دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 4 - أنواع الإعراب+البناء و أنواعه+الأسماء المبنية

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، وممهد قواعد الفقه في الدين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا وعملًا صالحًا، ونسألك اللهم أن تهيئنا لحمل هذا العلم أخلاقًا وسلوكًا وتربية وفهمًا وهمة يا أكرم الأكرمين.

على طالب العلم أيها الأحبة قبل أن نشرع في درس اليوم أن يتذكر دائمًا أنه في طلبه للعلم وفي تعبه في مسيرته يسعى إلى الله عز وجل بخطوات واثقة. كل هذا التعب؛ ربما يقول الطالب: خمسة دروس في الأسبوع وكل درس ساعة ونصف، ما هذا التعب؟ ولماذا أتعب؟ ما الذي يجبرني على هذا التعب وعلى هذا التحصيل، وأن أسمع وألخص وأحفظ، والناس يتمتعون في دنياهم ويلهون في مآكلهم ومشاربهم ومجالسهم؟ في الحقيقة نعم، إذا كنت أصبحت تقارن هذه المقارنة، هذا يعني أنك لم تدرِ بعد شرف العلم، ولا تدري شرف ما تسعى لتحصيله، لا تدري شرفه في الدنيا وفي الآخرة، لا تدري ما ينتظرك من المنازل العظيمة، لا تدري كيف كان السلف رحمة الله عليهم يطلبون هذا العلم.

لذلك على طالب العلم دائمًا أن يقرأ في كتب السير وكتب الطبقات حتى ترتفع همته، كلما شعر بالتقصير والضعف ينظر في ذاك الإمام الذي يسير من أقاصي مشارق الأرض إلى مغاربها، ومن مغاربها إلى مشارقها، ذاك الإمام الذي يرحل في طلب العلم خمسة وأربعين عامًا يرحل من هنا إلى هنا، خمسة وأربعين عامًا في الرحلة على دابة وعلى أقدامه، يسير من أجل طلب حديث، من أجل مراجعة اسم رجل، من أجل ضبط مسألة فقهية، يسير من أقاصي الأرض من أجل أن يلقى إمامًا يتعلم على يديه الفقه.

هناك من فارق زوجته وأهله وأبناءه السنين الطوال، ابن القاسم رحمة الله عليه تلميذ الإمام مالك رحمة الله عليه خرج من مصر وزوجته حامل، وأخبرها أني ذاهب إلى مالك لأجلس عنده سنوات في طلب العلم، فارقها فعاد بعد سنوات وهو مقيم عند الإمام سنوات كثيرة، بعد سنوات أظنها عشرين عامًا أو قريبًا من ذلك، إذا برجل يدخل إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في طيبة الطيبة، رجلًا يجتمع عليه الناس يسألونه في الفقه فيقول: من هذا؟ فقالوا: هذا ابن القاسم، فأتى إليه هذا الرجل فقبله، فقال: من أنت؟ فأخبره أنه ابنه، وابن القاسم مغترب في طلب العلم.

والسير في ذلك أيها الأحبة كثيرة، هناك من افتقر، هناك من أضاع أمواله، ينظر الإنسان في هذه الهمة وكيف اشتعلت وكيف تعبوا، سنوات يسهرون الليل بالنهار، يواصلون الليل والنهار ما عندهم مشكلة؛ لأن الهدف واضح والهمة عالية، والمهر الذي ينتظرونه من الله سبحانه وتعالى، ويعرفون الثغر الذي يحرسونه بهذه الهمم وبهذه الطاقات وبهذا الصدق والجد نالوا ووصلوا وأصبحوا قممًا سامقة. أيها الأحبة نتشوف أن نكون أرباعهم وأثلاثهم في طلب العلم، فلا يتضجر الإنسان ويقول: ساعة ونصف، أيش ساعة ونصف؟ أيها الأحبة وأنت في بيتك أمام المروحة وبجانب وبقرب كأس الشاي، تكتب كما تشاء والكتب الحمد لله مطبوعة ميسرة، بعد أن تفرغ من الدرس تنام كما تشاء، أيش هذا؟ ترى في نعيم. أنت بعد لم تذق التعب الذي ذاقه السلف، لم تعرف بعد معنى الصبر، إفراغ الطاقات بعد مواصلة الليل والنهار، فكيف تضجر فقط من أجل ساعة ونصف في خمسة أيام وليس في سبعة أيام؟ فينبغي أن يتذكر هذا الإنسان دائمًا تلك الهمم، وأن يحاول أن يحذو حذوها إذا أراد أن يكون شيئًا في يوم من الأيام، وأن يكون رقمًا من الأرقام الرفيعة.

أيها الأحبة، انتهى بنا الدرس في كتاب قطر الندى إلى قول ابن هشام رحمة الله عليه إلى الكلام عن حكم الاسم، فبينا أن قال ابن هشام: وهو ضربان معرب ومبني. بين ابن هشام رحمة الله عليه أن الاسم من حيث الحكم، لكن قبل في الدرس الماضي بينا أن ابن هشام الآن يتكلم عن الاسم، ذكرنا تعريفه لغة واصطلاحًا، ثم ذكرنا علامات الاسم، فقلنا كم علامة ذكر؟ ذكر ثلاث علامات: علامة من أوله وهي أل، وعرفنا أن سبب الخلاف في هذا المصطلح، وعرفنا أن أل التي هي من علامات الاسمية ليست للتعريفية فقط، فالأل التعريفية وأل الزائدة بنوعيها اللازمة وغير اللازمة، وذكرنا ذلك بالتفصيل.

ثم انتقلنا إلى العلامة الثانية من علامات الاسم وهي التنوين، وهي علامة تلحق الآخر، وبينا أن التنوين عبارة عن نون ساكنة زائدة تلحق أواخر الأسماء لفظًا لا خطًا لغير توكيد. ثم بينا أنواع التنوين الأربعة التي أشار إليها ابن هشام من خلال التمثيل: تنوين التمكين الذي يلحق الاسم المعرب المنصرف سوى جمع المؤنث السالم، وتنوين التنكير الذي يلحق أسماء الأفعال للدلالة على أنها نكرة، وتنوين المقابلة الذي يلحق جمع المؤنث السالم، وتنوين العوض في أقسامه: عوض عن حرف، عوض عن كلمة، عوض عن جملة، وبينا أن التنوين بكل أنواعه علامة على أن الكلمة اسم وليس نوعًا واحدًا بل كل الأنواع. العلامة الثابتة والأخيرة قال ابن هشام عنها: الإسناد إليه، أي أن كل كلمة صلحت أن تقع فاعلًا أو مبتدأ فهي ماذا؟ فهي اسم. كل كلمة صلح أن يتحدث عنها؛ يعني أن يسند إليها فعل أو يسند إليها خبر فهي ماذا؟ فهي اسم، هذا معنى كلامه الحديث عنه الإسناد إليه، أن تقع فاعلًا أو مبتدأ.

بعد أن ذكرنا هذه العلامات انتقلنا إلى حكم الاسم، فبينا أن الاسم معرب ومبني، فبينا معنى الإعراب، فقلنا: الإعراب أثر ظاهر على طريقة البصريين، الإعراب أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل في أواخر الأسماء المتمكنة والفعل المضارع. وهذا الأثر إما أن يكون حركة أو سكونًا أو حذفًا أو حرفًا، هذه أنواع هذا الأثر، هذه الصور التي يأتي عليها كما سيتبين لنا في علامات الإعراب، ما هي علامات الإعراب؟ أحيانًا تكون حركات، أحيانًا تكون بالحذف، أحيانًا يكون بالحروف إلى آخره. ثم بينا أن ابن هشام قال: الإعراب، ولم يعرف الإعراب، قلنا: عفوًا، وإنما عرف المعرب، وقلنا الصحيح أنك إذا أردت أن تعرف المعرب لابد ابتداءً أن تعرف أصل الإعراب، إذا عرفت الإعراب عرفت المعرب؛ لأن المعرب هي الكلمة التي حدث فيها إعراب، الكلمة التي حدث فيها إعراب وهي الأسماء المتمكنة والفعل المضارع هي المعرب، هي ما يقع عليه اسم المعرب.

ولكن كما قلنا، ابن هشام في تعريفه للمعرب كأنه اقترب من تعريف الكوفيين، أيه الإعراب؟ الكوفيون ماذا يعرفون الإعراب؟ من درس معنى الآجرومية، ايش يقول ابن آجروم رحمة الله عليه وهو قريب إلى مدرسة الكوفية؟ ماذا يقول في تعريف الإعراب؟ قال: تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظًا أو تقديرًا. فابن آجروم ما عرف الإعراب بطريقة البصريين أنه أثر ظاهر، يعني البصريون أيها الأحبة، هذا الذي أريدك أن تنتبه عليه، البصريون ماذا يقولون؟ الإعراب أثر ظاهر. فالإعراب هو الأثر، عند البصريين وهو الذي نسير عليه ونعتمده، الإعراب هو نفس الأثر، نفس الحركة التي في الآخر هي تسمى إعرابًا، نفس الحرف، مش قلنا الأثر إما أن يكون حركة أو سكونًا أو حرفًا أو حذفًا؟ لما قال البصريون: الإعراب أثر ظاهر أو مقدر؛ إذا الإعراب عندهم هو نفس الأثر، نفس الحركة التي تكون في الآخر، نفس الضمة التي تكون في حالة الرفع، نفس الفتحة، هذه الفتحة هي التي تسمى عندهم إعرابًا، نفس الكسرة، نفس السكون في حالة الجزم، مثلًا إذا كان هذا الأثر حرفًا، نفس الحرف يسمى عندهم إعرابًا، إذا كان مثلًا هذا الأثر حذفًا، نفس الحذف يسمى عندهم إعرابًا؛ لأنهم قالوا بتعريف الإعراب: الإعراب أثر.

