني تجدونها، وكذلك هناك أيضاً شروح معاصرة، شرح الدكتور عبد الله الفوزان "تعجيل الندى" هكذا أظن اسمه، شرح للشيخ عبد الله الفوزان ومجموعة من الشروح المعاصرة. لا أريد أن أطيل في ذكر الشروح؛ لأنني في الحقيقة هذا الكتاب أهم شروحه شرحان، شرح ابن هشام رحمه الله تعالى وشرح الفاكهي. والشروح الأخرى والحواشي الأخرى إن شاء الله فيها نفع وفيها بركة، لكن لا بد للطالب أن يهتم بهذين الشرحين، شرح ابن هشام وشرح الفاكهي. ونحن كما قلنا في هذه الدورة سنعتمد شرح ابن هشام رحمه الله تعالى، نقرأه سطراً سطراً.
ابن هشام رحمه الله تعالى دائماً من دأب أهل العلم رحمهم الله تعالى في بداية قراءة المصنفات أن يعرفوا بلمحة إجمالية سريعة عن المصنف، ندعو له جزاه الله عز وجل عنا وعن الإسلام خيراً، أتعب نفسه في كتابة هذا الكتاب وفي تصنيفه حتى ينتفع به طلبة العلم وتنتفع به هذه الأمة. ولا نترحم عليه ونسأل الله أن يتغمده برحمته وفضله، وهذا دأب طالب العلم مع المصنفات ومع الكتب. لا تكن جافاً في علاقتك مع الكتب، عندما تقرأ كتاباً لإمام من الأئمة ترحم على هذا الإمام، تذكر تلك الساعات التي جلسها هذا الإمام، ربما لا ينام الليل ويكون ظمآناً في نهاره حتى يدون، يرتحل إلى آفاق الأرض حتى يسجل لنا حديثاً أو يكتب لنا فقهاً أو يضع لنا كتاباً مصنفاً في علم من علوم الآلة، فنسأل الله أن يتغمدهم، كانوا أصحاب همم سامقة، دونوا لنا هذا العلم العظيم، فتغمدهم الله عز وجل برحمته.
سريعاً ترجمة للإمام ابن هشام، نقرأها سريعاً حتى نتعرف على هذا الإمام الفذ. قالوا بالإمام الذي فاق أقرانه وشأ من تقدمه وأعيا من يأتي بعده، الذي لا يشق غباره في سعة الاطلاع وحسن العبارة وجمال التعليل، الصالح الورع أبو محمد عبد الله جمال الدين بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري المصري. دائماً عندما تدرس سيرة إمام عليك أن تعرف متى ولد ومتى توفاه الله سبحانه وتعالى. الإمام ابن هشام الأنصاري رحمه الله ولد عام ثمانية وسبعمئة للهجرة، وتوفاه الله سبحانه وتعالى عام واحد وستين وسبعمئة للهجرة.
من مآثره رحمه الله تعالى، أولاً ننظر في شيوخه، على من درس رحمه الله تعالى؟ قال: لازم الشهاب عبد اللطيف بن المرحل، وتلا على ابن السراج، وسمع على حيان ديوان زهير بن أبي سلمى المزني، طبعاً هذا أبو حيان الأندلسي رحمه الله تعالى هو المتأخر، سمع على أبي حيان ديوان زهير بن أبي سلمى المزني ولم يلازمه ولا قرأ عليه غيره. حضر دروس التاج التبريزي، وقرأ على التاج الفاكهاني شرح "الإشارة" إلى ورقة واحدة عن ابن جماعة بالشاطبية. تفقه على مذهب الشافعي ثم تجمّد رحمه الله تعالى، وهذا من مآثره، تفقه على مذهب الشافعي ثم تجمّد رحمه الله تعالى فحفظ "مختصر الخرقي". انظروا ماذا يقول ابن خلدون؟ ابن خلدون يقول: ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له ابن هشام، أنحى من سيبويه. انظروا السمعة التي طارت في الآفاق، ابن هشام رحمه الله تعالى ابن خلدون في المغرب يقول: ما زلنا نسمع بعالم خرج في مصر أنحى من سيبويه. طبعاً يعني سواء كانت هذه مبالغة وليست مبالغة، لا يهمنا تحقيق العبارة، لكن يهمنا السمعة الطيبة والعلم الجم الذي بلغه ابن هشام حتى إنه أنحى من سيبويه. وقال عنه مرة أخرى، هذا أيضاً من كلام ابن خلدون، إن ابن هشام على علم جم يشهد بعلو قدره في صناعة النحو. وكان.
ينحو في طريقته منحى أهل الموصل، الذين اقتفوا أثر ابن جني رحمه الله تعالى. ابن جني صاحب الخصائص، من أئمة النحو من أهل العلم المتقدمين، واتبع مصطلح تعليمه فأتى من ذلك بشيء عجيب دال على قوة ملكته واطلاعه.
ابن جني في الحقيقة يحسن التصنيف أيضًا، لذلك عندما تجد ابن هشام يحسن التصنيف تعرف أنه تأثر بطريقة ابن جني نوعًا ما؛ فهذا الشبل كما يقولون من ذاك الأسد. ابن هشام له مصنفات كثيرة أيها الأحبة، أهم المصنفات التي ينبغي على طالب العلم أن يعتني بها كما قلنا: كتابه قطر الندى وبل الصدى مع الشرح، كذلك شذور الذهب مع الشرح لأن ابن هشام وضع شذور الذهب وشرحه، أوضح المسالك على ألفية ابن مالك، ومغني اللبيب عن كتب الأعاريب، له كذلك كتاب مختصر في قواعد الإعراب، وهو أيضًا كتاب نافع. هذه أهم الكتب له، شرح على قصيدة بانت سعاد، وله كذلك شروح وتعليقات منوعة، لكن ما ذكرناه هي أهم الكتب التي على طالب العلم أن يعرفها وأن يقتنيها وأن ينكب على دراستها، وفي الحقيقة من درس كتب ابن هشام أغنته عن غيرها من المصنفات.
الآن أيها الأحبة هذا وقت الشروع في هذا المصنف، نحن كما قلنا في غراس العلم أنهينا المستوى الأول، المستوى الأول غراس العلم كان يقتصر على الكتب المختصرة المقتضبة في العلوم، في المستوى الثاني بإذن الله ننتقل إلى كتب متوسطة، كتب يحتاج إلى جد واجتهاد واستفراغ الوسع، ومن جد وجد ومن سار على الدرب وصل. نحتاج إلى همة ونحتاج إلى الدعاء أن يوفقنا الله عز وجل لختم المصنفات العلمية وإلى دراستها دراسة جيدة تحليلية، وألا يشغلنا بشيء من متاع هذه الحياة الدنيا الزائل، والله سبحانه وتعالى هو الموفق؛ هو الذي يوفقك يا طالب العلم للقراءة، هو الذي يوفقك إلى طلب العلم، هو الذي يوفقك إلى الهمة العالية، فكل شيء منه وإليه سبحانه وتعالى.
فدائمًا عليك أن تلتجئ إلى الله عز وجل، إذا رأيت الدنيا تبتعد بك يمينًا وشمالًا عليك أن تذهب إليه، أن تسجد بين يديه، أن تخضع جبهتك بين يديه تقول: يا رب أسألك الهمة العالية، أسألك أن تصرف عني شواغل الحياة الدنيا، أسألك أن توفقني للفهم، أن تكشف عني غموض المسائل، أن تحل علي عويصها. فهذا كله بفتح الرب سبحانه وتعالى، خاصة في هذا الزمان الذي كثرت فيه الانشغال، قل فيه المعلم وقل فيه الصابر وقل فيه المتعلم، قل فيه من يلتفت إلى هذه المصنفات، قد يراك الناس تشتغل بفضول الحياة الدنيا ولا يدركون أنك تشتغل بأشرف العلوم على وجه الأرض، أنك تحفظ لهم شريعتهم، ولكن يكفيك أن الله عز وجل يعرف قدر ذلك لك. نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يرزقنا الاتباع، وأن يرزقنا العمل بعد العلم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
دأبنا أيها الأحبة دائمًا في بداية أي علم، بل حتى لو قرأنا فيه مصنفات كثيرة، دائمًا عندما نشرع في كتاب علمي نذهب دائمًا إلى دراسة شيء في البداية، ما هو؟ دراسة المبادئ العشرة لهذا العلم، دائمًا في دراسة أي علم، حتى لو درست كتابًا مختصرًا تقول: يا شيخ، قد ذكرنا المبادئ العشرة عندما درسنا الآجرومية وعندما درسنا ملحة الإعراب! نعم، نعيدها في دراسة قطر الندى ونعيدها في دراسة ألفية ابن مالك؛ لأن العلم بالمذاكرة. دائمًا هذه المعلومات عندما تتكرر على ذهنك كرات وكرات تثبت وترسخ، وفي بداية قراءتك للكتاب تتذكر ربما غفلت ربما نسيت، فلابد من التذكير بهذه المبادئ العشرة لأنها أصول للعلوم.
المبادئ العشرة التي نظمها العلامة الصبان رحمه الله تعالى في قوله: إن مبادئ كل فن عشرة ... الحد والموضوع ثم الثمرة ونسبة وفضل والواضع ... والاسم الاستمداد حكم الشارع مسائل والبعض بالبعض اكتفى ... ومن درى الجميع حاز الشرف هذه تسمى المبادئ العشرة، لا ينبغي لطالب العلم أن يشرع في علم من العلوم حتى يدرس هذه المبادئ، هي أصول ومدخل لدراستك لأي علم، من خلالها تلج إلى دراسة العلم، لأن هذه المبادئ العشرة يا طلبة العلم تعطيكم تصورًا عامًا مجملًا عن هذا العلم الذي ستشرعون في دراسته. الطالب الذي يدخل في العلم وفي مصنفات العلماء بعد أن يأخذ تصورًا عامًا مجملًا ليس مثل الطالب الذي يدخل في المصنف وهو لا يعرف ما هو هذا العلم الذي يدرس وما موضوعه؟ وما الفائدة المرجوة منه؟ ومن الذي وضعه؟ وكيف أتى؟ لا يستويان.
لذلك فمن المهم، وعلى طالب العلم أن لا يجد في ذلك حرجًا، من المهم قبل أن تلج في أي مصنف علمي في أي علم من العلوم أن تدرس المبادئ العشرة حتى تتصور هذا العلم الذي ستقبل عليه، حينئذ يكون ولوجك بوضوح وعلى بصيرة، وتضع القدم بإذن الله في المكان الصحيح. ربما تقول ما معنى المبادئ العشرة وهذا بيناه كثيرًا؟ وشرحنا هذه الأبيات الثلاث للصبان في كل دورة نشرحها تقريبًا، فنحن إن شاء الله من خلال تطبيق المبادئ العشرة على هذا العلم ستدرك ما هي هذه المبادئ وما المقصود بها.
قال رحمه الله تعالى: إن مبادئ كل فن عشرة، الحد. ما معنى الحد؟ التعريف، دعني الآن من اصطلاحات المناطقة على أن الحد أخص من التعريف، نعم هذا على طريقة المناطقة، وعلى طريقة الأصوليين الحد هو التعريف، لا عندهم فرق بينهما، لا يهمنا الآن تحليل هذه العبارات، باختصار الحد هو التعريف. فأول شيء عليك أن تتعلمه قبل أن تلج في مصنف علمي أن تعرف تعريف العلم، هل يصلح لطالب أن يدرس فنًا من الفنون لو سألته ما تعريف هذا الفن؟ لا يعرف، هذا عيب قادح، لا تستطيع أن تعبر عن ماذا تدرس فكيف تضبط هذا العلم أصلًا؟
فنقول: ما هو تعريف علم النحو؟ عندما يذهب العلماء إلى التعاريف انظروا في أي مصنفات علوم الشريعة أو علوم اللغة بل حتى في علوم الاجتماع إلى غير ذلك، تجدهم يذكرون تعريفين: تعريف لغوي للمصطلح، وتعريف اصطلاحي. أي كلمة الآن في علوم الشريعة إذا نظرت في المصنفات تجد العلماء يذكرون تعريفين: تعريف لغوي لهذه الكلمة، أي هذه الكلمة في لسان العرب ابتداء ما موضوعها؟ وضعت لأي معنى؟ ثم ينتقلون بعد إلى التعريف الاصطلاحي لهذه الكلمة.
لماذا أو ما معنى اصطلاح ابتداء؟ الاصطلاح ما هو؟ الاتفاق، هذا معنى كلمة اصطلح فلان أو اصطلحت هذه الطائفة على كذا أي اتفقت. فدائمًا أي مصطلح أي كلمة تريد أن تعرفها طريقة أهل العلم أن يذكروا لها تعريفين: تعريف لغوي أن هذه الكلمة ابتداء في لسان العرب تدل على كذا، ثم يذكر التعريف الذي عليه في هذا الفن هذه الكلمة. فمثلاً الصلاة عندما نأتي في كتاب فقهي نجد أن علماء الشريعة يقولون ماذا؟ الصلاة لغة هي الدعاء، فيذهبون أولًا إلى بيان هذه الكلمة كلمة الصلاة في لغة العرب ابتداء ثم يقولون: واصطلاحًا أو شرعًا.
ما معنى اصطلاحًا؟ يعني في عرف علماء الشريعة، علماء الشريعة اتفقوا على وضع كلمة الصلاة إلى أي معنى أو على أي معنى؟ كذلك مثل الآن علم النحو، كلمة النحو، هذه الكلمة يقولون لغة معناها كذا، أي العرب عندما استخدمت كلمة النحو علام كانت تستخدمها؟ ما هي الأوجه التي استخدمتها؟ ثم يقولون: وأما النحو اصطلاحًا، ما معنى اصطلاحًا؟ أي في اتفاق علماء هذه الصنعة هذه الكلمة على ماذا تدل؟ ما الفائدة؟
لماذا نحن مثلاً في علم الفقه لماذا لا نعرف الصلاة مباشرة في عرف فقهاء الشريعة؟ ما الفائدة من ذكر المعنى اللغوي؟ مثلاً في علم أصول الفقه، لماذا نتعب كثيرًا في بيان المعنى اللغوي لكلمة أصول، ثم المعنى اللغوي لكلمة الفقه، ثم بعد ذلك ننتقل إلى المعنى، نقول هناك تعريف لقبِي وتعريف إضافي، لماذا هذا الانتقال دائمًا من اللغة إلى الاصطلاح؟ لماذا ما نذكر تعريف أصول الفقه عند علماء الأصول وانتهى الأمر؟ ما الفائدة؟
يقولون الفائدة من ذلك أيها الأحبة أن يدرك الطالب العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، هذا مهم، أن تفهم لماذا العلماء متواطئون في أي فن من الفنون، لماذا العلماء متواطئون دائمًا على أي كلمة يريدون أن يبينوا معناها يذكرون المعنى اللغوي لها ثم ينتقلون إلى المعنى الاصطلاحي. ما الفائدة؟ أن يدرك الطالب العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، كأن العلماء يريدون أن يقولوا هذه الكلمة التي اصطلحنا في فننا أنها تستخدم في كذا وكذا، لم نصطلح عليها اعتباطًا، هكذا ذهبنا إلى أي كلمة في اللغة العربية ووضعناها في فننا.
فمثلاً كلمة الصلاة، هل هكذا وضعت اعتباطًا لتدل على الأقوال المخصوصة والأفعال المخصوصة المبتدأة بالتكبير والمختتمة بالتسليم؟ لا، توجد علاقة بين المعنى الاصطلاحي والمعنى اللغوي. كلمة الزكاة كذلك، أصول الفقه، أي مصطلح، هل هناك اختيار اعتباطي؟ يعني هكذا يذهب علماء مثلاً أصول الفقه يبحثون عن أي كلمة في اللغة يأتون بها ويضعون لها مصطلحًا خاصًا، ولا من وجود علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي؟ هذه العلاقة هي التي جعلتهم يختارون هذا اللفظ الذي يدل في لغة العرب على كذا وكذا ليصطلحوا عليه في فنهم على كذا وكذا، لابد من وجود علاقة.
لذلك يهتمون ببيان العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، كأنهم يريدون أن يقولوا هذه الكلمة اخترناها لك في هذا الفن أو اصطلحنا عليها في هذا الفن لأنها بلغة العرب تدل على كذا فيصلح أن تؤخذ وتوضع في هذا الفن لكذا وكذا، هناك مناسبة. فالصلاة في اللغة هي الدعاء، وفي عرف الشريعة الصلاة هي الأقوال المخصوصة والأفعال المخصوصة المبتدأة بالتكبير والمختتمة بالتسليم. هل هناك علاقة بين المعنى اللغوي الدعاء وبين هذا المعنى الاصطلاحي؟ تقول نعم، أن أغلب الصلاة هي في الحقيقة ماذا؟ الصلاة الشرعية هي دعاء؛ أنت إذا سجدت تدعو، إذا ركعت تدعو، إذا وقفت، حتى إذا قرأت الفاتحة ثم بعدها ربما تقرأ آيات الدعاء، إذا جلست بين السجدتين تدعو، إذا جلست الركعة الأخيرة بعد التشهد تدعو. إذا الدعاء عنصر أساسي في الصلاة الشرعية، فناسب أخذ الصلاة التي هي في اللغة دعاء وإطلاقها على المعنى الاصطلاحي الفقهي على الأفعال المخصوصة والأقوال المخصوصة المبتدأة بالتكبير والمختتمة بالتسليم.
