بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمداً الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين لقواعد الفقه في الدين، نبينا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأحبة في هذا المجلس الثاني الذي نعقده في شرح كتاب قواعد الأصول ومعاقل الفصول للإمام عبد المؤمن البغدادي رحمة الله تعالى عليه.
وكنا في المجلس السابق أيها الأحبة مهدنا بذكر فوائد علم أصول الفقه، ثم شرعنا بعد ذلك في أخذ لمحة عن هذا الذي ندرسه، وانتقلنا إلى ذكر المبادئ العشرة لعلم أصول الفقه. وقلنا المبادئ العشرة هي مهمة جداً لطالب العلم قبل أن يشرع في أي علم من العلوم: إن مبادئ كل فن عشرة، الحد والموضوع ثم الثمرة، ونسبة وفضله والواضع الاسم الاستمداد بحكم الشارع، مسائل والبعض بالبعض اكتفى ومندر الجميع حاز الشرف.
ودائماً أيها الأحبة بعض المعلومات لابد تتكرر ويسمعها الطالب مئتي مرة أيها الأحبة، يعني لا يمل الطالب من تكرار المبادئ العشرة، من تكرار التعاريف الأصلية في العلم. لو سمعت تعريف أصول الفقه مئة مرة أنت الذي ستكسب، لو سمعته أكثر تنسخ المعلومة، يزداد تصورك، فبعض الطلاب يسأل يقول لماذا نكرر بعض المعلومات؟ لماذا نكرر التعاريف في كل دورة جديدة؟
لان هناك تعاريف أصول قد يكون الطالب دخل عليه شيء من النسيان، يحتاج إلى التكرار والإعادة من جديد حتى ترسخ. ومع طول الطلب وعن استمرار أحياناً قد تقل مراجعتك لهذه المصنفات القديمة ولهذه التعاريف القديمة، لكن عندما تكون راسخة سمعتها قديماً مئات المرات يكون نسيانها مع الزمن أضعف، الحمد لله تثقل أكثر.
المهم ذكرنا إذا أول مبدأ من المبادئ العشرة لعلم أصول الفقه وهو الحد، أي تعريف علم أصول الفقه. وبينا أن أصول الفقه أيها الأحبة يعرف بتعريفين: تعريف إضافي وتعريف لقبي. وقلنا لماذا نحتاج إلى التعريف الإضافي؟ أو ما هو التعريف الإضافي؟ هو تعريف كلمة أصول الفقه باعتبار أجزائها. وأما التعريف اللقبي هو تعريف كلمة أصول الفقه باعتبارها لقباً على فن، لذلك سمي لقبياً.
إذاً هناك تعرييف إضافي ولقبي، وكما قال الرازي وغيره من علماء الأصول: التعريف الإضافي تصوره ابتداء يمهد ويسهل الوصول إلى التعريف ماذا؟ اللقبي. ولكن سنرى أن هذه غريبة عن عبد المؤمن البغدادي في قواعد الأصول أنه عرض أصول الفقه لقباً ثم عرفه إضافة. يعني القاعدة المضطربة عادة عند علماء الأصول أنهم يذكرون التعريف الإضافي باعتباره وسيلة تقرب إلى تصور اللقب، فالاصل أن تعرف أصول الفقه باعتبارها مركباً إضافياً ثم تنتقل إلى تعريف أصول الفقه باعتبارها لقباً على الفن.
لكن عبد المؤمن البغدادي كما سيظهر معنا أيها الأحبة عكس، فذكر التعريف اللقبي ثم بعد ذلك ذكر التعريف الإضافي، وما عليه جذور حقيقة هو المسلم هو الأوضح. ولماذا عكس؟ هل هو لم ينتبه على هذه الجزئية؟ أم أنه أراد أن يقول لنا كما ذكر بعض الأصوليين كالسُّبكي أن تعريف اللقب لا يحتاج في تصوره وفهمه إلى التعريف الإضافي قبله، فذكر الإضافي هو زيادة معلومة زائدة على الهامش وليست أصلية، يعني لا نحتاج إليها في فهم التعريف اللقبي.
فلو ذكرت التعريف اللقبي ابتداء تتصوره من دون حاجة إلى التعريف الإضافي. هذا ذهب إليه بعض الأصوليين وقد يكون هذا احتمالاً، احتمال لا أجزم به، قد يكون عبد المؤمن البغدادي من هذا النوع ممن يرى أن التعريف اللقبي يكفي بذاته لا يحتاج قبله إلى التعريف الإضافي، فذكر اللقب ابتداء ثم الإضافي من باب تكميم الفائدة فقط.
طيب، ذكرنا التعريف الإضافي، قلنا التعريف الإضافي ينبني على أن هذه الكلمة مركب إضافي: أصول الفقه. وعرفنا أنها مركبة من كم جزء أيها الأحبة؟ من ثلاثة أجزاء؛ الجزء الأول جزء ظاهر وهو أصول، والجزء الثاني جزء ظاهر أيضاً وهو فقه، والجزء الثالث هو جزء معنوي وهو الإضافة، إضافة أصول إلى فقه. وبيجي لنا ما معنى كلمة أصول بالتفصيل؟ وما معنى كلمة الفقه؟ وما معنى الإضافة بينهما؟ فليراجع الطالب.
ثم انتقلنا إلى التعريف اللقبي لأصول الفقه، فقلنا أصول الفقه لقباً على هذا الفن هو ما هي تعريف أصول الفقه؟ أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها أي من هذه القواعد، وحال المستفيد. فأصول الفقه يتركب من هذه العناصر الثلاث، فقلنا الأصول ماذا يفعل؟ يثبت مصادر التشريع، بعد أن يثبت مصادر التشريع ابتداءً من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، نثبتها كحجية، ثم يذكر قواعد التعامل معها.
يذكر قواعد التعامل مع السنة، قواعد التعامل مع الإجماع، قواعد التعامل مع القياس، كذلك في الأدلة المختلف فيها، مصادر التشريع المختلف فيها: قواعد الاستصلاح، وقواعد وعلى ذلك. فبعد أن يثبت مصادر التشريع ويثبت قواعدها، ينتقل إلى العنصر الثاني وهو كيفية الاستفادة منها، أي كيف نوظف هذه القواعد حتى نحصل على الحكم الشرعي؟ كيفية الاستثمار؟
لذلك الغزالي رحمة الله عليه في المستصفى يشبه عملية أو علاقة الوصول إلى الفقه بالفقه بعملية استثمار أيها الأحبة، وأحياناً يمثلها بعملية أو بعملية زراعية أن هناك إنسان يزرع، هناك إنسان يحصل، كما بينا هذا في شرحنا على الروض الصغير مثال الغزالي بالتفصيل فالمراجع في بابه.
إذاً كيفية الاستفادة منها، كيف نوظف هذه قواعد الاستثمار والأحكام الشرعية والوصول إليها، هذا هو العنصر الثاني. العنصر الأخير: حال المستفيد، أي من هو الشخص المؤهل للاستفادة من هذه القواعد ولتطبيقها حتى يتوصل بها إلى الأحكام؟ فمن هو المستفيد والمجتهد؟ فلابد أن نذكر شروط الاجتهاد. وقلنا إن التقليد وأحكامه تذكر مع أحكام الاجتهاد، لأن المقلد هو مستفيد، لكنه مستفيد بالتبع، يستفيد من المجتهد، واما المجتهد فيستفيد من القاعدة مباشرة. هذه مراجعة مختصرة.
اليوم ننتقل أيها الأحبة إلى المبدأ الثاني من المبادئ العشرة: إن مبادئ كل فن عشرة الحد والموضوع. ما موضوع علم اصول الفقه؟ ودائماً نكرر عندما أقول موضوع العلم ما معنى العلم؟ المحور الذي يدور حوله العلم. المحور الذي تدندن حوله مسائل وقواعد هذا العلم؛ موضوع العلم المحور الذي تدندن حوله مسائل وقواعد هذا العلم.
ففي علم النحو في شرحنا لقطر الندى هنا، ما هو المحور الذي يدندن حوله علم النحو؟ وتدندن حوله مسائل وقواعد علم النحو ما هو هذا المحور؟ أواخر الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء. فالمحور الذي يلمم حوله علم النحو ويتوجه إليه النظر هو آخر الكلمة العربية من حيث الإعراب والبناء.
ففي أصول الفقه ما هو المحور الذي يدندن حوله هذا العلم بقواعده؟ المحور هو أدلة الفقه الإجمالية. إذاً موضوع أصول الفقه، يعني المحور الذي يدور حوله هذا العلم، أدلة الفقه الإجمالية. ما معنى أدلة الفقه الإجمالية؟ أدلة الفقه الإجمالية يمكن أن تسميها بتسمية أخرى وهي مصادر التشريع. لو قلت موضوع علم أصول الفقه مصادر التشريع إجابة صحيحة. لو قلت موضوع علم أصول الفقه مصادر التشريع لكانت إجابة صحيحة.
لكن كلمة مصادر التشريع في الحقيقة أكثر استخدامها عند المعاصرين المتأخرين، لكن المتقدمون من العلماء يقولون أدلة الفقه هكذا يسمونها، مصادر التشريع يسمونها أدلة الفقه الإجمالية. فعلم أصول الفقه موضوعه محوره أدلة الفقه الإجمالية، لان الأصول يتوجه إلى أدلة الفقه الإجمالية كما قلنا قبل قليل، يثبت حجيتها، يثبت قواعدها، يبين كيف التعامل مع قواعدها، من هو المؤهل لاستخدام للتشريع؟
فاذا كل عناصر علم أصول الفقه وكل مسائله تتوجه إلى مصادر التشريع إثباتاً بحجيتها ولقواعدها وكيفية استثمارها ومن يستحق أن يستثمره، فهو المحور. لذلك لو ما موضوع علم أصول الفقه تقول أدلة الفقه الإجمالي. وبناء على أن دائماً نقول إذاً إن العلم وتعريفه ليس له علاقة بموضوع العلم، موضوع العلم شيء والعلم بذاته شيء آخر.
فعلم النحو ليس أواخر الكلمات العربية، لا، علم النحو هي القواعد والمسائل التي تتكلم عن أواخر الكلمات العربية. فالعلم هي القواعد والمسائل، موضوعك هو المحور. فبالتالي أصول الفقه من يعرفه بأنه، هكذا تجد بعض المعاصرين ايش يقول؟ أصول الفقه تعريفه لقب أصول الفقه لقبائل أدلة الفقه الإجمالية. ماذا تقول له؟ تقول له هل يصح أن نعرف علم أصول الفقه نقول علم أصول الفقه هو أدلة الفقه الإجمالية؟
نقول لا، أدلة الفقه الإجمالية هذه موضوع أصول الفقه وليس التعريف علم أصول الفقه. وإنما علم أصول الفقه ما هو؟ هو القواعد التي تدرس أدلة الفقه الإجمالية. حاول أن تركز في هذه الفائدة: علم أصول الفقه ليس أدلة الفقه الإجمالية، علم أصول الفقه هي المسائل والقواعد التي تدرس وتدندن حول أدلة الفقه الإجمالية.
كما أن علم النحو ليس آخر الكلمة العربية، وإنما هو المسائل والقواعد التي تدرس آخر الكلمة العربية. إذاً أصول الفقه ليس أدلة الفقه الإجمالية، وإنما هو القواعد والمسائل التي تدرس أدلة الفقه الإجمالية، الفرق بين هذا وهذا.
طيب يا شيخ، هناك كتب لعلماء كبار في علم الأصول يقولون أصول الفقه مباشرة أدلة الفقه الإجمالية. صحيح؟ ايش يقول السيوطي في الكوكب الساطع في أول تعريفه لأصول الفقه؟ أدلة الفقه الأصول مجملة. بناء على تهديد السبكي في جمع الجوامع، السبكي ايش عرف أصول الفقه؟ قال أصول الفقه أدلة الفقه الإجمالي.
طيب إذا هذا يتناقض مع كلامك، هكذا تقول أن السبكي والسيوطي في نظمه على السبكي يعرفون يقولون أصول الفقه أدلة الفقه تمانية فكيف تقول لا يصح أن أعرّف أصول الفقه بأن أدلة الفقه الإجمالية؟ نقول من عرّف أصول الفقه بقوله أدلة الإجمالية فهنا يتأول كلمة أدلة بأن قبلها كلمة محذوفة. فالتقديم: من قال أصول الفقه أدلة الفكر الإجمالية، التقدير: قواعد وأدلة الفقه الإجمالية. لابد من تقدير هذه الكلمة وإن لم تكن موجودة.