إذًا هذا الأثر هو الإعراب، إذا قلت الإعراب إذًا الأثر هو الإعراب صح ولا لا؟ وهذا الأثر بأشكاله الأربعة، الحركة أو السكون أو الحذف أو الحرف. الكوفيون لا، الإعراب عندهم ليس هو الأثر، ليس هو الحركة أو السكون أو الحرف، لا، الإعراب عندهم هو تغير أواخر الكلم لاختلاف العوامل، وهذا بينا في شرحنا للآجرومية أن الكوفيين يقولون الإعراب هو عملية التغير التي تطرأ على آخر الكلمة بسبب اختلاف العامل الداخل على الكلمة. قلنا أحيانًا يكون عامل رفع يذهب ويأتي مكانه عامل نصب، اختلاف العامل، ذهاب عامل الرفع وإتيان عامل النصب، سيحدث قطعا تغير على الكلمة صحيح؟ فمثلا كلمة زيد، لو قلنا: جاء زيد، كانت زيد فاعل فكان مرفوعًا بالضمة، ذهب جاء، أتينا بعامل آخر: إن، أصبح ماذا؟ إن زيدًا. ها لما كان جاء، كان جاء زيد، لما ذهب هذا العامل وجاء عامل آخر: إن، أصبح ماذا؟ إن زيدًا، انظروا كيف تغير العامل، كان عامل يقتضي رفعًا على الفاعلية لزيد، أصبح عامل جديد هو: إن، يقتضي نصب زيد على أنه اسم إن.

الكوفيون ماذا يقولون؟ يقولون الإعراب هو تغير أواخر الكلمة، تغير آخر كلمة زيد، كان زيد مضمومًا أصبح زيدًا، هذا التغير ما سببه؟ اختلاف العوامل، فتغير كلمة زيد من حالة الرفع إلى حالة النصب بسبب اختلاف العامل الداخل، هذا التغير هو الإعراب عندهم، والحركة الظاهرة في الآخر هي علامة على التغير، يعني علامة على الإعراب، وليست هي الإعراب. أعيد، إذا قلت على طريقة الكوفيين: الإعراب هو تغير أواخر الكلم، إذًا الإعراب هو التغيير، تغيير سببه طبعًا اختلاف العامل، والأثر الذي يظهر على الكلمة في آخرها بسبب التغيير هو علامة على وجود التغيير، إذًا هو علامة على الإعراب؛ لأن الإعراب هو التغيير.

أما البصريون الذين يقولون لا، الإعراب ليس التغيير، الإعراب هو نفس الأثر الظاهر الذي يجلبه العامل، فالبصريون يرون أن الحركة أو الحرف أو الجزم هو نفس الإعراب، الكوفيون يقولون لا، الإعراب هو التغيير الذي يطرأ بسبب اختلاف العوامل والحركة هي علامة على هذا التغيير، هذا الخلاف بين البصريين وبين الكوفيين. يأتي شخص يقول: يا شيخ، أنت قلت إن مذهب البصريين هو الأصح، وأنا في الحقيقة لا أريد أن أدخل في سبب تصحيح مذهب البصريين الآن؛ لأن هذا ليس ميدانه، ويجعله ذلك في المطولات، لكن عندما ننظر في الناحية التطبيقية عندما نقول نحن مثلاً: جاء زيد، زيد ايش نقول؟ فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة، مثلاً أو رأيت زيدًا، زيدًا مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة، أنت تقرر هذا الإعراب، تقرر طريقة الكوفيين، يعني إذا قلت: مرفوع وعلامة الرفع؛ الآن الرفع والنصب والجزم والجر هي أنواع الإعراب كما ستأتي معنا، الإعراب أربعة أنواع: رفع ونصب وخفض وجزم. جميل، هذه أنواع الإعراب، فعندما نقول: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة، أنت تؤكد مذهب الكوفيين أن الكلمة مثلاً زيد مرفوعة والضمة علامة على وجود الرفع، أو منصوبة والفتحة علامة على وجود النصب، أو مجرورة والكسرة علامة على وجود الجر، وهذا مذهب الكوفيين، صح؟

لو أنت بصري، البصري الفتحة ليست علامة على الإعراب بل هي الإعراب، البصري ليست الضمة عنده علامة على الإعراب وإنما الضمة هي ذات الإعراب، فكيف تكون علامة رفعه الضمة وأنت بصري؟ نقول هذا استشكال في موضعه، أن الكوفي نعم له أحقية أن يقول: علامة رفعه الضمة وعلامة نصبه الفتحة وعلامة جره الكسرة؛ لأن الحركات عنده أو الحروف مثلاً هي علامات على الإعراب ليست هي الإعراب، لكن البصري عنده الحركات هي نفسها الإعراب، فكيف يقول: وعلامة رفعه الضمة؟ نقول نعم، لكن البصريين يقولون: علامة رفعه الضمة، أو علامة نصبه الفتحة، هذا عندهم على سبيل التوسع في العبارة، يعني لو قلت: كيف يقولون ذلك؟ ايش الجواب؟ تقول: هذا توسع عندهم في العبارة، وأما الأصل على طريقة البصريين أن الضمة هي نفس الإعراب وليس علامة على الإعراب، أن الفتحة هي نفسها الإعراب وليست علامة على الإعراب، لكن يقولون علامة من باب التوسع فقط. هذا نقاش حول تعريف البصريين والكوفيين.

قال ابن هشام في المتن: وهو ضربان معرب، وهو انظر كيف ابن هشام عرف قال عن عرفه معربًا قال: وهو ما يتغير آخره بسبب العوامل الداخلة عليه كزيد، قال: ومبني، وهو بخلافه. جيد؟ ثم قال: وهو بخلافه، أي بخلاف المعرب، ثم بينا نحن في الدرس الماضي شرحنا أن نعرب وشرحنا الفقرة الأولى من الشرح، عندما قال: لما فرغت من تعريف الاسم بذكر شيء من علاماته، أعقبت ذلك ببيان معرب ومبني، وبينا قاعدة أن الأصل في الأسماء ما هو؟ هو الإعراب، والفرع فيها هو البناء.

لماذا الأصل في الأسماء الإعراب والفرع فيها البناء؟ بخلاف ما سيأتي معنا في الأفعال؛ فإن الأفعال الأصل فيها البناء، والإعراب فرع فيها بعكس الأسماء. يقول العلماء، وهذه فائدة: إن الأسماء تأتي في مواضع، وتتقلب في مواضع كثيرة، فالاسم يأتي فاعلاً، ومفعولاً به، ومفعولاً مطلقاً، ومفعولاً لأجله، وظرف زمان، وظرف مكان، ومفعولاً فيه، واستثناء، إلى غير ذلك.

فلما كان الاسم يتقلب في الجملة العربية في مواضع كثيرة، احتاج إلى الإعراب حتى يتميز موقعه في الجملة؛ أي نوع من الأنواع هو؟ هل هو فاعل؟ أم مفعول به؟ أم مفعول مطلق؟ أم استثناء؟ وما شابه ذلك. فبسبب كثرة التقلب في الاسم، ولأن له مواضع كثيرة، احتاج إلى الإعراب حتى يعرب لنا عن موضعه في الجملة؛ فإذا جاء مرفوعاً مضموماً عرفنا أنه الآن فاعل، وإذا جاء منصوباً عرفنا أنه مفعول به أو مفعول مطلق، وإذا جاء مجروراً فهذا الآن مضاف إليه أو اسم مجرور. فلما كان الاسم بطبيعته يتقلب وله أحوال كثيرة، احتاج إلى الإعراب حتى يساعدنا في تمييز موضعه في الجملة، فإذا جاء مبنياً فهذا على خلاف الأصل وله أسبابه.

بخلاف الأفعال؛ فالأفعال أيها الأحبة الأغلب في أحوالها أنها لا تتقلب، ليس لها مواضع كثيرة. عادة الفعل الماضي وفعل الأمر يأتي في بداية الجملة، خلاص فعل ماضٍ انتهى، له فاعل ومفعول، فالأمر انتهى، لا يتقلب في مواضع كثيرة في العادة. نعم، هناك تقلبات يسيرة جداً محدودة لا تحتاج إلى الإعراب حتى تبين عنها لأنها منضبطة، لكن في الأصل الفعل ثابت الموقع، لا يتقلب فقلَّ احتياجه إلى الإعراب.

لكن لاحظوا أن هذا في الفعل الماضي والأمر، أما الفعل المضارع لما كان له تقلبات كثيرة خالف أخويه وشابه الاسم في أنه يحتاج إلى الإعراب، ومن هنا سُمي مضارعاً. مضارع ما معنى مضارع؟ مشابه. ولماذا سُمي مضارعاً؟ قالوا: إنه شابه الاسم في أن له تقلبات كثيرة يحتاج معها إلى الإعراب. وهذه فوائد سريعة حتى تفهم طريقة التعليل النحوي، والتعليل النحوي أيها الأحبة له مصنفاته وله علمه، يساعد الطالب على ضبط خارطة هذا العلم. جميل إذا عرفنا لماذا الأصل في الاسم أنه معرب؟ تقول: لأن الاسم له تقلبات كثيرة في الجملة، فاحتاج إلى الإعراب حتى يتميز موضعه في الجملة ما هو؟ وإذا جاء مبنياً فهذا على خلاف الأصل.

ننتقل إلى البناء، عرفنا الآن الإعراب وعرفنا المعرب وعرفنا أن الأصل في الاسم أنه معرب. نذهب إلى البناء، ما هو البناء؟ البناء مقابل الإعراب، علم النحو ما هو تعريف علم النحو؟ علم يبحث في أواخر الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء. إذاً آخر الكلمة العربية يدرسه النحو من حيث الإعراب والبناء. إذا عرفنا الإعراب لابد لنا أن نعرف البناء، ما هو البناء؟ البناء في اللغة: وضع الشيء على الشيء على وجه الثبوت، أنت تضع حجراً على حجر تبني به صحيح؟ على وجه الثبوت، فوضع الشيء على الشيء على وجه الثبوت هذا يسمى بناء. فإذا قيل لك ما البناء في اللغة؟ تكون: وضع الشيء على الشيء على وجه الثبوت.

أما البناء في الاصطلاح، يختلف تعريف البناء في الاصطلاح بناءً على الخلاف في تعريف الإعراب؛ فإذا قلنا على مدرسة البصريين: الإعراب هو أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل، إذاً ماذا سيكون البناء؟ سيكون أثراً ظاهراً أو مقدراً لا يجلبه العامل، فقط هذا الخلاف بينهما، أن الإعراب أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل، أما البناء فهو أثر ظاهر أو مقدر لا يجلبه العامل أو لا يكون بسبب العامل، يلحق في أواخر الأسماء غير المتمكنة، وآخر الفعل الماضي والأمر، والحروف. الحروف بإطلاقها لأن كل الحروف مبنية، وهذا الأثر إما أن يكون حركة، أو سكوناً، أو حرفاً، أو حذفاً، بنفس الطريقة لأن أنواع البناء أو الصور التي يأتي عليها البناء هي مقابلة للصور التي يأتي عليها الإعراب نفس الشيء.

