دخولتسجيل الدخول

المجلس الثالث من مجالس التعليق على كتاب الصيام

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم.

أما بعد؛ فهذا هو المجلس الثالث من مجالس التعليق على كتاب الصيام من "المنتقى" للمجد ابن تيمية رحمه الله تعالى. وكنا قد توقفنا عند باب كفارة من أفسد صوم رمضان بالجماع.

قال رحمه الله تعالى: باب كفارة من أفسد صوم رمضان بالجماع. عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أهلكت يا رسول الله! قال: «وما أهلكك؟» قال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال: «هل تجد ما تعتق رقبة؟» قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا. قال: «فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا؟» قال: لا. قال: ثم جلس، فأتى النبي ﷺ بعرق فيه تمر، قال: «تصدق هذا». قال: فهل على أفقر منا؟ ما بين لابتيهما أهل بيت أحوج إليه منا. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، فقال: «اذهب فأطعمه أهلك». رواه الجماعة.

وفي لفظ ابن ماجه: قال: «أعتق رقبة»، قال: لا أجدها، قال: «صم شهرين متتابعين»، قال: لا أطيق، قال: «أطعم ستين مسكينًا». وذكر، وفيه دلالة قوية على الترتيب. ولابن ماجه وأبي داود في رواية: «وصم يومًا مكانه». وفي لفظ الدارقطني فيه: «هلكت» وأهلكت، وقال: «ما أهلكك؟» قال: «وقعت على أهلي»، وذكره. وظاهر هذا أنها كانت مكرهة.

أحسنت، هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب حديث المجامع في نهار رمضان؛ هذا باب كفارة من أفسد صوم رمضان بالجماع. وهذه الكفارة مذكورة في هذا الحديث: عتق رقبة، صيام شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكينًا. وأتى المؤلف رحمه الله تعالى بالرواية برواية ابن ماجه لأنها أقوى في الدلالة على الترتيب؛ لأن الرواية الأولى محتملة للترتيب ومحتملة للتخيير؛ إذ قال: «هل تجد ما تعتق رقبة؟» قال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟»، فهي محتملة أنك لما لم تكن تجد ما تعتق رقبة انتقلت إلى صيام الشهرين، ومحتملة أنك مخير بين هذا وهذا.

ومما يدل على احتمال التخيير أنه وقع قريب منها في فدية الأذى في حديث كعب بن عجرة، في بعض الروايات قال له النبي ﷺ: «هل تجد ما تطعم شاه؟» قال: لا، قال: «فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين». وفدية الأذى على التخيير بدليل الآية. فهذه محتملة للتخيير ومحتملة للترتيب، فأتى المؤلف رحمه الله بالرواية الثانية لأنها أقوى صراحة في الدلالة على الترتيب.

وهذا الحديث حديث عظيم كثير الفوائد، أفرد الحافظ العراقي رحمه الله بمصنف مستقل، واستنبط منه ألف مسألة ومسألة. وفي هذا الحديث دلالة على أن الكفارة تجب في الجماع في الصيام. وذكر أهل العلم رحمهم الله تعالى أن الكفارة تجب في الجماع؛ يعني لإخراج غيره من المفطرات، وتجب في صوم رمضان لإخراج صوم غيره، سواء كان هذا الصوم واجبًا كالكفارة والنذر والقضاء، أو كان هذا الصوم مستحبًا. وتجب في صوم رمضان أداءً إذا كان واجبًا عليه.

فهذه القيود الأربعة: جماع، وصوم رمضان، وأن يكون أداءً، وأن يكون الصوم واجبًا عليه. فلو لم يكن الصوم واجبًا عليه، كما لو كان شخص وزوجته مسافرين سفرًا يباح الفطر، وكانا صائمين أول النهار، ثم جامع الزوج زوجته؛ فإنه لا يلزمه سوى القضاء، لا يلزمه الكفارة لأن الصوم غير واجب عليه أداءً.

وفي هذا الحديث دلالة على أن من جهل ما يترتب على المفطر فإنه لا يعذر بجهله. ويدل لذلك أن هذا الرجل السائل ظاهر كلامه أنه يعلم أن الجماع ممنوع للصائم، لكنه لا يعلم ما الذي يترتب عليه، حتى أخبره النبي ﷺ. وهكذا كل من علم تحريم شيء وجهل ما يترتب عليه فإنه لا يعذر بذلك؛ فلو كان شخص يعلم أن السرقة محرمة، لكنه يجهل أنه إذا سرق من حرز واكتملت الشروط أنه تقطع يده، فإنه لا يعذر بهذا الجهل ما دام أنه يعلم أن السرقة محرمة.

المؤلف رحمه الله أتى بالرواية الثالثة لابن ماجه، وأبي داود في رواية: «وصم يومًا مكانه». هذه الرواية فيها زيادة القضاء، يعني الرواية الأولى والثانية ليس فيها ذكر للقضاء، الرواية الثالثة فيها التصريح بأنه يلزمه القضاء؛ لأنه قال: «وصم يومًا مكانه». وهذه الرواية ذكرت زيادة القضاء.

هذا جاء من طريق هشام بن سعد عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وقد رواه عن الزهري أناس كثيرون من الثقات الأثبات، وبعضهم ممن له اختصاص بالزهري رحمه الله تعالى فلم يذكروا هذه الزيادة، وطعن في هذه الزيادة غير واحد من أهل العلم رحمهم الله تعالى؛ لأن من لم يذكرها أثبت، وأكثر ممن ذكر لم يتفرد بها هشام بن سعد، بل تابعه غيره، لكن المتابعين له فيهم ضعف ولا يقاومون من لم يذكرها، لا في الكثرة ولا في الثقة.

ولذلك اختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى: هل من جامع في نهار رمضان يلزمه مع الكفارة قضاء أو لا؟ فأكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى أوجبوا القضاء مع الكفارة، ودليلهم بعض الروايات التي ورد فيها ذكر القضاء إضافة إلى أنه على فرض أنه لم تصح هذه الرواية، فإنما ترك ذكرها للعلم بها؛ لأنه يعلم أن كل من أفسد عبادة يلزمه الإتيان بها على الوجه الصحيح، وهذا أفسد عبادة فلزمه الإتيان بها على وجهها الصحيح.

وذهب بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى إلى عدم وجوب القضاء، وقالوا إن الروايات الصحيحة الواردة في حديث أبي هريرة، وكذلك حديث عائشة وغيرها لم يرد فيها ذكر القضاء، وإن الروايات الواردة في ذكر القضاء ضعيفة. وهذا القول هو قول من بعض الشافعية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وشيخ الإسلام رحمه الله يرى أن من دخل -أو بالأصح من أخر- عبادته عن وقتها الواجب شرعًا بغير عذر فإنه لا يلزمه القضاء، وطرد هذا في الصلاة؛ الصلاة لو أخر الصلاة عن وقتها بغير عذر عند الشيخ الإسلام رحمه الله.

لا يلزمه القضاء؛ لأن القضاء على كلام متوجه للمعذور، وكذلك في الصيام. يقول إن الصيام واجب في شهر رمضان، من لم يصم رمضان إما لم يصمه كله، أي كل اليوم من الأصل لم يصم، أو صامه ثم أفطر في أثناء اليوم بدون عذر، ما عنده عذر لا سفر ولا مرض ولا نحوه.

فعلى كلام الشيخ رحمه الله لا يلزم القضاء؛ تخفيفًا عليه. لا، بل هو من باب التشديد، يقول القضاء لا يكفيه، لا بد من توبة نصوح. ولعل الأقرب وقول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى؛ لأن النصوص لم تفرق بين المعذور وغيره في القضاء، والأصل أن من لم يأت بالعبادة الوجه المطلوب فيلزمه قضاؤها.

وطبعًا الإفطار في رمضان بدون عذر هذا من الكبائر، فلا يكفي فيه القضاء، بل لابد من التوبة في الآخرة. لكن هذا إبراء ذمته في الدنيا من هذه العبادة، والله المستعان.

في الحديث أيضًا في الرواية الأخرى الأخيرة، قال في لفظ للدارقطني فيه: «هلكتُ وأهلكتُ»، قال: «ما أهلكتَ؟»، قال: «وقعت امرأتي...» إلى آخره. وهذه رواية ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح أن فيها مقالًا، قال الحافظ رحمه الله: ظاهر هذا أنها كانت مكرهة.

وعندنا مسألتان: الأولى، هل المكره على الجماع عليه القضاء والكفارة أو لا؟ من أهل العلم من عمم هذا في الرجل والمرأة، فقالوا: من أُكره على عبادة، على فطر من المفطرات سواء أكلًا أو شربًا أو جماعًا أو غيره، فإنه يصح صومه ولا شيء عليه؛ لأنه معفو عنه، عُفي عن أمة الخطأ والنسيان، واستُكره عليه، ونصوص أخرى دالة على عذر المكره.

ومن أهل العلم من فرق بين الرجل والمرأة، وهذا طبعًا من أهل العلم من فرق بين الجماع وغيره، فقالوا: في المفطرات الأخرى يعذر فيها بالإكراه، وفي الجماع فرقوا بين الرجل والمرأة، فقالوا: تعذر المرأة بدليل مثل هذه الرواية: «أهلكتُ وأهلكتُ»، ولم يذكر على المرأة كفارة. وهذا مما ذكر أنه لماذا لم يذكر عليها كفارة، وهي المسألة الثانية سنتكلم بعد قليل أنها كانت مكرهة.

وقالوا إن الرجل لو أكره فإنه لا يعذر، ويستدلون على ذلك أو يعللون دون ذلك بأنه لا وطء إلا عن انتصاب الذكر، ولا ينتصب الذكر ولا ينتشر إلا... يتصور الانتشار مع الإكراه، كذا يقرره جمع من الأصحاب الحنابلة رحمهم الله تعالى، وكان في هذا نظر، والعلم عند الله تعالى، والنصوص الكثيرة دالة على عذر المكره ولم تفرق بين رجل وامرأة.

المسألة الثانية، بماذا لم تذكر المرأة هنا؟ يعني كل الروايات فيها ذكر للرجل، هل تجد ما تبعتك قبل... ما ذكر المرأة؟ اختلف أهل العلم في سبب عدم ذكرها، فقيل إن المرأة لا كفارة عليها إذا جاء معها الرجل، فالكفارة على الرجل لا على المرأة، وإن حتى لو كانت مطاوعة فعليها القضاء دون الكفارة، هذا قول.

وقيل سبب عدم ذكرها أن السؤال كان من الرجل وهو يسأل عن نفسه، واعتراف الرجل عليها لا يوجب الحكم عليها؛ يعترف أنها جامعها وأن الجماع حصل من الاثنين، لا يوجب أن يحكم عليها وهي لم تعترف. وقيل إنها قضية حال، قد تكون معذورة بذلك، قد تكون ممن لم يجب عليها الصوم مسافرة أو نحو ذلك، فهي قضية حال.

وقيل إنه لم تذكر المرأة لأن الأصل توافق الرجل والمرأة في الأحكام، فسكت عن ذكرها لأن الأصل توافقهما. وقيل إن النبي ﷺ عرف من دلالة الحال أنها معسرة، لأنه زوجها هو الذي ينفق عليه وهو معسر، فالمرأة من باب أولى. هذه بعض مسالك أهل العلم رحمهم الله تعالى في ذلك.

ونستفيد منه أن من أهل العلم من اعتبر أن الكفارة خاصة بالرجل، ومنهم من اعتبر أن الكفارة عامة لهما. والمشهور في المذهب أن الكفارة تجب على الرجل وعلى المرأة إذا كانت مطاوعة عالمة، أما إذا كانت معذورة فإنه لا كفارة عليها. ومن الأصحاب من قال إنها إذا كانت مكرهة فإن الرجل يخرج الكفارة عنه وعنها، يعني تلزم في ذمته كفارتان.

وهذا الحديث في قول النبي ﷺ: «اذهب فأطعمه أهلك»، يدل على أن الكفارة سقطت عنه أو لا؟ يدل على خلاف كبير بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، والحديث محتمل؛ محتمل لسقوطها عنه ومحتمل لعدم سقوطها. والذين قالوا إنها تسقط الكفارة بالعجز، قالوا إن النبي ﷺ لما قال له: «اذهب فأطعمه أهلك»، لم يخبره ببقاء الكفارة في ذمته، ولا يجوز تأخر البيان عن وقت الحاجة.

والذين قالوا إنها لا تسقط، قالوا إن النبي ﷺ قال له: «اذهب فأطعمه أهلك»، ولم يذكر له بقاء الكفارة في ذمته؛ لأن الأصل البقاء، لأن الأصل البقاء كسائر الديون. الديون يعني لو كان شخص معسرًا ما يلزم بالسداد، وإنما لو كان عنده مال سدد، ولو كان معسرًا بعد سنة أتاه ألف من أحد أقاربه فإن سدد السداد، ما نقول إعسارك السابق سبب لإسقاط الدين عن ذمتك، وقالوا إنه ليس هناك تأخير بيان عن وقت الحاجة.

لماذا هؤلاء بعض الشافعية؟ طب الأول الحنابلة يقرر، بعض الحنابلة يقرره بعض الشافعية؛ لماذا؟ هذه مسألة مبنية على مسألة أصولية، وهي هل الأصل واجبات وجوبها على الفور أو على التأخير؟ فالحنابلة يرون أن الوجوب على الفور، فيقولون إن الكفارة واجبة الآن في ذمته، فإن لم يخبره هل يجب أو لا يجب. الشافعية يقولون هي في ذمته لكنها على التراخي، فلذلك كونه لم يخبره لأنه لم يأتِ وقت الوجوب، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة، يعني وقت الوجوب إلى وقت الحاجة جائز، فيقول لم يأتِ وقت الحاجة الذي يلزم فيه السداد.

هل يجوز دفع الكفارة لأهل البيت؟ يعني قول النبي ﷺ: «اذهب فأطعمه أهلك»، هل يقصد به أنه يطعمهم على وجه الكفارة وتسقط الكفارة عنه؟ هذا قاله بعض أهل العلم، أن قول النبي ﷺ إذا أفطر كذا يعني أن هذه الكفارة... «واذهب فأطعمه أهلك»، لكن أكثر يرون أنه لم يقله النبي ﷺ يعني له دفع عن الكفارة، وإنما أراد منه أنك لما كنت محتاجًا له أنت وأهلك فجاز لك أن تأكل منه.

هنا مسألة هل الناسي والمكره عليه كفارة؟ المكره تكلمنا قبل قليل، والناسي أيضًا فيه الخلاف الذي في المكره.

والأصحاب رحمهم الله تعالى ذكروا أنه لا يُعذر الرجل بالنسيان والإكراه؛ لماذا قالوا ذلك؟ لأن النبي ﷺ ما استفصل منه، ما قال: هل أنت ناسي؟ هل أنت مكره؟ قالوا: وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقام، فكأنه يقول له: عليك كفارة مطلقًا.

كون النبي ﷺ ما استبصر منه دل على أنه سواء كان جاهلاً أو ناسياً، سواء كان ذاكراً أو ناسياً، سواء كان مختاراً أو مكرهاً، فعليه الكفارة. لكن أهل القول الثاني قالوا: إن ظاهر النبي ﷺ ما استبصر منه بأن ظاهر حاله أنه ذاكر؛ لأنه مقر بالذنب، كما في الرواية الأخرى: «هلكت يا رسول الله»، وفي رواية أخرى: «احترقت»، «هلكت وأهلكت» إلى آخره، فدل على أنه قاصد وعالم بالحرمة. فمن خلال القرائن، النبي ﷺ لم يستفصل منه عن ذلك؛ لأن القرائن دلت على أنه غير معذور بهذا.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: باب كراهة الوصال. عن ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن الوصال، فقالوا: «إنك تفعله»، فقال: «إني لست كأحدكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني». وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إياكم والوصال»، فقيل: «إنك تواصل»، قال: «أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فكلفوا من العمل ما تطيقون». وعن عائشة قالت: نهاهم النبي ﷺ عن الوصال، رحمه الله، فقالوا: «إنك تواصل»، قال: «إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي ويسقيني»، متفق عليهما. وعن أبي سعيد أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا تواصلوا، فمن أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر»، قالوا: «إنك تواصل يا رسول الله»، قال: «لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني وسقٍ يسقيني»، رواه البخاري وأبو داود.

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى باب كراهة الوصال، والوصال هو الوصل بين يومين في الصوم، أو تأخير الفطر إلى جزء متأخر من الليل، فهذا كله من الوصال. المؤلف رحمه الله بَابُ كراهة الوصال؛ هذا دليل على أن ما ذكر من النهي إنما هو للكراهة.

الحديث الأول: حديث ابن عمر نهى عن الوصال، ذكر حكاية النهي، لم يذكر لفظ النبي ﷺ إنما حكاها. ويذكر الأصوليون رحمهم الله تعالى أنها مسألة أصولية مختلف فيها: ما قول الصحابي حين يأمر النبي ﷺ أو ينهى عن كذا؟ هل هو موقوف أو مرفوع؟ الصواب أنه مرفوع، وحكمها أنه حكم الرفع.

الرواية الثانية فيها لفظ النهي: «إياكم والوصال»، والرواية الثالثة فيها ما يدل على أن النهي ليس على التحريم؛ نهي عن الوصال رحمه الله، وهذا يدل على أنه من باب الشفقة والرحمة، فلا يدل على التحريم. وطبعاً الرواية الرابعة فيها إجازة الوصال إلى السحر، جواز الوصال إلى السحر، وهذه المسألة مما وقع الخلاف فيه؛ هل الوصال محرم؟ قالوا: محرم، وهذا قول جمع من أهل العلم رحمهم الله تعالى، ويرون أن الوصال محرم، وهذا القول معزو للجمهور الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي.

وقيل إن الوصال مباح بدون كراهة، وقد فعله جمع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. والمشهور والقول الثالث وهو الوسط، مذهب الحنابلة، أن الوصال يومين فأكثر أنه مكروه، أما الوصال إلى السحر فإنه جائز، وهو خلاف الأولى، جائز وهو خلاف الأولى بدليل حديث أبي سعيد الذي ذكره المؤلف رحمه الله في نهاية الباب.

هنا قول النبي ﷺ أو قول الصحابة: «إنك تفعله»، «إنك تواصل يا رسول الله»، هذا فيه دليل على أن الأصل في أفعال النبي ﷺ الاقتداء، وأن ما فعله النبي ﷺ على وجه العبادة فالأصل فيه الاقتداء وليس الأصل فيه الخصوصية. فالصحابة ما فهموا الخصوصية، لكن النبي ﷺ أخبرهم في الوصال فقط أنه كان خاصاً به: «إني لست كأحدكم»، «إني أبيت يطعمني ربي»، «إني لست كهيئتكم». فهذا دليل على أن الحكم حكم الإباحة يعني خاص بالنبي ﷺ، وأن من عداه فإنه ينهى عنه، أما نهي تراه أو نهي تحريم على الخلاف.

وقوله: «إني أبيت» أو في الرواية الأخرى: «إني أظل يطعمني ربي ويسقيني»، هل المراد إطعام حقيقي وإسقاء حقيقي أو لا؟ من أهل العلم من قال إن المراد إطعام وإسقاء حقيقي، وهذا القول فيه نظر؛ لأنه لو كان كذلك لما قال النبي ﷺ: «إني لست كأحدكم»، لو كان كذلك لقال النبي ﷺ: «إني لم أواصل لأن الله يطعمني ويسقيني»، لأنه إذا كان الله يطعمه ويسقيه حقيقة فإنه لا يعتبر مواصلاً.

والقول الثاني أنه إطعام معنوي وإسقاء معنوي، فما يفيضه الله عليه من روحانية الإيمان والطمأنينة ونحو ذلك، مما يجعله مستغرقاً في العبادة وهو مرتاح منشرح مصروف، هذا يقوم مقام الطعام والشراب. ونظير ما عبر به الشاعر: لها أحاديث من ذكراك تشغلها *** عن الشراب وتلهيها عن الزاد

والثاني هو الأظهر والله تعالى أعلم؛ لأنه هنا نحمله على الوصال الحقيقي، صحيح حملناه على الإطعام والإسقاء المجازي لكن بقرينة دلت على ذلك، والمعنى أن نص الكلام لا يصرف عن حقيقته إلى مجازه إلا عند وجود القرينة.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: باب آداب الإفطار والسحور. عن عمر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر الصائم». وعن سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر»، متفق عليهما. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ أَحَبَّ عِبَادِي إِلَيَّ أَصْوَمُهُمْ﴾ [رواه أحمد والترمذي]. وعن أنس قال: كان النبي ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات فحسبوات، مما رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وعن سلمان بن عامر الضبي قال رسول الله ﷺ: «إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور»، رواه أحمد والنسائي. وعن معاذ بن زهرة أنه بلغه أن النبي ﷺ كان إذا أفطر قال: «اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت»، وهو أبو داود، وثبت أن النبي ﷺ كان يقول لا...

«لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور وعجلوا الفطر» رواه أحمد. وعن أنس أن النبي ﷺ قال: «تسحروا فإن في السحور بركة» رواه الجماعة. وعن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر» رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه.

انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى باب آداب الإفطار والسحور، وذكر فيه عدة أحاديث في الإفطار والسحور. حديث سهل فيه دلالة على المبادرة بالإفطار وبما يتحقق التعجيل، وحديثه سهل فيه الحث على تعجيل الإفطار، وكذلك حديث أبي هريرة اللاحق بعده. وحديث أنس بن عامر هذا فيه أن من الآداب أن يفطر على تمر أو رطب، ثم تمر ثم ماء. وحديث معاذ بن جرة هذا فيه بيان الذكر الوارد عند الفطر. وحديث أنس في نعم، وحديث أبي ذر فيه الدلالة على فضل خير السحور تعجيل الفطور، وحديث أنس فيه دلالة على بركة السحور وهذا فيه دلالة على الحث عليه، وحديث عمرو بن العاص أيضًا في بيان فضل السحور من حيث بيان أنه هو الفاصل بين صيام المسلمين وصيام أهل الكتاب.

عمر رضي الله عنه يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: «إذا أقبل الليل من ها هنا -يعني من جهة المشرق- وأدبر النهار من ها هنا -يعني من جهة المغرب- وإقبال الليل وإدبار النهار متلازمان، إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغربت الشمس فقد أفطر الصائم».

قوله: «فقد أفطر الصائم»، هل المراد فقد حل له الفطر، أو المراد أنه حصل له الفطر حكمًا وإن لم يفطر؟ هذا هذان احتمالان اذكرهما الشراح، والأول أقرب؛ أنه جاز له الفطر؛ لأن النبي ﷺ قاله لأجل ذلك. جاء في حديث عبد الله بن أبي أوفى في الصحيح أنهم كانوا مع النبي ﷺ فقال: «يا فلان، انزل فاجدح لنا جدحًا»، وهو السويط يخلط بالماء، قالوا: يا رسول الله، إن عليك نهارًا، قال: «يا فلان، انزل فاجدح لنا»، فكرر ذلك، ثم قال له النبي ﷺ: «إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم». هذا دليل على أن المراد به فقد حل له الفطر؛ لأن الأحكام...

الاحتمال الثاني: فقد أفطر حكمًا، يعني أنه لا يمكن أن يتحقق له الوصال، فنقول حتى لو أنت وصلت حقيقة فإنه لم يتحقق لك الوصال؛ لأنك أفطرت، يعني صرت مفطرًا بمجرد غروب الشمس، ولو كان كذلك لما نهي عن الوصال والتعبد به.

حديث سهل بن سعد: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر»، فيه الحث على تعجيل الإفطار؛ لأن الناس إذا أخروا الإفطار كانوا داخلين في خلاف السنة، ولا يزالون بخير ما كانوا يفعلون السنة. وكذلك حديث أبي هريرة الآتي بعده: «أحب عبادي إليَّ أعجلهم فطرًا» رواه أحمد والترمذي، والحديث فيه ضعف لأنه من رواية قرة بن عبد الرحمن عن الأوزاعي، وقرة مضاعف عند جماهير المحدثين، لكن هذا الحديث ليس هو العمدة في الباب، ويدل على فضل أو استحباب تعجيل الفطر؛ لأن الله يحب من عجل الفطر.

ونقول إن استحباب تعجيل الفطر جاء في النصوص الأخرى، منها حديث سهل بن سعد السابق، وحديث أنس: «كان النبي ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلي»، هذا فيه دليل على المبادرة أيضًا بالفطر، وفيه أيضًا دليل على ما يبدأ به؛ يبدأ بالرطب، فإن لم تكن رطبات فتمرات، يعني تمر ليس رطبًا من التمر اليابس، فإن لم توجد تمرات فليحسُ حسوات مما رواه أحمد وأبو داود والترمذي، حسنه الترمذي والدارقطني وصحح إسناده، وأعله بعض المحدثين كأبي حاتم وابن عدي بتفرد عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان، وتفرد جعفر به عن ثابت البناني، لكن قد روي عن أنس من طرق أخرى لعلها باجتماعها يشد بعضها بعضًا. وهذا الحديث فيه زيادة على ما بعده؛ تقديم الرطب على التمر.

أما حديث سلمان بن عامر، فإنه ذكر التمر، وإذا ذكر التمر مطلقًا من غير عطفه على الرطب فإنه يشمل التمر الرطب والتمر اليابس. واستحباب الفطر على التمر؛ لأن التمر فيه مادة حلوة ويسهل امتصاصها، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله الحكمة من البدء بالتمر والرطب في السحور، فليُرجع إليه.

هنا حديث سلمان بن عامر: «إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على ماء، فإنه طهور»، والحديث فيه كلام في إسناده لكن هو أقوى من الحديث الذي قبله.

الحديث الذي يليه حديث معاذ بن جرة، وهو تابعي بلغ أن النبي ﷺ كان إذا أفطر قال: «اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت» رواه أبو داود، لكن هنا تابعي روى عن النبي ﷺ من غير ذكر الصحابي فهو مرسل. وجاء في حديث ابن عمر: «ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله»، وعند أبي داود وغيره وهو أقوى من حديث معاذ بن جرة. وعلى كل يعني الأحاديث الأذكار، إذا كان الذكر ليس ضعيفًا جدًا أو موضوعًا وإنما فيه كلام يسير وجاء من عدة طرق، فيتسامح أهل العلم رحمهم الله تعالى في إيراده.

الحديث الذي يليه حديث أبي ذر: «لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور وعجلوا الفطر» رواه أحمد. طبعًا «لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر» هذا جاء في حديث سهل بن سعد السابق في الصحيحين وغيرهما، أما «ما أخروا السحور» فهي في حديث أبي ذر عند الإمام أحمد، والحديث فيه ضعف، لكن تأخير السحور ثابت من فعله ﷺ في الصحيحين وغيرهما؛ قال أنس رضي الله عنه: «تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة»، قيل له: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: قدر خمسين آية. في هذا دليل على أن سحور النبي ﷺ قريب من أذان الفجر.

الحديث الذي يليه حديث أنس: «تسحروا فإن في السحور بركة» رواه الجماعة، السحور بفتح السين وضمها، السُّحور والسَّحور.

والفرق بينهما من أهل العلم من قال من أهل اللغة هما بمعنى، ومنهم من فرق بينهما، فبالفتح الطعام الذي يتسحر به، وبالضم فعل التشحر.

والبركة محتملة الإضافة إلى كل منهما؛ فالطعام فيه بركة والفعل فيه بركة. وبركة السحور دنيوية وأخروية؛ فالدنيوية أنها تقوي الصائم على العبادة وتنشطه، والأخروية ما فيها من الأجر العظيم ومبادرتنا إلى الاقتداء بالنبي ﷺ.

كما جاء في الحديث الأخير في هذا الباب أن فيها مفارقة لصيام أهل الكتاب، وقد جاءت النصوص في الأمر بمخالفة المشركين وأهل الكتاب فيتقصد مخالفتهم، وهذه بركة أخروية أن فيها زيادة أجر. وحديث عمرو بن العاص فيه فضل مخالفة أهل الكتاب.

فصل: ما بين صيام وصيام أهل الكتاب أكله السحور. وهذا كان أول الأمر أيضًا في صيام المسلمين، كانوا إذا أكلوا إفطارهم ثم صلى الواحد منهم العشاء ونام؛ فإذا صلى الواحد العشاء ونام فإنه بالنوم نهاية الصيام ونهاية الفطر، فإذا قام لا يوجد سحور. وهذا كان أول الأمر، ثم نسخ ذلك وجعل إباحة الفطر إلى طلوع الفجر.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: باب ما يبيح الفطر وأحكام القضاء. باب الفطر في الصوم في السفر؛ عن عائشة، أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي ﷺ في السفر وكان كثير الصيام: «أن شئت فصم، وإن شئت فأفطر» رواه الجماعة.

وعن أبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حر شديد، حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة. وعن جابر قال: كان رسول الله ﷺ في سفر، فرأيت حاملاً ورجلاً قد ظلل عليه، فقال: «ما هذا؟» فقالوا: صائم، فقال: «ليس من البر الصوم في السفر».

وعن أنس قال: كنا نسافر مع رسول الله ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم. وعن ابن عباس أن النبي ﷺ خرج من المدينة ومعه ألف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمة المدينة، فسافر بمن معه من المسلمين إلى مكة يصومون، حتى إذا بلغ قديدًا -وهو ماء بين عثمان وقديد- أفطر وأفطروا. وإنما يؤخذ من أمر رسول الله ﷺ بالآخر؛ فالآخر متفق على هذه الأحاديث، إلا أن مسلمًا له معنى حديث ابن عباس من غير ذكر ألف ولا تاريخ الخروج.

وعن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال: يا رسول الله، أجد مني قوة على الصوم في السفر، فهل علي جناح؟ فقال: «هي رخصة من الله تعالى، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه» رواه مسلم والنسائي، وهو قوي الدلالة على فضيلة الفطر.

وعن أبي سعيد وجابر قالا: سافرنا مع رسول الله ﷺ فيصوم الصائم ويفطر المفطر، فلا يعيب بعضهم على بعض، رواه مسلم. وعن أبي سعيد قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلاً فقال رسول الله ﷺ: «إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم»، فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر. ثم نزلنا منزلاً آخر فقال: «إنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم»، فافطروا، فكانت عزمة فافطرنا. ثم لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك مع رسول الله ﷺ في السفر رواه أحمد ومسلم وأبو داود.

أحسنت. هنا قال: أبواب ما يبيح الفطر وأحكام القضاء. إذ سيتكلم في هذه الأبواب اللاحقة عن أمرين: ما يبيح الفطر، وعن القضاء.

سيتكلم عن ما يبيح الفطر في الصوم في السفر، ذكر عدة أحاديث، وهذه الأحاديث نستطيع أن نقول دلالتها لا تخرج عن ثلاثة أمور، وكل منها قول بأهل العلم. هناك أحاديث تدل على أن الصائم مخير تخيرًا مطلقًا بين الصوم والإفطار، من غير تفضيل لبعضها على بعض؛ هذه الأحاديث هي حديث عائشة الأول في قصة حمزة بن عمرو الأسلمي، وحديث أنس: «كنا نسافر مع رسول الله ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر»، وحديث أبي سعيد وجابر: «سافرنا مع رسول الله ﷺ فيصوم الصائم ويفطر المفطر ولا يعيب بعضهم على بعض»، والحديث الذي يليه أبي سعيد: «سافرنا مع رسول الله ﷺ» إلى آخره إلى أن قال: «فمنا من صام ومنا من أفطر». هذه الأحاديث تدل على أن الصائم مخير، إما أن يصوم وإما أن يفطر، إن كان الحديث الأخير فيه نوع تفصيل.

وهناك أحاديث تدل على تفضيل الصوم، وهو الحديث الثاني: حديث أبي الدرداء، تفضل الصوم لأن النبي ﷺ قد صام. وهناك أحاديث تدل على تفضيل الفطر؛ حديث جابر: «ليس من البر الصوم في السفر»، والحديث الذي يليه: «وإنما يؤخذ من أمر رسول الله ﷺ بالآخر»، حيث إنهم صاموا أول الأمر ثم بدأوا يفطرون. وإنما يؤخذ من أمر رسول الله ﷺ بالآخر؛ هذه الجملة مختلف في هل هي من كلام ابن عباس أو من كلام الزهري رحمه الله تعالى، ولذلك اختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى.

هل الصائم المسافر مخير تخيرًا مطلقًا بين الصوم والفطر؟ أو نقول له الفطر أفضل لك، أو نقول له الصوم أفضل لك؟ مع اتفاق أهل العلم رحمهم الله تعالى على أنه يجوز للصائم المسافر الفطر. إذن هذا متفق عليه، مجمع عليه بين أهل العلم جواز الفطر للمسافر، هذا مجمع عليه على خلاف بينهم في جزئيات من هذه المسألة، لكن عندنا أصل المسألة جواز الفطر للمسافر، هذا بلا خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى.

حتى الصوم للمسافر هذا ليس بالإجماع؛ من أهل العلم من قال لا يجوز صوم المسافر أصلًا، لكن في الفطر ما أحد قال لا يجوز فطر المسافر، لكن هناك مسائل من أهل العلم من قال لا يجوز الفطر للمسافر في هذا السفر، يعني مثلا لو كان سافر في أثناء النهار وفي أول النهار طلع عليه الفجر وهو في بلده وسيسافر بعد صلاة الظهر، هنا إذا سافر هل يجوز له الفطر أو لا؟ هذه مسألة خلافية.

لكن عندنا أصل المسألة جواز الفطر للمسافر، هذا بلا خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى. فمن أهل العلم من قال إن الفطر للمسافر أفضل مطلقًا، وهذا هو المشهور عند الحنابلة، ومنهم من قال إن الصوم أفضل للمسافر، ومنهم من ذهب إلى...

إن الصوم أفضل له، إلا أن شق عليه فيفطر، إلا أن شق عليه فالفطر أفضل له. وقالوا قلنا بهذا جمعا بين النصوص؛ فصوم أفضل له إذا لم توجد مشقة بفعل النبي ﷺ في بعض أسفاره، والفطر أفضل له إذا وجدت المشقة؛ لأن النبي ﷺ أفطر وأمر أصحابه بالإفطار، بل غضب لما قيل له إن بعض الناس قد صام، كما سنتنا في الباب الذي يليه، وقال: «أولئك العصاة»، «أولئك العصاة». فهذا الدليل على أنه يشرع الفطر.

نرجع إلى هذه الأحاديث، حديث عائشة في قصة حمزة بن عمرو الأسلمي: «أأصوم في السفر؟» هذا الحديث هل فيه دلالة على أنه صوم رمضان؟ لا، هذه الرواية ما فيها ما يدل على أنها صوم رمضان، لكن في الرواية الأخرى، خاصة الرواية التي ذكرها المؤلف لاحقًا من حديث حمزة بن عمرو فيها، قال النبي ﷺ: «هي رخصة من الله، والرخصة في مقابل العزيمة، والعزيمة إنما هي صيام رمضان». فيدل -الله أعلم بالرواية الأخرى- أنه يسأل عن صوم رمضان، فقال له النبي ﷺ: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر»، «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر». هذا كما قلنا فيه التخيير، وأما الأفضل كما قلنا لكم فيه خلاف بين أهل العلم في الأفضل منهما.

حديث أبي الدرداء واضح في فعل النبي ﷺ أنه صام في شهر رمضان في حرب شديد، وهذا من فعله ﷺ، لكن النبي ﷺ لعله لم يشق عليه، لا هو ولا عبد الله بن رواحة، يعني جمعا بين النصوص.

الحديث الثالث، حديث جابر: «كان رسول الله ﷺ في سفر فرأى زحامًا ورجلًا قد ظلل عليه فقال: ما هذا؟ قالوا: صام. قال: ليس من البر الصوم في السفر». «ليس من البر الصوم في السفر». هنا قاله النبي ﷺ في حق هذا الرجل، هل نعممها في كل سفر أو لا؟ من أهل العلم من عممها في كل سفر وقال: في كل سفر ينبغي الفطر للحديث، بل بعضهم أوجب الفطر لهذا الحديث.

لكن ابن دقيق العيد رحمه الله في «أحكام الأحكام» ذكر كلامًا في الرد على من قالوا إن النبي ﷺ قالها في هذا الرجل، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قال: لا، يجب أن ننتبه للفرق بين هذه القاعدة وبين كون القرائن تدل على التخصيص؛ فيقول: القرائن دلت على تخصيص هذا العموم بهذا الشخص ومن كان مثله ممن يشق عليه الصوم في السفر، فيقال له: ليس من البر الصوم في السفر؛ لأنه يشق عليه، والله عز وجل يحب أن تؤتى رخصه.

أما من لا يشق عليه الصوم، بل صومه وفطره سواء ولا يشق عليه، فيقول أصوم، ولا نقول له ذلك، بدليل أن النبي ﷺ كان يصوم في سفره، والصحابة رضي الله عنهم هم يصومون في السبب، يعني بعضهم يصوم وبعضهم يفطر، لا يعيب بعضهم على بعض.

حديث أنس وحديث أبي سعيد وجابر وفيه: «كنا مع رسول الله ﷺ فلم يعب الصائم المفتطر». إن الناس إذا اختلفوا في شيء ينبغي أن يكون قصدهم الحق، فينبغي أن يكونوا إخوة، لا ينبغي أن يكون اختلاف الرأي سببًا للتنافر. الصحابة رضي الله عنهم كانوا منهم من يصوم ومنهم من يفطر، هذا لا يعيب على هذا وهذا، لا يعيب على هذا؛ لأنهم يرون الأمر واسعًا، من سهل عليه صام ومن شق عليه أفطر، فيرون الأمر واسعًا، فلا يثرب بعضهم على بعض.

وهكذا ينبغي لطالب العلم في المسائل الخلافية، المسائل الخلافية لا يشتد في النكير على من خالف، خاصة إذا كان من خالف بناء على دليل معتبر، حتى وإن كنت تراه مرجوحًا، ترى القول مرجوحًا، لا ينبغي أن تشد في النكير عليه؛ لأنك إذا شددت في النكير ربما يشد هو في الرد، فيدخل الشيطان بين الرد والمردود عليه، فبدلًا من أن يكون الانتصار للحق يكون الانتصار للنفس، وهذه تغيب وهذا المعنى يغيب عن بعض من يتولى الرد على المخالفين.

حديث أبي سعيد الأخير، فيه النبي ﷺ تدرج مع أصحابه، كانوا مسافرين في فتح مكة، فقال لهم -وكانوا صائمين أول الأمر-: «إنكم قد قدمتم من عدوكم، الفطر أقرب لكم، فأفطروا». هنا رخصة، فهموا الرخصة: لعلكم تفطرون، فمنهم من صام ومنهم من أفطر. «أصبحتم عدوكم، الفطر أقرب لكم فأفطروا». الأولى ما قال: «فأفطروا، الفطر أقرب لكم»، الثانية أمرهم؛ فكانت عزيمة، فالنبي ﷺ هنا أمرهم بالفطر؛ لماذا؟ للسفر وللجهاد، الآن مسافرون في رمضان ومجاهدون ذاهبون إلى مكة لفتحها، فقال النبي ﷺ: «أصبحتم عدوكم، الفطر أقرب لكم فأفطروا»، فكانت عزيمة فأفطرناها.

هل الجهاد -هل الجهاد قتال الكفار- سبب مستقل للفطر، أو لابد أن يكون معه سفر؟ بمعنى لو أن الكفار أتوا للمسلمين في دارهم في رمضان، فجاء فصار المسلمون يقاتلونهم، هل يجوز للمسلمين أن يفطروا بسبب الجهاد وهم مقيمون؟ أو لا؟ هذه مسألة خلافية وقعت في زمن شيخ الإسلام رحمه الله، وكان يفتي لأصحابه بأن يفطروا، ويستدل لهم بهذا الحديث، يقول إن النبي ﷺ أمر بالفطر لأجل الجهاد، «لأجل الجهاد، والفطر أقرب لكم فافطروا»، فدل على أن الجهاد بذاته سبب مستقل لا يحتاج إلى سفر. هذه مسألة خلافية، لكن هذا رأي شيخ الإسلام رحمه الله وذكره ابن القيم ناقلًا له عن شيخ الإسلام في «زاد المعاد».

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: باب من شرع في الصوم ثم أفطر في يومه. ذلك عن جابر أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم، وصام الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون فيما فعل، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون إليه، فأفطر بعضهم وصام بعضهم، فبلغ أنه نسا صاموا، فقال: «أولئك العصاة». رواه مسلم والنسائي والترمذي وصححه. وعن أبي سعيد قال: أتى رسول الله ﷺ...

«إني لست مثلكم، إني راكب، فابؤوا»، فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزع فشرب، وشرب الناس وما كان يريد أن يشرب.

وعن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في شهر رمضان، فصام حتى مر بغدير في الطريق، وذلك في نحل الظهيرة، قال: فعطش الناس فجعلوا يمدون أعناقهم وتتوق أنفسهم إليه، قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح فيه ماء، فأمسكه على يده حتى رآه الناس، ثم شرب فشرب الناس. رواه أحمد.

باب: من شرع في الصوم ثم أفطر في يومه ذلك. يعني إن كان مسافرًا، كان صائمًا في سفره. في الزمان السابقة كانوا يمضون الأسابيع والأشهر في السفر، فنو إنه كان مسافرًا، يعني مثلاً هذا اليوم الثالث في السفر، كان صائمًا اليوم الأول والثاني والثالث، ثم بدا له أن يفطر، فهل له أن يفطر أو لا؟

هنا ذكر حديث جابر وحديث أبي سعيد وحديث ابن عباس. وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ قعقع الغميم، فصام الناس معه إذا مكثوا عدة أيام وهم يصومون، فشكى بعض الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن الناس قد شق عليهم الصوم، وإنهم ينظرون فيما فعلت.

فالنبي صلى الله عليه وسلم من رحمته بأمته، وهو الرؤوف الرحيم عليه الصلاة والسلام، ولم يشق عليه الصوم، لكنه من الرحمة بأمته أفطر. دعا بقدح من ماء بعد العصر، ما قال له: صبروا الصباح كاملاً والظهر كاملاً، ما بقي إلا العصر، دعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب، والناس ينظرون إليه، فأفطر بعضهم وصام بعضهم، يعني لعل بعضهم قالوا: ما بقي إلا وقت يسير من النهار.

فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم إن بعض الناس قد صام، بلغه أن ناسًا صاموا فقال: «أولئك العصاة». وهذا لعله يحمل على إنسان شق عليه الصوم مشقة شديدة، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر، فلعله أمر بالفطر فلم يفطر، يعني لم يكتفِ بشربه، فلعله أمر بالفطر أو يقوم فعله صلى الله عليه وسلم مقام أمره للناس بأن يفطروا، فيحمل على ذلك جمعًا بين النصوص.

فيقال: لا يقال إن المفطر عاصٍ، إلا لو بلغت المشقة عنده مشقة عظيمة، فهنا كونه يستمر في صومه هذا يعتبر مخالفًا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم. شيخنا ابن عثيمين رحمه الله تعالى ذكر أن الصائم المسافر، إذا كان الصوم والفطر سيان عنده فالأفضل أن يصوم؛ لاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، ولأن هذا أسرع في إبراء ذمته وأسهل عليه، وليوافق الزمن الفاضل وهو شهر رمضان.

أما الحالة الثانية، إذا شق عليه الصوم فشقه محتمل، فيقول: الأفضل في حقه أن يفطر، ويكره في حقه أن يصوم؛ لحديث: «ليس البر الصوم في السفر». والحالة الثالثة، أن يشق عليه الصوم شقة شديدة؛ يعني بعضهم مثلاً يأتي إلى مكة في رمضان صائمًا، ويمسك عمرته في النهار ثم لا يستطيع أن يتحرك، صائم مسافر مجهد تعرض تحت الشمس مشيًا كبيرًا، فهنا يندب في حقه أو يتأكد في حقه كثيرًا الفطر. بعضهم يأتي مثلاً في أول النهار يقول: أنا لا أريد أن آخذ عمرتي في النهار، سأصوم وسأجعل عمرتي في الليل، يقول الشيخ رحمه الله: إن الأفضل له أن يبادر بعمرته ويفطر.

حديث أبي سعيد وحديث ابن عباس، فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر، وهو المقتدى به عليه الصلاة والسلام، ولم يكن عليه مشقة في ذلك، لكن أفطر لأجل الناس، وهذا يدل على أن الرجل المقتدى بهم إذا كان مسافرًا ووجد بعض رفقته يشق عليهم، مثل شخص مسافر مع أولاده في رمضان، وبعض أولاده يشق عليهم لكنهم متحرجون من الفطر، فهنا يندب له أن يفطر لأجل أن يفطروا معه، ولا يتحرجون في ذلك بفعل صلى الله عليه وسلم.

نقف على هذا. يقول: قوله في حديث معاذ بن جهر: «كان إذا أفطر»، هل يقول الذكر قبل الإفطار أو بعده؟ هنا هذه الرواية محتملة؛ إذا أفطر، فكلمة «إذا» إذا دخلت على الفعل قد تكون دليلًا على أنه قبل، وقد تكون دليلًا على أنه بعد. مثلاً: «إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم»، هذا قبل القيام إلى الصلاة. «فإذا قرأت القرآن فاستعذ»، هذا قبل القراءة. وأحيانًا تأتي بعد؛ إذا مثلاً نودي للصلاة: ﴿فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، هنا وجوب السعي بعد النداء، وقوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، هذا بعد النداء. فالرواية محتملة، فلذلك نقول سواء قالها قبل أو بعد.

الحديث الآخر: «الصائم عند فطره دعوة لا ترد»، وإن كان الحديث ضعيفًا، لكن على القول بالعمل به، فإن «عند» تحتمل القبلية وتحتمل البعدية، فكلها حقيقة عند الفطر.

يقول: هل يؤخذ من حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما شرب أمام الصحابة أنه يجوز المجاهرة بالفطر للمعذور؟ نعم، يجوز المجاهرة بالفطر للمعذور بشرط ألا يظن به السوء؛ بمعنى لو كان في بلد أكثرهم مقيمون والناس لا يعلمون بعذره، فهنا لا يجاهر. لكن لو كان في بلد أكثرهم مسافرون مثل مكة شرفها الله، فلو شرب أمام الناس لا بأس عليه في ذلك، خاصة إذا كان محرمًا يعلم أنه قدم الآن وعليه مشقة، فلا حرج في ذلك. لكن كما قلنا إذا كان لا يظن به السوء، مثلاً مريض في المستشفى، مريض ويشق عليه الصوم وأكل أمام زواره، لا بأس.

يقول: هل يشكل على القول بكراهة الصوم للمشقة ما جاء في حديث أبي الدرداء في حر شديد؟ هنا حر شديد لكن بعضهم لا يشق عليه، طبعًا المشقة التي قلت أنا عن كلام الشيخ رحمه الله، كل المشقة المحتملة ليست المشقة اليسيرة التي هي المعتادة، لا، المشقة المحتملة، هنا في حر شديد الناس يختلفون، بعضهم حتى لو كان في حر شديد ما يشق عليه، خاصة لمن اعتاد.

فلا يشكل عليه، وبعضهم لا يشكل عليه ذلك، نقول هي مرتبطة بالشخص نفسه.

في سؤال آخر.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.