وبعضهم لا يقدم كلمة محذوفة، يفسر كلمة أدلة الفقه الإجمالية بتفسير آخر، فيكون المراد بالأدلة في التعريف القواعد، فيعود بالأدلة إلى القواعد. وهذان التأويلان ذكرهما رحمة الله عليه حاشيته على جمع الجوامع. وفي الحقيقة إذا كان إذا كنا نحتاج إلى هذا التعسف وإلى هذا التأويل، لماذا لا نريح الطالب ابتداء؟
فنقول له أدلة أصول الفقه هي قواعد وأدلة الفقه الإجمالية، بدل أن نقول هناك كلمة محذوفة قبل أدلة الفقه أو نؤول الأدلة بمعنى القواعد، ويصبح الطالب تائه بمدلول هذه الكلمة وأحدث له مصطلحات جديدة، لا، أقتصر المسافة على الطالب وأقول أصول الفقه هي قواعد وأدلة الفقه الإجمالي. وهذا التعريف كذلك مثلاً ابن النجار الفتوحي في مختصر التحرير عندما قال: أصول الفقه هي القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام. فعرف أصول الفقه بأنها القواعد، فهذا هو الأسلم والاوضح للطالب.
أن نعرف أصول الفقه بأنها القواعد، قواعد أدلة الفقه الإجمالية، أو بدل أدلة الفقه الإجمالية ايش ممكن نستخدم؟ مصادر التشريع، فتكون قواعد مصادر التشريع، وهذا يضغط عليكم صحيح. إذاً أدلة الفقه الإجمالية أو مصادر التشريع موضوع أصول الفقه.
طيب على الهامش، لماذا تسمى أدلة الفقه الإجمالية؟ حتى يبين لك قضية مهمة أن الأصولي إنما يدرس أدلة الفقه مجملاً على الإجمال ولا يدخل في تفاصيل نصوصها. فالأصولي يدرس الكتاب ككتاب بجملته، يقول: الكتاب حجة وقواعد التعامل معه كذا وكذا، السنة حجة وقواعد التعامل معها كذا وكذا، ولا يهتم في ايش؟ في نصوص الكتاب أو في نصوص السنة.
يقول لك هذه مش عبث، الذهاب إلى نصوص الكتاب التفصيلية ونصوص السنة التفصيلية والتعامل معها لعمل ما عمل الفقيه. فالفقيه هو الذي يذهب إلى التفصيلية أو إلى الأدلة التفصيلية ليطبق عليها القواعد التي وضعها له الأصولي. صحيح؟ انتبهوا على القضية حتى تفهم لماذا يكون أدلة الفقه الإجمالية؟ حتى يقول لك أنا كأصولي أدرس أدلة الفقه التي هي الكتاب ويبنى عليه الفقه، السنة يبنى عليها الفقه، إذن هي دليل الفقه.
لكن الأصولي يدرسها جملة بكلية، ينظر إليها الكتاب كوحدة واحدة، ما حجيته؟ ما السنة، الإجماع، القياس، الاستصلاح، الاستصحاب إلى آخره. يدرسها مجملة، يثبت لك قواعدها المجملة. أما نصوص الكتاب ونصوص السنة وفرع القياس، يعني مسائل القياس التطبيقية، هذه تسمى أدلة الفقه التفصيلية. فعندنا أدلة فقه إجمالية وأدلة فقه تفصيلية.
أدلة الفقه الإجمالية هي التي تختص بعمل الأصولي، هو الذي يتعامل معه، يدرس الكتاب بجملته مجملاً، السنة مجمل ايش قواعدها؟ لا ينظر للفرع، يقول لك أنا ايش دخلي في الفرع؟ هذا مهمة الفقيه، هو الذي عليه أن يذهب إلى النصوص التفصيلية فيطبق عليها القواعد التي أثبتها له.
سريعاً أيها الأحبة، حتى نفهم أصول الفقه أنه يدرك الطالب هذا العلم ويتصوره ويفهم العلاقة بين الأصولي وبين الفقيه. تخيلوا أنفسكم في مصنع، وهذا ربما ذكرته في دورة سابقة. تخيلوا أنفسكم في مصنع، هذا المصنع فيه ماكينات، هذه ماكينة جيدة ممتاز. هذه الآلة أيها الأحبة هي عبارة قواعد أصول الفقه. من الذي يصنع هذه الآلة إذاً؟ هناك مهندس يصنع هذه الآلة، صحيح؟
هناك شخص مهندس هو الذي سيصنع هذه الآلة، هذا المهندس ما هو؟ من هو؟ عفواً هو الأصولي، فالأصولي مهندس يصنع لنا آلة، هذه الآلة فيها قوالب، هذه الآلة هذه الآلة بقوالبها هي قواعد أصول الفقه. يأتي الآن الموظف في هذه الشركة، هذا الموظف من هو؟ الفقيه موظف. هذا الموظف الذي هو الفقيه عنده مواد خام يريد أن يدخلها إلى هذه الآلة حتى تخرج له مواد مصنعة جاهزة.
إذاً الموظف عنده مواد خام، ما هي المواد الخام؟ هي النصوص التفصيلية، الكتاب والسنة وفروع وأمثلة القياس إلى غير ذلك، مواد خام النصوص التفصيلية والمسائل، المسائل الفقهية. وأي مبادرات عبارة عن نصوص تفصيلية يملكها، وعنده مسألة فقهية تريد جعلك حكمها صحيح؟ فالموظف الآن يأتي إلى هذه الآلة التي صنعها له المهندس الأصولي، فيقوم الموظف بإدخال.
النصوص التفصيلية إذا كان طبعا كتاب وسنة قد يكون ما عنده نصوص تفصيلية، ما في نص تفصيلي بمسألة، قد يكون هناك إجماع، قد يكون هناك قيادة ذكره العلماء. المهم الموظف يأتي إلى المسائل الفقهية، جيد؟ مع النصوص الموجودة عنده، قد يكون أثر صحابي، أثر تابعي.
كلام النبي صلى الله عليه وسلم يدخل المسألة الفقهية مع النصوص التفصيلية التي بين يديك في داخل هذه الآلة. لكن عليه على هذا الموظف أن يدخل النص التفصيلي والمسألة الفقهية في المكان المناسب في هذه الآلة، لأنه يمكن يدخلها في مكان خاطئ في الآلة فينتج لي إنتاجاً خاطئاً. لكن إذا أدخل الموظف المواد الخام التي عنده من المسائل الفقهية والأدلة في القالب المناسب سينتج لي إنتاجاً صحيحاً. هذا الإنتاج الصحيح هو الشباب.
إذاً، هذه هي المحاور أيها الأحبة التي تبين لنا علاقة أصول الفقه أو علاقة علم أصول الفقه بالفقه. أصول يصنع لنا آلة هي قواعد أصول الفقه. يأتي الموظف الذي هو الفقيه المجتهد ليستثمر هذه الآلة، يضع فيها المواد الخام من المسائل الفكرية والنصوص الجزئية التي يملكها، لكن عليه أن يضعها في الآلة بشكل صحيح حتى تنتج فيه إنتاجاً صحيحاً. ما هو الإنتاج؟ الإنتاج هو الحكم الشرعي.
فأنا عندي مسألة فقهية لا أعرف حكمها، فيأتي هذا الفقيه المجتهد، نأتي بهذه المسألة ويأتي بما عنده من جزئيات أدلة جزئية يدخلها داخل هذه الآلة، فهذه الآلة تبدأ تطبق باستخدام التطبيقات التي وضعها الأصولي فينتج عندنا الحكم الشرعي. هذا التصور يمكن أن يقرب الصورة للطالب حول علاقة علم الفقه بالفقه.
طيب، حتى لو نطير أكثر من ذلك أيها الأحبة ننتقل إلى الحد الثالث أو المبدأ الثالث من هذه العشرة. إن مبادئ كل فن عشرة: الحد والموضوع ثم الثمرة، الآن سرد سريع. ما ثمرة علم أصول الفقه؟ يعني ما أهميته وفائدته؟ ذكرنا في الدرس الماضي فوائد كثيرة لعلم أصول الفقه، يمكن أن نلخص في أهم الفوائد، ماذا نقول؟
نقول: أصول الفقه أيها الأحبة يعرف الفقيه كيف يستنبط ثمرته، أن نتعلم كيف نستنبط الأحكام الشرعية بشكل صحيح. هذه الفائدة الأولى لعلم أصول الفقه. العلم، كما ذكرنا قبل قليل في الصورة، أن استنبط حكماً شرعياً، أن أخرج حكماً شرعياً بشكل صحيح. هذه المهمة: أستنبط الأحكام والوصول للأحكام الشرعية بشكل صحيح.
ثاني فائدة له، كما قلنا، حماية هذا الدين من التبديل والتحريف والزيادة والنقصان، فلا يتكلم متكلم إلا بناء على أدلة موجهة بشكل صحيح تنطبق على قواعد علمية، فهذان أو هاتان فائدتان مهمتان هما ثمار هذا العلم. المبدأ الرابع: إن مبادئ كل فن عشرة: الحد والموضوع ثم الثمرة، نسبة. نسبة هذا العلم إلى علوم الشريعة؟ نسبته، ما علاقته باختصاص علوم الشريعة؟
فنقول: علم أصول الفقه نسبته إلى علوم الشريعة أولاً، ومن علوم الشريعة أصول الفقه ليس من علوم اللغة، ليس من علوم الهندسة، من علوم الرياضيات، بل نسبته إلى العلم في الجملة أنه من علوم الشريعة. هذه نسبته، يعني علاقتهم بالعلوم أنه من علوم الشريعة. ثم داخل علوم الشريعة، ما علاقته؟
نقول: هو من علوم الآلة وليس من علوم المقاصد. في داخل بوتقة العلوم الشرعية هو من علوم الآلة وليس من علوم المقاصد. فهناك تصنيفان: علاقة علم أصول الفقه بالعلم جملة أنه من علوم الشريعة، ثم داخل علوم الشريعة وهو من علوم الآلة. طيب، العنصر أو المبدأ الخامس: الحد الموضوع الثمرة نسبة فضل.
فما فضل هذا العلم؟ كما قلنا الفضل والثمرة بينهما نوع اشتراك، يكفيه فضلاً أنه يحفظ لنا الشريعة. فضله باختصار: حفظ الشريعة المحمدية والوصول المتمسكين بها إلى بر الأمان بعيداً عن الشبهات. بعد ذلك، بعد فضل العلم، إيش قلنا؟ نسبة وفضله والواضع. نعم.
هنا وضع علم اصول الفقه يحتاج إلى وقفة مع هذا المبدأ. من الذي وضع علم أصول الفقه؟ اريدك ابتداء، اخي المشاهد اخي الكريم، ان تفرق بين امرين: بين نشأة علم اصول الفقه وبين وضع علم اصول الفقه. فاصول الفقه متى نشأ؟ فنقول: اصول الفقه نشأ مع الاسلام. في اللحظة التي بدأ بها النبي صلى الله عليه وسلم دعوته الى الاسلام، نشأ علم اصول الفقه ثم استمر بالنشوء والنضوض مع استمرار الدعوة المحمدية. فهذا يسمى النشأة. جميل.
لما كانت أصول الفقه أكثرها من قواعد اللغة العربية، وكانت هذه القواعد مركوزة في فطر العرب الأقحاح من الصحابة والتابعين، ولما كان الصحابة يشاهدون النبي صلى الله عليه وسلم وينظرون تطبيقه المباشر للأحكام وكيف يتوصل في إثباتها، فضلاً عن أنه يوحى إليه من الله سبحانه وتعالى، لم تظهر هناك حاجة لتدوين علم أصول الفقه. النبي صلى الله عليه وسلم هو التشريع الموجود بين أيدي الصحابة، فلا حاجة إذاً للكلام عن علم أصول الفقه ووضع قواعد وما شابه ذلك، هو المشرع صلى الله عليه وسلم ومبلغ ربي عز وجل.
فإذاً علم أصول الفقه كقواعد كمسائل نشأت مع نشوء الإسلام، كانت موجودة في فطر الصحابة، في فطر التابعين، في فطر العرب الأقحاح، ثم بعد الابتعاد قليلاً عن عصر الصحابة وعصر التابعين، ومع التوسع في بقعة الإسلام، الأعاجم وبدء الاختلاط، وبدأ ظهور الخلل في الوصول للحكم الشرعي، بدأ هناك أفهام سقيمة تستنبط لنا أحكاماً شاذة. انتبه العلماء على أنه أيها الأحبة لغة العرب اختلطت بكلام العجم، أصبح عندنا أفهام شاذة، أحكام لا تخرج بشكل صحيح، إذاً نحتاج لضبط الأمور، نحتاج إلى سكة ومقياس حتى يسير عليه العلماء لا يعرض اضطراب، فأحتاجوا إلى وضع أصول الفقه على شكل قواعد وقوالب يستثمرها الطلبة بعد ذلك.