إذاً البناء لغة وضع الشيء على الشيء على وجه الثبوت، وفي اصطلاح النحاة على طريقة البصريين: أثر ظاهر أو مقدر. البناء قد يكون ظاهراً، وقد يكون مقدراً؛ يعني حركة البناء مقدرة لا تظهر على اللفظ، لماذا لا تظهر؟ بسبب مانع منع من ظهورها، إما تعذر، أو شيء من الثقل، أو اشتغال محل بحركة مناسبة، نفس الشيء. وإنما الخلاف الجوهري بين الإعراب والبناء أن الإعراب أثر يجلبه عامل، وأن البناء لا يجلبه العامل.

وأما على طريقة الكوفيين فيقولون: البناء هو لزوم آخر الكلمة العربية حالة واحدة، هكذا يقولون. قال ابن هشام في الشرح: لما فرغت من ذكر المعرب ذكرت المبني، وأنه الذي يلزم طريقة واحدة ولا يتغير آخره بسبب ما يدخل عليه. الآن هذا للمبني كما قلنا، هو لم يذكره ابن هشام في المتن، ابن هشام في المتن ذكر المعرب فقال: هو ما يتغير آخره بسبب العوامل الداخلة عليه، ثم قال: ومبني وهو بخلافه. فلما جاء إلى الشرح بسط، فقال: ما معنى قولي بخلافه؟ فقال: المبني هو الذي يلزم طريقة واحدة ولا يتغير آخره بسبب ما يدخل عليه، أي بعبارة مختصرة: لا يتغير آخره بسبب العوامل، يعني مهما دخل على الكلمة المبنية من عوامل لا تتأثر، لأن الكلمة المبنية آخرها ثابت لا يتغير بسبب العوامل.

الأثر الظاهر عليها لا يجلبه العامل، فبما أن الأثر الظاهر على الكلمة المبنية لا يجلبه العامل ليس للعامل علاقة فيه، مهما اختلفت العوامل سيبقى الأثر هو هو، لأنه ليس ناتجاً عن عامل أصلاً، فمهما اختلفت العوامل؛ كانت أو أصبحت، لعل، أصبت، كان، ذهبت، جاء، حرف جر، لا تتأثر؛ لأن الأثر الظاهر في آخر الكلمات المبنية ليس بسبب العوامل، لو كان بسبب العوامل لاختلف بسبب اختلاف العامل. لكن لما كان هذا الأثر ليس بسبب العوامل لم يختلف باختلاف العامل. ونلاحظ كذلك أن ابن هشام هنا في تعريف المبني اقترب من مدرسة الكوفيين حينما قال: المبني هو الذي يلزم طريقة واحدة، وهذا قريب لتعريف الكوفيين: لزوم آخر الكلمة طريقة واحدة. فنلاحظ إذاً أن ابن هشام هنا في تعريفه للمعرب والمبني كأنه يقترب من طريقة الكوفيين، مع أنه في أغلب اختياراته بصري.

قال: ولما فرغت من ذكر المعرب ذكرت المبني، وأنه الذي يلزم طريقة واحدة ولا يتغير آخره بسبب ما يدخل عليه، أي لا يتغير آخره بسبب العوامل. ثم قسمته إلى أربعة أقسام: مبني على الكسر، مبني على الفتح، مبني على الضم، مبني على السكون.

دعونا نذهب إلى اللوح أيها الأحبة. عرفنا المعرب وعرفنا المبني، أنواع الإعراب هو لم يذكرها هنا، لكن لابد أن أذكرها هنا لأنه ذكر أنواع البناء حتى تتم الفائدة في موضعها. أنواع الإعراب أربعة ما هي؟ رفع، نصب، خفض -أو ما يسميه جرحى طريقة البصريين- جزم. هذه أنواع -طبعاً ليست المعرب- لو قلنا الإعراب أفضل؛ لأنه لو قلنا معرب نقول مرفوع، منصوب، استخدمت المصدر. الإعراب له أربعة أنواع: رفع، نصب، خفض، جزم. البناء له أيضاً أربعة أنواع مقابلة: ضم، فتح، كسر، سكون.

الآن دائماً أراجع حتى تتمكن الفائدة وتتمكن المعلومة عندما تعرض بأكثر من أسلوب. قلنا الإعراب عند البصريين ما هو؟ أثر ظاهر أو مقدر. فالرفع عندهم ما هو إذاً؟ إذا كان الإعراب هو أثر ظاهر أو مقدر، والرفع نوع من أنواع الإعراب، إذاً الرفع ما هو؟ هو أثر ظاهر أو مقدر يجلبه عامل مخصوص في أواخر الأسماء المتمكنة والأفعال المتصرفة. وهذا الأثر ما هو؟ إما أن تكون ضمة أو ما ينوب عنها. النصب ما هو؟ النصب نوع من أنواع الإعراب، إذاً هو أثر ظاهر أو مقدر يجلبه عامل مخصوص، عامل النصب، في أواخر الأسماء المتمكنة والفعل المضارع، وهذا الأثر يكون ماذا؟ فتحة أو ما ينوب عنها. الخفض ما هو؟ أو الجر على طريقة البصريين، الخفض أو الجر نوع من أنواع الإعراب، إذاً هو أثر ظاهر أو مقدر يجلبه عامل مخصوص هو عامل الجر في أواخر الأسماء المتمكنة، وهل أقول هنا الفعل المضارع؟ لا؛ لأن الفعل المضارع لا يُجر، في أواخر الأسماء المتمكنة، وهذا الأثر هو كسرة أو ما ينوب عنها. الجزم ما تعريفه؟ بما أن الجزم نوع من الإعراب والإعراب أثر، إذاً الجزم عبارة عن أثر ظاهر أو مقدر يجلبه عامل مخصوص في أواخر ماذا؟ فقط الفعل المضارع؛ لأن الأسماء المتمكنة بشكل عام لا تُجزم، أثر ظاهر ومقدر يجلبه عامل مخصوص في آخر الفعل المضارع، وهذا الأثر سكون أو ما ينوب عنه.

فلاحظوا إذاً الرفع هو أثر ضمة أو ما ينوب عنها، النصب هو الأثر وهو فتحة أو ما ينوب عنها، الخفض هو عبارة عن الكسرة أو ما ينوب عنها، الجزم هو سكون أو ما ينوب عنه. هذه طريقة البصريين، لكنهم على سبيل التوسع في العبارة حينما يعربون يقولون مثلاً: فاعل مرفوع وعلامة الرفع الضمة، لكن في الحقيقة ليست الضمة علامة الرفع بل هي الرفع بذاته. عندما يقول منصوب وعلامة النصب الفتحة، على طريقة البصريين الفتحة ليست علامة النصب، الفتحة هي النصب بذاته. طب لماذا علامة النصب؟ توسع في العبارة فقط.

أما على طريقة الكوفيين، كن ذكياً في الفهم وسريع الفهم، الإعراب عند الكوفيين ليس الأثر، الإعراب هو التغير الذي يجلبه العامل. بما أن الإعراب يقولون هو التغير، إذاً الرفع ما هو؟ تغير مخصوص يجلبه عامل مخصوص في آخر الأسماء المتمكنة والفعل المضارع، علامة هذا التغير الضمة أو ما ينوب عنها. النصب تغير علامته الفتحة وما ينوب عنها. الخفض عندهم تغير علامته الكسرة وما ينوب عنها. الجزم عندهم تغير علامته ما ينوب عنه. هكذا تتوسع عندك المدارك في فهم مذهب البصريين ومذهب الكوفيين.

البناء مقابل للإعراب، وأنواعه أربعة كما ذكر ابن هشام: بناء على الضم، بناء على الفتح، بناء على الكسر، بناء على السكون. التنبيه الأول في البناء: يقول مبني على الفتح، وليس الفتحة، لا تضف التاء المربوطة، هكذا اصطلح النحاة. البناء تقول: ضم، فتح، كسر، سكون من دون تاء مربوطة، بينما في الإعراب ماذا نقول؟ وعلامة رفعه الضمة، منصوب وعلامة نصبه الفتحة، مجرور وعلامة جره الكسرة، فتضيف التاء المربوطة، وهذا اصطلاح اصطلحوا عليه فعليك أن تفهمه. فعندهم يعتبر خطأ أن تكون مبني على الفتحة، كما يقول بعض الطلبة، لا مبني على الفتح، من دون تاء.

قال البناء ضم، فتح، كسر، سكون، هذه أصول البناء. والصحيح أن البناء ضم أو ما ينوب عنه نفس الطريقة، لأن هناك كلمات لا تُبنى لا بالضمة ولا بالفتح ولا بالكسرة بالسكون، هناك كلمات تُبنى بالألف، هناك كلمات تُبنى بالياء كما سيأتي معنا أيها الأحبة في باب المنادى، كما سيأتي معنا في باب اسم لا النافية للجنس، سيأتي معنا في إعراب اللذان واللتان وهذان وهاتان، سيأتي معنا أن هناك بناءً بالألف وهناك بناءً بالياء، وهناك بناءً بالواو، فيوجد بناء بغير هذه الأصول، لكن بما أنها الأصول فاقتصر عليها رحمه الله تعالى.

ابن هشام بعد أن بين أن البناء أربعة أنواع: ضم، فتح، كسر، سكون، سيأتي بأمثلة الآن على كل نوع من أنواع البناء، هذا ما سيفعله ابن هشام الآن. لن نتطرق إلى الإعراب لأن الإعراب هو الأصل في الأسماء، فلا حاجة إلى التطرق إليه هو الأصل وهو المشهور المضطرد، ولما كان البناء هو الفرع احتاج أن يتطرق إليه ويبين. طب قبل أن أدخل هناك ربما مسألة...

كان الأصل أن أقدم بها عند النحاة، يقولون الأصل في الأسماء الإعراب، والخلاف الأصل فيها البناء. إذا بُني الاسم لا بد أن تعلل لماذا بُني الاسم، صحيح؟ إذا بُني الاسم هذا على خلاف الأصل فلا بد من علة، أما إذا عُرب الاسم فلا نحتاج إلى علة لأن ذاك هو الأصل. أما إذا بُني الاسم فيحتاج إلى علة.

لماذا تُبنى الأسماء؟ ما السبب في بناء الأسماء؟ هذا ما بدأ به ابن مالك في باب المعرب والمبني في الألفية: والاسم منه معرب ومبني ... لشبه من الحروف مدني القاعدة العامة: الاسم يُبنى إذا أشبه الحرف. الأسماء متى تُبنى؟ إذا أشبهت الحروف. وما أوجه شبهها بالحروف؟ هناك أربعة أوجه أصيلة ذكرها ابن مالك: الشبه الوضعي في اسم جئتنا، والمعنوي في متى وفي هنا، ونيابة عن الفعل بلا تأثر، وكافتقار أصل. ولا أريد أن أبينها في قطر الندى، تدرس في الألفية. لكن احفظ شيئاً واحداً الآن: الاسم إذا بُني ما سبب البناء؟ لأنه شابه الحرف. بماذا شابهه؟ هذا في مستوى ثالث أدرسه إن شاء الله في الألفية، لا تحتاج الآن.

الأسماء المبنية كما قلنا البناء: ضم، فتح، كسر، سكون. ابن هشام ماذا سيفعل الآن؟ سيأتي على مثال لمبني على الكسر، ومثال لمبني على الفتح، ومثال لمبني على الضم، ومثال لمبني على السكون، وسيناقش هذه الأمثلة بعض المناقشات حتى يتسع أفق الطالب وتتسع المعلومة والفائدة التي يمتلكها. لكن كذلك أنا أمهد بعض القواعد قبل أن أدخل في أمثلة ابن هشام.

هناك قواعد تسهل على الطالب الفهم، أيها الأحبة، الآن أتكلم عن الأسماء المبنية لأن ابن هشام سيتكلم عنها. مبنيات الأسماء على نوعين: النوع الأول عبارة عن مجموعات محفوظة، وهذا التقسيم مني بهذه الطريقة لكن يسهل على الطالب. مجموعات محفوظة وهي: أسماء الشرط، الأسماء الموصولة، أسماء الإشارة، أسماء الاستفهام، أسماء الأفعال، والضمائر. هذه ست مجموعات. هكذا تقول مبنيات الأسماء على نوعين: النوع الأول مجموعات محفوظة؛ كلمات من الأسماء معروفة دائماً مبنية، احفظها مثل اسمك يسهل عليك الأمر.

أسماء الشرط مبنية، وهناك بعض الاستثناءات في "أي"، لكن في العموم أنها مبنية، مثل: من، وما، ومهما، وإذ ما، إلى آخرها. الأسماء الموصولة: الذي، والتي، واللذان، واللتان، والذين، واللاتي، واللائي، ومن، وما، إلى آخره. أسماء الإشارة: هذا، وهذه، وهذان، وهؤلاء، وأولئك، إلى غيره. أسماء الاستفهام: أين، ومتى، وأيَّان، وكيف، إلى آخره. أسماء الأفعال: صه، ومه، وهيهات، وذكرنا كثيراً من أسماء الأفعال. الضمائر: هو، وهي، وهما، وضمائر الرفع والنصب جميعها كلياتها مبنية. فهذا النوع الأول من مبنيات الأسماء، جيد، اضبطها بهذه الطريقة.

النوع الثاني هي أسماء مبنية متناثرة هكذا أسميها أنا. النوع الثاني هي أسماء مبنية لا يجمعها ضابط معين، مثل كلمة "أمس" ستأتي معنا، مثل "قبل" و"بعد" كما سيأتي معنا، مثل "أحد عشر" وأخواتها كما سيأتي معنا، مثل كلمة "الآن"، إلى آخره من الأسماء المبنية التي ستتعلمها أنت بالخبرة مع كثرة التعامل. هذه أنا أسميها أسماء مبنية متناثرة لا يجمعها ضابط معين؛ ليس كما في أسماء الشرط وأسماء الاستفهام.

لذلك أنا أحث الطالب هكذا يأتي، يقول: الأسماء المبنية، النوع الأول مجموعات محفوظة، يذكر الأنواع الستة التي ذكرناها، ثم يقول: أسماء متناثرة، وخلاص يضع هذا في الدفتر، وكلما وقف على اسم مبني من الأسماء المتناثرة يدون حتى تنضبط عنده الأمور. وبكلا النوعين، سواء كان الأول المجموعات أو الأسماء المتناثرة، كلاهما سبب البناء فيهما أن الاسم أشبه الحرف.

الآن نعود أيها الأحبة إلى ابن هشام، ابن هشام كما قلنا الآن سيتكلم عن كل نوع من أنواع البناء الأربع. سيأتي بأمثلة على مبني على الكسر ويناقشها، وأمثلة على مبني على الضم ويناقشها، وأمثلة على مبني على الفتح ويناقشها، وأمثلة على مبني على السكون. وبدأ رحمه الله تعالى بالمبني على الكسر، هذا أول شيء بدأ به.

المبني على الكسر، يقول ابن هشام أيها الأحبة في شرحه: ثم قسمت المبني على الكسر إلى قسمين. قسم متفق عليه، يعني اتفق العرب على بنائه على الكسر، وهو المثال الذي ذكره وهو "هؤلاء"؛ فإن جميع العرب يكسرون آخره في جميع الأحوال. هؤلاء جميع قبائل العرب تكسره وتقول هؤلاء بالكسر.

القسم الثاني قسم مختلف فيه. قال رحمه الله تعالى: وقسم مختلف فيه وهو "حذامي" و"قطامي" ونحوهما من الأعلام المؤنثة الآتية على وزن "فعالي"، و"أمس" إذا أردت به اليوم الذي قبل يومك. إذاً المختلف فيه نوعان عند ابن هشام؛ هو يمثل لا يحصر، ذكر مثالين لا ليحصرهما. المختلف في بنائه على الكسر أولاً: كل علم مؤنث على وزن فعالي مثل حذامي وقطامي. ثانياً: كلمة أمس المراد بها البارحة أو اليوم الذي قبل يومك.

نبدأ بالنوع الأول: كل علم مؤنث على وزن فعالي مثل حذامي وقطامي. ما سبب الخلاف فيه؟ أن الحجازيين يبنون هذه الأعلام المؤنثة على الكسر. أما التميميون فافترقوا إلى فرقتين: الفرقة الأولى تُعرب ولا تبني هذه الأسماء، تجعلها من قبيل المعرب أصلاً، فتعرب كل علم مؤنث على وزن فعالي إعراب الممنوع من الصرف. الطائفة الثانية من التميميين تفصل، تقول العلم المؤنث على وزن فعالي إذا كان الحرف الأخير من حروف الراء مثل "وباري" و"حضاري" فإننا نبنيه على الكسر وفاقاً للحجازيين، وإذا كان العلم المؤنث على وزن فعالي ليس مختوماً بالراء مثل "حذامي" و"قطامي" وغيرها فهذا يمنع من الصرف.

إذاً باختصار، ما هو الخلاف الواقع بين العرب في الأعلام المؤنثة على وزن فعالي؟ الحجازيون يبنونها على الكسر. التميميون اختلفوا على قولين، القول الأول يقول: كل علم مؤنث على وزن فعالي هذا من الأسماء الممنوعة من الصرف أصلاً، ففي حالة الرفع يرفع بالضمة، وفي حالة النصب والجر يقوم بالفتحة. الفرقة الثانية من التميميين تقسم فتقول: العلم المؤنث على وزن فعالي إما أن يكون مختوماً بالراء أو لا يكون مختوماً بالراء؛ إذا كان مختوماً بالراء مثل وباري وحضاري فهذا يُبنى على الكسر وفاقاً للحجازيين، وإذا لم يكن مختوماً بالراء مثل حذامي وقطامي فإنه يكون ممنوعاً من الصرف.

لذلك ماذا يقول ابن هشام؟ قال: وقسم مختلف فيه وهو حذامي وقطامي ونحوهما من الأعلام المؤنثة الآتية على وزن فعالي. النوع الثاني من المختلف فيه "أمس". ثم قال: فأما باب حذامي ونحوه فأهل الحجاز يبنونه على الكسر مطلقاً، ما معنى مطلقاً؟ أي في جميع الأحوال التي يأتي عليها، سواء كان في موضع رفع أو في موضع نصب أو في موضع خفض دائماً مبنياً على الكسر في محل رفع، مبني على الكسر في محل نصب، مبني على الكسر في محل جر. فيقولون: جاءتني حذامي، ما إعراب حذامي هنا؟ تقول: فاعل مبني على الكسر في محل رفع. رأيت حذامي، ما إعرابها؟ مفعول به مبني على الكسر في محل نصب. مررت بحذامي، ما إعرابها؟ اسم مجرور مبني على الكسر في محل جر.

وعلى ذلك جاء قول الشاعر: فلولا المزعجات من الليالي ... لما ترك القطا طيب المنام إذا قالت حذامي فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذامي

هذا البيت من الأبيات المشهورة التي يستشهد بها وصار مثل المثل على ألسنة الناس. أنا أحث الطالب أيها الأحبة، وهذا ما سلكناه، أي بيت يمر معكم في الشرح أعربوه من أوله إلى آخره، وانظروا إلى إعراب الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد في الحاشية، ولا تملوا من ذلك. تقول يا شيخ طب أنا في البداية كيف سأعرب؟ أقول لا إشكال، أعرب وأخطئ، أنا أريدك أن تخطئ وانظر في الحاشية كيف يعرب الشيخ محمد، ومارس، إذا بقيت تنظر على قواعد النحو أنت لا تمارس، لم تستفد شيئاً.

فأي بيت يمر عليك في شرح قطر الندى أعربه وانظر في إعراب الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد. تأمل نعم، تقول ما معنى لولا؟ إعراب لولا حرف امتناع لامتناع، المزعجات ما إعرابها من الليالي؟ طبق، ما في مشكلة. أنت الآن لم تأخذ لكن من يطبق كثيراً يفهم أخيراً.

بذكرها في البيتين مرتين مكسورة مع أنها فاعل، وافترقت بنو تميم فرقتين كما ذكرنا، فبعضهم يعرب ذلك كله بالضم رفعاً وبالفتح نصباً وجراً، باختصار يعربه إعراب الممنوع من الصرف لأنه هو الذي يضم في حالة الرفع ويفتح في حالة النصب والجر. ففرقة أخرى من بني تميم تعربه إعراب الممنوع من الصرف، أصلاً لا تجعله من قبيل المبنيين، فيقول هذا التميميون أصحاب هذه الفرقة: جاءتني حذامِ، ورأيت حذامَ، ومررت بحذامِ.

قال: وأكثرهم يفصل، إذاً الآن يتكلم عن الطائفة الثانية من التميميين، وأكثرهم يفصل بينما كان آخره راء كـ "وباري" -اسم قبيلة من القبائل- و"حضاري" -اسم كوكب من كواكب أو نجم من نجوم السماء- و"سفاري" -اسم لماء معين عند العرب-. قال فهذه ما خُتِمت بالراء فيبنيها على الكسر كالحجازيين، وما ليس آخره راء كحذامي وقطامي فيبقى على إعراب ما ينصرف. فإذاً حذامي دائماً عند التميميين على قول الفرقتين ممنوع من الصرف، وإنما الخلاف بين التميميين فيما من فعالي مختوماً بالراء فقط.

انتهينا من المشكلة الأولى من مشكلة فعالي وأخواتها. النوع الثاني قال: وأما "أمس" الكلمة الثانية. أمس أيها الأحبة المشهور عند النحاة واللغويين أن يقال ماذا؟ أن هذه الكلمة إذا نُكرت أُريد بها اليوم الذي قبل يومك، وإذا عُرِّفت يعني إذا دخل عليها أل التعريف فلا يراد بها اليوم الذي قبل يومك، لا يراد بها يوم من الأيام التي مضت، يوم من الأيام التي مضت غير معين، مثال ذلك في القرآن الكريم في قصة موسى عليه السلام.

فأصبح في المدينة خائفاً يترقب، فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه. قالوا بالأمس، أي ليس المراد الذي استنصره بالأمس يعني البارحة؛ لا، المراد بالأمس هنا في يومٍ سابق. استصرخوه بالأمس، أي في يوم سابق، وليس المراد اليوم الذي قبل يومه. انظر كيف أنت تستفيد من هذه المعلومة في فهم كتاب الله سبحانه وتعالى. هذه كلمة "أمس" وضعها غريب كما يقولون؛ يقولون: هذه الكلمة إذا نُكِّرت عُرِّفت، وإذا عُرِّفت نُكِّرت.

يعني لما خلت من "أل" التعريف أصبحت تدل على يوم معين، وهو اليوم السابق، ولما دخلت عليها "أل" التعريف أصبحت "الأمس" تدل على يوم مبهم، فهذا الغريب فيها. المهم، أما "أمس" إذا أردت به اليوم الذي قبل يومك، فأهل الحجاز يبنونه على الكسر. فلذلك ذكره ابن هشام ضمن المبني على الكسر؛ لأن الحجازيين "أمس" بناءً عندهم مبنية وليست معربة، يبنونها على الكسر فيقولون: مضى أمسِ. ما إعراب أمسِ؟ فاعل مبني على الكسر في محل رفع. اعتكفت أمسِ، وما رأيته منذ أمسِ؛ بالكسر في الأحوال الثلاث.

أما "اعتكفتُ أمسِ"، أجا إعراب، "اعتكفت أمسِ"؛ ظرف لا، مش مفعول به، ظرف؛ لأنه اعتكفت فيه، والاعتكاف لم يقع على أمس، وإنما وقع في الأمس. فهنا إذاً أمسِ ظرف، والظروف الأصل فيها أنها منصوبة، وهذه "أمس" مبنية، فتقول: "اعتكفت أمسِ"، أمسِ ظرف زمان مبني على الكسر في محل نصب. وما رأيته منذ أمسِ، "منذ" هنا حرف جر فتكون "أمس" مبني على الكسر في محل جر. قال الشاعر: مَنَعَ البَقاءَ تَقَلُّبُ الشَّمسِ ... وَطُلوعُها مِن حَيثُ لا تُمسي وَطُلوعُها حَمراءَ صافِيَةً ... وَغُروبُها صَفراءُ كَالوَرسِ

الورس نوع من أنواع النبات يُصبغ به اللحى، صحيح كما جاء في حديث نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس النعال السبتية ويُصَفِّر لحيته بالورس والزعفران. فالورس لونه فيه صفرة مشربة بالحمرة، يشبه لون الشمس حينما تغرب؛ تكون صفاراً مشرباً بالحمرة. قال: "اليوم أعلم ما يجيء ومضى بفصل قضائه أمسِ". يعني اليوم أعلم ما فيه من الأمور، لكن أمس انتهى بقضاء أموره ومضى بفصل قضائه أمسِ. أمسِ ما إعرابه في البيت هنا؟ "ومضى بفصل قضائه أمسِ"، فاعل لكنه مؤخر، فاعل مبني على الكسر في محل رفع. وهذا موطن الشاهد أنه جاء مكسوراً موافقاً للحجازيين، فأمسِ في البيت فاعل لمضى وهو مكسور كما ترى.

وأما بنو تميم فافترقوا فرقتين، بنفس الطريقة افترقوا فرقتين، لكن طريقة الخلاف ستختلف قطعاً؛ لأنه ما في موضوع "أمس" وارد عندنا الآن. افترقت بنو تميم فرقتين، الفرقة الأولى من بني تميم تُعرب "أمس" إعراب الممنوع من الصرف، إلى الآن نفس الإشكال الذي حدث في "فعالي". قال: "وافتراقت بنو تميم فرقتين، فمنهم من أعربه"، يعني جعله من قبيل المعربات وليس مبنياً أصالة، ومن أعربه منهم لم يجعله اسماً متمكناً، بل جعله اسماً متمكناً غير أمكن، فأعربه إعراب الممنوع من الصرف: رفعه بالضمة، ونصبه وجره بالفتحة. طبعاً سيأتي معنا أيها الأحبة أن أي اسم معرب ممنوع من الصرف لا بد من وجود علل تمنعه من الصرف؛ إما علة واحدة تقوم مقام علتين، وهذه هي صيغة منتهى الجموع والتأنيث بالألف، وإما علتان فرعيتان مع علة أخرى، والوصفية مع علة أخرى.

وهنا "أمس" ما الذي منعها من الصرف؟ طبعاً هذه فوائد على الهامش لا يهمني أن يفهمها الطالب الآن، لكن أقولها لمن درس الآجرومية وفهم الممنوع من الصرف وضبطه. وهذه فائدة أيها الأحبة؛ التدرج في العلم أنك تريح المدرس وتريح نفسك. ومن ضبط الآجرومية بشرحها وفهم الممنوع من الصرف وما ذكرناه هناك، سيرتاح هنا أنه نوع من الصرف لا بد فيه من علتين، والعلتان في أمس هما شبه العلمية والعدل. ما هو وجه العدل هنا؟ أن الأصل في التعريف أن يكون بـ "أل"، لكن "أمس" على خلاف قواعد عُدل عنها، عُدل؛ الأصل أن تُعرَّف بـ "أل"، لكن جعل تعريفها بالعكس، بترك "أل". فهذا نوع من العدول عن قواعد العرب؛ قواعد العرب أن التعريف بـ "أل"، "أمس" عُدل فيه عن هذه القاعدة فتعرّف بترك التعريف، وهذا الغريب. فلذلك مُنعت من الصرف لشبه العلمية فيها والعدل في التعريف.

إذاً فمنهم من أعربه بالضمة لرفعه، وبالفتحة مطلقاً، أي بالفتحة في حال النصب والجر. هذا ما يقصده بالفتحة مطلقاً، أي في حالة النصب وفي حالة الجر. والمرفوع بالضمة، والمنصوب والمجرور بالفتحة؛ هذا هو الممنوع من الصرف. لكن ابن هشام يعبر بالتعبير وبدل أن يختصر، فتقول هذه الطائفة: مضى أمسُ، فأمسُ عندهم ما إعرابها؟ فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره. واعتكفت أمسَ، أمسَ ظرف زمان منصوب وعلامة نصبه الفتحة. وما رأيته منذ أمسَ، أمسَ اسم مجرور وعلامة جره الفتحة لأنه ممنوع من الصرف. ثم الشاهد على قول التميميين قول الشاعر: لَقَد رَأيتُ عَجَبًا مُذ أمسا ... عَجائِزًا مِثلَ السُّعالى خَمسا

يعني لقد رأيت عجباً في الأمس، هنا "مذ" بمعنى في. رأيت عجباً منذ أمسى، أي في أمس. لاحظ ايش قال "مذ أمسى"، طبعاً هذه الألف ألف الإطلاق، جيد، فالأصل أمسَ بالفتحة بسين مفتوحة والألف هذه ألف الإطلاق للشعر. منذ أمسَ، أمسَ كما قلنا، "مذ" حرف جر، ممتاز، أمسَ اسم مجرور. كيف كُتبت هنا بالفتحة؟ لماذا كُتبت بالفتحة بدلاً من الكسرة؟ ممنوع من الصرف، فهذا الشعر جاء على لغة التميميين ولم يأتِ على لغة الحجازيين؛ هي لغات. لقد رأيت عجباً من أمس، ما هو العجب الذي رآه؟ قال: عجائزاً مثل السُّعالى خمساً، السُّعالى هي الأغوال، الغول. فقال: رأيت عجائز مثل الأغوال؛ لأن العجوز شعرها متدلٍّ ووجهها متجعد، شبهها بالأغوال، خمساً، يعني عددهم خمسة. هدول العجائز اللي رآهم وكل ما في رحلهن هَمساً، لا ترك الله لهن ضرساً، يعني ختيارات ما عندهم ولا ضرس، ولا لقينا إلا تَعساً، كأنه يدعو عليهن، يعني عليكم التعاسة، هذه هي طريقة الشعر.

الطريقة الثانية من بني تميم قالوا، ومنهم من -هذه الفرقة الثانية غريبة أيها الأحبة- هذه الفرقة الثانية تقول أمسِ أحياناً تُعرب وتكون من قبيل المعرب، وأحياناً تُبنى. فيُعربونه في حالة الرفع، يعني إذا كان موقعها موقع رفع فاعل أو مبتدأ فتكون مرفوعة بالضمة، وفي موقع النصب مثل "اعتكفت أمسِ" أو الجر "منذ أمسِ" فإنهم يبنون على الكسر. فهذه فرقة أخذت موقفاً بالمنتصف، تقول أمس أحياناً تُعرب وأحياناً تُبنى؛ متى تُعرب؟ إذا كانت في موضع رفع، فتعرب إعراباً بالضمة، وإذا كانت في موضع نصب وجر فإنها لا تُعرب بل تُبنى على الكسر مثل الحجازيين. فيقولون: مضى أمسُ (فاعل مرفوع بالضمة)، واعتكفت أمسِ (مثل الحجازيين)، ما رأيته منذ أمسِ (بالكسر بناءً مثل الحجازيين). وهذا التفريق بيان الضعف في القول، هذا القول ضعيف؛ هذا التفريق أن تجعلها في صورة معربة وفي النصب مبنية هذا لا يصلح، ولذلك ضعف القول، وإما أن تعتمد رأي الحجازيين أو تعتمد رأي التميميين الأول. أما هذا التفريق فضعيف.

قال وزعم الزجاجي، من هو الزجاجي؟ نحن قلنا أي شخصية تمر معنا نحاول أن نقف عليها. الزجاجي أيها الأحبة هو الإمام عبد الرحمن بن إسحاق، وسمي بالزجاجي نسبة إلى شيخه الزجاج رحمه الله تعالى، فالزجاجي هو تلميذ الزجاج، وتوفي هذا الإمام عام سبع وثلاثين وثلاثمائة للهجرة، ومن أشهر كتبه كتاب الجمل الكبرى، هذه معلومات تكفينا. إذاً هو الإمام عبد الرحمن بن إسحاق رحمة الله عليه، تلميذ الزجاج لذلك سمي نسب إلى شيخه، توفي عام سبع وثلاثين وثلاثمائة، ومن أشهر كتبه الجمل الكبرى. الزجاجي زعم أو أتى بقول رابع؛ الزجاجي أتى بقول غريب، نستطيع أن نقول قال زعم الزجاجي أن من العرب من يبني أمسِ على الفتح مطلقاً. الزجاجي يقول هناك طائفة من العرب تقول أمسَ بالفتح تبنيه على الفتح مطلقاً، وأنشد عليه، أي المثال الذي أتى به الزجاجي لتأييد قوله إن من العرب من يختار بناء أمسِ دائماً على الفتح، بيت الشعر السابق: "لقد رأيت عجباً مُذ أمسا"، التميميون يقولون "أمسَ" ممنوعة من الصرف هنا، صح، لكن الزجاجي يقول لا، هذا على شعر طائفة من العرب تبني على الفتح. فقال ابن هشام تعليقاً على هذا القول: وهو وهم من الزجاجي، والصواب ما قدمناه من أنه معرب غير منصرف، وزعم بعضهم أصالة أن أمسَ في هذا البيت "لقد رأيت أمسا" أصلاً ليست هي ليست ظرف أمس، وإنما هي فعل ماضٍ "أمسى"، فالألف فيه ليست للإطلاق بل من الكلمة. فبعضهم يفهم كلمة أمس في البيت "أمسى" فعل ماض، وليست "أمس" التي هي من الأمس، فقالوا وزعم بعضهم أن أمس في البيت هي فعل ماض وفاعله مستتر والتقدير: أمسى مساءً.

والآن خلصنا الحمد لله من المبني على الكسر، قال لما فرغت من تلك المبنية على الكسر انتقلت إلى النوع الثاني وهو ماذا؟ ذكرت المبني على الفتح، ومثلته أي في المتن بأحد عشر وأخواته. أحد عشر وأخواتها أيها الأحبة مبنية على الفتح، ومبنية ليس على فتح جزء واحد بل مبنية على فتح الجزئين، طيب ايش أخواتها؟ أحد عشر، الآن اثنا عشر، لا انتظر قليلاً سيستثنيها الآن، دعني منها. ثلاثة عشر، أربعة عشر، خمسة عشر، ستة عشر، سبعة عشر، ثمانية عشر، تسعة عشر، هذه أخواتها من أحد عشر إلى تسعة عشر. واستثنى اثني عشر؛ لأنه سيستثنيها. فأحد عشر مبنية على ماذا؟ دائماً في اللغة العربية تُبنى على فتح الجزئين؛ تقول: جاء أحدَ عشرَ رجلاً. كيف تعرب أحد عشر؟ تقول: أحد عشر فاعل لجاء مبني على فتح الجزئين في محل رفع. رأيت أربعةَ عشرَ رجلاً، أربعة عشر مفعول به مبني على فتح الجزئين في محل نصب. طيب، مررت بتسعةَ عشرةَ امرأةً، طبعاً هذه قواعد العدد كيف يُعامل التذكير والتأنيث وكيف باب العدد. مررت بتسعةَ عشرةَ امرأةً، ما رأيكم بتسعة عشرة؟ تقول تسعة عشرة مبني على فتح الجزئين في محل جر لأنه مجرور بحرف الجر. جميل.

تقول: جاءني أحدَ عشرَ رجلاً، ورأيت أحدَ عشرَ رجلاً، ومررت بأحدَ عشرَ رجلاً بفتح الكلمتين في الأحوال الثلاثة، وكذا تقول في أخواته إلا اثني عشر. آه، اثني عشر لماذا استُثني؟ اثني عشر أيها الأحبة لا، تُقسم إلى مقطعين؛ المقطع الأول يكون معرباً إعراب المثنى، الألف في حالة الرفع وبالياء في حالة النصب والجر، إعراب المثنى معرب. والقسم الثاني من اثني عشر، عشرَ بماذا تقول؟ تقول مبني على الفتح لا محل له من الإعراب؛ لأنه وقع موقع النون التي في المثنى. لما تثني تقول رجلاً، ايش تثنيتها؟ رجلان، في نون صح؟ مثلاً اثنان، اثنان ايش آخرها؟ نون، فقالوا اثنا عشر، اثنان معربتان بالرفع بالألف في حالة الرفع وبالياء في حالة النصب والجر. تقول جاء اثنا عشر رجلاً، ورأيت اثني عشر رجلاً، ومررت باثني عشر رجلاً. جاء اثنا عشر رجلاً، ما إعراب اثنا عشر؟ تقول اثنا فاعل -إثنان لحالها- فاعل مرفوع وعلامة رفعه الألف؛ لأنه ملحق بالمثنى كما سيأتي معنا اثنان واثنتان ملحق بالمثنى وليست مثنى حقيقياً، وعشرة المقطع الثاني مبني على الفتح لا محل له من الإعراب. البعض يقول مبني على الفتح في محل جر مضاف إليه، لكن هذا لا أذهب إليه، وإنما في الحقيقة أقول على الفتح لا محل له من الإعراب، ليست مضافاً إليه؛ لأنها وقعت موقع نون التثنية وليست موقع المضاف إليه. جميل. كذلك رأيت اثني عشر، اثنين مفعول به منصوب علامة نصبه الياء لأنه ملحق بالمثنى وعشرة كما قلنا مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، ومررت باثني عشر رجلاً.

قال وإنما لم أستثنِ هذا من إطلاق قولي وأخواته، ايش أقصد؟ وإنما لم أستثنِ هذا أي في المتن، لما مثل البناء على الفتح قال أحد عشر وأخواته ولم يقل إلا اثني عشر، ماذا لم يستثنِ؟ قال: لأني سأذكره فيما بعد أن اثنين واثنتين يعربان إعراب المثنى مطلقاً وإن رُكبا، سيذكر في باب التثنية أن كلمة اثنان واثنتان تعربان دائماً إعراب المثنى حتى وإن ركبتا فأصبحت اثنا عشر أو اثنتا عشرة. قال انتهينا من المبني على الفتح، قال ولما فرغت من ذكر المبني على الفتح ذكرت المبني على الضم ومثلته بقبل وبعد، إلى أنهما أربع أحوال. كم بقي من الوقت؟ طيب بسم الله نذهب إلى اللوح أيها الأحبة.

المبني على الضم مثل له بماذا؟ مثل له بقبل وبعد وأخواتها. مثالها قبل وبعد مع أخواتها، الآن أيها الأحبة أريد منكم أن تحفظوا قاعدة على الهامش تساعدنا في الفهم، قلنا الاسم المتمكن الأمكن دائماً يلحقه في الآخر ايش؟ تنوين التمكين. لكن هذا التنوين يُحذف إذا جاء بعد الاسم المتمكن الأمكن ايش؟ مضاف إليه. قاعدة، أي اسم متمكن أمكن يلحقه التنوين، تنوين التمكين، لكن تنوين التمكين متى يُحذف؟ إذا أصبح هناك مضاف إليه بعد هذه الكلمة، ويُحذف أيضاً في حالة أخرى إذا دخلت "أل" التعريف في بداية الكلمة. فتنوين التمكين يُحذف من الاسم المتمكن الأمكن في حالتين: في حالة دخول "أل" التعريف في أوله، وفي حالة إضافة الاسم المتمكن الأمكن إلى مضاف إليه. فمثلاً غلام، إذا أتيت بمضاف إليه بعدها تصبح ماذا؟

غلام زيد، وإذا أدخلت عليها ال التعريف، الغلام. فتنوين التمكين يحذف في صورتين: إذا دخلت أل التعريف، أو أصبح بعد الكلمة مضاف إليه، يحذف التنوين. هذه اكتبها على الهامش حتى تفهم معناها.

مثل ابن هشام للمبني على الضم بماذا؟ مثل بـ "قبل" و"بعد". لكنه بين في شرحه أن "قبل" و"بعد" ليست مبنية على الضم، بل لها أربع حالات. قصة هذه الكلمات أنها لها أربع حالات: ثلاث حالات أيها الأحبة تكون فيها "قبل" و"بعد" وأخواتهما معربة، وحالة واحدة فقط هي التي تكون فيها على الضم. إذا فهمت أنت "قبل" و"بعد" وأخواتهما، فالأخوات قريبة منها. "قبل" و"بعد" لها أربعة أحوال في العربية: في ثلاثة أحوال تكون فيها معربة، والحالة الرابعة تكون فيها مبنية.

فنبدأ بالأحوال الثلاثة التي تكون فيها معربة. الحالة الأولى: إذا جاء بعدها مضاف إليه مذكور، إذا جاء بعد "قبل" و"بعد" مضاف إليه مذكور، فإن "قبل" و"بعد" تكون حينئذ معربة. وما إعرابها؟ ماذا قال ابن هشام رحمة الله عليه؟ نقرأ نصه: لما فرغت من ذكر المبنية على الفتح، ذكرت المبنية على الضم، ومثلتها بـ "قبل" و"بعد"، وأشرت إلى أن لهما أربع حالات. إحداها: أن يكونا مضافين، أن تكون يعني "قبل" و"بعد" مضافين، يعني يأتي بعدهما مضاف إليه مذكور. فيعربان -أما نصباً على الظرفية، طبعاً "أما" زيادة مني- فيعربان نصباً على الظرفية، أو خفضاً يعني جراً، بأيش؟ بمن الجارة خصوصاً، لا تجران إلا بحرف الجر "من". إذاً إذا جاء بعدهما مضاف مذكور، الحالة هذه إما أن تنصبا على الظرفية، أو الحالة الثانية: الجر بحرف "من". إذاً هي معربة ولها احتمالان؛ إما النصب على الظرفية، أو الجر بـ "من".

ما الأمثلة التي ذكرها؟ قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [القمر: 9]. ما إعراب "قبلهم"؟ باشر على القاعدة، أوعى تقول "قبلهم" والله بعدها مضاف إليه. إذاً مضاف إليه؛ ذكرنا احتمالين عندنا إما نصب على الظرفية أو جر بـ "من"، هنا ما فيه "من" جارة، إذاً قطعاً هذه منصوبة على الظرفية. تقول: "قبل" ظرف زمان منصوب وعلامة نصبه الفتحة، وهو مضاف، و"هم" ضمير مضاف إليه على ما سيأتي. طيب، ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: 6]، "بعد" كذلك ظرف، صحيح؟ طبعاً ظرف متعلق بمحذوف، نعت لكلمة "حديث". لا أريد الآن أن أدخلك في الإعرابات الدقيقة، طيب، فبأي حديث، التقدير: "بأي حديث كائن بعد الله". فـ "بعد" متعلق بمحذوف تقديره "كائن"، هذا المحذوف الذي تقديره "كائن" نعت لـ "حديث".

ثم قال المثال الثالث: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [التوبة: 70]. آه، "من قبلهم"، "قبل" اسم مجرور بـ "من" وعلامة جره الكسرة، وهو مضاف وما بعده مضاف إليه. ﴿مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ﴾ [القصص: 59]. "بعد" ما أهلكنا، ما المضاف إليه؟ "ما"، هذا مصدر مؤول في محل جر مضاف إليه، كما سيأتي معنا عندما نتكلم عن المصادر المؤولة، "ما أهلكنا" المصدر المؤول في محل جر مضاف إليه. فـ "بعد" هنا تكون مجرورة بـ "من" وعلامة جره الكسرة.

الحالة الثانية: أن يحذف المضاف إليه ولكن ينوى لفظه. لاحظتم أيها الأحبة، فقط أريد ملاحظة: لاحظتم أنه في الحالة الأولى لما كانت "قبل" و"بعد" بعدها مضاف إليه مذكور لم تنون، صح؟ "قبل" ضمة من دون تنوين، لماذا لم تنون؟ لوجود المضاف إليه، فوجود المضاف إليه يمنع التنوين، طيب ممتاز. الحالة الثانية كما قلنا: أن يحذف المضاف إليه بعدها، ولكن ينوى لفظه، موجود في السياق، تنوي لفظاً معيناً موجوداً في السياق. قال الحالة الثانية: أن يحذف المضاف إليه وينوى ثبوت لفظه، أنت في نيتك هكذا، فيعربان نفس الإعراب السابق، فهنا كيف يعربان؟ قال نفس الإعراب السابق، إما النصب على الظرفية أو الجر بـ "من". نفس الإعراب؛ لأن هنا مضاف إليه موجود في الحقيقة، لكنه موجود بالنية، فكأنه موجود، والدليل على أنه موجود أن "قبل" و"بعد" في هذه الحالة أيضاً لا تنونان، تعربان لكنهما لا تنونان.

مثال ذلك: ومن قبل نادى كل مولى قرابةً، فما عطفت مولى عليه العواطف. ومن قبل نادى، أو من قبل إيش؟ التقدير: "ومن قبل ذلك"، كلمة "ذلك" هي المضاف إليه محذوفة، لكنها منوية في السياق، والدليل على أنها منوية ما هو؟ أنه لم ينون كلمة "قبل"، ما قال "ومن قبلٍ"، قال "ومن قبلِ" بالكسرة. طيب لماذا ما نونت؟ "قبل" متمكن أمكن، ما فيه أل تعريف في أوله، يقول لك نعم ما فيه أل تعريف، لكن فيه مضاف إليه محذوف منوي اللفظ بعدها، لذلك قال "ومن قبلِ نادى". إعراب "من قبلِ": "من" حرف جر، "قبل" اسم مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.

طبعاً أيها الأحبة، أنا أحبذ الطالب أيضاً أن يقرأ شرح الأبيات، يحاول يفهم، يعود لسانه على لغة العرب، ما تأخذ النحو هكذا فقط، خلاص أعربت "من قبلِ" السلام عليكم، لا خذ وقتك مع هذا البيت، ما المانع؟ افهم كلام العرب، افهم معاني المفردات، افهم هذا البيت لمن؟ وعلى ذلك، لكن لا يسعنا أن نشرح كل بيت وإعراب وكذا، هذا سيأخذ "القطر" معنا سنوات وليس أشهراً. طيب، الرواية بخفض "قبل" بغير تنوين، أي التقدير: ومن قبلِ ذلك نادى كل مولى قرابةً، فحذف "ذلك" من لفظ البيت وقدره ثابتاً. وقرأ الجحدري والعقيلي في قوله تعالى في سورة الروم: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ [الروم: 4]، لله الأمر من قبل ومن بعد، ليش قال عن هذه القراءة من قبل ومن بعد؟ قال بالخفض بغير تنوين، بالجر من دون تنوين. طيب ايش التقدير إذا؟ إذا جرت ولم تنون، عدم التنوين دليل على وجود مضاف إليه، فالتقدير ماذا؟ لله الأمر من قبلِ الغلب ومن بعدِ الغلب. لماذا قدرنا كلمة "الغلب" للسياق؟ ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ * لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ [الروم: 1-4]، فالغلب هذه الكلمة المقدرة هنا، ومن بعد الغلب، ويومئذ يفرح المؤمنون، فحذفت، أي من قبل الغلب ومن بعد الغلب، فعرف المضاف إليه وقدر وجوده ثابتاً.

الحالة الثالثة أيها الأحبة: إيش الحالة الثالثة؟ حالة إعرابية، أن هذا يظهر في التصوير، لا يظهر في التصوير، نمسح، خلص كتبنا الحالتين الأولى والثانية، نذهب إلى الحالة الثالثة والرابعة. الحالة الثالثة: أن تقطع "قبل" عن الإضافة مطلقاً، نحذف المضاف إليه بالكلية، ولا ننوي ثبوته لا لفظاً ولا معنى؛ لأن الحالة الرابعة ستأتي الأخيرة: يحذف المضاف إليه وينوى معناه. إذاً الحالة الثالثة: أن يحذف المضاف إليه كلية، لا يوجد مضاف إليه بعدها. جميل، إذا حذف المضاف إليه بالكلية أيها الأحبة، ما فيه مضاف إليه بعدها، إذاً هذا يعني أن الكلمة سيعاد إليها ماذا؟ التنوين، لأنه ما فيه مضاف إليه، الكلمة سيعاد إليها ماذا؟ التنوين، وكيف ستعرب؟ بنفس الإعراب بالفتحة في حالة النصب، وبالكسرة في الجر بـ "من".

قال الحالة الثالثة: أن يقطع عن الإضافة لفظاً ولا ينوى المضاف إليه، يعني لا ينوى أبداً مطلقاً لا لفظاً ولا معنى، لا ينوى بأي نوع من أنواع النية، لأنه سيأتي معنا الصورة الأخيرة: يحذف المضاف إليه لفظاً لكن ينوى معناه، فهنا الحالة الثالثة من حالات الإعراب: أن يقطع عن الإضافة لفظاً ولا ينوى المضاف إليه بأي صورة من صور النية، يعني خلص ما فيه مضاف إليه، فيعربان أيضاً الإعراب المذكور، أي نصباً على الظرفية أو الجراً بـ "من"، ولكنهما إيش؟ قال تنونان، لأنه ما فيه مضاف إليه فيعود التنوين إلى أصله للمتمكن الأمكن. قال لأنهما حينئذ اسمان تاما لا اللذان بعدهما كسائر الأسماء النكرات، فتقول: "جئتك قبلاً وبعداً ومن قبلٍ ومن بعدٍ". قال الشاعر: فساغ لي الشراب وكنت قبلاً، أكاد أغص بالماء الفرات. وكنت قبلاً، "قبلاً" ظرف منصوب وعلامة نصبه الفتحة.

وقرأ بعضهم من القراءات في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ [الروم: 4]، هناك من قرأ: لله الأمر من قبلٍ ومن بعدٍ، قراءة أخرى غير قراءة الجحدري هذه القراءة: لله الأمر من قبلٍ ومن بعدٍ، ذهبت إلى أن المضاف إليه لا يوجد أبداً بتاتاً، فعاد التنوين.

الحالة الرابعة والأخيرة أيها الأحبة: أن يحذف المضاف إليه، دعنا نذهب إلى اللوح، وهي الحالة الوحيدة التي تكون فيها "قبل" و"بعد" مبنية، وهي الحالة التي من أجلها جاء ابن هشام بـ "قبل" و"بعد" مثالاً هنا، أن يحذف المضاف إليه وينوى إيش؟ معناه. الحالة الرابعة والأخيرة أيها الأحبة: أن تحذف المضاف إليه، مش موجود، لكنك تنوي معناه، طب ايش الفرق بين هذه الحالة والحالة الثانية؟ الحالة الثانية: أنا أقدر لفظاً معيناً في السياق، ومحذوف لكني أقدر لفظاً معيناً، "ومن قبل ذلك" و"من قبل الغلب"، في الحالة الرابعة يحذف المضاف إليه ومعناه هنا، لا أقدر لفظاً معيناً في السياق، لا أقدر، إنما أقول هناك مضاف إليه منوي المعنى، ايش هو؟ لا أقدره، فتقول هناك في المعنى مضاف إليه، لكن لا يوجد هناك شيء معين لأقدره، لا يوجد لفظ معين يصلح لأن أقدره، فأقول إليه محذوف لكنه منوي المعنى، منوي المعنى يعرف النية، هناك مضاف إليه مبهم، مضاف إليه مبهم لا يوجد لفظ معين في السياق. في هذه الحالة أيها الأحبة تكون "قبل" و"بعد" مبنية على الضم، ستكون ماذا؟ مبنية على الضم، إما مبنية على الضم في محل نصب على الظرفية، أو مبنية على الضم في محل جر بـ "من".

قال ابن هشام الحالة الرابعة: أن يحذف المضاف إليه وينوى معناه دون لفظه كما قلنا لكم، وجود مضاف إليه في النية مبهم، لا تعين لفظاً معيناً كما مر معنا قبل قليل، فيبنيان حينئذ على الضم، كقراءة السبعة، القراء السبعة كيف قرؤوا؟ ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ [الروم: 4]. انظر فائدة النحو في توجيه القراءات القرآنية، عندك قراءات قرآنية تأتيك، من لا يعرف شيئاً من الإعراب لا يتكلم في توجيه القراءات القرآنية ما عنده معرفة بها. وهذه الحالة الرابعة هي موطن الشاهد كما قلنا عند ابن هشام رحمة الله عليه للمبني على الضم.

الآن لاحظوا، هذه الأنواع الأربعة، ثلاثة منها يكون فيها "قبل" و"بعد" معربة، وحالة وحيدة مبنية. قال ابن هشام: "قبل" و"بعد" وأخواتهما، هل هذه الأحوال الأربعة تتعلق فقط بـ "قبل" و"بعد"؟ ولا هناك كلمات أيضاً تأتي على هذا النمط؟ قال: لا، "قبل" و"بعد" وأخواتهما. طب ايش أخواتهما؟ قال: وقولي وأخواتهما أردت به أسماء الجهات الست، أسماء الجهات الست أيها الأحبة كذلك نفس الموضوع، إيش الجهات الست؟ فوق، تحت، أمام، وراء، ومثل "أمام" "وراء"، "خلف"، "قدام" و"وراء" نفس الشيء أيضاً هذه مثلها. الآن وبعضهم يزيد يمين وشمال حتى تصبح ست، لكن في الحقيقة "يمين" و"شمال" هناك خلاف في أمرها، هل هي مثل "أمام" و"خلف" و"فوق" و"تحت"؟ لأن ما يحدث في "قبل" و"بعد" من الأحوال الأربعة سمع في "فوق" و"تحت" و"أمام" و"خلف" و"قدام" و"وراء"، لكنه لم يسمع في "يمين" و"شمال"، بل "يمين" و"شمال" على الأصل معربات، لم تسمع فيها هذه اللغات الأربعة، فبعضهم قاسها قياساً، قال نقس قياساً وإن لم يسمع عن العرب، وبعضهم قال: إذا العرب لم تتكلم بـ "يمين" و"شمال" على هذه اللغات بل لزمت إعرابها مثل غيرها، فلا داعي للقياس. جيد؟ فهناك خلاف هل "يمين" و"شمال" تلحق ولا لا تلحق؟ ظاهر كلامه أنها تلحق، لأنه الجهات الست أين الجهات الست؟ فوق وتحت وأمام وخلف ويمين وشمال، فظاهر كلام ابن هشام هنا أنها تلحق، ولكن كما قلت للتنبيه هناك نزاع في "يمين" و"شمال".

أيضاً من أخوات "قبل" و"بعد" غير أسماء الجهات الست كلمة "أول"، وكلمة "دون" ونحوهن، يعني وهناك أيضاً كلمات أُخَر غير ذلك، طبعاً محصورة، مثل مثلاً "غير" إذا جاءت بعد "ليس"، وهذا ستجده في الهامش كما ذكر محمد محيي الدين عبد الحميد في الهامش، انظروا في الهامش تجدونه الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد مثل على ونحوهن بقوله: "قال غير الواقع بعد ليس". تقول: "قبضت عشرة دنانير ليس غيرُ". "غيرُ" هنا مبنية على الضم بسبب أن هناك مضافاً إليه منوي المعنى، ويجوز فيها اللغات الأربع، يجوز فيها أن تذكر المضاف إليه لفظاً، يجوز أن تنوي لفظه تحذفه وتنوي لفظه، يجوز أن تقطعها عن الإضافة بالكلية، ويجوز أن تبنيها على الضم على الصور الأربع التي ذكرناها "ليس غيرُ" الواقعة بعد "ليس". إذاً فهذه الصور الأربع ليست خاصة بـ "قبل" و"بعد"، بل توجد في أخواتهما أسماء الجهات الست، كلمة "أول"، كلمة "دون" ونحوها.

وثم ذكر أمثلة، قال الشاعر: لعمرك ما أدري وإني لأوجل، خائف وإني في وجل وخوف، على أينا تعدو المنية أولُ. "أولُ" إيش إعرابها؟ ظرف مبني على الضم في محل نصب، تقول حذف المضاف إليه ونوي معناه بعدها، فالأول هنا ظرف مبني على الضم في محل نصب. وقال الآخر: إذا أنا لم.

عموما، عليك ولم يكن لقاؤك إلا من وراء وراء. لاحظ، ولم يكن لقاؤك إلا من وراءه وراءه، مش بقدر أشوفك إلا من وراء وراء، مش مأمن علي. فما معنى لقاؤك إلا، أو كيف إعراب من وراءه وراءه؟ منتصب من حرف جر، وراء أو وراء من أسماء الجهات الست، صحيح؟ تعرب وراء: مبنية على الضم في محل جر.

ثم بعد أن فرغ من المبني على الضم قال: ولما فرغت من ذكر المبنية على الضم، ماذا بقي علينا؟ النوع الرابع والأخير؛ ذكرنا المبني على الفتح والمبني على الكسر والمبني على الضم. قال: المبنية على السكون، ومثلت له بمن وكم. تقول: جاءني من قام. ما إعراب من؟ من اسم موصول، هذا لاحظوا من الأسماء المبنية المجموعة الأولى المحفوظة أسماء موصولة، اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ثم بعد ذلك تقول: قام فعل ماض وفاعل مستتر، وجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. ورأيتم من قام، من هنا اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، ومررت بمن قام، اسم موصول مبني على السكون في محل جر بحرف الجر، فتجد من ملازم للسكون في الأحوال الثلاثة.

وكذلك تقول: كم مالك؟ كم ما إعرابها؟ اسم استفهام، إذاً من المجموعة الأولى الأسماء المحفوظة. كم اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ أو في محل رفع خبر مقدم، تقول مثلاً: مالي عشرة دنانير، إذاً كم هي قائمة مقام عشرة دنانير، أنت دائماً استفهام حوله لجواب، ستفهم ما يؤول بالاستفهام. فكم مالك؟ تقول: مالي عشرة دنانير، إذاً كم قائمة مقام عشرة دنانير، فتقول مثلاً: كم اسم استفهام مبني على السكون في محل خبر مقدم.

وكم عبداً ملكت؟ عشرة، بأي شيء أتي بالجواب؟ تقول: ملكت عشرين عبداً، هكذا الجواب راح يكون، إذاً كم قائمة مقام عشرين، عشرين ما إعرابها؟ ملكت عشرين مفعول به، إذاً كم في الاستفهام ستكون مفعول به، ائت بالجواب تفهم معنى كم في السؤال، إذاً كم اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول به. وبكم درهم اشتريت؟ لا هنا بكم واضحة، عندك باء جارة، وكم اسم استفهام مبني على السكون في محل جر بحرف الجر. فكم في المثال الأول موضع بالابتداء عند سيبويه، شايف كم مالك؟ في خلاف سيبويه يقول في محل رفع بالابتداء، وعلى الخبرية عند الأخفش، وهذا إذا أطلق الأخفش أيها الأحبة في كتب النحو فهو الأخفش الأوسط، هناك أخفش كبير وأخفش صغير وأخفش أوسط، إذا أطلق قال الأخفش هو الأخفش الأوسط وهو تلميذ سيبويه، لكن هذا الأخفش الأوسط قصته قصة استجره إلى مدرسة الكوفيين، هو أصلاً بصري وهو من تلميذ سيبويه لكن استجره الكسائي وعلمه وسأضعف بينهما علاقة فكثيراً ما يوافق الكوفيين في آرائهم ويخالف البصريين مع أنه بصري الأصل.

وفي الثاني إذاً كم مالك فيها خلاف، إذاً مش مشكلة بما أنه في خلاف الحمد لله خلاف النحو رحمة، ما في داعي حتى للترجيح كثيراً للطالب، خلاص تقول بما أنه في خلاف يجوز أن أعرب مبتدأ ويجوز أن أعرب خبر، الحمد لله هذا جائز وهذا جائز، يعني لم يترتب إثم الحمد لله ولن نذبح بعضنا على هذه القضية. وفي الثاني في كم عبداً ملكت في موضع نصب المفعولية، وفي الثالث في موضع خفض بالباء وهي ساكنة في الأحوال الثلاثة كما ترى.

قال: ولما ذكرت المبني على السكون متأخراً خشيت من وهم من يتوهم أنه خلاف الأصل، فدفعت هذا الوهم بقولي أي في المتن، وهو أصل البناء في المتن قبل قليل ماذا قال في النهاية؟ لما قال ومبني على السكون قال: وهو أصل البناء. فأصل البناء أن يبنى على السكون، فأي اسم مبني الأصل فيه مبني على السكون لأنه أخف شيء، فإن بني على الفتح أو الكسر أو الضم فهو على خلاف الأصل. وفي الكتب المطولات يدخلون في علل، والله هذه الكلمة بنيت على الفتح طلباً للخفة، وهذه كلها بنيت للضم لمناسبة ضم قبله، وهذه بنيت على الكسر؛ لأن كل ما كان على خلاف الأصل فيجب أن يعلل، كيف قلنا الاسم الأصل فيه أنه معرب إذا بني لازم يعلل، طيب، البناء في الأصل فيه أنه على السكون، إذا بني على خلاف السكون على الفتحة أو ربما هو الكسر ينبغي أن يعلل.

وهكذا نكون أيها الأحبة فرغنا من الكلام عن الاسم، عرفنا معناه لغة واصطلاحاً، عرفنا الاسم وعرفنا حكمه إعراباً وبناءً، وفي الدرس القادم إن شاء الله نبدأ بالفعل بأنواعه الثلاثة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.