بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم.
أما بعد، فهذا هو المجلس الثاني من مجالس التعليق على كتاب الصيام من "المنتقى" للمجد ابن تيمية رحمه الله تعالى. وكنا قد توقفنا على أبواب ما يبطل الصوم، وما يكره، وما يستحب للصائم.
قال رحمه الله تعالى: أبواب ما يبطل الصوم وما يكره وما يستحب للصائم. باب ما جاء في الحجامة. عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفطر الحاجم والمحجوم». رواه أحمد والترمذي، ولأحمد وأبي داود وابن ماجه. ومن حديث ثوبان وشداد بن أوس مثله، ولأحمد وابن ماجه من حديث أبي هريرة مثله، ولأحمد من حديث عائشة، وحديث أسامة بن زيد مثله.
وعن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على رجل يحتجم في رمضان فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم». وعن الحسن بن معقل بن سنان الأشجعي أنه قال: مر علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أحتجم في ثمان عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم». رواهما أحمد، وهما دليل على أن من فعل ما يفطر كأنه يفسد صومه بخلاف الناس.
قال أحمد: أصح حديث في هذا الباب حديث رافع بن خديج. وقال ابن المديني: أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان وشداد بن أوس. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم، رواه أحمد والبخاري. وفي لفظ: «احتجم وهو محرم وهو صائم»، رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه.
وعن ثابت البناني أنه قال لأنس بن مالك: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «لا إلا من أجل الضعف». رواه البخاري. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال في الصيام والحجامة للصائم إبقاء على الصحة، ولم يحرمهما، رواه أحمد وأبو داود.
وقال: أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أفطر هذا»، ثم ألغى النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في الحجامة للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم، رواه الدارقطني، وقال: كلهم ثقات ولا أعلم له علة.
أحسنت. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، ففي هذا الباب ذكر المؤلف رحمه الله تعالى عددًا من الأحاديث المتعلقة بحكم الحجامة للصائم. وهذه الأحاديث، كما هو ظاهر، هي على أقسام.
القسم الأول: ما يثبت أن الحجامة مفطرة، وهي الأحاديث الأولى: حديث رافع، وثوبان، وشداد بن أوس، وأبي هريرة، وعائشة، وأسامة بن زيد، وهو حديث ثوبان أيضًا ذكر نصه، وحديث المعقل بن سنان. وهناك أحاديث تدل على أن الحجامة لا تفطر، وهو حديث ابن عباس رضي الله عنهما من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
وهناك أحاديث تدل على أن النهي عن الحجامة للكراهة لأجل الضعف، وهو حديث ثابت البناني عن أنس، وحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وهناك أحاديث، أو ذكر في نهاية الباب حديثًا يدل على أن الفطر بالحجامة منسوخ، وهو حديث أنس.
هذه الأحاديث تمثل مسالك أهل العلم رحمهم الله تعالى في الفطر بالحجامة وهل يفطر الشخص بالحجامة أو لا. وأحاديث الفطر بالحجامة، التي هي أحاديث «أفطر الحاجم والمحجوم»، جاءت عن نحو من ثمانية وعشرين صحابيًا، يعني جاءت مرفوعة للنبي صلى الله عليه وسلم من رواية نحو من ثمانية وعشرين صحابيًا ذكرهم ابن منده رحمه الله تعالى.
وأهل العلم رحمهم الله تعالى اختلفوا في صحة هذه الأحاديث من عدمها. وتجدون هنا المؤلف رحمه الله تعالى نقل تصحيح الإمام أحمد رحمه الله لحديث رافع بن خديج بأنه أصح حديث في الباب، وحديث رافع، وابن المديني يصحح حديث ثوبان وشداد بن أوس. وللمعلومية، قول العالم المحدث: "أصح ما في الباب كذا" لا يدل بالضرورة على أنه يراه صحيحًا بالمعنى المعروف، لكن يقصد به أنه أخف شيء في الباب من ناحية ضعف رواته.
لكن هنا الإمام أحمد رحمه الله وابن المديني وغيرهم، والإمام البخاري رحمه الله صححوا الأحاديث الواردة في الفطر بالحجامة. وهناك من المحدثين من ضعفها، يعني مثل يحيى بن معين رحمه الله ذكر أنه لا يثبت في الفطر بالحجامة حديث، ولما سئل الإمام أحمد رحمه الله عن ذلك قال: «هذه مجازفة».
عندنا مسالك أهل العلم رحمهم الله تعالى في الفطر بالحجامة من عدمها، نقول هم على مسلكين رئيسين: هناك مسلك من قدم أحاديث الفطر بالحجامة على أحاديث عدم الفطر بها، وهذا قول جماعة من أهل العلم وهو المشهور من مذهب الحنابلة رحمهم الله تعالى ووفقهم، وبعض فقهاء المذاهب الآخرين، وهذا القول بالفطر بالحجامة هذا من مفردات الحنابلة. قال الناظم: قل أفطر الحاجم والمحجوم ... أتى النص عداك اللوم ناظم المفردات.
والمسلك الثاني: من قدموا أحاديث عدم الفطر بالحجامة، وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى من الفقهاء المتقدمين والمتأخرين. واختلفوا في الإجابة عن أحاديث الفطر بالحجامة؛ فمنهم من ضعفها، وذكرنا ممن ضعفها يحيى بن معين رحمه الله، ومنهم من رآها منسوخة، يعني أنها صحيحة لكنها نسخت.