فالحاجة والضرورة هي التي دعت إلى التصنيف في هذا العلم. لذلك، إيش يا مصاحب مرام السعود في كلامي عن التصنيف؟ أول من صنف في الكتب محمد بن إدريس الشافعي المطلب. وقبله كانت له سليقة مثل الذي بالعربي من خليقة. إيش يعني؟ وقبله كانت له سليقة. يعني الآن أول من وضع كتاباً في علم أصول الفقه هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي المطلبي رحمة الله عليه.
لكن قبل الشافعي، قبل هذا الكتاب، ما كان هناك علم أصول الفقه عند الصحابة عند التابعين؟ بلى، كان هناك علم أصول للفقه، لكن كما قال: كانت له سليقة. كانت سليقة في عقول الصحابة والتابعين وفي فطرهم، مثل الذي للعرب منه خليقة، يعني مثلها مثل جميع السجايا التي كانت مطبوعة عليها العرب، كانت أصول الفقه في سجية الصحابة والتابعين.
الصحابة شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وهم عرب أصحاء، فما احتاجوا إلى تدوين. التابعون اخذوا من الصحابة من المصدر الأول بعد النبي صلى الله عليه وسلم وهم عرب أصحاء، فما احتاجوا إلى تدوين. بعدهن ضعف الوصول إلى العهد النبوي، حدثت هناك حلقات طويلة، هذه الحلقات الطويلة سببت نوع ضعف في فهم المنهج المحمدي عليه الصلاة والسلام. هناك طرف اللغة العربية، فاحتاج الشافعي رحمة الله عليه إلى أن يضع كتابه.
إذاً محمد بن إدريس الشافعي رحمة الله عليه وضع كتاباً في علم أصول الفقه. طيب، لماذا وضع كتاباً؟ يعني هل وضعه هكذا ابتداءً من عنده؟ كان نائماً فاستيقظ قال: أريد أن أضع كتاباً؟ أم كان هناك فائدة معينة؟ نقول: قصة وضع الكتاب الأول أن عبد الرحمن بن مهدي الإمام المحدث الكبير كان نجماً في علوم الحديث، لكن رحمة الله عليه حدث عنده لبس في بعض مسائل أصول الفقه في الناسخ والمنسوخ وبعض القواعد الأخرى، فاحتاج إلى عالم مثل الإمام الشافعي رحمة الله عليه ليبين له هذه القواعد الأصولية ويبين له المنهج. جيد؟
فكتب رسالة للشافعي رحمة الله عليه: أن بين لي هذه المسائل الأصولية التي اختلطت علي في الناسخ والمنسوخ وكيف يتعامل مع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم إذا تعارضت وغير ذلك. فكتب له الشافعي رحمة الله عليه الرسالة، كتاباً هو في الحقيقة ليس كتاباً، هو إيش كان؟ رسالة كتبها الشافعي وردها إلى عبد الرحمن بن مهدي، أرسلها إلى عبد الرحمن بن مهدي، لذلك سميت الرسالة، لأنها رسالة خطية من الشافعي إلى عبد الرحمن بن مهدي. هذه الرسالة تسمى الرسالة البغدادية، وهذه أيضاً تسمى الرسالة القديمة، لأن هذه الرسالة في الحقيقة فقدت من عندنا، لا توجد.
والرسالة المطبوعة الآن وتتداول بين أيدي الطلبة هي رسالة أخرى أملاها الشافعي رحمة الله عليه في مصر في آخر عمره على الربيع بن سليمان المرادي. الشافعي انتقل إلى مصر، انتقل من العراق وذهب إلى مصر وهناك نشأ مذهب الفقه الجديد ما يسمى جديد الشافعي، وهناك أملى هذه الرسالة الأصولية على الربيع بن سليمان المرادي.
فهذه تسمى الرسالة الجديدة أو الرسالة المصرية، وهي التي بين أيدينا. كان هناك رسالة قديمة قبلها هي أول ما صنف في هذا العلم، وهذه الرسالة القديمة أيها الأحبة ذكرها العلماء بين أيدي بعض العلماء كالصيرفي. يعني الصيرفي أحياناً، وأنا أنبه على كتاب الزركشي البحر المحيط، الزركشي في البحر المحيط أيها الأحبة يذكر أحياناً كلاماً للعلماء في شرح الرسالة القديمة، وهذا يعني أن الرسالة القديمة وقعت بيد بعض العلماء وشرحوها ولهم عليها تعليقات.
لذلك هذه من الفوائد العظيمة في شرح البحر المحيط للزركشي أنك تقف على كلام العلماء لبعض نصوص الرسالة القديمة التي هي مفقودة ولا توجد عند أحد. أما الرسالة المشهورة الآن والمطبوعة كما قلنا هي الرسالة الجديدة التي دونها في مصر.
إذاً، عرفنا أن أصول الفقه نشأ مع نشأة الشريعة الإسلامية، لكن كوضع كتدوين كأول كتاب سنة هو الكتاب الذي وضعه الشافعي رحمة الله عليه. طبعا هناك دعوة أن أول من وضع في علم أصول الفقه أبو يوسف ومحمد بن حسن الشيباني من الحنفية، وهذه دعوة لا دليل عليها. كذلك الروافض يقولون إنه أول من وضع في هذا العلم، وكذلك لها في الدعاوى أيها الأحبة، لا يوجد علم موثوق نستطيع أن نسندها إليها.
طيب، بعد الشافعي رحمة الله عليه، هذا تبع الكلام عن المدارس الأصولية وأحياناً أسف المقدمات. لكن حقيقة أيها الأحبة، أنا وجدت مع التجربة الشخصية ومع تجربتي مع الطلبة أن الإسهام في المقدمات ورسوخ تصور الطالب لها ابتداءً، حتى لو بعد ذلك في منتصف الكتاب أسرعت قليلاً، ما في إشكال كثير، لأنه الطالب أصبح عنده مقدمات راسخة يستطيع وحده أن يكمل مشوار نوعاً ما.
لكن إذا كانت المقدمات مهزوزة عند الطالب، تصور ضعيف للعلم ابتداءً، فيصعب أن يسير معك في العلم في كتب ومتون أخرى. لذلك أركز كثيراً وأسر في شرح المقدمات لعلها ترسخ الطالب. الآن أيها الأحبة سأتكلم: بعد الشافعي ماذا حدث في علم أصول الفقه؟ نذهب إلى السبورة يميناً وشمالاً.
الآن أيها الأحبة، خرجت عندنا مدارس أصولية. بعد الشافعي خرجت عندنا مدارس أصولية. ألخص هذه المدارس، استطيع أن أقول المدارس الأصولية في أربعة مدارس. المدرسة الأولى، في الحقيقة طبعا لا أتكلم عن نشأة زمنية الآن، قد يكون هناك نوع من تقارب بينهم في الزمن، لكن أنا أعددها ذهاب.
مدرسة المتكلمين، المدرسة الثانية المدرسة الحنفية، المدرسة الثالثة مدرسة الجمع بين المتكلمين والحنفية، المدرسة الرابعة مدرسة تخريج الفروع على الأصول. هذه أربعة مدارس أيها الأحبة نتكلم عنها سريعاً. مدرسة المتكلمين، لماذا سميت مدرسة المتكلمين؟ نسبة إلى أن أكثر من كتب فيها هم علماء الكلام. طيب، من هم علماء الكلام؟ هم علماء الاعتقاد، علماء العقيدة، لأن علم العقيدة عندما نشأت الفرق في هذه الأمة والخلاف العقدي، أصبح علم العقيدة يسمى علم الكلام، وإن كان الأصل هو في الحقيقة علم عقيدة، والأصل أن نبتعد عن كلمة علم الكلام، لكن هكذا شيء وقع وانتهى.
إذاً علم العقيدة أيها الأحبة عندما نشأ الخلاف العقدي أصبح يسمى علم الكلام. لماذا سمي علم الكلام؟ لأنه كثر فيه التناظر بين الفرق بإيراد الكلام والحجج، لذلك يقول: فلان المتكلم من هكذا تجد في كتب الطبقات وكتب التراجم: كان من المتكلمين، كان من أئمة الكلام أن يحسن المناظرة في علوم الاعتقاد.
لذلك، لماذا يعرفون علم الكلام؟ علم الكلام أيها الأحبة، علم الكلام هو العلم الذي تثبت به مسائل الاعتقاد من خلال إيراد الحجج ودفع، هكذا يعرفون علم الكلام. أعيد، ما هو علم الكلام؟ هو إثبات المسائل العقدية بإيراد الحجج ودفع الشبه، لذلك الغزالي والرازي وغيره ممن صنفوا على طريقة الأشاعرة، إيش كانوا يفعلون؟ يثبتون المسائل العقدية التي يدينون الله عز وجل بها بذكر الحجج التي تؤيد قولهم ويدفعون الشبه.
كذلك ما فعله ابن تيمية وابن القيم ومن سار على منهجهم في إثبات مسائل الاعتقاد، يثبتون مسائل الاعتقاد بإيراد الحجج ودفع الشبه. هذا علم الكلام كناحية اصطلاحية عند العلماء. الآن أصول الفقه أيها الأحبة، من أبرز مدارسه مدرسة المتكلمين، قلنا: لماذا سميت مدرسة المتكلمين؟ لأن أبرز من صنف على هذه المدرسة أو في هذه المدرسة هم علماء الكلام، جيد.
هذه المدرسة لها اسم آخر، تسمى مدرسة الجمهور. لماذا تسمى مدرسة الجمهور؟ لأن من صنف أئمة المذهب المالكي والشافعي والحنبلي. فهذه المدرسة تسمى مدرسة المتكلمين وتسمى مدرسة، لماذا تسمى مدرسة المتكلمين؟ لأن أكثر من كتب فيها هم علماء الكلام. علماء علم العقائد صنفوا كتباً في أصول الفقه.
تسمى مدرسة الجمهور لماذا؟ لأن من كتب فيها هم علماء الشافعية والمالكية والحنابلة. فهذه مدرسة مقابل في التقابل مع مدرسة الحنفية: مدرسة الجمهور ومدرسة الحنفية. مدرسة الجمهور كما قلنا المتكلمين.
لأن أكثر ما كتب فيهم يتكلمون. كون مدرسة المتكلمين أكثر من كتب فيها هم علماء، هذا سيؤدي إلى ماذا أيها الأحبة؟ ماذا سينتج هذا في علم أصول الفقه؟ سيؤدي إلى أن الآن الإنسان العقدي صاحب علم، إن تغلب على كلامه ماذا؟ الحجاج العقدي والمناظرات المنطقية والفلسفية طبع عليها، فسيستجر هذا الأسلوب الذي فطر وهذا النوع من الكتابة، وسيستجربه ويأخذه معه إلى علم الأصول.
لذلك من كتب في علم الأصول على طريقة المتكلمين أو من المتكلمين، غلب عليهم ماذا؟ غلب عليهم الصبغة الكلامية والطرق المنطقية الفلسفية في الكتاب، فتجد كتباً بالحجاج العقلي. الحجاج العقلي لأنهم طبعوا على ذلك. هذه فوائد سريعة لو لم نمنحه المدرسة. في بعض الكتب ستجدهم يقولون: مدرسة المتكلمين هي المدرسة التي تقوم بإثبات القواعد الأصولية من خلال الأدلة والحجج العقلية، هكذا يقولون حتى يفرقوا بينها وبين مدرسة الحنفية. يقولون: مدرسة الحنفية هي المدرسة التي تثبت القواعد الأصولية من خلال الفروع الفكرية؛ يذهبون إلى الفروع يستخلصون منها قواعد الأصول. لا، مدرسة المتكلمين لا تستخدم هذا المنهج، مدرسة المتكلمين تثبت القواعد الأصولية ليس من الفروع الفقهية، بل من خلال الحجاج والأدلة العقلية والنقاش العقلي مع استخدام بعض الأدلة النقلية.
