دخولتسجيل الدخول

المجلس السادس والأخير من التعليق على كتاب الصيام من المنتقى

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم.

أما بعد، فهذا هو المجلس السادس من مجالس التعليق على كتاب الصيام من "المنتقى" لابن تيمية رحمه الله تعالى. وكنا قد توقفنا عند باب تطوع المسافر والغازي بالصوم. يقول المؤلف رحمه الله تعالى: باب تطوع المسافر والغازي بالصوم. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفطر أيام البيض في حضر ولا سفر» رواه النسائي. وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام يومًا في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا» رواه الجماعة إلا أبا داود.

هذا الباب عقده المؤلف رحمه الله تعالى لمسألتين؛ المسألة الأولى: تطوع المسافر بالصوم، وذكر فيها الحديث الأول حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفطر أيام البيض في حضر ولا سفر» رواه النسائي. وهذا الحديث إسناده ضعيف، فيه جعفر القمي الذي رواه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وجعفر هذا مضاعف في حديثه عن سعيد بن جبير كما قاله ابن منده، كما ذكره ابن حبان في الثقات.

وهذا الحديث دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم أيام البيض حتى في السفر، وهذا ليس مخالفًا لكون النبي صلى الله عليه وسلم يفطر في رمضان في السفر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يفطر في رمضان في السفر لكون رمضان واجبًا على المسلمين، فلو صامه صلى الله عليه وسلم وكان ذلك شاقًا على أصحابه لاتبعوه، لكنه يفطر مراعاة لهم عليه الصلاة والسلام. لذلك في عدة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم يصوم في أول الأمر، ثم يقال له إن الناس شق عليهم ويمطرون، فما تفعله؟ فيفطر صلى الله عليه وسلم لأجلهم.

أما في أيام البيض فإنها من الأصل ليست واجبة، فلا يكون في استمرار النبي صلى الله عليه وسلم في الصوم مشقة. وعلى فرض ثبوت هذا الحديث فليس فيه ما يستنكر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم من الأصل كان يصوم في السفر أحيانًا عليه الصلاة والسلام، وإنما يفطر مراعاة لأصحابه رضي الله تعالى عنهم. وكون المسافر يتطوع بالصوم -يعني يصوم النوافل- نقول لا بأس بذلك، وليس في هذا مخالفة؛ لأن الرخصة هي في الواجبات لمن شق عليه، أما من لا يشق عليه وأخذ وصام فلا بأس بذلك.

وقد كان -وهذا يتأكد في الصوم المقيد بالنفل المقيد- ولذلك كان جمع من السلف رحمهم الله تعالى يصومون عاشوراء في السفر، ويقال لهم في ذلك: وإن الله عز وجل قال إن للصوم عدة من أيام أخرى، فيقولون: رمضان له عدة من أيام أخرى لكن هذا ليس له عدة، لا يقضى؛ يعني مثلًا من فاته عاشوراء لمرض أو سفر فإنه لا يقضيه، سنة فات محله. فيقولون هذا لا يقضى، فلذلك يحرصون عليه في السفر. وهكذا أيام البيض، إذا قيل إنها نفل مقيد فإنها أيضًا لا تقضى، لكن أيام البيض على كل حال هي داخلة في عموم ثلاثة أيام من كل شهر، فإذا صامها في البيض فحسن، وإذا صامها في أيام الشهر فحسن.

والحديث الثاني حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صام يومًا في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا» رواه الجماعة إلا أبا داود. وهذا المؤلف رحمه الله ترجم عليه: تطوع المسافر والغازي، وهذا إشارات منه إلى أن قوله «في سبيل الله» يراد به الجهاد، وهذا أحد الاحتمالين المذكورين في المقصود بـ «في سبيل الله» في هذا الحديث؛ لأن من أهل العلم من قال في سبيل الله أي في طاعته، ومنهم من قال لا، المقصود به في الجهاد. وفي سبيل الله تأتي في آيات النصوص أحيانًا يراد بها في طاعة الله، والأكثر أنه يراد بها في الجهاد.

ولذلك أيضًا وقع الخلاف في مصرف «في سبيل الله» في آية الزكاة، فالأكثر على أن المراد بها الجهاد، وقيل المراد بها وجوه الخير لأنها كلها تعتبر من أوجه البر التي هي طاعة لله تعالى. وهذا «في سبيل الله» في هذا الحديث، من أهل العلم من قال إن المراد به طاعته، ومنهم من قال إن المراد به الجهاد، وهذا أقرب والله تعالى أعلم؛ لأننا لو قلنا إن المراد بطاعته في سبيل الله طاعته، فكل الصيام إذًا ينطبق عليه هذا الحديث، لأن كل صوم فهو في سبيل الله فهو طاعة لله تعالى. لكن يظهر أن هذا الحديث فيه فضل خاص؛ فهو من صام مجاهدًا في سبيل الله، فإن الله يأجره على ذلك بأن يبعد وجهه عن النار سبعين خريفًا، أي سبعين عامًا.

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب في أن صوم التطوع لا يلزم به الشروع. عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: أخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا، فقال: كن فإني صائم، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل. فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم فنام، ثم ذهب يقوم فقال: نم، الليل. قال سلمان: قم الآن فصلي، فقال له: إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق سلمان» رواه البخاري والترمذي وصححه.

وعن أم هانئ رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها فدعا بشراب فشرب ثم ناولها فشربت، فقالت: يا رسول الله، أما إني كنت صائمة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر» رواه أحمد والترمذي. وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب شرابًا فناولها لتشرب، فقالت: إني صائمة ولكني كرهت أن أرد سؤرك، فقال -يعني إن كان قضاء من رمضان فاقضِ يومًا مكانه، وإن كان تطوعًا فإن شئت فاقضِ وإن شئت فلا تقضِ- رواه أحمد.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «أُهْدِيَ لحفصة طعام وكنا صائمتين فأفطرنا، ثم دخل علينا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله، أُهْدِيَ لنا هدية واشتهيناها فأفطرنا، فقال رسول الله ﷺ: «لِيَعْلِيَا عَلَيْكُمَا صَوْمًا مَكَانَهُ يَوْمًا آخَرَ» رواه أبو داود. وهذا أمر ندب بدليل قوله: «لِيَعْلِيَا عَلَيْكُمَا» هنا.

عقد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب لبيان أن صوم التطوع إذا صامه الإنسان فإنه لا يلزمه أن يكمله، لا يلزم بالشروع؛ فلو شرع فيه ثم بدا له أن يقطعه لعذر أو لغير عذر، فإنه لا إثم عليه في ذلك ولا حرج.

ذكر حديث أبي جحيفة، وهو وهب بن عبد الله السوائي رضي الله تعالى عنه، في مؤاخاة النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، والقصة معروفة. وفيه أن أبا الدرداء قدم لسلمان الفارسي رضي الله تعالى عنهما طعامًا فقال: «كل فإني صائم»، فقال: «كل فإني صائم».

وفي رواية البخاري قال: «كل، قال: إني صائم»، هنا إذاً -على رواية البخاري- القائل سلمان، والذي رد عليه أبو الدرداء؛ لكن الرواية التي ذكر المؤلف لا على رواية الترمذي قال: «ما نبي حتى تأكل، فأكل». هذا موضع الشاهد، فأكل هنا موضع الشاهد من فعل الصحابة، ويشهد له لما أخبر النبي ﷺ بذلك قال: «صدق سلمان»، ولم ينكر على أبي الدرداء فطره في صوم التطوع.

فهذا موضع الشاهد من هذا الحديث أن صوم التطوع لا يلزم بالشروع، من فعل أبي الدرداء وأمر سلمان له، ومن إقرار النبي ﷺ لهما بذلك. وفي الحديث أيضًا لما قال سلمان: «إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعطِ كل ذي حق حقه»، فالنبي ﷺ أقره على ذلك.

وهذه الجملة أيضًا وردت عن النبي ﷺ مرفوعة في حديث عبد الله بن عمر؛ حيث قال له النبي ﷺ ذلك لما أخبر النبي ﷺ أن عبد الله بن عمر يسجد للصوم ويقوم الليل لا ينام. وفيه أن المتعبد لله تعالى ينبغي له ألا يخل في قيامه بعبادته بحقوق الآخرين.

إذا كان متزوجًا، فينبغي أن يقوم بحق زوجته وأولاده أيضًا، لا يهملهم فيقول: أنا ساكت في المسجد، سأذهب للمشاريع الدعوية، سأذهب للمشاريع العلمية، وهو يترك أولاده وزوجته الذين هم بأمس الحاجة إليه، أو يترك والديه الذين هم بأمس الحاجة إليه، أو إذا جاءه ضيف يعتذر عن ضيوفه لأنه مشغول ببرنامجه العلمي أو الدعوي أو نحو ذلك. لا، أعطِ كل ذي حق حقه، هذا ما أرشد إليه النبي ﷺ.

ثم ذكر الحديث الذي يليه، حديث أم هانئ: أن رسول الله ﷺ دخل عليها فدعا بشراب فشرب، ثم ناولها فشربت، فقالت: يا رسول الله، أما إني كنت صائمة، فقال رسول الله ﷺ: «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر» رواه أحمد والترمذي. وهذا دليل على أن صوم التطوع لا يلزم بالشروع.

والرواية الأخرى: «إن كان قضاء من رمضان فاقضِ يومًا مكانه، وإن كان تطوعًا فانسَه أو اقضِ» رواه أحمد وأبو داود. بمعنى هذا لفظ أحمد، ولفظ أبي داود قال لها: «أكنت تقضين شيئًا؟» قالت: لا، قال: «فلا يضرك». وهذا الحديث حديث أم هانئ إسناده ضعيف، فيه يزيد بن أبي زياد ضعيف وكبر فصار يتلقن، وضعف الحديث البخاري في التاريخ الكبير والترمذي حيث قال في إسناده مقال النسائي في الكبرى وغيرهم.

وهذا الحديث نص في أن الصائم المتطوع أمير نفسه، لكن جاء معناه أن صوم التطوع لا يلزم بالشروع من فعل النبي ﷺ. ومر معنا في أبواب النية أن النبي ﷺ دخل على عائشة فقال: «أتهدي لنا شيئًا؟» فقال: «أريني، فلقد أصبحت صائمًا فأكل»، عليه الصلاة والسلام، هذا دليل أن صوم التطوع لا يلزم بالشروع، ولا يلزم قضاؤه؛ لأنه قال: «إن شئت فاقضِ وإن شئت فلا تقضِ».

هنا لفظه: «إن كان قضاء من رمضان فاقضِ يومًا مكانه»، هذه جاءت عند أحمد ولم ترد عند الترمذي، ونعم جاءت عند أحمد ولم ترد عند أبي داود. هذا اللفظة -طبعًا الحديث ضعيف- لكن هذه اللفظة تمسك بها من يقول إنه يجوز الفطر في صوم القضاء، من تمسك بها الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار؛ أنه يجوز الفطر في صوم القضاء، يعني حتى لو لم يكن هناك عذر من الأعذار التي تسوغ للصائم أن يفطر مثل عذر المرض أو عذر السفر.

بمعنى لو أن مثلا امرأة أو شخصًا عليه قضاء من رمضان، سيصوم في أحد أيام شوال، نوى الصوم ثم قال له بعض أصدقائه أو بعض أقاربه: سنذهب هذا اليوم للنزهة وسنفطر هناك في النهار، فقال: ما دام أنهم سيذهبون، أنا صمت إذاً سأفطر وأصوم يومًا آخر، هل يجوز له ذلك أو لا يجوز؟ إذا نظرنا إلى هذا الحديث: «إن كان قضاء من...»، يعني النبي ﷺ قال: «إن كان قضاء من رمضان فاقضِ يومًا مكانه»، كأنه سهل في ذلك.

وهذه كما قلنا أخذ بها الشوكاني رحمه الله تعالى، لكن عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى على أن من شرع في صوم القضاء فيحرم عليه قطعه. قال: من دخل في فرض موسع حرم قطعه، لأن هذا من إبطال الأعمال، ويستدلون بالآية: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: 264]، أي لا تبطلوا أعمالكم. وكل الاستدلال بالآية فيه مناقشة؛ لأن بعض أهل العلم قال إبطال الأعمال بالردة. وابن قدامة رحمه الله تعالى ذكر أن على هذا عامة أهل العلم، لا يعلم فيه خلاف، وإن كانت المسألة فيها خلاف لبعض الشافعية حيث يرون جواز ذلك أو عدم حرمة ذلك، لكن عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى على التحريم. وهذه الرواية كما قلنا ضعيفة لا تثبت عن النبي ﷺ.

ثم ذكر حديث عائشة: «أُهْدِيَ لحفصة طعام وكنا صائمتين فأفطرنا ثم...»

دخل علينا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله، إنا أهديت لنا هدية اشتهيناها فأفطرنا، فقال رسول الله ﷺ: «لا عليكما، صوما مكانه يوما آخر». رواه أبو داود، والحديث أيضًا عند أحمد والترمذي والنسائي الكبرى وغيرهم.

والحديث فيه ضعف؛ إسناد أبي داود فيه زميل مولى عروة، وزميل مجهول لا يعرف بغير هذا الحديث من طريق زميل عن عروة عن عائشة. البخاري رحمه الله في التاريخ الكبير يقول: لا يعرف لزميل سماع من عروة، ولا ليزيد -يعني يزيد بن الهاد- سماع من زميل، ولا تقوم به الحجة. وقال الذهبي: هذا الحديث من مناكير زميل مولى عروة في ميزان الاتِّهام.

وجاء عند الترمذي وغيره عن الزهري عن عروة عن عائشة، ليس من طريق زميل، بل عن طريق الزهري عن عروة عن عائشة، واختلف فيه على الزهري؛ فرواه جملة من كبار أصحابه مرسلاً، يعني من غير ذكر عروة: الزهري عن عائشة، وجاء في بعضها الزهري عن أناس عن عائشة من غير ذكر عروة، وبعض من رواه عن الزهري ذكر فيه عروة لكن رجح الوجه المرسل.

ومما رجح به الوجه المرسل ما ذكره الإمام مسلم رحمه الله في التمييز، والتمييز هذا كتاب في العلل؛ ذكر أن ابن جريج سأل الزهري فقال له: أخبرك عروة عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: «من أفطر في تطوع فليقضه»، قال: لم أسمع من عروة في ذلك شيئًا، ولكن حدثني في خلافه سليمان بن عبد الملك ناس عن بعض من كان سأل عائشة أنها قالت: أصْبَحْنَا حَفْصَةَ... إلى آخره. قال الإمام مسلم رحمه الله: فقد شفى ابن جريج في رواية الزهري هذا الحديث عن التصحيح، فلا حاجة لأحد التنقير عن حديث الزهري إلى أكثر مما أبَان عنه ابن جريج، وذلك أنه قال له: حدثني ناس، ففسد الحديث لفساد الإسناد.

وقال الحافظ في الفتح: توارد الحفاظ على الحكم بضعفه؛ الإمام البخاري في العلل الكبير فيما نقله عنهم الترمذي، والإمام مسلم في التمييز، والترمذي والنسائي في الكبرى وغيرهم، هم من أهل العلم رحمهم الله تعالى.

وعلى فرض صحته هنا، قال: «صوم مكانه يوما آخر». هنا المؤلف رحمه الله جمع بين هذا الحديث وما قبله؛ ما قبله إن شئت فقضِ، وإن شئت فلا تقضِ، وهنا قال: «صوم مكانه يوما آخر»، قال: هذا أمر ندب بدليل قوله: «لا عليكما»، لأن «لا عليكما» يعني لا حرج عليكما، فهذا دليل على أنه ليس على الوجوب.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى باب ما جاء في استقبال رمضان باليوم واليومين وغير ذلك؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صومًا فليصوم». رواه الجماعة. وعن معاوية رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقول على المنبر قبل شهر رمضان: «الصيام يوم كذا وكذا ونحن متقدمون، فمن شاء فليتقدم ومن شاء فليتأخر». رواه ابن ماجه، ويُحمل هذا على التقدم بأكثر من يومين.

وعن عمران بن حسين رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال لرجل: «هل صمت من شِعر هذا الشهر شيئًا؟»، قال: لا. فقال رسول الله ﷺ: «فإذا أفطرت رمضان فصوم يومين مكانه». متفق عليه، وفي رواية: «من شِعر شعبان». ويُحمل هذا على أن الرجل كانت له عادة بصيام شِعر الشهر أو قد نذره.

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب ما جاء في استقبال رمضان، يعني أن يصام قبل رمضان، يعني من آخر شعبان باليوم واليومين وغير ذلك، فهل يجوز أو لا يجوز؟ ذكر حديث أبي هريرة في المنع واستثنى من كان له عادة، وذكر حديث معاوية في التجويز وأنه يجوز ذلك، وذكر حديث عمران أيضًا بأنه يجوز، وحمله على محمل يوافق به حديث أبي هريرة.

حديث أبي هريرة: «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صومًا فليصوم»، هذا الحديث يدل على النهي عن التقدم على رمضان بصوم يوم أو يومين، واستثنى من كانت له عادة بصيام شيء؛ مثل شخص كان يصوم الاثنين والخميس، فمثلاً صام الاثنين قبل رمضان باحتمال يومين، فهل يجوز له الصيام؟ نقول: نعم، لأنه لم يصمه لأجل أنه قبل رمضان، وإنما صامه لكونه له عادة. شخص له عادة بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وبقي مثلاً ثلاثة أيام من شهر شعبان فصامها، فيجوز. شخص يصوم يومًا ويفطر يومًا، فيجوز لأنه كانت له عادة. شخص عليه قضاء من رمضان، فيجوز لأنه صدق عليه أنه كان يصوم صومًا، يعني ليس لأجل الاحتياط لرمضان. أما من كان يصومه احتياطًا لرمضان، فنقول: هذا يُنهى عنه.

واختلف العلماء للتحريم أو للكراهة؛ الأكثر على أنه للتحريم، وقيل للكراهة. والذين قالوا للتحريم ذهبوا إلى أن النهي مؤكد ولا يوجد صارف، والذين قالوا للكراهة قالوا يوجد صارف، وهو أن النهي لما خُص منه أشياء عُلِم أنه أقل رتبة من النهي الذي لم يُخص منه شيء، فحمله على الكراهة.

أما حديث معاوية: «كان رسول الله ﷺ يقول على المنبر قبل شهر رمضان: الصيام يوم كذا وكذا ونحن متقدمون، فمن شاء فتقدم ومن شاء...»، رواه ابن ماجه مرفوعًا، وهو عند أبي داود موقوف على معاوية رضي الله تعالى عنه بنحوه. والحديث حديث معاوية ضعيف، فيه الهيثم بن حميد والقاسم أبو عبد الرحمن وفيهما مقال، إضافة إلى أنه مخالف لأحاديث النهي المتقدمة التي جاءت عدة أحاديث صحيحة في الصحيحين وغيرهما؛ النهي عن التقدم على رمضان بصوم يوم أو يومين.

وهذا فيه هذا، وهذا فيه التسهيل في ذلك، فأضافه إلى علته في إسناده، ونقول أيضًا فيه علة في متنه ومخالف للأحاديث الصحيحة في النهي عن التقدم على رمضان بيوم أو يومين. هنا المؤلف رحمه الله حمله على التقدم بأكثر من يومين. وهذا محتمل؛ يعني لو كان الحديث صحيحًا لبحثنا له عن مثل ذلك، لكن ما دام الحديث ضعيفًا ولا يقوى على معارضة الأحاديث الصحيحة، فنعلّه بضعفه، لكن على فرض صحته فيمكن أن يُجمع بأن يقال: هذا النهي على التقدم بيومين، وهذا على التقدم بأكثر من يومين.

وحديث أبي هريرة السابق: «لا يتقدم أحدكم بصوم يوم ولا يومين»، مفهومه جواز التقدم بصوم ثلاثة أيام، يعني بصوم اليوم الثالث، يعني لو أن شخصًا صام...

اليوم السابع أو السادس عشر ونحوها فلا بأس، وأما ما جاء في حديث أبي هريرة: «انتصف شعبان فلا تصوموا»، فالحديث ضعيف لا يثبت، أنكره جمع من الأئمة، منهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وقال: لم يروِ العلاء بن عبد الرحمن حديثًا أنكر من هذا. العلاء بن عبد الرحمن ثقة لكن استنكرت له أحاديث.

ومن هذا، أو استنكر له هذا الحديث، حديث ابن الحسين أن النبي ﷺ قال لرجل: «هل صمت من سرر هذا الشهر شيئًا؟»، وفي رواية: «من سرر شعبان». السرر، ما المراد به؟ اختلف الشراح وأهل اللغة: هل المراد بالسرر آخر الشهر أو أوسطه أو أوله؟ على خلاف بينهم، ولعل الأقرب أنه آخره.

أبو عبيد في غريب الحديث لم يحكِ إلا هذا القول، أن السرر هو آخر الشهر، وعلى هذا المعنى عامة أهل اللغة، لكن هناك من أهل اللغة ومن المحدثين من قال إن سرره أوله، ومنهم من قال إن سرره وسطه. وابن منظور لما حكى أنه آخره، حكى القولين الأخيرين: أول الشهر وأوسطه، وحكاهما بصيغة التمريض، وقدم القول بأنه آخره، وهذا كما قلنا عامة أهل اللغة عليه.

هنا حديث: «هل صمت من سرر هذا الشهر؟» يعني سرر شعبان، قال: لا، قال رسول الله ﷺ: «فإذا أفطرت رمضان فصم يومين». ما كان متفقًا عليه. ما الجمع بينه وبين أن النبي ﷺ أقره على صيام آخر شعبان، ولما لم يصم في تلك السنة آخر شعبان، قال له: «صم يومين مكانه»، يعني مكان ما كنت تصومها، صم يومين من شوال مكان ما كنت تصومها آخر شعبان.

الجمع بينه وبين حديث النهي عن التقدم على رمضان بصوم يوم أو يومين؛ هنا المؤلف رحمه الله قال: يحمل هذا على أن الرجل كانت له عادة بصيام سر هذا الشهر أو قد نذره، وهذا ذكره أبو عبيد في غريب الحديث، والخطابي مع النبي وغيرهم. يعني أن هذا الرجل المخاطب، النبي ﷺ علم منه أنه له عادة بصيام آخر الشهر، جعل على نفسه عادة أنه يصوم في آخر كل شهر يومين أو ثلاثة أيام، فلما سمع نهي النبي ﷺ عن التقدم على رمضان بصوم يوم أو يومين، ولم يبلغه الاستثناء، إلا رجل كان يصوم صومًا، فترك صيام ما كان اعتاده من ذلك، فأمره النبي ﷺ بقضائها لتستمر محافظته على ما وظف نفسه من العبادة. ويحتمل أنه ﷺ علم أنه نذر ذلك، فأمره ﷺ بقضائه، هذا احتمال.

وذكر ابن رجب في اللطائف احتمالين آخرين؛ الاحتمال الثاني أن قصة الرجل في الحديث قضية عين في حق رجل معين، فيتعين حمله على صورة صيام لا ينهى عن التقدم به، جمع بين حديثين، يعني أنه قضية عين، لعل النبي ﷺ قصد منه أنه كان يصوم صومًا لم يدخل في الحديث، يعني مثلا في آخر الشهر لكنه ليس في آخر يومين مثلا.

وذكر احتمالًا آخر، وهو أن هذا الرجل الذي سأله النبي ﷺ، كان النبي ﷺ علم أنه كان يصوم شعبان أو أكثره موافقة لصيام النبي ﷺ، وكان قد أفطر فيه بعضه، فسأله النبي ﷺ عن صيام آخر، يعني هل صمت آخر هذا الشهر؟ فلما أخبره أنه لم يصم آخره، أمره بأن يصوم بدله بعد يوم الفطر، لأن صيام أول شوال، يعني الأيام التي بعد العيد مباشرة، كصيام آخر شعبان، وكلاهما حريم لرمضان، ذكره ابن رجب رحمه الله تعالى.

ثم ختم المؤلف رحمه الله تعالى كتاب الصيام بباب النهي عن صوم العيدين وأيام التشريق. قال عن أبي سعيد رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ أنه: «نهى عن صوم يومين: يوم الفطر ويوم النحر»، متفق عليه. وفي لفظ لأحمد والبخاري: «لا صوم في يومين»، ولمسلم: «لا يصح الصيام في يومين».

وعن كعب بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ بعثه وأصحابه إلى منى، وأدركهم الحدثان أيام التشريق، فنادى أنه: «لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأيام منى أيام أكل وشرب»، رواه أحمد ومسلم. وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: أمرني النبي ﷺ أن أنادي: «أيام منى أيام أكل وشرب ولا صوم فيها»، يعني أيام التشريق، رواه أحمد.

وعن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ نهى عن صوم أيام في السنة: يوم الفطر، ويوم النحر، وثلاثة أيام التشريق، رواه الدارقطني. وعن عائشة وابن عمر رضي الله عنهم قالوا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصام إلا لمن لم يجد الهدي، رواه البخاري، وله عنهما أنهما قالا: الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة، فإن لم يجد هديًا ولم يصم صام أيام منى.

ختم المؤلف رحمه الله تعالى هذا كتاب الصيام بباب النهي عن صوم العيدين وأيام التشريق، لما ذكر صيام التطوع وصيام بعض الأيام التي يكره أو يحرم صومها، ذكر هنا الأيام التي يحرم صومها وهي يوم العيدين وأيام التشريق. ذكر هنا حديث أبي سعيد في نهي النبي ﷺ عن صوم يومين: يوم الفطر ويوم النحر، متفق عليه. والنهي عن صوم يوم العيدين أخرجه الشيخان أيضًا من حديث أبي سعيد ومن حديث أبي هريرة وعمر وابن عمر، وأخرجه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها.

للجميع في لفظ لأحمد والبخاري: «لا صوم في يومين»، ولمسلم: «لا يصح الصيام في يومين». هنا لعل المؤلف رحمه الله تعالى أتى برواية مسلم ليبين أن النهي يقتضي الفساد. يعني هنا في الرواية الأولى والثانية نهي، في الرواية الأولى حكاية النهي، أبو سعيد رضي الله عنه ذكر نهي النبي ﷺ عن الصوم، وفي الرواية الثانية ذكر قوله، يعني هو جاب الروايات الثلاث؛ الأولى حكاية النهي أن النبي ﷺ نهى، الثانية ذكر قوله: «لا صوم في يومين»، الرواية الثالثة: «لا يصح الصيام»، يعني ذكر أنه لا يصح، اللي هو الحكم الوضعي، أنه لا يصح، والحكم التكليفي أنه محرم لكونه منهي عنه، والحكم الوضعي أنه لا يصح. بمعنى أنه لو صام يوم عيد الفطر عن قضاء رمضان، وهو صام رمضان كله ما بقي عليه إلا يوم أفطر فيه، قال سأقضيه يوم العيد، فهنا نقول هو محرم عليه، يقضي يوم العيد ولا يصح منه.

إنه لزمه القضاء مرة أخرى، فهذا لا يصح منه. وكذلك لو أنه نذر صوم يوم العيد، فإنه لا يصح منه، بل يحرم عليه صوم يوم العيد، ويلزمه أن يصوم يوما مكانه، ويلزم أن يأتي بكفارة عن فوات التعيين.

ثم ذكر حديث كعب بن مالك، وفيه أن أيام من أيام أكل وشرب، هذه أيام التشريق، التصريح بأنها أيام أكل وشرب. وهذا في مسلم، حديث سعد بن أبي وقاص فيه زيادة: «ولا صوم فيها»، أي نهي عن الصوم فيها.

أيام التشريق أيام أكل وشرب، كما جاء في حديث نبيش الهذلي في صحيح مسلم: «أيام التشريق أيام أكل وشرب». وذكر لله تعالى حديث كعب بن مالك هنا: أيام منى، التي هي أيام التشريق، أيام أكل وشرب. وحديث سعد فيه زيادة: «ولا صوم فيها»، أي أيام التشريق فلا تصام، منهي عن صيامها.

وهذا الحديث حديث سعد رواه أحمد من طريق محمد بن أبي حميد، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن أبيه محمد بن سعد، عن جده سعد بن أبي وقاص. قال البزار: «لا نعلمه عن سعد إلا بهذا الإسناد». وإذا قال المحدث: «لا نعلمه إلا بهذا الإسناد»، فغالباً يريد بذلك تعليله بالانفراد. وكونه منفرداً فيه يدل على بعض حديث سعد، لكن هذا المعنى الذي دل عليه حديث سعد جاء في أحاديث أخرى، كحديث نبيش، وذلك حديث كعب بن مالك وغيره.

الحديث الذي يليه حديث أنس: «أن النبي ﷺ نهى عن صوم خمسة أيام في السنة: يوم الفطر، ويوم النحر، وثلاث أيام التشريق». وهذا عند الدارقطني وفيه ضعف، فيه يزيد الرقاشي، وفيه محمد بن خالد الطحان وقد أخطأ فيه. وعلى كل حال، المعنى الذي دل عليه الحديث جاء في حديث صوم يوم العيدين، هذا جاء في حديث أبي سعيد وغيره، وأيام التشريق جاء في حديث نبيشة الهذلي، وسعد، وكعب بن مالك رضي الله عنه.

قلنا الحديث فيه ضعف، ثم ختم المؤلف بحديث عائشة وابن عمر رضي الله عنهما قالا: «لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي» رواه البخاري. وله عنهما أنهما قالا: «الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة، فإن لم يجد هدياً ولم يصم، صام أيام منى».

هذا فيه أن أيام التشريق منهي عن صيامها، ورخص للمتمتع إذا لم يجد الهدي؛ لأن المتمتع والقارن يجب عليهما هدي نسك جبران نسك شكران يذبحانه تقرباً إلى الله تعالى، فإذا لم يجد الهدي، فيلزمهما صيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعوا إلى أهلهم. والثلاثة أيام في الحج إن أتوا بها قبل العيد فحسن، وإن لم يأتوا بها إلا بعد العيد فإنه يلزمهم صيام أيام التشريق، فهنا رخص لهم في ذلك، والترخيص يدل على أن غيرهم غير مرخص لهم.

وقول عائشة وابن عمر: «رخص لهم»، هذا بمنزلة المرفوع، هذا في حكم المرفوع. يقول ابن الملقن: «وهذا كله في حكم المرفوع؛ لأنه بمنزلة قول الصحابي: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، ورخص لنا في كذا، وكل هذا وشبهه مرفوع بمنزلة قوله ﷺ». يعني أن هذا ليس اجتهاداً منهما، وإنما هو نقل منهما للحكم عن النبي ﷺ. لم يرخص النبي ﷺ في صيام أيام التشريق إلا المتمتع والقارن إذا لم يجد الهدي.

وله عنهما أنهما قالا: «الصيام لمن تمتع بالحج إلى يوم عرفة». ومتى يبدأ المتمتع والقارن بالصوم؟ نقول: لهما أن يصوما من حين إحرامهما بالعمرة. فلو أن متمتعاً ذهب إلى مكة للعمرة التي سيتمتع بها إلى الحج، ذهب مثلاً في أول ذي القعدة، سيأخذ عمرة وسيمكث إلى أيام الحج ثم سيأخذ الحج، وقد نوى التمتع وليس عنده مال يشتري به هدياً، فنقول: هو من أول ذي القعدة له أن يصم ثلاثة أيام هذه، فلو أنه لم يصمها إلا لما أتى العيد وهو لم يصمها، فإنه يصومها في أيام التشريق، فهذا هو المستثنى من جواز صومها.

أما غيره فإنه لا يجوز له صومه، حتى من كانت له عادة من صيام الأيام البيض أو وافق أحد أيام التشريق كالاثنين والخميس وكانت له عادة من الصيام، أو كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، فإنه لا يجوز له صيام أيام التشريق، حتى لو نذر أن يصومها فإنه لا يجوز له ذلك، ويكون صومه ونذره معصية.

وبذلك نكون قد أتممنا التعليق على كتاب الصيام من كتاب المنتقى للمجد ابن تيمية الحراني رحمه الله تعالى. وأسأل الله أن يمن علينا بالعلم النافع الصالح، وأن يبلغنا جميعاً شهر رمضان ونحن في أتم صحة وعافية، وأن يوفقنا فيه للعمل الصالح الذي يقربنا إليه، وأن يمن علينا بالقبول والغفران والعتق من النيران. وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

هل هناك سؤال؟