وممن قال بالنسخ الإمام الشافعي، والخطابي، والبيهقي رحم الله الجميع. قال الشافعي رحمه الله في تعليقه على حديث ابن عباس في احتجام النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم: «وهو صائم محرم»، قال ابن عباس: إنما صحب النبي صلى الله عليه وسلم محرمًا في حجة الوداع سنة عشر من الهجرة، ولم يصحبه محرمًا قبل ذلك، وكان الفتح سنة ثمان بلا شك. فحديث ابن عباس بعد حديث شداد بسنتين، يعني في بعض روايات حديث شداد أنه في عام الفتح، فحديث ابن عباس هو الناسخ.
وذكر البيهقي أن مما يدل على النسخ حديث أنس عند الدارقطني الذي ذكره المصنف في نهاية الباب، وحديث أبي سعيد: «رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبلة للصائم والحجامة»، رواه الدارقطني، وغالب ما يستعمل الترخيص بعد النهي.
وهناك من العلماء من حمل أحاديث النهي على الكراهة، واستدل بمثل ما جاء هنا من حديث أنس: «أكنتم تكرهون حجام الصائم؟» فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا، من أجل الضعف»، كانوا يكرهونها لأجل الضعف، ولا ينبغي للإنسان أن يعرض نفسه للضعف، بل ينبغي له أن يأخذ برخص الله تعالى. وأيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال في الصيام، والحجامة للصائم أبقاها على الصحابة ولم يحرمهما، وهذا دليل على أنه نهي عنها للكراهة، فهذه مسالك أهل العلم رحمهم الله تعالى بإجمال في هذه المسألة في الفطر بالحجامة.
عندنا هنا حديث لما ذكر المؤلف رحمه الله أحاديث الحجامة، قال: «وهذا دليل على أن من فعل ما يفطر جاهلاً يفسد صومه بخلاف الناس». نعم، قال: «وهما دليل حديث ثوبان وحديث معقل بن سنان على أن من فعل ما يفطر جاهلاً يفسد صومه بخلاف الناس». هذه مسألة من تناول مفطراً جاهلاً بكونه مفطراً، فهل يفطر بذلك أو يعذر بجهله؟ هذه المسألة خلافية بين أهل العلم رحمهم الله تعالى.
والمؤلف رحمه الله استنبط من حديث ثوبان وحديث معقل بن سنان أنه لا يعذر من تناول مفطراً بجهله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم مر على رجل الحجم فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم»، ولم يكن سبق لهم إخبارهم قبل ذلك. وهذا هو المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى، وهناك قول آخر لبعض أهل العلم وهو قول في المذهب أنه يعذر بذلك؛ للعمومات الدالة على العذر بالخطأ.
حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم؛ هذا الحديث جاء على أربع الصيغ. ذكر المؤلف رحمه الله صيغتين: «احتجم وهو محرم» و«احتجم وهو صائم»، يعني جاءت جملتان: «احتجم وهو محرم» جملة، و«احتجم وهو صائم» جملة. والرواية الثانية الجمع بينهما: «احتجم وهو محرم صائم»، طبعاً الفرق بينهما أن الثانية تدل على أنه اجتمع الإحرام والصيام في وقت واحد، والأولى لا تدل على ذلك، كأنها واقعتان: احتجم وهو محرم في واقعة، واحتجم وهو صائم في واقعة.
وجاء في بعض الروايات: «احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم» بدون صائم، هذه في الصحيحين، وجاء في بعض الروايات: «احتجم وهو صائم» بدون وهو محرم. ورواية احتجامه صلى الله عليه وسلم وهو محرم هذه لا غبار عليها، فقد اتفق على إخراجها الشيخان رحمهم الله تعالى.
الكلام في احتجام النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم، ومن خرجه الإمام البخاري رحمه الله تعالى. الإمام البخاري رحمه الله خرج حديث ابن عباس في احتجام النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم واحتجم وهو صائم. هذا الحديث حقيقة الإمام أحمد رحمه الله ممن أعله، وأعله شعبة بن الحجاج رحمهم الله وغيرهم.
الحقيقة أنه جاء من حديث ابن عباس من طرق؛ فجاء من طريق يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس، وجاء من طريق الحكم عن مقسم عن ابن عباس؛ الأول عند أهل السنن الأربعة والثاني عند النسائي الكبرى. وأعل شعبة طريق الحكم بأنه لم يسمع من مقسم، وأعل النسائي طريق يزيد بأنه لا يحتج بحديثه ولم يسمعه من مقسم.
وجاء أيضًا من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن حبيب بن الشهيد عن ميمون بن مهران عن ابن عباس عند النسائي في الكبرى، وأعله النسائي بأنه منكر، وكذا أعله الإمام أحمد رحمه الله، وذكر أن يحيى بن سعيد القطان أن حبيب بن الشهيد الأنصاري. وأيضًا جاء عند النسائي الكبرى من طريق قبيصة عن الثوري عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وأنكره الإمام النسائي بتفرد قبيصة به عن سفيان وهو كثير الخطأ. وقال الإمام أحمد: «أصحاب ابن عباس لا يذكرون صائماً».
هذه الطرق الثلاثة التي تكلم عنها الإمام أحمد رحمه الله وأعلها، لكن الإمام البخاري رحمه الله أخرجه من طريق رابعة: طريق عكرمة عن ابن عباس. طبعاً الجعافري عن أيوب السختياني عن عكرمة عن ابن عباس، وتابعه وهيب عن عكرمة عن ابن عباس، وكلاهما في البخاري.
أقول: الإمام أحمد رحمه الله أعله من ثلاث طرق؛ الطريق الذي خرجه جاء من طريق مقسم عن ابن عباس، والطريق الذي جاء من طريق ميمون بن مهران عن ابن عباس، وأيضًا سعيد بن جبير عن ابن عباس، هذه كلها أعلاها الإمام أحمد رحمه الله. البخاري أخرجه من طريق رابع، من طريق عكرمة عن ابن عباس، وقد رواه عن عكرمة أيوب السختياني ووهيب كلاهما عن عكرمة عن ابن عباس، ولم يتكلم عليهما الإمام أحمد رحمه الله، والإمام البخاري رحمه الله أخرجهما، وإخراجه لهما دليل على صحتها عنده.
طيب، فما الجواب عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ أولاً هل النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم محرم، يعني وقع في واقعة واحدة أو متفرقتان؟ هناك من أهل العلم من قال إنهما وقعتا في آن واحد، ابن خزيمة رحمه الله يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم محرم في سفر لا في حضر؛ لأنه لم يكن قط محرمًا مقيمًا ببلده، إنما كان محرمًا وهو مسافر، والمسافر وإن كان ناوياً للصوم قد مضى عليه بعض النهار وهو صائم له الأكل والشرب، وإن كان الأكل والشرب يفطرانه فجاز له الاحتجام، وهو مسافر في بعض نهار الصوم وإن كانت الحجامة مفطرة.
يعني يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم محرم وكان مسافرًا، وكونه احتجم وهو صائم لا يدل على أنه أكمل صيامه؛ مثل يقولون المسافر له أن يأكل ويشرب، فإذا قيل سافر فلان صائمًا ثم أتى وشرب، هل يدل هذا على أن الأكل والشرب لا يفطر الصائم؟ لا، يقول هذا مثل الحجامة. هكذا أجاب ابن خزيمة رحمه الله، لكن عُقب في جوابه بأن الحديث ما ورد هكذا إلا لفائدة، فالظاهر أنه وجدت منه الحجامة وهو صائم لم يتحلل من صومه واستمر.
لم يتحلل من صومه واستمر هكذا، نقله الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح. هناك من أهل العلم من قال إن حديث ابن عباس هذا منسوخ؛ هو احتجم وهو صائم، لكن لا يدل على أنه محرم، ثم بعد ذلك نهي عن الحجامة، ثم بعد ذلك نهي عن الحجامة للصائم.
وقواه شيخ الإسلام رحمه الله، قوى أن فعل النبي ﷺ منسوخ بأن الذين رووا عن النبي ﷺ أنه احتجم، نعم، أنه قال «أفطر الحاجم والمحتجم»، صحابة كثيرون، وكثير منهم ممن لازمه في آخر حياته، فهذا دليل على أن هذا هو المتأخر من فعله ﷺ أو من هديه ﷺ. وكما ترون الأحاديث فيها نوع اختلاف، فمن العلماء من أخذ بهذا ومن العلماء من أخذ بهذا.
أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في القيء والاكتحال. عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا فليقض»، رواه الخمسة إلا النسائي. وعن عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه أمر بالأثمد المروح عند النوم وقال: «ليتقه الصائم»، رواه أبو داود والبخاري في تاريخه وفي إسناده مقال، قديم قال ابن معين: عبد الرحمن هذا ضعيف، وقال أبو حاتم الرازي: هو صدوق.
هنا ذكر ما جاء في القيء والاكتحال، الحديث الأول في القيء والثاني في الاكتحال. حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا فليقض»، رواه الخمسة إلا النسائي، والنسائي أخرجه في الكبرى. وهذا حديث أعله الإمام أحمد والبخاري والترمذي رحمهم الله تعالى، تفرد بعض الرواة به، لكن هذا الإعلال لا يعني عدم العمل به، ولهذا قال الترمذي رحمه الله: «والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم».
وهذا مسلك يتنبه له، وإن المسألة الفقهية والعمل لا يتوقف على الحديث فقط، فبعض طلاب العلم يبحث مثلا في صحة الأحاديث في المسألة، إذا كانت الأحاديث المرفوعة في المسألة ضعيفة، قال إذا فالأصل براءة الذمة، فالحكم هذا غير ثابت. فلا يعني مثلا في هذه المسألة يقول الحديث ضعيف إذا فالقيء لا يفطر، نقول لا، تقدم على هذا حتى تبحث المسألة من نواحٍ أخرى، تبحث تطبيق الصحابة لهذه المسألة، تبحث النصوص الشرعية أو القواعد الشرعية التي يستند إليها في حكم هذه المسألة.
إذا أتينا إلى الصحابة رضي الله تعالى عنهم، الصحابة رضي الله تعالى عنهم مختلفون، منهم من رأى الفطر بالقيء، ومنهم من رأى عدم الفطر بالقيء. لكن قول الترمذي: «والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم» يعني عند عامة أو عند أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى. ابن عمر صح عنه موقوفاً بنحو هذا الحديث عند الإمام مالك في الموطأ.
شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة يقول: «ثم لو لم يكن في الباب حديث مرفوع وتعارضت أقوال الصحابة، لكان قول من فطره أولى بالاتباع؛ لأن التفطير بالاستقاء لا يدرك بالقياس على الأكل والشرب، فمن نفى الفطر به بناء على ما ظهر من أن الفطرة إنما هو مما دخل، ومن أوجب الفطر به فقد اطلع على مزيد علم وسنة خفية لغيره». يعني أن هناك من الصحابة رضي الله تعالى عنهم من قال لا فطر بالقيء وبنوه على قاعدة، نقلت عن بعض الصحابة أن الفطر مما دخل لا مما خرج، بنوا على ذلك.