إذاً أيها الأحبة، مدرسة المتكلمين، يلملم الكلام حولها، سميت المتكلمين لأن أكثر من كتب فيها هم علماء الكلام، علماء اعتقاد. هذه المدرسة تسمى مدرسة الجمهور لأنها على طريقة المالكية والشافعية. طريقة هذه المدرسة في التصنيف ما هي؟ إثبات القواعد الأصولية وعلم الأصول من خلال الحجاج والأدلة العقلية. الآن أريد أن انقل لكم وأقرأ لكم سريعاً وأنا واقف نصاً للغزالي رحمة الله تعالى عليه، يتكلم فيه عن مدرسة المتكلمين، ماذا يقول؟ يقول الغزالي رحمة الله: يتكلم لماذا كثرت طريقة أهل الكلام في علم أصول الفقه؟ لماذا كثر الحجاج العقلي الصعب في علم أصول الفقه؟ إيش يقول؟ قال: وإنما أكثر فيه المتكلمون من الأصوليين. غلبت الكلام، وإنما أكثر فيه المتكلمون من الأصوليين لغلبة الكلام على طبائعهم، فحملهم حب صناعتهم على خلق هذه الصياغة، كما حمل حب اللغة والنحو بعض الأصوليين على مزج جملة من النحو بالأصول، فذكروا فيه من معاني ومعاني الإعراب جملاً هي من علم النحو خاصة.
إيش يريد الغزالي بهذا النقل؟ يقول لك: لماذا علماء الكلام أكثروا من ذكر مسائل كلامية واستخدام طرقهم الكلامية في علم أصول الفقه؟ قال: بأن هذا غلب على طبائعهم. سرى هذه الطبائع إلى علم أصول الفقه، كما أن عالماً من علماء النحو كتب في علم أصول الفقه سيذكر مسائل من النحو لا تهم علم أصول الفقه لكنه سيقبل من ذكرها بعلم أصول الفقه، لأنه يستجر علاقته باللغة إلى علم أصول الفقه، وهذه طبيعة الإنسان؛ تجد المتقن في فن معين إذا تكلم في فن آخر، تجد فنه الذي يتقنه دائماً يأتي معه في الفن الآخر ويستشهد به ويستجر الكلام عنه في هذا الفن الجديد مع أنه لا علاقة له كثيراً. فهذا كلام من أئمة علماء الكلام، الغزالي رحمة الله عليه يقول لك: إنه هذا والله لماذا نحن أكثرنا من ذكر أصول الفقه؟ يذكرون في حد العلم وحد النظر وحد البرهان وما هو الفكر وما هو التصور؟ كمسائل كلامية تتعلق بعلم الانتقاد، الأصل ليس لها علاقة تبع أصول الفقه، لكن الطبيعة الكلامية غلبت عليهم.
طيب الآن، هذا أنا أظن أني حاولت أني أصور لك مدرسة المتكلمين، وأقرر دائماً، ما أبرز الكتب التي صنفت فيها؟ من كتب المتكلمين أيها الأحبة، في الحقيقة لنستطيع أن نقول إن كتبها التي صنفت فيها جاءت على هذه المراحل؛ هناك كتاب الإرشاد والتقريب للباقلاني. وهناك كتاب ظهر مزدحم، هناك كتاب الإرشاد والتقريب للباقلاني، والباقلاني هو من اتباع المذهب الأشعري رحمة الله عليهم جميعاً. والكتاب الثاني الذي يقابله كتاب العمد لمن؟ للقاضي عبد الجبار رحمة الله عليه من أئمة المعتزلة، فهذا كتاب الباقلاني ويقابل كتاب العمد للقاضي عبد الجبار. هذا، جيد، فهذا على طريق. الإرشاد والتقريب (يعني نذهب للإرشاد والتقريب تجد هناك جدل أشعري معتزلي، علم الكلام والمشاكل في علم الاعتقاد، الذي يسمى هذا الكلام) استجبوها معهم إلى كتب أصول الفقه، فانظر بين التقريب تجد الأشاعرة والباقلاني صاحب الكتاب يهتم كثيراً بالرد على المعتزلة في مسائل الاعتقاد داخل علم أصول الفقه. فالناظر يقول: إحنا في أصول الفقه ولا في علم كلام؟ لكن نقول هكذا هذه الطباع وهذا السجال.
أنت دائماً ادرس الفترة الزمنية التي نشأت فيها هذه الكتب، وما الذي طغى على عقول هؤلاء الأئمة؟ تدرك لماذا دائماً يستجرون الخلاف في علوم متنوعة، لأن هذا السجال العقدي طغى على عقولهم في تلك الفترة. المهم، بعد الإرشاد والتقريب، جاء الجويني رحمة الله عليه فلخصه في كتاب التلخيص، في كتاب التوحيد، هو تلخيص لكتاب الإرشاد والتقريب، ثم وضع الجويني كتاب البرهان. التلخيص لمن؟ للامام الجويني رحمة الله عليه، وأما كتاب العمد فقد جاء أبو الحسين البصري فوضع عليه كتاب المعتمد، أبو الحسين البصري وضع كتاب المعتمد شرح فيه كتاب ماذا؟ العمد. جميل.
الآن أيها الأحبة، أن الإرشاد والتقريب نتج عنه كتاب التلخيص والبرهان، وكتاب العمد للقاضي عبد الجبار نشأ عنه كتاب المعتمد لأبي الحسين البصري. هذه الكتب الأربعة، هذه الكتب الأربعة لخصها عالماً، لخصها الغزالي، بدأت الشاشة تضيق، هذه الكتب الأربعة، هذا سهم وسهم هنا، هذه الكتب الأربعة لخصها من؟ قدوة ملخصها الغزالي في ماذا؟ في المستصفى، والرازي في ماذا؟ المحصول. هذه الكتب الأربعة على الطريقة الأربع لخصها وأبرز أفكارها من؟ الغزالي. إن كان في طريقة الأشاعرة لكنهم كانوا يهتمون ذكر الزبد من هذه الكتب الأربع.
ثم بعد الغزالي، الأمن الغزالي والرازي لخصا هذه الكتب. مع أن طبعا الغزالي له منهج والرازي له منهج. بعد الغزالي والرازي، جاء من اختصر كتاباً، لا عفواً، هناك إشكال، تقدمت هذه الكتب الأربعة أيها الأحبة، اختصرها الغزالي أو جمعها الغزالي رحمة الله عليه، اختصر ما فيها الغزالي في المستصفى وفي المنخول، ثم بعد ذلك جاء عالمان أخذا كلام الغزالي، وهما الرازي. لأن الغزالي أيها الأحبة من يعتبر من شيوخ الرازي من الناحية الزمنية؛ الرازي بعده بمائة سنة تقريبا، توفي الغزالي خمسمائة وخمسة والرازي ستمائة وستة.
فهذه الكتب الأربعة نستطيع أن نقول أخذ خلاصتها الغزالي في المستصفى، ثم بعد ذلك بنى على الغزالي عالمان: العالم الأول الآمدي في كتابه ماذا؟ الأحكام، والرازي في كتابه المحصول. وهذان الإمامان، كل واحد له منهجه الخاص في الكتابة، ولا أريد أن نقتحم الآن في مناهج الأئمة في تصانيفهم، لكن أريدكم أن تتخيلوا هكذا: الإرشاد والعمد، الإرشاد ينتج لنا التلخيص والبرهان، العمد أدى لنا هذه الكتب الأربعة، جاء الغزالي فوضع لنا المستصفى. المستصفى بنى عليه عالمان هما الآمدي ووضع الأحكام، والرازي ووضع المحصول.
كتاب الآمدي الأحكام اختصرهما ابن الحاجب، وكتاب الرازي أيها الأحبة من اختصره؟ ابن الحاجب وضع عامتاً اسمه منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل، منتهى السول والأمل في علم الأصول والجدل، والبيضاوي وضع كتاب ماذا؟ المنهاج. وبعد ذلك كل كتب الأصول على طريقة المتكلمين إما لكتاب ابن الحاجب أو مختصرة أو محشية أو شارحة لكتاب البيضاوي المنهاج أو مختصرة أو محشية سوى القليل منها، يعني من حاول يأتي بشيء جديد فعلم أصول الفقه على طريقة المتكلمين، هذه كتبه الأساسية لمن أراد أن يدرسه؛ عندنا كتاب الإرشاد والبرهان المعتمد. أخذها كلها الغزالي، وضع لنا المستصفى. طبعا الغزالي له كتاب قبل المستصفى اسمه المنخول، ثم جاء بالمستصفى صفى المنخول، فصار عندنا المستصفى. المستصفى بنى عليه عالمان، هذا المستصفى: الآمدي وضع الأحكام والرازي وضع ماذا؟ المحصول.
الآن الذي وضع الأحكام اختصره كتابة ابن الحاجب في منتهى السول والأمل وضع متناً اسمه منتهى السول والأمل. والرازي الذي روى المحصول اختصره كتابة البيضاوي في متنه المنهاج، ثم كل كتب المتكلم بعد ذلك إما على المنتهى أو على المنهاج للبيضاوي. هذه كلامنا عن مدرسة المتكلمين.
طيب المدرسة الثانية أيها الأحبة، كانت مدرسة ماذا قلنا؟ مدرسة الحنفية. مدرسة الحنفية أيها الأحبة عادةً هكذا يكتب في التاريخ أنها مدرسة مقابلة لمدرسة من؟ لمدرسة المتكلمين أو لمدرسة الجمهور. طيب إيش الفرق بين مدرسة الحنفية ومدرسة المتكلمين؟ كما قلت قبل قليل، يقولون: الحنفية يستنبطون يثبتون القواعد الأصولية من خلال فروع أئمتهم، أما المتكلم فيثبتون القواعد الأصولية بالحجاج والنظر العقلي ولا ينظرون إلى الفروع. أنت كدعاية منطقية يمكن تقول والله هو طريقة من؟ طريقة المتكلمين أن القاعدة الأصولية هي التي تنتج للفرع الفقهي، فكيف استنبط أنا القاعدة من الفروع مع أن القاعدة هي التي ينبغي أن تأتي بالفرع؟ فتقول والله هذا فيه خلل في طريقة الحنفية، وطريقة الجمهور وطريقة المتكلمين أسلم أن تثبت القاعدة أصولياً من خلال الحجاج والنظر في الأدلة العقلية أو إن كان هناك أدلة نقلية تساعد، ولا أنظر إلى الفروع الفقهية. فهذا الاعتراض الذي قيل على مدرسة الحنفية أنهم يأخذون القاعدة من الفرع وهذا خلاف الترتيب العقلي؛ الترتيب العقلي أن القاعدة هي التي تكمل الفرع، فالأصل فلنثبت القاعدة بالدليل ثم بعد ذلك أخذ من القاعدة الفرع.
لكن هل هذا الكلام، هل أنا فقط أريد أن أحدث في ذهنك، عصر ذهنك ما يقولون؟ دائماً لا تقرأ وأنت لا تفهم ولا تقبل المعلومة من دون أن تنقدها وتمحصها. هل هذا كلام صحيح أن الحنفية يأخذون قواعد الأصولية من فروع الأئمة هكذا يثبتونها؟ في الحقيقة، انظر في كتب الحنفية هي التي ستالحكم، يعني كيف أنا ساحكم؟ من خلال النظر في الكتب. الحنفية انظر كيف يثبتون، في الحقيقة أنا أرى أن هذا الكلام ليس بصحيح، الحنفية لا يثبتون القواعد الأصولية من خلال الفروع الفقهية، نعم الحنفية تميزوا في كتبهم الأصولية أنهم يكثرون يكثرون النقل من فروع أئمتهم. يقول: قال محمد بن الحسن وقاله أبو يوسف على هذه القاعدة وقال كذا وقال كذا، نعم هناك إسهام واكثار من ذكر الفروع الفقهية بينما المتكلمون يذكرون القاعدة الأصولية يذكرون مثالاً أو مثالين لذلك. إذا ذهبت إلى أقوى كتب اصول المتكلمين، تجد المثال الواحد عند الباقلاني في أوائل السنة الثالثة أو الهجرية وتجد نفس المثال موجود على ثمان مئة سبع مئة رجل في كتبهم، هو نفس المثال لا يهتمون بذكر أمثلة جديدة من كلام الأئمة.
أما الحنفية ما شاء الله، تجد عندهم مئات الأمثلة التي يذكرونها، فظن بعض المصنفين بسبب كثرة هذه الأمثلة أن الحنفي يثبت القاعدة من خلال ذكر الأمثلة، لكن هذا ليس بصحيح. الحنفي يثبت القاعدة بالدليل كما يثبتها المتكلم بالدليل العقلي أو النقلي، وإنما يكثر من ذكر الفروع الفقهية حتى يشبع تأكيد هذه القاعدة، حتى يشبعها تأكيداً وتمثيلا، وهذا ليس بكلامي. انظروا إلى الغزالي ماذا يقول عن مدرسة الحنفية؟ آتيكم بشارة، انظروا ماذا يقول الغزالي، الغزالي كله يعني هذا تتمة للكلام الذي نقلته قبل قليل. وإيش قال؟ قال المتكلمون لما أشبعوا بعلم الكلام نقلوا تجاربهم الكلامية وهم في العطاء والحجج إلى علم أصول الفقه، صحيح؟ وعلماء النحو إذا كتبوا في اصول الفقه يستجرون حبهم لعلم اللغة العربية فيذكرون هذه علوم اللغة العربية لكثرة أصول الذوق.
إيش معنى يتكلم عن الحنفية؟ قال: وحمل حب الفقه جماعة من فقهاء ما وراء النهر؛ بلاد الهند والصين وما شابه ذلك الذين هم من الحنفية. حمل حب الفقه جماعة من فقهاء ما وراء النهر كأبي زيد الدبوسي إمام من أئمة الحنفية صاحب كتاب ماذا؟ تأسيس النظر. هذا كتاب من كتب أصول الحنفية القديمة بل من أوائل كتب علم أصول الفقه، كتاب تأسيس النظر لأبي زيد الدبوسي رحمة الله عليه. كأبي زيد رحمة الله عليه وأتباعه. على المثال، عفواً، وكما حمل حب الفقه جماعة من فقهاء ما وراء النهر أبي زيد وأتباعه على مزج مسائل كثيرة من تفاريع الفقه بالأصول. ركز في العبارة: كما حمل حب الفقه جماعة من فقهاء ما وراء النهر كأبي زيد على مزج إيش مسائل كثيرة من تفاريع الفقه بالأصول فإنهم، اسمع: فإنهم وإن أوردوها في معرض، فإنهم وإن أوردوها في معرض ماذا؟ هل في معرض الاحتجاج للقاعدة؟
الغزالي المتكلم يقول: لا الحنفية لا يذكرون الفروع الفقهية بالاحتجاج، فإنهم وإن أوردوها في معرض المثال وكيفية إجراء الأصل في الفرع فقد أكثروا فيه فقط. إذن الغزالي رحمة الله عليه هو الذي يبين هذا، ويبين أن ما في عقلنا أو ما كتبه المتأخرون عن مدرسة الحنفية ليس بصحيح أيها الأحبة، اذهبوا إلى كتاب الفصول للجصاص وإلى غيره من كتب الحنفية. لا الحنفية يثبتون القواعد من خلال الأدلة، وهذا هو الطريقة المنطقية العقلية لذلك، لكنهم بحبهم الفقه وتشبعهم بإكثار الأمثلة الفقهية كما ذكر الغزالي أكثروا من ذكر الفروع الفقهية أكثر من اللازم، كما أنهم أكثروا من ذكر مسائل الكلام أكثر من اللازم، كما أن اللغويين أو كما أن اللغويين أكثروا من ذكر المسائل اللغوية في الأصول أكثر من اللازم. هذا منهج طغى على الجميع ولا يختص بطائفة دون أخرى.
طيب إذا عرفنا هذا الإشكال وهذا المناقشة حول مدرسة الحنفية، إيش أشهر الكتب التي كتبت عند الحنفية؟ أشهر الكتب عندنا: مآخذ الشريعة للإمام الماتريدي رحمة الله عليه صاحب طريقة الماتريدية المعروف في العقائد اسمه مآخذ الشريعة. كذلك أصول السرخسي رحمة الله عليه، أصول البزدوي رحمة الله عليه، كتاب الفصول. وبعد ذلك جاءت كتب كثيرة على مدرستهم. المدرسة الثالثة التي نشأت متأخراً بعد ذلك، مدرسة الجمع بين طريقة المتكلمين.
وطريقة الحنفية. وهذا أحيانا نقرأ كلاما، لكن هذا الكلام يحتاج إلى تمحيص. إيش تقول مدرسة الجمع بين المتكلمين؟ قالوا: هذه المدرسة تجمع بين طريقة المتكلمين والحنفية، فيثبتون القاعدة الأصولية من خلال الأدلة العقلية والنقاش كما يفعل المتكلمون، ويكثرون بعد ذلك من ذكر الأدلة الفقهية كما يفعل الحنفية.
لكن هذه المدرسة تتصور أصلا أن مدرسة الحنفية لها منهج آخر في استنباط القواعد يختلف عن مدرسة المتكلمين، ومن هنا نشأ هذا الظن أن هناك مدرسة جديدة اسمها مدرسة الجمع. أولا: هناك انتقاد على هذا التقسيم، هل هناك فعلا مدرسة جمعت بين طريقة الحنفية وطريقة المتكلمين؟ قال: أنا الكتب التي يذكرونها في هذه المدرسة ما هي؟ من خلال أن نعرف ماذا يقولون، قال: من كتب مدرسة الجمع بين المتكلمين والحنفية كتاب جمع الجوامع لتاج الدين السبكي. طبعا أول كتاب كتب على هذه المدرسة كما يقولون كتاب الساعاتي رحمة الله عليه، ابن أثير الساعاتي له كتاب اسمه الناهاية في الجمع بين أصول البزدوي والأحكام، كتاب اسمه ماذا؟ بدائع النظام في الجمع بين أصول البزدوي والإحكام.
جمع فيه بين كتاب في أصول الإمام البزدوي من أئمة الحنفية، وبين كتاب الإحكام لمن؟ ذكرناه قبل قليل، جمع بينهما. في الحقيقة هو لم يجمع بينهما في المنهج، وإنما هي أصول فقه مقارنة، ذكر قول هذا وقول هذا وناقش، فهذا ليس جمعا. وكذلك تاج الدين السبكي في جمع الجوامع، عندما تقولون إنه من كتب الجمع، هو ليس جمعا بين مدرستين، وإنما هو أصول فقه مقارن؛ ذكر قول الحنفية ويذكر قول الشافعية والمالكية ويقارن ويرجح، فهذا لا يسمى جمعا بين مدرستين، وإنما هو كما عندنا في الفقه مقارنة؛ تذكر قول الحنفية والشافعي والدليل وكذا، مش في عندنا فقه مقارن؟ كذلك هذا أصول فقه مقارن، وليس جمعا بين مدرستين كما يتصور البعض، هذي أول انتقاد، أنه في الحقيقة الكتب التي تذكرونها ليست جمعا، وإنما هي أصول فقه مقارن.
الانتقاد الثاني: هو ما ينبغي على فهمنا لمدرسة الحنفية، أن مدرسة الحنفية لم تأتي بطريقة جديدة بل تثبت القواعد كما يثبتها الجمهور، وإنما أكثرت من ذكر الفروع الفقهية للجدل الفقهي. يعني أنتم يا متكلمون تحبون الجدل العقدي، والحنفية يحبون الجدل الفقهي فقط. ففي الحقيقة لا أرى أن هناك مدرسة حقيقية واقعية تسمى مدرسة الجمع، وإنما عند المتأخرين أصبحوا يقارنون مقارنة، ما عاد هناك مدرسة جديدة، وإنما أصبحت الآن مقارنات بين مدرسة الحنفية ومدرسة وبين أصول الحنفية -لا نسميها الحنفية، بل بين أصول الحنفية وأصول المتكلمين- كما قلنا، أبرز الكتب التي يذكرونها كتاب بدائع النظام في الجمع بين أصول البزدوي والإحكام، وكتاب جمع الجوامع، بل في الحقيقة كل كتب المتأخرين التي تذكر قول الحنفية مع قول الجمهور وتقارن وترجح هي على هذه الطريقة.
المدرسة الرابعة والأخيرة: مدرسة تخريج الفروع على الأصول. هذه ليست مدرسة منهجية كتبت شيئا جديدا، وإنما كما قلنا سابقا في الدرس السابق أن هذه المدرسة هي المدرسة التطبيقية، الجانب التطبيقي من علم أصول الفقه. هذه المدرسة العلماء لاحظوا أن علم أصول الفقه دون فيه على طريقة المتكلمين والحنفية، وكان أغلبها إيش؟ خاصة على طريقة المتكلمين، أغلب قواعد أصولية مثبتة بطرق نظرية لا يوجد عليها إلا مثال أو مثالان، ما عندهم أمثلة، فالطالب يخرج ضعيفا من الناحية التطبيقية حينما يدرس على طريقة المتكلمين.
أما طريقة الحنفية فلانهم -الحمد لله- يكثرون من ذكر الفروع نوعا ما، الطالب يخرج قويا. فليس هناك حاجة لكتب تطبيقية؛ لأنه بحد ذاته الكتاب الأصولي غزير الفروع الفقهية، لكن على مدرسة المتكلمين لا؛ الطالب الذي يدرس على طريقتهم -الحمد لله- يحسن إثبات القاعدة بالحجاج العقدي والأدلة ويثبتها، لكن لا يستطيع أن يطبق، إذن قديش استفدنا؟ طب ما هي فائدة علم أصول الفقه؟ التطبيق والوصول للحكم الشرعي.
فقالوا إذن لابد من أن نكتب كتبا تطبيقية تمرينية تعلم الطالب -رحمة الله عليه- بأن يتعلم الطالب كيف يضع إيش؟ أو كيف يطبق القاعدة الأصولية على الفروع الفقهية؟ من الذي ألف في هذه المدرسة؟ هناك كثير من العلماء ألفوا في هذه المدرسة، منهم مثلا الإمام الأسنوي رحمة الله عليه وضع كتاب التمهيد، ومنهم الإمام التلمساني رحمة الله عليه وضع كتاب مفتاح الوصول في تخريج الفروع على الأصول، أيضا هناك كتاب تخريج الفروع على الأصول لمن؟ من أول من وضع في هذه المدرسة؟ الإمام الزنجاني، أبو المناقب الزنجاني رحمة الله عليه، الإمام الشهيد، استشهد رحمة الله عليه، هو أول من وضع كتابا في هذه المدرسة سماه كتاب تخريج الفروع على الأصول، ثم بعد ذلك جاء الأسنوي ومن بعده، جاءت كل المذاهب الفقهية؛ رأوا أنه لابد من أن نكتب على هذه الطريقة حتى يستفيد الطالب من الناحية التطبيقية.
إذن هذه جولة سريعة أيها الأحبة لتعرفوا مضمون الدرس. لكن أيها الأحبة، هناك تنبيه، الكلام عن المدارس: هل الشافعي رحمة الله عليه يحسب على أي طريقة من هذه الطرق وهو الإنسان الذي كتب في علم أصول الفقه؟ على أي منهج من هذه المناهج يحسب؟ في الحقيقة تجد البعض يحسبه أو ينسبه إلى مدرسة المتكلمين، جيد؟
لكن من قرأ كتاب الشافعي -وهذا في الحقيقة لا يفهمه إلا من قرأ كتاب الشافعي- من قرأ كتاب الشافعي رحمة الله عليه يرى أن للشافعي مدرسة مستقلة، ندر أن يكتب أحد على منواله. الشافعي رحمة الله عليه طريقته الفذة في استنباط القواعد الأصولية من خلال الاستقراء لنصوص الشريعة، نعم الشافعي رحمة الله عليه يثبت القواعد من خلال الأدلة، وهذا في الحقيقة -أنا أريد أن أغير بعض الأفكار المغلوطة- إثبات القاعدة من خلال الأدلة هذا منهج الجميع، يعني لا تقولوا متكلمين وإحنا طريقة الجمهور، الكل يثبت القواعد من خلال الأدلة، لكن الفن والمهارة: كيف تثبت القاعدة من خلال هذه الأدلة؟ ما هو الدليل الذي يصلح؟ وما هو الدليل الذي لا يصلح؟
الشافعي رحمة الله عليه أبدا لم يسير على طريقة المتكلمين بإرادة الحجج الكلامية العقلية البحتة مع قلة إيراد النصوص الشرعية، بل الشافعي يستخدم نصوص الكتاب والسنة ويحشدها ويعاضدها مع بعضها البعض حتى يثبت القاعدة الأصولية، فاستخدامه للأدلة النقلية وافر في رسالته.
وأما طريقة المتكلمين فإنهم يشبعون الاحتجاج بالأدلة العقلية ويقللون الاحتجاج بالأدلة النقلية، وهذا -أيها الأحبة- يعود إلى طريقة إيمان عقدي قديم فيما يتعلق بأهمية النقل وما فائدة النقل؟ هل النقل يفيدنا القطع أم لا يفيدنا القطع؟ مناهج الفرق، يعني الرازي رحمة الله عليه يقول إن الأدلة النقلية لا يمكن -بناء على كلامه، ولم يتلفظ بهذا، لكن لما قال الدليل النقدي لا يأتي بالقطع إلا بعد استكمال عشرة أمور: أن ينفي الإجمال والاشتراك والتأويل وكذا.. مع عدم المعارض العقلي، ذكر عشرة أمور، إذا لم.. الحمد لله انتفى الدليل النقدي يثبت القطع، إذا وجد واحد من هذه الأمور العشرة فالدليل النقدي لا يمكن أن يفيد القطع- باختصار الرازي يقول لك: الأدلة النقلية لا يفيد القطع.
فإذن لأن المتكلمين غلب عليهم في علم العقائد أن الأدلة النقلية تفيد ظنا ضعيفا لا يمكن الاحتجاج بها، عدلوا عن الأدلة النقلية إلى الحجاج العقلي في علم أصول الفقه. أما الشافعي رحمة الله عليه لا، لأنه مؤمن بالأدلة النقلية، مؤمن بقوة النص النبوي، مؤمن بقوة النص القرآني، فكان يحشد الأدلة النقلية بقوة لإثبات القاعدة، فمنهجه الفريد مع -طبعا- الذكاء واللتفاتات الجميلة جدا في الاستنباط، يدلك على أن طريقة المتقدمين طريقة الأئمة الكبار، أن الشافعي رحمة الله عليه إمام عظيم في ذكائه، في فهمه، في استنباطاته، فلا يصلح أن ينسب إلى مدرسة معينة، وإنما هو مدرسة لوحده.
هناك من حاول أن يقترب من مدرسة الشافعي، نعم، يعني أبو يعلى الحنبلي رحمة الله عليه في العدة حاول أن يقترب، كذلك أبو مظفر السمعاني في قواطع الأدلة له لمساته الطيبة ولفتاته وتأصيلاته التي كما قال السيوطي لم يسبق إلى مثله، ذكر في كتاب قواطع الأدلة، لكن أريدك أن تنتبه أن نسبة الشافعي أنه مدرسة متكلمين نسبة ليست بسديدة، والله أعلم.
نعود -أيها الأحبة- لاستكمال المبادئ العشرة بعد هذه الجولة السريعة، إذا عرفنا من واضع الأصول، من هو؟ إمامنا محمد بن إدريس الشافعي رحمة الله تعالى عليه، وهكذا نكون أنهينا المبدأ الخامس من مبادئ كل فن العشرة: الحد والموضوع، ثم الثمرة ونسبة وفضله والواضع. هذا السادس: الاسم، ما اسم هذا الفن؟ أصول الفقه، ولا نذكر أكثر من ذلك.
الاستمداد: أيضا هنا وقفة، مما يستمد علم أصول الفقه أيها الأحبة؟ لا نحتاج إلى مما يستمد علم أصول الفقه الآن حتى دائما نعود الطالب ونعود أنفسنا -أيها الأحبة- عندما نقرأ لا نقبل كل شيء كما يأتينا من دون تمحيص ولا ضغط. الآن علم أصول الفقه يذكرون له ثلاثة مصادر يستمد منها ويؤخذ منها، طب إيش فائدة أني أعرف أن أصول الفقه يستمد من كذا وكذا؟ إيش استفدت أني أعرف استمداد علم النحو، استمداد علوم القرآن؟
إيش فائدة معرفة الاستمداد؟ معرفة الاستمداد -أيها الأحبة- تجعلك تعود إلى هذه الأصول إذا أشكلت عليك المسألة في الفن، يعني أنا في علم أصول الفقه مرت معي مسألة لغوية مرتبطة بأصول الفقه، ما فهمتها أو أسترشد أبحث حولها، أعود إلى علوم اللغة لأنها مسألة لغوية. عندي مسألة تتعلق -يعني مثلا- في كتب أصول على طريقة المتكلمين يذكرون بعض المسائل الاعتقادية: مسائل التحسين والتقبيح، وشكر المنعم، وغير ذلك من المسائل، والكلام النفسي وما شابه ذلك، فتحتاج للرجوع إلى كتب العقائد حتى تفهم هذه المسألة. فمعرفتنا أن هذا العلم من أين يستمد يفيدنا في الرجوع إلى الأصول نستمد منها لإشباع بعض المسائل نظرا وبحثا، فالقضية مهمة.
فنقول أصول الفقه يثبت -كما يقولون- استمداده من ثلاثة مصادر: المصدر الأول: علم اللغة العربية، وهذا -نعم- متفق عليه أكثر القواعد الأصولية تستمد من علم اللغة العربية. وهنا أظن عندي نقل للقرافي رحمة الله عليه في كتابه الفروق، يقول رحمة الله عليه: فإن الشريعة المعظمة المحمدية إن بنيت أو انقسمت إلى أصول وفروع، وأصولها قسمان، أحدهما المسمى بأصول الفقه، قال: وهو في غالب أمره ليس فيه إلا القواعد الناشئة عن الألفاظ العربية خاصة وما يعرض لتلك الألفاظ. فهذا إمام كبير الإام القرافي يقول إن أصول الفقه في هذه هي قواعده تنشأ عن ماذا؟ قال: عن الألفاظ العربية خاصة وما يعرض لتلك الألفاظ من عموم وخصوص، مطلق وتقييد، وحمل، كذا إلى غير ذلك، فهذا كأصل علم أصول الفقه في أغلب قواعده يستمد من علم اللغة العربية.
لذلك هل يصلح طالب علم لا يدرس علم اللغة العربية؟ لا، لماذا؟ كيف تكون أصوليا؟ كيف تدرك أصول الفقه على حق؟ أنت قد تفهم الشيء جملة وصورة، لكنك لا تفهم تطبيقه وتنزيله إلا إذا فهمت اللغة العربية. فإذن فإن اللغة العربية نحن متفقون على استمداد أصول الفقه منها.
لكن المصدر الثاني: قالوا يستمد علم أصول الفقه من علم الكلام. إيش علم الكلام؟ قلنا: علم العقيدة، وهو العلم الذي يقوم باثبات المسائل الدينية العقائدية إذا توارت الشبهة. كيف يستمد أصول الفقه من علم الكلام؟ ما رأيكم أيها الأحبة؟ كيف يستمد علم أصول الفقه من علم الكلام؟
كان هناك نقل -أيها الأحبة- يهمني أن أنقله لكم -ربما لن أنقله بحروفه- الآمدي رحمة الله عليه وكذلك الغزالي في المستصفى بينوا كيف أن علم أصول الفقه يستمد من علم الكلام، إيش يقولون؟ مصادر التشريع لا تثبت كونها مصادر تشريع حتى نثبت أو حتى نعرف الله سبحانه وتعالى بصفاته، وحتى نعرف صدق الرسالة وصدق المرسل محمد صلى الله عليه وسلم، ومعرفة الله واثبات وجوده ومعلومية الأسماء والصفات واثبات الرسالة وصدق النبوة وصدق المعجزات، هذه اين مجاله وميدانها؟ هل هو في علم أصول الفقه أم في علم العقائد؟ يكون هذا في علم العقائد.
قالوا إذا أصول الفقه يستمد من علم العقيدة في هذا الجانب، ما هو هذا الجانب؟ إن إثبات مصادر التشريع -مش كل الأصول، إيش يعمل؟ إثبات مصادر التشريع ثم إثبات قواعدها ثم تطبيق الفوائد- فإثبات مصادر التشريع: إثبات كون الإجماع والقياس مصادر للتشريع، وأن الكتاب والسنة مصادر للتشريع، يتوقف على ماذا؟ يتوقف على إثبات أولا وجود الإله، ثم على إثبات وجود النبوة، وعلى إثبات صدق النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه العناصر الثلاثة: إثبات الله ومعرفة الله بأسمائه وصفاته، إثبات النبوة، وإثبات سنة النبي عليه الصلاة والسلام ميدان إثباتها في علم العقيدة، فالأصول يحتاج إلى علم العقيدة من هذه الزوايا.
طبعا في الحقيقة -لا أريد أن أناقش كثيرا في هذا الكلام- هل كل هذا التنظير يعني أن علم أصول الفقه بقواعده مستمد من علم الكلام؟ أم علم الكلام هو يعطي توطئة وتمهيد ثم بعد ذلك ينبني علم أصول الفقه كعلم مستقل؟ أنا في الحقيقة أميل للجانب الآخر: أن علم الكلام هو -نعم- سابق لعلم أصول الفقه، أو علم الاعتقاد سابق لعلم أصول الفقه، لكنه سابق في المدة وسابق في التقعيد والتمهيد، وعلم أصول الفقه في النهاية ينبني على علم أو بعد علم الكلام علم العقائد، أما علم أصول الفقه كقواعد ففي الحقيقة أنه استمدت من علم الكلام هذه فيه تأثر بالصبغة الكلامية، تأثر بمنهج المتكلمين أكثر من أنه ناحية واقعية حقيقية، ممكن أقول مثلا أصول الفقه يستمد من علم الكلام في ماذا؟ في
استخدام الطريقة الكلامية في الحجاج، الآن عندما يحتجون للقاعدة الأصولية يحتجون كما قلنا بماذا؟ خاصة في مدرسة المتكلمين عقلي بطرق عقلية نظرية، يعني من خلال مثلا أقيسة منطقية من مقدمتين ونتيجة، من خلال قياس استثنائي، من المهم حجاج عقلي. فكما أن علم العقيدة يستخدم الحجاج العقلي والطرق الكلامية في إثبات القواعد الدينية العقدية، كذلك علم أصول الفقه أخذ هذا المنهج وطبقه على قواعده. فالطرق الكلامية في إثبات المسائل العقدية تستخدم على نفس المنهج في إثبات القواعد الأصولية. فاستطيع نعم من هذه الزاوية يمكن أقول أن أصول الفقه استمد من علم الكلام، استمد المنهج، استمد الأسلوب، استمد الطريقة.
أما أن نقول والله أن علم أصول الفقه يتوقف على إثبات وجود الله وعلى إثبات وجود وبعد إثبات صدق النبي صلى الله عليه وسلم، فبالتالي أصول الفقه يستمد من علم الكلام، أظن هذا التنظير فيه نوع نقاش، لا أريد أن أسهم فيه أكثر من ذلك، لكن أن علم أصول الفقه يستمد من الكلام، إذا استمدنا من اللغة العربية نستمد من علم الكلام.
الشيء الثالث والأخير الذي يستمد منه علم أصول الفقه يقولون تصور الأحكام، وهذه الجزئية الأكثر نقاشاً، كيف علم أصول الفقه يستمد من تصور الأحكام؟ إيش يعني تصور الأحكام؟ ماذا يقصدون بمعنى تصور الأحكام؟ أن تعرف معنى الحكم الشرعي، وأنه ينقسم إلى حكم شرعي تكليفي وحكم شرعي وضعي، ثم تعرف الحكم التكليفي ينقسم إلى إيجاب وندب وتحريم وكراهة وإباحة وما معنى هذه الأحكام الخمسة؟ ثم تعرف الحكم الوضعي أنه سبب وشرط ومانع ورخصة وعزيمة وما معنى هذه المصطلحات؟ فقالوا ينبغي أن يتصور الطالب هذا الحكم الشرعي بأقسامه أولاً قبل أن يشرع في علم أصول الفقه.
أنا أوافق على هذه هنا أوافق، أنه ينبغي على الطالب قبل أن يشرع في علم أصول الفقه أن يدرس مبحث الأحكام، أن يعرف ما معنى الحكم الشرعي، أن يعرف أنه ينقسم إلى حكم شرعي تكليفي وحكم شرعي وضعي، وأن حكم التكليف أقسامه إيجاب، تحريم، ندب، كراهة، إباحة، يعرف ما معنى الإيجاب، ما معنى الندب، ما معنى التحريم، الكراهة، يذهب للحكم... نعم، لابد من هذا قبل أن يشرع الطالب في علم أصول الفقه.
لماذا لابد من تصور الأحكام قبل الشروع في علم أصول الفقه؟ لان المقصود من أصول الفقه، لماذا وضع هذا العلم؟ للوصول إلى الحكم الشرعي، فالحكم الشرعي هو الثمرة المرجوة من كل علم أصول الفقه، هو الثمرة المقصودة من كل علم أصول الفقه. فكيف أنت تدخل في أصول الفقه وأنت لا تعرف الثمرة المرجوة؟ يعني أنت في النهاية ماذا تريد من أصول الفقه؟ تريد أن تعرف ما هو الواجب؟ ما هو المندوب؟ ما هو الحرام؟ ما هو السبب؟ وأن هذا السبب وهذا شرط للصلاة وهذا مانع... أنت لن تعرف هذه الأمور، هذه النتيجة، فإذاً لابد أن تفهم ما معنى الحكم الشرعي، تفهم ما معنى الحكم التكليفي بأنواعه، وتفهم ما معنى الحكم الوضعي بأنواعه قبل أن تدخل في علم أصول الفقه حتى تكون الثمرة المرجوة حاضرة أمامك وأنت تدرس علم أصول الفقه.
