دخولتسجيل الدخول

الدرس 46 - الاجتهادُ والتّقليد

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد، وهو الأخير بإذن الله، نعقده في شرح كتاب قواعد الأصول ومعاقد الفصول للإمام عبد المؤمن البغدادي رحمة الله تعالى عليه، بعد تلك الرحلة الطويلة التي جلسنا فيها مع عبد المؤمن البغدادي، سار بنا في مصادر التشريع، وسار بنا أيضاً في ترتيب الأدلة وكيفية العمل عند تعارضها. تكلمنا في رحلتنا الطويلة عن أهم قواعد علم أصول الفقه، وعن أهم مصادره، وعن أهم المسالك التي يسلكها المجتهد للوصول إلى الحكم الشرعي.

بالتالي نكون فعلاً قد حققنا أثناء دراستنا تعريف أصول الفقه. فأصول الفقه ما هو؟ هو قواعد الأدلة الإجمالية وكيفية الاستفادة منها. وبقي علينا الجزء الأخير وهو حال المستفيد. فتعريف أصول الفقه كما تعلمناه في أول محاضرة من محاضرات هذا الكتاب المبارك كان: أصول الفقه هي قواعد الأدلة الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد. تعرفنا على قواعد الأدلة الإجمالية، وتعرفنا على الأدلة الإجمالية: الكتاب، السنة، الإجماع، القياس، الاستصحاب، قول الصحابي، شرع من قبلنا، الاستحسان، الاستصلاح، وأخذنا الاستدلال أيضاً. المهم أننا جمعنا مصادر التشريع، ثم بعد ذلك دخلنا في قواعدها، فأخذنا قواعد الكتاب وكيف نتعامل مع نصوص القرآن الكريم، وتعلمنا قواعد السنة القولية والفعلية أنواعها وأشكالها، ثم دخلنا في رحلة طويلة في مصطلح الحديث، ثم بعد ذلك ذهبنا إلى الإجماع وتعلمنا صوره وأشكاله وقواعده، وأخذنا الأدلة المختلفة كشرع من قبلنا، قول الصحابة، الاستحسان، الاستصلاح، وما هي مفاهيم من يحتج بها ومن لا يحتج بها.

ثم دخلنا في القياس وأنواعه، ثم ذهبنا إلى الاستدلال، وكذلك في أثناء رحلتنا تكلمنا عن مبحث مهم، بل هو من أهم مباحث أصول الفقه، وهو الألفاظ وكيف نتعامل مع نصوص الكتاب والسنة من حيث الأمر، النهي، العام، الخاص، المطلق، المقيد، المنطوق، والمفهوم. كانت رحلة ممتعة، وكان فيها شيء من المشقة، لكنها مهمة جداً في عملية الوصول إلى تكوين آلة تضبط لنا عملية الاستنباط وعملية الوصول إلى الأحكام الشرعية. اليوم أيها الأحبة بقي علينا الجزء الأخير في تعريف أصول الفقه وهو بيان حال المستفيد. من الذي يستفيد ويوظف قواعد الأدلة الإجمالية؟ وإذا تعارضت هذه القواعد ماذا يفعل بها؟ وكيف نحل هذا الإشكال؟ ومن هو المستفيد من هذه القواعد؟ ومن هو الذي يحل التعارض بينها؟ ومن الذي يرتب هذه القواعد بالشكل المنهجي للوصول إلى الحكم الشرعي؟

فقال الأصوليون: لا بد إذاً أن نعقد في ختام كلامنا عن أصول الفقه باباً في بيان حال الشخص المستفيد الذي يحق له أن يستخدم هذه القواعد الإجمالية، وأن يوظفها للوصول إلى الحكم الشرعي، فذكروا باب الاجتهاد والتقليد، ليبينوا من هو المجتهد الذي تأهل للاستفادة من القواعد الإجمالية وتوظيفها، ثم ذكروا المقلد لأنه كما يقولون: وبضدها تتبين الأشياء، وإذا عرفت المقلد يتضح لك مفهوم الاجتهاد أكثر وأكثر. وأيضاً البعض يقول يصح أن نسمي المقلد مستفيداً، وأني ربما ذكرتها سابقاً، يصح أن نسمي المقلد مستفيداً، لكنه مستفيد ليس من الأدلة الإجمالية مباشرة، بل هو يستفيد الحكم عن طريق المجتهد الذي يستخدم الأدلة الإجمالية. فإذاً حينما يقول الأصوليون في تعريف أصول الفقه وحال المستفيد، البعض يقول المستفيد هنا هو المجتهد فقط؛ لأنه هو الذي سيستفيد من القواعد الإجمالية التي تعلمناها سابقاً وسيوظفها لإنتاج الأحكام الشرعية، والبعض يقول لماذا نضيق؟ نقول المستفيد هو المجتهد والمقلد؛ المجتهد يستفيد الحكم الشرعي من القواعد فهو المستفيد أصالةً، والمقلد يستفيد الحكم الشرعي عن طريق المجتهد فهو مستفيد ولكنه على وجه التبع. وهذا خير وهذا خير، وتلك مسألة اصطلاحية لا مشاحة فيها.

إذاً أيها الأحبة اليوم نحيا مع الباب الأخير في كتابنا قواعد الأصول ومعاقد الفصول، وهو باب الاجتهاد والتقليد. ما هو الاجتهاد؟ وما هو التقليد؟ نذهب الآن إلى عبد المؤمن البغدادي لنعرف ما دلالة هذه الألفاظ. قال عبد المؤمن البغدادي: الباب الثالث في الاجتهاد والتقليد. لاحظوا الباب الثالث، كانه الآن أولاً تكلم عن الأحكام الشرعية التكليفية والوضعية تصورها وأنواعها، ثم دخل في مصادر التشريع، ثم الآن الباب الختامي وهو باب الاجتهاد والتقليد. لذلك قال: الباب الثالث في الاجتهاد والتقليد.

الاجتهاد لغة، نبدأ نحلل كلمة الاجتهاد لغة وفي اصطلاح الأصوليين. ما معنى كلمة الاجتهاد؟ الاجتهاد لغة كما قال عبد المؤمن البغدادي: الجهد في فعل شاق. الاجتهاد إذاً هو مصدر للفعل الماضي اجتهد، اجتهد على وزن افتعل، ووزن افتعل من دلالاته اللغوية الكلفة والمشقة، أن تفعل فعلاً بكلفة ومشقة وبذل، وليس بيسر وسهولة ولين. فإذا كان هناك فعل عندما تقوم به هناك مشقة وتحتاج إلى كلفة، فتستخدم له صيغة افتعل لتدل عليه، مثلاً تقول اكتسبت المال، متى تقول اكتسب؟ عندما يكون عملية جني المال أو الحصول على المال فيها نوع من الجهد والمشقة والطاقة المبذولة، فلذلك اجتهد على وزن افتعل، فبما أنها على وزن افتعل إذاً هي تدل على جهد، على طاقة، على مشقة في الموضوع وليس بسهولة ولين. فلذلك عندما عرفوا الاجتهاد قالوا هو بذل الجهد في فعل شاق.

فعندما أقول والله محمد عنده اجتهاد، معناه محمد بذل جهداً في فعل شاق، لابد يكون الفعل شاقاً، هذا من الاجتهاد لغة أن يكون الفعل شاقاً. لذلك يقول الطوفي: يقال اجتهد في حمل الرحى، لا في حمل خردلة. هل تقول اجتهدت في حمل حبة خردل؟ لا يصلح ذلك؛ لأن الاجتهاد خاص بالفعل الشاق. تقول اجتهدت في حمل الرحى، اجتهدت في حمل صخرة، اجتهدت في حمل المنضدة إذا كانت ثقيلة؛ نعم، لأن هذا فعل شاق. إذاً كلمة اجتهاد لغة تدل على فعل شاق فيه تعنت، فيه مشقة، فيه بذل، وليس على فعل يحصل بأدنى الأسباب. هذه الدلالة اللغوية سنوظفها الآن في الدلالة الاصطلاحية.

إذاً الاجتهاد لغة كما قال عبد المؤمن بذل الجهد في فعل شاق وليس في فعل سهل لين. الآن عرفاً، أي في عرف الأصول ما هو الاجتهاد؟ لاحظوا العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، قال هو عرفاً: هو بذل الجهد في تعرف الأحكام. إذاً الاجتهاد في عرف الأصوليين هو أن يبذل شخص بمؤهلات معينة جهده للوصول إلى الأحكام الشرعية. لكن لاحظوا ماذا قال عبد المؤمن البغدادي بعد ذلك، قال: وتمامه، أي تمام الاجتهاد، هو بذل الوسع في الطلب، أي في طلب الحكم الشرعي، بذل الوسع في الطلب إلى غايته. الضمير في غايته يعود على الوسع، يعني إلى غاية الوسع. فتمام الاجتهاد كأنه ابتداءً عرف الاجتهاد كحد أدنى، أن يبذل الشخص المؤهل جهده أي طاقته في تعرف الأحكام، هذا هو الحد الأدنى في الاجتهاد.

وتمامه الحد الأعلى في الاجتهاد: بذل الجهد في التعرف على الحكم الشرعي إلى أقصى غايته. ربما الطوفي تعبيره أوضح لكمال الاجتهاد، يقول الطوفي: تمام الاجتهاد هو ما انتهى إلى حال العجز عن مزيد طلب. يعني هذا الشخص المؤهل بذل وسعه وطاقته، وبذل حتى وصل إلى مرحلة العجز عن مزيد طلب، قال: لا أستطيع أن أفعل أكثر من ذلك، استنفذت طاقتي ووسعي بأكمله للوصول إلى الحكم الشرعي. فهذا أعلى الاجتهاد، هذا أقصى درجات الاجتهاد. فكأن عبد المؤمن تبعاً لابن قدامة والطوفي أيضاً تبعاً لابن قدامة يقسمون الاجتهاد إلى مرحلة دنيا أساسية ومرحلة عليا. فالآن ممكن هناك مجتهد يبدأ يبحث للوصول إلى حكم شرعي يتعرف، لكنه لا يبذل أقصى ما عنده، يبذل مثلاً خمسين بالمئة مما عنده، ستين بالمئة مما عنده، الآن هل نقول إنه اجتهد؟ نعم نقول اجتهد، لكنه لم يصل إلى تمام الاجتهاد. متى نقول والله هذا المجتهد وصل إلى تمام الاجتهاد؟ إذا وصل إلى مرحلة العجز عن مزيد طلب، بذل أقصى ما عنده، قال: هذه طاقتي، أنا بذلت مئة بالمئة من طاقتي الشخصية في محاولة التعرف على الحكم الشرعي. إذا وصل إلى بذل أقصى ما عنده، في هذه الحالة نقول إنه وصل إلى تمام الاجتهاد.

إذاً الاجتهاد له بداية وله تمام. إذاً بغض النظر اعتبرت أن الاجتهاد له بداية وله تمام، أو أردت أن تعرف الاجتهاد جملة، الاجتهاد أيها الأحبة أن يبذل الشخص المؤهل طاقته ووسعه في الوصول إلى الحكم الشرعي. طيب الآن سنبحث من هو الشخص المؤهل، لأنه إذا جاء عامي فقال: أنا سأجتهد لكم في محاولة الوصول إلى الحكم الشرعي، ماذا نقول له؟ نقول له: أنت جزاك الله خيراً استرح، اذهب لن نريد أن تجتهد، اذهب تعلم وادرس واطلب العلم، ثم بعد ذلك عندما تتأهل ابذل وسعك في الوصول إلى الأحكام الشرعية. وأما أنت هكذا بصورتك العامية من دون امتلاك آلات الاجتهاد التي تؤهلك للبحث عن الحكم الشرعي، هذه الحالة يحرم فيها ممارسة الاجتهاد والبحث عن الحكم الشرعي. الشخص الذي لا يملك المؤهلات يحرم عليه أيها الأحبة أن يبحث عن الأحكام الشرعية ويفتي بها الناس؛ لأنه لا يملك آلات البحث عن هذه الأحكام الشرعية، وظيفته أن يسأل المجتهد، وإذا أراد أن يصبح مجتهداً في المستقبل عليه أن يدرس وأن يتعلم حتى يمتلك المؤهلات التي تبيح له أن يقتحم باب الاجتهاد.

طيب الآن بدأ عبد المؤمن البغدادي في ذكر الشروط التي يجب توفرها في الشخص المؤهل لعملية الاجتهاد، فقال: وشرط المجتهد، ما شروط المجتهد؟ أولاً: الإحاطة بمدارك الأحكام. ما معنى الإحاطة بمدارك الأحكام؟ أن يكون على بينة ومعرفة بمصادر التشريع. مدارك الأحكام هي الأماكن التي تدرك منها الأحكام، تؤخذ منها الأحكام، ما هي؟ هي مصادر التشريع؛ لأنها هي الأماكن التي نأخذ منها الأحكام وندرك منها الأحكام. فقوله الإحاطة بمدارك الأحكام تستطيع أن تقول الإحاطة بمصادر التشريع؛ لأنها هي الأماكن والمواضع التي نأخذ منها الأحكام وندرك منها الأحكام. فإذاً الشرط الأول للشخص المؤهل للاجتهاد أن عنده إحاطة بمصادر التشريع، يعرف الكتاب، السنة، الإجماع، القياس. ولاحظوا هنا عبد المؤمن البغدادي حجر واسعاً حين قال: هي الأصول الأربعة والقياس. الأصول الأربعة يقصد بها المتفق عليها عنده: كتاب، سنة، إجماع، استصحاب وقياس. لكن لماذا تحصر؟ الطوفي كان أوسع حين قال: مدارك الأحكام هي الكتاب، السنة، الإجماع، الاستصحاب، القياس، الاستدلال الذي تكلمت عنه عبد المؤمن البغدادي وتعبنا في شرحه، كذلك الأدلة المختلف فيها قول الصحابي، الاستصلاح، الاستحسان. فلا نحصر مدارك الأحكام فقط في هذه، بل بشكل عام أن يكون هذا الشخص على دراية وإحاطة بمصادر التشريع المتفق عليها والمختلف فيها، هذا الشرط الأول.

الشرط الثاني: قال الإحاطة بمدارك الأحكام وترتيبها، يعني وعنده إحاطة بترتيبها. ترتيب الأدلة أو مصادر التشريع هذا أخذناه في المحاضرة السابقة، أنه كيف أرتب مصادر التشريع أثناء بحثي عن الحكم الشرعي، أين أنظر أولاً؟ عرفنا أنني أنظر في الإجماع ثم أنتقل إلى الكتاب والسنة المتواترة، إلى آخر ما رتبناه في المحاضرة السابقة. فعليه إذاً أن يكون على علم وإحاطة كيف يرتب الأدلة حينما ينظر فيها، وليس هكذا عشوائياً ينظر، عليه أن يعرف ترتيب الأدلة الأولى فالأولى.

ثالثاً: قال وما يعتبر للحكم في الجملة. عليه أن يعرف ما يعتبر للحكم الشرعي جملة، يعني للتعرف على الحكم الشرعي. ربما العبارة مختصرة عند عبد المؤمن لكن المقصود منها واضح، عليه أن يكون مدركاً وعنده إحاطة بما يعتبر للحكم الشرعي. أشياء تعتبر من دونها لا يمكن أن تصل إلى الحكم الشرعي، أو قد تصل إليه لكن على وجه خاطئ، يعني لا تصل إلى الحكم على الوجه الصحيح. فما هي الأشياء المعتبرة للحكم في الجملة؟ سيذكرها حينما يبدأ قال فيعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام إلى آخره، فسيذكر ما يعتبر للحكم الشرعي في الجملة، الأمور والقواعد والشروط التي يجب من خلالها أو يشترط وجودها حتى نصل للحكم الشرعي الصحيح. فهذا معنى أن يكون على دراية بما يعتبر للحكم الشرعي في الجملة. هل العدالة هي الشرط الرابع؟ من شروط المجتهد.

أن يكون عدلاً. أولاً، ما هي العدالة؟ يقولون: العدالة أن يكون هذا الشخص الذي سينظر ملتزماً بالواجبات الشرعية، مجتنباً للمحرمات، يفعل ما يجمله ويزينه، ويترك ما يدنسه ويشينه. هذه هي العدالة باختصار على خلاف أصلاً في تعريفها بين أهل العلم. الشخص العادل هو الشخص الذي يكون ملتزماً بالواجبات الشرعية، منكفئاً عن المحرمات والمنهيات الشرعية. يفعل ما يجمله ويزينه ويترك ما يدنسه ويشينه. إذا كان الشخص قد وفّر هذه الأمور الأربعة نقول: هذا شخص عادل. إذا اختلت فيه هذه الأمور الأربعة أو واحدة من هذه الأمور لا يسمى عدلاً.

السؤال الآن: هل العدالة شرط من شروط الاجتهاد؟ هل يشترط في الشخص الذي يمارس عملية الاجتهاد أن يكون عدلاً؟ عبد المؤمن البغدادي ماذا قال؟ قال: لا، لا يشترط أن يكون عدلاً. لماذا؟ قال: عملية الاجتهاد بشكل عام لا تتوقف على الصفات الدينية للشخص، هي تتوقف على امتلاك هذا الشخص للآلات الشرعية. فإذا هذا الشخص امتلك آلات المعرفة الشرعية، عرف مصادر التشريع، عرف كيف يرتبها كما يريد الشارع، عرف ما يحتاج إليه في حكم شرعي بالجملة، فكونه عدلاً أو ليس بعدل هذا ليس له علاقة في ممارسته لعملية الاجتهاد والتعرف على الحكم الشرعي.

ولكن انظروا، لا تستعجلوا، سيقول شغلة هو الآن. قال إن العدالة -لاحظوا ماذا قال- فإن له الاجتهاد لنفسه، بل هي شرط لقبول فتواه. بل هي شرط لقبول فتواه. المهم قال: بل هي شرط لقبول فتواه. إذاً العدالة ليست شرطاً في الاجتهاد عند عبد المؤمن البغدادي؛ فيمكن لشخص غير عادل توفرت فيه الشروط الثلاثة السابقة أن يمارس عملية الاجتهاد. وعندما يصل للحكم الشرعي، هذا الشخص الذي ليس بعدل عندما يصل للحكم الشرعي وممارسة عملية الاجتهاد، حكمه الشرعي ملزم له؛ فعليه أن يتبع الحكم الشرعي الذي توصل إليه باجتهاده ولا يجوز له أن يقلد غيره من الأئمة المجتهدين؛ لأن عندك قدرة على الاجتهاد. لكن الحكم الشرعي الذي توصل إليه هذا الفاسق باجتهاده لا يفتي به لغيره، وليس لغيره أن يقبله منه؛ لأن شرط قبول الفتوى أن يكون الذي يدلي بها ويعطيها عدلاً.

فإذاً نقول للشخص الفاسق: يجوز أن يمارس الاجتهاد إذا توفرت فيه الشروط الثلاثة السابقة: الإحاطة بمدارك الأحكام، الإحاطة بترتيب الأدلة، وأن يعرف ما يعتبر للحكم في الجملة. إذا كان فاسقاً له أن يمارس وما يصل إليه من الأحكام الشرعية باجتهاده يطبقه على نفسه؛ ليس له أن يقلد غيره لأنه عنده قدرة اجتهاد. لكننا لا نقبل فتياه، فالعامي والمقلد نقول له: صحيح فلان الفاسق مجتهد، لكن ليس لك أن تأخذ الفتيا منه لأنه فاسق، فاجتهاده ينفعه لنفسه وليس لنا.

الآن بعد أن بين لنا قضية العدالة أنها ليست شرطاً، سينتقل ليفصل في الشرط الثالث، أنه قال: الشرط الثالث من شروط الاجتهاد أن يعرف ما يعتبر للحكم في الجملة. ما هي الأمور التي يشترط معرفتها للمجتهد؟ ما هي الأمور التي يشترط معرفتها حتى يصل الشخص إلى مرتبة الاجتهاد أو حتى يسم الشخص بأنه مجتهد؟ أمور تعتبر للحكم في الجملة، الآن سيفصلها. فقال: فيعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام، فمن القرآن قدر خمسمائة آية. قال: فيعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام، فمن القرآن قدر خمسمائة آية. إذا قلنا يعني أن يعرف قدر خمسمائة آية، نعم تكون منصوبة. فمن القرآن قدر خمسمائة آية، لا يشترط، لكن انظر للاستدراك بعد ذلك، قال: لا حفظها لفظاً، بل معانيها ليطلبها عند حاجته.

الآن يبدأ بأول شيء يعتبر في الأحكام الشرعية، أولاً قال: عليه أن يعرف أدلة الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، لذلك قال: فيعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام. فيقولون الشخص الذي نسمه أو نرى هل وصل إلى مرتبة الاجتهاد أو لم يصل، علينا أن نفحص أولاً معرفته بالكتاب والسنة. هل يشترط أن يكون بكل القرآن الكريم وبكل السنة النبوية؟ قالوا: لا، يعرف من الكتاب والسنة الآيات والأحاديث التي ترتبط بالأحكام الشرعية، وأما الآيات والأحاديث التي ليس لها علاقة بالأحكام الشرعية قالوا: لا يشترط أن يكون عارفاً بها. فإذاً يمكن أن يكون شخص مجتهد ولا يعرف من القرآن ولا من السنة إلا الآيات والأحاديث المتعلقة بالأحكام، وأما الآيات والأحاديث التي لا تتعلق بالأحكام لا يشترط أن يعرفها.

الآن بدأ يعمق أكثر وأكثر عبد المؤمن الفكرة فبدأ بالقرآن، قال: طيب من القرآن؟ يقول من القرآن؛ إذاً يشترط أن يعرف من القرآن الآيات التي تتعلق بالأحكام، ما هي وكم عدد الآيات التي تتعلق بالأحكام؟ قال: فمن القرآن قدر خمسمائة آية. إذاً عبد المؤمن البغدادي يقوم بعملية حصر لآيات الأحكام في القرآن، يقول: الآيات التي تدور عليها الأحكام الشرعية في القرآن هي خمسمئة آية. فهو بهذا المنهج يتبع الغزالي في تحديد آيات الأحكام. لكن الطوفي، أيها الأحبة، في شرحه على مختصر الروضة يرفض هذا الحصر في خمسمائة آية، ويقول: والصحيح أن هذا التقدير أي بخمسمائة آية غير معتبر، وأن مقدار أدلة الأحكام في القرآن غير منحصرة؛ فإن أحكام الشرع كما تستنبط من الأوامر المباشرة والنواهي المباشرة، كذلك تستنبط من القصص. يعني أنتم تقولون: إذاً مدار آيات الأحكام في القرآن على خمسمائة آية، فبالتالي الآيات التي تتكلم عن قصص الأمم السابقة أو عن أخلاق أو التي تتكلم عن يوم القيامة أو ما شابه ذلك، هذه لا يشترط للمجتهد أو في الشخص الذي سنصفه بأنه مجتهد أن يعرفها.

الطوفي رحمه الله عليه يقول: لا، هذه النظرة فيها شيء من القصور. فآيات الأحكام أو عفواً الأحكام الشرعية بشكل عام لا تؤخذ فقط من الآيات المباشرة في الأحكام، الأوامر، بل كذلك تستنبط من الآيات التي فيها قصص ومواعظ. فقل -لاحظوا عبارة الطوفي- قل أن توجد في القرآن الكريم آية إلا ويستنبط منها شيء من الأحكام. يقول: قل أن توجد، وما بده يقول ما فيه، لكن بده يعبر عبارة علمية: قل أن توجد آية إلا ويستنبط منها حكم من الأحكام، ولو حكم واحد. وإذا أردت تحقيق هذا فانظر إلى كتابي "أدلة الأحكام" للشيخ عز الدين ابن عبد السلام، الإمام العز ابن عبد السلام سلطان العلماء رحمه الله عليه، أحالنا إلى كتاب "أدلة الأحكام" لأنه في هذا الكتاب في الحقيقة أبدع في بيان كيفية استنباط الحكم الشرعي من آيات القرآن الكريم، وكيف تدل آيات القرآن الكريم بأساليب متنوعة وأشكال مختلفة على الأحكام الشرعية.

قال: هؤلاء وكأن هؤلاء الذين حصروها في خمسمائة آية إنما نظروا إلى ما قصد منه بيان الحكم دون ما استفيدت منه ولم يقصد به بيانها. يعني كأن الغزالي ومن تبعه الذين حصروا آيات الأحكام في خمسمائة آية كأنهم يتكلمون عن الآيات التي جاءت صراحة بمنطوقها لبيان الأحكام، وليس الآيات التي نستنبط ونستفيد منها أحكاماً بالإشارة والإيماء. فكأن من قال آيات الأحكام التي ينبغي على المجتهد أن يعرفها خمسمائة آية يقصد أي آية؟ يقصد الآيات الصريحة في الدلالة على الحكم الشرعي، يعني أمر مباشر، نهي مباشر. أما الآيات التي تستنبط منها الأحكام الشرعية بالإشارة أو الفحوى فهذه غير داخلة. وعلى التحقيق والصحيح أنه لا ينبغي أن تحصر آيات الأحكام في خمسمائة آية. يعني هذا الذي حصر من الذي تتبع؟ حتى لو كان للغزالي، حتى لو كان إماماً من الأئمة غير الأئمة، قد يأتي ويقول: لا والله آيات الأحكام ستمئة سبعمئة، فالحصر برقم معين غير محقق.

فنقول إذاً: أن يعرف باختصار أن يكون له دراية ومعرفة عامة بآيات القرآن الكريم كاملاً. الآن هل يشترط أن يحفظ القرآن الكريم؟ هذا الصحيح عند الأصوليين أنه لا يشترط في الشخص الذي سنؤهله للاجتهاد أن يكون حافظاً، لا يشترط. لكن الواقع العملي أيها الأحبة يؤكد أن الأئمة المجتهدين عبر العصور الإسلامية ندر أن يوجد منهم مجتهد لا يحفظ القرآن، ندر أن يوجد مجتهد من الأئمة وصل لمرتبة الاجتهاد العليا ولا يكون حافظاً لكتاب الله سبحانه وتعالى. فلذلك لا تظنوا أنهم يذكرون هذا الشرط ثم بعد ذلك يقولون يشترط أن يعرف آيات الأحكام من دون أن يحفظها، خلص إذا جاء الفرج، البعض يقول الفرج ما بدنا نحفظ، هذا أيها الأحبة لا يعرف عند الأئمة. واذهبوا إلى "سير أعلام النبلاء"، واذهبوا إلى "تاريخ الإسلام"، واذهبوا إلى كل الكتب، وأنا أتحدى أن أئمة كباراً لا يحفظون القرآن الكريم إلا ما ندر، أو إماماً انشغل به كلام المتكلمين وفلسفة المتفلسفين عن الانشغال بكتاب الله سبحانه. أما أئمة أهل السنة والجماعة بالتحديد، الذين انشغلوا بكتاب الله سبحانه وتعالى وابتعدوا عن فلسفة الإغريق وابتعدوا عن كلام المتكلمين، كلهم يحفظون آيات القرآن ويحفظون كتاب الله سبحانه وتعالى عن ظهر قلب إلا ما ندر.

إذاً، يقول عبد المؤمن، نرجع إلى عبد المؤمن البغدادي: أنا قررت ما أدين الله به أنه ينبغي أن يكون على دراية بالقرآن الكريم كاملاً. نعم لا يشترط أن يكون حافظاً لكن ينبغي أن يكون على دراية بالقرآن الكريم كاملاً كما أصل الطوفي. لكن عبد المؤمن تبعا للغزالي قال: ينبغي أن يعرف آيات الأحكام وهي خمسمائة آية لا حفظها لفظاً، لا يشترط أن يحفظها لفظاً بل معانيها، يكتفي بأن يعرف تفسير هذه الآيات ليطلبها عند الحاجة.

قال: ومن السنة. الآن انتهينا من القرآن عرفنا رأي عبد المؤمن البغدادي في التعامل مع القرآن أو ماذا يشترط للمجتهد عند تعامله مع القرآن الكريم؟ قال: ومن السنة أن يعرف -هذا حتى يكتمل السياق- ومن السنة أن يعرف ما هو مدون في كتب الأئمة. بالنسبة للأحاديث ينبغي أن يكون المجتهد أو الشخص الذي سنسمه بأنه مجتهد على دراية ومعرفة بالأحاديث التي وردت في كتب الأئمة، كتب الأصول: البخاري ومسلم والسنن الأربع والمسانيد المشهورة، مسند الإمام أحمد ومسند البزار وغيرهم من الكتب المشهورة المعتمدة التي عليها المعول. فيكون على دراية بالأحاديث الواردة فيها تماماً، وبالتأكيد لا يشترط أن يكون حافظاً لها بل يكفي أن يكون على دراية واطلاع قوي ومعمق عليها. فإذاً هذا فيما يتعلق بالمعرفة بالقرآن والمعرفة بالسنة.

ثم قال: والناسخ والمنسوخ منهما. إذاً عليك أن تعرف الناسخ والمنسوخ من القرآن ومن السنة، والصحيح والضعيف من الحديث للترجيح؛ عليك أن تعرف الأحاديث الصحيحة من الأحاديث الضعيفة حتى نستخدمها في عملية الترجيح، لأن الحديث الضعيف مرجوح، والحديث الصحيح هو الأقوى. فيعرف الصحيح والضعيف من الحديث. الآن هل يجب أن يصل أيضاً إلى مرتبة الاجتهاد في تضعيف الأحاديث وتصحيحها ولا يكفي أن يكون مقلداً لإمام معتبر؟ يعني هل من شرط المجتهد حتى يسمى مجتهداً أن يكون لديه قدرة شخصية ومعرفة شخصية للحكم على الأحاديث، ولا يكفي أن يتبع في التصحيح والتضعيف إماماً معتبراً؟ يعني يقول: والله أنا رأي الإمام أحمد بن حنبل في تصحيحاته وتضعيفاته، أنا رأي الإمام الفلاني في تصحيحاته وتضعيفاته. هذه المسألة خلافية؛ البعض يقول: لا، ينبغي أن يكون هو نفسه على عملية التصحيح والتضعيف، على دراية بالرجال وعلل الأحاديث والتصحيح والتضعيف وطرق التضعيف وما شابه ذلك. والبعض يقول: لا، يكتفي هل يجوز أن يكتفي بالأخذ من إمام معروف في هذا العلم معتمد فيه، فلا يشترط أن يكون هو نفسه لديه قدرة على التصحيح والتضعيف، بل يكتفي بالذهاب إلى إمام من الأئمة المعتبرين يعتمد قوله.

ثم قال: وعليه من الأحكام، ينبغي أن يكون على دراية بمسائل الإجماع، حتى لا يأتي بفتوى جديدة هذا المجتهد تخالف إجماعاً سابقاً. فينبغي أن يكون على دراية وعليه من الأحكام، ونصب الأدلة وشروطها، أن يكون على دراية بنصب الأدلة وشروطها، فينبغي إذاً أن يكون أيضاً على دراية كيف ينصب الدليل على المدلول؟ وكيف يبين وجه دلالة هذا الدليل على الحكم الذي يريد أن يوصله. فإذاً لا بد أن تكون لديه دربة ومهارة في نصب الأدلة، كيف الدليل ويبين وجه دلالته على الحكم الشرعي؟ وما شروط هذا الدليل؟ لذلك قالوا: على دراية بنصب الأدلة وشروطها. شروط هذا الدليل، في شروط للأقيسة، في شروط للإجماع، في شروط كل الأدلة الشرعية لها شروط عندما تتعامل معها. فينبغي أن يكون هذا الشخص المؤهل له بنصب الأدلة وشروطها.

ثم الأكمل قال: ومن العربية ما يميز به. العربية أيها الأحبة، باتفاق جميع العلماء على مدار العصور، شرط من شروط الاجتهاد. لا يجوز للشخص أن يدعي أنه بلغ مرتبة الاجتهاد وهو ضعيف في العربية، لا يجوز. يحرم الاجتهاد في دين الله لمن هو ضعيف في العربية.

باتفاق الجميع ولا ينازع في ذلك إلا من لا دراية له من مصادر التشريع وبأقوال أهل العلم. ما هو القدر الذي ينبغي أن يصل إليه في العربية؟ يقولون: ينبغي أن يصل إلى قدر متوسط، لا يلزم أن يصل إلى مرحلة سيبويه والكسائي والخليل بن أحمد ويكون في قدراتهم، بالتأكيد لا يشترط أن يصل إلى تلك المرتبة، لكن ينبغي أن يكون متوسطاً في علم النحو والصرف والبلاغة، وعلى دراية بفقه اللغة ومتن اللغة وأساليب العرب في التعبير. إذا كان ضعيفاً في هذه الأمور كيف يجتهد؟ لا يجوز له الاجتهاد أبداً.

فقال: ومن العربية أن يكون على دراية بما يميز به بين صريح الكلام وظاهره. صريح الكلام يقصد به النص، وهو النص الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً؛ لأنه قابل بين صريح الكلام وظاهره. صريح الكلام هو النص الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً، إذاً أن يعرف من العربية ما يميز به بين صريح الكلام وظاهره، يعني في النص، يعني في الظاهر، يعني في المجمل، وحقيقته ومجازه، وعامه وخاصه، ومحكمه ومتشابهه، وإطلاقه وتقييده، ونصه وفحواه. وكلمة ونصه هنا معناها هي بمعنى المنطوق؛ المقابلة بين المنطوق والفحوى، قصده هنا بعد مطلقه ومقيده ونصه وفحواه أي منطوقه وفحواه. فقوله النص هنا بمعنى المنطوق وليس بمعنى ما لا يحتمل إلا معنى واحداً، فعلينا أن نحرر العبارة.

إذاً ينبغي أن يكون على قدر قوي جداً في العربية يستطيع من خلال ما عده من المعارف العربية أن يميز بين أن هذا النص وهذا اللفظ دلالته نص، وهذه دلالتها ظاهر، لا والله هذه مجمل؛ لأنه فيها اشتراك، يعرف هذا عام، لا هذا خاص، مطلق، هذا مقيد، والله هذا منطوق وهذا مفهوم، إلى آخر هذه المعارف العربية. الآن انتهى من الكلام عما يعتبر للحكم الشرعي في الجملة، هذا كله تفصيل لما يعتبر في الحكم الشرعي في الجملة. إذاً هو قال: شروط المجتهد الإحاطة بمصادر التشريع ومدارك الأحكام، الإحاطة بترتيبها وما تعتبر للحكم في الجملة، أن يعرف ما يعتبر للحكم في الجملة، ثم قال: العدالة ليست من شروط الاجتهاد. ثم عاد ليفصل ما يعتبر للحكم في الجملة، فقال: أن يعرف من القرآن والسنة آيات الأحكام وأحاديث الأحكام، أن يعرف الناسخ والمنسوخ، أن يعرف الصحيح والضعيف من الحديث، أن يعرف مواطن الإجماع ومواطن الخلاف، أن يعرف كيف ينصب الأدلة وشروط الأدلة، أن يعرف من العربية ما يميز به بين الصريح إلى آخره. فهذه الأمور التي جمعها مع بعضها البعض هي ما تعتبر للحكم في الجملة، هي تفسير لقوله أن يعرف ما يعتبر للحكم في الجملة.

الآن سيذهب إلى مسائل منثورة في الاجتهاد يبحثها الأصوليون في الاجتهاد. المسألة الأولى التي سيبحثها عبد المؤمن البغدادي هي ما يعرف بتجزؤ الاجتهاد. قال عبد المؤمن: فإن علم ذلك في مسألة بعينها كان مجتهداً فيها، وإن لم يعرف غيرها. الآن أيها الأحبة هي مسألة تجزؤ الاجتهاد، مسألة مهمة جداً خاصة في وقتنا الحاضر الذي قل فيه من يصل إلى مرتبة الاجتهاد الحقيقي التي يتكلم عنها الأصوليون الأقدمون، والغالب أن يكون العالم في وقتنا الحاضر على دراية بباب من أبواب الشريعة والضعيف في أبواب أخرى، هذا هو الغالب في واقعنا. فهل يجوز؟ هذا هو السؤال: هل يجوز إذا كان عندنا شخص يملك آلات الاجتهاد في باب معين من أبواب الشريعة وليس في كل أبواب الشريعة، هل يجوز له أن يفتي في الباب الذي يتقن مع أنه ضعيف ولا يملك الآلة في الأبواب الأخرى؟

نفصل أكثر وأكثر، إذا كان عندنا شخص يا مشايخ يعرف الآيات في باب الصيام وأحاديث الصيام، يعرف صحيحها وضعيفها، يعرف الناسخ والمنسوخ في مسائل الصيام، ويعرف المسائل المجمع عليها والمختلف فيها في أبواب الصيام. مثلاً درس الآجرومية وقطر الندى وعنده معرفة جيدة في الصرف والبلاغة، لكن لاحظوا هذا الشخص آلات الاجتهاد التي يمتلكها هو يمتلكها في باب واحد من أبواب الشريعة في مسائل الصيام، وأما إذا ذهبت مع هذا الشخص إلى أبواب أخرى في البيوع، ليس له أدنى معرفة، أو لديه معرفة ضعيفة في آيات وأحاديث البيوع، لا يعرف الناسخ والمنسوخ في باب البيوع، لا يعرف المسائل المجمع عليها والمختلف فيها، إذا ذهبت أيضاً معرفته ضعيفة بآيات وأحاديث النكاح والناسخ والمنسوخ والمتفق والمختلف عليه في تلك الأبواب، هو فقط عنده آلات اجتهاد في باب واحد في باب الصيام، أو قل مثلاً في باب الفرائض والمواريث أو في باب مثلاً العبادات، وليس لديه خبرة في أبواب المعاملات، هل يجوز لهذا الشخص الذي يملك آلات الاجتهاد في باب معين وليس في كل الأبواب أن يتصدر للاجتهاد في الباب الذي يتقن، أم نقول له ليس لك أن تجتهد حتى في الباب الذي تتقنه؟

قالوا: لماذا؟ قال لأنك لا تملك آلات الاجتهاد في جميع مسائل الشريعة. هذه مسألة اختلف فيها الأصوليون قديماً، منهم من قال: لا يجوز تجزؤ الاجتهاد. فالمجتهد الذي يحق له تصدر الاجتهاد هو من ملك آلات الاجتهاد في جميع أبواب الشريعة، هذا رأي. الرأي الآخر يقول: يجوز تجزؤ الاجتهاد؛ فإذا كان عندنا مجتهد ملك آلات الاجتهاد في باب واحد يجوز له أن يجتهد في هذا الباب الذي يتقنه ولو كان ضعيفاً في الأبواب الأخرى.

في الحقيقة هذا الرأي الثاني يساعدنا في الوقت المعاصر كثيراً، لأننا كما قلنا منذ زمن ما عدنا ننتج أئمة مجتهدين على قدر عال أو بالصفات المعيارية التي يضعها الأصوليون؛ ننتج رجلاً متقناً جداً في المعاملات المالية المعاصرة، ننتج رجلاً متقناً مثلاً في أبواب الفرائض، ننتج رجلاً متقناً في ربما مسائل العبادات، لكن شخص يمتلك الآلات في كل الأحكام هذا قل في عصرنا. فلو أننا قلنا لا يجوز أن يجتهد في المسائل الشرعية إلا من بلغ مرتبة الاجتهاد وآلة الاجتهاد في جميع الأبواب، في الحقيقة هذا سيؤدي إلى إغلاق عملية البحث عن الأحكام الشرعية في كثير من البلدان الإسلامية؛ لعدم وجود مجتهد في جميع الأبواب توجد فيه الصفات في جميع الأبواب.

أما القول الثاني الذي يبيح تجزؤ الاجتهاد فهذا سيؤدي إلى فتح باب الاجتهاد، طبعاً بشكل منضبط، في بلداننا الإسلامية؛ لأنه ما من بلد إلا ويوجد فيه رجل أو رجلان ممن يحسنان الكلام مثلاً في العبادات، ويوجد رجل أو رجلان يحسنان الكلام في المعاملات، ورجل ورجلان يحسنان الكلام في الفرائض. فنقول لمن يحسن الكلام في العبادة: تكلم في العبادات ولا تتجاوزها لأنك لا تتقن غير هذه المسائل. ومن يحسن الكلام في المعاملات نقول له: تكلم في المعاملات ولا تتجاوزها. المشكلة عندنا في الوقت الحاضر أيها الأحبة أنه شخص يكون جيداً في باب المعاملات، وهو يدرك أنه ضعيف في أبواب العبادات، ونفسه يصدر نفسه للحديث في أبواب العبادات التي لا يتقنها، يعطي لنفسه المؤهلات لذلك بمجرد أنه يحسن الكلام في المعاملات، فنحن نقول: ليس لك أن تتكلم في ذلك، أنت مبدع في هذا الجانب، جيد، نقف معك، لكن لا تتكلم فيما لا تحسن ولا تتقن. شخص مبدع في أبواب العبادات يتقنها لا المعاملات وفي النوازل المعاصرة، شخص مبدع في الفرائض لا تتكلم فيما لا تتقن، لأنه هذه مشكلة أن البعض يقول يجوز تجزؤ الاجتهاد ثم بعد ذلك تجده يسرب نفسه رويداً رويداً ليتكلم في الأبواب الأخرى التي لا يتقنها.

لا، تجزؤ الاجتهاد معناه دقيق: أن تتكلم أيها المجتهد في المسائل التي ملكت آلة الاجتهاد فيها فقط، ولا تتكلم في المسائل التي لم تملك فيها آلة الاجتهاد. فهذا الرأي في الحقيقة قوي، قضية تجزؤ الاجتهاد أنه يساعدنا على الاجتهاد في النوازل المعاصرة، ويساعد الناس للوصول إلى الأحكام الشرعية، وإلا لو اشترطنا امتلاك آلة الاجتهاد في جميع المسائل للمجتهد معناها في كثير من البلدان الإسلامية سيغلق باب الاجتهاد، وكثير من المسائل لن تجد حكماً شرعياً أو من يصل إلى حكمها الشرعي عند الله سبحانه وتعالى. كان هذا الرأي فيه سعة، وبسط الأدلة والحجاج بين هذه الآراء يكون في المطولات أيها الأحبة، هذا فقط أريد أن أمر على رؤوس مسائل الاجتهاد.

طيب، إذاً عبد المؤمن البغدادي هو يأصل منهج الحنابلة رحمة الله عليهم في مسألة تجزؤ الاجتهاد، الحنابلة يرون في أرجح قوليهم جواز تجزؤ الاجتهاد، لذلك قال: فإن علم ذلك، يعني علم الشخص المؤهل أو الذي نريد أن نؤهله للاجتهاد، إن علم ذلك أي ما سبق، علم الناسخ والمنسوخ، علم مواطن الإجماع والخلاف، علم الآيات والأحاديث، وعلم من العربية، فإن علم ذلك ما سبق بيانه في مسألة بعينها، لا يقال يعني علم ذلك في كل الأحكام، لا، علمه في مسألة بعينها في باب كان مجتهداً فيها، يعني مجتهداً في هذه المسألة وفي هذا الباب ما عنده مشكل، وإن لم يعرف غيرها، وإن لم يكن لديه آلات الاجتهاد في المسائل والأبواب الأخرى، فإذاً هنا يرون تجزؤ الاجتهاد مقبولة.

طيب، ننتقل إلى المسألة التي تليها، قال: ويجوز التعبد بالاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم للغائب والحاضر بإذنه. المسألة الجديدة الآن أيها الأحبة هي هل يجوز شرعاً أولاً الكلام عن الجواز الشرعي ثم الوقوع الشرعي؟ هل يجوز شرعاً أن يتعبد الصحابة بالاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؟ هذا هو السؤال الآن، نضع سؤال: هل يجوز أن يتعبد الصحابة بالاجتهاد في زمن النبي عليه الصلاة والسلام والنبي عليه الصلاة والسلام حي موجود بين أظهرهم؟ فالصحابي يجتهد للوصول إلى الحكم الشرعي مع أن النبي صلى الله عليه وسلم موجود، فإذن ايش قال؟ الكلام لسا عن الجواز الشرعي، يعني هل يجوز أصلاً شرعاً ولا لا يجوز؟ إذا كان يجوز نبدأ نبحث هل وقع هذا ولا لم يقع، فإذاً نبدأ نبحث عن الجواز الشرعي: هل يجوز شرعاً أن يتعبد الصحابة بالاجتهاد، يعني أن يستخدموا الاجتهاد وسيلة للوصول للحكم الشرعي في النوازل التي بين أيديهم مع أن النبي صلى الله عليه وسلم حي يرزق؟

فماذا قال؟ قال يجوز عبد المؤمن، قالوا: ويجوز شرعاً ما في مانع شرعي، يجوز التعبد بالاجتهاد للصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. لكن ايش قال؟ قال للغائب بالتأكيد حتى ولو لم يأذن له النبي صلى الله عليه وسلم، وللحاضر، يعني إذا كان الصحابي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم حاضر عنده، وللحاضر بإذنه أي بإذن النبي عليه الصلاة والسلام. فإذاً يقول عبد المؤمن: إذا كان شخص غائب يجوز شرعاً، الجواز يجوز أن يجتهد حتى ولو لم يأخذ إذناً صريحاً من النبي عليه الصلاة والسلام، أما إذا كان حاضر، يعني مع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، هذا مع النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة، الصحابة اللي كانوا مع النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة الحاضرون، هل يجوز لهم أن يجتهدوا في الوصول للحكم الشرعي ما عدا النبي صلى الله عليه وسلم بينهم قريب منهم؟ قال يجوز إذا أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فالحاضر يشترط له الإذن، والغائب لا يجوز له شرعاً الجواز الشرعي الآن، يجوز شرعاً أن يجتهد سواء أخذ إذناً صريحاً من النبي عليه الصلاة والسلام أو لم يأذن له، في كلمة بإذنه هذه تتعلق بالحاضر فقط وليس بالغائب.

إذاً يقول عبد المؤمن البغدادي: يجوز التعبد بالاجتهاد، يعني لا مانع شرعي الكلام عن الجواز الشرعي، لا مانع شرعي من أن يكون الصحابة متعبدين بالاجتهاد في الوصول للأحكام الشرعية وفي زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وهنا الغريب ايش هو؟ أنه الواحد ممكن يقول يا مشايخ أنه ليش يذهبوا للاجتهاد إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم موجود؟ النبي عليه الصلاة والسلام هو الحجة، هو القطع، هو الذي يوحى إليه، إذاً لماذا تجتهدون مع وجود النبي صلى الله عليه وسلم؟ فالآن بشكل عام يقول عبد المؤمن البغدادي: ما المشكلة أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم موجود وهو الحجة ولكن الصحابة يجتهدون؟ ولكن ايش؟ يجتهدون في الوصول للأحكام الشرعية الآن، إذا الصحابي أخطأ، اجتهد فأخطأ، النبي صلى الله عليه وسلم يعدله إذا كان هذا الصحابي حاضراً، إذا كان الصحابي غائباً عن النبي عليه الصلاة والسلام، مثلاً النبي عليه الصلاة والسلام ألم يبعث معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن؟ بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن ليفضوا بين الناس، الآن أصبحوا غائبين عن النبي عليه الصلاة والسلام. الآن إذا اجتهد معاذ بن جبل في مسألة وهو في اليمن، إذا بلغت النبي عليه الصلاة والسلام، بلغ النبي اجتهاده وأقره عليه، إذاً أكيد في النهاية ما في مشكلة، هذا الاجتهاد حدث عليه إقرار من النبي عليه الصلاة والسلام، فجاءنا النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قاله.

إلا إذا لم يبلغ هذا الاجتهاد النبي عليه الصلاة والسلام سيبقى قول الصحابي، ومن يرى أن قول الصحابي حجة يتبعه، ومن يرى طبعاً عصر الصحابة ومن يرى أن قول الصحابة ليس بحجة لا يتبعه. فباختصار أيها الأحبة ماذا أقول؟ نذهب إلى السبورة حتى نحرك الدماء في العروق.

يقول عبد المؤمن البغدادي: يجوز أن يتعبد الصحابة بالاجتهاد، أي لا مانع شرعي من أن يجتهد الصحابة ويستخدموا الاجتهاد في الوصول للأحكام الشرعية، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم موجود بينهم. إذا كان الصحابي غائباً عن النبي عليه الصلاة والسلام في سفر، أو أرسله في غزوة، أو ذهب به إلى بلد بعيد ليقضي بين الناس؛ فهذا يجوز له الاجتهاد من دون شرط. أما إذا كان حاضراً مع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، فهذا يجوز له الاجتهاد بإذن النبي صلى الله عليه وسلم، أما بدون إذنه فلا يجوز له أن يجتهد. هذه وجهة نظر البغدادي.

ما الدليل على جواز الاجتهاد للصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؟ أولاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح لهم ذلك، والدليل حديث معاذ بن جبل لما أراد أن يرسله إلى اليمن، قال له: «بما تقضي يا معاذ؟»، قال: بكتاب الله. قال: «فإن لم تجد؟»، قال: بسنة رسول الله. قال: «فإن لم تجد؟»، قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فالنبي صلى الله عليه وسلم أقرّه على ذلك. هذا الحديث متكلم في صحته، لكن أكثر الأصوليين وأهل العلم يقولون: هذا حديث تلقته الأمة بالقبول، وإن كان فيه ضعف يسير من حيث السند؛ إلا أن الأمة عملت به وقبلت دلالته، فنحن نصححه بناءً على ذلك ونعمل به.

المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرّ معاذ بن جبل على أن يجتهد لما بعثه إلى اليمن، فهو إذنٌ للصحابة أن يجتهدوا. لكن عبد المؤمن البغدادي قال: إن حديث معاذ بن جبل يدل على جواز الاجتهاد للصحابة إذا كان غائباً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأله: ماذا تفعل؟ عندما أراد أن يرسله إلى اليمن حيث سيكون غائباً عنه. أما الحاضر، فنحن نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدرب الصحابة على الاجتهاد ويعلمهم، وهناك كثير من الوقائع اجتهد فيها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام ولم ينكر عليهم ذلك.

في الحقيقة لا يظهر لي أنهم أخذوا إذناً صريحاً منه عليه الصلاة والسلام في هذه المسألة بحد ذاتها، لكنهم بالتأكيد يعلمون من معلمهم ومربيهم أنه يأذن لهم بالاجتهاد. ومن ذلك قصة أبي بكر الصديق مع النبي عليه الصلاة والسلام في قضية السلب، لما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حنين: «من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه». فجاء رجل بعد الغزوة وقال: يا رسول الله، أنا قتلت قتيلاً، ويشهد لي فلان وفلان، ولكن السلب ذهب ولا أجده. فقام رجل من الجيش وقال: صدق يا رسول الله، قتل قتيلاً والسلب عندي، فيا رسول الله أعطه سلباً آخر. فبادر أبو بكر الصديق قبل أن يتكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا، لا يعطيه سلباً آخر، يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه.

هذا كلام من أبي بكر الصديق، اجتهد قبل أن يصدر النبي عليه الصلاة والسلام حكمه، ثم هل أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم اجتهاده في حضرته؟ لم ينكر عليه، بل أقرّ كلام أبي بكر، وأمر ذلك الرجل بأن يرد السلب إلى أبي قتادة. هذه القصة وغيرها تدل على أن الصحابة كانوا يجتهدون في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليهم، فهذا إذنٌ عام منه عليه الصلاة والسلام لممارسة الاجتهاد. والاجتهاد الذي مورس في حضرته إذا كان خطأً سيبطله النبي، وإذا كان صحيحاً سيقرّه، فإذا أقره أصبح سنة تقريرية. أما إذا كان الاجتهاد من صحابي غائب، فإن بلغ النبي صلى الله عليه وسلم وسكت عنه، فهو أيضاً سنة تقريرية.

أما إذا لم يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم قول الصحابي، فهل نقول: لو كان خطأً لأخبر الله سبحانه وتعالى نبيه عليه الصلاة والسلام حتى يعدل الخطأ؟ البعض يقول: نعم، في زمن النبوة حتى لو اجتهد صحابي في أقاصي الأرض وأخطأ، الله سبحانه وتعالى يخبر نبيه. والبعض يقول: لا يلزم ذلك، بل يبقى هذا قول صحابي؛ فمن يرى أن قول الصحابي حجة سيقبل فتوى معاذ بن جبل وموسى الأشعري وغيرهم، ومن يرى أنه ليس بحجة يستأنس بهذه الفتاوى ولكنه لا يعتمد عليها. إذاً، المسألة بشكل عام هي: هل يجوز التعبد بالاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؟ عبد المؤمن يقول: يجوز للغائب، وللحاضر بإذنه. وقيل: إن الاجتهاد خاص بالغائب فقط، أما الحاضر بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام فليس له أن يجتهد، بل يسأل النبي مباشرة.

هل وقع فعلاً اجتهاد من الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؟ في الحقيقة وقع، والوقوع هو دليل على الجواز، فمن أدلة الأصوليين القوية أن يقولوا: الوقوع دليل الجواز. إذا أمرٌ وقع وثبت تاريخياً، فهو دليل على جوازه شرعاً.

هل يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجتهد فيما لم ينزل عليه وحي فيه؟ يرى عبد المؤمن جواز اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم فيما لم ينزل عليه وحي، فإذا كان اجتهاده صائباً يقرّه الله سبحانه وتعالى عليه، وإذا كان اجتهاده مخالفاً للصواب يعدله الله عز وجل. لا مانع من ذلك. ومن يقول بعدم الجواز الشرعي سيحاول تأويل الوقائع التي اجتهد فيها النبي صلى الله عليه وسلم كغزوة بدر في الأسرى، ويحملها على أنها ليست في أمر ديني أو مسألة عارضة لا تمنع الأصل. أما من رأى الجواز، فإنه يبحث في وقوعه وثبوته.

يبدأ به، أي بالاجتهاد فيما لا وحي فيه. وقيل لا، هناك رأي آخر يقول لا يجوز؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لا حاجة له أن يجتهد، يأخذ الحكم مباشرة من الوحي. لكن في الحقيقة، اجتهاد النبي عليه الصلاة والسلام له فوائد؛ أولاً: يعلم أمته الاجتهاد، ويعلم أمته كيفية ممارسة طرق الاستنباط للوصول للأحكام الشرعية.

الآن كبار الصحابة؛ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وزيد وابن مسعود، الذين كانوا يفتون أيها الأحبة، هم كيف عرفوا مسالك الفتيا في دين الله؟ نظروا في أفعال النبي عليه الصلاة والسلام في اجتهاداته، وفي طرقه في التشريع وممارسة التشريع، فاستنبطوا مسالك التشريع ثم أفتوا للأجيال اللاحقة في عصر الخلفاء الراشدين ومن بعدهم. عملية ممارسة النبي صلى الله عليه وسلم للاجتهاد لها أثر مهم في تعليم الصحابة كيف يجتهدون. لذلك أقره الله سبحانه وتعالى على الاجتهاد، ووقع منه الاجتهاد في مواقع كثيرة؛ منها ما صوبه الله، ومنها ما لم يصوبه وبين له الأفضل.

﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43]، أليس كذلك؟ حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين. في أسرى بدر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: 67]. ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ﴾ [عبس: 1-2]. مواطن كثيرة في القرآن تدل على أن الله صوب بعض اجتهادات النبي صلى الله عليه وسلم.

لذلك قال عبد المؤمن: يجوز أن يجتهد النبي عليه الصلاة والسلام فيما لا وحي فيه. وقيل لا، وهذا رأي ضعيف في الحقيقة؛ فقد اجتهد عليه الصلاة والسلام، لكن هل وقع؟ يعني أنا قلت يجوز أن يجتهد النبي عليه الصلاة والسلام لكن هل هذا، انكره بعض أصحابنا، يعني بعض الحنابلة يقول لن يقع، وأصحاب الشافعي وأكثر المتكلمين. لكن قال: والصحيح بلى، يعني وقع. ما دليله على وقوعه؟ قال لقصة أسرى بدر وغيرها من القصص. وهذا كلام مئة بالمئة صحيح عن عبد المؤمن. الصحيح جواز الاجتهاد من النبي صلى الله عليه وسلم، والصحيح أنه وقع منه في قصة أسرى بدر وفي غيرها، فمحاولة لف أعناق هذه القصص وتحويلها لأنها ليست اجتهادات وإنما هي إما أمور دنيوية، في الحقيقة نوع من التكلف والتعسف في فهم هذه القصص وتحويلها إلى غير الاجتهاد.

إذا تكلمنا عن مسألة تجزؤ الاجتهاد، تكلمنا عن مسألة هل يجوز للصحابة أن يجتهدوا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام والفرق بين الغائب والحاضر. تكلمنا هل يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجتهد فيما لم ينزل عليه وحي فيه، وعرفنا أن الصحيح الجواز والوقوع أيضاً. الآن ننتقل إلى مسألة مهمة جداً أيها الأحبة في مسائل الاجتهاد. هذه المسألة الجديدة وهي إذا اجتهد المجتهدون في مسألة، يعني المسألة لم ينص عليها الشرع، اجتهد العلماء؛ اجتهد أبو حنيفة، واجتهد مالك، واجتهد الشافعي، واجتهد أحمد في محاولة للوصول إلى حكمها. فوصل أبو حنيفة إلى رأي فيها، ووصل مالك إلى رأي مخالف، ووصل الشافعي إلى رأي ثان، ووصل أحمد إلى رأي رابع. كل واحد من الأئمة له فيها رأي يخالف الرأي الآخر، تمام؟ هل الحق وهل المصيب من هؤلاء الأئمة واحد منهم، أم كلهم مصيب؟ عرفتم السؤال؟ هل الكل مصيب ولا المصيب والمحق هو واحد منهم فقط والباقي مخطئ؟ هذه مسألة كثيرة الورود في كتب الأصوليين، تسمى هل المصيب واحد في الأحكام الشرعية أم ليس واحداً؟ يعني هل المصيب واحد أو كل مجتهد مصيب؟

قال عبد المؤمن: والحق في قول واحد. وهو القول المحقق في الحقيقة عند أكثر الأصوليين أن المصيب من المجتهدين هو واحد، قول واحد هو القول الصواب، والأقوال الأخرى تكون خاطئة. لذلك الحق الذي يوافق ما عند الله سبحانه وتعالى واحد. مثلاً نأخذ مسألة يا مشايخ، أبو حنيفة قال عنها حرام، ومالك قال عنها مكروه، والشافعي قال عنها مباح، وأحمد قال عنها واجب فرضاً. الآن برأيكم، هل يمكن أن تكون هذه المسألة عند الله حكمها أنها حرام وواجب ومكروه ومباح؟ مش ممكن، اجتمعت متناقضات فيها، صح؟ فبالتأكيد واحد من هؤلاء الأئمة هو الصواب، يعني هي يا حرام يا مكروه يا مباح يا واجب، في واحد منهم صواب والباقون على خطأ، أليس كذلك؟ هذا هو التفكير المنطقي، فالحق واحد.

المخطئ في الفروع ولا قاطع، معذور عند الله. يعني الآن إذا كان الحق واحد معناه الباقين خطأ، هل معناه أنهم آثمون؟ لا، هم معذورون لأنهم فعلوا ما يجب عليهم، استفرغوا طاقتهم وهذا جهدهم، صح؟ والذي يؤكد هذا المبدأ الذي يتكلم عنه عبد المؤمن قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر». إذا النبي صلى الله عليه وسلم فرق، قال هناك حاكم يجتهد ويصيب، وهناك حاكم يجتهد ويخطئ.

إذاً هذا الحديث أيها الأحبة أنا في وجهة نظري أنه يحسم الخلاف في المسألة، ولا ينبغي أن تكون أقوال أخرى في معارضة هذا الحديث. النبي عليه الصلاة والسلام يقول هناك اجتهاد فيه إصابة وهناك اجتهاد فيه خطأ بنص عليم. لماذا نحاول أن نخرج عن طور الحديث؟ إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول اجتهد ثم أصاب واجتهد ثم أخطأ، إذا هنالك اجتهاد مصيب وهناك اجتهاد مخطئ. الاجتهاد المصيب هو قول الحق، والاجتهاد الذي أخطأ فيه صاحبه هو قول باطل لكنه يأخذ ثواباً وأجراً على اجتهاده وإن كان مخطئاً، والذي أصاب يأخذ أجرين؛ على اجتهاده وعلى إصابته الحمد لله في الشريعة. إذاً الحديث هذا يتوافق تماماً مع الرأي الأصولي أن الحق في قول واحد، والمخطئ في الفروع ولا قاطع معذور.

طب إذا هناك قاطع، يعني هذه المسألة فيها دليل قاطع حازم، نص من القرآن قطعي الدلالة، أو نص من السنة قطعي الدلالة. مفهوم كلام عبد المؤمن أن المخطئ في الفروع إذا كان هناك دليل قاطع ليس معذوراً، لأنه قال المخطئ في الفروع ولا دليل قاطع معذور. إذاً ما هو مفهوم المخالفة؟ أنه المخطئ في الفروع إذا كان هناك دليل قاطع وهو خالف هذا الدليل القاطع، بالتالي هذا ليس معذوراً، آثم؛ كيف تخالف الدليل القاطع؟ في الحقيقة ما بدنا نستعجل في إطلاق هذه القاعدة أن المخطئ في الفروع إذا خالف دليلاً قاطعاً فهو غير معذور. لأنا نقول إذا كان الدليل القاطع سهل الوصول إليه، والمجتهد قصر في الوصول إليه، أو كان واصلاً للمجتهد وموجوداً عنده وهو خالفه متعمداً، قلنا نعم يكون غير معذور.

وقد يكون الدليل القاطع أيها الأحبة لم يصل إلى المجتهد فخالفه لأنه لم يصل إليه أصالة، أو يكون الدليل القاطع خالفه المجتهد سهواً ونسياناً وغفلة، ولم يقصد مخالفته، فهو في هذه الحالة بإذن الله معذور. فإذاً التعميم أن نقول المخطئ في الفروع ولا قاطع معذور، بالتالي المخطئ في الفروع إذا كان هناك دليل قاطع على المسألة وخالفه فهو غير معذور، لا، ما بدنا نستعجل نقول غير معذور. نقول إذا خالف المجتهد قاطعاً فله حالتان: أن يخالف القاطع بعد أن وصله وبلغه ويستحضره فيتعمد مخالفته أو قصر في البحث عنه، قصر في البحث عنه والوصول إليه، فيه تقصير، نعم نقول هنا مخالفة المجتهد للقاطع غير معذور فيها هذا المجتهد. أما إذا كانت مخالفة المجتهد للدليل القطعي لأنه لم يصل إليك، مش ممكن حديث قطعي لا يصل إلى مجتهد؟ ممكن؛ هو بذل وبذل وهذا الحديث لم يصل، ما في مشكلة، خاصة في الأزمنة القديمة أيها الأحبة، في بداية الاجتهاد في عصر التابعين ما كانت الأحاديث مثل الآن مجموعة بين أيدينا والحمد لله سهلة الوصول إليها، كان حديث في الشام وحديث في الغرب، حديث في سوريا والحديث الآخر في اليمن. يعني باحتمال قوي جداً أن المجتهد لا يبلغ الحديث.

فإذا خالف المجتهد القاطع بعد أن استفرغ وسعه لكن لم يبلغ القاطع، أو بلغه القاطع ولكنه خالفه سهواً ونسياناً، فهذا في هذه الحالة يكون معذوراً المجتهد حتى وإن خالف قاطعاً. فينبغي أن نقيد كلام عبد المؤمن البغدادي: الحق في قول واحد والمخطئ في الفروع ولا قاطع معذور، بل مأجور على اجتهاده، بدلالة النص النبوي أنه إذا أخطأت فلك ثواب واحد.

القول الثاني أيها الأحبة في هذه المسألة قاله بعض المتكلمين، قال بعض المتكلمين كل مجتهد مصيب. هذا الرأي المقابل للرأي الأول؛ الرأي الأول أن المصيب من المجتهدين واحد، والذين لم يصيبوا إذا أخطأوا ولم يخالفوا قاطعاً فهم معذورون بل مأجورون إن شاء الله، وأما إذا خالفوا قاطعاً فعندنا تفصيل كما ذكرته لكم. القول المقابل لهذا القول تماماً هو القول الثاني الذي يرى أن كل مجتهد مصيب. فهذه المسألة التي اختلف فيها الشافعي مع أبي حنيفة مع مالك مع أحمد، وكل إمام له رأي، فالكل مصيب.

هذا الرأي أيها الأحبة في الحقيقة يذهب إلى قضية غريبة، يقول إذا كانت المسألة لا قاطع فيها، لا يوجد دليل معين مطلوب على المجتهدين أن يبحثوا عنه. الآن أصحاب الرأي الأول يا مشايخ اللي يقولون أن المصيب واحد من المجتهدين يقولون عندنا هنا حق، وهذا الحق عليه دليل، وهذا الحق عليه دليل، على المجتهدين أن يبحثوا عن هذا الدليل، فهذا الدليل مطلوب؛ يعني مطلوب الكل يبحث عنه. فعندما يقول الدليل مطلوب، يعني المجتهدون جميعاً مطالبون بالبحث عنه حتى يصلوا إلى الحق. فهناك من يصل إلى هذا الدليل بالتالي يصل إلى الحق، وهناك من يخطئ ولا يصل إلى هذا الدليل، فبالتالي من يخطئ الوصول إلى الدليل لن يصل إلى الحق. هذا الرأي الأول الذي يقول المصيب واحد، في مجتهد سيصل إلى الدليل وبالتالي سيصل للحق، المجتهدون الذين لن يستطيعوا الوصول إلى الدليل لن يصلوا إلى الحق.

القول الثاني الذين يقولون أن كل مجتهد مصيب، هؤلاء ماذا يرون؟ يرون أن الحق أيها الأحبة لا يوجد عليه دليل مطلوب، بل كل إنسان أداه اجتهاده إلى حكم معين، هذا الحكم هو الحق بالنسبة إليه. فأبو حنيفة أداه اجتهاده في المسألة إلى أنها حرام، هذا هو الحق في حق من؟ في حق أبي حنيفة. مالك أداه اجتهاده إلى أن هذه المسألة مكروهة، هذا أيضاً هو الحق ولكن بالنسبة لمن؟ بالنسبة إلى مالك. الشافعي قال مثلاً مباح، حكم هذه المسألة مباح في حق من؟ في حق الشافعي. وأحمد قال واجبة، إذاً هذه المسألة حكمها أنها واجبة في حق من؟ في حق أحمد بن حنبل.

فقلنا لهم هكذا أنتم تتناقضون، كيف تكون المسألة حكمها حرام وواجبة أو حرام ومباح؟ تتناقض، قالوا لا ما في تناقض، ليه؟ لأنه هي حكمها حرام بالنسبة إلى أبي حنيفة فقط، أما بالنسبة إلى الشافعي فحكمها مباح، فالإباحة بالنسبة للشافعي والحرام بالنسبة لأبي حنيفة، فلم يجتمع في موطن واحد فلا تناقض. أقول جميل، انتهيتم من التناقض، لكن برأيكم أيها الأحبة هل هذه الطريقة في فهم الحق طريقة صائبة؟ هل هذه الطريقة في فهم ما هو الحق والصواب هي طريق صحيحة؟ أليس الحق أيها الأحبة عند الله سبحانه وتعالى واحداً؟ بالتأكيد عند الله سبحانه وتعالى ليس حكم هذه المسألة حرام ومكروه ومباح وواجب. نحن لا نريد أن نبحث عن الحق بالنسبة لما عند أبي حنيفة ومالك، بل هؤلاء الأئمة عندما يقومون بالبحث عن حكم المسألة يريدون أن يصلوا إلى الحق عند الله سبحانه وتعالى، لا يريدون أن يصلوا إلى الحق بالنسبة لما عندهم، هم يريدون أن يبحثوا عن الحق بالنسبة إلى الله. فأبو حنيفة بلغه اجتهاده إلى أن...

الحق عند الله في هذه المسألة أنها حرام، والشافعي أداه اجتهاده إلى أن الحق عند الله في هذه المسألة أنها مباح. فعند الله سبحانه لا يمكن أن يكون الجميع حق، لا بد أن المحق واحد. وقضية أنه والله هي حرام بالنسبة لأبي حنيفة ومطلوبة بالنسبة لغيره، هذا لا يهمني أنا كمكلف؛ لأني أنا متعبد لله سبحانه وتعالى وليس لهؤلاء الأئمة. فأنا أريد أن أعرف الحق عند الله.

في الحقيقة هذه الطريقة في التفكير ليست صحيحة، أن نقول والله كل مجتهد مصيب وهو الحق، لا يوجد دليل مطلوب على الأئمة أن يبحثوا عنه، هناك من سيظفر وهناك من سيخطئ، هكذا يقولون الحق، خلاص ما في حق عند الله. هم هؤلاء يقولون ما في حق عند الله سبحانه وتعالى واحد، بل الله يقول للمجتهدين لا يوجد عندي حق واحد، بل كل من أداه اجتهاده إلى شيء فهو الحق بالنسبة له.

وهذا في الحقيقة كلام ليس بصحيح، هناك حق واحد وهناك دليل عليه، هناك من يظفر به من المجتهدين وهناك من تخطئ بوصلته. أما أن نقول على رأي كثير من المتكلمين وبعض المتكلمين أن المسائل الظنية لا يوجد فيها حق عند الله سبحانه، بل الله عز وجل كلف المجتهدين كل واحد يبحث عن الحق، وكل من أداه اجتهاده إلى رأي فهو حق والله سبحانه وتعالى يجعله حقا، هذا في الحقيقة ليس مقبولاً؛ لأنه أولاً يصطدم مع الحديث النبوي: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر». وهذا مخالف لحديث صحيح لا نقاش في صحته.

فالكلام إذاً غير مقبول بهذه المنهجية، أن نقول إنه لا يوجد حق واحد عند الله، بل الله سبحانه وتعالى وكل المجتهدين أن يبحثوا، وكل مجتهد أداه اجتهاده إلى قول فهذا هو الحق بالنسبة لهذا المجتهد فبالتالي الكل مصيب. هذه ليست طريقة صحيحة، بل الصواب أن الحق عند الله واحد، والمجتهدون مكلفون بالوصول إلى دليل هذا الحق. فهناك دليل مطلوب لهذا الحق، هناك من يصيبه فيكون مجتهداً مصيباً، وهناك من يخطئ فيكون مجتهداً مخطئاً، والله تعالى أعلم.

الآن أيها الأحبة قبل أن أذهب، هناك رأي ثابت في الحقيقة لم يذكره عبد المؤمن البغدادي وهو الرأي المشهور عن الحنفية. الحنفية أيها الأحبة يقولون كل مجتهد مصيب، لكن ليس بهذا المعنى الذي يقوله المتكلمون. الحنفية حينما يقولون كل مجتهد مصيب يقولون: لا نقصد بمصيب أنه أصاب الحق، بل المراد أنه مصيب بفعل ما أمره الله به. لكن يمكن أن يكون وصل الحق ويمكن أن يكون أخطأه، فهمت وجهة نظر الحنفية؟

الحنفية يقولون كل مجتهد مصيب، ايش يعني مصيب؟ أي أنه فعل ما أمره الله به من الاجتهاد، فهذا معنى إصابته، وليس بالمعنى أنه أصاب الحق. فكلمة مصيب عند الحنفية حينما يقول وكل مجتهد مصيب ليست كما يقول المتكلمون. المتكلمون حينما يقولون كل مجتهد مصيب ما معناها عندهم؟ لكل مجتهد أصاب الحق كله. الحنفية حينما يقولون كل مجتهد مصيب ليس مرادهم أن كل مجتهد أصاب الحق، بل يقصد المصيب أي أنه فعل الذي أمره الله به وهو الاجتهاد، ثم يمكن أن يكون الاجتهاد وصل إلى الحق ويمكن ألا يكون وصل إلى الحق.

فمعنى الإصابة عند الحنفية ليس بمعنى الإصابة عند المتكلمين، ومعنى الإصابة عند الحنفية نحن نوافق عليه، ما عندنا مشكلة. أنه كل مجتهد مصيب بمعنى أنه فعل ما أمره الله به من الاجتهاد، فإذا فعل شيئاً صواباً؛ قال أبو حنيفة لما اجتهد هل فعل شيئاً صواباً؟ ومحمد لما اجتهد ايش فعل صواب؟ والشافعي وأحمد. إذاً الكل مصيب بمعنى أنه فعل ما يجب عليه. لكن هل هو مصيب بمعنى أصاب الحق؟ هذا عند المتكلمين، لكن عندنا وعند الحنفية لا، هناك شخص أصاب الحق والباقي أخطأه، تمام؟

إذاً هذه في الحقيقة ثلاثة أقوال في المسألة. هناك من يرى أن المصيب واحد، والتعبير بهذا الطريق أسلم. هناك من يرى أن كل مجتهد مصيب، ومعنى أنه مصيب أنه فعل ما أراده الله منه، فهذا إذا فعل الصواب بغض النظر وصل إلى الحق أو لم يصل إليه، وهذا رأي الحنفية ونحن نوافق عليه، ولا خلاف بالتالي بين الحنفية والجمهور، يعني لا خلاف بين كل مجتهد مصيب على رأي الحنفية وبين من يقول إن المصيب واحد بمعنى أن الحق واحد؛ لأنه هذا يتكلم عن شيء وهذا يتكلم عن شيء آخر.

وأما الخلاف مع الذين يقولون كل مجتهد مصيب يعني كل مجتهد أصاب الحق، فلا يوجد حق واحد عند الله بل الحق موزع، فكل مجتهد يصل باجتهاده لرأي فهو حق بالنسبة إليه. إذاً هذه الأقوال في المسألة، لذلك قال عبد المؤمن: والحق في قول واحد، والمخطئ في الفروع لا قاطع معذور مأجور على اجتهاده. وقال بعض المتكلمين كل مجتهد مصيب وليس على الحق دليل مطلوب، ما معنى ليس على الحق دليل مطلوب؟ أنه ما في باختصار حق واحد عليه دليل، المجتهدون يحاولون أن يظفروا بهذا الدليل، لا، الحق بالنسبة إلى كل مجتهد، فكل مجتهد ما أداه إليه اجتهاده هو الحق ولا يوجد حق واحد عليه دليل عليك أن تبحث عنه أيها المجتهد، أنت ما وصل إليه اجتهادك هو الحق. وقال بعضهم واختلف فيه عن أبي حنيفة وأصحابه، يعني أبو حنيفة وأصحابه ايش رأيهم في هذه المسألة؟ في الحقيقة ما تجده في كتب مطولة، أبو حنيفة وأصحابه يقولون كل مجتهد مصيب بالمعنى الصحيح، أنه أصاب أي فعل ما يريده الله سبحانه وتعالى منه، وإن كان البعض يقول لا، رأي أبي حنيفة وأصحابه مثل رأي المتكلمين، فهناك أقوال عديدة نقلت عن الحنفية في هذه المسألة، لكن هذا أعدل الأقوال والله تعالى أعلم.

الآن ننتقل، هذا الكلام أيها الأحبة وكل هذه المسألة لا إشكال في الخلاف فيها، يبقى الخلاف فيها سهل، إذا كنا نتكلم عن فروع الدين؛ عن أحكام شرعية في الصلاة، في الطهارة، في معاملات الأنكحة. فإذا كان الخلاف في الفروع فنوعاً ما نحن في النهاية نقول إن المصيب واقع، لكن رأي المتكلمين لن يحدث شرخاً كبيراً أو مشكلة عظمى في الإسلام، لأنها ستبقى ضمن مسائل الفروع. لكن الآن سينقلنا عبد المؤمن البغدادي إلى الكلام عن هذه المسألة في مسائل أصول الدين، في مسائل الاعتقاد. هل في مسائل الاعتقاد يصلح هذا الخلاف أو يكون الخلاف مقبولاً أن نقول والله هناك من يرى أن المصيب واحد في مسائل الاعتقاد وهناك من يرى أنه كل مجتهد في مسائل الاعتقاد مصيب؟ فبالتالي الأشاعرة مصيبون، وأهل السنة مصيبون، والمعتزلة مصيبون، هل يجوز أن يتبنى هذا الرأي في مسائل الاعتقاد؟

تبني رأي المتكلمين في مسائل الفروع أن يكون المجتهد مصيباً يعني كما يقولون ممكن نتقبل، لكن الكلام الآن ننتقل من الكلام عن فروع الدين إلى الكلام عن أصول الدين. في أصول الدين هل كل مجتهد مصيب؟ على التحقيق والكلام الذي في الحقيقة لا يقبل سوى أن المصيب في مسائل الاعتقاد واحد، والفرق الأخرى المخالفة للصواب هي فرق مبتدعة خالفت طريق أهل السنة والجماعة، ولا يصح في مسائل الاعتقاد أن نقول والله كما قلنا في مسائل الفروع إنه كل مجتهد مصيب. فمعناه أن الذي يثبت الصفات لله مصيب، واللي بينفي الصفات عن الله مصيب، وهذا في الحقيقة قدح في الاعتقاد. كيف تكون كل الاعتقادات صحيحة؟ هذا خدشون في الشرع.

ففي الحقيقة نقول في مسائل الاعتقاد وفي مسائل أصول الدين المصيب واحد قطعا، ومن أخطأ أخطأ. الآن قضية أنه معذور أو غير معذور هذه بحسب حجم المسألة، فإذا كان الشخص خالف في إثبات النبوة للنبي عليه الصلاة والسلام قال والله أنا لم تثبت لي النبوة، هل نقول والله هذا الرجل معذور؟ خلاص كل مجتهد مصيب، هذا المجتهد فظهر له بالاجتهاد أن محمد صلى الله عليه وسلم ليس نبياً أو ثبت له بالاجتهاد عدم وجود يوم آخر؟ نقول أيها الأحبة مسائل الاعتقاد سأقسمها إلى قسمين.

هناك مسائل اعتقاد كلية عظمى مثل الإيمان بوجود الإله، الإيمان بوحدانيته، الإيمان بأسمائه وصفاته العلى، الإيمان بالبعثة والنبوة، الإيمان باليوم الآخر والقضاء والقدر، كليات مسائل الاعتقاد هذه أيها الأحبة أدلتها عقلية فطرية شرعية، فادلتها قاطعة محسومة لا يوجد فيها أصلاً مجال للاجتهاد والنظر، تمام؟ افهموا جيداً ما أقول. مسائل الاعتقاد مسائل أصول الدين، أقسمها إلى قسمين، هناك مسائل كلية: وجود الإله، الأسماء الحسنى والصفات العلى، وحدانية الإله، بعثة الأنبياء، بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، معجزة القرآن، اليوم الآخر، القضاء والقدر، عذاب القبر. هناك مسائل أدلتها قطعية حاسمة دلت عليها الفطرة والعقل أو الشرع، أو دل عليها العقل والشرع قطعاً، أو دل عليها حتى بعض الشرع قطعاً مثل عذاب القبر، الشرع قطعاً دل عليه وإن لم يكن العقل والفطرة تدل عليه.

فباختصار كليات أصول الدين أدلتها قاطعة حاسمة لا مجال للاجتهاد فيها، فإذا جاء شخص وقال أنا أريد أن أجتهد فيها ووصل إلى رأي مخالف لما هو معلوم مؤصل عند أهل السنة والجماعة فنقول له: أنت آثم واجتهادك مردود عليك لا عبرة به، فالصواب هو منهج الإسلام الحنيف، المنهج الحق منهج أهل السنة والجماعة في مسائل الاعتقاد، وما ذهبت إليه وما أذنت به لنفسك من أن تجتهد في مسائل كلية محسومة مقطوع بها، اجتهاد باطل مردود وأنت آثم.

أما في بعض مسائل أصول الدين الفرعية، يعني حتى مسائل أصول الدين فيها بعض القضايا الفرعية التي يوجد فيها خلاف قديم، يعني في إثبات بعض الصفات أو لا، ليس منهج نفي الصفات، الصفات ثابتة، لكن صفة كذا وكذا بحد ذاتها، هل هي ثابتة أو غير ثابتة؟ الله سبحانه نثبت له صفة كذا، بعض الجزئيات اختلف فيها وهي تعتبر بالنسبة لأصول الدين أو فروع الدين من مسائل، لكنها من الجزئيات اليسيرة المحدودة في مسائل الاعتقاد، فهذه قد تقبل الاجتهاد، نعم؛ لأن أدلتها ظنية ليست واضحة، فهذه إذا اجتهد فيها المجتهد فأصاب له أجران، وإذا اجتهد فيها فأخطأ له أجر. فرعيات وجزئيات فعلاً تقبل الاجتهاد في أصول الدين، أما الكليات فهذه أدلتها قطعية محسومة منتهية مثل ما يقولون عندنا، فلا يقبل فيها الاجتهاد.

فمن أذن لنفسه أن يجتهد فاجتهاده باطل مردود عليه وهو آثم، وإذا وصل والعياذ بالله إلى نقض أصل من أصول الدين كفر وخرج عن دينه، يعني الشخص قال بالاجتهاد أنا أقول إنه لا توجد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، نقول له أنت كفرت؛ لأن أدلة بعثة النبي عليه الصلاة والسلام واضحة قطعية جلية متواترة تناقلتها الأمة جيلاً بعد جيل، أنت اخترت منهج الكفرة في إنكار بعثة النبي، أنكر اليوم الآخر، أنكر القضاء والقدر بالكلية، هذا كفر وخروج من الملة. لو قال اجتهدت أنا والله باجتهادي، لماذا لا تحرمنا الاجتهاد؟ نقول هذه ليست مواطن للاجتهاد، هذه أدلتها قطعية دلت عليها الفطرة والعقل والشرع، أو دل عليها الشرع بشكل مستفيض ومتواتر معلوم بالضرورة، فلا مكان لك للاجتهاد فيها، اجتهد فيما يمكن أن تجتهد فيه.

الآن إذا هذا هو التنظير العام، طيب هذا الكلام يا شيخ أنت تتحدث عن أناس في داخل ملة الإسلام أرادوا أن يجتهدوا في أصول الدين، فنقول لهم الكليات لا تقتربوا منها، بعض الجزئيات ما عندك مشكلة فيها. طيب إذا كان الشخص هو أصلاً كافر يعني خارج دائرة الإسلام، يهودي، نصراني، يحاول أن يجتهد ليبحث عن الصواب في الأديان، واحد ملحد، واحد يهودي، واحد نصراني، خارج دائرة الإسلام ابتداءً، هو يحاول أن يبحث حتى يصل إلى الدين الحق، فإذا اجتهد وبذل جهده ووسعه وطاقته فلم يصل إلى تحديد الدين الحق، يعني استفرغ وسعه وطاقته فعجز عن الوصول إلى الحق، هل هو معذور أو ليس معذوراً؟ مسألة خطيرة، أليس كذلك؟ اليهودي، النصراني، إنسان يقول إنسان باحث عن الحق في الأديان بذل كل طاقته للوصول إلى الحق هيك بيصوروها، فعجز عن الوصول إلى الصواب، عجز باختصار عن الوصول إلى دين الإسلام، لم يدخل في الإسلام، عجز عن تحديد الصواب فلم يدخل في الإسلام، هل هو معذور أو ليس معذوراً؟

الآن في الحقيقة أيها الأحبة، لاحظوا ماذا سيقول عبد المؤمن؟ يقول عبد المؤمن الآن نقلاً عن الجاحظ: وزعم الجاحظ، من هو الجاحظ؟ الجاحظ أيها الأحبة هو أبو عثمان عمرو بن بحر، رئيس فرقة من فرق المعتزلة الجاحظية، وهو طبعاً في علم البلاغة أديب بارع متقن، صاحب كتاب الحيوان وصاحب كتاب البيان والتبيين، وصاحب كتب عظيمة جداً في علم البلاغة، فلا أحد ينازع في إمامته في علم البلاغة، لكنه ضال مفسد في علم الاعتقاد، هذه المشكلة، ضال في علم الاعتقاد، فهو رئيس فرقة من فرق المعتزلة ورجل له آثار سيئة في أبواب الاعتقاد، المهم بشكل عام ماذا يقول الجاحظ في هذه المسألة؟ مسألة إذا اجتهد اليهودي أو النصراني أو المخالف للملة في محاولة الوصول إلى الحق فلم يصل إليه، يقول زعم الجاحظ أن مخالف الملة الإسلامية متى عجز عن درك الحق فهو معذور غير آثم.

ما يقوله الجاحظ في المخالف لملة الإسلام متى عجز عن درك الحق؟ يعني هو يهودي أو نصراني أو ملحد يحاول أن يبحث عن الحق، لكنه عجز عن الوصول إلى ملة الإسلام؛ فهو يقول: هو معذور غير آثم.

وقال العنبري، طبعاً عبيد الله بن الحسن العنبري، يقول: كل مجتهد مصيب في أصول الدين وفي فروعه. لن نناقش مسألة الفروع الآن، لكن في أصول الدين يقول العنبري: كل مجتهد مصيب. يقترب العنبري مع رأي الجاحظ في هذه الجزئية؛ أنه أي إنسان يجتهد في البحث في أصول الدين الكلية، إذا أداه اجتهاده إلى شيء فهو الصواب. يعني النصراني إذا أداه اجتهاده للنصرانية فهو الصواب، وهذا أداه اجتهاده لليهودية فهو الصواب، وهذا أداه اجتهاده للإسلام فهو الصواب. يبقى في الحقيقة هذه الأقوال ترسخ فكرة وحدة الأديان؛ أنه في النهاية كله خير وبركة، سواء كنت مسلماً أو نصرانياً أو يهودياً، إذا اجتهدت ووصلت للنصرانية فقد أديت ما عليك، وهذا اجتهد ووصل لليهودية فهذا جهده، وهذا وصل للإسلام، فالكل معذور والكل مصيب.

الآن هذه النظرات وهذه الإطلاقات خطيرة، وهذه الفكرة التي طرحها الجاحظ والعنبري يستفيد منها أعداء الإسلام الآن. ستجد المستشرقين وأعداء الملة ومن يوظفهم الإعلام المعاصر للطعن في الدين يستخدمون هذه الشذوذات التي لا تقبل عندنا ليدعوا أن بعض علماء الإسلام الأقدمين قالوا بوحدة الأديان، وقالوا إن الإسلام والنصرانية واليهودية كلها صواب إذا اجتهد الإنسان. لماذا تحجرون الجنة فقط على المسلمين وتقولون اليهود والنصارى كفار؟ لماذا هذه الكلمة الغريبة؟ ستجدون هذه الدعايات الإعلامية التي تلتقط هذا الكلام الذي يصدر من الجاحظ أو العنبري، مع العلم طبعاً أن العنبري كما يقول الشاطبي في الاعتصام تراجع عن هذا القول، وقال مقولته المشهورة: «لأن أكون ذنباً في الحق خير من أن أكون رأساً في الباطل». أن أكون ذنباً في الحق، يعني تابعاً ولست إماماً، لكني تابع في الحق، خير من أن أكون رأساً في الباطل؛ لأنه لما كان يقول هذه المقولة الباطلة كان رأس الفرقة التي تقول بهذا وينطلق وله أتباع يصفقون له. لكنه قال: أن أتبع الحق وأكون ذنباً وخادماً له، وأخدم أقدام الأئمة الذين قالوا بالحق، أفضل من أن أكون رأس من رؤوس الباطل. هذا التواضع دلالة على نفسية قابلة للرجوع للحق والانقياد له، وليست نفسية متعنتة.

لكن المشكلة الكبرى مع الجاحظ. في الحقيقة كلام الجاحظ أيضاً، لا أريد أن يغلق الطلاب الباب مباشرة ويقولون: كلام الجاحظ وحدة أديان وانتهى الأمر، قبل أن يلتفتوا إلى قضية ويتنبهوا لها. الآن لو عندنا شخص يسكن في غابات أفريقيا البعيدة عن الدين، هذا الشخص لم تقم عليه حجة الإسلام، وهو يحاول البحث عن دين ويحاول البحث عن حقيقة، وصله المبشرون وأصحاب ديانات محرفة لكن لم يصله الإسلام بوجه من الوجوه، وهو عاجز عن البحث، فهو في قارة مقطوعة عن العالم، لا وسائل اتصال ولا قوارب، لم يصله إلا أصحاب التبشير من اليهود أو النصارى ولم يصل إليه الإسلام؛ فبالتالي كما يقول علماء الاعتقاد: لم تقم عليه حجة الإسلام. هذا ما حكمه عند الله؟ عندما نقرأ في كلام أئمتنا نجد أن كثيراً منهم يقول: هذا الشخص الذي فعلاً لم تقم عليه الحجة، ليس معرضاً عنها وليس تقصيراً منه، بل عجز عن الوصول إليها، هذا يسمى من أهل الفترة. وأهل الفترة عند الله سبحانه وتعالى يختبرون يوم القيامة اختباراً خاصاً بهم، وهو الذي يكون سبباً في دخولهم الجنة أو النار، فلا نحكم عليهم بجنة ولا نار في الدنيا لأنهم لم تقم عليهم الحجة، فهم من هذه النظرة معذورون في الحياة الدنيا.

أما إذا شخص قامت عليه حجة الإسلام، وصله القرآن، لا أريد أن أعمم، لكن ما معنى قيام الحجة؟ قد يصل الإسلام مشوهاً، ومثلما يحدث الآن في الغرب أن الإنسان لا يصل إليه الإسلام إلا مشوهاً كأنه دين إرهابي يسفك الدماء ويضطهد النساء، ولا يوجد فيه أي تعاليم راقية خلوقة. إذاً ما معنى بلوغ الحجة؟ سأقاعد قاعدة: إذا شخص قامت عليه الحجة بغض النظر عن طريقة قيامها، ثم بعد ذلك خالفها بعد أن قامت عليه وادعى أنه لم يقتنع، فهذا لا ينازع مسلم في أنه كافر. من بلغه الإسلام وقامت عليه الحجة إذا خالف وادعى أنه لم يقتنع أو عجز عن الوصول للحق بعد أن بلغه، فهذا لا يُقبل منه؛ لماذا؟ لأن حجة الإسلام واضحة جلية بينة، لا يمكن لإنسان أن يدعي عدم وضوحها. الله عز وجل عندما أنزل الإسلام لم ينزله بمسائل عويصة، ولم ينزل أفكاره الأساسية مخالفة للفطر بحيث يحتاج الوصول إليها إلى جهد عظيم وسعة، بل مسائل يدركها الإنسان بفطرته؛ وجود الصانع، وبعثة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن هذا القرآن من عند إله، لا يحتاج إلى جهد كبير جداً، بل الإنسان إذا نظر في أحكام الإسلام وتعاليمه وما حدث عبر التاريخ وما وصل إليه، يدرك وجود الإله، وهذه قضية محسومة فطراً وعقلاً وشرعاً. الشريعة الإسلامية جاءت بالتيسير، فمن قامت عليه الحجة وبلغه الإسلام بالشكل الصحيح ثم أعرض عنه أو لم يفكر به أو اشتغل في دنياه أو زعم أنه لم يفهمه، فإذا وصلتك حجة الإسلام بالشكل الصحيح فخالفتها فأنت كافر مخلد في نار جهنم إذا لم تسلم قبل موتك، انتهى الأمر. فلا يوجد عندنا اجتهاد في البحث عن الإسلام إذا قامت عليك الحجة.

أما ما معنى قيام الحجة؟ هنا سنذهب إلى مسائل الاعتقاد؛ هناك طريقة النجديين في إقامة الحجة، وهناك طريقة ابن تيمية وابن القيم التي تختلف مع طريقة ابن حزم في فهم ما معنى إقامة الحجة، والغزالي له فهم آخر. لا أريد أن أقحم نفسي الآن في هذه المسائل، لكن الفكرة العامة هي أنه إذا قامت الحجة على الشخص فلا يقبل منه الاجتهاد، فإذا خالف الإسلام فهو كافر مخلد في نار جهنم. وإذا لم تقم عليه الحجة ولم تصل إليه فعلاً لعجز تام عن الوصول إليها، فهذا معذور في الحياة الدنيا ومن أهل الفترة عند الله سبحانه وتعالى. لذلك لا تستغربوا حينما تقرأوا أن الطوفي في شرحه على مختصر الروضة يقول: الجمهور على خلاف الجاحظ، والعقل مائل إلى مذهبه. الطوفي إمام كبير من أئمة المسلمين، وإن كان ينقل الإجماع على خلاف كلام الجاحظ؛ فأظن أن الطوفي يريد أن يفرق بين شخصين: شخص لم تبلغه الحجة ولم يستطع أن يصل إليها، وشخص بلغته الحجة. من قامت عليه الحجة لا يعذر بوجه من الوجوه، انتهى الأمر. أما شخص لم يصله الإسلام بوجه من الوجوه وعجز، فهذا معذور في الحياة الدنيا، ولا تستغرب هذا القول فهو طريقة أهل السنة والجماعة في أكثرهم.

وأما إذا كان الجاحظ يقصد أنه معذور دائماً، قامت عليه الحجة أو لم تقم، فمات نصرانياً وهو معذور؛ لا، هذا كلام مخالف للإجماع ويُخشى على صاحبه. أما العنبري، فقد قال: كل مجتهد مصيب في الأصول والفروع. لا في الفروع، قلنا ما عندنا مشكلة، قولوا كما تشاؤون، لكن في الأصول إذا كنت أيها العنبري تقصد ما يقصده الجاحظ، وكنت تقصد أن كل مجتهد مصيب في الأصول حتى من قامت عليه الحجة، فلا، هذا كلام خاطئ مخالف لما عليه إجماع الأمة. فهناك تفصيل بين من قامت عليه الحجة ومن لم تقم عليه.

فإن أراد العنبري أنه أتى بما أمر به، فهو كقول الجاحظ، وإن أراد في نفس الأمر لزم التناقض. أي أن العنبري لما قال المجتهد في الأصول والفروع كله مصيب، إن أراد أن مصيب أي فعل ما أُمر به، مثل معنى الإصابة عند الحنفية في الفروع، إذاً فكلامه ككلام الجاحظ بالضبط. الجاحظ يقول: المخالف للملة إذا عجز عن درك الحق فهو معذور غير آثم؛ هو لم يقل "مصيب" بل قال "معذور". فإذا قصد العنبري أن المجتهد في الأصول "مصيب" بمعنى أنه فعل ما أُمر به في الاجتهاد مع عجزه عن الوصول للحق، فنحن نعامله معاملة الجاحظ، ونقول: هل قصدك إذا قامت عليه الحجة وما وصل للحق هو معذور؟ لا. وإن كان قصدك أنه لم تقم عليه الحجة فسعى ولم يصل إليه شعاع من الإسلام، فهو معذور بهذا المعنى، وهذا نقبله. وأما إذا كان العنبري يقصد بقوله "كل مجتهد مصيب في الأصول" أنه أصاب الحق الواقعي، أي أن اليهودي أصاب الحق، والنصراني أصاب الحق، والمسلم أصاب الحق، فهذا يلزم منه تناقض؛ إذ كيف يكون الجميع أصابوا الحق في الاعتقاد؟ فهذا غير مقبول.

فإن أراد أنه أتى بما أُمر به فهو كقول الجاحظ، فالحق واحد لكن الإصابة في أنه فعل ما أُمر به من الاجتهاد، وإن أراد في نفس الأمر أنه أصاب الحق الواقعي، فهذا تناقض.

انتهينا من هذه المسألة، ننتقل للكلام عن المسألة التي تليها. قال: فإن تعارض عنده دليلان واستويا توقف. يعني مسألة جديدة؛ هذه المسألة في الحقيقة درست في المحاضرة السابقة، لذلك أعلق كلاماً قليلاً جداً عليها. قال: إذا تعارض عنده دليلان مستويان توقف ولم يحكم بواحد منهما. تذكروا متى يتوقف المجتهد؟ في المحاضرة السابقة قلنا: إذا تعارض قطعي مع قطعي نحاول أن نجمع ما استطعنا، وننسخ، فإن لم نستطع نذهب إلى التوقف، نبحث عن المسألة في مكان آخر. وفي الأدلة الظنية قلنا: نجمع، ننسخ، فإن لم نستطع نرجح. فإن لم نستطع ترجيحاً، هناك من يقول بالتوقف، وهناك من يقول بالتخيير، فافعل ما تشاء واعمل به. وهناك من يقول بالتوقف في الظنيات.

هنا طبعاً عبد المؤمن لم يسمح الخلاف على المغنيات ولا قطعيات، أعطاك خلافاً عاماً؛ أنه إذا تعارض دليلان ولم نستطع أن نجمع ولم نستطع أن ننسخ، فماذا نفعل في القطعيات؟ طبعاً ما في ترجيح، قال: توقف ولم يحكم بواحد منهما. وقال بعض الحنفية والشافعية: تتخير. بس في الحقيقة كما أنتم تلاحظوا أنه هو يجمع الكلام في القطعيات والظنيات، إحنا قلنا في القطعيات يتوقف، لكن إذا كان تعارض في الظنيات هنا البعض قال يتوقف والبعض قال يتخير.

فاجعلوني أعتبر كلام عبد المؤمن الآن في الظنية؛ خلونا أنه في الظنيات. فإذا تعارض دليل ظني مع دليل آخر، أو قطعي مع ظني -قطعي مع ظني برضه خلينا أبعد عنه-، وفي ترجيح ذكرنا أربع صور من صور التعارض القطعي مع الظني، وفي صور فيها ترجيح. بشكل عام متى استطعنا، لم نستطع أن نجمع ولم نستطع أن ننسخ ولم نستطع أن نرجح بين الظنيات، فماذا نفعل؟ هناك من قال التخيير خذ أيّهما تشاء واعمل به، وهناك من قال: لا، توقف وابحث عن الحكم في مكان آخر. أما إذا كان تعارض قطعيات، قطعي الثبوت قطعي الدلالة، فالأظهر هو التوقف، وأما قضية التخيير فهذه غير مقبولة عند جماهير الأصوليين.

إذا قال عبد المؤمن: إذا تعارض عنده دليلان مستويان توقف ولم يحكم بواحد منهما، وقال بعض الحنفية والشافعية: تخير. اجعلوا هذا الخلاف إذا تعارض دليلان ظنيان. اكتبوا هكذا حتى يتناسق مع ما تكلمنا عنه في المحاضرة، اكتبوا: إذا تعارض دليلان ظنيان واستويا، توقف ولم يحكم بواحد منهما، هذا رأي، وقال بعض الحنفية والشافعية: تخير، هذا رأي آخر.

هل هناك رأي ثالث؟ يقول عبد المؤمن: وليس له أن يقول فيه قولان حكاية عن نفسه في حالة واحدة، ممن حكي ذلك عن الشافعي. هناك من يقول: أيها الأحبة لا، هناك شيء غير التوقف والتخيير؛ هناك مذهب ثالث، ايش هو؟ أنه المجتهد الآن كما قلنا حاول يجمع ما استطاع، حاول ينسخ ما استطاع، حاول يرجح ولم يستطع، الآن ايش بعمل؟ بقول إنه هذه المسألة فيها قولان عندي؛ أنها حرام وأنها مباحة. الآن عبد المؤمن يقول: هذا خطأ، ما بصير يقول المجتهد ذلك، قال: وليس له أن يقول فيه قولان حكاية عن نفسه في حالة واحدة. ما بصير في حالة واحدة في وقت واحد المجتهد يقول إنه هاي المسألة عندي فيها قولان حرام. قال: لأن هذا فيه اجتماع نقيضين في هذه الحالة. كيف تقول أنت إنه هذه المسألة حكمها عندك في حال واحدة أنها حرام وأنها مباحة؟ اجتمع نقيضان، أليس كذلك؟

فقال عبد المؤمن: وليس له أن يحكي عن نفسه في حالة واحدة قولين فيقول المجتهد: والله هذه حلال وحرام عندي، ما بنفع، لأن هذا تناقض. قال: وإن حكي ذلك عن الشافعي. الشافعي ورد عنه أنه قال: وفي هذه المسألة قولان، أنها حرام وأنها مباحة أو مكروه. ورد عنه ذلك، في الحقيقة الشافعي ليس متناقضاً، إمام كبير. طيب كيف يقول في حال واحدة في مجلس واحد يفتي للناس يقول هذه المسألة فيها قولان ولا يجزم بقول؟ نقول الشافعي نظر في هذه المسألة، حاول يجمع ما وجد جمعاً، ما وجد نسخاً، لم يجد ترجيحاً، فقال فيها قولان، هو يريد أنه متردد بين القولين، أنه يريد أن يقول لم يظهر لي شيء، فتحتمل أن تكون حراماً وتحتمل أن تكون مباحةً، ولا يريد أن يكذب. هل هناك مشكلة في ذلك؟ لا مشكلة في ذلك.

ففي الحقيقة هكذا إطلاق عبد المؤمن البغدادي أنه ليس له أن يقول في حال واحدة إن لي قولين في هذه المسألة، هكذا على إطلاقها غير مقبول. نقول: إن كان يريد بقوله أن هناك قولين في هذه المسألة عنده أنه متردد بين قولين، فهذا لا مشكل فيه واستخدمه الشافعي. أما إن أراد لا هو لا يريد يتردد، هو يقول: أنا عندي في هذه المسألة عندي قولان في حال واحدة في وقت واحد، أرى أنها حرام وأرى أنها مباحة من دون تردد، لا أقصد أني متردد بينهما، في هذه الحالة نقول: هذا تناقض. كيف أنت بتقول والله عندك المسألة في وقت واحد في حالة واحدة حرام وحلال؟ ما بنفع. لكن مثل الشافعي على وجه التردد هذا ما في مشكلة، والشافعي يقول: هذا اجتهاد؛ وصلت إلى أن هذه المسألة تحتمل كذا وتحتمل كذا. فقول عبد المؤمن: وإن حكي ذلك عن الشافعي لا نقبله، لا؛ إذا حكي يعني من استخدم منهج الشافعي أن ينسب إلى نفسه قولين متردداً بينهما، فلا إشكال فيه. المشكلة تكون إذا كان يجزم بهما وليس تردداً، أن هذا فيه اجتماع متناقضين.

ثم قال: وإذا اجتهد فغلب على ظنه الحكم لم يجز التقليد. الآن مسألة جديدة؛ المجتهد هل يجوز له أن يقلد مجتهداً آخر؟ انظروا ماذا قال: إذا اجتهد مجتهد في مسألة فغلب على ظنه الحكم، أن الحكم فيها كذا، لا يجوز له أن يقلد غيره. قال: وإنما الذي يقلد غيره هو العامي، ومن لا يتمكن من الاجتهاد في بعض المسائل فعامي فيها. يعني الشخص الذي يجوز له أن يتجزأ في الاجتهاد؛ يتقن في باب الصيام، فلم يستطع أن يجتهد هو في المسائل التي لا يفسد الاجتهاد فيها، يعتبر مثله مثل العامي، فيقلد فيها المجتهدين. لذلك قال: ومن لا يتمكن من الاجتهاد في بعض المسائل، يعني هو يتمكن من الاجتهاد في بعضها ولا يتمكن في بعضها الآخر، ففي هذا البعض الذي لا يتقنه هو عامي، نعم له أن يقلد الأئمة المجتهدين.

إذا اجتهد فغلب على ظنه الحكم لم يجز التقليد، وإنما يقلد العامي، ومن لا يتمكن من الاجتهاد في بعض المسائل فعامي فيها. طيب إذا هو كان في ضيق بين الوقت، ما استطاع هو لا يستطيع يجتهد في كل المسائل، هو مجتهد عام، ولكن وقع في ضيق ويريد فتوى الآن الآن وما عنده مجال للاجتهاد، هل يجوز له في هذه الحالة الضيقة أن يقلد غيره؟ وإذا عنده قدرات الاجتهاد في جميع المسائل لكنه وقع في مأزق ما وقت كثير ليجتهد، مضطر أنه يأخذ قول مجتهد آخر يقلد فيه، هل له ذلك؟ هنا تبدأ أنظار الأصوليين. البعض يقول: له ذلك، لأنه الآن هو في وقت ضيق ويحتاج إلى فتوى سريعة. البعض يقول: لا، بما أنه عنده آلات الاجتهاد ما يستعجل، يستنى ويحاول أن يبحث عن رأي ولو بشكل سليم؛ هذه أنظار مختلفة.

قال: والمجتهد المطلق هو الذي صارت له العلوم حاصلة بالقوة القريبة من الفعل، من غير حاجة إلى تعب كثير.

سامحوني صاروا موعودين شوي بهذا الدرس اليوم، لكن ينبغي أن يختم الكتاب اليوم بإذن الله. مراتب المجتهدين سريعاً؛ أعلى مراتب المجتهدين عندنا المجتهد المطلق، ثم بعد ذلك المجتهد المنتسب، ثم المجتهد المقيد، ثم مجتهد الترجيح، ثم مجتهد الفتيا. مراتب المجتهدين عندنا في الشريعة خمسة يا مشايخ، هذا ترتيبها من الأقوى إلى الأدنى.

المجتهد المطلق، باختصار أيها الأحبة، هم الأئمة الذين استطاعوا أن يستنبطوا مصادر التشريع وقواعد هذه المصادر ويضعوها لنا. إذاً المجتهد المطلق هم الأئمة الذين استطاعوا أن يحددوا ما هي مصادر التشريع وما هي قواعد هذه المصادر، ثم بدأوا يفتون بناءً عليها. إذاً هؤلاء هم من حددوا مصادر التشريع المقبولة، ووضعوا قواعدها وبنوا عليها، فأسسوا مذاهب لهم، وأشهرهم الأئمة الأربعة: أبو حنيفة، مالك، الشافعي، أحمد، وأصحاب المذاهب المندرسة أيضاً، مثل الأوزاعي، والليث بن سعد، وكذلك الظاهرية، داود الظاهري. ابن حزم شيلوا لي إياه، ما بدي أعده مع المطلق، بدي أعده مع المنتسب لأنه ينتسب إلى مدرسة داود الظاهري.

فإذاً المجتهد المطلق من هو؟ هو الذي استطاع أن يحدد مصادر التشريع بنفسه من خلال النظر في الشريعة وفي نصوصها، فبالتالي هو متبحر في الكتاب والسنة وفي آثار الصحابة، حتى استطاع أنه يستخلص مصادر التشريع ويضبطها واستطاع قواعدها، ثم أفتى بناءً على هذه القواعد التي وضعها وأصبح له مذهب وطلبة، فهؤلاء هم المجتهدون المطلقون.

المجتهد المنتسب، هو مجتهد عنده القدرة على أن يستنبط مصادر التشريع بنفسه، وعنده القدرة على أن يضع قواعد هذه المصادر، وله القدرة أن يؤسس مذهباً لكنه لم يفعل ذلك، بل اختار لنفسه أن تحت مظلة مذهب من المذاهب المتبوعة. هذا اسمه المجتهد المنتسب، هو مجتهد قريب من المطلق لأنه عنده قدرة على أن يستنبط مصادر التشريع وأن يضع قواعدها ويفتي بناءً عليها ويخرج عليها ويؤسس مذهباً، عنده قدرة، لكنه رضي لنفسه أن يتبع مذهباً من المذاهب حتى لا يكثر الخلاف في الأمة. فهذا يسمى مجتهداً منتسباً إلى مذهب معين. وأمثلة هؤلاء: ابن حزم الظاهري، أبو يوسف، محمد بن الحسن الشيباني من أصحاب أبي حنيفة، مثلاً عند الحنابلة ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه، فهؤلاء مجتهدون منتسبون لهم القدرة على استنباط مصادر التشريع وتقعيدها لكنهم بقوا تحت مظلة مذاهبهم.

المجتهد المقيد، هو شخص ما عنده القدرة على استنباط مصادر التشريع بنفسه ووضع قواعدها بنفسه، بل هو يأخذها من الإمام من المجتهد المطلق الذي يتبعه، لكنه يفهم أدلة إمامه بالضبط، يفهم ماذا جعل إمامه هذه مصادر للتشريع، يفهم أدلة الإمام على قواعده الأصولية، ثم يفهم المسائل التي أفتى بها الإمام وعللها، ويستطيع بالتالي أن يخرج المسائل المعاصرة التي لم يفت بها الإمام على قواعد الإمام، فهو إذاً مجتهد مقيد بمذهب. وهذا في كثير من المذاهب، متقدمي طلبة الشافعي، متقدمي طلبة أحمد بن حنبل، متقدمي طلبة أبي حنيفة، هؤلاء كلهم في مرتبة المجتهد المقيد.

مجتهد الترجيح، هذا أضعف من المجتهد المقيد، ما عنده، هو يفهم أصول المذهب ويفهم قواعد الاستدلال بالمذهب، لكنه لا يوجد عنده تبحر وملكات استنباطية يستطيع أن يخرج فيها المسائل المستجدة على أقوال الإمام. هو يفهم مصادر التشريع في المذهب، يفهم قواعد المذهب التي رسخها الإمام، ويحفظ مسائل الإمام وفتاوى الإمام، لكن لا توجد عنده القدرات الاستنباطية العالية لأن يخرج مسائل معاصرة مستجدة على أقوال إمامه، فهو يقتصر على المقيد لكن مجتهد الترجيح لا يستطيع. طب ليش سمي مجتهد ترجيح؟ لأنه قوي في الترجيح، يستطيع أن يرجح بين أقوال الإمام، مثلاً الإمام ورد عنده في هذه المسألة ثلاثة أقوال أربعة، خصوصاً عند الحنابلة عندنا ما شاء الله مسألة فيها خمسة ستة أقوال، مجتهد له من قوته العلمية يستطيع أن يرجح بين هذه الأقوال ويختار الصواب منهم والأوفق على قواعد المذهب. فمجتهد الترجيح إذاً يعرف أصول المذهب وقواعد مذهبه، ويعرف المسائل ويحفظها، ويعرف أقوال الإمام ومتبحر فيها، لكن لا يوجد عنده قدرات استنباطية عالية لتخريج المسائل على أصول الإمام، فهو يقتصر على الترجيح بين أقوال الإمام.

مجتهد الفتيا، هذا أضعف الأنواع، وهذا النوع أيها الأحبة نحن نطمح أن نصل إليه، على طريقة الأصوليين لا تفكر أنه أقل أنواع المجتهدين، يعني دكاترة الجامعة، مجتهد الفتيا هذا أيها الأحبة يعرف أصول المذهب، ويحفظ فتاوى الإمام، ويعرف أدلة الفتاوى، يفهم المذهب فهماً كاملاً تاماً، لكن قدراته الاستنباطية ضعيفة، فليس له قدرة على التخريج على أصول الإمام، وليس له أيضاً قدرة قوية على الترجيح بين روايات الإمام. يمارس هذه المهام الترجيح والتخريج لكن بوجه قليل جداً جداً، والأغلب في عمله أنه للفتيا مباشرة، يقول: والله المعتمد في مذهبنا كذا وكذا، والدليل كذا وكذا، نقطة. المعتمد في مذهبنا كذا وكذا، ممارسة عملية الترجيح محدودة وعملية التخريج...

محدودة جداً، فهذا أضعف الأنواع وهذا ما نبحث عنه. نبحث عن أشخاص يربطون مذاهب الأئمة، نريد حملة يحفظون مذهب الأئمة؛ نريد شافعياً يحفظ مذهب الإمام الشافعي، ونريد مالكياً يحفظ مذهب الإمام مالك، ونريد حنفياً يحفظ مذهب الإمام أبي حنيفة. نحن نبحث عنهم، فطالب العلم الآن لا يربط مختصراً صغيراً في مذهب، فضلاً عن أن يعرف أدلة المذهب وأصول المذهب وقواعد المذهب إلى آخره. إذا حفظ مذهب قصير يعتبر نفسه إماماً من أئمة المذهب، وهو لا يعتبر مقلداً للمذهب، فعليكم أن تنتبهوا أيها الأحبة إلى هذه المراتب.

إذاً، هذا سريع لمراتب المجتهدين. عبد المؤمن تكلم فقط عن المجتهد المطلق، فقال: المجتهد المطلق هو الذي صارت له العلوم حاصلة بالقوة القريبة من الفعل من غير حاجة إلى تعب كبير، حتى إذا نظر في مسألة استقل بها ولم يحتج إلى غيره، فهذا قال أصحابنا لا يقلد مع ضيق الوقت ولا سعته، ولا يفتي بما لم ينظر فيه إلا حكاية عن غيره. الآن المطلق عرفه بطريقة تخالف الطريق التي اعتبرتها؛ أنا اعتبرت المجتهد المطلق بطريقة أوضح بالنسبة لي وبالنسبة لكم فيما أظن، أن المجتهد المطلق هو الذي خرج مصادر التشريع بنفسه ووضع قواعدها بنفسه، ويستطيع أن يخرج على هذه القواعد التي وضعها ما تشاء. فهذا بعد قوله إن العلوم حاصلة له بالقوة القريبة، أنه هذا المجتهد المطلق كالإمام أحمد، قد تكون المسألة الشرعية الآن حكمها ليس معلوماً عنده، لكنها حاصلة بالملكة القريبة؛ هي قريبة في متناول يده، بمجرد أن ينظر فيها ويطبقها على قواعده يجد لك حكمها في العادة. أبو حنيفة أكيد في مسائل لم يسأل عنها، لكن نقول أبو حنيفة يعلم هذه المسائل جميعها بالقوة القريبة وإن لم يسأل عنها. أيش يعني بالقوة القريبة؟ يعني هو قادر على أن يتناولها متى شاء من خلال تفريغها ضمن القواعد التي وضعها. فالمجتهد المطلق قدرته عالية جداً، والمسائل الشرعية حاصلة له بالقوة القريبة؛ هناك مسائل شرعية هو يعلم حكمها الآن فهذه حاصلة له بالفعل، وهناك مسائل لم يفتِ بها الآن لكنها حاصلة له بالقوة القريبة، لأنه عنده ملكة وقدرة على تناولها بأدنى نظر وتطبيقها على قواعدها فيعرف حكمها.

بالتالي هذا المجتهد المطلق مستعد للفتوى في جميع المسائل، طبعاً في النهاية الكل بشر، سيصلون إلى مرحلة يقولون في بعض المسائل: الله أعلم، وهذا فعله كل الأئمة. لكن الكلام عن الأغلب العام أن المسائل إما حاصلة لهم بالفعل، وإما حاصلة للمجتهد المطلق بالقوة القريبة يستطيع أن يتناولها ويفرغها على قواعده متى شاء من غير حاجة إلى تعب كبير. قال: حتى إذا نظر في مسألة استقل بها، يعني هو يستطيع أن يستقل بنفسه في النظر في المسألة لا يحتاج إلى مساعدة غيره. الآن هذا النوع هو المجتهد المطلق، يقول الحنابلة: هذا ليس له أن يقلد حتى مع ضيق الوقت، مش قلنا قبل قليل إن المجتهد يمكن أحياناً يضيق عليه الوقت فيضطر أنه يأخذ قولاً من غيره؟ فالحنابلة يرون أن المجتهد المطلق لا يقلد حتى مع ضيق الوقت، فقال: لا يقلد مع ضيق الوقت ولا سعته، ولا يفتي بما لم ينظر فيه أبداً إلا حكاية عن غيره. يعني يجوز له أن يحكي، لا يفتي بما لم يجتهد فيه، لكن له أن ينقل الكلام عن غيره، مثلاً هل يجوز لأحمد أن يقول: أبو حنيفة يرى في هذه المسألة الإباحة؟ هذه لا تسمى فتوى عند الأقدام، هذا الذي يسمى نقلاً قوياً. الفتوى أن تفتي باجتهادك، أما أن تنقل المذاهب عن غيرك فيجوز للمجتهد أن ينقل مذهب غيره.

قال: فإن نص في مسألة على حكم وعلله؛ مثلاً أحمد بن حنبل قال: هذه المسألة حكمها حرام، وعلتها كذا وكذا، فمذهبه في كل ما وجدت فيه تلك العلة كذلك. إذاً القياس لا يطبق فقط مع الأصول الثابتة في نصوص الكتاب والسنة والإجماع، بل هناك قياس يطبق أيضاً داخل المذاهب. فهم يقولون: نصوص أئمة المذهب تُعامل مثل نصوص الأحاديث النبوية. كيف ذلك؟ إذا تكلم الإمام بنص قال: هذه المسألة حكمها حرام، وذكر العلة، فيستطيع المجتهد المنتسب والمجتهد المقيد أن يأتي لهذه المسألة النازلة التي لم يفتِ بها الإمام ويخرجها على أصول الإمام بأن يقيسها على مسألة تكلم بها الإمام ويجعل الجامع بين المسألة الجديدة والمسألة التي تكلم عنها الإمام العلة التي نص عليها الإمام. فهذا قياس ضمن دائرة المذهب، لذلك قال: فإن نص إمام المذهب المجتهد المطلق في مسألة على حكم وعلله، المجتهد المقيد والمنتسب يستطيع أن يخرج على أصول المذهب ويلحق بفتوى الإمام المسائل المعاصرة، كيف؟ يقيس المسألة المعاصرة على المسألة التي أفتى بها الإمام بجامع وجود العلة فيها. فهذا قياس والأصل فيه مذهب ونص الإمام، وليس الأصل فيه نص من القرآن أو السنة؛ عادة القياس يكون الأصل فيه من القرآن أو السنة، لكن هذا قياس داخل المذاهب وهذا جائز. لذلك قال: فإن نص في مسألة على حكم وعلله فمذهبه في كل ما وجدت فيه تلك العلة كذلك. هل له أن يقول في هذه المسألة المعاصرة إن المذهب فيها للإمام كذا وكذا مع أن الإمام ما تكلم فيها أصلاً؟ قالوا: يجوز، لأنه قاسها على أصل علله الإمام، فتنسب هذه الفتوى المخرجة إلى الإمام، وتنسب للمذهب.

فإن لم يعلل، قال: فإن لم يعلل لم يخرج إلى ما أشبهها ولا يجوز القياس. إذا الإمام ذكر حكم مسألة ولم يعلل لا يجوز أن نقيس على مسألة الإمام، هذا رأي عبد المؤمن البغدادي، والواقع العملي عند الحنابلة ليس معه؛ في الحقيقة نجد الحنابلة إذا وجدوا الإمام أحمد بن حنبل نص على مسألة يحاولون هم استنباط العلة ثم يقيسون عليها ويخرجون عليها. كيف نحن في القياس الأصولي عندنا قياس منصوص على علته وقياس مستنبط العلة؟ كذلك ضمن دائرة المذاهب، هناك قياس مذهبي منصوص على علته، وقياس مذهبي مستنبط العلة، طبعاً القياس المنصوص على علته أقوى من التخريج الذي يكون على علة مستنبطة ولم ينص عليها الإمام. قال: وكذلك لا ينقل حكمه في مسألتين متشابهتين كل واحدة إلى الأخرى. ما معنى ذلك بالتطبيق؟ الإمام أحمد بن حنبل أفتى في مسألة بأنها حرام، وأفتى في مسألة بأنها جائزة، والمسألتان متشابهتان، هل يجوز أن نقول إذاً للإمام أحمد قولان ونخرج فتواه في كل مسألة عن المسألة الأخرى؟ الإمام أحمد يقول: من لم يجد إلا ثوباً نجساً فصلى فيه عليه أن يعيد، ولكن قال: من حبس في موضع نجس فصلى فيه لا يعيد. لاحظوا هناك تشابه؛ اشتراط طهارة الثوب وطهارة المكان هذه من شروط الصلاة، ففي تشابه بين المسألتين لكن في المسألة الأولى قال يعيد، وفي مسألة المكان قال لا يعيد.

هل يجوز أن نقول إنه في مسألة الثوب هناك قول آخر للإمام بأنه لا يعيد؟ من أين أتيتم به؟ نقول: نخرجه من المسألة الأخرى الشبيهة لها، ونأتي للمسألة الأخرى التي قال فيها لا يعيد، فنقول: هناك قول مخرج للإمام وإن لم ينص عليه بأنه يعيد، أخذناه من نظيرة مسألة الثوب. فهذا يسمى أن ينقل حكمه في مسألتين متشابهتين كل واحدة إلى الأخرى، فيصبح في المسألة عندنا قولان للإمام: قول نص عليه، وقول آخر لم ينص عليه لكنه مخرج على قواعد مذهبه. عبد المؤمن قال: لا ينقل حكمه في مسألتين متشابهتين كل واحدة إلى الأخرى. طبعاً هنا أيها الأحبة أنا أختصر كثيراً، عودوا إلى مطلع شرحي على أخصر المختصرات، ففي الدروس تكلمت بإنبساط عن مسائل التخريج وكيفية طرق التخريج في مذهب الحنابلة، وقررت أنه حتى هذه المسألة الأكثر يجوزها، وإن كان ابن تيمية وعبد المؤمن البغدادي وطائفة كبيرة لا يجوزون فعلاً، لكن كثيراً من الحنابلة يجوزون مسألة التخريج ويبنون عليها كما فعل صاحب المحرر وغيره، فمسائل التخريج في مذهب الحنابلة فيها نوع من الانبساط.

المهم قال: فإذا اختلف حكمه في مسألة واحدة وجب التاريخ؛ فمذهبه الأشبههما بأصوله وأقواهما. الآن عندنا مسألة واحدة الإمام أفتى فيها برأي ووجدنا له فتوى أخرى فيها، إن اختلف حكمه في مسألة واحدة، قال في وقت حرام، وقال في وقت آخر إنها مباح، لا نعرف المتقدم من المتأخر، فالمذهب عند الأصحاب هو الأشبه بقواعد الإمام وأصوله. يبدأ المجتهد أو المنتسب أو حتى المرجح ينظر: أي الحكمين أقرب إلى قواعد الإمام وأصوله؟ فإذاً هذه مذهب الإمام. لكن إذا عُلم التاريخ والوقت، عرفنا أن هذه الفتوى أفتى بها الإمام في زمن كذا، وتلك الفتوى متأخرة المخالفة لها، قال: وإلا فالثانية، وإلا إذا علمنا تاريخ الفتويين وعرفنا المتقدم من المتأخر، فالثانية زمنياً تنسخ المتقدمة، لاحظوا نفس القواعد التي نتعامل فيها مع النصوص الشرعية نتعامل فيها مع الإمام. قال: استحالة بين فتويين متداخلتين. وقال بعض أصحابنا: والأول؛ بعض الحنابلة قال: لا، حتى لو علمنا التاريخ لا نقول الثانية تنسخ الأولى، بما أن الإمام ما أبطل الأولى نقول الإمام له قولان في المسألة، قول أول كذا وقول ثاني كذا، وليس لنا أن نقول إن الثانية ناسخة للأولى كما نفعل في النصوص الشرعية. هكذا نقول: انتهينا من مسائل الاجتهاد، ثم ننتقل الآن إلى مسائل يسيرة لن أطيل عليكم فيها بإذن الله.

ننتقل الآن أيها الأحبة إلى مسائل التقليد، التقليد مقابل الاجتهاد. الاجتهاد يوجد عندنا شخص مؤهل، توفرت فيه شروط معينة، يستفرغ وسعه للوصول إلى الحكم الشرعي. إذا كان الشخص الذي بين أيدينا ليس مؤهلاً للبحث عن الحكم الشرعي فهذا يحرم عليه كما قلنا أن يمارس عملية الاجتهاد، ويسمى حينئذ مقلداً، عليه أن يقلد المجتهد في الحكم الشرعي الذي توصل إليه؛ فالمجتهد يصل إلى الحكم الشرعي ثم يخبر المقلد حتى يفعله المقلد. ما معنى التقليد لغة واصطلاحاً؟ هذا ما سيشرع فيه عبد المؤمن. قال: التقليد لغة هو وضع الشيء في العنق محيطاً به، أنا عندما أقول: قلدتك القلادة؛ قلدته القلادة أي وضعناها في عنقه، فالتقليد إذاً في اللغة وضع الشيء في العنق محيطاً به، ومنه القلادة لأنها توضع وتقلد في العنق. ثم استعمل بعد ذلك في تفويض الأمر إلى الغير، حتى لغةً معناه اللغوي أصالةً وضع شيء في العنق، ثم استخدم بعد ذلك في اللغة مجازاً على كل من فوض أمره لغيره؛ فكل شخص فوض أمره لغيره فقد قلده، كيف أنا أقول: والله قلدتك هذه المهمة؟ أي وضعتها في عنقك، هل أنا وضعت وضعاً حقيقياً ولا المراد أني فوضتك في فعل هذا الشيء؟ هي بمعنى التفويض، فإذاً التقليد ابتداءً كان وضع الشيء في العنق على وجه الحقيقة، ثم بعد ذلك استخدم في كل من فوض غيره بأمر ما يقال إنه قلد غيره فيه، لذلك قال: ثم استعمل في تفويض الأمر إلى الغير، فكأنه ربطه بعنقه.

وأما في اصطلاح الأصوليين، فالتقليد هو قبول قول الغير من دون حجة. إذاً قلنا: التقليد هو قبول قول الآخر من دون أن تعرف حجته؛ مثلاً الإمام أحمد قيلت فتوى قال إن هذه المسألة حكمها حرام، فأنا قلدت الإمام أحمد إذا اتبعت الإمام أحمد من دون أن أعرف حجته وأعرف وجه دلالتها على الحكم الشرعي، فأنا في هذه الحالة أكون مقلداً للإمام أحمد. أما إذا اتبعت الإمام أحمد وأنا أعرف حجته..

بأنه قال هذا الحكم حرام، بل عرفت حجة الإمام وعرفت دلالتها على المسألة، وبالتالي اقتنعت فعلاً أن المسألة هذه حكمها حرام لأن دليله هكذا. أنا في الحقيقة هنا أمارس نوعاً من أنواع الاجتهاد؛ وهذه العملية وهذه الممارسة: أنظر في دليل الإمام وفي وجه دلالته على المسألة، وبالتالي أتبنى حكم هذه المسألة نتيجة للدليل ودلالته، وليس تبعاً لحكم الإمام، هذا ما يمارسه إلا مجتهد. هذه العملية لا يمارسها إلا من هو مجتهد، أما العامي فليس له أن يمارس عملية دلالة الدليل على الحكم.

الآن من باب التعليم ومن باب الممارسة هذا شيء، لكن نقول له ليس عليك، لا يجوز: والله أنا أتبنى وجهة نظر الإمام الفلاني لأن دليله كذا وهذا يدل على كذا. نقول له: ما معرفتك بالأدلة ودلالتها على الأحكام حتى تقول هذا رأي الإمام هو الصحيح وليس غيره؟ ما هي ملكاتك العلمية؟ إذا ما عنده ملكات علمية أيها الأحبة، لا يجوز له أن يقوم بممارسة هذه الأمور. وللأسف في الواقع المعاصر نجد كثيراً ممن يسمي نفسه من علماء الترجيح يقوم بممارسة الترجيح بين المذاهب وبين أقوال أهل العلم، مع أنه لا يملك آلة الترجيح.

امتلاك آلة الترجيح يعني أن فيك قدرة على الاجتهاد، إما أن تكون مجتهداً مطلقاً إذا بلغت أعلى درجات الاجتهاد، أو مجتهداً منتسباً. أما أن تكون عامياً لم تملك أي نوع من أنواع الاجتهاد وتبدأ ترجح فهذا منهج مرفوض أيها الأحبة. المهم أنا لا أريد أن أخرج عن الطور كثيراً. التقليد إذاً في الاصطلاح: قبول قول الغير بلا حجة مفهومة. إذا كان قبولي لقول الغير بسبب حجته وعرفت دلالة الحجة، فهنا أنا لا أتبعه تقليداً، أنا أتبعه اجتهاداً لأني اجتهدت في معرفة دليله وفي معرفة دلالته على الحكم الذي رآه، فهنا أنا أتبع رأيه اجتهاداً. وهذا لا يجوز لي أن أمارسه إلا إذا كنت ممن يمتلك آلات الاجتهاد، إذا لم أمتلك آلات الاجتهاد فأنا مقلد فأتبع قول غيري بلا حجة.

التقليد هو قبول قول الغير بلا حجة. فيخرج من هذا التعريف الأخذ بقول النبي صلى الله عليه وسلم، الآن عندما نتبع النبي عليه الصلاة والسلام فيما يشرعه لنا من الأحكام، هل نسمي مقلدين؟ في الحقيقة لا، بل نسمي متبعين ولا نسمي مقلدين؛ لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام هو بنفسه حجة، فإذا اتبعت قول النبي عليه الصلاة والسلام أنت تتبع قول الغير بحجة، لأنه صلى الله عليه وسلم هو الحجة. وكذلك لو اتبعت الإجماع لو ورد عندنا إجماع من العلماء فنحن اتبعنا هذا الإجماع، هل اتباع إجماع العلماء يسمى تقليداً منا لهم؟ لا، يسمى اتباعاً ولا يسمى تقليداً، لأن الإجماع هو بنفسه الحجة، فإذا أخذت بالإجماع أنا اتبعت قول الحجة.

أما التقليد فهو مفهوم محدد وخاص، التقليد هو أن تتبع قول الإمام قول مجتهد من دون أن تعرف حجته، لأن المجتهد بنفسه ليس حجة، وليس قوله هو الحجة، بل الحجة في دليله، فاتباعك للمجتهد هذا تقليد. وأما النبي عليه الصلاة والسلام هو بذاته الحجة، والإجماع هو بذاته الحجة، فاتباعك للإجماع لا يسمى تقليداً بل يسمى اتباعاً. وبالتالي الاتباع أعم من التقليد، فكل تقليد هو اتباع وليس كل اتباع تقليداً. هناك اتباع للنبي عليه الصلاة والسلام وليس تقليداً لأنك تتبع الحجة، وكذلك الإجماع. وهناك اتباع لأقوال الأئمة وهذا يسمى تقليداً؛ لأنهم ليسوا حجة وإنما الحجة في أدلتهم، ولكننا اتبعناهم مع عدم معرفتنا بحججهم ودلالتها على الأحكام، فيسمى هذا الاتباع تقليداً.

لذلك قال التقليد هو قبول قول الغير، يعني قول المجتهد، الغير هو المجتهد، فأنت لا تقبل قول مقلد. قبول قول المجتهد بلا حجة، فيخرج الأخذ بقوله صلى الله عليه وسلم لماذا؟ لأنه عليه الصلاة والسلام هو الحجة في نفسه، والإجماع كذلك لو اتبعنا الإجماع لسنا مقلدين لأن الإجماع هو بنفسه الحجة. ثم قال أبو الخطاب الكلوذاني تقسيم سيسلكه عبد المؤمن البغدادي الآن، يقول أبو الخطاب: العلوم على ضربين، ما لا يسوغ فيه التقليد كالأصولية يعني دين، وما يسوغ فيه التقليد وهو الفروعية فروع الدين. أبو الخطاب الكلوذاني يقسم مسائل الدين إلى أصول دين وإلى فروع، فيقول: أصول الدين لا يجوز فيها لك أيها العامي أن تقلد، بل عليك أن تجتهد حتى تصل إلى تحديد أصول الدين وتعتقدها اجتهاداً، ليس لك أن تقلد غيرك فيها. وأما فروع الدين فهذه أمرها سهل، يجوز لك أيها العامي أن تقلد غيرك فيها. والقضية ليست قضية الصعوبة والسهولة بحد ذاتها، هي سبب من أسباب التفريق، فاصول الدين أمرها خطير تتعلق بالاعتقاد فلا تقلد بها بل ابحث عن الحق، وفروع الدين أمرها سهل تتعلق بأعمال الجوارح، والكل في النهاية من الدين.

ثانياً: أصول الدين في العادة مسائلها وأدلتها أوضح، لأن أدلتها الله عز وجل جعلها واضحة عامة يدركها الجميع في جلها، وأما فروع الدين فأدلتها أحياناً تكون مسائل غامضة كما رأيتم في القياس بالاستدلال، فلا يقدر العامي عليها، أما أصول الدين فأدلتها يقوى العامي على فهمها والنظر فيها. فبالتالي أبو الخطاب يقول: أصول الدين لا يجوز لك أيها العامي أن تقلد فيه، وإنما تقليدك للآخر إنما يكون في فروع الدين. هل هذه النظرة أيها الأحبة مقبولة وفعلاً لا يجوز التقليد في أصول الدين؟

يعني لو جاء شخص من الأوروبيين من الأفارقة، إخواننا الأفارقة الذين يعيشون في الغابات أو ما شابه ذلك في غابات مهجورة، فدخل فجاء رجل مسلم عليهم فقالوا لهم أسلموا، فقالوا كيف نسلم؟ قال: أن تعبدوا الله وحده وقولوا: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فهذا المسكين الذي يسكن في هذه الغابة قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأنا أحببت هذا الدين أريد أن أعبد الإله وحده، من دون أن ينظر ولا يجتهد ولا يدرك أصول الدين بعد. هو دخل عليه هذا الرجل المسلم فقال: تشهد واعبد الله، فتشهد وعبد الله، هل نقول والله هذا الإسلام ليس بصحيح لأن إسلامه كان تقليداً؟

في الحقيقة دعوى رفض التقليد مطلقاً في أصول الدين هذه فيها إشكالية، لأنه كثير من المسائل في الحقيقة يتبناها المسلمون وعوام المسلمين اليوم من دون أن ينظروا ويجتهدوا فيها، مسائل عقدية محورية، يعني بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، وجود الإله عز وجل، اليوم الآخر، كثير من أعوامنا في مجتمعاتنا هم يؤمنون بهذه المسائل من دون أن يجتهدوا فيها، فماذا نقول لهم؟ نقول لهم أنتم آثمون كلكم؟ بالتأكيد نحن نحث الإنسان على التدبر والتفكر في آلاء الله سبحانه وفي مخلوقات الله التي تدل على الله، هذا بالتأكيد هو الأفضل وهو الأكمل. ولكن لو أن شخصاً من عوام المسلمين عاش حياته مقلداً، يؤمن بالله، يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، يؤمن باليوم الآخر، يؤمن بعذاب القبر مقلداً لما قاله آباؤه وشيوخه ولا ينكر ذلك، لكنه لم يجتهد ولم ينظر، أخذها تقليداً، فهل نقول له اعتقادك خطأ؟ أو أنت على ضلال وبدعة؟ نقول له: أنت مقصر ومفرط لم تتأمل عقيدتك لأنك أخذت تقليداً صحيح، لكن لا أستطيع أن أقول والله أنت معتقدك خاطئ إذا وافق أهل السنة والجماعة، أو أنت كافر لأنك لم تعتقد بالاجتهاد.

ففي الحقيقة دعوى أنه لا يجوز التقليد في أصول الدين، وأن العامي عليه أن يجتهد بنفسه، وإغلاق هذا الباب، وإذا فعل ذلك فالبعض يكفر، وترى بعض المتكلمين يكفر المقلد في أصول الدين، والبعض يبدع والبعض يقول هو مغتفر، المهم الكل في النهاية على جعله مخطئاً. نحن نقول هو مخطئ ومقصر نعم، كان بإمكانه أن يبحث وينظر حتى يكون اعتقاده جزماً وليس مجرد تقليد للآخر، ولكن في النهاية إذا كان اعتقاده موافقاً لأهل السنة والجماعة فهو اعتقاد صحيح حتى ولو أخذه بالتقليد. فلا نوافق أبا الخطاب الكلوذاني فيما قرره في هذه القسمة.

قال بعض المعتزلة: يلزم العامي النظر في دليل الفروع أيضاً، وهو باطل بالإجماع. يعني أبو الخطاب رضي الله عنه قسم لنا المسائل إلى أصول دين، قال هذه لا يجوز فيها التقليد أبداً فهمنا، وسائر الفروع يجوز فيها التقليد. بعض المعتزلة والقدرية قالوا: بل حتى مسائل فروع الدين لا يجوز فيها التقليد أيضاً، بل على العامي أن ينظر في أدلة الفروع حتى يثبتها بالاجتهاد. وهذا الحقيقة أيها الأحبة كما قال عبد المؤمن هذا باطل بالإجماع؛ نحن نكلف عوام المسلمين المدرسين والمهندسين والصناع والعمال كلهم أن ينظروا ولا يثبتوا مسألة فروع دين إلا بالنظر في الأدلة؟ هذا فيه إغلاق لباب التعبد عليهم، وانتشار الجهل والفوضى في المجتمعات، فهذا قول مبتدع مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة. زعم بأن كل عامي عليه أن ينظر ويجتهد في مسائل الفروع هذا قول باطل مخالف للإجماع لا عبرة به.

الآن نعود إلى ابن الخطاب الكلوذاني، قال: يلزم العامي معرفة دلائل الإسلام، يعني أصول الإسلام، أركان الإسلام ونحوها مما اشتهر فلا كلفة فيه. الآن كلمة دلائل الإسلام لا بد أن أقول أنا دقيق فيها، يعني الآن ظهر لي فيها فهم أنه أبو الخطاب الكلوذاني كأنه يستدرك على رأي بعض المعتزلة. أبو الخطاب الكلوذاني قال: أصول الدين لا يجوز فيها التقليد وفروع الدين يجوز فيها التقليد، هكذا أطلق. ثم قال: بعض المعتزلة والقدرية قالوا حتى فروع الدين لا يجوز فيها التقليد، كل إنسان مسلم عليه أن يجتهد حتى في فروع الدين وليس فقط في أصول الدين.

أبو الخطاب الكلوذاني الآن هو غالط في مسائل أصول الدين لابد من اجتهاد عنده انساها، الآن هو أطلق أبو الخطاب قال فروع الدين، لكن كأنه يريد أن يستدرك فيقول: فروع الدين الأصلية التي هي أركان الإسلام من الصلاة والزكاة والصوم والحج، وغيرها من الأركان، كذلك المحرمات المعلوم من الدين حرمتها، مثل الزنا والخمر وكذا؛ فدلائل الإسلام أركان الإسلام العامة حتى ولو كانت من الفروع أيضاً، على العامي أن لا يقلد في اعتقادها، بل يصل إليها بالاجتهاد والنظر، لأنه يستطيع العامي أن ينظر فيها لوضوحها. لذلك قال: يلزمه معرفة دلائل الإسلام، يصف بدلائل الإسلام الفروع الكلية العليا: الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج، المحرمات المعلوم من الدين بالضرورة وتحريمها مثل الزنا وشرب الخمر.

خلاصة الكلام: أبو الخطاب الكلوذاني يقول العامي يجب عليه أن يجتهد في أصول الدين، ويجب عليه أن يجتهد في الفروع الكلية المعلومة من الدين بالضرورة، ولا يجتهد في الفروع غير المعلومة من الدين بالضرورة لأنها يصعب الوصول إليها. فهذا رأي أبو الخطاب الكلوذاني. والصحيح الذي ندين الله سبحانه وتعالى به أن العامي له أن يقلد في أصول الدين وله أن يقلد في فروع الدين. الآن في أصول الدين نقول للعامي: عليك أن تنظر في مخلوقات الله وفي خلق الله الذي تستدل به على الله حتى يكون إيمانك بالله جزماً، لكن لو أنه تشهد وأتى بأركان الإسلام واعتقدها في قلبه تقليداً، فلا نستطيع أن نقول له إنك كافر أو أنك لست على معتقد أهل السنة والجماعة، بل هو مقصر. وأما الفروع أيها الأحبة فجميع الفروع المعلومة من الدين بالضرورة وغير المعلومة يجوز للعامي أن يعتقدها بالتقليد ولا يجب عليه الاجتهاد. والله أعلم.

الآن انتقل إلى مسألة أخرى، قال: ثم العامي لا يستفتي إلا من غلب على ظنه اجتهاده بالعلم والدين، أو بخبر عدل بذلك، لا من عرف بالجهل. هذه مسألة أيها الأحبة ماذا نبكي فيها على واقعنا؟ من يستفتي اليوم؟ العامي من يستفتي اليوم؟ إلى من يذهب إذا أراد أن يسأل؟ المشكلة في وقتنا الحاضر أيها الأحبة أن الفتن كثرت، والعامي يجد نفسه محصوراً ومشتتاً وضائعاً وتائهاً لا يدري من يسأل، هذا فلان يتكلم اذهب إلى الشام، وهذا فلان يذهب إلى الغرب.

هذا يشرق وهذا يغرب، هذا يخالف قواعد الدين وهذا يأتي بالشذوذات. في الحقيقة أصبحت مهمة العامة صعبة وعسرة في هذا الزمن؛ أن يبحث عن المجتهد الرباني الذي يقصده بالسؤال، ويكون هذا الإنسان المجتهد يخشى الله سبحانه وتعالى ويتبع قواعد أهل السنة والجماعة ويكون على منهاج سديد في الفتيا. هذه مهمة صعبة على العامي اليوم أن يصل إليها وأن يدرك صاحبها. فأقول للعوام: عليكم أن تبحثوا وأن تجتهدوا في أمور دينكم.

أيها الأحبة، الإنسان منا إذا أراد أن يقوم بشراء سيارة فإنه يستشير خمسة وستة ويبحث عن أفضل تاجر سيارات وأفضل موقع، يكون حريصاً. إذا أراد أن يبحث عن وظيفة تجده حريصاً، فلماذا إذا أراد أن يبحث عن دين الله سبحانه وتعالى يذهب إلى إمام مسجد، ربما المسكين يكون الإمام ما هو حافظ العمدة في الأحكام، أو يذهب إلى رجل معه ماجستير أو دكتوراه من كلية شريعة ويسأله من دون أن يعلم هل هو درس الشريعة بحق أو أخذها دكتوراه وشهادة. لماذا هذا التفريط في السؤال عن أحكام الشريعة من العوام؟ العامي يريد أن يضع المسألة في ظهر شيخ ويفلت منها، لا أيها العامي، لا تظن الأمر بهذه الصورة، ستسأل أمام الله إذا قصرت في البحث عن المجتهد العالي، عليك أن تبحث عن العالم الصادق النحرير أو من وصل إلى المرتبة العليا في الإرشاد وتسأل.

أما العالم المعروف بالشذوذات أو أصحاب الدكتوراه والرسالات الجامعية أو أصحاب الإذاعات، كل هذه ليست مقاييس للفتيا؛ الفتيا تثبت بالاشتهار بالعلم والدين، والعلم المتين يظهر من خلال التعليم والتدريس والتصنيف والانشغال بهذه العلوم، تظهر آثار أهل العلم. أما من يتشدق ويتشبه بما لم يعط فهذا ليس من أهل العلم فاحذر.

العامي لا يستفتي إلا من غلب على ظنه علمه. كيف؟ لاشتهاره بالعلم والدين، اشتهار حقيقي بالعلم والدين، أو بخبر بذلك؛ فأنا مثلاً قد أكون شخصاً غريباً دخلت المغرب أو الجزائر أو مدناً لا أعرفها، والآن لا أعرف أهل العلم والاجتهاد في هذه البلاد، فأجد صديقاً لي عدلاً صادقاً أعرفه من أهل هذه البلد، فسألته: والله من من أهل هذه البلاد مشهور بالفتيا والعلم؟ قال: والله الشيخ فلان الفلاني، فبالتالي نعم أذهب إلى فلان الفلاني أسأله، مع أني لم أدرك بعد علمه وصلاحه، ولكنني اتبعت خبر عدل وهذا جائز أيضاً، فإما أن تعلم بنفسك اشتهاره بالعلم والدين وغلب على ظنك ذلك، أو بخبر عدل بذلك. لا من عرف بالجهل؛ لا يجوز لك أن تسأل شخصاً عرف بالجهل وهذا واضح.

قال: فإن جهل حاله لم يسأله. الآن أنا دخلت بلدة وجدت رجلاً يفتي، لا أنا أعرف أن هذا الرجل من أهل العلم والدين، ولم أجد شخصاً عدلاً يخبرني، فهذا الشخص الإمامي مجهول الذي يفتي، يمكن أن يكون عالماً ويمكن أن لا يكون، هل لي أن أسأله وهو ما زال في دائرة مجهول الحال؟ قال عبد المؤمن: فإن جهل حاله لم يسأل، لا يسأل، وقيل لا يجوز أن يسأله وإن جهل حاله؛ لأن العادة في المتصدرين للفتيا ومن يقبل الناس عليهم أن يكونوا من أهل العلم. في الحقيقة المقياس ملغى اليوم.

عندما يقول القول الآخر: يجوز أن تسأل من جهل حاله؛ لأن العادة فيمن يتصدر للتعليم والتدريس أن يكون عنده علم غزير، هذا بالنسبة للسابق، أما في أزمنتنا اليوم فأغلب من يتصدر للكلام في دين الله عز وجل ممن لا يتقن أساسيات العلم من الآجرومية ونوعية الاعتقاد وغيرها من المتون الأساسية، وإنما هي شهادات ودراسات سريعة أتت على هامش الحياة وانطلق بها إلى فضاء الإعلام؛ فإذا لم يعرف الرجل بالإتقان بالعلم والدين فلا يجوز أن تسأله بوجه من الوجوه.

فإن كان في البلد مجتهدون تخير؛ الحمد لله إذا كان في البلد أكثر من مجتهد عرفوا بالصلاح والعلم والدين، الصحيح أنه يجوز للعامي أن يتخير بينهم، ولا يلزمه أن يبحث عن الأفضل. هل يلزمه أن يبحث عن الأفضل؟ نقول: إذا ثبت لك أن فلاناً مجتهد وفلاناً مجتهد وفلاناً مجتهد، ليس عليك أن تبحث عن الأفضل منهم، اذهب إلى أي واحد واسأله. الخرقي من الحنابلة ماذا يقول؟ من أصحابنا من يقول: الأوثق في نفسه، قال الخرقي: لا تتخير، من أي واحد شئت عليك أن تذهب إلى الأوثق في نفسك. الآن عندك في البلد مجموعة من المجتهدين، الحمد لله كلهم من أهل العلم والدين والصلاح، الرأي الأول وهو الأسد في الحقيقة وعليه نفتي الناس: العوام يسألون من شاؤوا منهم. أما الخرقي فيقول: لا، الأوثق في نفسه عليه أن يسأل؛ والله إذا كان في نفسه الشيخ الفلاني هو الأوثق هو الأعلى عليه أن يسأله ولا يجوز له أن يسأل غيره. نقول: لا لا نعتمد له ثقياً، إذا كان كلهم بلغوا درجة عليا في العلم حتى لو كان فلان أوثق فيجوز لك أن تسأل من هو أقل وثوقاً ما دام وصل إلى مرتبة الاجتهاد، وهذه هي المسألة الختامية التي ختم بها عبد المؤمن البغدادي رحمة الله تعالى عليه هذا الكتاب، فقال: وهذا آخره، والله تعالى أعلم وهو الموفق وله الحمد وحده، وصلواته على سيدنا محمد رسوله المصطفى وعلى آله وصحبه وسلم.

أيها الأحبة، هي رحلة عشناها مع عبد المؤمن البغدادي في كتاب شيق من كتب أصول الفقه، كتاب له إيجابيات وعليه ملاحظات، فرحم الله عبد المؤمن البغدادي على ما أسداه لهذه الأمة من علم غزير وتصنيف جليل. نترحم دائماً على أئمتنا الكبار لما قدموه لنا ولأمة الإسلام من جهد وتعب وسهر ونصب من أجل أن تصل رسالة الإسلام من الماضي إلى الحاضر وإلى أجيال المستقبل بإذن الله.

عرفنا في هذه الدورة أيها الأحبة أن الدين أصولاً وفروعاً يقوم على قواعد منضبطة محكمة دقيقة، بذل العلماء أوقاتهم وجهدهم وسهروا في تحريرها وتنقيحها وإيصالها لنا حتى نسير على نهجها. عندما كان العلماء في العصور المتقدمة يسيرون على هذه القواعد كان الدين منضبطاً وكانت الفتيا قائمة على منهاج الحق، وعندما تفلتت الفتيا في وقتنا الحاضر فأصبح يتقلد الفتيا من لا إدراك له ولا معرفة عنده بهذه القواعد تشتت الأمة وضاعت مسالك الاستنباط والفهم، وأصبحنا نرى الشذوذات وأنصاف المتعلمين.

اعلموا أيها الأحبة بعد هذه الرحلة أن تعلم أصول الفقه ركن ركين من أركان طلب العلم، من زهد في حفظ متون أصول الفقه وفي تعلمها فهو يعين على هدم الشريعة. من لا يريد أن يسهر وأن يضبط وأن ينظر في العلل وفي مناسباتها وفيما ذكروه في الأقيسة وأنواعها، ويقول هذا نوع من التكلف، هذا يريد أن يهدم مسالك الاستنباط والاجتهاد التي وضعها سادتنا وأئمتنا. احذروا أيها الأحبة من كل دعوة تدعوكم لرفض ما كتبه الأئمة المتقدمون في أصول الفقه وقواعد التشريع؛ هذه القواعد هي الأمان لهذه الأمة، هذه القواعد هي التي تحفظ لنا شريعتنا، هي سر وحدتنا وتماسكنا، متى فقدناها أيها الأحبة فقدنا اللحمة، فقدنا الدين، فقدنا الاعتقاد، وأصبحنا نحيا بمهاترات بشذوذات بفتاوى متناقضة وضعيفة وركيكة لا توحد الأمة بل تساعد على تفريقها.

إياكم أن تسمعوا من أنصاف المتعلمين ومن الجهلة المتسلقين ومن المتشبعين بما لم يعطوا؛ إياكم أن تسمعوا إلا من عالم رباني، ضبط قواعد التشريع، ضبط أصول الدين، وضبط فروع الدين وفق مناهج محكمة متقنة. فهذه هي أصول الفقه أيها الأحبة التي نتعلمها ونسهر من أجلها، ونسأل الله أن نكون أصبنا فيما أديناه، وبالتأكيد ما أصبنا فيه فمن الله سبحانه وتعالى، وما أخطأنا فيه فمن أنفسنا المقصرة ومن الشيطان، هذا جهد عبد فقير ذليل مضطر إلى ربه في كل لحظة وفي كل حين، فاسألوا الله القبول دائماً وأبداً، وإلى اللقاء في مجلس آخر من مجالس برنامجنا المستمر غراس العلم بدراسة العلوم الشرعية.