دخولتسجيل الدخول

المجلس الأول من مجالس التعليق على كتاب الصيام من المنتقى

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.

أما بعد، فهذا هو اللقاء الأول في التعليق على كتاب الصيام من "المنتقى من أحاديث الأحكام الشرعية من كلام خير البرية ﷺ" لمجد الدين أبي البركات عبد السلام بن تيمية الحراني رحمه الله تعالى. وسنعلق على كتاب الصيام من هذا الكتاب العظيم، وهو من كتب أحاديث الأحكام. وقد جرت العادة أن نقرأ قبل كل موسم من مواسم رمضان ما يتعلق بأحكام الصيام، وقد وقع الاختيار على كتاب المنتقى، وهو كتاب عظيم في أحاديث الأحكام، وكتاب واسع اشتمل على أكثر من 4000 حديث عن النبي ﷺ، فهو بهذا يكون أكبر من الكتب المعروفة كبلوغ المرام والمحرر ونحوها، وإن كان ليس أوسع كتاب من كتب أحاديث الأحكام، لكنه كتاب جمع أحاديث كثيرة مما يستدل بها الفقهاء رحمهم الله تعالى.

تميز هذا الكتاب بحسن ترتيب مؤلفه رحمه الله تعالى، فهو يجمع أحاديث في باب معين، ويكون في الحديث الثاني إما زيادة حكم على الحديث الأول، أو تخصيص لعمومه، أو تقييد لمطلقه، أو نسخ له، فيرتبها على هذا كما سيتبين معنا إن شاء الله. وقد أشار لذلك فضيلة الشيخ عبد الله بن هديان رحمه الله تعالى في كلامه على المنتقى، وقد كان علماء نجد رحمهم الله تعالى لهم اهتمام بهذا الكتاب، ويقرأ على المشايخ في الدروس.

وقد بحث فضيلة الشيخ صالح الجريري وفقه الله في اهتمام علماء بريدة بكتب الحديث في القرنين الماضيين، وذكر عدة علماء من أهل بريدة، أو ممن وردوا إليها ممن كان خارجها، قرأوا هذا الكتاب وعلقوا عليه، وهناك بعض النسخ الخطية من هذا الكتاب عليها تعليقات لأهل العلم من أهل نجد. وهذا الكتاب أيضا ممن شرحه، أو نستطيع أن نقول الشرح القديم المتبقي له أو المطبوع، "نيل الأوطار" للشوكاني رحمه الله تعالى، وإن كان شرح بشروح متعددة، لكن لم يطبع منها شيء فيما مضى.

ومن الشروح المتأخرة التي طبع أو طبع الشيء منها شروح العلماء المتأخرين؛ الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، وشرح جزء منه في الإذاعة، وعلق عليه في دروس المسجد، وأيضا شيخنا ابن عثيم رحمه الله تعالى شرح جزءا منه، والشيخ صالح الفوزان وفقه الله شرح جزءا منه أو المطبوع جزء منه، هذا غير الشروح الصوتية لعدد من أهل العلم المعاصرين.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لنا ولوالديننا ولمشايخنا ولوالديهم ولمشايخهم ولجميع الحاضرين ولجميع المؤمنين.

قال مجد الدين أبي البركات رحمه الله تعالى في كتابه المنتقى، كتاب الصيام: باب ما يثبت به الصوم والفطر من الشهود.

عن ابن عمر قال: «تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه». رواه أبو داود والدارقطني، وقال: تفرد به مروان بن محمد عن ابن وهب وهو ثقة.

وعن كريمة عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال -يعني هلال رمضان- فقال: «أتشهد أن لا إله إلا الله؟» قال: نعم، قال: «أتشهد أن محمدا رسول الله؟» قال: نعم، قال: «يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا». رواه الخمسة إلا أحمد، ورواه أبو داود أيضا من حديث حماد بن سلمة عن سماك عن كريمة مرسلا بمعناه، وقال: فأمر بلال فنادى في الناس أن يصوموا.

وعن ربعي بن حراش عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: اختلف الناس في آخر يوم من رمضان، فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي ﷺ للهلال أمس عشية، فأمر رسول الله ﷺ الناس أن يفطروا. رواه أحمد وأبو داود، وزاد في رواية: «وأن يغدوا إلى مصلاهم».

وعن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب في اليوم الذي شك فيه، فقال: «ألا إني جالست أصحاب رسول الله ﷺ وساءلتهم، وإنهم حدثوني أن رسول الله ﷺ قال: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، وأمسكوا لها، فإن غُم عليكم فأتموا ثلاثين، فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا». رواه أحمد ورواه النسائي، ولم يقل فيه: "مسلمان".

وعن أمير مكة الحارث بن حاطب قال: «عهد إلينا رسول الله ﷺ أن نُمسي للرؤيا، فإن لم نرها وشهد شاهدان عدنا بشهادتهما». رواه أبو داود والدارقطني، وقال: هذا إسناد متصل صحيح.

هذه الأحاديث ذكر فيها المؤلف رحمه الله ما يثبت به الصوم والفطر من الشهود، يعني الصوم أي دخول رمضان والخروج منه. فما نصاب الشهود الذين يكتفى بهم في إثبات دخول الشهر والخروج منه؟ حديث ابن عمر الأول هذا في هلال رمضان، وحديث ابن عباس أيضا في هلال رمضان. أما حديث ربعي بن حراش عن رجل من أصحاب النبي ﷺ فهذا في هلال شوال، أي في خروج رمضان.

وأيضا حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، هذا في دخول أو في الخروج أو في كليهما؟ هو قال في اليوم الذي شك فيه، لكن في الحديث: "صوموا... وأفطروا"، فهو في الدخول والخروج. الحديث الأخير حديث الحارث بن حاطب، شك في أي شهر؟ دخول أو شهر عيد؟ هذا في عيد الأضحى، والمقصود به هلال ذي الحجة.

فهنا انظر، هو ذكر عدة أحاديث لكن كل حديث يختص بشيء. فحديثا، أولا في هلال رمضان، لكن الحديث الثاني فيه زيادة. نرجع للحديث الأول، حديث ابن عمر: «تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه»، رواه أبو داود والدارقطني، وقال: تفرد به مروان بن محمد عن ابن وهب وهو ثقة. كذا قال الدارقطني، ومروان لم يتفرد به، تابعه هارون بن سعيد الأيلي عن ابن وهب عند الحاكم وغيره. هنا الحديث فيه إثبات دخول شهر رمضان بشهادة واحد، وهذا الحديث يخالفه في الظاهر حديث عبد الرحمن بن زيد.

ابن الخطاب، الذي فيه: «فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا»، وسنتكلم عليه.

الحديث الأول والثاني حديث ابن عباس أيضًا، فيه إثبات دخول شهر رمضان بشهادة شاهد واحد، والحديثان يقوي بعضهما الآخر. وهذا الذي دل عليه الحديث هو الذي أخذ به بعض أهل العلم، ومنهم الشافعية والحنابلة رحمهم الله تعالى، وهو مروي عن جمع من الصحابة كعمر وعلي وابن عمر.

وجه الدلالة من هذا الحديث هنا، قال: «أخبرت النبي ﷺ أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه». يقول شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة: «أخبر أن النبي ﷺ أمر بصيامه عند رؤيته»، لأنه ذكر ذلك بحرف الفاء؛ إخبار بحرف الفاء، ذكر شيء ثم ذكر حكمًا بعده معقبًا، أي معقبًا أو محصورًا بينهما بحرف الفاء. الفاء هذه تدل على السببية، ما قبلها سبب له. ولأنه لم يذكر شيئًا غير رؤيته، والأصل عدمه. ولو قيل إن تبعه غيره، فهو في الحديث لم يذكر شيئًا من غير رؤيته والأصل عدمه، ولأنه ذكر سببًا وحكمًا فيجب تعليقه.

هلال رمضان هذا خبر ديني، يشترك فيه المخبر والمخبر عنه، كلهم داخل في الشرع يترتب عليهم حكم الصيام، فقالوا: اكتُفي فيه بواحد كالرواية. وهناك قول آخر، وهو رواية أحمد وهو قول الإمام مالك، أنه لابد من شهادة اثنين. وأقوى حديث له حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وفيه: «فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا»، وقالوا: وهذا أيضًا مروي عن عثمان.

نأتي إلى الموازنة بين هذا الحديث وحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. هذا الحديث دل بمنطوقهما على قبول شهادة الشاهد الواحد في رؤية هلال رمضان. حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب هل دل بمنطوقه ولا بمفهومه؟ مفهومه يعني: «إن شهد شاهد مسلمان فأفطروا»، مفهومه أنه إن شهد شاهد واحد فلا يقبل. أيهما أقوى دلالة: المنطوق أو المفهوم؟ المنطوق أقوى، وأيضًا خبر ابن عباس وابن عمر أشهر من خبر عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب.

وشيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة أجاب عنه من وجه آخر، فقال: منطوق حديث عبد بن زيد بن الخطاب ثبوت الصوم والفطر بشهادة اثنين، وتخصيص المنطوق بالذكر يقتضي أن المسكوت عنه يخالفه ولو من وجه، يعني لا يلزم أن يخالفه من كل الوجوه.

نأتي إلى: «فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا»، مفهوم المخالفة أن شهد شاهد واحد فلا يصوم أيضًا، أو إن شهد شاهد واحد فلا يفطر. يقول: المنطوق يقتضي أن المفهوم يخالفه ولو من وجه، لا يلزم من كل الوجوه. فنقول إذاً: مفهوم المسألة الثانية أنه إن شهد شاهد واحد فلا يفطر. أما إن شهد شاهد واحد فهل يصوم أو لا؟ نقول: هذا المفهوم عرضه منطوق آخر يقول: تخصيص المنطوق بالذكر يقتضي أن المسكوت عنه يخالفه ولو من وجه، فاقتضى ذلك أن الصوم والفطر لا يثبت إلا باثنين؛ فإن الواحد لا يثبت به الفطر، أما الصوم فهل يثبت به؟ لم يتعرض الحديث للصوم بدون الفطر بأي شيء، لا بمنطوق ولا بمفهوم.

هذه المسألة الأولى التي تؤخذ من الحديث. أيضًا في الحديث يقول: "تراءى الناس الهلال"، حكم ترائي الهلال هل هو واجب أو ليس بواجب؟ هي مسألة خلافية بين أهل العلم؛ منهم من قال إنها واجبة على الكفاية، يعني لابد أن يكون هناك أناس يتصدون لرؤية الأهلة لأن هذا يتوقف عليه الصوم، ومنهم من قال إنه مستحب وليس بواجب، ولم يأتِ الأمر بإيجابه.

وحصل هذا في النبوة وهذا يدل على المشروعية، لكن لا يدل على الوجوب، ولا يلزم من الترائي الرؤية؛ فقد يتراءون ولا يرون، فهو حتى لو فعلوه ربما لم يروه، فوجوب الرؤية إذاً لا يتوقف عليه. أهل القول الأول قالوا: ما بني على الواجب يتوصل به إلى الواجب فهو واجب، وهم يقولون: لا، قد يكون لا يتوصل به إلى الأمر الواجب، وهذا هو المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى أنه لا يجب الترائي وإنما يستحب استحبابًا.

في حديث ابن عباس جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: «إني رأيت...»، قال: «تشهد أن لا إله إلا الله»، قال: نعم، «أشهد أن محمدًا رسول الله»، قال: نعم، قال: «يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدًا»، رواه الخمسة إلا أحمد. هنا هذا الأعرابي هو الذي رأى، النبي ﷺ هل كان يعلم عدالة الأعرابي أو عدم عدالته؟ لا يعلم، ولذلك سأله: هل أنت مسلم؟ أنت تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ فلما أخبر بإسلامه أخذ به، وهذا يدل على أن الشهادة مجهول الحال لا تقبل، لابد أن يكون معلوم العدالة هنا.

النبي ﷺ أخذ به لما أعلن إسلامه، هل نقول كل مسلم عدل؟ لا، لكن هذا خاص بالصحابة رضي الله تعالى عنهم فهم كلهم عدول رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. هنا الرواية الأخرى، رواية مرسلة قال: وفيها أمر بلال فنادى في الناس أن يصوموا، في زيادة لفظ القيام؛ فتصلى التراويح إذا رؤي الهلال إذا ثبت دخول رمضان برؤية واحد، فإنها تصلى التراويح لأن القيام تابع للصيام.

مسألة العدالة، هل ينظر إلى ظاهر الحال أم يشترط تعديل؟ نأتي إلى مسألة أخرى: هل الأصل في المسلم العدالة أم لا؟ وهذه يذكرونها في باب الشهادات، أي هل الأصل في المسلم العدالة أم لا؟ شيخ الإسلام رحمه الله يقرر أنه ليس الأصل في المسلم العدالة، ويستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]، فالأصل في الإنسان الظلم والجهل. فتأتي هذه المسألة، ومن أهل العلم من قال: لا، الأصل في المسلم العدالة، فمن قال الأصل في المسلم العدالة قال: يكتفى بظاهر حاله، ومن قال لا، الأصل في المسلم الظلم والجهل قال: لا يكتفى بظاهر حاله بل لابد من تعديله.

الأصحاب نصوا على أنه لا بد من شاهدين. زيادة القيام هذه يقول فيها أبو داود بعد أن ذكره: «رواه جماعة عن سماك عن عكرمة مرسلاً ولم يذكر القيام أحد إلا حماد بن سلمة».

حديث ربعي بن حراش هذا فيه إثبات دخول شهر شوال بشاهدين. هل لا بد من شاهدين أو نقول هي واقعة تُحال؟ هذه حقيقة هي واقعة، هل لما جاء شاهد واحد قال له النبي ﷺ: ننتظر حتى يأتي الشاهد الثاني؟ لا، أتى معه. لكن نأتي إلى المسألة المستغنية: هذا الحديث، هل لا بد من شاهدين في خروج الشهر أو يكفي شاهد واحد؟

خروج الشهر عليه أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، أنه لا بد في خروج الشهر، وفي أيضًا دخول الأشهر كلها ما عدا رمضان، أنه لا بد فيها من شاهدين. نأخذ اشتراط الشاهدين من حديث عبد الرحمن بن زيد، وفيه كان في ضعف أن النبي ﷺ كان لا يجوز على شهادة الإفطار إلا شهادة رجلين، قالوا: لأنه يتعلق به حق آدمي وهو الإفطار، كذلك ذي الحجة يتعلق به حق آدمي وهو إباحة الإحلال عن الإحرام في اليوم العاشر، فلا بد فيها من شاهدين لأنها تقاس على الحقوق المتعلقة بالآدمي. وأيضًا حديث الحارث بن حاطب هذا فيه هلال ذي الحجة وأنه لا بد فيه من شاهدين.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في يوم الغيم والشك. عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن أُمَّ عليكم فاقدروا له». أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجه. وفي لفظ: «الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» رواه الباري.

وفي لفظ أنه ذكر رمضان فضرب بيديه فقال: «الشهر هكذا وهكذا وهكذا»، ثم عقد إبهامه في الثالثة: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن أُمَّ عليكم فاقدروا ثلاثين» رواه مسلم. وفي رواية أنه قال: «إنما الشهر شهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن أُمَّ عليكم فاقدروا له» رواه مسلم وأحمد. وزاد نافع: «وكان عبد الله إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يومًا يبعث من ينظر، فإن رأى فذاك، وإن لم يرَ ولم يحل دون منظره سحاب أو قتر أصبح مختمرًا، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائمًا».

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» رواه البخاري ومسلم. وقال: «فإن غُمَّ عليكم فعدوا ثلاثين». وفي لفظ: «رأيتم الهلال، إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن أُمَّ عليكم فعدوا ثلاثين يومًا» رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والنسائي. وفي لفظ: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا» رواه أحمد والترمذي وصححه.

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحاب فكملوا العدة ثلاثين ولا تستقبلوا الشهر استقبالًا» رواه أحمد والنسائي والترمذي بمعناه وصححه. وفي لفظ للنسائي: «أكمل العدة عدة شعبان».

ومن حديث أبي يونس عن سماك عن عكرمة عنه، وفي لفظ: «لا تقدموا الشهر بصيام يوم ولا يومين إلا أن يكون شيئًا يصومه أحدكم، ولا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروه، فإن حال دونه غمامة فأتموا العدة ثلاثين ثم أفطروا» رواه أبو داود. وعن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره، يصوم لرؤية رمضان، فإن غُمَّ عليه عدَّ ثلاثين يومًا ثم صام» رواه أحمد وأبو داود والدارقطني وقال إسناده حسن صحيح. وعن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة» رواه أبو داود والنسائي. وعن عمار بن ياسر قال: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ» رواه أحمد وصححه الترمذي وهو للبخاري تعليقًا.

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذه الأحاديث في باب ما جاء في يوم الغيم والشك. هنا يوم الغيم والشك، هل العطف هنا عطف صفة على صفة وموصوف واحد، أو عطف للمغايرة؟ هل يوم الشك غير يوم الغيم؟ خلاف يا شيخ؛ فمن أوجب صيام يوم الغيم يكون للمغايرة، ويجب أن يكون كذلك.

هنا يوم الغيم، هل هو يوم الشك أو لا؟ هو خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، فهناك من أهل العلم من فرق بينهم، فقال إن يوم الغيم هو يوم الين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر ونحوه، ويوم الشك هو يوم الثلاث من شعبان إذا كانت السماء مصحية. ومن أهل العلم من قال: لا، هو يوم الين من شعبان، وهو يوم شك سواء كانت مغيمة أو مصحية.

في هذه الأحاديث فيها تعليق الصوم والفطر بالرؤية، وهذا مجمع عليه أنه إذا رؤي هلال رمضان يصام، وإذا رؤي هلال شوال يفطر، وطبعًا وقع الخلاف في عدد الشهود، لكن في الجملة مجمع على أن صيام رمضان والفطر في شوال يثبت بالرؤية، وهذا جاء في عدة أحاديث: «إذا رأيتموه فصوموا، إذا رأيتموه فأفطروا».

الحكم المختلف فيه إذا غُمَّ الهلال، إذا غمت السماء فلم يُرَ الهلال لغيم ونحوه، فما الحكم هنا؟ جاءت الأحاديث بألفاظ مختلفة؛ جاءت بلفظ: «فاقدروا له»، وجاءت بلفظ: «فعدوا ثلاثين»، وجاءت بلفظ: «فأكملوا العدة ثلاثين»، وجاءت بلفظ: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين»، وجاءت: «فعدوا ثلاثين ثم أفطروا»، مما يدل على أنه رمضان.

ولذا وقع الخلاف في معنى التقدير؛ هل معنى التقدير هو بلوغ كمال القدر وهو ثلاثون يومًا، سواء كان من شعبان أو من رمضان؟ أم أن التقدير هو التضييق؟ والأكثر من أهل العلم على أن التقدير هو بلوغ كمال قدره وهو ثلاثون، ويفسرون ما جاء في بعض الرواية «تقدروا له» بما جاء في الرواية الأخرى «بأكملوا العدة ثلاثين»، وهذا قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، والقول الثاني أن التقدير بمعنى التضييق.

هذا هو المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى، أن القدر بمعنى التضييق، والتضييق يكون على شعبان؛ فيضيق على شعبان ويصام يوم الثلاثين احتياطًا بنية رمضان.

قال الأصحاب رحمهم الله تعالى: ونصوص أحمد تدل عليه، واستدلوا بحديث ابن عمر «فاقدروا له»، وبفعل ابن عمر الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في الرواية الأخيرة من الحديث الأول؛ زيادة التي عند أحمد وغيره: «قال نافع: وكان عبد الله إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يومًا يبعث من ينظر، فإن رأى فذاك». وهذا واضح؛ إن رأى الهلال يصوم، وإن لم يرَ ولم يحل دون منظره سحاب أو غيم أصبح مفطرًا.

هذا هو الذي يسميه الحنابلة يوم الشك، وإن حال دون منظره سحاب أو غيم أصبح صائمًا؛ هذا هو الذي يسمونه الغيم. قالوا استدلوا بحديث ابن عمر وفعله، وأيضًا القدر؛ قالوا القدر هو التضييق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: 212]، وقوله: ﴿وَمَن قَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾، هذه كلها القدر بمعنى التضييق، فمن لم نقدر عليه نضيق عليه. قالوا وهو مروي عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ روي عن عمر، وابنه عمرو بن العاص، وأبي هريرة، ومعاوية -ما أذكر- وعائشة، وأسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهم.

ولما كانت هذه المسألة مسألة كثر فيها الخلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى، انفرد الحنابلة رحمه الله تعالى بإيجاب الصوم في يوم الغيم. أفرِد بعض الحنابلة رحمهم الله تعالى هذه المسألة بالتأليف؛ فممن أفرَد فيها القاضي أبو يعلى رحمه الله تعالى، ورد عليه خطيب البغدادي رحمه الله، ولم يُعنَ إلى وقت قريب لم يوجد لا كتاب أبي يعلى ولا كتاب البغدادي، لكن حُفظ مضمونهما بنقل النووي رحمه الله تعالى لمضمون الرسالتين في المجموع.

وممن ألف فيها ابن الجوزي رحمه الله تعالى، وأيضًا ابن عبد الهادي، وابن المبرد ألف في إيجاب الصيام انتصارًا لذلك، وهناك من الأصحاب من ألف انتصارًا للقول الآخر بعدم الإيجاب، ومنهم ابن عبد الهادي صاحب المحرر وغيرهم رحمهم الله تعالى، وابن القيم رحمه الله أطال الكلام فيها في "سائد المادة" كما قرأناها في موسم سابق.

هذا قلنا لكم هو قول الحنابلة رحمهم الله، لكن الجمهور على عدم الإيجاب؛ منهم من رأى الكراهة، ومنهم من رأى التحريم، ومنهم من رأى الإباحة، وكلها أقوال في مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى. شيخ الإسلام رحمه الله ذكر أنه لم يصح عن الإمام أحمد رحمه الله القول بالوجوب ولا أمر به، فلا تتوجه إضافته له.

وأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمه الله تعالى عما ورد عن بعض الصحابة من صومه، بأنهم صاموه على سبيل الاحتياط لا على سبيل الإيجاب؛ لذلك لم يُنقل عنهم أنه كان يأمر غيره بأن يصوم، وما كان سبيله الاحتياط فلا يكون واجبًا. هنا هذه الروايات كما قلنا بعضها فيه «فاقدروا له»، وبعضها «فعدوا ثلاثين»، وبعضها «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين»، وهذه صريحة على أن الحنابلة رحمهم الله تعالى يعللون رواية «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» ويقولون إنها من تفسير بعض الرواة.

هذه الأحاديث إذاً تدل على حكم صوم يوم الغيم. طيب، هنا قوله في حديث ابن عباس: «ولا تستقبلوا الشهر استقبالًا»، وفي الرواية الأخرى: «لا تقدموا الشهر بصيام يوم ولا يومين». ما حكم تقدم رمضان في الصيام؟ طبعًا جاء الحديث أن النبي ﷺ كان يكثر الصيام في شعبان، وجاء الحديث بالنهي عن تقدم صوم رمضان بيوم أو يومين: «رجل كان يصوم، فليصوم». وذكرنا لكم أن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يصومون يوم الغيم، فما حكم التقدم للصيام؟

نقول: تقدم شهر رمضان بالصيام لا يخلو من أحوال. أن يتقدم لأجل الغيم، وهذا تقدم الكلام عليه آنفًا، وإن من الفقهاء من يقول بوجوبه وهو المشهور، ومنهم من يقول بعدم وجوبه، واختلفوا هل هو مباح أو محرم أو مستحب أو مكروه. أجيب أن هذه المسألة فيها في المذهب سبعة أقوال؛ مسألة صوم يوم الغيم فيها في المذهب سبعة أقوال، والأحكام أصلاً خمسة، فكل حكم فيه قول؛ قيل فيه بالوجوب والمشهور، وقيل فيه بالاستحباب، وقيل فيه بالإباحة، وقيل فيه بالكراهة، وقيل فيه بالتحريم.

والقول السادس في المذهب أن الناس تبع للإمام؛ ترى الناس تبع الإمام، تقريبًا هذا هو المعمول به في الدول الإسلامية، والتي تتبع الشريعة الإسلامية حقيقة يعملون بالقول إن الناس تبع للإمام. والقول السابع أنه يعمل بعادة غالبة؛ فإن تم الشهران اللذان قبل شعبان (رجب وجماد الأولى)، فالغالب أنه لا تتم ثلاثة شهور متوالية، فإن تم شهر فالثالث ناقص، وإن نقص شهران فالثالث تام. هذه سبعة أقوال في المذهب.

طبعًا قلنا لكم إن هذه فيها خلاف؛ إذا تقدم لأجل الغيم، الثاني إذا تقدم وكانت السماء مصحية وهو يوم الشك، هذا ورد النهي عنه. طبعًا لا يوجد له سبب، ليس من أهل الصيام كمن يصوم ثلاثة أيام كشر أو يصوم الاثنين والخميس ويوافق عادة ونحو ذلك ولم يصمه عن واجب، فقط صام كذا؛ فنقول هذا منهي عنه. واختلف العلماء هل النهي للكراهة أو للتحريم؟ فمنهم من قال إنه للتحريم؛ لقوله «لا تقدموا رمضان»، وحديث عمار الذي في نهاية الباب: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ». ومن العلماء من ذهب إلى أن النهي للكراهة، وقالوا إن النهي أحياناً يكون في محادثة كان لديه شيء فيذكره فيُثبته.

وجئنا بالجواب: إذا تقدم وكان بغير عذر وكانت السماء مصحية، هذا هو يوم الشك، وذكرنا الخلاف فيه هل هو على الكراهة أم هو منهي عنه لكن هل هو نهي كراهة أم نهي تحريم؟ اختلف بين أهل العلم.

باب الهلال إذا رآه أهل بلد هل يلزم بقية البلاد الصوم؟ عن أم الفضل أنها بعثته إلى معاوية بالشام، فقال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل علي رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ قلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: لكن رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أفلا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ. رواه الجماعة إلى البخاري.

أفضل أن تكتفي، فقلت: أفلا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال له: «هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم»، رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه.

أشهرها مسلم. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسألة: إذا رأى أهل بلد -هنا جاء الحديث السابق: إذا رأيتموه فصوموا- هل الحكم عام موجه لجميع الأمة، أو أن الحكم بالصيام موجه لجهة خاصة من المسلمين؟

هذا فيه الخلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى؛ إذا رؤي الهلال مثلا هنا في السعودية، فهل يلزم جميع أهل الأرض أن يصوموا برؤية السعودية أو لا؟ هذا محل الخلاف، واختلف فيها على قولين رئيسيين، والهلاك كبير لكنهما يرجعان إلى قولين:

القول الأول: أن رؤية واحد من المسلمين يلزم بها جميع أهل الأرض، وإذا رآه بلد لزم الناس كلهم الصوم، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، وهذا يصدق عليه أنه شهد، أي شهد برؤية غيره، وأيضًا «إذا رأيتموه فصوموا»، قالوا الحكم لجميع المسلمين.

وقيل: بل الحكم لمن رأى هذا الهلال، أي لأهل بلد من رأى هذا الهلال، ولمن اتفقت معهم في مطالع القمر، فإذا اختلفت المطالع فلكل أهل بلد رؤيتهم، ويستدلون في مثل هذا بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وفي آخره قال: «هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ففهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من الحديث «إذا رأيتم فصوموا» أنه لا ينطبق على ما إذا رؤي في بلد آخر تختلف مطالع القمر فيه عن مطالع القمر في البلاد الذي رؤي فيه الهلال.

وأجاب الأصحاب عن حديث كريب بأن مفهومه -نعم- بأن حديث كريب يدل على أنهم لا يفطرون بقول كريب وحده، يعني من الذي أخبرهم أن الهلال رؤيا ليلة الجمعة؟ كريب، والفطر يكون بشهادة رجلين، فحملوه على ذلك.

أحسن الله إليك. قال المؤلف رحمه الله: باب وجوب النية من الليل في الفرض دون النفل، عن ابن عمر، عن حفصة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له».

يجمع، وكذا شكلها، مما ضبطت فيه، يجمع؛ في البدر المنير ذكر أنها ضبطين: ضبط يجمد، وضبط يجمع، والمضبوط يجمع. أحسن الله إليكم، «من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له»، رواه الخمسة.

وعن عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: «هل عندكم من شيء؟» فقلنا: لا، فقال: «فإني إذا صائم»، ثم أتانا يومًا آخر فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيسًا؟ فقال: «أدنيه، فلقد أصبحت صائمًا»، فأكل، رواه الجماعة إلا البخاري.

أدنه بالدال، أحسن الله، وزاد النسائي ثم قال: «إنما مثل صوم المتطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة، فإن شاء مضاها وإن شاء حبسها»، وفي لفظ له أيضًا قال: «يا عائشة، إنما منزلة من صام في غير رمضان أو في التطوع بمنزلة رجل أخرج صدقة ماله، فجاد منها بما شاء فأمضاه، وبخل منها بما شاء فأمسكه».

قال البخاري: وقالت أم الدرداء: كان أبو الدرداء يقول: «عندكم طعام؟» فإن قلنا: لا، قال: «فإني صائم» يوم هذا، قال وفعله أبو طلحة وأبو هريرة وابن عباس وحذيفة رضي الله عنهم.

هنا يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى على وجوب النية في الصيام، والصيام عبادة والعبادة لابد فيها من نية، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، هذا لا خلاف فيه. نأتي إلى وقت النية؛ هنا ذكر حديثين: حديث حفصة وحديث عائشة.

حديث حفصة عام في الفرض والنفل: «من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له» في الفرض والنفل. وحديث عائشة خاص في النفل، ولذلك اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في التوفيق بينهما.

فمن أهل العلم من قدم حديث حفصة، ومنهم من قدم حديث عائشة، ومنهم من جمع بينهما. حديث حفصة هنا قال رواه الخمسة، كذا رواه الخمسة مرفوعًا، واختلف في رفعه ووقفه، ورجح جمع من المحدثين وقفه، منهم النسائي والترمذي والبخاري أيضًا، والدارقطني، والإمام أحمد رحمه الله تعالى، قال: «ما له عندي ذاك الإسناد، إلا أنه عن ابن عمر وحفصة إسنادان جيدان»، يعني يرجح الإمام أحمد رحمه الله كونه موقوفًا على ابن عمر وحفصة رضي الله تعالى عنهما.

أما حديث عائشة فهو في مسلم. هنا قلنا إن العلماء رحمهم الله تعالى اختلفوا في التوفيق بين هذه الأحاديث، فمن أهل العلم من أوجب أن تكون النية من الليل لصيام الفرض والنفل، وأخذوا بحديث حفصة رضي الله تعالى عنها من حيث إنه ليس فيها تفريق بين الفرض والنفل.

ومن أهل العلم من أجاز أن تكون النية من النهار في الفرض والنفل، أخذوا بحديث عائشة في النفل، وأخذوا بحديث -بعد قليل- حديث الربيع؛ كنت سآتي في الباب اللاحق في صوم عاشوراء، قالوا إنه كان أول الأمر واجبًا، وأجازه النبي صلى الله عليه وسلم بنية من النهار، أنه قال: «إن كان أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه»، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم بنية من النهار، وكون فرضية عاشوراء منسوخة لا يلزم منه أن تُنسخ الأحكام الأخرى، يعني نسخ فرضية عاشوراء صحيح، لكن ما نسخت صحة الصوم الفريضة بنية من النهار.

والقول الأول أخذ به الإمام مالك رحمه الله، وهو وجوب النية من الليل مطلقًا، صوم الفرض والنفل. والقول الثاني أخذ به الإمام أبو حنيفة رحمه الله. وأما الإمامان الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى ففرقوا بين الفرض والنفل، فجمعوا بين الأحاديث، فحملوا حديث حفصة على الفرض، وعملوا بحديث عائشة على النفل.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: باب الصبي يصوم إذا أطاق، وحكم من وجب عليه الصوم في أثناء الشهر أو اليوم. عن الربيع بنت معوذ قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: «من كان أصبح صائمًا فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه»، فكنا بعد ذلك نصومه ونصوم صبياننا الصغار، ومنهم نذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهد، فإذا بكى أحدهم من الطعام أعطيناها إياه حتى يكون عند الإفطار، أخرجاه.

قال البخاري: وقال عمر لنشوان في رمضان: «ويلك، وصبياننا صيام؟» وضربه. وعن سفيان بن عبد الله بن ربيعة قال: حدثنا وفدنا الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلام ثقيف.

قال: «وقدموا عليه في رمضان فضرب عليهم قبة في المسجد، فلما أسلموا صاموا ما بقي عليهم من الشهر» رواه ابن ماجه. وعن عبد الرحمن بن مسلم، عن عمه، أن أسلم أتى النبي ﷺ فقال: «صمتم يومكم هذا؟» قالوا: لا، قال: «فأتموا بقية يومكم واقضوا». رواه أبو داود.

وهذا حجة في أن صوم عاشوراء كان واجبًا، وأن الكافر إذا أسلم، أو بلغ الصبي في أثناء يومه، لزمه إمساكه وقضاؤه. ولا حجة فيه على سقوط تبييت النية؛ لأن صومه إنما لزم في أثناء يومه.

هنا ترجم المؤلف رحمه الله تعالى لمسألتين: المسألة الأولى: الصبي، متى يؤمر الصبي بالصوم؟ والمسألة الثانية: حكم من وجب عليه الصوم في أثناء الشهر أو النهار.

المسألة الأولى ذكر فيها حديث ربيعة بنت معوذ رضي الله عنها، وهو ما جاء به للاستدلال على صوم الصبي، وفيه: «فكنا بعد ذلك نصومه ونصوم صبياننا الصغار منه، ونذهب إلى المسجد، نجعل لهم لعبة من العلم، فإذا بكى أحدهم من الطعام أعطيناها إياه حتى يكون عند الإفطار». وهذا فيه دليل على تأديب الصبي بالأمر بالصوم من جهة التأديب لا من جهة الوجوب؛ فالصبي يؤمر بالصوم ويحث عليه ويرغب فيه من باب تعويده على الصوم، لأجل أن يسهل عليه الصيام إذا بلغ.

واختلف أهل العلم في السن التي يعود بها؛ هل تربط بسن أو تربط بقوته في البدن؟ فمن الأصحاب من قاسها على الصلاة، فقالوا: ما دام يضرب على الصلاة في العاشرة، فنأمره بالصوم في العاشرة. ومنهم من ربطها بقوة بدنه، قالوا: إذا كان في العاشرة يطيق الصيام فنأمره به، وإذا كان لا يطيق، ففي الحادي عشر أو في الثاني عشر يطيق فنأمره في الوقت الذي يطيقه. لكن الصبي لا يلزمه الصوم، بمعنى أنه لا يثم بتركه لأنه مرفوع عن القلم.

وصيام الصبيان هذا كان في عهد النبي ﷺ ومعروفًا، لكن ربيعة تقول: «نصوم ونصوم صبياننا الصغار منه». وعن لشنوان في رمضان -يعني شخص سكران أتي به وهو سكران في رمضان، أي شرب الخمر وانتهكت حرمة الشهر- فقال له: «ويلك وصبياننا صائمون»، يعني ليس الكبار فقط، بل حتى الصبيان وأنت تسكر فيه، وضربه الحد. هذا في مسألة صوم الصبي.

طيب، هنا النبي ﷺ قال: «من كان أصبح مفطرًا، فليتم بقية يومه». فإذا قلنا صوم عاشوراء كان مستحبًا، فهل يصح صوم النافلة بنية من النهار حتى ولو كان آكلًا أول اليوم؟ أو شخص استيقظ لصلاة الفجر وأكل وشرب ماء ثم نام، ثم لما أراد أن يذهب إلى العمل قال: والله الجو لطيف اليوم، نحن في شعبان سأصوم، فهل تصح نية النافلة من النهار؟

نعم، تقول التكليف نزل في أثناء النهار، فالمسألة في صوم النافلة: أهل العلم رحمهم الله تعالى الذين قالوا يصح صوم النافل بنية من النهار، قالوا بشرط ألا يكون قد تناول مفطرًا قبل النية، فإن كان تناول مفطرًا فإنه لا يصح صومه. ونقل موفق رحمه الله الإجماع على ذلك، لكن ذكر في الكشاف أنه خالف فيه أبو زيد الشافعي رحمه الله تعالى، ومن كان خلاف المتأخرين مشبوكًا بإجماع من تقدم.

على القول بأن صيام عاشوراء واجب، ما الجواب عن كونه صح بنية من النهار؟ هذا ذكره المؤلف رحمه الله في نهاية الباب؛ فالمؤلف رحمه الله يذكر بعض الأحكام المستفادة في بعض الأبواب، قال: «لا حجة فيه على سقوط تبييت النية». ويرى أن صوم عاشوراء كان واجبًا، لكن لماذا صح بنية من النهار؟ قال: لا حجة في سقوط تبييت النية لما يمكن التلبس بها، أشبه ما لو أسلم بعد خروج الوقت.

وهما روايتان عن الإمام أحمد رحمه الله، ومثله الصبي؛ إذا أسلم، أو إذا بلغ في أثناء اليوم وكان مفطرًا أثناء اليوم، ألزمنه بالإمساك والقضاء. فالخلاف الذي في الكافر هو نفس الخلاف الذي في الصبي.

هنا الحديث الأخير، حديث أسلم لما أتى النبي ﷺ فقال: «صمتم يومكم هذا؟» في صوم عاشوراء، قالوا: لا، قال: «فأتموا بقية يومكم واقضوا». هذا الذي تكلم عليه قبل قليل، والحديث فيه ضعف. ويستفاد منه أيضًا أن الكافر إذا أسلم في أثناء اليوم، والصبي إذا بلغ في أثناء اليوم، فإنه يلزمه الإمساك والقضاء، وهذا أحد القولين في المسألة.

قوله: «ومن كان أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه»، هل هذا إتمام؟ من هو مفطر؟ يعني من أتى بمفطر، يعتبر من باب الإمساك لحرمة الوقت. نعم، من أتى بمفطر، وقلنا لزمه الإمساك فإنه يمسك لحرمة الوقت، هذا على القول بأنه لا يصح صومه، ومن العلماء من قال صح صومه لأن الوجوب جابنا.

من عنده سؤال يكتبه في المحادثة. هذا يقول: فعل النبي ﷺ عندما قال لأهله: «هل عندكم طعام؟» قالوا: لا، قال: «إني صائم»، هل يكون النبي ﷺ هنا قد نوى الفطر؟ يظهر من سياق الحديث أنه لم ينو الصوم إلا لما قالوا: ليس عندنا طعام، فهو نوى من هذا الوقت. لكن لو أن شخصًا نوى صوم النافلة في أثناء اليوم ثم جاع وجاء لأهله وقال: «عندكم طعام؟» قالوا: لا، قال: «إذن سأكمل صيامي»، هنا هل قوله: «هل عندكم طعام؟» هذا يبطل نيته السابقة أو لا؟ نقول: على حسب نيته؛ هل هو نوى أنه إن وجد طعامًا أكله وإلا استمر، هذا لا يبطل، أو نوى جازمًا أنه سيفطر، فلما قال ليس عندنا طعام قال: «إذن سأكمل»، فهنا بطلت النية السابقة بنيته اللاحقة، ثم حصلت له نية جديدة للصوم في أثناء النهار.

تأتينا مسألة أخرى وهي: هل يثاب ثواب صوم اليوم الكامل، أو يكون الثواب من حين النية؟ هذه مسألة خلافية بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، والله عز وجل كريم سبحانه، وثقتنا بكرم الله عز وجل أنه سيجره أجرًا عظيمًا.

سؤال آخر يقول: عطف الشك على اليقين...

هذا قوله: صوم يوم الغيم والشك. هنا ذكرنا في أول الباب هل بينهما فرق أو لا؟ وتصرف المؤلف رحمه الله تعالى يدل على أنه يرى أن بينهما فرقًا.

فالغيم هو اليوم الذي لم يرَ الهلال ليلته، كأن يكون يوم الثلاث من شعبان إذا لم يرَ الهلال ليلته لغيم أو قتر ونحوه. ويوم الشك هو يوم الثلاث من شعبان إذا لم يرَ الهلال ليلته وكان هناك شك.

يقول: هل يمكن أن يقال إن المؤلف رحمه الله يميل إلى أن لكل بلد رؤيتهم؟ لذكر حديث كريب فقط. والله قد يقال هذا، وإن كان يحتاج إلى تحقق من منهج المؤلف رحمه الله تعالى في ذلك. فإذا أخذنا بتصرف الإمام البخاري رحمه الله، كان إذا أطلق الترجمة ثم أتى بأحاديث تدل على أحد الرأيين، فإنه يؤخذ رأيه من سياق الأحاديث. هنا هل منهج المؤلف رحمه الله تعالى هو هذا أو لا؟ الحقيقة يحتاج إلى التمحص، والله أعلم.

يقول: هل يمكن أن يوجد ضابط مستقيم دليلًا شرعًا على ضابط بلد في الرؤية حقيقة؟ أو قد ينقطع البث. الحقيقة أن هذه المسألة واقعًا، كما ذكرنا في الدرس، أن الواقع أن أهل كل بلد تبع الإمام، فهذا هو الواقع المعمول به. والله أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.