لكن من قال بأنه يفطر مثل ابن عمر، ما يمكن أن يقوله اجتهاداً؛ لأنه بعيد قياسه على الأكل والشرب، فيتقوى أنه قاله لأنه سمعه من النبي ﷺ، لكن ربما لم يبلغنا الحديث الذي سمعه ابن عمر عن النبي ﷺ من وجه صحيح، ولا يعني هذا أن بعض السنة قد خفيت؛ لأن الذي سيحفظ هو الشرع، هو الشرع، شريعة النبي ﷺ، والشرع يثبت بأي طريق تثبت به. فهنا قد لا يبلغنا الحديث المرفوع، لكن تبلغنا أحاديث موقوفة لها حكم الرفع.
فلذلك نقول إذا حديث أبي هريرة هذا نأخذ بما تضمنه لوجود ما يقويه من حديث ابن عمر الموقوف، ومن أن الأصل ليس فيه، ومن أن ابن عمر ونحوه لا يمكن أن يقولوه عن اجتهاد، فيقدم قولهم على من قالوا بأنه لا يفطر بناء على البراءة أو بناء على قياسه أو إلحاقه بالقاعدة. «من ذرعه القيء» يعني من غلبه القيء فلا قضاء عليه أو فريضة عليه القضاء، «ومن استقاء عمدا فليقض»، هذا فيه أن المكره على المفطر لا يفطر، أن الفطر يشترط له العمد.
الحديث الثاني: حديث عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه أمر بالأثمد المروح، يعني المطيب بالمسك عند النوم، وقال: «ليتقه الصائم»، رواه أبو داود والبخاري في تاريخه. والحديث لا يثبت عن النبي ﷺ، أنكره الإمام أحمد ويحيى بن معين فهو غير ثابت ضعيف. وجاءت أحاديث في أن النبي ﷺ يكتحل وهو صائم، جاء من حديث عائشة عند ابن ماجه، ومن حديث أبي رافع عند البيهقي، ومن حديث أنس عند الترمذي، وهذه الأحاديث ضعيفة، ولذلك قال الإمام الترمذي: «لا يصح في هذا الباب شيء عن النبي ﷺ».
يعني لا الحديث الذي فيه إثبات الفطر بالكحل أو نهي الصائم عن الكحل، ولا الأحاديث التي فيها أن النبي ﷺ اكتحل وهو صائم، فالأحاديث الواردة لا يثبت منها شيء. نرجع إلى حكم الكحل للصائم، هل يمنع الصائم من الكحل؟ إذا قلنا الحديث ضعيف نرجع إلى القواعد التي فيه، هل يقاس على الأكل والشرب أو لا؟
تأتينا مسألة يبحثها الفقهاء رحمهم الله تعالى، وهي ما ضابط الأكل والشرب؟ هل الأكل والشرب يلحق بهما غيرهما؟ يقولون الأكل والشرب إنما هو إيصال شيء إلى الجوف من منفذ، فكل ما أوصل إلى الجوف من منفذ فإنه يعتبر مفطراً، فلذلك يختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى في مسمى الجوف، ويختلفون في المنافذ، هل هذا منفذ إلى الجوف أو لا؟ ويختلف في بعض المسائل، ولذلك ينظر في تحقيق المناط في الأكل والشرب، ما المناط في الأكل والشرب الذي نستطيع أن نلحق به غيره.
أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: باب من أكل أو شرب ناسياً.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». رواه الجماعة إلا النسائي. وفي لفظ: «إذا أكل الصائم ناسيا أو شرب ناسيا فإنما هو رزق ساقه الله إليه، ولا قضاء عليه ولا كفارة». رواه الدارقطني وقال إسناده صحيح. وله في لفظ آخر: «من أفطر يوما من رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة». قال الدارقطني: تفرد به ابن مرزوق وهو ثقة عن الأنصاري.
هنا المؤلف رحمه الله تعالى بوب على من أكل أو شرب ناسيا، وذكر الرواية الأولى وفيها التصريح بالأكل والشرب، ثم ذكر الرواية الثانية وفيها زيادة على الرواية الأولى بالتصريح بأنه لا قضاء عليه ولا كفارة في الرواية الثانية. هذه زيادة محققة هنا، وهذه الزيادة ليست عند الدارقطني في هذه الرواية، بل عند الدارقطني في الرواية التي تليها، التي تليها زادت عن الروايتين الأوليين في ذكر لفظ «أفطر». الرواية الأولى والثانية: «أكل أو شرب»، هذه تفطر فتعم المفطرات الأخرى، وأيضا «فلا قضاء عليه» شرح بها في الرواية الثانية، و«ولا كفارة» هذه في الرواية الثالثة.
هذا الحديث يدل على أنه يشترط لحكم بطلان المفطر أن يكون ذاكرا، وأن النسيان عذر في عدم التفطير، فمن تناول مفطرا ناسيا فإنه لا يفطر ويصح صومه؛ لأن النبي ﷺ قال: «فليتم صومه»، وعلل ذلك بقوله: «فإنما أطعمه الله وسقاه». وأيضا الرواية الثانية صرحت بأنه لا قضاء عليه؛ لأن من أهل العلم من قال إنه يلزمه القضاء، قالوا لأن القاعدة أن المأمورات لا يعذر فيها بالجهل والنسيان، وتناوله هنا فيه ترك للمأمور وهو الإمساك، فيقال إن القاعدة وإن كانت مسلمة لكن خصصت بهذا الحديث وهذه الرواية: «فليتم صومه»، دل على أن صومه صحيح، والرواية الأخرى صريحة: «لا قضاء عليه».