الفائدة الثانية أيها الأحبة، تصور الأحكام والحكم بأنواعه قبل الشروع في علم أصول الفقه، أنك عندما تذكر قاعدة أصولية ستحتاج أن تمثل لها وتذكر لها شواهد، صحيح؟ تقول: الله أقيموا الصلاة، الأمر يقتضي الوجوب بدليل أقيموا الصلاة. طيب، الأمر يقتضي الوجوب بدليل أقيموا الصلاة، أقيموا الصلاة أقيموا أمر نطبق عليه القاعدة: الأمر يقتضي الوجوب، إذاً ستستخدم إذاً أنت عبارة الوجوب، ستستخدم في أثناء التمثيل عبارة الندب، نستخدم أمثلة على التحريم، على الكراهة، على الإباحة، هذه المصطلحات ستكون واردة معك على وجه التمثيل للقواعد الأصولية.
فكيف ستمثل وتفهم المثال وأنت لا تفهم معنى الندب ولا معنى الإباحة والكراهة والحرمة؟ كيف وأنت لا تعرف معنى السبب والشرط والمانع؟ إذاً هناك خلل يحدث. فإذاً فائدة تصور الأحكام قبل الشروع في علم أصول الفقه في جزئيتين: أن الأحكام هي المقصودة والمرجوة من علم أصول الفقه، فلا بد من تصورها قبل أن تدخل في علم أصول الفقه، فلابد من معرفة أنك في النهاية تريد أن تصل إلى شيء، أنا أريد أن أصل إلى المسجد، لابد أن أتصور المسجد الذي سأذهب إليه ثم بعد ذلك أنا في الطريق، أما أنا لا اعرف المسجد ابتداء كيف أسلك الطريق إليه؟ فلابد أني أعرف الحكم ثم أعرف كيف أصل إليه.
ثانياً، أننا نحتاج إلى التمثيل بالأحكام الشرعية على القواعد الأصولية، فلابد إذاً من معرفة الأحكام الشرعية قبل ذلك، لكن كونه تصور الأحكام نحتاج إليه لفهم أصول الفقه أو قبل الدخول في أصول الفقه بناءً على الفائدتين اللتين ذكرتهما، هذا لا يعني أن أصول الفقه مستمد من تصور الأحكام، يعني أنت عندما تتكلم بكلمة افهمها، عندما تقول: أصول الفقه استمد أو أخذ من تصور الأحكام، هذا ليس بصحيح. أصول الفقه هو الطريق الموصل إلى الحكم الشرعي، الأحكام يحتاج إليها بالنقطتين اللتين ذكرتهما.
فأصول الفقه كقواعد وكمسائل لا تؤخذ من تصور الأحكام، يعني إذا عرفت معنى الحكم، معنى الإيجاب، وما معنى الندب، أنا في النهاية لم أضع قاعدة أصولية، لم أستخدم هذه في أصول الفقه كقاعدة، وإنما هي الثمرة المرجوة من علم أصول الفقه، فأن تقول تصور الأحكام يستمد منه علم أصول الفقه أظن العبارة ليست بمحررة، وإنما تصور الأحكام له فائدة معينة ذكرناها، أما أصول الفقه أيها الأحبة فانا أرى كما قال أهل العلم، أغلب قواعده كمسائل استمدت من ماذا؟ من علم اللغة العربية.
وأضيف شيئاً ثانياً غير اللغة العربية، وفي الحقيقة هذا الشيء الذي نضيفه ما وجدت من ذكره، لكن أجعله للنقاش والحوار، تمام. الشيء الذي أرى أنه أيضاً نستطيع أن نقول إن أصول الفقه استمد من في الحقيقة هي آثار الصحابة والتابعين وأقوالهم وفتاويهم وأقضيتهم رحمة الله عليهم، لأن هناك بعض القواعد الأصولية بناها العلماء على فتاوى الصحابة وتعاملهم، وعلى فتاوى التابعين ومناهجهم، فكيف لماذا أبدي أذناً عن هذا الجانب وأقول يعني قد يأتي شخص يقول: طيب قضية الصحابة هي فروع فقهية، صحيح؟ أقضية التابعين هي عبارة عن فروع فقهية، فانت عدت القاعدة الأصولية من الفروع الفقهية، مع أن الأصل أن ماذا؟ أن الأصول والقواعد هي التي تثمر الفروع الفقهية.
أقول أيها الأحبة، لو كنت أنا استنبطت القاعدة من فرع فقهي واحد لقلت لك نعم ربما كلامك، لكن أنا في الحقيقة عندما استقراء مئات الأقضية من الصحابة ومئات الآثار والمناهج من التابعين وأعرف من خلالها منهج النبوة والشريعة المحمدية، لا أرى أن هذا يتعارض مع قولنا أن أصول الفقه تثمر الفروع الفقهية، نعم أصول الفقه هي التي تثمر الفرع، لكن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم شهدوا التشريع، شهدوا النبي صلى الله عليه وسلم، تعلموا منه كيف يشرع، فأنا أحتاج للرجوع إلى آثارهم وأقضيتهم وأقوالهم لأني ألمس في آثارها وفي زواياها قواعد أصولية متناثرة تحتاج استخلاصها لاستخدام هذه القواعد في نوازل ومستجدات جديدة، فأنا أرى أن هذا في الحقيقة ليس فيه تعارض كبير لأن الصحابة كما قلنا اخذوا المنهج النبوي وطبقوه، ربما النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر لنا قواعد أصولية كثيرة، قواعد قليلة، لكنه طبق، أصول الفقه الصحابة اخذوا هذا المنهج طبقوه، فأنا حينما أنظر في منهج كامل من خلال الاستقراء أنا هنا إذا استخلص قواعد أصولية لمنهج كامل وليس من فرع فقهي واحد نظرت إليه، فلا مانع من القول بأن علم وقواعد أصول الفقه استفادت من أقوال الصحابة والتابعين.
هكذا انتهيت من قضية الاستمداد، حكم تعلم أصول الفقه، أصول الفقه تعلمه فرض كفاية على الأمة، لماذا فرض كفاية على الأمة؟ لأن استنباط الأحكام الشرعية بشكل صحيح يجب أن يوجد في هذه الأمة علماء أكفاء يستنبطونها، وهؤلاء العلماء الأكفاء لا يمكن أن يكونوا علماء أكفاء ليستنبطوا حتى يتعلموا أصول الفقه، والقاعدة الأصولية تقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. يعني نقول: وجود علماء يستنبطون واجب، ولا يمكن أن يتحقق هذا الواجب إلا بتعلم هؤلاء العلماء لعلم أصول الفقه، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
المبدأ العاجل والأخير من المبادئ العشرة هو مسائل العلم، ومسائل العلم هو كل ما سندرسه في هذا الكتاب وفي غيره من كتب أصول الفقه، إذ أن مبادئ كل فن عشرة: الحد والموضوع ثم الثمرة ونسبة وفضله والواضع، الاسم الاستمداد حكم الشارع، والبعض من البعض اكتفى ومن درى الجميع حاز الشرف.
الآن أيها الأحبة أقف معنا كم دقيقة؟ عشر دقائق جيدة نستطيع أن نبدأ بها في الكتاب الذي بين أيدينا، بسم الله نبدأ بقراءة الكتاب. الطالب يتشجع يقول: أخذنا درسين في تمهيدات فكيف سيأخذ الكتاب؟ لا، إن شاء الله الكتاب لن نقف عند كل كلمة بهذا الوقف، لكن كما قلت لكم مقدمات ينبغي أن تأخذ وقتها ويتشربها الطالب.
نبدأ الآن مع الإام عبد المؤمن البغدادي رحمة الله عليه قال: أحمد الله وهذه طبعا بسم الله الرحمن الرحيم، أحمد الله. البدء بالبسملة وبحمد الله سبحانه وتعالى هذا دأب المصنفين أيها الأحبة في الأحاديث القولية والفعلية، يقول صلى الله عليه وسلم: «كل كلام لا يبدأ فيه بسم الله فهو أبتر»، والحديث وإن كان تكلم فيه بعض أهل العلم في سنده وأكثر روايات الإعانات ضعيفة، لكن هناك من حسنه كما نسب إلى ابن الصلاح رحمة الله عليه، وهو في النهاية من فضائل الأعمال التي أعرج فيها بالذهاب إلى الأحاديث الضعيفة التي لا يشتد ضعفها، وهناك ما يمكن الاستدلال به أمر آخر وهو أن الكتاب العزيز بدأ بالبسملة هذا أمر آخر، ثالثا: أن كتب النبي صلى الله عليه وسلم عندما كانت تبعث إلى الآفاق هاي سنة فعلية ثابتة كانت تبدأ بالبسملة، فليس الأمر فقط هو الاعتماد على حديث ضعيف كما يظن البعض، ولهذا الحديث الضعيف يعضده ما ورد في كتاب الله وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم الفعلية والتبرع.
حكم البدء بالبسملة هذا منهج أهل العلم من القدم، ثم قال: أحمد الله التثنية بالحمدلة، كذلك ورد حديث ضعيف أنه يبدأ بحمد الله سبحانه وتعالى وهو حديث ضعيف أيضاً، والكتاب العزيز نقتدي به بماذا بدأ بعد بسم الله الرحمن الرحيم؟ ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]، فاقتداءً بكتابنا العزيز نبدأ بحمد الله. ومعنى الحمد هذا أكثرت من ذكره في شروحي السابقة في المستوى الأول، فلا أريد أطيل على الطالب هنا حتى نستغل الوقت في امور أكثر فائدة، لكن لاحظوا أن هنا لم يستخدم الجملة الاسمية كما في القرآن الكريم، لم يقل الحمد لله، وإنما استخدم جملة فعلية فقال: أحمد الله.
وهل هناك فرق بين الجملة الاسمية والجملة الفعلية؟ هل هناك فرق بين الحمد لله وبين أحمد الله؟ نعم، هناك فرق بلاغي، أن الجملة الاسمية تدل على الثبات والدوام لكن لا تدل على التجدد، أما الجملة الفعلية فإنها تدل على تكرار وتجدد الفعل مكررة تلو كرة، فإذا قلت: أحمد الله هذا معناه أني أجدد الحمد كل فترة، وإذا قلت: الحمد لله فهذا معنى أن هناك حمد ثابت دائم أثبته لله من دون الدلالة على تكرار الحمد، فهنا أتى بجملة تدل على التكرار وأنه يجدد حمداً بعد حمد لله.
قال: أحمد الله على إحسانه وأفضاله، يعني يحمد الله عز وجل على إحسانه، والحمد أيها الأحبة كما ذكرنا في تعاريفنا السابقة في المصنفات السابقة، حمد الله لا يكون فقط على كرمه بخلاف الشكر، الشكر يكون على ماذا؟ مقابل النعمة، أنعم عليك فلان بشيء تشكره عليها، أما إذا لم ينعم عليك بشيء وإنما فيه مثلاً هو صفات جميلة وخيرة لكن لم ينعم عليك بها، فالثناء عليه لا يسمى الثناء عليه بهذه الصفات لا يسمى شكراً.
إنسان عنده صفات جميلة لكن لم يصل إليك من خيرها وإنعامها، فإذا أثنيت فلان شجاع أو فلان كريم، هو لم يعطك ديناراً ولا درهماً، هذا يسمى ماذا؟ يسمى حمداً ولا يسمى شكراً، لماذا؟ لأن الشكر يكون مقابل نعمة أسديت، أما الحمد يكون مقابل نعمة أسديت وقد يكون من دون مقابل نعمة أسديت إليك، فقد تحمد شخصاً على فضله، على شجاعته، على حسن خلقه مع أنه لم ينعم عليك ولم يصلك من تلك الأفضال ومن تلك الصفات، فهذا الفرق بين الحمد والشكر ذكرناه في مجالس سابقة.
فإذاً حمد الله سبحانه وتعالى أيها الأحبة يكون مقابل ويكون لذاته لصفاته وجماله، وأما شكر الله فإنه يكون مقابل النعمة، هذا فرق بينهما. عندما قال: أحمد الله على إحسانه وأفضاله، هو حمد الله سبحانه وتعالى هنا على إحسانه، إحسانه إليه وإحسانه إلى جميع الخلق، فهذه ليس مقابل نعمة أسديت إلى المصنف فقط، ما قال رحمه الله على إحسانه إلي، نحمد الله على إحسانه، وإحسان الله عز وجل على المصنف وعلى غيره من الخلق، وعلى أفضاله، فضل الله عز وجل على المصنف وعلى غيره من الخلق، أحمد الله على إحسانه وأفضاله، كما ينبغي، أي حمداً كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله.
أصلي بعد الحمد لله سبحانه وتعالى أتبع ذلك بالصلاة والسلام، فقد أصلي وأسلم، الآن هيا يكره إفراد الصلاة عن السلام أم لا تكره ذلك؟ هل يجوز الاقتصار على الصلاة أم لابد تقرن مع السلام؟ لا اختلف أهل الفقه وأهل العلم في ذلك، فمنهم من قال يكره إفراد الصلاة عن السلام فإذا صليت تسلم، ومنهم من قال لا حرج في ذلك، ومنهم من قال لا حرج في الصلاة دون السلام، وهذا القول قد يكون هو الأقرب.
به الأولون من كراهة فصل الصلاة عن السلام، وأن الله عز وجل قال في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. ففي القرآن أمر الصلاة بأمر التسليم. لكن نقول هذه الدلالة دلالة اقتران الصلاة بالتسليم في القرآن الكريم دلالتها على أنه يكره فصل السلام عن الصلاة ليلة اقتران، ودلالة الاقتران يعني اقترن ذكر السلام بالصلاة.
فقالوا: لما الذكر والسلام بالصلاة في الأمر، دل ذلك على كراهية فصل السلام عن الصلاة. نقول لا، دلالة هذا الاقتران على كراهية فصل السلام عن الصلاة ضعيفة، لأن دلالة الاقتران عند علماء الأصول، كما سندرس إن شاء الله، دلالة ضعيفة ليست قوية، لأنه أحياناً جمل قد تذكر مع بعضها البعض ولا يراد القانون بينها، وإنما أتت في سياق واحد فقط. الراجح والله تعالى أعلم أن عدم قراءة فصل السلام عن الصلاة، ولكن الأكمل أن تصلي وتسلم.
وأصلي وأسلم على نبيه المكمل بإرساله. وما معنى الصلاة وما معنى السلام؟ هذا سبق في دورات سابقة. وأصلي وأسلم على نبيه المكمل بإرساله. يقول: أصلي وأسلم على النبي، هذا النبي متى حاز أعلى درجات الجمال وما تكتمل له الجمال؟ حينما أرسله الله سبحانه وتعالى وبعثه، كان كاملاً لكن لم يصل إلى أعلى درجات الكمال ولم الله الجمال البشري حتى حاز فضيلة النبوة. لذلك قال: وأصلي وأسلم على نبيه المكمل بإرساله المؤيد في أقواله وأفعاله. فالله سبحانه وتعالى أيد النبي صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وعصمه من الوقوع في المعاصي والكبائر وما يخل بالمروءة.
ثم قال: وعلى جميع صحبه وآله. أن أصلي على جميع الصحب والآل، وعادة أهل العلم أنهم يقدمون الآلة على الصح. يقولون: وعلى آله وصحبه. هنا فعلى العكس قدم الصحبة على الأهل، والصحب هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك، لو تخلل في ذاك ردة على الأصح. واما الآل ففي سياق الدعاء والثناء الآية في اللغة أصلها لهن. ولكن هل المراد بها هنا أهل النبي صلى الله خاصة أزواجه وأهل بيته؟ أم المراد بأهل النبي صلى الله عليه وسلم هنا كل من اتبعه على دينه؟ المراد كل من اتبعه على دينه. فالآل تفسر دائماً في المقدمات لكل من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم على دينه. فعطف الآل على الصحن في قوله: وعلى يعني وأصلي على جميع صحبه وآله.
إذا قلنا الآل جميع اتباع النبي صلى الله عليه وسلم على دينه، يكون هذا من قبيل أقصى العامة على الخاص، لأنه اتباع النبي صلى الله عليه وسلم على يدخل فيهم الصحابة يدخل فيهم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فيكون هذا من باب عطف العام على الخاص.
ثم قال: وبعد هذه قواعد الأصول ومعاقد الفصول من كتاب مسمى بتحقيق الأمل، وكتابه الأصلي تحقيق الأمل في علمية الأصول والجذر، هذا اسمه كاملاً. قال: وبعد هذه قواعد وبعد هذا يسمى ماذا أيها الأحبة؟ هذا ألوب انتقال في اللغة العربية، هذا ألوب انتقال في اللغة العربية، تكون تتكلم بمقدمة ثم تقول وبعد فإن كذا وكذا. فهذه من أساليب الانتقال في اللغة العربية وبعده. والواو في وبعده ما معناها؟ الواو وبعده، الواو هذه نائبة عن ايش لا يوجد لكم ما بعده وعندي بين قوسين موجودة زيادة للمحقق في الكتاب، الظاهر أنها وقعت في بعض النسخ وليس في جميعها.
قال: وهو أفضل في الحقيقة أن يبدأ به وبعده، الواو هذه بمعنى أما. هذه الواو معنى أما، يعني لسان العرب أحياناً يقولون أما بعد، وأحياناً يحذفون أما ويضعون مكانها الواو فيقولون وبعده مباشرة. فهذه الواو تقوم مقام أما، فالتقدير أما بعد، جيد. واما وبعد يعني أما بعد أو ما بعده.
أما بعد أيها الأحبة يقولون بعدها عندما تأتي يعني كلمة أما بعد ما بعدها يكون مقترناً بالفاء. لماذا؟ أما ما معناها؟ أما معناها مهما يكن من شيء، ايش يقول في ألفية ابن مالك؟ أما كمهما يك من شيء وفا لتلوي تلويها وجوبا الف. جيد؟ فأسلوب أما بعد عادة ينبغي في لسان العرب ما بعد ما بعد يكون مقترناً بالفاء، فأقول أما بعد فان الكلام عن كذا وكذا من أفضل الكلام، أما بعد فان محمدا صلى الله عليه وسلم خير البشر، أما بعد فزيد رجل كريم، فتقترن الفاء باما، يعني أما بعد ثم بعدها يأتي فاء ثم يأتي الجواب. لكن نلاحظ أن المصنف ما ذكرها، قال: وبعد هذه. الأصل ايش يقول؟ وبعده فهذه. أن يأتي بالفاء.
طيب، هل يجوز حذف الفاء؟ يعني الشارع هنا الشيخ عبد الله الفوزان ايش يقول؟ كان الأولى بالمصنف أن يقول أما بعد فهذه قواعد، أن يذكر الفاء، لكن هل يجوز حذف الفاء أو لا يجوز؟ ايش قال ابن مالك في الألفية؟ قال: أما فمهما يكن من شيء وفى تنوي تنويها وجوبا الف. أن الاصل نعم، أن الفاء يجب أن تذكر بعد أما بعد. لكن هناك صورة يجوز فيها حذف الفاء، إذا كان هذه الكلمة التي تتصل بها كلمة من تصاريف القول، فقال: أما بعد فقال زيد أو فيقول زيد، إذا كانت متصلة بكلمة تفيد معنى القول قال ويقول، فقلت يجوز حذف الفاء مع القول.
لذلك ايش قال ابن مالك البيت الثاني: وحذف ذلفا قل في نثر يقل جدا نادر شايف إلا بصورة واحدة. وحذف ذلفا قل في نثر إذا لم يكن قول معها قد نبذ. معنى هذا الكلام كثيراً في المسائل اللغوية، لكن شيء من التمرس مفيد. كلمة كما قلنا أما بعد يجب أن يكون ما بعدها مقترناً بالفعل. لكن إذا كانت هذه الفاء تدخل على فعل طالب أو أما بعد فقال زيد أو فيقول زيد، حذف الفاء مع ماذا؟ مع قال. والشاهد من كتاب الله سبحانه وتعالى قوله عز وجل: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: 106] ايش قال؟ أكفرتم بعد إيمانكم؟ ما قال فاكفرتم؟ أمن، أما الذين اسودت وجوههم، ايش الجواب؟ أكفرتم بعد إيمانكم. طب أين الفاء؟ قارن التقدير: أما الذين اسودت وجوههم فيقال لهم أكفرتم بعد إيمانكم؟ فدخلت الفاء على يقال وحذفت يقال وحذفت معها الفاء، فهذا جائز. إذا كانت الفاء داخلها كلمة يقال محذوفة، يجوز حذف الفاء مع القوم.
وهنا يمكن أن نقدر ذلك، فأقول وبعده فأقول هذه قواعد الأصول ومعاقد الفصول، فحجب كلمة فأقول مع الفاء وأبقى هذه قواعد الأصول كما فعلنا في الآية الكريمة، فبالتالي أظن أنه لا حرج يمكن أن نجد مين المصنف مخرجا بدلا من أن ننتقده على هذا الحرف. هذه يعني فائدة لغوية سريعة.
إذاً وبعد أسلوب انتقال هذه قواعد الأصول قواعد، لأنه أصول الفقه عبارة عن قواعد، ومعاقد الفصول من كتاب مسمى لتحقيق الأمل في علمي الأصول والجدل، مجردة عن الدلائل. وهنا وقفتان: الوقفة الأولى أن هذا من ميزات الكتاب كما ذكرنا في الدرس السابق، أنه لم يذكر أدلة القواعد الأصولية، وإنما ذكر القاعدة فقط، لأن المراد من هذا الكتاب تصور القواعد والمسائل وليس إثبات، لأنك أنت في مرحلة متوسطة.
ثانيا قوله: مجردة عن الدلائل. هل تجمع دليل على دلائل؟ الآن أيها الأحبة يقولون في علم الصرف: فعيل اسم جنس تجمع على أفعلة. فدليل الأخر تجمع على ماذا؟ أدلة. هذا هو المشهور. طيب إذا جمع على فعائل هذا شاذ. لكن الشافعي رحمة الله عليه في الرسالة، وهو ممن يحتج بقوله، كلمة دلائل بقوة بكثرة، فلذلك قال بعض أهل العلم أن دليل تجمع على دلائل شذوذاً، أو نقول سماعاً، أي سمع جمعها على دلائل وإن لم يكن هذا هو القياس فيها. القياس يجمع على ماذا؟ على أدلة. وجمعت على دلائل يعني سمعت عن العرب ولكن على خلاف القاعدة، وهذا كثير. وسيط وسائط.
كذلك أيها الأحبة، فرد السماع على خلاف قاعدة في فعيل في أكثر من قضية، فلست أنا مع بعض الشراح المعاصرين الذين قالوا آه دلائل هنا استعمال خاطئ، وكان الأحرار أن يكون أدلة. لأن الشافعي إمام كبير أيها الأحبة، واستخدم دلائل، وكثير من المتقدمين استخدموا كلمة دلائل، فهذا يدل على أن لها في السماع، فأناليست مع التغطية. إذاً مجردة عن الدلائل من غير إخلال بشيء من المسائل. فهو قال ذهبت إلى بتحقيق الأمل لا يؤخذ بشيء من مسائله، ذكرت جميع المسائل والقواعد، ولكن استبعدت الدليل.
طيب تذكرة للطالب المستديم، الطالب الذي يطلب البيان الألف والسين والتاء تدل على الطلب، استبان أي طلب إدانة الشيء. فهذه للطالب المستديم، وتفصيلة للراغب، وتفصيلة للراغب المستعين. أي هذا الكتاب يذكر الطالب الذي الإبادة، ويبصر الراغب الذي يطلب الإعانة منا. جيد؟ وكلاهما بمعنى متقارب. تذكرة للطالب المستدير وتفصيلة للراغب المستعين المعنى متقارب نوعا ما.
ثم قال: وبالله أستعين وعليه أتوكل وهو حسبى ونعم الوكيل المعين. ثم بدأ رحمه والله تعالى فقال: أصول الفقه معرفة دلائل الفقه إجمالاً، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد وهو مجتهد. والفقه لغة: الفهم معرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بأفعال العباد، والأصل ما ينبني عليه غيره، وأصول الفقه أدلته، والغرر منه معرفة كيفية اقتباس الأحكام والأدلة مقتبس.
هذه المقدمة التي بدأ بها ونشرحها إن شاء الله في الدرس القادم بإذن الله. نسأل الله أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أعانكم الله على التلخيص والترتيب، وأنا أحثكم على المتابعة وعلى تحضير الدرس قبل سماعه حتى تكتمل الفائدة، والله ولي التوفيق.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل