بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملاً صالحًا يا كريم.
أما بعد، فبمناسبة قرب شهر رمضان أسأل الله أن يبلغنا جميعًا إياه ونحن على صحة وعافية، وأن يوفقنا فيه للصيام والقيام إيمانًا واحتسابًا على الوجه المطلوب الذي يرضيه عنا. ناسب أن نتكلم عن شيء من أحكام الصيام، وأقترح أن يكون الكلام تعليقًا على شرح ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى لكتاب عمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى.
ولا يخفى على شريف علمكم أهمية كتاب عمدة الأحكام، وأنه كتاب أصل في أحاديث الأحكام التي اتفق عليها الشيخان رحمهما الله تعالى. وهذا الكتاب شرح بعدة شروح، ومنها شرح ابن دقيق رحمه الله تعالى، وتميز شرحه بأنه ساهم في توظيف القواعد والمسائل الأصولية في استنباط الأحكام الشرعية. وشرحه فيه نوع غموض لا يصلح للمبتدئ في طلب العلم، وإنما يصلح لمن تأهل؛ وهذا الغموض من جزالة عبارته واختصارها أحيانًا.
فأحيانًا تقرأ عبارته وتختلف عن بعض الشروح المبسوطة، فلو قارنت بين شرحه وشرح ابن حجر رحمه الله في الفتح، ستجد شرح ابن حجر أوضح بكثير. هذا الشرح ليس مختصرًا إنما هو متوسط، لكن جزالة عبارته فيها نوع غموض، وقد بين شيئًا من هذا الغموض ووضحه بعض الشراح الذين اعتمدوا عليه ممن حشى عليه كالصنعاني رحمه الله تعالى في العدة، وكذلك الشيخ عبد الكريم الخضير وفقه الله، فقد كان يقول: إن هذا الشرح جزل ومن فهمه سهل عليه فهم شروح أحاديث السنة مختصرها ومطولها، لأنك إذا استطعت تفكيكه، استطعت تفكيك شروح السنة بكمالها.
وسيكون هذا التعليق تفكيكًا لعبارته، وأيضًا بيانًا لبعض ما جاء في هذا الشرح، وإذا ذكر شيئًا سنبين وجه الاستنباط، كيف استنبط هذا الحكم أو هذه المسألة من هذا الحديث. أولًا نتحدث في الأحكام والمسائل التي لم يذكرها ابن دقيق لأن هذا سيطيل بنا المقام، ولعلنا إن شاء الله نكمل التعليق في الدرسين الذين تم تحديدهما.
قال المصنف رحمه الله تعالى: كتاب الصيام. الحديث الأول عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجلًا كان يصوم صومًا فليصمه».
الكلام عليه من وجهين؛ أحدهما: فيه صريح الرد على الروافض الذين يرون تقديم الصوم على الرؤية؛ لأن رمضان اسم لما بين الهلالين، فإذا صام قبله بيوم فقد تقدم عليه. الثاني: فيه تبيين لمعنى الحديث الآخر الذي فيه: «صوموا لرؤيته»، وبيان أن اللام للتأقيت لا للتعليل كما زعمت الروافض. ولو كانت للتعليل لم يلزم تقديم الصوم على الرؤية أيضًا، كما تقول: أكرم زيدًا لدخوله، فلا يقتضي تقديم الإكرام على الدخول ونظائفه، وحمله على التأقيت لا بد فيه من احتمال تجوز وخروج عن الحقيقة، لأن وقت الرؤية وهو الليل لا يكون محلًا للصوم.
هنا المؤلف رحمه الله ذكر فائدتين؛ الأولى: أن فيه صريح الرد على الروافض الذين يرون تقديم الصوم على الرؤية، أو طائفة منهم كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، أن فيه قومًا من أهل البدع منتسبين إلى الشيعة من الإسماعيلية وغيرهم، يقولون بالعدد دون الرؤية ولا يعتمدون عليها، بل يعتمدون على الحساب. ومنهم من يعتمد على جدول يزعمون أن جعفر الصادق دفعه إليه، ولم يأت به إلا عبد الله بن معاوية، ولا يختلف أهل المعرفة من الشيعة وغيرهم أن هذا كذب مختلق على جعفر، اختلقه عليه عبد الله هذا، وذكر أنه ثبت بالنقل المرضي عن جعفر وعامة أئمة أهل البيت ما عليه المسلمون من اعتبار الرؤية.
الفائدة الثانية: ما ذكره من تبيين معنى الحديث الآخر «صوموا لرؤيته»؛ من قال بتقدم رمضان هذا يفيد أن اللام في قوله «صوموا لرؤيته» أنها للتأقيت والظرفية، أي صوموا إذا رأيتموه كما جاء في الحديث الآخر: «إذا رأيتموه فصوموا». وليست للتعليل كما زعمت الروافض، طبعًا الصنعاني رحمه الله في العدة ذكر أن الروافض دليلهم ليس على أنها للتعليل، وإنما يذكرون أنها للاستقبال نظير قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، أي مستقبلات، فصوموا لرؤية أي صوموا مستقبلين رؤية الهلال، فما في إشكال أن يقدم الصيام على الرؤية، يقول هذا دليلهم، وليس دليلهم أنها للتعليل كما ذكره ابن دقيق رحمه الله هنا. ولو فرض أنها للتعليل لا يلزم التقديم، نظير المثال الذي ذكره: «أكرم زيدًا لدخوله»، أي إذا دخل فأكرمه، وهذه مثله صوموا لرؤيته أي إذا دخل الشهر فصوموا، فلا يقتضي تقديم الإكرام على الدخول.
المعتاد إذا وافقت العادة فيه ما قبل رمضان بيوم أو يومين أنه يجوز صومه ولا يدخل تحت النهي، سواء كانت العادة بنذر أو بسرد عن غير نذر؛ فإنهما يدخلان تحت قوله: «إلا رجلًا كان يصوم صومًا فليصمه».
هنا هذه الفائدة من الاستثناء؛ يقول هذا دليل على أن الصوم المعتاد إذا وافقت العادة فيه ما قبل رمضان فإنه يجوز صومه ولا يدخل تحت النهي لأن صريح الاستثناء موجود، وذكر أنه سواء كانت العادة بنذر أو بسرد عن غير نذر، مثل الذي ينذر أن يصوم في يوم عشرين شعبان، أو شخص يصوم الاثنين والخميس، أو يصوم يومًا ويفطر يومًا، فهذا كله داخل تحت الاستثناء في الحديث فإنه يجوز.
قال رحمه الله: الرابع فيه دليل على كراهية إنشاء الصوم قبل الشهر بيوم أو يومين بالتطوع، فإنه خارج عما رخص فيه، ولا يبعد أن يدخل تحته النذر المخصوص في اليوم من حيث اللفظ، ولكنه تعارضه الدلائل الدالة على الوفاء.
هنا يقول فيه دليل على كراهة إنشاء الصوم قبل الشهر بيوم أو يومين، من أين أخذنا هذا؟ من قوله «لا تقدموا رمضان». هنا يقول كراهة، لماذا قالوا المكروه والنهي؟ واضح، لا تقدموا رمضان. بعضهم يقول إن الفقهاء يعبرون بالكراهة ويقصدون بها التحريم، وهذا صحيح إذا قصدنا به الفقهاء المتقدمين كالإمام أحمد والإمام الشافعي، يطلقون الكراهة ويقصدون بها أحيانًا التحريم، لكن الفقهاء المتأخرين ومنهم ابن دقيق فرقوا بين الكراهة وبين التحريم.
فهم هنا عبروا بالكراهة ولم يعبروا بالتحريم، فما الصارف؟ لما استثنى، فلو كان النهي للتحريم لعم الكل، لكن لما استثني، فنظرنا لماذا الاستثناء؟ وما العلة من منع الصيام قبل رمضان؟ ذكر ابن رجب رحمه الله في لطائف المعارف ثلاثة معاني للعلة في منع الصيام قبل رمضان؛ الأول: إما أن يصام على سبيل الاحتياط لرمضان. الثاني: أو يصام لأجل الفصل بين الفرض والنفل، وهذا معنى سائغ ووارد في نظائر الشريعة كالأمر بالفطر يوم العيد للفصل بين الفرض والنفل، وأيضًا جاء في الحديث النهي عن وصل صلاة الفرض بالنفل، فإذا قلنا هذا هو المعنى، وجدنا الاستثناء فهذا يقوي أن النهي للكراهة لا للتحريم.
وذكر معنى ثالثًا للعلة بالنهي وهو لأجل أن يتقوى على الصيام، لكن قال هذا فيه نظر، فلو كان كذلك لما نهي عن صوم شعبان كله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على الصيام فيه عليه الصلاة والسلام. فإذا قلنا إن العلة هي وصل الفرض بالنفل، وجاءت المخصصات التي تخصص هذا النهي، نقول إن هذا يدل على أن النهي ليس للتحريم وإنما للكراهة.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان