دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 2 - المقدمة+الكلمة و أقسامها + تعريف الاسم.

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، وممهداً لقواعد الفقه في الدين، نبينا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأحبة في هذا المجلس الثاني الذي نعقده في شرح كتاب ابن هشام قطر الندى وبل الصدى.

اليوم بإذن الله نشرع في دراسة الكتاب، ونحن كما قلنا أيها الأحبة، لن نقرأ المتن فقط، نحن نقرأ شرح ابن هشام على متنه. لذلك نرجو من الإخوة الذين يتابعوننا على قناة غراس العلم أو على غيرها أن يكون معهم الكتاب أثناء الدرس؛ ينبغي أن يكون الكتاب بين يدي الطالب، يعلق ويضع خطاً، ويكون معه قلم. أما طالب يسمع درساً لا يكون معه قلم يعلق به، فهذا ليس طالب علم؛ طالب العلم يكون دائماً معه القلم، حتى لو كان يقرأ الكتاب وحده، يكون معه قلم يضع خطاً، يؤكد فائدة، يضع على الهامش تعليقاً، تنبيهاً، مراجعة، سؤالاً؛ هذا دأب طالب العلم في التعامل مع الكتب وفي التعامل مع الدروس.

حتى لا نطيل، نشرع اليوم بإذن الله تعالى في قراءة هذا الكتاب. فنقول: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ الإمام العالم العلامة جمال المتصدرين وتاج القراء وتذكرة أبي عمرو وسيبويه والفراء. هو يذكرنا طبعاً، هذا من كلام الناسخ، هذا ليس كلام ابن هشام؛ هو لا يتكلم عن نفسه ويمدح نفسه بهذه الألقاب، وإنما هو كلام النساخ الذين نسخوا شرح ابن هشام، فكانوا يكتبون في مقدمة نسخهم تبجيلاً وتعظيماً لهذا الإمام.

تذكرة أبي عمرو؛ يعني يذكرنا بذاك التاريخ المجيد، تاريخ أبي عمرو. من هو أبو عمرو؟ يقصد به أبو عمرو بن العلاء، أحد أصحاب القراءات وأحد رواة أشعار العرب وكلام العرب، إمام من أئمة اللغة العربية. توفاه الله سبحانه وتعالى عام أربعة وخمسين ومئة للهجرة. نحن نحاول بإذن الله أن نلتزم إذا ذُكر اسم عالم من علماء العربية أن نعطي لمحة سريعة ومختصرة عنه؛ حتى تحصل الفائدة، وتتوسع مدارك الطالب بالاطلاع على أهل العلم وفي وفياتهم ومصنفاتهم وعلاقتهم ببعضهم البعض.

قال وسيبويه؛ من سيبويه؟ سيبويه غني عن التعريف أيها الأحبة، وسيبويه هنا فائدة: ليس اسم هذا الشخص سيبويه، وإنما سيبويه لقب، واسمه عمرو بن عثمان. توفاه الله سبحانه وتعالى عام ثمانين ومئة للهجرة. وسيبويه كما قلنا لقبه، وقيل في معناها رائحة التفاح؛ إذاً هذا معنى سيبويه، وهو إمام من كبار أئمة المدرسة البصرية، صاحب كتاب الكتاب، كتابه المشهور في النحو اسمه الكتاب، لذلك عرف النحاة إذا قيل الكتاب فإنما ينصرف إلى كتاب سيبويه، وأما في عرف المتفقه إذا قيل الكتاب فإنما المراد به القرآن؛ حتى لا تختلط المصطلحات.

والفراء؛ من الفراء؟ الفراء هو الإمام يحيى بن زياد. والفراء هذا لقبه أيضاً، وقيل لأنه كان يفري الكلام، أي يصلحه؛ فهو إمام من أئمة النحو واللغة، فكان يصلح كلام الناس ويصرفهم عن اللحن. والفراء من أرباب المدرسة الكوفية ومن رؤوسها، بخلاف سيبويه الذي هو من رؤوس المدرسة البصرية. توفاه الله سبحانه وتعالى عام ثمانية ومئتين للهجرة. إذاً تذكرة أبي عمرو وسيبويه والفراء، وأبو محمد عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن هشام الأنصاري، فسح الله في قبره، نسأل الله أن ينور له في قبره وأن يجزيه عنا خير الجزاء.

ماذا قال؟ قال ابن هشام رحمه الله: الحمد لله رافع الدرجات لمن انخفض لجلاله، وفاتح البركات لمن انتصب لشكر أفضاله. قوله: فاتح البركات لمن انتصب لشكر أفضاله، هذا مصداق قوله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]. فكلما كان العبد شاكراً لنعم الله سبحانه وتعالى عليه، فإن الله يفتح له من البركات في العلم والعمل وصلاح الدين والدنيا والعافية.

حمد الله سبحانه وتعالى وما يتبعه من التعاريف هذا أكثرنا ذكره في الدورات السابقة فلا حاجة لكثرة التكرار حتى نستغل الوقت. قال: والصلاة والسلام على من مدت عليه الفصاحة رواقها، وشدت به البلاغة نطاقها. اقتدى بأهل العلم، حمد الله سبحانه وتعالى، انتقل للصلاة والسلام على النبي المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أفصح من نطق بالضاد صلوات ربي وسلامه عليه. ووصفه بقوله: من مدت عليه الفصاحة رواقها، ما هو الرواق أيها الأحبة؟ الرواق هو السقف الذي يبنى أمام البيت مثل العريش، وهذا كثير في حياتنا العملية نراه. فهذا نوع من التشبيه الكنائي، شبه الفصاحة بأن لها بيتاً له رواق مد هذا البيت رواقه على النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهذا التشبيه المراد به دلالة تمكن النبي عليه الصلاة والسلام من الفصاحة وأنه أفصح من تكلم.

قال: وشدت به البلاغة نطاقها. وهذا أيضاً تشبيه كنائي، شبه البلاغة بأنها شدت نطاقها به. ما هو النطاق؟ هو الحزام الذي تربطه المرأة أو الرجل حول خصره. فقوله: شدت به البلاغة نطاقها، كناية عن أن البلاغة التزمت النبي صلى الله عليه وسلم لزوم النطاق للمرأة، فهذا دلالة على تمكنه صلى الله عليه وسلم من الإتيان بجوامع الكلم.

ثم قال: المبعوث بالآيات الباهرة والحجج المنزل عليه قرآن عربي غير ذي عوج. غير ذي عوج، هذه نكت سريعة فقط: عوج، يقولون أيها الأحبة الخلل والانحراف إذا كان في الأمور المعنوية في الدين في الطريقة، قال سبحانه وتعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: 1]. وأما الانحراف أو الخلل إذا كان في بدن الإنسان أو في الأمور الحسية ماذا يقولون؟ عَوَج بالفتح. فهذا الفرق بين العِوَج والعَوَج؛ فالعَوَج يكون في الأمور الحسية، عَوَج في الحائط، عَوَج في المنضدة، عَوَج في أي شيء حسي بالفتح، وأما إذا كان في الأمور المعنوية في الطريقة في الديانة في الملة يقولون ماذا؟ عِوَج.

قال: وعلى آله الهادين وأصحابه الذين شادوا الدين. الآل هم يقصد به أهل النبي صلى الله عليه وسلم، فالآل مأخوذة من الأهل عند الكسائي، ومأخوذة من الأوّل عند سيبويه؛ لأن الإنسان يؤول إليهم أي يرجع إليهم في محنهم. فقال: وعلى آله الهادين، فيما أظهر من السياق عند الآل المراد به أهل النبي صلى الله عليه وسلم أهل بيته، ولكن كثيراً ما نحمل كلمة الآل في المصنفات العلمية وفي المنظومات على اتباع النبي صلى الله عليه وسلم على دينه إلى يوم القيامة، هكذا يحمل شراح المتون والمنظومات والمصنفات كلمة الآل؛ لا يحملونها فقط على أهل البيت بالمفهوم الخاص الشرعي، وإنما يحملونها على كل اتباع النبي صلى الله عليه وسلم على دينه إلى يوم القيامة، فهم أهله وأنصاره.

قال: وأصحابه الذين شادوا الدين. يعني بنوا ورفعوا معالم هذا الدين بأوقاتهم وأعمارهم ودمائهم وشرف وكرم. ثم قال: وبعد، أي وأما بعد، هذه الواو وبعد، هذه نائبة عن أما، التقدير وأما بعد. والتقدير الأصلي كما قال ابن مالك في الألفية: "ومهما يكن من شيء وفاتل تلوها وجوباً ألف"، ففي أما بعد التقدير: مهما يكن من شيء بعد، أقول هذه نكت محررة، فهذا تقدير السياق.

قال: وبعد، فهذه نكت حررتها على مقدمتي المسماة بقطر الندى وبل الصدى. ما معنى نكت؟ النكت في عرفنا تلك الدعابات، لكن في عرف أهل العلم ليست الدعابات، وإنما هي التعليقات والتنبيهات والتحريرات والحواشي التي توضع على نص معين، فهذه تسمى نكت، مثل نكت ابن الصلاح، نكت على مقدمة ابن الصلاح لابن حجر العسقلاني. النكت ما المراد بها؟ الجاهل يظنها مداعبات، وهذا خطأ؛ هي كثرة التعليقات والتحريرات التي توضع على متن أو على نص معين. قال: فهذه نكت حررتها على مقدمتي المسماة بقطر الندى وبل الصدى. وبينا في الدرس الماضي ما معنى هذا العنوان.

هذه النكت قال: رافعة لحجابها؛ ترفع كأن هذا المتن قطر الندى وبل الصدى عليه حجاب، جاءت هذه النكت، جاء هذا الشرح من ابن هشام ليرفع عنها الحجاب فتتضح معالم هذا المتن. كاشفة لنقابها؛ وهذا أيضاً قريب من المعنى السابق، أن هناك نقاباً وهذا الشرح رفع وكشف النقاب فأسفر وجهه. مكملة لشواهدها؛ تكمل الشواهد التي ذُكرت، يعني هو في المتن ذكر بعض الشواهد المعدودة، هو في الشرح أكمل ذكر الشواهد. متممة لفوائدها؛ تتمم فائدة المتن. كافية لمن اقتصر عليها؛ وهذه تدل على جلالة هذا الشرح، لذلك قلنا لابد من قراءة شرح ابن هشام وليس فقط الاقتصار على المتن كما يفعل أغلب الشراح في هذا الوقت. وافية ببعية من جنح من طلاب علم العربية إليها؛ وهذا دلالة أهمية هذا الكتاب، ابن هشام يقول: وافٍ هذا الشرح، من قرأ هذا الشرح فإنه يفي بحاجة من جنح من طلاب العربية إلى دراسة علم العربية. فهذا يدل على أنه جمع أهم المسائل وأكثر المسائل تداولاً في علم العربية، بحيث يكون هذا الشرح يعطي نوع اكتفاء، وهو في الحقيقة لا يعطي الاكتفاء الكامل، لكن في حقيقة من درس هذا الكتاب وضبطه فإنه سيجد أثر ذلك في قراءته وفي علمه، سيجد أنه تمكن بشكل كبير من علم العربية، لكن ليس فقط بمجرد الدراسة النظرية، لابد يدرس ويطبق على الأبيات وعلى كتاب الله سبحانه وتعالى.

ثم قال: والله المسؤول أن ينفع بها، أي بهذه النكت والتحريرات، كما نفع بأصلها، أي كما نفع بالمتن، وأن تذلل لنا طرق الخيرات وسبلها، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

ثم بدأ رحمه الله تعالى أيها الأحبة بأول عبارة في المتن، بدأ يشرح أول عبارة في المتن. عادة النحاة وعادة المصنفين في علم النحو أنهم في المقدمة يذكرون مجموعة من التعريفات لبعض الكلمات المفتاحية في هذا العلم. وهذا لا تجدونه فقط في هذا الكتاب، بل تجدونه في ألفية ابن مالك؛ ابن مالك بماذا بدأ أول الألفية؟ "كلامنا لفظ مفيد كاستقم، واسم وفعل ثم حرف الكلم"، بدأ بتعريف الكلام. وهذه كما قلنا دأب تواطأ عليه المصنفون في مطلع كتبهم، لابد أن يذكروا بعض التعريفات لكلمات مهمة أصيلة تتكرر معك في علم النحو، بل منها المنطلق أصالة في علم النحو. فبدأ ابن هشام رحمه الله تعالى بتعريف مصطلح مهم وهو مصطلح كلمة. قال رحمه الله تعالى في المتن: الكلمة قول مفرد.

الآن أيها الأحبة لن نشرح الكلمة بل لابد أن أقدم مقدمة صغيرة ننطلق من خلالها إلى تعريف الكلمة. نذهب إلى الشرح، متى نرسم رسماً مهماً يتضح به مجموعة من المصطلحات المهمة، من خلالها نعرف الكلمة، ما معناها، وما موضعها الحقيقي؟ جيد، طيب. نقول أيها الأحبة هناك تقسيم هرمي مهم لابد لطالب النحو أن يتقنه، وأن يضعه في عقله، وأن يتصوره دائماً حتى يفهم هذه المصطلحات المتناثرة المتبعثرة في كتب النحو.

منهم من يرتبها ترتيباً واضحاً بيناً، تجدون مصطلحات: مصطلح الكلمة، الكلم، الكلام، اللفظ، القول؛ هذه المصطلحات متناثرة، فعليك أن ترتبها يا طالب العلم ترتيباً واضحاً بيناً بحيث يسهل عليك أن تفهمها فهماً تسلسلياً. فنقول: على رأس الهرم عليك أن تضع هذا المصطلح أو اللفظ، هاداً على رأس الهرم؛ أول كلمة ينبغي عليك أن تفهمها كلمة ماذا؟ اللفظ. ما هو اللفظ؟ اللفظ صوت مشتمل على بعض الأحرف الهجائية من الألف إلى الياء. نعيد، وهذا ذكره في الشرح، اللفظ: صوت مشتمل على بعض الأحرف الهجائية من الألف إلى الياء. فهذا الصوت هل حُدّد هذا الصوت بكونه مفيداً أو غير مفيد، أو مستعملاً أو مهملاً؟ لا، قال فقط: اللفظ صوت مشتمل على بعض الأحرف الهجائية من الألف إلى الياء. ممتاز.

اللفظ الآن أيها الأحبة ينقسم إلى قسمين: لفظ مستعمل، ولفظ مهمل. ممتاز، اللفظ ينقسم إلى مستعمل وإلى مهمل. مثل ماذا مهمل؟ لفظ مهمل أهملته العرب، لم تتكلم به. يمثلون به عادة بمقلوب كلمة زيد، التي هي ماذا؟ "ديز". اقلب كلمة زيد، اقرأها من آخرها إلى أولها: ياء، زاي، دال، "ديز"؛ هل "ديز" لفظ أهملته العرب أم استعملته؟ أهملته، لا معنى لكلمة "ديز". فمثل هذا لا عبرة به، لا نحتاجه، فإذاً اللفظ المهمل لا نحتاجه.

اللفظ المستعمل، والبعض يقول اللفظ الموضوع بدل المستعمل، وبعضهم يقول اللفظ المستعمل. في الحقيقة هل هناك فرق بين مصطلح موضوع ومصطلح مستعمل؟ نقول نعم، الوضع عملية سابقة على الاستعمال؛ فالعرب أولاً تضع اللفظة ثم تستعملها، أنت تضع الشيء، مثلاً يأتي الفقهاء يضعون مصطلح الدية لمفهوم معين ثم يستعملونه في مصنفاتهم، فعملية الوضع سابقة على عملية الاستعمال. فأولاً أنت تضع اللفظة لتدل على المعنى، ثم بعد أن تضعها وأن تتفق مع الناس على أن هذه اللفظة...

ولهذا المعنى تبدأ باستعمالها. فهناك في الحقيقة فرق أن الوضع سابق للاستعمال، لكن بعضهم يتساهل فيستخدم الوضع بمعنى الاستعمال، ويستخدم الاستعمال بمعنى الوضع؛ ولكن في الحقيقة هناك فرق أن الوضع سابق على الاستعمال.

اللفظ المستعمل ما معنى اللفظ المستعمل؟ يعني لفظ استعملته العرب، وإذا كانت العرب استعملته فهذا يستلزم أنها وضعته. إذا كان له مستعمل إذا هو قطعًا موضوع، لكن إذا كان اللفظ موضوعًا هل معناه أنه مستعمل؟ هذا في الحقيقة فيه خلاف، والراجح أنه يمكن أن تكون لفظة وُضِعت ثم لم تُستعمل. لكن دعونا الآن من هذه التحذيرات؛ اللفظ المستعمل يعني لفظًا استعملته العرب. اللفظ المستعمل أيها الأحبة يسميه النحاة قولًا. فلو قيل إلى الآن عرف المصطلح الثاني، القول ما هو القول؟ اللفظ المستعمل. إذا عرفنا ما معنى اللفظ وعرفنا ما معنى القول، هذان مصطلحان مهمان. اللفظ صوت مشتمل على بعض الحروف الهجائية من الألف إلى الياء، ينقسم إلى مستعمل وإلى مهمل. اللفظ المستعمل هو الذي يسميه النحاة قولًا، فالقول هو اللفظ المستعمل.

الآن اللفظ المستعمل الذي هو القول باختصار ينقسم إلى قسمين: مفرد ومركب. فعندنا لفظ مستعمل مفرد ولفظ مستعمل مركب. اللفظ المستعمل المفرد هو الكلمة، فنقول اللفظ المستعمل المفرد هو الكلمة. ما معنى مفرد؟ وهنا سنناقش ابن هشام لأن ابن هشام هنا وقع في شيء من الزلل في تعريف المفرد. المفرد على الصحيح عند النحاة هو ما لُفِظ بلفظ واحد بحسب العرف، ويمكن أن تقول ما يُعرَب إعرابًا واحدًا. إذا أردت أن تقول معنى آخر للمفرد: ما يُعرَب إعرابًا واحدًا، فزيد ورجل وبكر وخالد هذه أيها الأحبة ماذا؟ مفردات، تسمى الكلمات؛ لماذا؟ لأنها لفظ مستعمل مفرد. ما معنى مفرد؟ كما قلنا: يُلفظ بلفظ واحد بحسب العرف، أو نقول تُعرَب بإعراب واحد. بينما عبد الله، هل هي لفظ مستعمل مفرد؟ وإذا قلنا المفرد ما يُلفظ بلفظ واحد، عبد الله هل هو لفظ واحد بحسب العرف أم هما لفظان؟ لفظان. ولو أتينا للتعريف الآخر للمفرد: ما يُعرَب إعرابًا واحدًا، هل عبد الله تُعرَب بإعراب واحد ولا هنا إعرابان؟ هناك إعرابان؛ عبد إعراب ولفظ الجلالة إعراب مضاف إليه. إذاً هذه لا تكون مفردًا، لا تكون كلمة، وإن كان معناها يدل على شخص معين واحد. فالنحاة ينظرون إلى ماذا؟ إلى الألفاظ وليس إلى المعاني، النحاة يرون المعاني تبعًا بخلاف المناطقة، المناطقة هم الذين ينظرون للمعاني أصالة والألفاظ تبعًا. فإذا اللفظ المستعمل المفرد هو الكلمة، وسنعود لمناقشة هذا التعريف عندما نأتي لكلام ابن هشام.

اللفظ المستعمل المركب ينقسم إلى قسمين: مركب من كلمتين فقط، ومركب من ثلاث كلمات فصاعدًا. إذاً المركب أيها الأحبة إما أن يكون مركبًا من كلمتين، وإما أن يكون مركبًا من ثلاث كلمات فصاعدًا. اللفظ المستعمل المركب من كلمتين إما أن يفيد فائدة يحسن السكوت عليها، وإما ألا يفيد فائدة يحسن السكوت عليها. نأتي للمثال الأول: لفظ مستعمل مركب من كلمتين يفيد فائدة يحسن السكوت عليها، مثال ذلك: العلم جميل. العلم جميل مركب من كلمتين، أفادتا فائدة يحسن السكوت عليها. ايش يعني فائدة يحسن السكوت عليها؟ يعني السامع لا يطلب شيئًا بعدها، لا ينتظر منك أيها المتكلم شيئًا، فالعلم جميل خلص السامع اكتفى.

لكن لو قلنا غلام زيد، هذا لفظ مستعمل مركب من كلمتين غلام وزيد، لكن هل يفيد ما يحسن السكوت عليها؟ أنت تقول غلام زيد، طيب أخبرني ماله؟ جاء، ذهب، أكل، شرب؟ ما زال السامع ينتظر شيئًا، الفائدة لم تكتمل بعد. لو قلت لك عبد الله، تقول طيب، ما زلت تنتظر، عبد الله جاء؟ ذهب؟ شرب؟ نام؟ يعني عبد الله رحّالة؟ هل أفادتك فائدة يحسن السكوت عليها؟ هل أوصلت لك معنى معينًا؟ لم توصل هذا المعنى إليك بعد. فنقول اللفظ المستعمل المركب من كلمتين إما أن يفيد فائدة يحسن السكوت عليها، أو لا يفيد فائدة يحسن السكوت عليها. إذا أفاد فائدة يحسن السكوت عليها مثل العلم جميل، حينئذ ماذا يسمى؟ يسمى كلامًا، فهنا جاء مصطلح الكلام. وأما إذا هذا اللفظ المستعمل المركب من كلمتين لم يفد فائدة يحسن السكوت عليها، فماذا يبقى اسمه؟ مركبا؛ أما مركبًا إضافيًا كغلام زيد، أو مركبًا تقييديًا مثلًا بين الصفة والموصوف. لو قلت لك الرجل الشجاع، أنت تنتظر؛ الرجل الشجاع مات؟ استشهد؟ قُتِل في المعركة؟ طيب الشجاعة؟ بيبقى اسمه مركب، لكنه مركب يسمى تقييديًا من صفة وموصوف. فعندنا إذا اللفظ المستعمل المركب من كلمتين ولا يفيد فائدة يحسن السكوت عليها نبقى نسميه مركبا، والمركبات هناك مركبات إضافية وهناك مركبات تقييدية.

نأتي للقسم الثاني: لفظ مستعمل مركب من ثلاث كلمات فصاعدًا. إذا كان عندنا لفظ مستعمل ومركب من ثلاث كلمات فصاعدًا فكذلك يأتي نفس التقسيم: إما أن يفيد فائدة يحسن السكوت عليها أو لا يفيد فائدة يحسن السكوت عليها. إذا أفادنا هذا اللفظ المستعمل المركب من ثلاث كلمات فصاعدًا فائدة يحسن السكوت عليها، قلت لك: ضرب محمد زيدًا. ضرب كلمة، محمد كلمة ثانية، زيد كلمة ثالثة، ثلاث كلمات ممكن أكثر ما عندنا مشكلة. الآن ضرب محمد زيدًا، هل أفادتك فائدة يحسن السكوت عليها؟ يعني هل أنت الآن استكملت الفائدة أم ما زلت تنتظر شيئًا؟ لا، أصلاً أنك استكملت الفائدة انتهى وخلاص، استفدت أنه هناك شخص اسمه محمد ضرب زيدًا. إذا كان اللفظ المركب من ثلاث كلمات فصاعدًا يفيد فائدة يحسن السكوت عليها، ماذا يسمى؟ ما هو المصطلح العلمي له عند النحاة؟ يسمى أيضًا كلامًا وله مصطلح آخر ويسمى كَلِمًا.

أما اللفظ المستعمل المركب من ثلاث كلمات فصاعدًا لا يفيد فائدة يحسن السكوت عليها، قلت لك: إن جاء زيد وسكتت. هل أنت استفدت فائدة يحسن السكوت عليها؟ ولا ما زلت تنتظر، تنتظر ماذا يحدث إن جاء زيد؟ هل سيقوم عمرو؟ هل ستضربه؟ هل ستطعمه؟ هل ستكرمه؟ هل ستعطيه؟ ما زال السامع ينتظر، فهنا ثلاث كلمات لكنها لم تفد فائدة يحسن السكوت عليها. إذا كان عندي لفظ مستعمل ومركب من ثلاث كلمات فصاعدًا لا يفيد فائدة يحسن السكوت عليها، ما مصطلحه؟ ما اسمه عند النحاة؟ نعم، هذا يسمى كَلِمًا فقط، يسمى كَلِمًا ولا نسميه كلامًا.

من خلال هذه الخارطة التي وضعناها أيها الأحبة نلاحظ الملاحظات الآتية: أولًا عندنا مصطلحات مهمة أساسية؛ مصطلح اللفظ عليك أن تفهم معناه، مصطلح القول، مصطلح الكلمة، مصطلح الكلام، ومصطلح الكلم. مصطلح الكلام تكرر معنا في موضعين؛ في المركب من كلمتين وفي المركب من ثلاث كلمات فصاعدًا، لكن هنا بشرط الإفادة، وهنا بشرط الإفادة. والمصطلح الخامس مصطلح ماذا؟ الكلم. إذا هي خمسة مصطلحات، ينبغي عليك أن تتقنها وأن تفهمها في بداية دراستك لأي مصنف نحوي: مصطلح اللفظ، مصطلح القول، مصطلح الكلمة، مصطلح الكلام، ومصطلح الكلم. نراجعها سريعًا: ما هو اللفظ؟ اللفظ هو الصوت المشتمل على بعض الأحرف الهجائية من الألف إلى الياء. ينقسم اللفظ إلى مستعمل وإلى مهمل. اللفظ المستعمل هذا تعريف القول، فلو قيل لك عرف القول تقول: القول هو اللفظ المستعمل. ثم القول أو اللفظ المستعمل ينقسم إلى قسمين: مفرد ومركب. مفرد أي ما تُلفظ به بلفظ واحد بحسب العرف. هذا اللفظ المستعمل المفرد ما مصطلحه عند النحاة؟ فلو قيل لك ما تعريف الكلمة؟ فماذا تقول؟ الكلمة لفظ مستعمل مفرد، طب ممكن تختصر هذا التعريف؟ ايش تقول؟ بدل ما تقول لفظ مستعمل مفرد، تأتي بكلمتين تختصر التعريف فتقول الكلمة قول مفرد؛ لأن قول هي اللفظ المستعمل، فتختصر التعريف وتقول الكلمة قول مفرد، وهذا ما فعله ابن هشام فقال: الكلمة قول مفرد، اختصر على نفسه المسافة.

وأما اللفظ المستعمل المركب فتقول: إما أن يكون مركبًا من كلمتين، وإما أن يكون مركبًا من ثلاث كلمات فصاعدًا. إذا كان مركبًا من كلمتين فعندنا احتمالان: إما أن يحصل السكوت ويفيد فائدة يحسن السكوت عليها، وإما ألا يفيد فائدة يحسن السكوت عليها. إذا أفاد فائدة يحسن السكوت عليها يسمى كلامًا، وإذا لم يفد فائدة يحسن السكوت عليها يبقى اسمه مركبًا إضافيًا أو تقييديًا. طيب المركب من ثلاث كلمات فصاعدًا نفس الشيء، إما أن يفيد فائدة يحسن السكوت عليها وحينئذ يسمى كلامًا ويسمى كَلِمًا، وإذا لم يفد فائدة يحسن السكوت عليها يسمى كَلِمًا فقط.

بناءً على هذا ما هو الكلام؟ وما هو الكَلِم؟ الكلام يوجد هنا ويوجد هنا، فتقول الكلام: لفظ مستعمل مركب يفيد فائدة يحسن السكوت عليها. لأن هو موجود هنا وموجود هنا، فأي لفظ مستعمل مركب يفيد فائدة يحسن السكوت عليها يسمى كلامًا. لذلك ابن آجروم ايش قال في بداية الآجرومية؟ قال الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع، دعا على جنب. يعني لو حذفها ما في إشكال، إذاً ايش قال ابن آجروم في بداية الآجرومية؟ الكلام هو اللفظ المركب، اللفظ المستعمل المركب، هذا تعريف الكلام، ممتاز؛ لأن الكلام قد يكون من كلمتين وقد يكون من ثلاث كلمات فصاعدًا ما عندنا مشكلة، لكن الضابط المهم أنه يفيد فائدة يحسن السكوت عليها. طب وما هو الكلم؟ الكلم لفظ مستعمل مركب مكون من ثلاث كلمات فصاعدًا، نقطة؛ لأنه بغض النظر كان مفيدًا أو لا يفيد فائدة، هذا يسمى كلمة وهذا يسمى كَلِم. الكلم اللفظ المستعمل المركب من ثلاث كلمات فصاعدًا، سواء أفاد فائدة يحسن أو لم يفد فائدة لا يحسن، كلاهما يسمى كَلِمًا. إذا عرفنا معاني المصطلحات هذه أيها الأحبة: اللفظ، القول، الكلمة، الكلام، الكَلِم.

نمضي إلى ابن هشام رحمه الله تعالى. معلومة المعلومة المرتبة بهذه الطرق في الحقيقة تكون راسخة عند طالب العلم، والمعلومة المبعثرة تكون ضائعة، لا الإتيان بها ولا يحسن استحضارها عندما يحتاج إليها. لو أنت هكذا أخذت تعريف الكلمة وحدها والكلام والكلم، لفظ كل واحد على حدة من دون رسمة هرمية واضحة، تضيع وتتيه المعلومة، لا يوجد عندك ترتيب هرمي هذه ايش علاقتها بهذه؟ وهذا ايش علاقته؟ وتضيع الأمور، لكن عندما يكون هناك تشجير ورسم معين وتخطيط للمعلومة، هنا تصل الفائدة، ترسخ وتستطيع أن توصل هذه الفائدة لغيرك.

قال ابن هشام رحمه الله تعالى، الآن ما سنقرؤه هو تحرير لبعض المصطلحات التي بيناها في الرسم السابق. قال ابن هشام: الكلمة قول مفرد. بدأ رحمه الله تعالى بتعريف الكلمة. نقرأ الشرح: تطلق الكلمة في اللغة على الجمل المفيدة، كقوله تعالى: ﴿كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: 99-100]. ثم قال: وفي الاصطلاح على القول المفرد. الآن ابن هشام بدأ بأي إنسان يعرف، قلنا وهذا كما ذكرناه البارحة في درس الأصول، عندما تعرف أي مصطلح فإن العلماء يعرفونه بتعريفين؛ التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي. التعريف اللغوي: أي هذه الكلمة ما معناها في لغة العرب؟ كيف استعملتها العرب؟ ثم بعد ذلك ينتقل إلى الاصطلاح الخاص بالفن، وهذا ما فعله ابن هشام. ابن هشام بدأ بالكلمة في المتن، خلاص عرف الكلمة بالمعنى الاصطلاحي: الكلمة قول مفرد، وعندما جاء للشرح والبسط انتقل إلى الطريقة التأصيلية، فبين الكلمة ما معناها في لسان العرب؟ ثم ما معناها في الاصطلاح؟

فنقول الكلمة لغة أيها الأحبة، ماذا قال ابن هشام في معناها في اللغة؟ قال الكلمة في اللغة تطلق على الجمل المفيدة، فالجمل المفيدة يعني الجمل مش ليس فقط يعني سواء جملة فأكثر، أي جملة فأكثر تسمى كلمة، يعني عندما نقول لا إله إلا الله، كلمة التوحيد لا إله إلا الله هي كلمة واحدة جملة. فيقول ابن هشام الكلمة في اللغة تطلق على الجمل المفيدة، جملة فصاعدًا، هذا المراد يعني ليس المراد أنه لازم تكون عدة جمل، جملة فصاعدًا تسمى كلمة. لكن أيها الأحبة هنا تنبيه، أن إطلاق الكلمة في لغة العرب على الجمل المفيدة هذا ليس الإطلاق الحقيقي، وإنما هو إطلاق مجازي من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، يعني إذا قلنا مجاز فلا بد من علاقة، كما سندرس إن شاء الله في علم البلاغة، أنه إذا كان هناك اللفظ لم يُستعمل في معناه الحقيقي وأنه استُعمِل في معناه المجازي.

من علاقة، ما العلاقة التي من أجلها استخدمت الكلمة وأطلقت على الجمل المفيدة؟ علاقة تسمى إطلاق الجزء وإرادة الكل؛ لأن في النهاية الكلمة الواحدة هي جزء من الجملة. فإطلاق الكلمة على الجملة بأسرها هذا نوع أطلقت الجزء وأردت الكل. ممتاز.

طيب إذا كان إطلاق الكلمة في اللغة على الجمل المفيدة هو المعنى المجازي، فلماذا لم يذكر ابن هشام المعنى الحقيقي للكلمة في اللغة؟ أليس هذا سؤال؟ يعني أنت يا ابن هشام رحمة الله عليه ذكرت معنى الكلمة في اللغة مجازًا، فأين مدلول الكلمة على وجه الحقيقة؟ لم تذكر، صحيح؟ ما ذكره. لماذا لم يذكره؟

يقول ياسين الحمصي رحمة الله عليه في «مجيب النداء»: لماذا لم يذكر ابن هشام تعريف الكلمة لغةً على وجه الحقيقة؟ قال: لأنه هو المعنى الاصطلاحي بذاته؛ فالمعنى الاصطلاحي للكلمة هو المعنى اللغوي في الحقيقة لها. يقول ياسين وهذه عبارته في الحاشية: لما اقتصر ابن هشام على ذكر المعنى المجازي، دل ذلك على أن المعنى الحقيقي مساوٍ للمعنى الاصطلاحي.

نعيد اللفظة، قال: لما اقتصر ابن هشام على ذكر المعنى المجازي وقال للكلمة هي الجملة المفيدة، على ماذا دل ذلك؟ فيه تنبيه على أن المعنى الحقيقي مساوٍ لمفهوم الكلمة. ما معناها الحقيقي في اللغة؟ قال: معناها الحقيقي مساوٍ للمعنى الاصطلاحي، فاستغنى بذكره للمعنى الاصطلاحي عن ذكر المعنى اللغوي الحقيقي. فإذاً هكذا تقول: الكلمة في اللغة معناها حقيقة القول المفرد، ومعناها مجازًا الجمل المفيدة. ثم تقول: وأما الكلمة في الاصطلاح فما معناها؟ أيضًا القول المفرد. هذا هو خلاصة الكلام.

إذا قال ابن هشام: تطلق الكلمة في اللغة على الجمل المفيدة كقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: 100]. ربنا يقول في سورة المؤمنون: هي كلمة الإنسان عند وفاته، ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾. ما هي هذه الكلمة؟ إلى ماذا يشير النص القرآني؟ يشير إلى الآية السابقة عن هذه الآية، عندما يقول الإنسان في الاحتضار: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: 99-100]. طب هو ما قال كلمة واحدة، هو قال: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾، هذه جمل. ابن هشام أراد أن يستدل بهذه الآية على أن الكلمة تطلق ويراد بها الجمل المفيدة، وهذا في الحقيقة هو أكثر استعمال الكلمة في اللغة العربية، من حيث الاستعمال اللغوي. ممتاز.

إذا انتهينا من المعنى اللغوي للكلمة، انتقلنا إلى المعنى الاصطلاحي، قال ابن هشام: وفي الاصطلاح هو القول المفرد. ثم بدأ يحلل هذا التعريف: الكلمة قول مفرد، بدأ يحلل الأجزاء: ما معنى كلمة قول؟ وما معنى كلمة مفرد؟ حتى يتضح لك التعريف لابد أن تتضح لك الجزئيات التي تكون منها، ثم بعد ذلك تفهم الكلمة. فقال لك: المراد بالقول اللفظ الدال على معنى.

إذاً ايش تعريف القول عند ابن هشام؟ اللفظ الدال على معنى، وهو معنى قول اللفظ المستعمل، فسواء قلت اللفظ الدال على معنى أو قلت اللفظ المستعمل، والبعض يقول اللفظ الموضوع لمعنى، كل هذه تعريفات صحيحة للقول كلها صحيحة وتدل كلها على شيء واحد. فالقول هو اللفظ الدال على معنى، القول هو اللفظ المستعمل.

لما ذكر ابن هشام الكلمة قال لك: الكلمة قول مفرد، احتاج أن يعرف القول فقال: القول اللفظ الدال على معنى، أو اللفظ المستعمل على طريقتنا. لما قال لك القول هو اللفظ المستعمل، احتاج يعرف اللفظ، فبدأ من الأسفل وانتقل إلى أعلى، ونحن بالعكس بدأنا من أعلى الهوام وانتقلنا إلى الأسفل. فلما قال المراد بالقول الدال على معنى، احتاج أن يعرف اللفظ فقال: والمراد باللفظ الصوت المشتمل على بعض الحروف؛ أي الحروف الهجائية من الألف إلى الياء. وهذا طبعًا فيما يتعلق باللفظ في اللغة العربية؛ عرفنا اللفظ أما في اللغة العربية، لأن إذا كان في اللغة الإنجليزية فهو صوت مشتمل على بعض أحرف اللغة الإنجليزية، وعلى ذلك فقس.

والمراد باللفظ الصوت المشتمل على بعض الحروف، سواء دل على معنى كـ«زيد» أو لم يدل الذي هو المهمل كمقلوب زيد، ايش مقلوب زيد؟ اللي هي «ديز». بناءً على أن اللفظ هو الصوت المشتمل على بعض الحروف سواء كان مستعملًا هذا الصوت أو كان مهملًا، ماذا يستفيد من ذلك؟ قال: وقد تبين بناءً على هذا الكلام ماذا نستنبط؟ وقد تبين أن كل قول لفظ، ولا ينعكس. وهذا كلام صحيح، كل قول هو لفظ وليس كل لفظ قول؛ لأن اللفظ قد يكون مهملًا وقد يكون مستعملًا، فإذا كان مستعملًا هو القول. فالعلاقة هي علاقة العموم والخصوص المطلق كما درسنا في المنطق. علاقة مهمة، فإذا كان هناك عندي قول فقطعًا القول هو لفظ، لكن إذا كان عندي لفظ فليس شرطًا أن يكون قولًا لأنه قد يكون مهملًا. فكل قول لفظ وليس كل لفظ قول.

ثم انتقل لبيان الجزء الثاني من التعريف، قال: الكلمة قول مفرد. طب ما معنى مفرد؟ قال: والمراد بالمفرد ما لا يدل جزؤه على جزء معناه. هكذا قال ابن هشام: المفرد ما لا يدل جزؤه على جزء معناه. مثال ذلك حتى يتضح لك المراد، الآن هو مَثَّل بكلمة «زيد»، كلمة «زيد» أيها الأحبة ما أجزاؤها؟ الزاي والياء والدال. هذه الأجزاء التي تكونت منها، هل كل جزء يدل على معنى من المعنى الكلي؟ لا، الأجزاء لا نلاحظ أن لها معاني، الزاي والياء والدال لا تدل هذه الأجزاء على جزء أو لا تشارك في إفادة المعنى الكلي.

نأتي لمثال مقابل: «غلام زيد»، نستطيع أن نقول إن هناك جزئين: كلمة «غلام» وكلمة «زيد»، وكل جزء يشارك في إفادة المعنى الكلي لهذا اللفظ «غلام زيد». فـ«غلام زيد» إذًا هنا الأجزاء تدل على جزء المعنى الكلي مشاركة؛ فـ«غلام» تدل على معنى، و«زيد» تدل على معنى، فـ«غلام زيد» أجزاؤها تدل على معانٍ. بينما «زيد» أجزاؤها الزاي والياء والدال لا تدل على معانٍ.

فإذا كان عندنا قول هكذا يريد أن يخرج، إذا كان عندنا قول الآن «زيد»، قول ولا ليست قولًا؟ قول لأنها لفظ مستعمل. إذا كان عندنا قول، هذا القول الأجزاء التي تركب منها لا تدل على معانٍ فحينئذ يكون هذا القول مفردًا، وحينئذ ما الكلمة؟ أما إذا كان القول أجزاؤه تدل على معانٍ مثل «غلام زيد»، الأجزاء هنا «غلام» و«زيد» تدل كل واحدة منها على معانٍ، فإذا كان القول أجزاؤه تدل على معانٍ فهذا القول ليس مفردًا بل مركب، وإذا كان كذلك لا يمكن أن يكون كلمة. فبالتالي عند ابن هشام عندما قال لك الكلمة قول مفرد أراد بالقول والمفرد ما لا يدل جزؤه على جزء معناه.

طيب «عبد الله» علم على شخص، بهذا القيد، هل لها أجزاء؟ لا صحيح؟ «عبد» ولفظ الجلالة «الله». هل كل جزء يشارك في إفادة المعنى الكلي؟ ولاحظوا أقول: «عبد الله» علمًا وليس نعتًا لشخص أنه هذا عبد لله، «عبد الله» علم لشخص مثله مثل «زيد»، «عبد الله» علم لشخص له أجزاء هذه الكلمة من حيث اللفظ «عبد» ولفظ الجلالة، لكن هل كل جزء يدل على المعنى يشارك في إفادة المعنى الكلي الإجمالي للكلمة أن ذاك الشخص المعين أم في الحقيقة ليس له علاقة، الأجزاء ليس لها علاقة في إفادة المعنى الإجمالي للكلمة؟

أه، عندما يكون «عبد الله» علمًا على شخص معين، فهنا في الحقيقة الأجزاء «عبد» ولفظ الجلالة، يعني لفظ الجلالة ايش علاقته في إفادة المعنى الكلي على معنى الشخص؟ لا، ليس لها علاقة في ذلك. فـ«عبد الله» في الحقيقة هي مثله مثل إبراهيم، مثله مثل زيد، مثله مثل سليمان صحيح ولا لا؟ أجزاؤها حينما تكون تدل على شخص معين ليس لها علاقة في إفادة المعنى الكلي. طيب بناءً على تعريف ابن هشام للمفرد أن المفرد ما لا يدل جزؤه على جزء معناه، ايش ستكون كلمة «عبد الله»؟ ستكون من قبيل المفرد بناءً على كلام ابن هشام.

لكن هل فعلًا عند النحاة «عبد الله» من قبيل المفرد؟ هذا هو السؤال. عند النحاة في الحقيقة «عبد الله» ليست من قبيل المفرد حتى ولو كانت علمًا على شخص. لماذا ليست من قبيل المفرد؟ أو ما الدليل على أنها ليست من قبيل المفرد؟ الدليل أنها عندما تُعرب فتقول: جاء «عبد الله»، كيف تُعرب؟ تقول: جاء فعل ماضٍ، «عبد» فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة، ولفظ الجلالة مضاف إليه. فـ«عبد الله» علم على شخص أُعربت بإعرابين، فهذا يدل على أن النحاة ينظرون إليها على أنها مركبة ولا ينظرون إليها على أنها مفردة.

وبالتالي يكون تعريف ابن هشام فيه خلل؛ لأن «عبد الله» بناءً على تعريف ابن هشام للمفرد ما لا يدل جزؤه على جزء معناه، ستكون «عبد الله» من قبيل المفرد، وبالتالي ستكون «عبد الله» كلمة واحدة. لكن الصحيح أن هذه الكلمة «عبد الله» ليست كلمة واحدة عند النحاة بل هي كلمتان، والدليل على أنها كلمتان أنها تُعرب بإعرابين، «عبد» لها إعراب ولفظ الجلالة له إعراب. إذاً طب ما المشكلة إذًا في تعريف ابن هشام؟

باختصار المشكلة أن ابن هشام رحمة الله تعالى أتى بتعريف المناطقة للمفرد، ولم يأتِ بتعريف النحاة للمفرد، وهذا كما قال الصبان في حاشيته على «الأشموني»، قال: وهذا من تداخل العلوم. ايش يعني من تداخل العلوم؟ أن العالم المصنف يكون في باله وفي ذهنه تعريفات كثيرة، المفرد درس المنطق فله تعريف له في ذهنه، المفرد درس النحو عنده تعريف، فسهوًا وخطأً يذكر في فن من الفنون تعريفًا استجره من فن آخر على سبيل السهو.

فالصحيح وهذا لم يذكر -يعني لم يقتصر على ذكر الصبان بل حتى ياسين الحمصي- بين أن ابن هشام هنا لما عرَّف المفرد عرَّفه بالمعنى المنطقي. المناطقة هم الذين يقولون: المفرد ما لا يدل جزؤه على جزء معناه، وهذا أطنبنا شرحه وذكره عند المناطقة في شرحنا على «السلم المنورة» لمن أراد أن ينتفع بذلك. ما معنى قول المناطقة في المفرد ما لا يدل جزؤه على جزء معناه؟ أطنبنا الشرح هناك فيُرجع إليه.

لكن يهمني الآن أن نبين الصحيح في هذا الباب، أن المفرد عند النحاة ليس كما عرفه ابن هشام. المفرد عند النحاة ايش هو كما قلنا قبل قليل؟ ما يُلفظ بلفظ واحد بحسب العرف. يعني في العرف أن هذا لفظ واحد، ما يُلفظ بلفظ واحد بحسب العرف. وأنا ذكرت تعريفًا تسهيليًّا لم أجده لكن من عندي هذا كما يقولون، تعريف تسهيلي للمفرد: نقول المفرد ما يُعرب إعرابًا واحدًا. المفرد ما يُعرب إعرابًا واحدًا، وهذا أسهل عليك. فكل قول يُعرب إعرابًا واحدًا يسمى ماذا؟ يُعرب إعرابًا واحدًا يكون مفردًا، وبالتالي يكون كلمة. وكل قول لا يُعرب إعرابًا واحدًا بل فيه إعرابان مثل «عبد الله»، فهذا ليس من قبيل المفرد، وبالتالي ليس كلمة، بل هو من قبيل المركب وأنت بعد ذلك تصنفه من أي نوع من أنواع المركبات. فهذا تحرير لمعنى كلمة مفرد، وبينا أين وقع الزلل في عبارة ابن هشام رحمة الله تعالى.

فقلنا: المفرد على الصحيح ما يُلفظ بلفظ واحد بحسب العرف، ثم ذكر ذلك ياسين الحمصي في الحاشية، يعني اختار ياسين الحمصي هذا التعريف للمفرد في الحاشية. وأنا ذكرت لك تعريفًا تسهيليًّا تقريبيًّا أن تقول: المفرد أُعرب إعرابًا واحدًا، ما فيه أكثر من إعراب، خلاص هذا القول يُعرب إعرابًا واحدًا.

قال ابن هشام: المراد بالمفرد ما لا يدل جزؤه على جزء معناه، وذلك نحو «زيد»، فإن أجزاءه وهي الزاي والياء والدال إذا أُفردت لا تدل على شيء مما يدل هو عليه. يعني هذه الأجزاء أخذت الزاي على جنب وأخذت الياء على جنب وأخذت الدال على جنب، هذه الأجزاء إذا أُفردت هل تدل على شيء مما يدل كلمة «زيد» عليه؟ لا تدل على شيء مما تدل عليه كلمة «زيد»، كلمة «زيد» تدل على شخص، لكن الزاي لو سمعتها وحدها ما تفهم شيئًا منها، وكذلك الياء والدال. فهذا يدل على أن الأجزاء لا تدل على جزء المعنى الكلي، وبالتالي هذه الكلمة من قبيل المفرد بناءً على تأصيل ابن هشام.

قال: بخلاف قولك «غلام زيد»، فإن كلًا من جزئيه وهما «غلام» و«زيد» دال على جزء المعنى الكلي هذا الذي يريده، فـ«غلام» شاركت في المعنى، و«زيد» تكمل المعنى الكلي، فكل واحد من هذين مؤثر، فبالتالي هنا هذه الكلمة -عفوًا هذا القول- «غلام زيد» ليس من قبيل المفردات، بل هذا القول من قبيل المركبات لأن أجزاءه تدل على جزء المعنى، لذلك قال: فهذا يسمى مركبًا لا مفردًا.

ثم انتقل إلى بعض التحريرات السريعة، عليهم من الوقوف عندها، قال: فإن قلت -اعتراض وجواب من ابن هشام-: فإن قلت فلماذا اشترطت في الكلمة الوضع كما اشترط من قال: الكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد؟ حاصل هذا الاعتراض...

هناك من جاء إلى ابن هشام -طبعاً هي تصويرة تخيلية- فقال: يا ابن هشام، أنت قلت في تعريف الكلمة: قول مفرد، لماذا لم تشترط كلمة الوضع؟ لماذا لم تزد كلمة الوضع في التعريف كما زاد غيرك؟ فغيرك يا ابن هشام ماذا قال في تعريف الكلمة؟ غيرك يقول: الكلمة لفظ موضوع لمعنى.

دعونا نأتي إلى اللوح حتى يتضح المقال، بسم الله. أنا فقط سريعاً حتى تعرف ما وجه هذا الاعتراض. ابن هشام ماذا قال في الكلمة؟ قول مفرد. فجاء رجل معترض فقال: يا ابن هشام لماذا لم تزد في تعريفك للكلمة كلمة الوضع؟ لأن غيرك ماذا يقول في تعريف الكلمة؟ يقول: الكلمة لفظ موضوع لمعنى مفرد. برأيكم أيها الأحبة ماذا سيكون جواب ابن هشام؟

من فهم التقسيم والتشجير السابق لم يشكل عليه هذا المعنى، وهذا الاعتراض لم يشكل عليه. أنت بنفسك ماذا ستجيب لابن هشام؟ نقول أيها الأحبة قبل أن نقرأ العبارة باختصار: الذي قال الكلمة لفظ موضوع لمعنى، بماذا صدر تعريف الكلمة؟ صدره باللفظ، واللفظ كما بينا منه ما هو مستعمل -أو قل موضوع كما قلنا تساهلاً- ومنه ما هو مهمل. فلو أن هذا المعرف قال: الكلمة لفظ مفرد، كان التعريف ناقصاً فيه خلل؛ لأن اللفظ قد يكون مفرداً لكنه مهمل، فسيدخل المهمل في حد الكلمة، وهذا خطأ.

فلذلك من صدر التعريف باللفظ احتاج أن يذكر قيداً زائداً فيقول: اللفظ الموضوع، ثم يأتي كلمة المفرد. أما من اختصر على نفسه المسافة مثل ابن هشام فقال: لماذا أنا أطيل؟ أذهب إلى اللفظ فأصدر به التعريف! لماذا لا أذهب إلى الجنس الأقرب؟ أخذ القول جنساً للتعريف وأصدر به التعريف واختصر المسافة. فابن هشام ذكي، قال لك: أنا أختصر على نفسي، فلا أقول الكلمة لفظ موضوع لمعنى مفرد -ثلاثة ألفاظ-، اختصر التعريف في كلمتين: قل الكلمة قول مفرد. ما القول؟ القول هو اللفظ الموضوع لمعنى، فكلمة قول هي مساوية لقولك اللفظ الموضوع لمعنى، ابن هشام حذف اللفظ الموضوع لمعنى وأتى مكانها بكلمة قول فقط، هذا هو الاعتراض وهذه هي الإجابة.

طبعاً أيها الأحبة نحن الآن نحتاج إلى شيء من الإطالة وشيء من البسط حتى تتعود على عبارة ابن هشام، إذا انطلقت في عبارة ابن هشام وعرفت مصطلحه وطريقته في التعبير يصبح هناك سهولة، لكن الطالب يحتاج أن يتعود على العبارة حتى يستطيع أن يأخذ لغة المصنف؛ إذا أخذت لغة المصنف تصبح متقناً لفهم كلامه. فإن قلت: لما اشترطت في الكلمة الوضع كما اشترط من قال الكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد؟ قلت في إجابة هذا الاعتراض: إنما احتاجوا إلى ذلك لأخذهم اللفظ جنساً للكلمة. الذين احتاجوا لزيادة كلمة الوضع أخذوا اللفظ جنساً في تعريف الكلمة، ولا أريد الآن ما معنى الجنس وما معنى الفصل، وهذا كله ذكرناه في شرح السلم المنورق، وإنما المراد بالجنس هنا أنهم صدروا تعريفهم للكلمة باللفظ، فاحتاجوا إلى زيادة الوضع، احتاجوا إلى ذلك لأخذهم اللفظ جنساً للكلمة.

أنا أريدك أن تفهم ما معنى لأخذهم اللفظ جنساً للكلمة؟ الآن عند المناطقة، الحد عندهم يكون من جنس وفصل، اللفظة الأولى يسمونها جنساً، واللفظة الثانية يسمونها فصلاً، هذا إذا كان حداً، وإذا كان رسماً اللفظة الأولى تسمى جنساً واللفظة الثانية تسمى خاصة. ولذلك أيها الأحبة أنا دائماً أقول للطلبة: بعض الطلبة يذهب في دراسة بعض المتون المبتدئة مثل متون المنطق وما شابه ذلك فيقول: ما الفائدة؟ الفائدة أيها الأحبة هكذا، أنت الآن تجد الفائدة أني عندما أقرأ في كتب النحو أجدها بعبارات المناطقة، أقرأ في كتب الأصول أجدها متأثرة بعبارات المناطقة، الجنس، الفصل، الجنس القريب، الفصل القريب، يستخدمونها وصبغت بها الكتب، فأنت تحتاج إلى دراية بهذه المصطلحات بمعانيها حتى عندما تقرأ هذه الكتب تفهم ماذا يريدون.

من فهم أصول المنطق بالنسبة له هذا الكلام واضح جداً جداً، ما فيه غبش، لكن من لا يعرف معنى الجنس -وكما سيأتي معنا في طرف ثاني الجنس القريب والجنس البعيد- سيبقى في فهمه لكلام ابن هشام نوع غبش، لذلك لا بد من التدرج وألا يأخذ الإنسان من العلم ما يشتهي، بل يأخذ من العلم كله بقدر الطاقة. إنما احتاجوا إلى ذلك لأخذهم اللفظ جنساً للكلمة، أي صدروا به تعريف الكلمة، واللفظ كما قدمنا سابقاً ينقسم إلى موضوع ومهمل، فاحتاجوا إلى الاحتراز عن المهمل بذكر الموضوع أو الوضع. ولما أخذت -أي أنا لما أخذت- القول جنساً للكلمة -وما أخذت اللفظ جنساً للكلمة- وهو خاص موضوع، أن القول خاص باللفظ الموضوع أو اللفظ المستعمل، لا يدخل فيه المهمل؛ فلما أخذت القول جنساً -أي في تعريف الكلمة- أغناني ذلك عن اشتراط الوضع كما اشترط غيري. وهو كما بينا أن غيره أطال فأتى باللفظ فاحتاج إلى أن يزيد كلمة الوضع، وأما ابن هشام فاختصر على نفسه فأتى بالقول مباشرة، لم يحتج لكلمة الوضع.

فالآن هذا الاعتراض ولد اعتراضاً آخر: فإن قلت: فَلِمَ عدلت عن اللفظ إلى القول؟ يعني أنت الآن هذا المعترض فهم جواب ابن هشام أن ابن هشام أخذ القول في بداية التعريف بخلاف ذاك الشخص الذي أخذ اللفظ في بداية التعريف، فهذا المعترض يقول لابن هشام: طب أنت لماذا أخذت القول؟ ولماذا لم تأخذ اللفظ كما فعل غيرك؟ لماذا أخذت القول في بداية التعريف ولم تقل اللفظ الموضوع لمعنى؟ لماذا لم تستخدم تعريف الآخرين؟ لِمَ عدلت عن اللفظ إلى القول؟ فماذا كان الجواب؟ قال: لأن اللفظ جنس بعيد على المهمل والمستعمل كما ذكرنا، لفظ يطلق على المهمل والمستعمل، والقول جنس قريب خاص بالمستعمل، واستعمال الأجناس البعيدة في الحدود معيب عند أهل النظر.

الآن المناطقة يقولون: الحد التام، الحد الكامل ما صدر بالجنس القريب، ما كان أول كلمة فيه في التعريف جنس قريب، أما إذا كانت أول كلمة في التعريف جنس بعيد تحتاج بعده إلى احترازات كثيرة فهذا يسمى حداً ناقصاً، ليس كاملاً، فيه خلل، فيه عيب. هذه طريقة المناطقة، وهذه في النهاية جدل منطقي ليس له علاقة بعنوان اللغة العربية، وهذا لا يتكرر عند ابن هشام الحمد لله، هو فقط في بدايته أو في الصفحة الأولى استخدم هذه العبارات والجدل المنطقي، بعد ذلك لن يأتي معنا إن شاء الله شيء من ذلك، لكن لا بد تفهم ما معنى كلام ابن هشام.

سريعاً أيها الأحبة، من فهم التشجير السابق سيفهم الكلام ولن يشكل عليه كلام ابن هشام، نحن ماذا قلنا في التقسيم السابق؟ عندنا اللفظ موضوع أو مستعمل، وعندنا مهمل، والموضوع قسمناه إلى مفرد وإلى مركب. الكلمة عندما تعرفها، هناك من ذهب إلى الجنس البعيد، ومن ذهب إلى الجنس القريب سيأخذ القول. أيهما أقرب إلى الكلمة؟ القول أم اللفظ؟ الاقرب إلى الكلمة القول، وأما اللفظ فهو جنس بعيد. فمن أخذ اللفظ بداية التعريف ذهب إلى الجنس البعيد فاحتاج إلى محترزات بعد أن يذكر الموضوع ثم يذكر المفرد، وأما من أخذ الجنس القريب وهو القول مباشرة، خلاص، ما احتاج إلى ذكر محترزات كثيرة فاختصر على نفسه، وأيهما الأصوب عند المناطقة؟ اختيار الجنس القريب هو الأصوب، وليس الذهاب إلى الجنس البعيد مع إمكان اختيار الجنس القريب، هذا هو خلاصة كلام ابن هشام.

ابن هشام -رحمه الله عليه- أنهينا معه العبارة الأولى في متنه: الكلمة قول مفرد، وأخذت معنا وقتاً من البيان والشرح، لكننا في الحقيقة استفدنا مجموعة من الأمور المعرفية فيما يتعلق بمجموعة من المصطلحات المتكاتفة المتعاضدة في علم النحو، مصطلح اللفظ والقول والكلمة والكلام والكلم. ابن هشام في المتن ابتداء ذكر الكلمة، ثم لم يذكر المصطلحات الأخرى الكلام والكلم، اختصر على الكلمة ابتداءً، ثم بدأ في ذكر أنواع الكلمة.

الكلمة تنقسم إلى اسم وفعل وحرف، وسيكمل أقسام الكلمة بعد أن يكمل ويشبع الكلام حول الكلمة بأقسامها الثلاثة، يتكلم عنها بنوع من الإسهاب والتفصيل، سيعود بعد ذلك إلى تعريف الكلام، فتعريف الكلام متأخر عند ابن هشام حتى يفرغ من الكلام عن الكلمة بأنواعها وأقسامها. فالعبارة الثانية في المتن قال: وهي اسم وفعل وحرف.

الكلمة العربية أيها الأحبة، هذه أول معلومة ينبغي أن تتقنها في علم النحو، أساس علم اللغة العربية أيها الأحبة أن تعرف أن الكلمة العربية ما أقسامها؟ اسم وفعل وحرف. هناك من طلبة العلم من لا يعرف هذه المعلومة، لا يعرف أن الكلمة هي عبارة عن اسم وفعل وحرف، تقول له ما أنواع الكلمة لا يعرف، وهذا جهل شنيع لا يليق بطالب العلم. يعني هناك معلومات الكل يسهو فيها، الكل يخطئ، الكل ينسى، يحتاج إلى تعلم، لكن هناك معلومات أساسية، هي أساسيات الحياة العملية، أساسيات اللغة العربية، لا تحتاج إلى مدرس ولا إلى شيخ، أي إنسان درس شيئاً أو شم شيئاً من اللغة العربية ينبغي أن يعرف أن الكلمة تنقسم إلى اسم وفعل وحرف.

ابن هشام -رحمه الله عليه- الآن في البداية سيقول: ما الدليل على أن الكلمة العربية محصورة فقط في هذه الأقسام الثلاثة في الاسم والفعل والحرف؟ ما هو الدليل على ذلك؟ لماذا لا يكون هناك نوع رابع أو خامس أو سادس؟ قال ابن هشام في الشرح: لما ذكرت حد الكلمة -أي لما فرغت من تعريف الكلمة- بينت أنها جنس تحته ثلاثة أنواع، والكلمة جنس، ومن درس المنطق عرف معنى الجنس، تحته أنواع. ما هي الأنواع؟ تحته ثلاثة أنواع: اسم وفعل وحرف.

والدليل على انحصار أنواعها في هذه الثلاثة هو الاستقراء، فهذا هو الدليل الذي ذكره ابن هشام في شرحه على القطر، الدليل الاستقرائي. ما هو الاستقراء؟ ذكرنا ذلك في النحو الصغير، ما هو الاستقراء؟ هو أن تتتبع الجزئيات فتستخلص منها حكماً كلياً. والاستقراء أيها الأحبة استقراء تام واستقراء ناقص. الاستقراء التام أن تتتبع جميع الجزئيات، لا يفوت جزئي واحد، هذا يسمى استقراء تاماً، والنتيجة التي تتحصل من الاستقراء التام تكون نتيجة قطعية. الاستقراء الناقص أن تتتبع أكثر الجزئيات -يعني لا تستقصي جميع الجزئيات للنظر بل الأكثر- والنتيجة المتحصلة من الاستقراء الناقص نتيجة ظنية وليست قطعية.

قال ابن هشام: فإن علماء هذا الفن -علماء النحو- تتبعوا كلام العرب، أي استقرؤوا كلام العرب، تتبعوا المفردات، فلم يجدوا إلا ثلاثة أنواع، ولو كان ثم نوع رابع لعثروا عليه. إذاً علماء اللغة العربية علماء نزلوا إلى الوديان وذهبوا إلى الصحاري والقفار، سمعوا كلام الأعراب، جمعوا، فتتبعوا، فلم يجدوا إلا هذه الأقسام الثلاثة: اسم وفعل وحرف، ولو كان هناك نوع رابع لوجدوه.

هل هذا استقراء كامل تام أم استقراء ناقص؟ هو قطعاً فيما يظهر استقراء ناقص، صحيح؟ يعني هل عندما تقول استقراء تام معنى ذلك أنك تتبعت كل كلام العرب؟ فهل نستطيع أن نجزم أن علماء البصرة والكوفة عندما ذهبوا إلى الوديان وإلى الصحاري والقفار لم تفُتهم كلمة واحدة من كلام العرب؟ لا أحد يستطيع أن يجزم بذلك، العرب متناثرة قبائل في الوديان والسهول والجبال، فقطعاً لم يتتبعوا كل كلام العرب، وإنما تتبعوا الجم الغفير، فوصلوا إلى هذا، فالاستقراء في النهاية استقراء ناقص، يفيد الظن.

لذلك من خالف فزاد نوعاً رابعاً، نعم هناك من خالف فزاد نوعاً رابعاً كالإمام أبي جعفر بن صابر، فقال: لا، الكلمة اسم وفعل وحرف واسم فعل، فزاد اسم الفعل فجعله نوعاً رابعاً. اسم الفعل مثل "صه" و"مه"، لأن هذا كما سيأتي معنا -أسماء الأفعال إن شاء الله- أسماء الأفعال كلفظ هي اسم، لكن كمعنى هي فعل، فهي محيرة؛ كلفظ اسم، "صه" و"مه" يدخل عليها التنوين "صهٍ" و"مهٍ"، لكن ما معنى "صه"؟ اسكت، "ومَه"؟ اكفف، طولها أفعال وألفاظها أسماء، فجاءت في المنتصف، فعدها نوعاً رابعاً. لكن في الحقيقة، هل النحاة ينظرون إلى المعاني أم إلى الألفاظ؟ النحاة ينظرون إلى الألفاظ إلى الأشكال، والنظر إلى المعنى تبع، هم ينظرون إلى المعنى لكن على وجه التبع، ففي النهاية أسماء الأفعال تعتبر من الأسماء، فداخلة في تقسيم الأسماء، لأن النحو ينظر إلى المنظور واللفظ، ولا ينظر إلى المعنى والمدلول. إذاً هذا هو.

الدليل الأول على انحصار الكلمة في الاسم والفعل والحرف هو الاستقراء. وهناك دليلان آخران: دليل عقلي ودليل نقلي، فتصبح الأدلة ثلاثة. الدليل الاستقرائي ذكره ابن هشام، وكذلك الدليل العقلي ذكره ابن هشام في شذور الذهب.

أما الدليل النقلي باختصار، فقد جاء في الآثار المروية أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ذكر لأبي الأسود الدؤلي فقال له: «اكتب الكلمة اسم وفعل وحرف جاء لمعنى لا يخرج عن ذلك». وكان هذا بمحضر علماء اللغة، والعرب متوافرة وفي عصر الاحتجاج، ولم ينكر ذلك عليه أحد، فكان إجماعاً سكوتياً. هذا هو الدليل النقلي: قول علي بن أبي طالب.

بقي علينا الدليل العقلي، ما هو الدليل العقلي على انحصار الكلمة في الاسم والفعل والحرف؟ الدليل العقلي أيها الأحبة يقولون: المعاني التي نحتاج أن نعبر عنها ثلاث؛ لأن الألفاظ أتت لتعبر عن المعاني الكامنة في النفوس. ففي الحقيقة اللغة العربية وغيرها من اللغات هي منة ونعمة من الله سبحانه وتعالى على البشرية أن علمهم كيف يعبرون عن المعاني القائمة في نفوسهم من خلال الألفاظ. ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]، هذا جاء في سياق الامتنان على الأمم أن الله علم آدم الألفاظ والأسماء كيف يعبر عن المعاني. هذه نعمة عظيمة.

المعاني التي نحتاج أن نعبر عنها ثلاث: قالوا إما ذات، وإما حدث، وإما رابط بين الذات والحدث. فالذوات مثل زيد وبكر وخالد وسيارة وقلم وشمس وقمر ونجم، هذه ذوات. والأحداث هي ما قام أو جاء أو أكل أو شرب أو سقط أو وقع. وتحتاج إلى رابط يربط بين الذات والحدث، وهذا الرابط هو الحرف. فأي جملة يتكلم بها إنسان على وجه الأرض، فلابد أن تتكون من ذات وحدث ورابط بين الذات والحدث. قد تتكون من ذات وحدث ولا تحتاج إلى رابط، لكن باختصار هي إما ذات أو حدث أو رابط بين الذات والحدث، لا يوجد معنى رابع نحتاج أن نعبر عنه.

فإذا قلت: السماء فوقنا، والأرض تحتنا، والمنضدة جميلة، والقلم موجود، هي عبارة عن ذوات وقعت عليها أحداث، وأحياناً حتى تصلح الجملة تحتاج إلى رابط بين الذات والحدث كحرف الجر، مثل: مررت بمحمد، وسرت إلى المدرسة. فالذوات هي الأسماء، والأحداث هي الأفعال، والرابط بين الذات والحدث هو الحرف، فبالتالي صح أن القسمة ينبغي أن تكون ثلاثية.

ابن الخباز رحمة الله عليه يقول معلقاً على هذا الكلام: لا يختص انحصار الكلمة في الأنواع الثلاثة بلغة العرب؛ لأن الدليل الذي دل على الانحصار في الثلاثة عقلي، والأمور العقلية لا تختلف باختلاف اللغات. ابن الخباز يريد أن يقول بناء على الدليل العقلي: إن الدليل الاستقرائي لا يفيدنا إلا في اللغة العربية، والدليل النقلي باللغة العربية، أما الدليل العقلي فيدل على أن انحصار الكلمة في الأقسام الثلاثة ليس خاصاً باللغة العربية بل بجميع لغات العالم؛ لأن الدليل العقلي لا يختص بعقل العرب، بل يوجد في عقول البشرية كلها أن المعاني التي يحتاج أن يعبر عنها هي ذوات وأحداث ورابط بين الذات والحدث. وبالتالي الألفاظ التي سيأتون بها لتعبر عن هذه المعاني هي أسماء وأفعال وحروف، لكن يسمونها في لغتهم بالأسماء الخاصة بهم.

إذا عرفنا أيها الأحبة انحسار الكلمة في هذه الأقسام الثلاثة الاسم والفعل والحرف، وأن عليه ثلاثة أدلة: دليل نقلي وعقلي واستقرائي. ابن هشام في القطر ذكر الدليل الاستقرائي، وفي شذور الذهب ذكر الدليل العقلي. الآن سيبدأ ابن هشام بتحليل كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة، الكلام عنه وعن علامته وعما وقع فيه الخلاف، فسيبدأ بذكر الاسم لأنه الأشرف، ثم سيذكر الفعل، ثم سيذكر الحرف.

يأتي بالاسم، نذكر تعريف الاسم، والعلامة التي تدل على أن هذه الكلمة اسم ليست فعلاً ولا حرفاً، ثم بعض الكلمات المحيرة التي وقع فيها خلاف بين العرب: هل هي من قبيل الأسماء أم هي من قبيل الأفعال؟ وهكذا يذكر الفعل وتعريف الفعل والعلامة التي تدل على أن هذه الكلمة فعل. انظر للترتيب العقلي عند ابن هشام وحسن التصنيف؛ ابن هشام يقول: أنا ذكرت للطالب الكلمة، وذكرت له أن الكلمة إما اسم أو فعل أو حرف، والآن الطالب سيجد أمامه في اللغة العربية ملايين الكلمات، فكيف سيوزعها على أنها اسم أو فعل أو حرف ولا يخطئ؟ إذاً لابد أن نذكر العلامة التي تجعل هذه الكلمة من قبيل الأسماء، والعلامة التي تضعها من قبيل الأفعال، والعلامات التي تجعل الكلمة من قبيل الحروف حتى لا يخطئ الطالب. فلابد أن يعطيك المعيار والميزان.

فقال: فأما الاسم، الآن نقرأ قال: فإما الاسم بال جر، وبالتنوين كرجل، وبالحديث عنه كـ «تأتِ ضربتُ». قال ابن هشام في الشرح: لما بينت من حصرت فيه أنواع الكلمة الثلاثة، شرعت في بيان ما يتميز به كل واحد منها عن قسيمه الفعل والحرف. وهناك فرق بين كلمة القسم والقسيم، فالاسم والفعل والحرف أقسام للكلمة، بينما الفعل والحرف قسيمان للاسم، فالقسيم يكون للنظير بنفس الدرجة، والأقسام تكون لما كانت تحت كلي يجمعها.

الآن إذاً ابن هشام في المتن ذكر لنا ثلاث علامات، هذه علامات لأي كلمة تجدها أمامك، فإذا شككت في أمرها هل هي اسم أو فعل أو حرف، وأردت أن تحدد، أعطيك الآن علامات تطبقها على هذه الكلمة، فإذا طبقتها ووجدت أنها صالحة للدخول على هذه الكلمة فهذا دليل على أن هذه الكلمة من قبيل الأسماء. لكن قبل أن نذكر العلامات لابد أن نعرف الاسم، هذا المصطلح ما معنى الاسم لغة ومما اشتق؟

دعونا نذهب إلى السبورة، نحن الآن في كلمة اسم، سنحللها لغة، (ألف وصل، سين، ميم). هذه الكلمة مما أخذت؟ الكل متفق على أن هذه الألف بهمزة الوصل منقلبة عن واو، لكن اختلفوا أين موقع هذه الواو؟ هل هو في فاء الكلمة أو لام الكلمة؟ فوقع خلاف بين المدرسة البصرية والمدرسة الكوفية.

المدرسة البصرية تقول: كلمة اسم أصلها من السمو، والفعل المأخوذ من السمو هو «سما»، وأخذنا في نظم المقصود أن الواو أو الياء إذا تحركت وانفتح ما قبلها تقلب ألفاً فيصبح «سما». البصريون يرون أن «اسم» مشتقة من السمو، فالواو في نهاية الكلمة، والسمو هو الفعل الذي يشتق منه «سما»، ثم تنقلب الواو إلى ألف وتصبح «سما». فالاسم مأخوذ من السمو، فالواو في آخر الكلمة أخذت ووضعت في البداية وقلبت همزة وصل، فأصبحت «اسم»، فأصله «سمو». وبناء على كلام البصريين، أصل كلمة اسم «سماو»، حذفت الواو من النهاية وعوض عنها في البداية همزة وصل، وهذا له نظير في اللغة العربية؛ فكلمة «ابن» أصلها «بنو»، حذفت الواو من النهاية وعوض عنها همزة وصل في البداية فأصبحت «ابن».

الكوفيون يقولون: لا، كلمة «اسم» مأخوذة من «السمة»، ما معنى السمة؟ العلامة. السمو عند البصريين من الارتفاع، بينما الكوفيون يرون أن «اسم» أخذ من السمة، والفعل المشتق منها هو «وُسِم» «وسَمَ». فالواو عند الكوفيين تقع في البداية، وأما عند البصريين فتقع في النهاية. فالكوفيون يرون أن كلمة «اسم» مأخوذة من «وسمة»، كأنها «وسم»، حذفت الواو وعوض عنها همزة الوصل فأصبحت «اسم».

أي الرأيين أصح؟ أكثر المتأخرين على أن البصريين هم الذين أصابوا في هذه الجزئية، وأن الواو في النهاية. والدليل على ذلك أننا لو بحثنا في تصاريف هذه الكلمة، سنجد أن أكثر التصاريف تقع فيها الواو في النهاية وليس في البداية. يقولون إذا أشكل عليك أصلها، اذهب إلى جمع التكسير وإلى التصغير؛ فإن جمع التكسير والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها.

فنقول الآن: اسم، اجمع كلمة اسم، نقول: «أسماء». وفي الحقيقة «أسماء» لم تأت هكذا ابتداء، «اسم» عندما تجمع تجمع على «أَسْمَاو»، ثم قاعدة صرفية أن الواو إذا تطرفت بعد ألف فإن الواو تقلب همزة فصارت «أسماء». أين وقعت الواو؟ في النهاية، إذاً هذا يقوي قول البصريين.

ثم نأتي إلى التصغير: «اسم» عندما تصغر تصغر على وزن «فُعَيل» للثلاثي، فتصبح «سُميُّ»، ثم لقاعدة صرفية اجتمعت الياء والواو وسبق أحدهما بالسكون فتقلب، ستقلب الواو ياء وتدغم في الياء السابقة فستصبح «سُميّ». لاحظ أين وقعت الواو؟ في النهاية، فهذا يؤكد قول البصريين.

ومن هنا قال القائل: اشتق لاسمِ من سما البصري ... واشتقه من وسمة الكوفي والمذهب المقدمُ الجلي ... دليلُه الأسماءُ والسميُّ

نكتب هذين البيتين ونختم بهما درس اليوم إن شاء الله. اشتق الاسم من «سما»، البصريون عندهم الاسم مأخوذ من «سما»، والكوفيون عندهم الاسم مأخوذ من «وسمة». والمذهب المقدم الجلي الواضح دليله «الأسماء والسمي»، أي أن جمع كلمة «اسم» على «أسماء» وتصغيرها على «سمي» دل على أن همزة الوصل في البداية أصلها واو متأخر وليس واواً متقدماً. هذه الأبيات ذكرها شيخنا عبد الوهاب النيجيري رحمة الله عليه، كان يذكر لنا هذين البيتين ومن يومها المسألة أحفظها من خلالهما، متى ما نسي الإنسان أو انشغل في الدنيا تبقى الفائدة موجودة. هذه النكت عندما تهذب بهذه الطريقة تبقى دائماً في ذاكرة طالب العلم. إذا حفظت هذين البيتين تبقى المسألة عندك واضحة، هناك قولان والراجح قول البصريين، تفهم المسألة باختصار من دون حاجة إلى كثرة العودة إلى كلام أهل العلم.

نختم أيها الأحبة، إذاً هذا معنى الإشكال اللغوي في كلمة الاسم. أما الاسم في اصطلاح النحاة، فلم يذكره ابن هشام بل انتقل مباشرة إلى العلامات.

مأخوذ الاسم من السمو وهو الارتفاع، وعلى تعريف الكوفيين أنه من الوسم فهو العلامة. لكن ما معنى الاسم في الاصطلاح في النهاية؟ الآن هذا معنى بالمعنى الاصطلاحي للاسم: الاسم عبارة عن كلمة تدل على معنى في نفسها ولم تقترن بزمن.

إذاً الاسم كلمة من أقسام الكلمة. فالاسم كلمة تدل على معنى في نفسها ولا تدل على زمن. فالكلمة إذا دلت على معنى في نفسها، يعني أنت إذا سمعتها فهمت منها معنى في نفسها كاملاً؛ فأنت منها أخذت خالد، بكر، تفاحة، هذه كلها عبارة عن كلمات تدل على معان في نفسها ولا تدل على زمن، فهذا هو الاسم ما دل على معنى في نفسه ولم يقترن بزمن.

ما هي العلامات التي نحتاج إلى معرفتها إذا أردنا أن نحكم على أن هذه الكلمة اسم أو فعل أو حرف في حالة الشك؟ إذا عندك شك خلاص واضحة انتهى؛ أنت أحياناً من خلال التعريف تستطيع أن تحكم على كثير من الكلمات بأنها أسماء. لكن متى تحتاج إلى العلامات؟ عند وقوع الشك في بعض الكلمات المترددة المحتملة، فنحتاج إلى العلامة حتى نحدد بالضبط هل هذه الكلمة اسم أو فعل أو حرف.

نذكر إن شاء الله العلامات بالتفصيل في الدرس القادم بإذن الله. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا الإخلاص في القول والعمل، آمين آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.