مثل الزكاة في اللغة ما معناها؟ التطهير والتنمية، هذا معناها في اللغة، نقلت واستخدمت في عرف الشريعة على إخراج المال المخصوص في الوقت المخصوص بالمقادير المخصوصة. لماذا استخدمت كلمة الزكاة على هذه العبادة الشرعية؟ لماذا كلمة الزكاة بحد ذاتها هي التي استخدمت على إخراج المال المخصوص بالصفة المخصوصة؟ لماذا نقلت إلى هذا المعنى؟ نقول لأن في إخراج المال المخصوص على القدر المخصوص تطهير لهذا المال وتنمية له وزيادة للبركة فيه، فناسب أن تؤخذ كلمة الزكاة التي تدل في اللغة على معنى التنمية والتطهير وتستخدم في هذا الاصطلاح الذي هو إخراج المال بالمعنى المخصوص. فهذا دائمًا هو فقط تنبيه، حتى لا يغفل الطالب عن هذه القضية. دائمًا ربما يستشكل لماذا يذكر العلماء المعنى اللغوي، تقول لغة واصطلاحًا، لغة واصطلاحًا، لماذا هذا التكرار؟ لا، هذا فيه أمر مهم هو بيان العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، وعادة ما تكون العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي هي علاقة العموم والخصوص المطلق.
ما معنى ذلك؟ أن المعنى الاصطلاحي للكلمة في هذا الفن هو فرد من أفراد المعنى اللغوي؛ يعني المعنى اللغوي عام ونأتي في اصطلاحنا نأخذ هذا المعنى اللغوي ونخصصه بمعنى أدق. فالصلاة في اللغة هي مطلق الدعاء، أخذناها في فقه الشريعة وخصصناها بدعاء معين، دعاء مخصوص على صفة مخصوصة. الصيام في اللغة ما هو؟ الإمساك، مطلق الإمساك، أخذناه في فقه الشريعة وقولي له هو إمساك مخصوص بنية مخصوصة. فعادة ما يكون المعنى اللغوي عام واسع، ومعنى الاصطلاح أخص من المعنى اللغوي. أحيانًا وعلى قلة يأتي العكس؛ يكون المعنى اللغوي هو الخاص الأضيق والمعنى الاصطلاحي الذي تنقل إليه الكلمة يكون هو العام، وهذا دائمًا نمثل له بتعريف الإيمان، الإيمان في اللغة هو ماذا؟ هو التصديق أو الإقرار، سواء قلت هذا أو هذا، فقلنا الإيمان في اللغة هو ماذا؟ التصديق، مدلوله التصديق، بينما في فقه الشريعة عند علماء السنة ما هو الإيمان؟ هو تصديق بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، لاحظ أن علماء العقيدة استخدموا الإيمان بمفهوم أوسع، الإيمان في اللغة هو التصديق ونقل في الشريعة واستخدم بمعنى أوسع ليس فقط التصديق، تصديق مع قول باللسان وإقرار بالجوارح، إذا نلاحظ المعنى الاصطلاحي أوسع من المعنى اللغوي. لكن هذا قليل، والأكثر في الاستخدام أن يكون المعنى اللغوي عام واسع، ثم يأتي علماء يأخذون هذا المعنى الواسع ويخصصونه في صنعتهم لمعنى أدق، هذا فقط فائدة على الهامش.
إذن نعود إلى النحو، النحو لابد أن نعرفه لغة واصطلاحًا بناء على ما قدمناه من المقدمة الطويلة. ما معنى النحو لغة الآن أيها الأحبة؟ هناك بيت دائمًا أذكره يلخص لنا كلمة النحو ما معانيها في اللغة العربية؟ بيت شعر يجمع لنا المعاني الأساسية التي أتت عليها كلمة النحو في اللغة العربية في لسان العرب، قال أحدهم يجمع هذه المعاني، قال: قصد ومثل جهة مقدار قسم ... وبعض قاله الأخيار نعيد هذا البيت، يجمع معاني كلمة النحو لغة.
قصد ومثل جهة مقدار قسم وبعض قاله الأخيار. هذا البيت نفهم منه أن كلمة النحو تأتي في اللغة العربية على ستة معاني. لنحلل البيت: المعنى الأول "قصد"، أي أن كلمة النحو في اللغة العربية تأتي بمعنى القصد، مثال ذلك: نحوتك ابتغاء معروفك، أي قصدتك ابتغاء معروفك. إذا هذا هو المعنى الأول لكلمة النحو لغة.
المعنى الثاني "ومثل"، كلمة النحو تأتي بمعنى المثل، نقول: محمد نحو خالد، أي مثل خالد. هذه الوردة نحو هذه الوردة، أي مثل هذه الوردة. فالنحو إذاً المعنى الثاني له المثل.
المعنى الثالث "جهة". اتجه محمد نحو المشرق، أي جهة المشرق. واضح إذاً هذا هو المعنى الثالث لكلمة النحو بمعنى الجهة.
المعنى الرابع "مقدار". هذا الثوب نحو أربعين ذراعاً، أي مقدار أربعين ذراعاً، فأنت تتكلم الآن عن مقدار، استخدمت كلمة النحو بمعنى المقدار. أو مثلاً هذا الطعام نحو خمسة أرطال، أي مقدار خمسة أرطال.
المعنى الخامس لكلمة النحو "قسم". ما مثال ذلك؟ حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في البخاري: «كان نكاح الجاهلية على أربعة أنحاء»، أي على أربعة أقسام. ثم ذكرت بعد ذلك نكاح كذا ونكاح الاستبضاع إلى غير ذلك. فهذا من استخدام كلمة النحو: كان نكاح أهل الجاهلية على أربعة أنحاء، أي على أربعة أقسام.
المعنى الأخير أيها الأحبة "وبعض". كلمة النحو تأتي بمعنى البعض، أكلت نحو هذه السمكة، أي أكلت بعض هذه السمكة. إذاً معاني كلمة النحو في اللغة ستة، هذه هي المعاني الأصلية: قصد ومثل جهة مقدار قسم وبعض قاله الأخيار. هذا معنى النحو لغة.
ننتقل الآن إلى معنى النحو اصطلاحاً. ما معنى كلمة النحو اصطلاحاً في هذا الفن؟ لو قيل لك عرّف لي النحو في اصطلاح أهل الفن، ما هو النحو؟ فنقول: النحو علم يُعرف به أحوال أواخر الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء. نعيد: النحو علم يُعرف به أحوال أواخر الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء.
لنحلل هذا التعريف؛ دائماً التحليل والوقوف مهم، وأن يتعود الطالب بأن يفهم كلام أهل العلم ليس فقط أن نحفظ، بل أن نحلل حتى نصل إلى المعنى ويرسخ في الذهن. قال: "النحو علم يعرف به". كلمة "علم" دائماً إذا صُدرت في بداية تعريف، نكرر هذه المعلومة والفائدة، إذا وجدت أي تعريف مصدراً بكلمة "علم"، فإن كلمة العلم تحتمل معنى من ثلاثة: إما أن يكون المراد بالعلم القواعد والمسائل، وإما أن يراد بالعلم في بداية التعريف الإدراك الذي هو المعنى اللغوي، وإما أن يراد بالعلم الملكة. فإذا وجدت كلمة "علم" في بداية أي تعريف، حاول أن تنظر ما هو المعنى المناسب لها من هذه المعاني الثلاثة. هل الأنسب أن تكون بمعنى القواعد والمسائل، أو الأنسب أن تكون بمعنى الإدراك، أم الأنسب أن تكون بمعنى الملكة؟
نأتي لنطبق هذا التعريف: قلنا "النحو علم يُعرف به أحوال أواخر الكلمات". علم يُعرف به، أيش الأنسب تكون هنا؟ أزل كلمة "علم" وضع مكانها معنى من المعاني الثلاثة: "قواعد ومسائل يُعرف بها"، "إدراك يُعرف به"، أو "ملكة يُعرف بها". الأنسب والأقرب المعنى الأول: قواعد ومسائل. فإذاً عندما نقول: النحو علم يُعرف به أحوال أواخر الكلمات، نقصد بالعلم القواعد والمسائل، فكأننا نقول إنه قواعد ومسائل، هذه القواعد والمسائل يُعرف بها ماذا؟ إذا درسناها، إذا تعلمناها، إذا راعيناها نعرف من خلال هذه القواعد أحوال أواخر الكلمات العربية.
هنا الآن يوجهك إلى أن هذه القواعد، هذه المسائل، تتوجه إلى ماذا؟ تتوجه إلى أين؟ تبحث أين؟ تنظر أين؟ تنظر في أحوال أواخر الكلمات العربية فقط. قال: تنظر إلى أحوال أواخر الكلمات العربية. وهذا هو الفرق الأول بين علم النحو وعلم الصرف؛ أن علم الصرف هو كذلك قواعد ومسائل، يُعرف بها ماذا؟ لا نقول أحوال أواخر الكلمات، بل نقول أحوال الكلمة العربية. لأن علم الصرف لا يدرس الكلمة العربية فقط في آخرها، علم الصرف يدرس الكلمة العربية من أولها ومن وسطها ومن آخرها، بينما علم النحو يدرس الكلمة فقط في آخرها. فهذا أول فرق بين علم النحو وعلم الصرف؛ علم الصرف يدرس الكلمة العربية ابتداءً ووسطاً ونهايةً: هل هناك أحرف زائدة في البداية؟ أحرف زائدة في الوسط؟ أحرف زائدة في النهاية؟ هل هناك إعلال في المنتصف؟ هل هناك إعلال في الأخير؟ يحللها من أولها إلى آخرها علم الصرف، كما ذكرنا في شرح المقصود. أما علم النحو فقط يدرس الآخر.
ممتاز، فلو قلنا الآن "علم"، يعني قواعد ومسائل يُعرف بها أحوال أواخر الكلمات العربية، إلى الآن أيها الأحبة في الحقيقة لم يخرج علم الصرف من التعريف. لماذا؟ لأن علم الصرف هو أيضاً يدرس أحوال أواخر الكلمات العربية، فهذا التعريف ما زال يحتاج إلى تكملة حتى نعرف الحد الفاصل الذي يبان به علم النحو بياناً كاملاً جامداً مانعاً كما يقولون. نريد تعريفاً يختص بعلم النحو ولا يشاركه فيه غيره من العلوم. لو قلت إن النحو علم يُعرف به أحوال أواخر الكلمات العربية وسكت، هذا التعريف يدخل فيه علم الصرف لأن علم الصرف علم يُعرف به أحوال أواخر الكلمات العربية، لكن علم الصرف يزيد أنه لا يختص فقط بأواخر الكلمات، بل يدرس الأوائل والأوساط. ففي النهاية هذا التعريف لن يكون كاملاً حتى تأتي بالحيثية، حيثية مهمة فتقول: "النحو علم يُعرف به أحوال أواخر الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء". هذه الحيثية مهمة حتى يستقل علم النحو بتعريفه.
فبالتالي تقول إن علم النحو يدرس أحوال أواخر الكلمات العربية، من أي جزئية؟ من أي نظرة يدرسها؟ ما هي الأحوال التي يدرسها؟ أنت الآن قلت "علم يُعرف به أحوال أواخر الكلمات"، ما هي هذه الأحوال التي نريد أن ندرسها لأواخر الكلمات؟ حال الإعراب وحال البناء. وهكذا امتاز علم النحو امتيازاً كاملاً عن علم الصرف، لأن علم الصرف يدرس أواخر الكلمات العربية، لكن هل الصرف عندما يدرس آخر الكلمة العربية يدرسه من حيث الإعراب والبناء؟ لا، يدرسه من حيثيات أخرى: يدرسه هل هناك صحة؟ هل حدث فيها إعلال؟ هل هناك أحرف زائدة أو أحرف ناقصة؟ يدرسه من حيثيات ومن جهات ومن أحوال أخرى لا يهتم بها النحو، والزاوية التي يهتم بها النحو لا يهتم بها الصرفي. فإذاً النحوي يدرس أحوال أواخر الكلمات من حيث الإعراب ومن حيث البناء.
إذاً من خلال هذا التعريف أنت الآن تصورت علم النحو. إذاً أنا الآن كطالب أريد أن أدرس علم النحو، ماذا سأدرس؟ سأدرس قواعد ومسائل في هذه المصنفات: في قطر الندى، في الألفية، في الآجرومية. ماذا أدرس؟ سأدرس قواعد ومسائل، مثل: "الفاعل مرفوع"، "المفعول به منصوب"، "المفعول المطلق منصوب"، "المضاف إليه مجرور"، إلى غير ذلك من القواعد. هذه القواعد والمسائل من خلالها نعرف ماذا؟ أحوال أواخر الكلمات العربية من حيث الإعراب ومن حيث البناء. فكل هذا المصنف يدرس ماذا؟ كل هذا الكتاب الذي بين أيدينا، يدرس فقط مهمته، مهمة ابن هشام الآن أن يبين لك القواعد والمسائل. سندرسها، نراعيها، ونطبقها، نعرف من خلال القواعد والمسائل التي سيذكرها لنا ابن هشام ماذا سنعرف؟ سنعرف حال آخر الكلمة العربية من حيث هل هو مُعرب أم هو مبني؟ وإذا كان معرباً، ما أوجه الإعراب؟ هل هو مرفوع؟ هل هو منصوب؟ هل هو مجرور؟ هل هو مجزوم؟ وما علامة الرفع؟ ما علامة النصب؟ ما علامة الجزم؟ وإذا لم يكن معرباً، إذاً سيكون مبنياً. طيب إذا كان مبنياً، مبنياً بماذا؟ مبني على الفتح، مبني على الضم، مبني على الكسر، مبني على السكون. هذه مهمة ابن هشام ومهمة كل النحاة في مصنفاتهم النحوية.
إذاً لاحظ الآن أنت استوعبت ماذا ستدرس؛ ستدرس قواعد ومسائل تبين لك آخر الكلمة العربية، كيف حاله من حيث الإعراب والبناء؟ طبعاً تقول: طب أيش الأهمية العظمى؟ آخر الكلمة العربية من حيث الإعراب ومن حيث البناء هو الذي يحدد لنا معنى الكلمة العربية في السياق. لن تفهم معنى الكلمة العربية، لن تعرف ما المراد بها ضمن السياق العام للجملة حتى تعرف الإعراب وتعرف البناء، وتعرف هل هي مرفوعة أو منصوبة أو مجرورة أو مجزومة. حركة واحدة تخطئ فيها في آخر الكلمة العربية ينقلب المعنى رأساً على عقب. ينقلب المعنى رأساً على عقب، فهذه الزاوية، زاوية دراسة الكلمة العربية في آخرها من حيث الإعراب والبناء، عليك أن تنتبه لقضية معينة فيها. ما هي؟ أن دراسة أحوال أواخر الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء هي في الحقيقة دراسة للكلمة العربية ضمن جملة. لماذا؟ لأن الكلمة العربية مفردة هكذا؛ إبراهيم، سعد، سليمان، هاتف، جوال، هكذا الكلمة ليس لها إعراب ولا بناء. الكلمة متى نتكلم عن إعرابها وعن بنائها؟ إذا أصبحت في سياق جملة.
وهذا فرق ثالث بين علم النحو وعلم الصرف. ايش الفرق الأول؟ الفرق الأول أن علم الصرف يدرس كل الكلمة العربية، أولها ووسطها وآخرها، علم النحو يدرس الآخر. الفرق الثاني أن علم النحو إذا درس آخر الكلمة العربية، فإنه يدرسه من حيث الإعراب والبناء، بينما الصرف عندما يدرس آخر الكلمة لا يدرسه من حيث الإعراب والبناء، يدرسه من أحوال أخرى. الفرق الثالث بين علم النحو وعلم الصرف أن علم النحو عندما يتكلم عن آخر الكلمة العربية من حيث الإعراب والبناء، هو يتكلم عن كلمة عربية ضمن سياق جملة، لأنه هنا يظهر الإعراب والبناء. لأنه ما هو الإعراب؟ أليس هو الضمة عند الرفع والفتحة عند النصب والكسرة عند الجر إلى آخر ذاك، وتقول هذه الكلمة مبنية على الفتح أو مبنية على الضم. فمتى يظهر هذا؟ هذا يظهر إذا كانت الكلمة ضمن سياق جملة، بينما الصرف يدرس الكلمة العربية مستقلة قبل أن توضع في سياق الجملة. فالصرف يدرس الكلمة العربية مفردة والنحو يدرس الكلمة العربية مركبة.
هذا فرق مهم، وهذا ذكرناه عندما درسنا نظم المقصود. لذلك يقولون من الناحية العقلية الأصل أن تدرس علم الصرف ثم تدرس علم النحو. لماذا؟ لأن علم الصرف أولاً يبحث في الكلمة العربية هكذا وحدها، كلمة "أكل"، كلمة "هاتف"، كلمة "جلس"، كلمة "سعد"، المهم يبحث في الكلمة العربية قبل أن تركب. وهي المرحلة الأولى، بعد أن تدرس الكلمة العربية مفردة، تأتي بها تضعها ضمن سياق جملة، وهنا ستنتقل إلى دراسة علم النحو فيها، لأنه هنا سيظهر أثر الإعراب والبناء. أكل محمدٌ التفاحةَ، فتقول: أكل فعل ماض مبني على الفتح، محمدٌ، آخر محمد مضموم، لماذا مضموم؟ لأن محمدٌ هو الفاعل. طيب، التفاحةَ، لماذا آخر الكلمة مفتوح؟ التفاحة لأنها هي المفعول به. فلاحظوا أننا عندما رأينا الضم على محمد ورأينا الفتحة على التفاحة عرفنا معنى الجملة. لو قال: "أكل محمداً التفاحةُ"، انقلب المعنى رأساً على عقب، أصبح محمد هو المأكول والتفاحة هي الآكل. لاحظ أن أي خطأ في حال آخر الكلمة العربية من حيث الإعراب والبناء يدمر المعنى تماماً، فالقضية إذاً خطيرة، بذلك علم النحو في الحقيقة مهم جداً، بل هو أهم علوم اللغة العربية، وأهم علوم اللغة العربية، وفيه يظهر اللحن أكثر من غيره. إذاً كما قلنا أيها الأحبة، علم النحو إذاً علم يُعرف به أحوال أواخر الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء، ومن خلال هذا التعريف عرفنا الفرق بين علم النحو وعلم الصرف.
طيب، ما هو موضوع علم النحو؟ قال إن مبادئ كل فن عشرة، الحد والموضوع. موضوع العلم هو المحور الذي يدور حوله العلم. عليكم أن تتقنوا هذه الجزئية لأن كثيراً من الطلبة لا يفرق بين تعريف العلم وموضوع العلم. موضوع العلم هو المحور الذي يدور حوله العلم، هو ليس العلم. موضوع العلم ليس العلم، لو كان العلم كان خلاص الحد أغنى. فموضوع العلم هو المحور الذي حوله هذا العلم. فلو قلت لك علم الطب، ما هو موضوعه؟ يعني ما هو المحور الذي يدور حوله؟ ما هو موضوعه؟ بدن الإنسان. أما تعريف علم الطب تقول: هي القواعد والمسائل التي تُدرس حول بدن الإنسان. فعلم الطب هو علم، ما هي الأمراض التي بدن الإنسان، ما هي الأدوية التي يحتاج إليها، كيف نعالج بدن الإنسان إذا وقع؟ فلاحظ هذا هو علم الطب، هي المسائل والقواعد، ولكن بدن الإنسان هو موضوعه، هو المحور الذي يقوم عليه. ممتاز؟ مثلاً أصول الفقه، ما موضوعها؟ موضوع أصول الفقه الأدلة الإجمالية، هذا الموضوع، أما علم أصول الفقه هي القواعد والمسائل التي تُدرس عن الأدلة الإجمالية وحول الأدلة الإجمالية. ممتاز. نأتي ما هو المحور الذي يتوجه إليه علم النحو؟ ما هي الزاوية التي تتعلق بها القواعد والمسائل؟
الموضوع عادة تستطيع أن تستخلصه من التعريف. إحنا قلنا في تعريف علم النحو: هو علم يُعرف به أحوال أواخر الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء. إذًا موضوع هذا العلم، المحور الذي تتوجه إليه القواعد والمسائل في هذا العلم، ما هو؟ المحور هو أواخر الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء. فعلم النحو عبارة عن قواعد ومسائل تتجه إلى محور معين هو أواخر الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء.
موضوع علم النحو بعبارة أخرى؛ المحور الذي يدرسه علم النحو الذي تنصبُّ إليه مسائل وقواعد علم النحو هو أواخر الكلمات العربية. في علم النحو يتجه إلى هذه الزاوية، إلى هذه الجهة، يدرسها من حيث الإعراب والبناء. لكن لابد من الحيثية، لا تقل موضوع علم النحو أواخر الكلمة العربية وتسكت؛ لأن أواخر الكلمة العربية يدخل فيه علم الصرف، فهو أيضًا يدرس أواخر الكلمة العربية، ولا يقتصر عليها، لكنها من ضمن دراسته. فلابد أن تذكر الحيثية: موضوع علم النحو أواخر الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء.
الحد والموضوع ثم الثمرة. ثمرة هذا العلم ما هي؟ حتى نختصر؛ لأننا بينا سابقًا أن اللغة العربية عقيدة وانتماء وولاء، وأن اللغة العربية شرط من شروط الاجتهاد. فباختصار، اللغة العربية ثمرة دراستها، وعلم النحو خاصة، ثمرة دراسته صيانة اللسان عن اللحن في الكلام. سنحفظها على هذا النغم: صيانة اللسان عن اللحن في الكلام حتى لا تلحن. هذه الثمرة الأولى. الثمرة الثانية، وقد تكون هي الأهم: فهم الكتاب والسنة على الوجه الصحيح. أقتصر على هاتين: صيانة اللسان عن اللحن في الكلام، وفهم الكتاب والسنة على الوجه الصحيح.
إذن الحد عرفناه، الموضوع عرفناه، الثمرة عرفناها. بالنسبة للنسبة، ما علاقة علم النحو بغيره من العلوم؟ لأن علم النحو هو فرد ضمن شبكة متكاملة من العلوم. ما نسبة علم النحو إلى غيره من العلوم؟ نقول: في علاقة علم النحو بغيره من العلوم أولًا؛ علم النحو هو علم من علوم اللغة العربية، فهو ابتداءً ليس من علوم الشريعة أصالةً، بل وسيلة لعلوم الشريعة. فهو إذًا من علوم اللغة العربية، وهذا أولًا. ثانيًا: هو علم آلة لعلوم الشريعة. فتذكر هاتين النسبتين: أنه من علوم اللغة العربية، ليس من علوم الرياضيات أو الهندسة أو العلوم الاجتماعية، فهو علم لغة، وخاصة اللغة العربية. ثم كعلاقة بعلوم الشريعة، ما نسبته إليها؟ تقول: علم آلة، يعني علم وسيلة.
ونسبة وفضله؛ ما فضل هذا العلم؟ فضل هذا العلم هو ما تكلمنا عنه في المقدمة، أنه عقيدة وشريعة وهوية وانتماء، وأن الشريعة الإسلامية المعظمة المحمدية نزلت بلسان العرب، وهذا اللسان لابد أن تتقنه، وإتقانه يكون بدراسة علم النحو، وكفى بذلك شرفًا أن علم النحو يوصلك إلى فهم الشريعة المحمدية، إلى غير ذلك من الفضائل التي لا أريد أن أسهب الآن في ذكرها لأننا تكلمنا عن ذلك كثيرًا وفي دورات مضت.
الواضع؛ من الذي وضعه؟ الذي وضعه باختصار بعيدًا عن الخلاف هو الإمام أبو الأسود الدؤلي، ويقال الدُّؤلي بفتح الهمزة، ويقال الدِّؤلي بكسر الهمزة، ويقال الدِّيلِي بالياء بدل الهمز، ففي نسبته أقوال كثيرة رحمه الله تعالى. وضعه إذاً أبو الأسود الدؤلي بأمر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كما ذكرنا في الدورات التي تقدمت. ما هو السبب الذي دفعه إلى وضع علم النحو؟ هل لأن أبا الأسود كان جالسًا مع ابنته فقالت: ما أجملُ السماء؟ فقال: نجومها، فقالت: ما أردت ذاك، أردت التعجب، فقال: افتحي فاكِ، أم جاء ذاك الأعرابي فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولِهِ﴾، فكسر، فذهب أبو الأسود فقال: أدرك الناس يا أمير المؤمنين! هناك قصص كثيرة تذكر حول سبب وضع علم النحو، ولا يمكن أن نرجح سببًا معينًا بحد ذاته هو الدافع. نستطيع أن نقول هناك مجموعة من الوقائع وقعت في زمن أبي الأسود وزمن علي بن أبي طالب رحمهم الله، دفعتهم إلى أن يضعوا علم النحو. مجموع تلك القصص والوقائع والأحداث كما ذكر الطنطاوي رحمه الله تعالى في كتابه (نشأة النحو)، يقول: مجموع هذه القصص هي التي دفعتهم إلى وضع علم النحو، ولا نستطيع أن نحدد سببًا معينًا بحد ذاته. فكما الآثار المروية أن أبا الأسود جاء إلى علي بن أبي طالب، فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه: اكتب الكلمة اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، انحُ نحو هذا. وهذا هو مربط الفرس هنا، أن تعرف لماذا اختيرت كلمة النحو لهذا الفن؟ لماذا ما أخذوا كلمة أخرى؟ يعني ما العلاقة؟ ليش كل هذه القواعد والمسائل تدرس أحوال أواخر الكلمات العربية؟ لماذا سميت نحوًا؟ أخذًا من كلمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه عندما قال لأبي الأسود: "انحُ نحو هذا". ومن هنا لما قالوا: انحُ نحو هذا، أخذ العلماء كلمة علي بن أبي طالب فوضعوا كلمة النحو عنوانًا لهذا الفن.
الاسم، ما اسم هذا العلم؟ علم النحو. هذه أسهل مبدأ من المبادئ العشرة. علم النحو، وعرفنا لماذا سُمي بهذا الاسم؟ هذا الذي يهمني، لماذا سمي بهذا الاسم؟ تقول: أخذًا من كلمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لأبي الأسود: انحُ نحو هذا.
الاستمداد؛ هذا العلم وهذا الكتاب وغيره من كتب النحو من أين استُمد؟ قواعد ومسائل؛ قلنا علم النحو عبارة عن قواعد ومسائل تدرس أحوال أواخر الكلمات العربية، من أين استُمدت هذه القواعد؟ من أين أتت؟ من بنات أفكار ابن هشام وسيبويه والخليل؟ لا، هذا العلم استُمد من الكتاب، ومن السنة الصحيحة، ومن أشعار العرب في عصر الاحتجاج. من هنا أخذ استقرأ علماؤنا الكتاب العظيم، واستقرؤوا السنة النبوية المطهرة، واستقرؤوا شعر العرب في عصر الاحتجاج. أن ما بعد عصر الاحتجاج لا يثبت قاعدة، لا يثبت مسائل، وإنما يصلح شاهدًا، أما تأسيس لقاعدة فلابد أن يكون الشعر العربي من عصر الاحتجاج، وعصر الاحتجاج ما قبل مائة وخمسين هجري. من هنا استُمد.
حكم الشارع؛ ما حكم الشريعة في تعلم اللغة العربية؟ يقول علماؤنا: تعلم اللغة العربية فرض كفاية. ما معنى فرض كفاية؟ فرض الكفاية هو الذي إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يقم به أحد أثمت الأمة. طب لماذا تعلم اللغة العربية فرض كفاية؟ تقول لقوتها بهذا الترتيب؛ لأن فهم الكتاب والسنة فرض كفاية على الأمة، وهذا الفرض لا يتم إلا من خلال دراسة اللغة العربية؛ لأن اللغة العربية كما قلنا هي وعاء الكتاب والسنة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. هذا هو الدليل. ما عندنا يقول لك: هل هناك النبي صلى الله عليه وسلم قال تعلموا العربية؟ هل هناك حديث؟ تقول: لا، هناك قاعدة أصولية متينة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وفهم الكتاب والسنة واجب، ولا يمكن أن يُفهم الكتاب والسنة إلا بفهم علوم اللغة العربية جملةً وعلى رأسها علم النحو، فيكون تعلم النحو واجبًا من هذا القبيل. وفرض الكفاية إذا شرع به الإنسان وأراد أن يسقط الإثم عن الأمة، يحرم عليه الرجوع. هذا على مذهب الحنابلة والشافعية وجماهير أهل العلم، أن فرض الكفاية بالشروع فيه -على الأصح- يلزم، وهذا كلامهم في فرض الكفاية، أنه من شرع فيه ليسقط الإثم عن الأمة ليس له أن يرجع، وبالتالي إذا شرعت يا طالب العلم في دراسة هذا العلم رجوعك حرام على مذهب جماهير أهل العلم، ما في مجال للرجوع.
مسائل؛ ما معنى المسائل؟ هذا مبدئي الأخير من المبادئ العشرة، مسائل العلم؛ كل ما سندرسه في هذا العلم هي مسائل هذا العلم. ثم قال: "والبعض بالبعض اكتفى، ومن درى الجميع حاز الشرف"؛ يعني يريد أن بعض العلماء اكتفى بذكر بعض المبادئ العشرة، بعضهم لا يذكر جميع المبادئ العشرة كما نفعل، يذكر الحد والموضوع والثمرة ويكتفي بذاك. لكن كما قال الصبان في الخاتمة: "ومن درى الجميع" الذي يعرف جميع المبادئ "حاز الشرف" اكتملت عنده الرؤية.
طيب أيها الأحبة، نقف عند هذا المقدار اليوم بإذن الله، وفي بداية الدرس القادم إن شاء الله نشرع في قراءة كتاب (قطر الندى) مع شرحه لابن هشام. النسخة المعتمدة أيها الأحبة بين أيدينا هي نسخة المكتبة العصرية بتحقيق الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، هذه النسخة إن شاء الله هي النسخة التي سنقرأ منها، فمن أحب اقتناءها وأن يتابع معنا على قناة غراس العلم عليه أن يقتني نسخة مشابهة أو قريبة، لعل وعسى أن يكون هناك تشابه في القراءة ولا يحدث خلل. نسأل الله أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يبارك في علمنا، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل