دخولتسجيل الدخول

الدرس 1 - مقدِّماتٌ حولَ علمِ أصولِ الفقهِ (١)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، حجة للسالكين، وممهداً لقواعد الفقه في الدين، سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد نتدارس فيه مصنفاً جديداً من مصنفات أهل العلم، من تراث الأقدمين، من معينهم العذب، من عقولهم وبنات أفكارهم، ننهل من تراثهم؛ هذا التراث العظيم الذي يحتاج إلى طلبة علم يفوقون حتى يستخلصوا لنا أصدافه ولآلئه وأكنانه وذخائره.

والكتاب الذي بين أيدينا اليوم أيها الأحبة نستهل به كذلك مشروعنا العلمي غراس العلم: دراسة العلوم الشرعية في مرحلته الثانية. كتاب في علم اصول الفقه، كتاب قواعد الأصول ومعاقد الفصول لعبد المؤمن بن عبد الحق البغدادي الحنبلي رحمه الله تعالى.

هذا الكتاب إذاً هو في علم اصول الفقه؛ هذا العلم الجليل الرفيع الذي هدم حقه في هذه الأزمان، وقل المشتغلون به لعدم إدراكهم لأهميته وعظيم قدره في إنشاء شخصية طالب العلم، وفي تكوين عقل العالم المسلم. لذلك قبل أن نشرع في هذا الكتاب يهمني أن أعطيكم معالم وإشارات لأهمية اصول الفقه في حياة طالب العلم، لعلها تستنهض الهمم لدراسة هذا الفن، سواء كان في هذا الكتاب أو في غيره من الكتب الأخرى؛ لأن الإنسان إذا عرف قيمة الشيء أتته الهمة واستنهضت له العزائم ليطلبه وليأخذه وليحصله.

فنقول أيها الأحبة اصول الفقه، ساتكلم على هيئة نقاط. النقطة الأولى في أهمية الفقه: اصول الفقه هو المعيار الذي ننطلق منه في فهم الشريعة المحمدية، اصول الفقه هو الذي توزن به مسائل الشريعة، اصول الفقه هو المنهج الذي يسلكه العالم ليستنبت النواة والمستجدات في حياة الأمة على وجه لا اضطراب فيه ولا تناقض. إذاً اصول الفقه المعيار، ميزان، المنهج؛ هذه عبارات ينبغي أن تكون في ذهن طالب العلم في تصوره لهذا العلم الجليل، معيار اصول الدين ولفروعه. لذلك كان بعض أهل العلم يقول: لو سمي اصول الفقه باصول الشريعة حتى يشمل الاعتقاد والفروع لكان ربما أوسع في مدلوله؛ لانه في الحقيقة قواعد اصول الفقه لا نستخدمها فقط في مسائل الفقه وفي فروع الفقه، بل نستخدمها حتى في دراسة مسائل الاعتقاد لانها قواعد كلية، فهو معيار للشريعة جمعاء، هو ميزان به المسائل حتى يطرد الانسان في فتواه، حتى لا يكون هناك تناقض واضطراب؛ اليوم يشرق وغدا يغرب، هذا ما يحدث اليوم ايها الأحبة لأننا فقدنا الميزان، فقدنا المعيار، فقدنا المنهج الذي نضطرد عليه بخلاف طريقة المتقدمين. الأئمة الأعلام، أئمة المذاهب وغيرهم من أهل العلم كان لهم معيار واضح، أخذوهم من استقرائهم لنصوص الشريعة كتابا وسنة، ومن النظر في أقوال الصحابة وأفعالهم وآثار التابعين، كونوا منهجا، كونوا معيارا، ميزانا يزنون به المسائل الفقهية. لذلك تجدهم مطردين في الفتوى، تجدهم في البيوع يفتون على منهاج متوازن على ما يفتون به في الصلاة وفي الصيام وكذلك في الأنكحة وفي الأقضية وفي المواريث، تجد هناك اضطرابا هناك منهج عام يسيرون عليه.

لذلك هناك نقل عن ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه يقول فيه: ولا بد أن يكون مع كل انسان اصول كلية. يقول ابن تيمية رحمه الله ونقلت لكم النص بحرفه لأهميته: لابد وأن يكون مع الإنسان اصول كلية، أي انسان طبعا هو الآن يقصد بشكل عام طالب العلم العالم، لابد أن يكون معه اصول كلية. ما فائدتها؟ قال: لابد أن يكون مع الإنسان اصول ترد إليها الجزئيات. يعني الفروع دائما ترد عندك يا طالب العلم، أيها العالم، إلى اصول كلية فيتكلم بعلم وعدل، من كانت عنده اصول كلية ترد إليها جزئيات قال: فيتكلم بعلم؛ آه الآن عندما يفتي في الجزئيات يفتي بعلم على وضوء على بينة وعدل لا يوجد هناك اضطراب، لا وكسة ولا شطط، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت. وإلا -يعني من لم يكن عنده هذا المنهج، من لم تكن عنده هذه- قال: وإلا يبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات، فيتولد فساد عظيم.

انظر إلى هذا الفهم العميق من إمام جليل يبين لك كيف ينبغي أن يكون طالب العلم، كيف ينبغي أن يكون العالم أيها الأحبة؟ لابد أن يكون هناك اصول كلية يعتقدها يدين الله عز وجل بها، هذه الأصول الكلية يستصحبها عند دراسته للجزئيات، فيرد دائما هذه الجزئيات للكليات التي يعتقدها، ما عنده اضطراب؛ اليوم يرد هذه الجزئية إلى جهة وغدا يرد هذه الجزئية إلى جهة أخرى، لا، عنده اصول كلية دائما ترد جزئيات فيكون كلامه دائما بعلم وعدل. من لم تكن عنده هذه الكليات إذا هو سيتكلم بهوى، فكما فقال: وإلا يبقى في كذب -يعني في خطأ- وجهل في الجزئيات يتكلم بجهل، ما عنده اصول كلية يرد إليها الفروع والنوازل والمستجدات، ويبقى كذلك في جهل وظلم في الكليات فيتولد فساد عظيم. وما نحن فيه اليوم هو الفساد العظيم الذي كان يستشرفه ابن تيمية رحمه الله عليه عند ضياع الكليات؛ لأننا ما نراه اليوم في الحقيقة في الساحة العلمية أن هناك من يفتي في دين الله سبحانه وتعالى ولا يملك شيئا من هذه الكليات، وإنما يملك قيل وقال وجمع من هنا وجمع من هنا، هو لا يعرف ما منطلقه، ما معياره، ما ميزانه في الحكم على الجزئيات، فتجد الاضطراب في الفتوى، تجد التناقض فيحدث فساد عظيم في حياة هذه الأمة. إذاً هذا هو المقصد الأول والأهمية العظمى لعلم اصول الفقه: انها المعيار، الميزان، المنهج.

ثانياً: اصول الفقه هي الحامي باذن الله لحصون الشريعة من أن يدخلها شيء من التبديل أو التحريف أو النقصان أو الزيادة. لماذا أيها الأحبة؟ لأن من كان عنده معيار اصول سيطالب كل متكلم في أحكام الشريعة بالدليل، أي إنسان سيأتي يثبت لنا حكماً صباحاً في مسائل الاعتقاد أو في مسائل الفروع كعلم اصول الفقه كاصول مباشرة، أطالبه بماذا؟ بالدليل على حكمه. فإن جاءني بالدليل سأطالبه بوجه دلالة هذا الدليل على الحكم، لن أكتفي منه بمجرد أن يأتي بدليل؛ لأنه قد يأتي بدليل ولا يعرف كيف يدل هذا الدليل على الحكم؟ سأطالبه بالدليل وكيفية دلالة هذا الدليل على الحكم، هنا يتساقط كثير من الأوراق أمام هذا المتكلم، يصبح هناك بحاجة إلى فعلاً إلى أن يبحث عن الدليل، يبحث عن وجه الدلالة، فتحدث انضباط في العملية الفكرية في حياة الأمة؛ لأن كل إنسان سيترقب أن هناك من يطالبه بتأصيل علمي لكلامه. أما إذا فقدنا معيار اصول فقه إذا أصبح الإنسان يتكلم كيفما شاء وقت ما شاء من دون أن يطالب بالدليل ومن دون أن يطالب باصول يبني عليها كلامه، ماذا يحدث؟ يحدث ما نحن فيه اليوم؛ يتصدر أناس على شاشات، على وسائل التواصل، على غيرها من مواقع الفتن، يتكلمون في دين الله سبحانه وتعالى، يصدرون على أنهم علماء وهم في الحقيقة ليسوا من العلم في شيء، ولكن لا يوجد من يطالبهم بأصيل علمي، لا يوجد من يطالبهم بالقواعد التي ينطلقون منها، فيجدون آذاناً صاغية من عوام الناس ويفتر الناس بلسانهم وهندامهم إلى غير ذلك من الفتن التي نحن فيها اليوم نسأل الله السلامة والعافية.

إذاً اصول الفقه حامي باذن الله الشريعة، نحفظها من أي تبديل، من أي تحريف، من أي زيادة، من أي نقصان. قل قول يحتاج إلى دليل إلى وجه دلالة، فتكون الحياة العامة الفكرية للأمة منضبطة، لا تناقض فيها، ولا يوجد هناك متسلقون متشدقون يتسلقون على ظهر هذا العلم لم يبلغوا من شؤوه شيئاً يتكلمون في دين الله سبحانه وتعالى. إذاً هذه الفائدة الثانية: صيانة الدين من التبديل والتحريف.

الفائدة الثالثة أيها الأحباب والأهمية الثالثة لعلم اصول الفقه أن العلماء متفقون على أن تعلم اصول الفقه شرط من شروط الاجتهاد، فمن لم يتضلع من علم اصول الفقه يحرم عليه الاجتهاد في دين الله سبحانه وتعالى. باختصار، من لم تكن عنده الأصول التي يتكلم عنها ابن تيمية قبل قليل لا يجوز له أن يفتي في دين الله عز وجل. هذا اصل متفق عليه بين الأصوليين وبين علماء جملة أن من شروط الاجتهاد التضلع في علم اصول الفقه.

وهنا أنقل نقلاً للإمام السبكي رحمه الله تعالى الأبُهات في شرح منهاج، يقول السبكي رحمه الله تعالى: وكل العلماء في حضيض عنه -أي في نزول- يقول عن العلماء الله يقول عن طالبة العلم يقول: وكل العلماء في حضيض عنه -أي في نزول- عن مرتبة الاجتهاد. لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد إلا من تغلغل باصل الفقه، وكرع من مناهله الصافية بكل الموارد. إذاً قال: كل العلماء في ماذا؟ في حضيض عنه لا يبلغون مرتبة الاجتهاد في بعد. وكل العلماء في حضيض عنه إلا من تغلغل باصل الفقه. وانظر العبارة العنيفة، قال: إلا من تغلغل -مش قرأ الورقات وانتهى الأمر عند ذاك، أو قرأ متناً مختصراً في علم اصول الفقه- لا، لابد أن تتغلغل اصول الفقه حتى تصبح ملكة راسخة في ذهنه وفكره، هذا هو العالم المجتهد، قال: إلا من تغلغل باصل الفقه وكرع من مناهله الصافية بكل الموارد، قالوا وسبح في بحره وتروى من... إذاً هذه عبارة واضحة قوية من رحمه الله عليه يبين: لا يمكن أن تكون مجتهداً، لا تدعي الاجتهاد، لا ترجح، لا تدعي الوصول إلى مرتبة الترجيح وتأتي تخفض وترفع وكأنك في مرتبة الشافعي وأحمد، حتى تكون قد تغلغلت وتشربت علم اصول الفقه وأصبحت عندك كليات راسخة تنطلق منها في فتواك، في ترجيحك، في كلامك في النوازل.

إذا لم تصل إلى هذه المرحلة عليك أن تقنع بالتقليد، عليك أن تقنع بالتقليد وإلا سيحدث في هذه فساد عريض. إذاً هذه الفائدة الثالثة: اصول الفقه شرط من شروط الاجتهاد.

الفائدة الرابعة لعلم اصول الفقه، وأختم بهذه الفائدة فيما يتعلق بالأهمية: أن دراسة اصول الفقه تعين الطالب على فهم نشأة المذاهب الفقهية؛ لماذا نشأت المذاهب الفقهية؟ ما سبب الخلاف بين المذاهب الفقهية، بين آراء العلماء؟ لا يمكن أن تتصور سبب الخلاف بين المذاهب الفقهية إلا إذا تصورت اصول الفقه، وفهمت أن المذاهب الفقهية هي عبارة عن مناهج فكرية متنوعة نشأت في صدر هذه الأمة، هذه المناهج الفكرية المتنوعة هي التي ولدت لنا مذهب أبي حنيفة، ولدت لنا مذهب مالك، ولدت مذهب الشافعي، مذهب أحمد بن حنبل، مذهب الظاهري، حتى المذاهب المندرسة: مذهب الأوزاعي، مذهب الليث بن سعد، كلها عبارة عن مناهج فكرية للتفكير الفقهي الديني. عليك أن تعرف هذه المناهج الفكرية، هذه المناهج الفكرية هي ما نعبر في علوم الشريعة باصول الفقه، المنطلقات الفقهية لهؤلاء الأئمة، فكل من تضلع بعلم اصول الفقه توسع في الاطلاع على اصول حنفية، على اصول المالكية، على اصول الشافعية، الحنابلة، وغيره من كلام أهل العلم، يعرف حينئذ سبب الخلاف الفقهي، يعرف المنطلقات.

وأنت إذا لا تعرف منطلقات للحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، كيف ترجح بين أقوالهم؟ كيف ترجح تقول هنا الراجح مذهب مالك، أو تقول هنا الراجح مذهب الشافعي أو مذهب أبي حنيفة؟ كيف ترجح وأنت لا تعرف المنطلقات الاصولية التي ينطلقون منها؟ وكم رأينا من شيء مضحك مبكي في ذلك ممن يتسلقون، يضعف هنا ويرجح هنا ويقوي هنا وهو لا يعرف أن مذهب أبي حنيفة أصله كذا في هذه المسألة لذلك قال كذا، وخالفه الشافعي أو الحنبلي أصله كذا، فهو لا يعرف أنه ابتداءً قبل أن تضعف وترجح عليك أن تعرف. طيب، ما هو الأصل عند هؤلاء وعند هؤلاء؟ ثم بعد ذلك تعرف ما هو الراجح؟ طيب ليه؟ قد يكون أصل الحنفية أرجح من أصل المالكية أو من أصل الحنابلة وعلى ذلك.

فإذاً عملية الاجتهاد، الوصول إلى تبيين الترجيح، للكلام على هذا المستوى العالي أيها الأحبة يحتاج إلى جهد؛ إلى جهد سهر الليالي والأيام ومكابدة النهار والليل ومكابدة الكتب والنظر والتعب والتحصيل، ثم بعد ذلك يتأهل الإنسان. أما هكذا ترجيح، منهاج مرجح، ترجيح بنظرات سريعة خاطفة في كتب الفقه، نظرات عامة في شواطئ اصول الفقه من دون الغوص بحاله، هذا في الحقيقة تجرؤ على الفتيا في دين الله سبحانه وتعالى، يخشى على صاحبه من الزلل. إذاً هذه النقاط الأربعة من خلالها ننطلق في أهمية اصول الفقه: ماذا نحتاج إلى اصول الفقه كطلبة علم؟ ولماذا ندرسه بأكثر من مصنف بأكثر من اسلوب حتى نتضلع فيه؟ وهي نسأل الله عز وجل أن يرزقنا فيه فهماً واسعاً.

الآن أيها الأحبة، بعض طلبة العلم قد ينفر عن علم اصول الفقه ويزهد فيه لبعض السلبيات المتوهمة أو الموجودة فعلاً لكن يمكن تخطيها. ما هي السلبيات التي نالت علم اصول الفقه؟ ما هي السلبيات التي نالت علم اصول الفقه حتى يبتعد بعض طلبة العلم عن دراسته؟ السلبية الأولى أيها الأحبة التي يمكن أن تقال: يقول بعضهم علم اصول الفقه خورت بكلام أهل... كثرت فيه عبارات المتكلمين والخوض في مسائل الاعتقاد على طريقة جدل الكلامي الرد والأخذ، فأصبحت عبارته مغلقة وأصبحت كثير من ميادينه العلمية مكان للجدال العقدي بدلاً من الجدال الفقهي وتأصيل القواعد. باختصار، هذا العلم صبغ بمنهج المتكلمين فأغلقت عبارته وأصبح يحتاج إلى فك. وإذا أصبحت العبارة غامضة، كثير من طلبة العلم يستنكفون عن الدراسة. هل هذه السلبية حقيقية؟ ابتداءً نقول: هذه السلبية -اختلاط علم اصول الفقه بمناهج المتكلمين وطرقهم الكلامية- ليست في جميع كتب اصول الفقه، هذا أول أمر، يعني هذه الدعوة...

نقول ابتداء: ليست في جميع كتب أصول الفقه، بل هناك كتب أصولية في الحقيقة بمنأى عن منهج المتكلمين، أو تراب منهج المتكلمين كان قليلا، وطغى عليه العبارة الأصولية العلمية المتينة. فمن نظر في كتاب الرسالة للشافعي رحمة الله عليه لا يرى أبدا طريقا للمتكلمين؛ أول كتاب وضع في علم أصول الفقه يرى منهجا واضحا على طريقة السلف، على طريقة المتقدمين من أهل العلم. ومن نظر في كتاب العدة للقاضي أبي يعلى الحنبلي رحمه الله تعالى يرى نفس الشافعي في هذا الكتاب، ومن نظر في قواطع الأدلة لأبي المظفر السمعاني، ومن نظر في الموافقات للإمام الشاطبي لا يجد تلك الصبغة الكلامية. نعم سيجد بعض آثار علم الكلام لكن بشكل محصور، الناحية الطاغية هي الناحية العلمية الأصولية المفيدة.

فاذا، دعوة أن العبارات مغلقة وأن منهج المتكلمين طاغية على كل الميادين في هذا العلم، دعوة لا توجد في كثير من كتب أصول الفقه، بل هناك كثير منها نافع مبرأ من هذه الطريقة، وإن كانت هذه الطريقة طبعا لها نفعها، لها خيرها في جزئيات محدودة. فاذا الجواب الأول عن هذه السلبية: أن هذه السلبية لا توجد في كل أصول الفقه، بل هناك كتب جيدة متينة واضحة العبارة حاولت أن تتحرر من هذا الميدان.

الإجابة الثانية: نعم، نحن لا أقول إن علم أصول الفقه لم تنحرف فيه الجادة قليلا، في الحقيقة التصنيف في علم أصول الفقه ربما انحرفت فيه الجادة قليلا. كان الأصل أن يسلك منهج الشافعي رحمة الله عليه، وأن يبتعد عن الجدل الكلامي في كتب أصول الفقه. الجدل الكلامي أصبحت، نعم، في كثير من الأحيان في بعض المصنفات الأصولية أصبحت مسائل أصول الفقه مرتعا لجدل الكلام لإثبات العقائد والخصام المعتزلي الأشعري، تجد ذلك طاغية أحيانا، تجد بعض القواعد الأصولية تثبت فقط لأنها أثر لقاعدة عقدية ولا ثمرة لها فقهية في النهاية.

فاذا، نعم نحن نعترف أن علم أصول الفقه ربما حدث فيه شيء من الانحراف عن الجادة عند بعض أهل العلم، فلم يكتبوا به على الطريقة التي كان ينبغي أن يكتب عليها، وطغى فيه الجدل العقدي في كثير من المسائل. لكن مع وجود هذه السلبية في كثير من المصنفات الأصولية فهذا لا يعني أن يبتعد الطالب عن دراسة هذه المصنفات، بل تعني أن يأخذ الطالب منها ما هو جيد نافع، يدرسه على معلم حاذق بحيث يخلصه من هذه السلبيات ويعطيه الفائدة المرجوة. هذا هو المنهج الصحيح؛ لأن هذا العلم أنت لا تنفك عنه، تحتاج إليه، حتى بالصبغة الكلامية تحتاج إليه، لكن تحتاج إلى كتاب نافع وإلى معلم.

بعض الكتب الأصولية نعم لا أنصح الطلاب بقراءتها وأن يبتعد عنها؛ لأن بعضها اتسم بسمة الألغاز، أصبحت ألغاز تحتاج إلى فك رموز قبل أن تفهمها، وهذا في الحقيقة لا حاجة إليه؛ لأنه لم يوضع هذا العلم ليكون ألغازا وعبارات مغلقة تحتاج إلى جهد ذهني كبير في فك العبارة قبل أن تفهم، بل الأصل أن تكون العبارة واضحة لكن تحتاج إلى جهد في فهم مدلولها، في فهمها، في تطبيقها. فالكتب التي تتسم بنوع من الألغاز هذه لا أنصح الطالب أن يقرأها ولا حاجة له في قراءتها.

إذا هذه الأولى، قضية اختلاط علم أصول الفقه بعبارات المتكلمين، كما قلنا الإجابة عنها أن هذه نعم ليست في كل كتب أصول الفقه، هناك كتب جليلة لا توجد فيها هذه السمة بشكل طاغ. ثانيا: أن ما كان من كتب أصول الفقه قد اتسم بهذه الصبغة يمكن أن نتجاوز هذه السلبية من خلال كتاب نافع، منها على معلم حاذق.

السلبية الثانية التي تواجهها الطالب عند دراسته من علم أصول الفقه يقولون: نحن نشعر أن علم أصول الفقه علم نظري جامد، علم نظري جامد لا توجد فيه ناحية تطبيقية نشعر بها. يعني أنا أقرأ في جمع الجوامع لا أجد ناحية تطبيقية، أقرأ في مختصر التحرير، أقرأ في الكوكب الساطع، أقرأ في كتاب المحصول، أقرأ في كتاب التلخيص، أقرأ في هذه الكتب لا أجد ناحية تطبيقية، وإنما أجد من ناحية نظرية، أجد الجمود طاغيا على علم أصول الفقه.

في الحقيقة أيها الأحبة، علينا أن ننتبه أن علم أصول الفقه، أو عفوا المصنفات في علم أصول الفقه على نوعين. المصنفات في علم أصول الفقه على نوعين: هناك مصنفات اهتمت بالناحية النظرية، وهناك مصنفات أصولية اهتمت بالناحية التطبيقية. مصنفات أصولية وهي الأغلبية اهتمت بالناحية النظرية. ماذا أقصد بالناحية النظرية؟ ناحية إثبات القواعد الأصولية بأدلتها فقط. يعني الذي صنف هذا الكتاب ما همه أن يأتي بالقاعدة ويبين أن هذه القاعدة ثبتت بالدليل الفلاني والفلاني والفلاني والفلاني، فهذه كتب نظرية نعم طغى عليها الناحية العلمية الاستدلالية، وهذه مرحلة مهمة ينبغي لطالب العلم أن يمر بها، أن يعرف كيف يثبت القاعدة الأصولية؛ لأنه كما أنت تحتاج دليلا للفرع الفقهي أنت تحتاج للدليل لإثبات القاعدة الأصولية، وإلا كيف أنا سأكون كليات ومنهجا؟ لابد أن هذا المنهج أنت تكوّنه من خلال الأدلة. أنا منهجي القواعد الكلية التي أنطلق منها أدلتي علي كذا وكذا. فابتداء لابد نعم أن تدرس القواعد الأصولية من الناحية النظرية الاستدلالية.

ثم تنتقل إلى النوع الثاني من المصنفات الأصولية، وهي المصنفات الأصولية التطبيقية، وتسمى في عرف علماء الأصول كتب تخريج الفروع على الأصول. كتب تخريج الفروع على الأصول، هذه الكتب المقصد منها ماذا؟ تمرين الطالب على تطبيق القواعد الأصولية في الفرعيات، كتب تمرينية. لذلك، نعم، الطالب الذي سيقف مع المحصول ومع المستصفى وسيقف مع معاضد الأصول لم يجد هناك ثمرة واضحة أمامه؛ لأنه لم يهتم بالانتقال للمرحلة الثانية، وهي التمرس والتطبيق، ويتعلم كيف ينزل القاعدة الأصولية على فرع فقهي.

فاذا، في دراستك يا طالب العلم لعلم أصول الفقه عليك أن تمر بهذين النوعين من المصنفات: أولا المصنفات النظرية، ثم تنتقل إلى المصنفات التطبيقية التي تسمى بكتب تخريج الفروع على الأصول، وكل مذهب من المذاهب الفقهية ستجد فيه هذا النوع تخريج الفروع عن الأصول. فعندنا نحن كتاب ابن اللحام الحنبلي، وهناك كتاب التلمساني رحمة الله عليه مفتاح الوصول، وهناك كتاب التمهيد للإسنوي، وهناك كتب أيضا عند الحنفية وغيرها من المذاهب. فهذه الكتب الحمد لله موجودة متوافرة، على طالب العلم أن يذهب إليها بعد النظرية. إذا انتهينا من الإجابة عن السلبية الثانية، سلبية الجمود وعدم وجود الناحية التطبيقية.

أنتقل للمحور الثالث وهو: كيف أدرس علم أصول الفقه؟ كيف أدرس علم أصول الفقه؟ استطيع أن أجمل لك دراسة علم أصول الفقه في أربع نقاط، هناك أربع نقاط ينبغي على طالب العلم أن يفهمها.

النقطة الأولى في دراسة علم أصول الفقه: ينبغي أن تكون مذهبيا. بعبارة أخرى، إذا درست أصول الفقه فتدرسه بناء على مذهبك الذي اخترته؛ حنبلي تدرس أصول الحنابلة، شافعي تدرس أصول الشافعية، مالكي تدرس أصول المالكية، حنفي تدرس أصول الحنفية. لا يصلح لطالب علم اختار مذهب المالكية أن يدرس أصول الشافعية، أو طالب اختار مذهب الحنفية أن يدرس أصول الحنابلة؛ هذا تعارض في بناء العلم، يعني هذا تركيب ومنهج خاطئ في النشأة التعليمية. إذا اخترت مذهبا تدرس أصول مذهبك، إذا أتقنت أصول مذهبك تنتقل بعد ذلك إلى دراسة أصول الفقه بشكل مقارن كما يقولون، تتعرف على أصول الشافعية، على أصول المالكية، على أصول الحنفية. نعم قد يكون هناك شيء من التقارب في أصول مسمى يسمى مدرسة الجمهور؛ مدرسة المالكية والشافعية والحنابلة قد يكون هناك نوع من التقارب في أصولهم الكلية العامة، لكن في فرعيات أصولهم لا، هناك تباين في جزئيات كثيرة، فينبغي على طالب العلم أن يعرف مذهبه في هذه المسائل.

إذا هذه المنهجية الأولى: إياك يا طالب العلم أن تدرس أصولا لا علاقة لها بمذهبك. طبعا في المراحل المبتدئة، لو أن الطالب مثلا حنبلي أو مالكي درس نظم الورقات؛ لأن هذا النظم اشتهر وعليه المصنفات والحواشي، لا أرى إشكالا في ذلك؛ لماذا؟ لأنه هذه، هذا الكتاب وما كان على وزنه من الكتب الصغيرة، تذكر رؤوس علم أصول الفقه، رؤوس المسائل. وعادة وغالبا هذه رؤوس هذه المسائل كما قلنا متفق عليها عند الجمهور. فأنت إذا في هذه الكتب إذا عرفت معنى العام، معنى الخاص، معنى المطلق، ما معنى المقيد، هذه أمور توجد في جميع المذاهب الفقهية، فلو أنك اخذتها من الورقات وغيرها من الكتب المختصرة لن يحدث إشكال كبير. لكن الاشكال متى يحدث؟ في المتوسطة والمتقدمة، في دراستك الأصولية تذهب أنت حنبلي تدرس كتاب القرافي في الأصول، لا يصلح، أو أنت مالكي أو شافعي تدرس كتاب السرخسي رحمة الله عليه في أصوله الحنفية؛ هذا تناقض وهدم في التعلم وليس بناء. إذا المرحلة الأولى أو النقطة الأولى: المذهبية في دراسة أصول الفقه.

ثانيا: عليك أولا أن تبدأ بصغار العلم قبل كباره. المنهجية الثانية: أن تبدأ بصغار العلم قبل كباره. لا تذهب إلى الألفية، لا تذهب إلى الغزالي والرازي مباشرة، لا تذهب إلى البيضاوي إلى مختصر التحرير، لا، اذهب إلى الكتب المختصرة، تعلم متنا مختصرا، احفظ هذا المتن المختصر، ثم انطلق بعد ذلك إلى كتاب متوسط ثم إلى كتاب، إذا لابد من البداية بالمختصرات.

ثالثا: عليك أن تحفظ متنا موسعا في علم أصول الفقه، والأفضل أن تحفظ ألفية من الألفيات المشتهرة؛ لأن هذه الألفية ستجمع لك شتات هذا العلم. لأن علم أصول الفقه في النهاية أيها الأحبة هو علم آلة ليس علم مقصد، بعد أن تأخذ حاجتك منه، بعد أن يتغلغل في عقلك ويصبح ملكة راسخة، تذهب إلى علوم المقاصد، إلى الفقه، إلى العقيدة، إلى التفسير. لن تبقى طوال العمر على علم الفقه؛ لأنه في النهاية هو علم آلة أنت تحتاجه حتى تطبق، فلن تبقى بين كتبه ودفاتره، نعم ستحتاج كل فترة أن تعيد النظر في هذا الكتاب وهذا الكتاب، لكن كعلم آلة -وهذا ليس خاصا بأصول الفقه بل بجميع علوم الآلة- لابد أن يكون للطالب أصل يحفظه دائما، يسترده كلما احتاج إلى تذكر مسائل هذا العلم. فلابد إذا من حفظ ألفية أو كتاب موسع في علم أصول الفقه، هذا الأمر الثالث.

الأمر الرابع والأخير في منهجية دراسة أصول الفقه: لابد أن تهتم -وهذا ربما لمحته قبل قليل- أن تهتم بالكتب الواضحة؛ لأن هناك كتب أصولية مغلقة وهناك كتب أصولية واضحة عليها المدار. فعليك أن تهتم بالكتب الأصولية الواضحة؛ تهتم بالرسالة للشافعي، تهتم بكتاب الإرشاد والتقريب للباقلاني، تهتم بالبرهان للجويني، تهتم بالمستصفى للغزالي، بالمحصول، تهتم بقواطع الأدلة، تهتم بكتب المتأخرين من أبواب مذهبك، تهتم بمثلا كتاب السرخسي رحمة الله عليه في أصول الفقه. هناك كتب كما قلنا واضحة واضحة المعالم، تهتم بالموافقات للشاطبي. هناك كتب لا يقبل لطالب العلم إلا يقرأها، أن تمر عليه هكذا سريعا، ألا يكون له اطلاع في أقل أحواله عليها، وهناك كتب لا حاجة لك في قراءتها في أصول الفقه؛ لأنها كما قلنا كتب مغلقة وأخذت من غيرها واهتمت بالألغاز أكثر من اهتمامها بالتوضيح.

إذا فاختيار الكتاب المناسب هو قد يشجعك إلى دراسة علم أصول الفقه، واختيار الكتاب الخاطئ قد اليأس يتسرب إلى داخلك من فهم هذا العلم، فهذه نقطة جوهرية. كذلك اختيار المدرس المناسب؛ يعني أنت تختار الكتاب والمدرس؛ لأن بعض المدرسين قد لا تكون عنده المسائل الأصولية واضحة، فعندما يأتي لشرحها الطالب يشعر أن العلم مبهم، يشعر أن هناك نوع... لماذا؟ لأن المعلم ابتداء هو نفسه عنده إغلاق، فكيف يوصل الفكرة إلى الطالب؟ لذلك بعض الكتب كان مشايخنا عبدالله البارقي يقول: بعض كتب الأصول مغلقة لأن كاتبها كانت عنده، أو كان علم أصول الفقه عنده مغلق أصلا. يعني الكتب السهلة، يعني أنت ما تنظر في المستصفى للغزالي تجد هناك سهولة مرونة عذوبة في العبارة؛ لماذا؟ لأن هذا العلم مَلَكَة عنده راسخة. بينما تذهب إلى كتب خاصة عند المتأخرين تجد عبارة مغلقة، عبارة صعبة، تشعر أن المصنف الذي صنف هو نفسه لا يتصور هذا العلم بالشكل الذي ينبغي. ولا تظن أن كل من صنف في علم أصول الفقه كان على قدر عال من العلم، لا تظن ذلك، لابد العلماء يتفاوتون في هذا الميدان.

إذا هذه مقدمة سريعة أيها الأحبة قبل أن ندخل في دراسة هذا الكتاب؛ الكتاب الذي بين أيدينا كما قلنا هو كتاب قواعد الأصول ومعاقد الفصول للإمام عبدالمؤمن بن عبدالحق البغدادي الحنبلي رحمة الله عليه. هذا الكتاب أيها الأحبة، يعني لماذا هذا الكتاب؟ هذا هو السؤال الذي قد يرد، لماذا هذا المتن؟

أولا أيها الأحبة، هذا الكتاب كتاب اختصره الإمام عبدالمؤمن البغدادي من كتاب له أوسع موسوم بتحقيق الأمل في علم الأصول والجدل. هذا الكتاب أيها الأحبة، كتاب قواعد الأصول ومعاقد الفصول، ميزته كما ذكر مصنفه في مطلع كتابه أنه اقتصر على ذكر القواعد الأصولية والمسائل الأصولية من دون التطرق إلى الأدلة.

فهذا الكتاب فقط يذكر القواعد الأصولية من دون ذكر أدلتها. إذا هذه ميزة، تقول لي ولا سلبية؟ لا، أقول في هذه المرحلة التعليمية هذه إيجابية، أن الطالب الآن لا أريد أن أقحمه في الاستدلال على القواعد الأصولية والأخذ والرد، وقال فلان وقال فلان ويضعف قول فلان، أنا لا أريد هذا، نحن نريد في هذه المرحلة المتوسطة أن نتصور القواعد الأصولية، أنا اتصورها تصورا، أن أفهم ما معناها، أنا أفهم ما معنى أن العام يبقى على عمومه حتى يأتي المخصص، وأفهم ما معنى أن يحمل

على المقيد، وصور هذا الحمل أن أفهم معنى القياس، وأنواع القياس، وما هو الأصل والفرع؟ وما شروط الأصل والفرع؟ أنا فقط أريد الآن أن يكتمل تصوري لعلم أصول الفقه. في المرحلة الأولى درسنا الورقات والنظم الصغير، تصورنا بعض القواعد الأصولية.

في المرحلة المتوسطة لا، الآن نحتاج إلى تصور قواعد أكثر، وارساء أدق، لكن ما زلنا في مرحلة التصور وفهم الكلام. المرحلة الثالثة يا طالب العلم تنتقل إلى مرحلة الاستدلال على القاعدة الأصولية. أما في المرحلة المتوسطة عليك أن تأخذ كتابا فيه مسائل أصولية منوعة، لكنها بعيدة عن الاستدلال. أنت الآن لا تحتاج إلى الاستدلال، تحتاج إلى الفهم وإلى تثبيت تصور لمسائل أصول الفقه.

فهذه الإيجابية في هذا الكتاب أنه يذكر القواعد الأصولية من دون ذكر الأدلة. هذه الميزة هي التي تدفعنا إلى دراسة هذا الكتاب. ثم كما قلنا، كتاب نوعا ما فيه سهولة في العبارة، ليس بالطويل الممل ولا بالقصير المخل، لذلك قلنا ما قلنا هو كتاب متوسط.

كتاب متوسط في علم أصول الفقه، ولا كتب متوسطة مثل كتاب اللمع للشيرازي، وهذا كتاب نوعا ما يضاهيه لكن على مذهب أحمد بن حنبل رحمة الله عليه. قبل أن نشرع في قراءة مقدمة هذا الكتاب، يحسن بنا دائما في دراسة أي مصنف في دراسة أي كتاب بأن نقرأ سيرة المصنف. لماذا؟ أولا، نترحم على هؤلاء الأئمة الأعلام. وهذا دائما ما نكرره من أدب الطالب مع العلماء مع كتب الأقدمين، أن يترحم على الأئمة الذين بذلوا جهدهم واتعبوا أنفسهم في تدوين هذه الكتب في جمعها حتى تصل إلى طلبة العلم إلى الأجيال القادمة.

فمن حقهم علينا أن نترحم عليهم، وأن نذكر محاسنهم، وأن نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزيهم خير الجزاء للجهود التي بذلوها لخدمة هذه الأمة. كيف كانوا يسهرون ويواصلون الليل بالنهار حتى يدونوا ويصنفوا في قضية الأحوال، ما كان عندهم الأقلام التي بين أيدينا والطابعات التي عندنا، ما كان عندهم الأوراق بالسهولة المتوافرة عندنا الآن، كانوا يذهبون يشترون، يذهب إلى بلدة ثم يغادر إلى بلدة أخرى، لا يجد الكتاب عنده، ويجد الكتاب عند عالم في مشرق الأرض في مغربها، يذهب وينتقل على جمل أو دابة يتعب من أجل ماذا؟ هذا التعب من أجل العقيدة، من أجل حفظ الشريعة، ففي الحقيقة يستحقون منا التبجيل والتعظيم والاحترام والتقدير. فنسأل الله لهم الرحمة، فنقول أيها الأحبة، نقرأ سيرة سريعة للإمام عبد المؤمن البغدادي رحمة الله تعالى عليه، وهو صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق البغدادي الحنبلي الفقيه الفرضي المتقن.

متى ولد هذا الإمام العظيم؟ ولد هذا الإمام العظيم عام ثمانية وخمسين وستمائة للهجرة. وكما قال في نشأته العلمية: نشأ في بيت والده، وكان بيت علم ومعرفة، إذ كان والده -خذ هذا لسة ما في أشكال- نشأ في بيت والده، وكان بيت علم ومعرفة، إذ كان والده خطيبا بجامع ابن عبد المطلب في بغداد احتسابا، وتفقه على علماء عصره، وكان أول حياته -لاحظوا يعني هذا العالم في أول الحياة ما كان منكبا على العلم بكليته- قال: كان متجها إلى الكتابة الديوانية، قال: موظف يعني في الديوان كما قال، ثم ترك ذلك وأقبل على طلب العلم. وهذا يدل أيها الأحبة أن الإنسان يمكن أن يطلب العلم ولو تقدم به السن، يعني لا يشترط في طالب العلم أن يبدأ طلب العلم في الثاني عشر أو الثالثة، إذا ما درست خلاص انتهى الأمر، لا أطلب العلم، هذا ليس بصحيح.

الإنسان، وهؤلاء أئمة وعلماء طلبوا العلم في مرحلة متقدمة من أعمارهم وأبدعوا وأتوا بما فاقوا غيرهم. فقالوا: ثم ترك ذلك وأقبل على طلب العلم، فلازم ذلك مطالعة وكتابة وتدريسا وتأليفا حتى صار -لاحظ صار- أعلم بغداد في عصره. قام برحلات إلى الشام، واجتمع بابن تيمية رحمة الله عليه، وأجاز للحافظ ابن رجب كما ذكر ذلك في ترجمته له. قال ابن رجب: كان -يتكلم ابن رجب الآن في طبقات الحنابلة عن الإمام عبد المؤمن البغدادي- قال: كان إماما فاضلا، ذا مروءة وأخلاق حسنة، وحسن هيئة، وشكل عظيم الحرمة، شريف النفس، منفردا في بيته، لا يغشى الأكابر ولا يخالطهم.

أيها الأحبة، قراءة مثل هذه السير مهم، يعني تنظر كيف أصبح عالما لو أنه كان منشغلا بمخالطة الناس والقيل والقال، واليوم يجلس عند فلان وغدا عند فلان، واليوم هناك مجلس عند الشخص الفلاني والشيخ الفلاني، ما حصل العلم. لكن كما قال لك: لا يغشى الأكابر ولا يخالطهم، هنا في عزلة علمية، هذه العزلة العلمية هي التي أثمرت هذا العالم الجهبذ، ولا يزاحمهم في المناصب، بل الأكابر يترددون إليه. وهذه رفعة العلم، العلم إذا صونته من التذلل، من أن تتسول به على أبواب المناصب، يرفعك الله عز وجل به، حتى يصبح الأكابر هم الذين ينقادون إليك. فمن رفع العلم وعرف حرمته وقدره، الله سبحانه وتعالى يذلل له الخلق، واما من أهانه وجعله على المناصب وعلى الأبواب يتسول به ويطلب به الأرزاق من هنا وهناك، فإن الله يذله في الدنيا قبل الآخرة ويمحق بركة هذا العلم.

وقال: وكان ذا ذهن حاد وفطنة، انظر، إذا الرجل كان عنده استعداد لطلب العلم، لم يكن بليدا. هذه صفات مهمة لطالب العلم، بإمكان الطالب الذكي في زمن يسير أن يحصل العلم الكثير، وأما الطالب البليد فإنه لو جلس السنوات والسنوات لن يحصل إلا ما كتب له، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. قال: وعنده خميرة التعبير، قال: وعنده خميرة جيدة من أول عمره في العلم، يعني عنده استعداد علمي، طبعا هذا أيها الأحبة لأن عصرهم عصر هؤلاء الأئمة كان العلماء متوافرين في المساجد موجودة، فحتى من لم ينشغل منهم بالطلب في بداية العمر لابد وأن يكون حضر المجالس العامة للعلماء في هذه المساجد في بغداد وفي غيرها. هذه كانت حواضر العالم الإسلامي ورؤوس المفكرين والمدرسين، أماكن تقيم في تلك البلدان، فكان العلم فيها قائما وشعاره ورايته مرفوعة.

قال الحافظ ابن حجر -هذه ترجمة أخرى للإمام عبد المؤمن في الدرر الكامنة لابن حجر-: وكان زاهدا خيرا، ذا مروءة وفتوة وتواضع ومحاسن كثيرة، طارحا للتكلف على طريقة السلف، محبا للخمول. بعض العبارات توقفك يا اخي، قال: محبا للخمول، ليس محبا للظهور على وسائل التواصل: حضرة الشيخ العلامة فلان الفلاني. لم يكن محبا للشهادات والرموز: الاستاذ الدكتور المحاضر القيم. ليس همه أن يذكر اسمه على كل لسان، وأن يشار إليه بالبنان، وإذا فقد اسمه من موضع فأن تقوم ولا تقعد. رجل لله سبحانه وتعالى، بارك الله في علمهم وفي جهودهم، فها نحن نترحم عليهم إلى قيام الساعة.

قال: وكان شيخ العراق على الإطلاق. مصنفاته: تحقيق الأمل في علمي الأصول والجدل، قواعد الأصول ومعاقد الفصول، وقواعد الوصول هو مختصر لكتابه تحقيق الأمل. شرح المحرر في الفقه المحرر لمجد الدين ابن تيمية، شرح العمدة، اللامع المغيث في علم المواريث. توفاه الله سبحانه وتعالى في عام تسعة وثلاثين وسبعمائة من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكانت جنازته مشهودة.

إذا عرفنا ما هو الكتاب، عرفنا من هو المصنف بهذا الكتاب. والان أيها الأحبة، سنشرع في دراسة هذا الكتاب، ودائما دأبنا أو عادتنا المتكررة التي لا تنفك عند دراسة أي علم، في البداية ندرس المبادئ العشرة للعلم. هذه المبادئ التي نظمها العلامة الصبان ونظمها غيره. ولكن الابيات المشهورة للصبان رحمة الله عليه في قوله: إن مبادئ كل فن عشرة ... الحد والموضوع ثم الثمرة ونسبة وفضله والواضع ... الاسم الاستمداد حكم الشارع مسائل والبعض بالبعض اكتفى ... ومن درى الجميع حاز الشرف

أخي الكريم، ثبتها هناك أفضل حتى يذهب -ثبتها تجاهك-. أنا الظاهر أنها تأتي بالاصوات هذه المبادئ العشرة أيها الأحبة، ما فائدة دراستها في بداية العلم؟ ما الفائدة؟ أن يتصور الطالب العلم الذي يدرسه نوع تصور قبل أن يقتحم فيه. لأن الطالب الذي يشرع في دراسة مصنف وهذا العلم الذي سيدرسه، ليس مثل الطالب الذي لا يعرف هذا العلم الذي سيشرع بدراسته. إذا عرفت تعريف أصول الفقه، ما موضوعه، ما ثمرته، من واضعه، ما نسبته، من أين استمد؟ هذه المبادئ، هذه التصورات العامة تعطيك حافزا لإكمال الطريق، لدراسة هذا العلم، والا طالب يخرج من أول درس يقول: والله درسنا كتاب قواعد الأصول ومعاقد الفصول، ويبدأ يذكر المصنف وفضله -كما تعرف عادة طلبة العلم-. ثم قيل لهذا الطالب: بالله عليك، ما تعريف علم أصول الفقه؟ ابتداء يعني أنا لا أريد أعرف هذا الكتاب، لكن أريد أن أعرف ما معنى أصول الفقه؟ فلم يعرف ذاك. هل يصلح هذا بطالب علم؟ لا يصلح. يعني هناك ما يسميه الحد الأدنى، أنت لا تعرف تعريف أصول الفقه كيف تدرسه؟ كيف تتصور هذا العلم الذي تريد أن تقتحمه وأن تغوص في بحاره وتريد أن تلتقط درره ولآلئه؟ لا يمكن ذاك ولا يقبل. فالمبادئ العشرة بحدها وموضوعها وثمرتها خاصة مهمة جدا قبل دراسة الفن.

المصنف رحمه الله تعالى ذكر مبدأ واحدا من المبادئ العشرة، وهو الحد، يعني تعريف علم أصول الفقه، ولم يذكر ما سوى ذاك من المبادئ. طبعا كتاب مختصر، وعن طريق التصنيف، المبادئ إلى عشرة أن يذكرها كلها هذه ليس مشهورا في مصنفات المتوسطين والمتقدمين من أهل العلم، لذلك نحن نحتاج أن نقف على المبادئ العشرة، ثم بعد ذلك نبدأ باقتحام هذا الفن. نحن الآن لن نشرع في هذا الكتاب، بل سندرس المبادئ العشرة لعلم أصول الفقه، بعد ذلك نبدأ بالغوص في هذا الكتاب. ما هي المبادئ العشرة لعلم أصول الفقه؟

قال رحمه الله تعالى: إن مبادئ كل فن عشرة الحد...

بسم الله، كم الساعة؟ يعني كم مضى من الدرس؟ نبدأ إذا الآن أيها الأحبة بالمبادئ العشرة لعلم أصول الفقه: حد -يعني تعريف علم أصول الفقه-. وكما قلنا لا نريد أن نبين الفرق بين الحد والتعريف لأن هذا تفريق منطقي لا يهمنا الآن. إذا: إن مبادئ كل فن عشرة الحد. ما تعريف علم أصول الفقه؟

الآن أيها الأحبة، علم أصول الفقه دائما أو تواطأ أهل العلم المصنفون في علم أصول الفقه على أن يعرف بتعريفين: التعريف الإضافي والتعريف اللقبي. إذا، هناك تعريفان لعلم أصول الفقه. وكما ذكر الرازي رحمه الله تعالى في مطلع كتابه قال: إن معرفة التعريف اللقبي متوقف أو يحتاج قبل ذلك إلى معرفة التعريف الإضافي. لماذا؟ لأن أصول الفقه -لاحظوا هذا العلم اسمه ماذا؟ أصول الفقه- فاسم هذا العلم مركب ليس من مقطع واحد، إذا هو من مقطعين: أصول الفقه. ليس من النحو الصرف البلاغة، لاحظوا اسم العلم من مقطع واحد، لا، هذا العلم اسمه من مقطعين، لذلك العلوم التي تكون أسماؤها من مقطعين تحتاج فيها إلى تعريفين: تعريف إضافي وتعريف لقبي.

ما معنى تعريف إضافي؟ التعريف الإضافي هو أن تعرف تراكيب هذا الاسم. التعريف الإضافي أن تعرف معنى التراكيب الذي يتكون منها هذا الاسم، فتعرف معنى الأصول، وتعرف معنى الفقه، وتعرف الإضافة التي بينهما. التعريف اللقبي أن تعرف هذا الاسم باعتباره لقبا على معين. ويقولون: الأصول، طبعا هو في النهاية ما هو المقصود؟ التعريف الإضافي أم التعريف اللقبي؟ ما الذي يهم في النهاية؟ اللقبي. اللقبي هو المقصود، أنا أريد أن معرف ما معنى أصول الفقه باعتبارها لقبا على فن معين. لكن لما كان التعريف اللقبي لا يمكن أن تتصوره تصورا تاما شافيا كافيا حتى تعرف التعريف الإضافي لكلمة أصول الفقه، احتجنا ابتداء أن نذكر التعريف الإضافي. فعليك أن تتقن هذه المهارة، أن التعريف اللقبي هو المقصود، والتعريف الإضافي وسيلة -كما ذكر الرازي- للوصول إلى فهم التعريف اللقبي. طبعا بعض أهل العلم يأبى ذلك، يقول: لا حاجة للتعريف الإضافي، مباشرة ادخل في التعريف اللقبي. لكن أكثر المصنفين على أنه لابد من بداية بالتعريف الإضافي ثم ننتقل إلى التعريف اللقبي.

فإذا، هناك تعريفان: تعريف أصول الفقه باعتباره مركبا إضافيا، وتعريف أصول الفقه باعتباره لقبا على فن. نبدأ بالأول لأنه الوسيلة إلى الثاني. تعريف أصول الفقه مركبا إضافيا. ايش يعني المركب الإضافي كما قلنا؟ هناك مضاف ومضاف إليه: أصول الفقه. طيب، تعريف أصول الفقه باعتباره مركبا إضافيا. عندما نعرف أصول الفقه باعتباره مركبا إضافيا لابد أن نحلله إلى عناصره، لابد أن نحلله إلى عناصر لأنه الآن أنا أريد أن أعرف أصول الفقه باعتباره مركبا إضافيا، إذا لابد من أن أقوم بتحليل هذا المركب الإضافي. فانظر مما يتركب لأعرف كل جزء من جزئياته. فنقول: أصول الفقه أيها الأحبة، هذا المصطلح يتركب من كم؟ أو ما هي مفرداته؟ نقول: أصول الفقه باعتباره مركبا إضافيا، فيه جزئان محسوسان وجزء ثالث معنوي، فهو في الحقيقة يتركب من ثلاثة عناصر.

ما هي هذه العناصر؟ المضاف وهو كلمة أصول. المضاف إليه وهو كلمة فقه. هذان الجزءان حسيان، ما معنى حسيان؟ نراهما، نسمعهما، أنت تسمع كلمة أصول وتسمع كلمة فقه. الجزء الثالث الذي يغفل عنه أكثر الطلبة: النسبة الإضافية. هذا جزء في التركيب. ما معنى النسبة الإضافية؟ أي نسبة الأصول إلى الفقه، فهذا أيضا ينبغي عليك أن تدركه. فنقول: إذا اردنا تعريف أصول الفقه باعتباره مركبا إضافيا، علينا أن نحدد ابتداء الأجزاء التي يتركب منها وهي ثلاثة أجزاء: الجزء الأول وهو لفظة أصول، الجزء الثاني المضاف إليه وهو لفظ الفقه، الجزء الثالث الذي يتركب منه الإضافة.

الإضافة ليست جزءاً محسوساً تراه بعينك، لكنك تفهمه عندما تسمع أصول الفقه. المراد بالإضافة هي إضافة الأصول إلى الفقه، أي نسبة الأصول إلى الفقه. فهذا أيضاً جزء من التركيب، جزء من التركيب لكنه جزء معنوي. لذلك إذا قيل لك يا طالب العلم أصول الفقه باعتباره مركباً إضافياً، من كم جزء يتركب؟ تقول من جزئين حسيين وجزء معنوي.

الجزئان الحسيان: الجزء الأول المضاف كلمة أصول، والجزء الثاني المضاف إليه كلمة فقه، والجزء الثالث المعنوي الإضافة، ما المراد بالإضافة؟ هي نسبة الأصول إلى الفقه. إذاً ممتاز، عرفنا أن كلمة أصول الفقه تتكون من ثلاثة أجزاء. إذاً علينا الآن أن نعرف معنى كل جزء من هذه الأجزاء، فنبدأ بالجزء الأول وهو المضاف كلمة أصول، ما معنى أصول أيها الأحبة؟ الأصول قولوا جمع أصل.

والأصل أيها الأحبة ذكر علماء الأصول في معناه اللغوي معاني كثيرة أوصلها بعضهم إلى عشرين معنى، لكن تتبع هذه المعاني ونقد هذه المعاني أيها أصح وأيها أسلم إلى غير ذلك، في الحقيقة ربما يخرجنا عن الفائدة المرجوة ولا يهمنا كثيراً الآن، إذا أنت قرأت وتوسعت أدخل، لكن نحن الآن نريد الزبدة ونقول الزبدة وما عليه الأكثر أن كلمة أصل معناها في اللغة العربية ما يبنى عليه غيره، الأصل ما يبنى عليه غيره.

فكل ما يبنى عليه غيره يسمى أصلاً، سواء كان بناءً حسياً أو كان بناءً معنوياً. ما معنى هذا الكلام؟ الآن أيها الأحبة، إذا رأيت عقاراً قائماً، عمارة قائمة، تعرف أن هذه العمارة تحتها ماذا؟ قواعد، هذه القواعد بنيت عليها هذه العمارة أو هذه الغرفة أو هذا العقار. هذه القواعد شيء حسي نراه، بني عليها الطوب وهذا اللبن فقامت هذه العمارة وقام هذا العقار، فنسمي هذه القواعد ماذا؟ أصولاً؛ لأن بني عليها غيرها وهذه أصول حسية.

طيب، الأصول قد تكون أصولاً معنوية. كيف الأصول تكون معنوية؟ الآن نأتي للناحية الشرعية، الفقه يبنى على ماذا؟ على قواعد، الفروع الفقهية تبنى على ماذا؟ على قواعد، هذه القواعد عليها بني الفقه. هل هذه القواعد شيء محسوس نراه؟ أم شيء معنوي في الأذهان والأفكار؟ شيء معنوي في الأذهان والأفكار ومع ذلك تسمى هذه القواعد ماذا؟ أصولاً. إذاً الأصل ما يبنى عليه غيره، كل شيء بني عليه غيره يسمى هذا الشيء ماذا؟ أصلاً، سواء كان هذا الشيء الذي بني عليه غيره شيئاً محسوساً يرى بالعين أو يلمس باليد، أو كان شيئاً معنوياً، فلا تظن أن الأصل في اللغة العربية هو فقط للمحسوسات، هذا الذي اريد أن أنبه إليه.

أما اطلاق الأصل على الأصول المعنوية، على القواعد المعنوية الذهنية، إطلاق كلمة أصل على القواعد الذهنية، سواء قواعد الفقه أو قواعد النحو أو قواعد الاعتقاد، إطلاق لغوي، إطلاق لغوي وليس فقط إطلاق أو اصطلاح عند العلماء، بل حتى في علم اللغة تسمى قواعد الفقه أصولاً، هذا إطلاق لغوي، قواعد النحو تسمى أصولاً، هذا إطلاق لغوي.

إذاً الأصول جمع أصل، والاصل على الراجح على المشهور من كلام أهل العلم ما يبنى عليه غيره، سواء كان بناءً حسياً أو كان هذا البناء معنوياً، فهذا يسمى أصولاً وهذه تسمى أصولاً. ولاحظوا أيها الأحبة، قلت الأصول جمع أصل، والأصل ما يبنى عليه غيره، هي فائدة على الهامش سريعة، دائماً ستجدون أهل العلم عندما تكون كلمة مجموعة إذا أرادوا أن يعرفوها يأتون بالمفرد ابتداءً ثم يذكرون التعريف، فيكون الأصول ما يتم بتعريف... ما معنى الأصول؟ لا، هي الأصول جمع أصل، والأصل ما يبنى عليه غيره.

طيب، لماذا هذا الانتقال من الجمع إلى المفرد ثم نعرف المفرد؟ لأن الحقائق إنما تؤخذ من المفردات، الحقائق والتعاريف تؤخذ من المفردات، وأما الجموع فهي عبارة تدل على الاعداد، الجمع يدل على تعداد، على كثرة، بغض النظر جمع كثرة وجمع قلة، فأنا ابتداءً أريد الجمع إلى المفرد، لأن المفرد هو الذي تؤخذ منه حقيقة الشيء، فهذا حتى تعرف أسلوب أهل العلم، يعني مهم للطالب أن يحسن مهارة التعامل مع الكتب، يعرف لماذا احتاج هذا المصنف أن يأتي بالمفرد ثم يعرف المفرد؟ لماذا ما عرف الجمع مباشرة؟ لأن تقول لأن الحقائق والتعاريف تكون للمفردات، وأما الجموع، جموع تكسير، جموع مذكر سالم، مؤنث سالم، هي تدل على العدد والتكاثر أو الكثرة ولا تدل على الحقائق.

إذاً هذا معنى الأصل لغةً، ممتاز. الأصل لغةً ما يبنى عليه غيره.

أما في اصطلاح الأصوليين، فالأصوليون أيها الأحبة استخدموا كلمة الأصل نستطيع أن نقول في معانٍ أربعة، الأصوليون استخدموا كلمة الأصول التي مفردها أصل استخدموها واطلقوها على أربعة إطلاقات. الإطلاق الأول: تطلق كلمة الأصول على القاعدة المستمرة، مثال ذلك ايش يقولون؟ يقول الأصل في الأشياء النافعة الإباحة، والأصل في الأشياء الضارة الحظر، ما معنى كلمة الأصل هنا عندهم؟ القاعدة المستمرة، فكأنهم قالوا القاعدة المستمرة أن الأشياء النافعة مباحة وأن الأشياء الضارة محرمة، فهذا إطلاق للاصل بمعنى القاعدة المستمرة، إذاً هذا الإطلاق الأول أن يطلق الأصل بمعنى القاعدة المستمرة.

الإطلاق الثاني: يطلقون الأصول بمعنى الراجح، فيقولون الأصل في الكلام الحقيقة وليس المجاز، ما معنى ذلك؟ يعني معناه أن الراجح في الكلام الحقيقة وليس المجاز، فإذا ورد عندك كلام في الكتاب أو السنة فالراجح أن يحمل على الحقيقة وليس على المجاز حتى تأتي قرينة، هذا الإطلاق الثاني.

الإطلاق الثالث: يستخدمون هذه الكلمة كلمة أصول في باب القياس، فيقولون الخمر أصل، والنبيذ فرع، والعلة الإسكار، والحكم التحريم. ما معنى الخمر أصل؟ اه، هنا أطلق الأصل على المقيس عليه، فيطلقون كلمة أصل على ماذا؟ على المقيس عليه، فنقول الخمر أصل والنبيذ فرع، فالنبيذ يقاس على الخمر في التحريم بجامع الإسكار، فالخمر هو الأصل، ما معنى الأصل؟ يعني المقيس عليه، هذا الإطلاق الثالث.

الإطلاق الرابع والأخير: أن يطلق الأصل بمعنى الدليل، فيقول وهذا إطلاق فقهي أكثر منه أصولي، فيقولون الأصل في تحريم الميتة قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: 3]. ما معنى الأصل في تحريم الميتة؟ يعني الدليل على تحريم الميتة، لاحظوا إذاً أن كلمة أصل في اصطلاح المتفقهة وفي اصطلاح الأصوليين لها إطلاقات أربعة: القاعدة المستمرة، الراجح، المقيس عليه، الدليل، ممتاز.

ما الذي يصلح من هذه الإطلاقات الأربعة في السياق الذي معنا الآن؟ نحن الآن نعرف أصول الفقه باعتباره مركباً إضافياً وبدأنا بالجزء الأول وهو كلمة أصول، عرفنا أنها في اللغة مفردها أصل ومعناها ما ينبني عليه غيره. طيب، أما في الاصطلاح، ما الذي يناسب كلمة أصول في هذا السياق الذي معنا من هذه الإطلاقات الأربعة؟ أصول الفقه، ايش أقرب شيء؟ هل معنى القاعدة المستمرة في الفقه، الراجح في الفقه، المقيس عليه في الفقه أم أدلة الفقه؟ أدلة الفقه.

إذاً الذي يصلح أن نفسر به كلمة الأصول في كلمة أو في المركب الإضافي أصول الفقه أنها أدلة الفقه، هذا الذي يصلح. إذاً نقول أصول الفقه بمعنى أدلة الفقه، إذاً الآن أيها الأحبة عرفنا ما معنى كلمة أصول في اللغة ما يبنى عليه غيره، وفي الاصطلاح لها أربعة إطلاقات، الذي يناسب منه في هذا المقام الذي نحن فيه في المركب الإضافي أصول الفقه أن نقول الأصول بمعنى الأدلة.

ننطلق الآن إلى الجزء الثاني، ما هو الجزء الثاني؟ هنا الجزء الأول كلمة أصول، الجزء الثاني من المركب الإضافي الفقه، ما هو الفقه؟ الفقه في اللغة هو الفهم مطلقاً، سواء كان فهماً للأمور الواضحة الجليلة أو كان فهماً للأمور الدقيقة الخفية، كله يسمى فقهاً. إذاً الفقه هو الفهم مطلقاً، ما معنى مطلقاً؟ أي سواء كان فهماً للأمور الواضحة أو الأمور الخفية، فأنت تكلمت معي بكلام واضح فأقول لك فقهت كلامك، والأستاذ في علم المواريث يتكلم بكلام دقيق صعب فيقول له الطالب كذلك فقهت كلامك، فالفقه إذاً أيها الأحبة هو الفهم سواء كان فهماً للأمور الواضحة أو فهماً للأمور الخفية.

طيب لماذا أنا أركز على هاي القضية أنه فهم للأمور الواضحة أو الخفية؟ لأن هناك من ذهب من الأصوليين ومن العلماء على أن الفقه إنما يطلق على فهم الأمور الدقيقة الخفية، منهم العلامة الشيرازي رحمة الله عليه، وتبعه ابن القيم، وهو اختيار ابن القيم في إعلام الموقعين، أن الفقه يطلق فقط على فهم الأمور الخفية الدقيقة.

طيب لماذا قلنا إن الراجح وأن الفقه هو فهم الأمور الواضحة أو الخفية؟ نقول هذا هو الاستخدام الذي ورد عند العرب وفي كلام الشارع، فربنا سبحانه وتعالى يقول على لسان موسى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: 27-28]. الآن قولي، الآن نطبق أصولياً، قولي كلمة قول أضيفت إلى معرفة يا المتكلم، إذاً تدل على العموم صحيح، المفرد إذا أضيف إلى المعرفة يصبح صيغة من صيغ العموم كما تعلمنا فيما سبق وكما سنتعلم إن شاء الله.

إذاً فقوله يفقهوا قولي، إذاً كلمة قولي تدل على العموم، إذاً معنى يفقهوا قولي يفقهوا كل قول لي، وأقواله رحمة الله تعالى أو عليه الصلاة والسلام منها الواضح ومنها غير ذلك، فعندما علق الفقه بقوله على عمومه، ليدل ذاك على أن الفقه يشمل الأمور الواضحة والأمور الخفية.

وقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: 78] حديثاً نكرة جاءت في سياق النفي، فتدل على العموم، نكرة في سياق النفي لا يكادون يفقهون حديثاً، وعلق الفقه بهذه الكلمة بكلمة حديثاً على عمومها، فدل ذاك على أن الفقه يطلق على فقه الأمور الواضحة أو الأمور الخفية.

إذاً أيها الأحبة، أردنا أن الفقه هو الفهم مطلقاً للأمور الواضحة أو الأمور الخفية، لكن هناك تقييد، ما هو التقييد؟ أن الفقه يطلق على فهم الأمور الواضحة أو الخفية لكن الأمور المعنوية، ولا يطلق على فهم الأمور الحسية، فهنا نعم، هناك قيد، إذا بينا أن الفقه يطلق على فهم الأمور الواضحة أو الأمور الخفية لكن الأمور المعنوية. ايش هالامور المعنوية؟ يعني فهم المسألة الواضحة أو الخفية، لكن الأمور الحسية لا يطلق على إدراكها فقهاً، فمثلاً لا تقول فقهت أن السماء فوقنا، لماذا؟ لأن السماء فوقنا هذا أمر حسي، ليس أمراً عقلياً ذهنياً يحتاج إلى جهد ذهني.

فالأمم الحسية... الكأس أمامي، لأن هذا أمر حسي، فيقال أدركت أن الكأس أمامي، لا أقول فقهت أن الكأس أمامي، ولذلك هو الشيرازي رحمة الله عليه لماذا ذهب إلى أن الفقه يطلق على الأمور الدقيقة؟ بماذا احتج الشيرازي؟ يقول لأننا لا نقول فقهنا أن السماء فوقنا وأن الأرض تحتنا، فدل ذلك على أن الفقه إنما يطلق على الأمور الخفية. فماذا رد عليه؟ قيل له نحن لا نقول، صحيح نحن لا نقول فقهنا أن السماء فوقنا وأن الأرض تحتنا، لكن لماذا لا نقول ذلك؟ لا نقول، نحن لا نقول ذلك لأن السماء فوقنا والأرض تحتنا هذه أمور حسية، وإدراك الأمور الحسية لا يسمى فقهاً، وإنما يسمى إدراكاً تصورياً، وأن الفقه إنما يطلق على إدراك الأمور المعنوية فقط، لذلك لم نقل فقهنا أن السماء فوقنا والأرض تحتنا، وليس لأن السماء فوقنا أمر واضح جلي لم نحتج أن نقول فقهنا أن السماء فوقنا.

الشيرازي تصور أننا لا نقول فقهنا أن السماء فوقنا لأن هذا أمر واضح جلي لا يحتاج إلى فقه، فنحن ماذا رددنا؟ قلنا لا، نحن لا نقول فقهنا أن السماء فوقنا لأن إدراكنا أن السماء فوقنا أمر حسي محسوس فلا يققال في إدراكه فقهاً، وإنما الفقه إنما هو فهم للأمور المعنوية الذهنية العقلية، تقول فقهت المسألة، فقهت في الميراث، فقهت في الحساب في الهندسة، كل هذه الأمور التي تتعلق بالجهد الذهني العقلي.

طيب، انتهينا من المعنى اللغوي للفقه، بسم الله ننطلق إلى المعنى الاصطلاحي، ما معنى الفقه اصطلاحاً؟ الفقه اصطلاحاً باختصار هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. نعيد، الفقه اصطلاحاً: العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية.

نحلل التعريف معاً، الفقه هو ماذا؟ هو العلم، وكما قلنا دائماً وتكراراً إذا وجدت كلمة العلم في بداية أي تعريف، فإما أن تفسرها بمعنى القواعد والمسائل، واما أن تفسرها بمعنى الإدراك، وإما أن تفسرها بمعنى الملكة، تنظر ما هو الأصلح في تفسير العلم في هذا السياق فتفسر به. فمثلاً عندما قلنا البارعة في درس القطر أن النحو علم يعرف به أحوال أواخر الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء، بماذا فسرنا كلمة العلم؟ وجدنا أن الأصلح أن تفسر بمعنى قواعد ومسائل يتعرف بها.

ففي تعريف الفقه عندما نقول الفقه العلم بالأحكام الشرعية العملية، ما الأصلح في تعريف كلمة العلم؟ هل نقول العلم هنا بمعنى المسائل والقواعد؟ هل يصلح؟ يعني ازل كلمة العلم وضع بدلها قواعد ومسائل، ملكة، إدراك، أيها الأصلح في السياق؟ إدراك، وهذا هو الصحيح، أحسنت. فنقول أيها الأحبة إن الفقه هو العلم بالأحكام، أي إدراك بالأحكام، فالأنسب أن تفسر كلمة العلم هنا بمعنى ماذا؟ الإدراك.

وهنا أقول لك، العلم هنا بمعنى الإدراك اللغوي، وليس الإدراك الأصولي، ايش الفرق؟ العلم بالمعنى الاصطلاحي يطلق على الإدراك الجازم، وأما العلم بالمعنى اللغوي يطلق على الإدراك مطلقاً، سواء كان جازماً أو مظنوناً، فالعلم بالمعنى اللغوي هو مطلق الإدراك، سواء كان جازماً أو مظنوناً، وكذلك الاصطلاح المنطقي، ترى المناطقة مثل اللغويين في ذلك، يطلقون العلم بمعنى الإدراك مطلقاً، أما الأصوليون فيطلقون العلم بمعنى ماذا؟ الإدراك الجازم. لذلك عندما تقرأ في كتب الأصول المطولة ستجد عند هذه الكلمة نقاشاً طويلاً، لماذا؟ لأن بعض من قال العلم الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية أراد كلمة العلم هنا بالمعنى الأصولي.

الإدراك الجازم، فاعترض عليه فقيل له: إذا قلت إن العلم هنا بالمعنى الأصولي أنه الإدراك الجازم، ما معنى هذا؟ معنى هذا أن الفقه عندك كله هو عبارة عن ماذا؟ عن مسائل قطعية مجزوم بها، وأخرجت المسائل المظنونة من الفقه.

طب أغلب الفقه مسائل مظنونة، فتعريفك فيه إشكال. وأين حدث الخلل؟ إنه حمل العلم على المعنى الأصولي في التعريف، الإدراك. وهذا خطأ، بل العلم ينبغي أن يفسر بالمعنى اللغوي، وهو الإدراك مطلقاً، سواء كان جازماً أو كان ظنياً.

إذاً هذا تحليلنا للكلمة الأولى. دائماً أيها الأحبة ربما نطيل ابتداءً في تحليل التعاريف، لن يكون دأب لنا في كل المصطلحات العلمية، بل فقط في البداية حتى يتمرس ويتعود الطالب على التحليل. غدا ستصادف كتب أصولية فيها جدليات ونقاشات طويلة، إذا الطالب لم يتعود هذا في أثناء مرحلة الدراسة لم يحسن فهم النقاش الأصولي في الكتب المطولة. إذاً العلم، الفقه والعلم، أن العلم هو الإدراك مطلقاً.

العلم بماذا؟ قلتم العلم معناه ماذا؟ الإدراك. إدراك ماذا أيها الأحبة ننتبه؟ الإنسان أيها الأحبة قد يدرك ذواتاً، تقول: أدركت زيداً وعمراً، وأدركت الجوال. قد يدرك صفات، فتقول: أدركت جمال العلم وأدركت سوء الجهل، تدرك صفات. وقد تدرك أفعالاً، تقول: أدركت قيام زيد وجلوس عمرو وذهاب خالد. وقد تدرك أحكاماً. فالإدراك إما أن يتعلق بالذوات، وإما أن يتعلق بالصفات، وإما أن يتعلق بالأفعال، وإما أن يتعلق بالأحكام. فالفقه إدراك لأي نوع من هذه الأنواع الأربعة؟ للاحكام. لذلك قلنا: العلم بالأحكام. ممتاز.

إذاً إدراك للأحكام. ما معنى الأحكام؟ الأحكام جمع حكم، والحكم في اللغة أيها الأحبة بمعنى ماذا؟ المنع. لذلك عندما قال الشاعر: أبا حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضب. ما معنى أحكموا؟ امنعوهم. ومنها الحكمة التي توضع في فم الخيل مثل اللجام حتى تمنعه، منها أخذت كلمة الحكمة. لذلك أيها الأحبة كذلك الحكمة، لماذا سميت الحكمة حكمة؟ لأنها تمنع؛ لأنها تمنع صاحبها ومن اتصف بها من تصرفات السفهاء. فلاحظوا إذاً مدار هذه الكلمة يقوم على المنع، هذا معنى الحكم في اللغة.

أما الحكم بالاصطلاح العلمي العام وليس بالاصطلاح الأصولي الخاص، انتبه لهذه العبارة. الحكم بالاصطلاح العلمي، في اصطلاح العلوم جملة وليس بالاصطلاح الأصولي الخاص؛ لأننا في علم أصول الفقه سنجد أن الأصوليين يعرفون الحكم بتعريف خاص بهم: خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييراً وضعاً، كما سيأتي معنا. أنا لا أريد هذا التعريف بالأصول الخاصة. هنا في هذا، في تعريف الفقه، الحكم ليس بالمعنى الأصولي، وإنما بالمعنى العلمي العام. وما معنى المعنى الاصطلاحي العام لكلمة الحكم عند العلماء؟ هو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه.

الحكم بالمعنى بالاصطلاح العلمي العام ما هو؟ إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه، هذا يسمى حكماً. إذا قلت إن النار محرقة، أثبت الإحراق للنار، هذا يسمى حكماً. إذا قلت السماء فوقنا، أثبت أن السماء فوقنا، هذا حكم. إذا قلت الصلاة واجبة، أثبت أن الصلاة واجبة، هذا يسمى حكماً. لماذا؟ لأن الحكم إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه، فهذا معنى الحكم في هذا التعريف.

لماذا أركز؟ لأن بعض طالبات العلم قد يخطئ، فيأتي إلى تعريف الفقه فيقول: الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية، فيفسر كلمة الأحكام هنا بالمعنى الأصولي الخاص: خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين. وهذا الاصطلاح الأصولي الخاص في الحقيقة لا يتأتى هنا، لماذا؟ لا أريد أن أطيل عليك، لأن سيكون فيه نوع حشو في التعريف واضح. إذا قلت إن الحكم بالمعنى الأصولي الخاص خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين، إذاً أصبح العلم بالأحكام يعني بخطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين الشرعية، في في نوع من حشو، سيصبح في الكلام زيادة كلمة الشرعية أكثر من مرة وعدم وضوح. لكن لو حملنا أو فهمنا كلمة الحكم هنا بالمعنى الاصطلاحي العام، يصلح.

إذاً عرفنا معنى العلم، عرفنا معنى الحكم أن المراد به هنا إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه. ممتاز. إذاً إدراك للأحكام. طب الأحكام قلنا إثبات أمر لأمر أو نفي عنه، هل الأحكام تتعلق فقط بالشريعة؟ لا، هناك أحكام عقلية، الواحد نصف الاثنين. هناك أحكام عرفية، هناك أحكام لغوية، وهناك أحكام شرعية. ما معنى شرعية؟ مأخوذة من الشرع. يعني الأحكام العقلية من أين أخذت؟ من العقل. الأحكام اللغوية من اللسان. الأحكام العرفية ما مصدرها، ما مأخذها في الناس؟ الأحكام الشرعية أخذت من الشريعة. فكان إذاً لا بد من القيد الثالث، أن الفقه ليس علماً بأحكام عقلية أو لغوية، لا، هو علم بأحكام شرعية أخذت من الشارع.

والشارع هنا نفهمها بالمعنى العام، بمعنى مصادر التشريع. الشارع هنا، الشرعية لا نفهم معنى الذات اللي هي فقط أن نوسعها، طبعا هي كل الأحكام مرجعة لذاتها، هو الحاكم الناهي جل شأنه سبحانه وتعالى، لكن نقول الشرعية بمعنى مصادر التشريع. إذاً العلم بالأحكام الشرعية.

القيد الرابع: العملية. لماذا نحتاج لهذا القيد؟ لأن يعني هل هناك أحكام شرعية ليست عملية؟ ما معنى عملية؟ أي تتعلق بأعمال الجوارح، هذا معنى عملية، يعني الأحكام الشرعية المتعلقة بأعمال الجوارح. إذاً هناك أحكام شرعية لا تتعلق بأعمال الجوارح، وهي الأحكام الاعتقادية. هناك أحكام شرعية اعتقادية، هناك أحكام شرعية أصولية أصول الفقه. عندما، لأن ما معنى حكم شرعي يعني؟ حكم مأخوذ من الشرع. فعندما نقول الإجماع حجة، اليس هذا حكماً؟ ومن أين أخذ هذا الحكم؟ من الشريعة، الشريعة من خلالها أنا عرفت أن الإجماع حجة، إذاً هذا حكم شرعي، لكنه هل هو حكم شرعي عملي؟ لا، لأنه يتعلق بأصول الفقه ولا يتعلق بأعمال الجوارح. عندما نتكلم في إثبات الأسماء والصفات للذات الإلهية، عندما نتكلم في مسائل القدر واليوم الآخر، نثبت أحكاماً شرعية أنا بأخذها من الشرع لكنها لا تسمى فقهاً، لأنها لا تتعلق بأعمال الجوارح. فلابد من هذا القيد، أحكام عملية.

القيد الأخير ايش قال؟ من أدلتها التفصيلية. لماذا هذا القيد؟ يعني هذا القيد من أدلة التفصيلية يتعلق بماذا؟ يتعلق بكلمة العلم التي في بداية التعريف، أي علم مصدره الأدلة التفصيلية. أردت بذلك الاحتراز عن ماذا؟ أردت الاحتراز عن العلم بالاحكام الشرعية الذي مصدره التقليد. أنت الآن مالكي شافعي، درست كتاباً في المذهب الشافعي من أوله إلى آخره، إذا سئلت عن مسألة في الفقه الحمد لله تفتي بها، لكنك هذا العلم بالأحكام الشرعية العملية على طريقة الشافعية، هل أخذته أم عدت إلى الأدلة التفصيلية إلى نصوص الكتاب والسنة فأثبت علمك بالدليل الحرفي؟ لا، أنت أمك الآن علم تقليد أخذته من أفواه العلماء من دون معرفة بوجوه الاستنباط. فهل هذا العلم علمك وادراكك بالأحكام الشرعية العملية للعلماء يسمى فقهاً عند العلماء المتقدمين؟ لا يسمى فقهاً. فكل طالب يحفظ كل كتب الحنابلة ولا يعرف كيف يأخذ الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية لا يسمى إدراكه للأحكام الشرعية العملية فقهاً، كذلك الشافعي أو المالكي لأنه لم يأخذ هذا العلم، لم يحصل هذا الإدراك من الأدلة التفصيلية.

هذه طريقة المتقدمين، لكن طريقة المتأخرين في الحقيقة أيها الأحبة أن الفقه يطلق على الإدراك للمسائل الأحكام الشرعية العملية سواء كان تقليداً أو من الأدلة التفصيلية. ينبغي على هذا ثمرة فقهية، يعطيك ثمرة فقهية. لو قال قائل: جعلت إنتاج هذه العمارة أو غلة هذه الأرض وقفا على الفقهاء، مسألة فقهية. لو قال جعلت غلة الأرض وقفا على الفقهاء، من الذي يدخل في ذلك؟ نحتاج إلى تحديد من هو الفقيه. إذا قلنا إن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية هي من الأدلة التفصيلية، وبالتالي لن يأخذ غلة هذه الأرض إلا العلماء المجتهدون الذين عرفوا الأحكام الشرعية من أدلتها. أما أغلب الحنابلة والشافعية والمالكية والحنفية فلن يأخذوا شيئاً لأنهم ليسوا بفقهاء على عرف المتقدمين. لكن لو قلنا إن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية سواء كان من الأدلة التفصيلية أو تقليداً، وهذه طريقة المتأخرين، فيدخل كل طالب علم ضبط فقه مذهبه.

إذاً نلاحظ أن المسألة لها أثر فقهي في النهاية، لها أثر عملي في الحياة العملية. إذاً هذا تعريف الفقه: العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية.

طيب ننتقل إلى الجزء الثالث. إذا عرفنا نحن الآن، ما زلنا حتى لا نضيع، نحن الآن نعرف أصول الفقه باعتباره مركباً إضافياً. عرفنا أنه مركب من ثلاثة أجزاء: أصول، وفقه، والنسبة الإضافية. عرفنا الأصول لغة واصطلاحاً. الأصول لغة: جمع أصل، ما يبنى عليه غيره. اصطلاحاً: أدلة. الأصول بمعنى الأدلة، هذا الذي اخترناه. الفقه لغة: الفهم مطلقاً. اصطلاحاً: العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية.

بقي الآن علينا الجزء الثالث من المركب الإضافي، وهو ماذا؟ النسبة الإضافية، يعني نسبة الأصول إلى الفقه. إذاً ما معنى أصول الفقه؟ الآن هاي النسبة الإضافية أيها الحبيب لابد أن تأخذها من تصورك لمعنى الجزئيين، فنقول: أصول بمعنى أدلة، وفقه بمعنى العلم بالأحكام الشرعية. إذاً النسبة الإضافية نسبة الأصول إلى الفقه معناها: أدلة الفقه، لأن الأصول ما معناها؟ الأدلة، والفقه: العلم بالأحكام الشرعية. إذاً النسبة الإضافية أصول الفقه بمعنى أدلة الفقه. وهذا هو المعنى الكامل للمركب الإضافي أصول الفقه: أدلة الفقه. هكذا نكون انتهينا من تعريف أصول الفقه باعتباره إضافياً وهو مركب من ثلاثة أجزاء: مضاف ومضاف إليه وإضافة.

ننتقل الآن إلى التعريف اللقبي، وهو الذي يهم وهو المقصود بالذات، وإنما التعريف الإضافي وسيلة لتعريف المعنى اللقبي. ما تعريف أصول الفقه لقباً؟ على هذا نقول أيها الأحبة: أصول الفقه بالتعريف اللقبي الآن أيها الأحبة عندما نعرف أصول الفقه باعتباره لقباً، نمضي إلى كلمة أصول الفقه وكأنها كلمة واحدة. الآن لا ننظر إلى المفردات، كأن كلمة أصول الفقه هكذا مزجت ووضعت علماً على فن معين، فلا أنظر الآن إلى المفردات نظراً استقلالي، لكن لابد من نوع نظر في الحقيقة؛ حتى يفهم؛ لأننا نحن في النهاية ايش قلنا؟ قلنا إننا ننتقل من التعريف الإضافي أو من خلال التعريف الإضافي إلى التعريف اللقبي، فلابد أن يبقى نوع نظر، لكنه بعيد للمعنى الإضافي. باختصار لابد أن نلمح لمحاً معنى التعريف الإضافي في التعريف اللقبي، ولكن في النهاية الآن نحن نعرف باعتباره كأنه كلمة واحدة وضعت على فن، فماذا نقول؟

الآن أيها الأحباب، أنا أقرر في تعريف الفقه تعريفا ذكرناه، أقرر في تعريف أصول الفقه تعريفا معينا، ثم عندما ننظر في كلام عبد المؤمن البغدادي رحمة الله عليه، سنناقش التعريف الذي اختاره هو وما عليه من بعض المؤاخذات. طيب، أصول الفقه لقباً هي قواعد أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد. إذاً هي ثلاثة عناصر: أصول الفقه لقباً قواعد أدلة الفقه الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد.

طيب ما معنى هذا التعريف أيها الأحبة؟ لابد كما قلنا في التعاريف أن نحلل، أن نقف نشرح حتى يتضح الأمر. قلنا أصول الفقه لقباً على الفن المعين قواعد أدلة الفقه الإجمالية. ما معنى كلمة القاعدة ابتداء؟ القاعدة أيها الأحبة، قواعد جمع قاعدة، بينما في النساء القواعد جمعها ماذا، مفردها ماذا؟ لا، في النساء تقول قاعد، المرأة يقال لها قاعد، لكن في العلوم القاعدة تجمع على القواعد، تجمع على مفردها قاعدة. عندما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور: 60] لو قلت ما مفردها؟ تقول فالمرأة التي لا ترجو النكاح لتقدمها في السن يقال لها قاعد بدون تاء. واما القواعد العلمية فإنه قاعدة بالتاء. طيب ما هي القاعدة؟ هي القضية الكلية التي تنطبق على جميع جزئياتها، هذا تعريف. وهناك تعاريف كثيرة: القاعدة هي القضية الكلية، يمكن أن تقول مثلاً القاعدة هي القضية الكلية التي يعرف منها أحكام جزئياتها، أيضاً هذا تعريف صحيح، قضية كلية يعرف منها أحكام جزئياتها.

عندما نقول: الأمور بمقاصدها، قاعدة، صحيح؟ تعرف منها أحكام جزئيات. عندما نقول: الأمر يقتضي الوجوب، قاعدة تنطبق على جزئيات. عندما نقول: النهي يقتضي التحريم، العام يبقى على عمومه، الإجماع حجة، كل هذه عبارة عن ماذا؟ قواعد تعرف منها أحكام الجزئيات. فاصول الفقه إذاً أيها الأحبة، لاحظوا ماذا أخذت في جنس التعريف العبارة الأولى: أصول الفقه عبارة عن قواعد، يعني عبارة عن قضايا كلية، وأنت عندما تدرس هذا العلم ستجد هذا الأمر، أن أصول الفقه ايش نحن ندرس؟ نذهب إلى دلالات الألفاظ: الأمر يقتضي الوجوب، النهي يقتضي التحريم، العام يبقى على عمومه، المطلق يحمل على المقيد. نذهب إلى القياس، نعرف قواعد القياس. نذهب إلى الإجماع، قواعد الإجماع. نذهب إلى الاستدلال، قواعد الاستدلال، قواعد الترجيح. لاحظ قواعد، قواعد، قواعد. إذاً أصول الفقه هو عبارة عن قواعد، عن قضايا كلية تعرف منها أحكام الجزئيات، إذاً هذا تعريف الكلمة الأولى: قواعد.

طيب، أصول في القواعد، لماذا؟ لا بد نحدد؛ لأن أصول ليس قواعد منطق، ليس قواعد شعر، قواعد أدلة الفقه الإجمالية. ما معنى أدلة الفقه الإجمالية باختصار؟ أدلة الفقه الإجمالية نقصد بها مصادر التشريع، فقط أريدك أن تفهم هذه الكلمة. أدلة الفقه الإجمالية ماذا أقصد بها؟ مصادر التشريع. إذاً أصول قواعد أدلة الفقه الإجمالية يعني باختصار قواعد مصادر التشريع. ومصادر التشريع كما سيأتي معنا، هناك مصادر تشريع متفق عليها: الكتاب، السنة، الإجماع، والقياس في الجملة، وبعضهم يذكر بدل القياس الاستصحاب، وهناك مصادر تشريع مختلف فيها: مثل الاستصلاح، مثل الاستحسان، سد الذرائع، قول الصحابي، وغير ذلك.

فإذاً أصول الفقه هي قواعد مصادر التشريع، مصادر التشريع ماذا تسمى؟ أدلة الفقه الإجمالية. فنقول الكتاب دليل.

إجماع السنة دليل إجمالي. قول الصحابي دليل إجمالي. طب كيف أدلة فقه إجمالية تشير على أن هناك أدلة تفصيلية صحيح؟

ما هي الأدلة التفصيلية؟ الأدلة التفصيلية هي نصوص الكتاب؛ ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 43] هذا دليل تفصيلي، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] دليل تفصيلي، قوله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» دليل تفصيلي. عندما أقف، قال عمر بن الخطاب كذا وكذا، قال علي بن أبي طالب كذا وكذا، هذا دليل تفصيلي.

فالكتاب كنظرة كلية نقول دليل إجمالي ونصوصه أدلة تفصيلية، السنة دليل إجمالي نصوصها أدلة تفصيلية، قول الصحابي دليل إجمالي ونصوصها أدلة تفصيلية، وعلى ذلك فقس. فالأصول لا يهتم بالأدلة التفصيلية، هذا شغل الفقيه، الفقيه هو الذي يهتم بالأدلة التفصيلية. أما الأصول فيهتم فقط بالأدلة الإجمالية، يهتم بقواعد الأدلة الإجمالية.

فالأصولي ما همه؟ أن يثبت قواعد الأدلة الإجمالية؛ فيثبت أولاً ما هي مصادر التشريع المعتبرة؟ أنا أريدك أن تتخيل عمل الأصولي، إذا تخيلت ستفهم ترتيب هذا الكتاب وترتيب علم أصول الفقه. الأصول يثبت مصدر التشريع، يثبت أن الكتاب حجة، السنة حجة، القياس حجة، يثبت أن الاستحسان حجة، الاستصلاح حجة، بناءً على مذهبه الذي يسير عليه.

بعد أن يثبت مصدر التشريع يثبت قواعد هذا المصدر. فعندما الآن أثبت أن الكتاب حجة، طيب ما قواعد هذا الدليل الإجمالي؟ يثبت أن الأمر يبقي للوجوب إذا ورد، أن النهي يقتضي التحريم، العام يبقى على عمومه. يذهب إلى السنة يثبت قواعدها، إذا تعارض القول مع الفعل، يذهب إلى القياس يثبت قواعده، يذهب إلى الإجماع يثبت قواعده.

إذاً، الأصول أولاً يثبت حجية المصدر، إذا أثبت حجية المصدر يبدأ يثبت قواعد التعامل مع هذا المصدر. هاتان مرحلتان مهمتان: إثبات الحجية ثم إثبات قواعد التعامل بعد الحجية، لذلك قلنا أصول الفقه: قواعد أدلة الفقه الإجمالية.

ثم كيف الجزء الثاني من التعريف؟ كيفية الاستفادة منها. بعد أن يثبت الأصولي قواعد الأدلة الإجمالية، أثبت لك أن الأمر يقتضي الوجوب، أثبت لك قاعدة أنه يقتضي التحريم، يأتيك الأصولي إلى كيفية الاستفادة منها، أي يعلمك كيف توظف هذه القواعد لاستثمار الأحكام الشرعية منها. ما معنى كيفية الاستفادة منها؟ كيف أوظف هذه القواعد لاستنباط الأحكام الشرعية؟ لأنك أنت أثبت القاعدة وعرفت أن الأمر يقتضي الوجوب، لكن ما أعرف كيف استثمر هذه القاعدة؟ كيف أنزلها؟ الأصول ليعلمك كيف تستثمر هذه القاعدة.

طيب كيف تستفيد منها؟ وهذه مرحلة ثانية مهمة، إذا تعارضت هذه القواعد ماذا أفعل؟ ماذا أقدم؟ ماذا أؤخر؟ هذا عمل الأصولي، يبين لك كيفية الاستفادة منها. إذاً: قواعد أدلة الفقه الإجمالية، كيفية الاستفادة منها.

وأخيراً: حال المستفيد. ما معنى حال المستفيد؟ أولاً من هو المستفيد؟ المستفيد أصالة هو الذي سيستفيد من قواعد أدلة الفقه الإجمالية، وهو الذي سيستفيد في التعامل بها. طب من هو هذا الشخص؟ هو المجتهد. المستفيد ابتداءً هو المجتهد، لأنه هو الذي سيستفيد من هذه القواعد ليأتي لنا بالأحكام الشرعية وينتج لنا فقهاً.

لكن في بعض الكتب يقول: المستفيد هو المجتهد والمقلد. في الحقيقة نعم المجتهد يستفيد والمقلد يستفيد، لكن المقلد يستفيد ممن؟ من المجتهد. والمجتهد يستفيد ممن؟ من القاعدة. المجتهد حقيقة هو المستفيد أصالة، والمقلد هو مستفيد لكنه تبع، مستفيد تبعا. فلو قلت المستفيد هنا المراد به المجتهد والمقلد أيضاً لا حرج؛ لأنه مستفيد لكنه مستفيد بالتبع، وأما المجتهد مستفيد بالأصالة.

فما معنى حال المستفيد؟ أي معرفة صفات المجتهد، لذلك دائماً كتب الأصول بماذا تختم؟ ببيان شروط الاجتهاد وصفات المجتهدين؛ حتى يبين لك الأصولي يقول لك: أنا أثبت لك القاعدة، علمتك كيف تستفيد منها، ثم أُعلمك متى أنت تكون مؤهلاً لهذه الاستفادة؟ ما هي الشروط التي ينبغي أن تتوفر فيك حتى تستفيد؟

فإذاً علم أصول الفقه، أي كتاب أصولي أيها الأحبة، لابد فيه من هذه العناصر الثلاثة: إثبات حجية مصادر التشريع وقواعد هذه المصادر، تتعلم كيف تستفيد من هذه القواعد، ثم تتعرف شروط الاجتهاد. وحتى لا يطول المجلس أكثر من ذلك، نقف عند المبدأ الأول من المبادئ العشرة هنا في المجلس القادم بإذن الله، سريعاً نكمل المبادئ العشرة ونشرع في دراسة هذا المصنف الذي بين أيدينا. نسأل الله أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يرزقنا الإخلاص دائماً في القول والعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.