يدل الحديث على أن هذا الحكم ليس خاصا بالأكل والشرب بل هو عام لجميع المفطرات، وأن من تناول مفطرا ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة. وقد وقع اختلاف في كل المفطرات، ولكن الخلاف أيضا على وجه الخصوص في الجماع: هل يعذر فيه بالنسيان أو لا؟ فمن عذر فيه بالنسيان قاسه على الأكل والشرب وأخذ بالنصوص العامة: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، واستدل بالرواية الأخيرة: «من أفطر يوم رمضان ناسيا». والقول الثاني أنه لا يعذر المجامع بالنسيان؛ بدليل أن النبي ﷺ لما أتاه المجامع في نهار رمضان لم يقل له: «هل أنت متذكر أو ناسي؟»، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال، ينزل منزلة العموم في المقال. وهذا الثاني هو المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى.
وقوله: «فلا قضاء عليه ولا كفارة»، هل المفطرات غير الجماع فيها كفارة أو لا؟ أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى يرون أنه لا كفارة فيها، وهناك من أهل العلم من قالوا إن من أفطر متعمدا بغير الجماع فإن عليه الكفارة مع القضاء، ولكن يجاب عليه بأنه لم تثبت بالنصوص إيجاب الكفارة في غير الجماع.
أحسن الله إليكم ورفع درجاتكم في عليين. قال رحمه الله تعالى: باب التحفظ من الغيبة واللغو وما يقول إذا شتم. عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه». متفق عليه. وعن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». رواه الجماعة إلا مسلما والنسائي.
أحسنت. في هذا الباب ذكر فيه شيئا من الآداب التي ينبغي فعلها للصائم، وما ينبغي أيضا تركه للصائم. التحفظ من الغيبة واللغو هذا ينبغي تركه للصائم، ويقول إذا شتم إذا ما ينبغي فعله للصائم، وهو على سبيل الكراهة فيما ينبغي تركه، وعلى سبيل الاستحباب فيما ينبغي فعله، وهذا داخل في الباب الكبير في هذه الأبواب: أبواب ما يبطل الصوم وما يكره وما يستحب للصائم.
قال عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث». يرفث يجوز بضم الفاء وكسرها، ويجوز في ماضيه تثليث الفاء فيقال: رفث ورفث ورفث. والمراد بالرفث هنا الكلام الفاحش، وهو في النصوص قد يراد به الكلام الفاحش، وقد يراد به الجماع، وقد يراد به مقدماته، وقد يراد به ذكر الجماع. قال: «فلا يرفث يومئذ ولا يصخب»، وجاء في بعض الروايات بالسين «يصخب»، والصخب هو الخصام والصياح. والنهي ناهٍ للصائم عن الرفث والصخب، وإن كان غيره منهيا عنه، إنما هو لتأكيد ذلك حال الصيام لئلا يجرح صيامه وينقص أجره.
«فإن شاتمه أحد أو قاتله» يعني سابه، «فليقل إني امرؤ صائم». وهل يقولها جهرا أو سرا؟ خلاف بين أهل العلم؛ منهم من قال إنه يقولها سرا لئلا يظهر عمله له، ومنهم من يقول إنه يقولها جهرا ليخبر الساب له والشاتم أنه ما منعه عن مشاتمته إلا أنه صائم، ومنهم من فرق فقال: في صوم التطوع يقولها سرا إخفاء لعمله، وفي صوم الفريضة يقولها جهرا لأن الأصل في الناس الصيام في رمضان.
قال: «ولخلوف فم الصائم»، «والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم». الخلوف بضم الخاء، وذكر بعض الشراح أن هذا ضبطها الصحيح، وإن ضبطها بالفتح خطأ، ومن الشراح من ذكر أن فيها وجهين: الأكل المشهور وبالضم. والخلوف ما يبقى من أثر الرائحة، رائحة فم الصائم بسبب الصيام، «أطيب عند الله من ريح المسك»، وهذا في الآخرة.
ولذلك اختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى، هل يستحب للصائم السواك أو لا؟ لأنهم قالوا السواك يذهب أثر هذا الخلوف المحبوب عند الله تعالى، فمنهم من استحب السواك للصائم مطلقا للأحاديث الكثيرة الدالة على استحباب السواك: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة»، في بعض الأحاديث مع كل وضوء، ومنهم من استثنى الصائم، ومنهم من استثناه بعد الزوال، وهذا هو المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى أنه يكره للصائم الاستياك بعد الزوال، ويستدلون بحديث: «إذا صمتم فاستاكوا».
ولا تستأث شيء والحديث لا يثبت عن النبي ﷺ، وإن هذه الرائحة تنبعث من المعدة، والسواك يطيب رائحة الفم فقط فهو لا يذهب أثر الخلوف، العلم عند الله.
قال: وللصائم فرحتان يفرحهما؛ إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه. يقول القرطبي رحمه الله ذكر في المفهم: معناه فرح بزوال جوعه وعطشه حيث يحل له الفطر، وهذا الفرح طبيعي وهو السابق للفهم. وقيل إن فرحه بفطره إنما هو من حيث إنه أتم صومه، أو إتمام صومه وخاتمة عبادته وتخفيف من ربه ومعونته على مستقبل صومه.
يعني أنه قد نقول إنه فرح طبيعي لفرح ذهاب الجوع، وقد نقول إنه فرح تذكر به نعمه الله عز وجل عليه بإتمام صومه وخاتمة عبادته، فهو فرح عبادي. ولا مانع كما قال الحافظ أن يحمل الفرح على الأمرين، فنقول إن بعض الناس يفرح ولا يستحضر؛ إذا جاء عند الفطر لا يستحضر إلا فرح إزالة الجوع والعطش، وبعض الناس يفرح ويستحضر ذلك ويستحضر الأجر، ويستحضر نعمة الله عز وجل عليه بإتمام صومه والأجر في الآخرة.
وإذا لقي ربه فرح بصومه، فرح بالجزاء؛ الصوم عظيم عند الله تعالى، وإن الصوم من الصبر، قد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]. وقال الله عز وجل في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»، فجزاؤه عظيم يعلمه الله تعالى.
في الحديث الآخر هنا يقول عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في إدماع طعامه وشرابه». وقول الزور كل قول مائل عن الحق إلى الباطل، والعمل به كل عمل محرم فيه عدوان على الناس. وجاء في رواية عند البخاري زيادة: «والجهل»، والجهل أي السفه. فمن لم يدع هذه الأمور فليس لله حاجة؛ يدع طعمه وشرابه.
يعني أن الله عز وجل لم يشرع لنا الصيام لكي نجوع ونعطش، لا، بل شرع لنا الصيام لأجل أن نحقق التقوى لله عز وجل، يزيد قربنا من الله عز وجل، يزيد تذللنا وتضرعنا، تزيد مراقبتنا لله عز وجل، هذا سبب مشروعية الصيام؛ لذلك الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
فمن لم يحقق هذه الغاية فالله عز وجل لم يشرع الصوم له من أجل أن يجوع ويعطش، وليس معنى هذا أنه يترك الصوم ولا يصوم، وأن هذا يبطل صومه، لا، بل المراد أنه ينبغي له أن يحفظ لسانه ويصونه عما يدنسه، وإن كانت الغيبة والأعمال السيئة هذه لا تفطر الصائم، لا تفطر الصائم، لكن تنقص أجره.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: باب الصائم يتمضمض أو يغتسل من الحر. عن عمر قال: حشج يوما فقبلت وأنا صائم، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: صنعت اليوم أمرا عظيما، قبلت وأنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟» قلت: لا بأس بذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ففيما تخاف؟» رواه أحمد وأبو داود.
وعن أبي بكر بن عبد الرحمن عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصب الماء على رأسه من الحر وهو صائم، رواه أحمد وأبو داود. أحسنت.
هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى حكم الصائم، حكم اغتسال الصائم أو تمضمضه من الحر، يعني هل يجوز له فعل ما يخفف أثر الصيام أو لا؟ وذكر حديثين يدلان على جواز ذلك. الحديث الأول عن عمر قال: حشج يوما فقبلت وأنا صائم، قبل زوجته وهو صائم فخشي أنه أفطر بذلك، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم، قال: صنعت اليوم أمرا عظيما، قبلت وأنا صائم، النبي صلى الله عليه وسلم ما أجابه مباشرة، قال: «أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟» قلت: لا بأس بذلك.
هنا المؤلف رحمه الله أتى بها لبيان حكم المضمضة، هنا النبي صلى الله عليه وسلم قاس القبلة على المضمضة، فكان كأنه متقرر عندهم أن المضمضة لا تفطر؛ «أرأيت لو أنك تمضمضت وأنت صائم؟» قال: لا بأس، مع أن المضمضة قد تكون وسيلة إلى الشرب، لكن مجردها ومدافعة الإنسان لنفسه ألا يبتلع شيئا منها هذا لا بأس به، فمن مثله؟ ولذلك قال: «لا بأس»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ففيما تخاف؟» وهي لم يحصل منها شيء، هو وسيلة إلى المحظور.
فكذلك إذا، فهذا يدل على أن القبلة مجرد القبلة التي لم يحصل منها شيء يجر إلى المحظور من إنزال المني أو الجماع، أنه لا بأس بذلك ولا تؤثر على الصائم، هذا سيأتينا في الباب الذي يليه. وفي هذا استعمال النبي صلى الله عليه وسلم للقياس، يقيس أمرا مشتبها على الأمر الواضح ليقرر حكمه.
الحديث الذي يليه: قال عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصب الماء على رأسه من الحر وهو صائم، رواه أحمد وأبو داود. وفي هذا دليل على جواز استعمال ما يخفف الحر على الصائم من صب الماء على رأسه أو الجلوس عند المكيفات ونحوها، فهذه كلها يجوز استعمالها للصائم، يجوز بمعنى أنه غير محرم، لكن قد ترقى إلى الاستحباب كما لو كان الصائم مجهدا، وإذا استعمل هذا ما يخفف عليه حر الصيام فإنه سيأتي بالعبادة على الوجه المطلوب؛ سيأتي بصلاة العصر على الوجه المطلوب، سيقرأ القرآن على الوجه المطلوب، فهنا نقول يستحب له ذلك لأنه وسيلة إلى إتقان العمل.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: باب الرخصة في القبلة للصائم إلا لمن يخاف على نفسه. عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم، متفق عليه. وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم، ولكنه كان أملككم لأربه، رواه الجماعة والنسائي، وفي لفظ: كان يقبل في رمضان وهو صائم، رواه أحمد ومسلم.
وعن عمر بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الصائم، فقال له: «سل هذه أم سلمة»، فسأل أم سلمة فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، فقال: يا رسول الله قد غفر الله.
«غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر»، فقال: «أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له» [رواه مسلم]، وفيه أن أفعاله حجة.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم فرخص له، وأتاه آخر فنهاه عنها، فإذا الذي رخص له شيخ، والذي نهاه شاب [رواه أبو داود]. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أحاديث في الرخصة في القبلة للصائم إلا لمن يخاف على نفسه.
فعندنا إذاً القبلة للصائم الأصل فيها الإباحة إلا لمن خاف على نفسه، خاف على نفسه قطع الصيام؛ إما بأنزال المني أو بالجماع فإنه يحرم عليه. أما إذا خاف على نفسه المذي، فهل يحرم عليه أو لا؟ نقول هذا يرجع إلى حكم المذي وهل يفطر أو لا يفطر، فإذا قلنا إنه يفطر، فنقول أيضاً إنه لا يجوز له التقبيل إذا كان يخاف على نفسه المذي، أما إذا قلنا إنه لا يفطر، فإننا نقول له يُكره ذلك.
أما إذا كان لا تحركه الشهوة فإنه يباح له ذلك، يباح له القبلة. هنا ذكر المؤلف رحمه الله حديث عائشة وحديث أم سلمة رضي الله تعالى عنهما في فعل النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يقبلهما وهما صائمات رضي الله تعالى عنهما. وعللت عائشة رضي الله عنها بقولها: «كان أملككم لأربه»، وضبطت «لأربه»، والأرب أو الأرب هي الحاجة، وقيل هو العضو. فمن كان مالكاً لأربه ولا تحرك القبلة فيه الشهوة فإنه يجوز له، يباح له القبلة.
هل نقول إنه يستحب؟ لا نقول بالاستحباب، وإن كان قال به بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى، لكن نقول إن فعل النبي صلى الله عليه وسلم هنا دال على الجواز؛ دال على الجواز، لأن هذا الفعل لم يقصد به النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله على وجه العبادة، لا، هنا فعله على وجه الطبيعة، فنقول إنه يدل على الجواز لا على الاستحباب.
وهنا حديث أم سلمة في التقبيل وحديث عائشة: «يقبل ويباشر»، والمباشرة هي ملامسة الجسد في غير الجماع، فهذا أيضاً حكم المباشرة للصائم وحكماً كحكم التقبيل: «وكان أملككم لأربه». وهنا عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما ذكرتا شيئاً مما يفعله النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، مما يستحي منه مما يقع بين الزوجين، وهذا الأصل أنه لا يذكره الإنسان مما يقع بين الزوجين، لكن ذكرتاه لبيان حكم شرعي.
والله عز وجل قال: ﴿وَٱذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [النور: 64]. فهذا الأمر الذي هو في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم لا يطلع عليه إلا نساؤه أهل بيته، فلما كان يستفاد منه حكم شرعي ذُكر هذا الحكم للناس.
والرواية الثانية في حديث عائشة، وفي لفظ: «كان يقبل في رمضان وهو صائم»، هذا يدل على أن الصيام صيام فرض؛ فإنه قد يقول قائل إن قد يكون هذا صيام تطوع، وصيام التطوع يتسامح فيه، فأتت هذه الرواية تدل على أنه صيام فرض.
الحديث الثالث: حديث عمر بن أبي سلمة سأل النبي صلى الله عليه وسلم: يقبل الصائم؟ قال: «سل هذه»، لأم سلمة فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، فقال: «يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر»، قال: «أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له».
الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم من خصائصه أن الله عز وجل قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقد ذكر الله عز وجل ذلك في سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 1-2].
ولذلك ذكر بعض أهل العلم كابن كثير رحمه الله تعالى، ونقلت عن شيخ الإسلام رحمه الله، أن الأحاديث الواردة في أن بعض الأعمال ثوابها مغفرة ما تأخر من الذنوب أنها ضعيفة. تجد بعض الأحاديث مثل: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»، جاء في بعض الروايات: «وما تأخر»، وأحاديث أخرى قالوا لا يثبت منها شيء؛ الأحاديث التي فيها مغفرة ما تأخر من الذنوب للناس لا يثبت منها شيء لأن هذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، والحافظ ابن حجر رحمه الله كأنه يميل إلى ثبوت بعض هذه الأحاديث وله رسالة في هذا الباب.
وفي هذا الحديث أيضاً دليل على أن التقوى لا ينافيها فعل ما هو من المباحات؛ النبي صلى الله عليه وسلم متقي يقول: «أتقاكم لله وأخشاكم له»، ومع ذلك يقبل زوجاته عليه الصلاة والسلام، فالأشياء التي هي من المباحات خاصة مما هي من الطبيعة البشرية هذه لا تؤثر في التقوى وفي الولاية لله عز وجل، لكن الذي يؤثر هو فعل المحرمات أو المكروهات، وكذا الإكثار من المباحات على وجه الطبيعة والجبة لا بأس بها ولا تؤثر.
وهنا المؤلف رحمه الله استنبط من هذا الحديث أن أفعاله صلى الله عليه وسلم حجة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «سل هذه»، وأخبرته، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يقرر له أنه يفعل ذلك، ففي أن أفعاله حجة، وفيه أيضاً ما يدل على أن الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم أنها ليست خاصة به، الأصل التشريع وليس الخصوصية. فلما قال له: «إن الله غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر»، يعني الأصل فجاز لك ذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبره أن الحكم للأمة كلها.
والحديث الذي يليه حديث أبي هريرة في التفريق بين الشيخ والشاب، الحديث فيه ضعف، لكن المعنى الذي دل عليه مناسب، وإن كان ربطه بالشيخ والشاب بغض النظر عن الشهوة فيه نظر. لكن كون نقول يباح للشيخ لأنه بعيد أن تحرك القبلة شهوته، وتكره للشاب لأن معتاد تحرك القبلة شهوته، فهذا مناسب، أما أن نقول كل شاب فتكره له وكل شيخ فتباح له فهذا فيه نظر، والله أعلم.
أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: باب من أصبح جنباً وهو صائم، عن عائشة رضي الله عنها، أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن الصلاة...
قال رجل يا رسول الله: «إن الصلاة تدركني وأنا جنب فآصوم»، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لست مثلنا، يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر»، فقال: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي». رواه أحمد ومسلم وأبو داود.
وعن عائشة وأم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يصوم في رمضان، متفق عليه. وعن أم سلمة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا من جماع لا حلم ثم لا يفطر ولا يقضي»، أخرجه.
هنا المؤلف رحمه الله تعالى ذكر في هذا الباب حكم من أدركه الفجر وهو جنب؛ فهل يجوز له الصوم أو لا؟ هنا ذكر ثلاثة أحاديث: الحديث الأول ذكر مطلق الجنابة، والحديث الثاني ذكر أن الجنابة من جماع، وفائدة الحديث الثالث أنه لا يقضي؛ لأنه قد يقال يمسك لحرمة الشهر ثم يقضي، والحديث الثالث صرح بأنه لا يقضي.
وهذا الذي ذكرناه سابقا في المجلس الماضي، أن المجد رحمه الله في هذه الأحاديث تجد أن كل حديث إما يزيد على الحديث الذي سبقه بفائدة أو بحكم، أو يقيد ما قبله، أو يخصص ما قبله، أو ينسخ ما قبله؛ فالمجد رحمه الله له نظر في ذكر هذه الأحاديث.
هنا قال حديث عائشة: إن رجلا قال يا رسول الله: إن الصلاة تدركني وأنا جنب، يعني صلاة الفجر يطل عليه الفجر وهو جنب، إما من جماع أو من احتلام، فيقول: فآصوم، يعني فهل صومي صحيح؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فآصوم». في هذا الحديث لم يبين سبب جنابة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر»، هذا مثل ما قال له عمر بن أبي سلمة في الحديث السابق.
فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي». فهنا النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا في الحديث السابق بين له أنه إنما فعل ذلك أنه سبق منه ذلك، وأن هذا الحكم وأن النبي صلى الله عليه وسلم تدركه صلاة الفجر وهو جنب فيصوم، وأن هذا الحكم للأمة جميعا وليس خاصا به صلى الله عليه وسلم. وإن كونه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر هذا لا يلزم منه أن يتهاون النبي صلى الله عليه وسلم، وحاشاه عن ذلك في أوامر الله؛ بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي».
والحديث الثاني حديث عائشة وأم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا من جماع، فهنا بينت السبب وهو من جماع. وهذا كما قلنا إنه الصحابيتين عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما ذكرتا شيئا مما يستحي منه مما يقع في بيت النبوة، لكنهما ذكرتاه لمصلحة شرعية وبيان حكم شرعي، لكن لو كان لأجل التندر وذكر ذلك فقط فإنه لا يجوز؛ لأن هذا إفشاء لسر الزوجية.
وهنا وقع الخلاف بين العلماء: هل النبي صلى الله عليه وسلم يحترم أو لا؟ لأن الاحتلام من الشيطان، فهل النبي صلى الله عليه وسلم معصوم منه أو لا؟ خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى. كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يصوم في رمضان، متفق عليه، أنه أيضا صوم فريضة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر وهو جنب من الجماع ومع ذلك يصوم، يعني يغتسل بعد طلوع الفجر وهذا لا يؤثر على صومه.
والحديث الثالث قال: أخرجه، وقد بين المؤلف رحمه الله في مقدمته أنه إذا قال: متفق عليه، فإنه يقصد بذلك أنه أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم، وهذا خلاف المصطلح الشائع؛ المتفق عليه أخرجه الشيخان. هو عنده متفق عليه يعني أخرجه أحمد والبخاري ومسلم، وأما الحديث الأخير أخرجاه لأنه يقصد به البخاري ومسلم، وهذا واضح.
قال عن أم سلمة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا من جماع لا حلم ثم لا يفطر ولا يقضي»، يعني أنه يصوم ولا يقضي، ويصح صومه. وهذا الحديث أتبع لكونه مصرحا بأنه يستمر على إمساكه وأن صومه صحيح؛ لأنه قد يقال إنه يمسك مع ذلك يقضي، فيقول: لا، بل هو يمسك ويكون صومه صحيحا.
فإذا من أدركه الفجر وهو جنب، سواء كان من احتلام أو من جماع، فإن صومه صحيح بشرط أن يكون قد فرغ من جموعه قبل طلوع الفجر. ومثله في تأخير الاغتسال الحائض إذا طهرت قبيل طلوع الفجر لكنها لم تغتسل إلا بعد طلوعه، فإن صومها صحيح؛ تغتسل وتصلي وصومها صحيح بإذن الله تعالى.
نقف على هذا، نسأل الله للجميع التوفيق والسداد. من عنده سؤال يكتبه في المحادثة.
هذا يقول: لو نزع عند أذان الفجر هل يتم صومه؟ الحقيقة أن الحكم معلق بطلوع الفجر لا بالأذان؛ إذا نزع عند أذان الفجر فقد يكون نزع عند الطلوع، وقد يكون نزع قبل الطلوع، وقد يكون نزع بعد الطلوع. والأصل بقاء الليل، لكن يكره أن يؤخر جماعه إلى قرب أذان الفجر لئلا يحصل مثل هذا. والعلماء يتكلمون لو وافق نزعه طلوع الفجر، لكن هذه حقيقة؛ المسألة افتراضية، من الذي يجزم أن الفجر طلع في هذه اللحظة لكي نقول إن نزعه وافق الطلوع؟ فالخلاصة أنه لا، الحكم معلق بطلوع الفجر لا بأذانه، وأن من نزع مع الأذان يرجى أن صومه صحيح والله أعلم.
هذا يقول: لماذا فرقت الحنابلة بين الرجل والمرأة بالكفارة لمن جامع في نهار رمضان ناسيا؟ فجعلوا الكفارة على الرجل وإن كان ناسيا، ولم يجعلوها على المرأة إن كانت ناسية. يأتينا إن شاء الله حديث عنه في الباب الذي يليه، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم.
ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان