دخولتسجيل الدخول

كيف عاملهم؟ | المجلس الاول | منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الزوجات

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن نهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الأكارم في بداية دورة جديدة وسلسلة جديدة من سلاسل هذا العطاء المستمر، الذي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يديمه، وأن يبارك فيه، وأن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وأن لا يجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً. ونسأله أن يديم علينا نعمة الأمن والأمان، وأن يديم علينا تعلم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنها نعم الزاد إلى الدار الآخرة.

ونسأله سبحانه وتعالى أن ينصر إخواننا المرابطين على أرض غزة، وأن يجعل لهم من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، وأن ينصرهم على عدوهم نصراً مؤزراً. فكما أنتم ترابطون في مجالس العلم، هناك من يرابط على ثغور الأمة ويدفع الغالي والنفيس دفاعاً عن حرماتها وعن مقدساتها، فحكمهم أقل شيء يمكن أن نفعله؛ أقل شيء أن تحافظ على ورد الدعاء لهم، أن الله سبحانه وتعالى يرفع رايتهم، وأن يكسر عدوهم، وأن يعري شأنهم، وأن يصرف عنهم كيد الخلق أجمعين؛ فإنه سبحانه وتعالى نعم المولى ونعم النصير، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء سبحانه.

هذه السلسلة الجديدة أيها الكرام وضعنا لها عنوان «كيف عاملهم؟»، للحديث عن منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع مختلف فئات المجتمع. وهذه السلسلة وهذا النوع من الدروس والمجالس العلمية كثيراً ما نحتاجه اليوم، خصوصاً عندما تتبعثر العلاقات، وتصبح كثير من أعرافنا وتقاليدنا التي بها نمارس ونسوس علاقاتنا الاجتماعية ليست على منهاج الله ورسوله.

لو أننا تصفحنا حال المسلمين اليوم، بل حال أكثرنا، سنجد أننا في طريقة سياستنا لعلاقاتنا المختلفة، سواء في علاقاتنا الأسرية، أو في علاقاتنا الاجتماعية مع الأقارب، أو في علاقاتنا في زمالات العمل أو في الجامعة، أو حتى مع غير المسلمين، نجد أن هناك نوعاً من الفوضى في العلاقات، وفوضى في فهم منهج الإسلام ورقيّه في إدارة هذا الملف؛ إدارة متوازنة لا إفراط فيها ولا تفريط.

ولعل من أسباب هذه الفوضى في العلاقات كثرة الاقتراحات التي تقدم اليوم؛ تفتح على قناة معينة تجد شخصاً يلبس ثوب التربوي ويتكلم لك عن كيف تقام العلاقات وكيف، ثم يأتيك من قناة أخرى تجد شخصاً يعطيك أفكاراً جديدة، وهو قناة ثالثة ورابعة، فتجد أن كل بشر منا يعطي اقتراحاته وآراءه وتصوراته. وكثير من هذه الاقتراحات والآراء والتصورات الشخصية هي تجارب شخصية قد تنجح مع فلان، وقد لا تنجح مع فلان، قد تكون صحيحة ضمن بيئة وظرف معين، ولا تكون صحيحة ضمن بيئة وظرف آخر؛ فتجاربنا الشخصية ليس شرطاً أن تكون صحيحة، وليست حاكمة على الناس وعلى ما ينبغي أن يكون.

لو أردنا أن نأتي إلى منهج حاكم، لو أردنا أن نأتي إلى قاعدة مشتركة ينبغي أن يتفق عليها المشرقي والمغربي والشمالي والجنوبي، نعتبرها بوصلة الكل يحاول أن يتحاكم إليها، لن تجد هذا إلا في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ. «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي». فكل شخص يبحث عن سياسة العلاقات وكيف تدار، سواء في مناطاته الأسرية أو الاجتماعية أو الحياتية، كيف يمكن أن تدار العلاقات؟ بوصلتك الأساسية هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته، فهي السيرة الوسط العدل التي لا إفراط فيها ولا تفريط، هي التي لا يمكن أن يدخل عليها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، التي لا يمكن أن تكون خطأً بشكل من الأشكال.

وهذا بعد أرجو أن تستحضره ونحن نقرأ الآن السير وأحوال النبي صلى الله عليه وسلم في علاقاته؛ أن كل ما فعله عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يكون خطأً، وليس شيئاً يقبل التجربة، بل هو اليقين المطلق. إذا صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو اليقين المطلق الذي لا مارية فيه ولا شك فيه. وعليك أن تعرف أيضاً أن منهجه في سياسة العلاقات -أبي وأمي صلوات ربي وسلامه عليه- ليس منهجاً متعلقاً بجزيرة العرب كما يزعم بعض المتفلسفين اليوم من التربويين، بحجة أنه تصرف هكذا لأن جزيرة العرب يفضلون هذا النموذج من العلاقات، لكن المشرقيين أو المغربيين لا يحتاجون إلى مناهج أخرى.

فأصبحنا للأسف نستغني عن منهج محمد صلى الله عليه وسلم، ونقبل على الدراسات الغربية والدراسات الثقافية والأبحاث. وهناك دراسة بحثية في جامعة أكسفورد، ورد قام كذا؛ تجد الأذن تصغي لكلمة "دراسة بحثية"، لكن إذا قيل: فعل محمد صلى الله عليه وسلم، وتبسم محمد صلى الله عليه وسلم، وهكذا أخذ بيد زوجته، وهكذا مسح دموعها، وهكذا جلس وجعلها تركب على ركبته لتصعد، تصبح هذه الأمور لا يصغى لها ولا يسمع لها ولا يلتفت إليها، ويزهد في منهج النبي الأعظم عليه الصلاة والسلام على حساب الدراسات الغربية والثقافية والدراسات الجامعية التي جلها -لا أقول كلها- جلها لا تسمن ولا تغني من جوع، وإنما هي من أوضاع البشر التي كثيراً ما يدخلها الخطأ وقليلاً ما نجني منها الصواب.

ولذلك حري بالمؤمن الذي هو محب للصواب ويبحث عنه، ويريد بوصلة يتحاكم إليها في إدارة علاقاته، حري به أن يتشبع من منهج محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يسمع وأن يعي بقلبه وعقله قبل أي شيء، وأن يتدبر ويأخذ الفوائد ويستنبط. وهذا المنهج أيها الكرام، منهج النبي عليه الصلاة والسلام، لا يؤخذ بمجرد درس أو درسين، عليك أن تدمن النظر؛ تدمن النظر في الأحاديث التي تبين كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يسوس العلاقات الاجتماعية، وأن تعيد الحديث مرة ومرتين وثلاث، صدقني في كل مرة ستستنبط فائدة جديدة وموقفاً آخر؛ هنا يدل على أنه تبسم، وهنا فعل، وهنا أشار، وهنا تكلم.

كل فعل من أفعاله صلى الله عليه وسلم مليء بالحكمة، مليء بالإشارات، مليء بالفوائد. هذه القناعة الداخلية هي التي ستقودك إلى البحث، بقدر ما تكون مهزوزاً وغير مقتنع بمنهج محمد صلى الله عليه وسلم بقدر ما ستقل الفائدة وستتعامل مع سيرته بسطحية جافة، وبقدر ما تكون مقبلاً بنهم وبعقيدة وبانتماء وبحب للنبي عليه الصلاة والسلام، وثقة أنك تتكلم عن أعظم بشر في هذا الوجود وعن أعظم سيرة في هذا الوجود، بقدر ما ستكون مهتماً أن ترى الضحكة كيف كانت، والابتسامة كيف صيغت، والمشهد والمنظر بأدق تفاصيله؛ لأنك على ثقة تامة أنك تتكلم عن عصمة إلهية، وكأن هذه السيرة أراد الله سبحانه وتعالى أن تكون قبلة للبشر.

وأنت الآن المواقف التي سأسردها لك من سيرته، عليك أن تتأكد أن الله سبحانه وتعالى...

يريدك أن تتصرف بهذا التصرف، يريدك أن تتصرف مع زوجتك بهذه الطريقة، ومع ابنك بتلك الطريقة، ومع عدوك بهذه الطريقة. هذا منهج إلهي، وهذه قضية ننتبه لها إخواننا الكرام؛ أن سيرة محمد ﷺ تمثل مراد الله لنا، وكيف سبحانه وتعالى يريدنا أن نتصرف في كل هذه العلاقات وفي كل هذه المواقف.

فعليك أن تقبل إذا بكل محبة وانتماء وشعور بالاعتزاز بهذا الدين الذي لم يترك ﷺ صغيرة ولا كبيرة إلا أبداها، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. فنسأل الله سبحانه وتعالى، كما جمعنا على سيرته العطرة في مجالس الدنيا، أن يجمعنا معه في مستقر رحمته، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، إنه نعم المولى ونعم النصير.

الملف الأول الذي سنبدأ به أيها الكرام هو ملف الزواج، علاقة النبي ﷺ بزوجاته. العلاقات الاجتماعية كثيرة، ولكننا قسمناها كما ترون في الإعلان: العلاقة بالزوجات، ثم العلاقة بالأقارب بما يشملهم عمومًا، ثم العلاقة بالضيوف والجيران والأحباب والأصدقاء، والعلاقة بغير المسلمين، إلى آخر ما تم تقسيمه.

مجلسنا الأول سنحتفي فيه بعلاقة النبي ﷺ بزوجاته، وهذا الملف يهم الجميع؛ يهم الشباب المقبل على الزواج، ويهم المتزوج، ويهم من يريد أن يعدد، يهم الجميع. كل شخص منكم، إن شاء الله، من الشباب المقبلين والأخوات المقبلات، وكذلك المتزوجين والمتزوجات، ومن حتى من بلغ من الكبر عتيا، الكل يحتاج أن يتعلم من مدرسة النبي ﷺ. حتى لو كنت متزوجًا سابقًا، فعندك الكثير من الأخطاء، وهناك مساحة كبيرة للتعديل؛ لأنك ممكن تكون آثمًا. ممكن أنت الآن أصبحت متزوجًا خمس أو ست سنوات وتقود الحياة الأسرية بشكل خاطئ وغالط، وتأثم أمام الله سبحانه وتعالى عن تقصيرك في حقوق زوجتك، أو تأثم الزوجة في تقصيرها في حقوق زوجها.

وهنا إخواني، ما دمنا بدأنا في الملف الأول، ملف الزواج؛ الزواج عند كثير من الشباب -حتى الشباب المحافظ للأسف- أصبح في مأساة، مأساة الغفلة عن طبيعة الزواج وطبيعة هذه المؤسسة الأسرية، وما تحتاج من توازن وهدوء ووعي ونضوج. فكر الشباب والفتيات المقبلات على الزواج عن طبيعة هذه الحياة، لأن كثيرًا منا بسبب مدخلات السوشال ميديا والمسلسلات والأفلام التي ترعرع عليها الشباب، أصبح يظن أن الزواج هو مجرد رحلة على شاطئ البحر لقضاء الوطر وتلبية حاجات الجسد وانتهى المشهد، وأنه لا يوجد فيه مسلسل الحقوق والواجبات، وهذا غير صحيح.

الزواج والأسرة هما لبنة عظيمة من لبنات المجتمع، وأساس لتنشئة الأفراد الصالحين والبنات الصالحات. وإذا لم يتم إدارة هذا المشهد بشكل صحيح في العلاقة، سننشئ شبابًا مشوهين وبنات مشوهات، تدفع الأمة ثمن إخراجهم على هذه الأمة من سوء الأخلاق، والدخول في عوالم الصداقات والحب والغرام وغير ذلك من الفساد؛ والسبب أن الأسرة التي قامت لم تقم على منهاج محمد ﷺ في العلاقة الاجتماعية، وكيف تدار العلاقة الاجتماعية بالشكل الصحيح.

وبالتالي أصبحنا ملزمين كدعاة كمصلحين كتربويين، أن الكل يجب أن يبرز محاسن الإسلام ومحاسن منهج محمد ﷺ في إدارة هذا الملف بالتحديد؛ حتى يكون هناك نوع من الوعي للشباب المسلم وللبنات المسلمات، أن الزواج له ثمن. إذا أنت غير مستعد لدفع الثمن فلا تتزوج. الآن الزواج له ثمن من المسؤوليات والواجبات، عليك أن تتعب في الزواج. الزواج ليس فقط قضاء وطر أيها الشباب، ليس مجرد فكرة عابرة تلبي بها حاجة الجسد، الزواج يحتاج إلى شخص عنده تحمل للمسؤولية القادمة ومستعد أن يتعب من أجلها.

أنت تدخل على حياتك شخصًا جديدًا اسمه المرأة، وهذه المرأة لها نفسية وطبيعة ولها حقوق، وعليك مسؤوليات جديدة تنضاف إلى حياتك. كثير من شبابنا هو غير مستعد لتحمل مسؤوليات الزواج النفسية والاجتماعية والمالية، وبالتالي يريد زواجًا سريعًا وتحقيق وطر سريع، ثم إذا طالبناه بدفع الثمن لا يريد أن يدفعه، بالتالي تنشأ الخلافات، وبعد سنة أو سنتين للاسف تجدنا على أبواب المحاكم. لماذا؟ والله يا شيخ قالت لي وهي قال وهو فعل، وهي فعلت. نعم، أحيانًا يحصل طلاق، والطلاق موجود في شرع الإسلام لكنه آخر الحلول، «أبغض الحلال إلى الله الطلاق»، وآخر الحلول وليس أول الحلول.

يجب أن نتخلص من هذه الهشاشة النفسية من خلال إنشاء جيل مسلم يعي ما معنى الزواج وما حقوقه وواجباته وما يترتب عليه. حقيقة مدرسة محمد ﷺ مدرسة عظيمة بهذا الجانب. واليوم سنذهب برحلة شيقة في أحاديث النبي ﷺ وتصرفاته في إدارة هذه العلاقة ونتدارسها معًا؛ لنأخذ ولنستفيد ولنستمتع ولنتلقى ولنتأدب. إياك أن تسمع فعل النبي ﷺ كذا وتقول: لا والله هذا أنا لست مطالبًا به، أنت مطالب به.

وهنا أريد قبل أن أدخل أن أشيل قضية أن كثيرًا منا يتصرف تصرفات خاطئة في الحياة الأسرية ويلبسها ثياب الشرع؛ يعني بتيجي تقول يا أخي أنت تتصرف بهذه الطريقة، أقول لك: يا أخي هكذا الدين؟ والله يريد أن يكون جامدًا هكذا؟ لا يا أخي، مَن قال لك أن الدين قال هكذا؟ أسوأ شيء أنك تقصر في إدارة العلاقة الزوجية وتلبس تقصيرك ثياب الدين. لسه على الأقل أنت مقصر ونقول عندنا تقصير، لكن في إنسان مقصر يقول لك: والله يا شيخ أنا مقصر وأسأل الله أن أصل إلى منهج وأخلاق النبي ﷺ، هذا يرجى له السلامة.

لا، الذي يزعجني المقصر الذي يلبس تقصيره ثياب الدين ويقول لك الدين يقول هكذا، والدين بريء تمامًا من فعله ومن طريقة معاشرته لزوجته وعلاقاته الاجتماعية، الدين ما قالها، أنت الذي تقول هكذا، فلا تلبس تقصيرك في حق زوجتك، أو تقصيرك أنت أيتها المرأة في حق الزوج، ثياب الدين. علينا أن نعرف ما هو الدين، وما هي أخلاق النبي ﷺ، وما هي الأدبيات، ثم كل واحد منا يقيس نفسه على هذه المسطرة ليعرف: كم أنا مقترب من مدرسة النبي ﷺ وكم أنا مبتعد عنها؟ هل أنا فعلاً متمسك بأخلاقياته؟ إذا عندي تقصير أحاول أن أكمل، وإذا لم أستطع الكمال أعترف بالتقصير، أما أن يسير كله إن شاء الله بخير إلا الذي يقصر ويكلب تقصيره بالدين، فهذا ما أخشاه على كثير من الشباب المتدين.

مجلس اليوم سنتكلم فيه عن ثلاث نوافذ كما يقولون؛ النافذة الأولى سنتكلم عن صور من حياة النبي ﷺ مع زوجاته، يعني دعونا ندخل في البيت النبوي، ننظر كيف كان النبي ﷺ مع زوجاته في البيت، في الحياة الاجتماعية، ثم بعد ذلك.

سننطلق إلى تربية النبي ﷺ لزوجاته وحرصه على أن يرفع من مستواهن الديني والمعلومات والقيم، ثم بعد ذلك لعلنا نتطرق إلى بعض المشاكل الزوجية التي حصلت في بيت النبوة وكيف سعى النبي ﷺ لمعالجتها، بما طبعًا يسمح به الوقت.

الكتاب الذي بشكل عام يستفاد منه أو تستقى منه مادة الدورة كتاب للشيخ محمد صالح المنجد، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفرج كربه وكرب جميع علمائنا والدعاة المصلحين. الكتاب سيأتي الأسبوع القادم، الإخوة قدموا به من الشحن من بيروت لكنه سيصل، قالوا لنا نهاية الأسبوع، ليس سهلًا هذه الأيام توفير الكتب، فهذا الدرس مشرعنا عاد كما هو، وإن شاء الله الدرس القادم تكون المصنفات بين أيديكم بإذن الواحد الأحد.

سنبدأ بالنافذة الأولى: صور من بيت النبوة وفي علاقة النبي ﷺ مع زوجاته. أول قضية إخواني: النبي ﷺ كم كان متزوجًا؟ هذه معلومة أساسية. هو تزوج إحدى عشرة امرأة، ماتت اثنتان في حياته: خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وزينب بنت خزيمة، والباقي التسع عشن بعد وفاته ﷺ. إذًا أنت تتكلم عن تسع زوجات عشن معه أكثر الحياة.

تسع زوجات استطاع النبي ﷺ أن يسيطر على العلاقة الأسرية معهن، وبعض الشباب اليوم واحدة مش قادر يسيطر عليها، مش قادر يعطيها الحقوق ويقوم بالواجبات، ويشكي وييلهث: «والله يا شيخ تعبتني»، «والله يا شيخ ما أنا قادر». النبي ﷺ تسع نساء استطاع أن يعطي كل واحدة حقهن في الفراش، وفي الابتسامة، وفي المساعدة، وفي المهر، وفي كل شيء. وأنت يا عبد الله امرأة واحدة أعجزتك؟ وهذا يدل على أنه في نوع من الهشاشة، في نوع من الضعف، في نوع من التضجر، أنك لا تريد أن تقوم بالمسؤولية.

أعرف بعض الرجال متزوج أربعًا وعنده من الوقت والانبساط والسعة والفرح أكثر من شاب متزوجًا واحدة في واقعنا. ولو أباح له الإسلام أن يأخذ الخامسة والسادسة ما قصر، في أناس يحسنون إدارة الحياة فتسير معهم الحياة بسلاسة، وفي إنسان متوتر ولا يحسن إدارة الحياة، فحتى لو كانت نصف واحدة لتنكد معها، ليس واحدة، لأنه لا يحسن إدارة عجلة الحياة. فتفهم وتبصر من منهج محمد ﷺ.

هذه الفكرة الأولى في بيت النبوة: تسع زوجات في حياة النبي ﷺ استطاع أن يعطي كل واحدة حقها وخرج من الدنيا وهن راضيات عنه، بأبي هو وأمي، صلوات ربي وسلامه عليه. هؤلاء النسوة التسع كان يعطيهن في كل يوم، كان لهن ثلاث جلسات في اليوم، وهذا أقوله للشباب الذي لا يعطي زوجته مجلسًا واحدًا ودائمًا يشكو ودائمًا ماسك الجوال وما هو قادر يجلس معها.

هؤلاء النسوة التسع كان لهن من بيت النبوة ومن حظهن من النبي ﷺ في كل يوم. وهو كل يوم إخواني لما نقول هذا في السيرة، في كل يوم طبيعي، لأنه أحيانًا النبي ﷺ يكون في الغزوة يكون معه واحدة أو اثنتان، نحن نتكلم عن الأيام الطبيعية التي يكون فيها ﷺ داخل المدينة النبوية.

المجلس الأول في الصباح، المجلس الثاني بعد العصر، والمجلس الثالث بعد العشاء. دعونا ننظر في الأحاديث. الحديث الأول رواه الطبراني في المعجم الأوسط عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح جلس في مصلاه يجلس حتى الشروق، وجلس الناس حوله حتى تطلع الشمس، ثم بعد ذلك يدخل على نسائه امرأة امرأة، يلف على الحجرات يسلم عليهن ويدعو لهن، فإذا كان يوم إحداهن كان عندها». إذًا بعد شروق الشمس النبي ﷺ يطوف على البيوت التسع، يسلم، يسأل عن أحوالهن، عن أخبارهن، ثم لما يكون اليوم الذي هو لفلانة يجلس عندها ويقضي نهاره في بيت عائشة أو في بيت حفصة على حسب الدور.

الآن في آخر النهار بعد العصر، تقول عائشة رضي الله تعالى عنها كما جاء في صحيح مسلم: «كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن». إذًا في بعد العصر لفة ثانية يدور على كل امرأة امرأة، وهنا يكون في دنو، والمراد بالدنو التقبيل واللمس العام، ولكن لا يكون هناك معاشرة؛ لأن المعاشرة إنما يكون لمن هي نوبتها. قالت عائشة: «إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن»، يعني يقترب من كل امرأة يمازحها، يضاحكها، يداعبها، يقبل كما قال شراح الحديث، ولكن لا تحصل المعاشرة. والدليل أنه لم تحصل المعاشرة ما جاء في الرواية الأخرى تقول عائشة: «بل يومئذ يطوف علينا جميعًا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس»، يعني من غير معاشرة حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها.

إذًا هذه الجلسة الثانية واللقاء الثاني في اليوم. يقول القرطبي رحمه الله عليه معلقًا على هذه الزيارة العصرية: «وإنما كان يفعل ذلك تأنيسًا لهن وتطيبًا لقلوبهن حتى ينفصل عنهن إلى التي هو في يومها ويتركها طيبة القلب». يعني هذا اليوم لعائشة لا بد أن تكون عائشة في هذا اليوم مسرورة تمامًا منه، وهذا اليوم لحفصة لا بد أن تخرج حفصة في هذا اليوم مسرورة، وقس على ذلك سائر الزوجات.

المجلس الثالث والأخير داخل اليوم، يقول أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه كما في صحيح مسلم: «كان للنبي ﷺ تسع نسوة، فكان إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسع»، يعني هو كل امرأة يجيء دورها كل تسعة أيام مرة. فكن يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها، إذًا من هديه أن يجعل النساء كلهم يجتمعون، اليوم الدور لعائشة كل النسوة يجتمعون ببيت عائشة بالليل، هكذا ساعة يتكلم مع كل زوجاته، اليوم الثاني عند حفصة، اليوم الثالث عند جويرية، وهكذا. فكن في كل ليلة يجتمعن في بيت التي هو يومها.

إذًا كم مرة جلس النبي ﷺ مع زوجاته في اليوم الواحد؟ عندك ثلاث جلسات. ليس ضروريًا أن تكون الجلسة ساعتين وثلاث، هذا أكيد في مقتضى الأعمار، لكن هذه الجلسات المتفرقة لو كل جلسة ربع...

ساعة فيها من الضحك والمداعبة والتقبيل، وما فيها خلص أنت شفيت قلبها وشفيت غليلها، شعرت أنك موجود. أما بعض الرجال، إخواني، وجوده في المنزل كلا، وجود بعض الشباب، وهذا يقع في كثير من الإخوة، وهذا انتبه له؛ وجوده في المنزل كلا، وجوده إذا دخل البيت بالكاد يسلم، بالكاد، ثم يمسك جواله وهاتفه الشخصي ويبقى يتصفح، والزوجة على كنبة وهو على كنبة، ويبقى يتصفح الريلز والمقاطع حتى يأتي وقت النوم فينام بدون مداعبة ولا سلام.

ثم بعد ذلك تشكو الزوجة من جفاء زوجها، أو الزوج من جفاء زوجته؛ شيء طبيعي لما تكون العلاقات هكذا جافة، إنما هي مجرد هواتف جوال في أيدي الأزواج والزوجات دون محادثة، دون فضفضة، دون كلام، دون مبادرة أطراف الحديث، هذا كله أشكال. إذا عليك أن تعطي زوجتك حقها اليومي في الجلوس معها؛ هذا بدك تفهمه يا أيها الشاب، ما تيجي تقول لي: "أوف يا شيخ، والله المرأة بدها كل يوم أجلس معها؟"، شيء طبيعي عموماً.

فكان النبي ﷺ إذا ما كان مسافراً في حرب أو معركة، فكان يجلس مع زوجته كل يوم؛ بدك تتحمل. إذا أما تأتي تقول أنا فقط أريد زواج بدون جلسات، لا، معناته أنت بعد لم تفهم الزواج؛ هذه أنثى دخلت إلى حياتك، عليك أن تعطيها كما أعطاها النبي ﷺ، إذا لم تستطع أن تصل إلى كماله فعلى الأقل شيء من هذا وهذا، كان يفعله. كانت عائشة تقول: «كان يمر بهن»؛ هذا دلالة على أنه منهج، يعني كأنه برنامج يومي يحافظ عليه النبي ﷺ. وقضية أن يتحمل الشاب، إخواني، مسؤولية إسعاد الطرف الآخر، هذا شيء يجب أن تفهمه قبل الزواج، حتى تدخل على الزواج وأنت تعرف أن الزواج مسؤولية، لا هو جهد، هو هم جديد في الحياة، لكنك تثاب عليه إن شاء الله.

الآن كما قلنا، كان عنده تسع نسوة ومع ذلك كان يعطي كل واحدة في ليلتها حقها تماماً، بل كان أحياناً في بعض الليالي يطوف ويعاشر جميع نسائه في ليلة واحدة. يقول أنس بن مالك في الحديث الصحيح: «أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة»، وهنا الطواف بمعنى العِشرة، وكان يغتسل غسلاً واحداً عند آخرهن، يعني هؤلاء التسعة في ليلة واحدة يجامع الجميع ثم يغتسل عند آخرهن وصولاً. وكانوا يقولون إنه ﷺ أُعطي قوة ثلاثين كما ذكر ذلك ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى.

يعني هو له من الخصائص البدنية ما ليس لنا، لكن أنت على الأقل في موضوع الفراش -ولن أطيل في ذلك- في موضوع الفراش عليك أن تعرف أن هذه الأنثى لها حق في الفراش، فإياك أن تهجرها. فبقدر ما تكون علاقة الفراش علاقة صحيحة وقويمة، بقدر ما يكون النهار جيداً، وبقدر ما تكون علاقة الفراش علاقة متوترة غير صحيحة، بقدر ما يظهر هذا النكد في أمور ثانوية في الحياة؛ في كاسة الماء: "ليش تأخرت؟". هي تحاول أن تظهر توتر علاقة الفراش من خلال ماذا؟ حياء المرأة حياء، وإذا رأتك تقصر في حق الفراش هي لن تصرح بهذا، لكن سيظهر هذا من خلال المشاكل الجانبية التي تثيرها يميناً وشمالاً. أنت بتفكر مشكلتها في كاسة ماء، ليش ما نظفت؟ ليش ما كذا؟ هي هذه المشاكل تثيرها بسبب مشكلة أخرى. والنبي ﷺ كان حريصاً على إعطاء حق الفراش كاملاً لزوجاته؛ لأنه يعلم، ويعلمنا ﷺ، أن هذا الحق كلما اكتمل كلما سارت الحياة الزوجية بتوازن وهدوء، ولذلك كان يحرص على مثل هذه العلاقات.

طبعاً هنا بدك تستحضر أن النبي ﷺ الذي نتكلم عنه، من سيسمع كلام اليوم سيظن أن النبي ﷺ فقط طول حياته ملف الزوجات؛ ينسى أنه قائد المعركة، وأنه المبلغ، وأنه المجاهد في سبيل الله، وأنه الذي عنده مشاكل مع أقوام آخرين يريد أن يحل، وأنه أمير المدينة، وأنه المسؤول عن كل الأشكال. ينسى هذا بقدر ما تجد الكمال في هذه العلاقة، وأنت لا مسؤول عن مدينة ولا عن حارة ولا عن قرية ولا عن مسجد، مسؤول فقط عن أربعة بأربعة اللي هي غرفة النوم، وأنت ما أنت قادر تعطي هذا الحق. النبي ﷺ مسؤول عن أمة كاملة وكان يعطي الحق بطريقة، لو نظرت في الأحاديث تقول ﷺ فقط كان مشغول في هذا الملف، إنه ليس الأمر كذلك، لكن ضعفك أنت يوهمك بهذا التوهم.

أي من أخلاقه ﷺ حتى يقولون في ليلة من الليالي، أو في يوم من الأيام، تزوج النبي ﷺ بزينب بنت جحش؛ يعني انظروا، حتى في يوم زواج بأمرأة جديدة ما قصر في حق باقي الزوجات في السؤال عنهن. يعني بعض الشباب متزوج واحدة، عاد بدَّه يضيف واحدة ثانية، يقصر في حق الأولى شهرين ما يسلم عليها ولا ينظر في أمرها ويظن أنه هذا هو الصح تربوياً حتى ما يجرح مشاعرها؛ كلا. النبي ﷺ لما أراد أن يعدد -انظر من يريد أن يعدد- لما عدد، كانت ليلة بناءه بزينب بنت جحش، الآن دخل بها ليلة البناء الجديدة، فدار على نسائه اللاتي توات عند؛ فدخل على عائشة، قال: فدخل النبي ﷺ حُجرة عائشة في ليلة الدخلة فقال: «السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله».

وشوف توازن عائشة وتوازن الزوجات، الآن إيش رأيك كيف سيكون حال المرأة الأولى في ليلة الدخلة بالزوجة الثانية؟ تكون حالة توتر عالٍ جداً، الآن متزوج عليها، تضيف امرأة جديدة، فبالتالي شيء طبيعي الغيرة تكون واصلة إلى أعلى مستوياتها، يعني المرأة مش مستعدة تتكلم معك منيح، عذمتك، ما طلبت الرجوع لبيت أهلها. شوف توازن الزوجات، وهذا أيضاً رسالة للنساء. تقول عائشة: فقلت: «وعليكم السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك؟»، تسأله كيف كانت ليلة الدخلة يا رسول الله بارك الله لك؟ قال: فقرأ حُجر نسائه كلهن؛ أي تتبع دار على كل حُجرة من حجر نسائه في ليلة دخلته بزينب، «السلام عليكم ورحمة الله»، وكل زوجة تسأل نفس السؤال: "كيف وجدت أهلك؟"، "إن شاء الله امرأة زينة، طيبة، جميلة، سعدت بها؟". فهنا يقول القرطبي رحمه الله معلقاً على هذا المشهد يقول: فدوران على حُجر نسائه في هذه الليلة يتفقد أحوالهن ويجبر قلوبهن، فيها نوع من جبر الخاطر، إضافة شيء جديد لهن، واستدعاء لما عندهن من أحوال قلوبهن لأجل تزويجه، عارف بدي إياه يفضفض، خليها تفضفض تحكي ما عندها. قال: ولذلك استلطفنه بقولهن له كيف...

«وجدت أهلك يا رسول الله»، فضفضت وتكلمت بما عندها. صلى الله وسلم وبارك.

قال القرطبي: «وصدور مثل هذا الكلام عنهن في حال ابتداء اختصاص الضرة الداخلة به يدل على قوة عقولهن وصبرهن». يعني إن زوجتك السابقة تقول لك: كيف وجدت زوجتك الجديدة؟ إن شاء الله طيبة ومزيونة. يقول لك القرطبي: هذا يدل على نضوج عقلي عند جميع أمهات المؤمنين؛ أنا قادرة على أن تحكم عواطفها، ليست عندها غيره فقط، بل في غيره عاطفة، لكن العاطفة لا تغلب العقل، بل تتوازن وتعرف كيف تجبر الخواطر، مما يدل على قوة عقولهن وصبرهن وحسن معاشرتهن، وإلا فهذا موضع الطيش. يقول القرطبي: ليلة الدخلة بالنسبة للزوجة القديمة هذا مكان يطيش فيها عقلها، وإلا فهذا موضع الطيش والخفة للضرائر.

لكنهن طيبات لطيب صلوات ربي وسلامه عليه، إذاً هذه امرأة سوية استطاعت أن تدير مشاعرها. لكن عليك أن تفهم شغلة؛ إدارة المشاعر عند زوجاته في ليلة الدخلة هذه الجديدة هو أيضاً جزء من نجاحه، ما هو اهتمامه السابق بهن؟ يعني لما أنت تحضر وتأتي بامرأة جديدة وأنت مقصر تماماً في حق المرأة الأولى، والله لا تقول لماذا عصبت، ولا تقول لماذا غارت، ولا تقول لماذا انفعلت؛ لأنك أصلاً مقصر في حقها، فجاءت الثانية على جرح.

بينما لما تأتي الثانية وأنت قد أديت حق الله في الأولى، تكون الأولى أصلاً مسرورة منك، ليس عندها قدرة تتكلم عنك بشيء؛ لماذا؟ لأنها تقول: والله أبو فلان ما قصر في حقي. صح في غيرة، التعدد موجودة، لكن هي لا تجد مساحة تقول: والله قصر في العشرة، قصر في المال، أنت مادي الحقوق زيادة كما يقولون. وهذا الذي ساعد زوجات النبي ﷺ على تقبل هذه الفكرة، أليس كذلك؟ بل هي تسأل النبي ﷺ كيف وجدت الأمور، لأنه لم يقصر معهن سابقاً.

وهذا أنصح به الشاب، وأنا ما علاقة بالتعدد يا إخواني، بس أنا أنصحكم لمن يريد يفكر في هذا الميدان؛ هو أن التعدد لا يكون على أرضية خاطئة، بل يكون على أرضية صحيحة. لا تهجر الأولى وتسيء لها ثم تأتي تقول لي: والله يا شيخ أريد التعدد! طب ما أنت تريد التعدد على جرح، فشيء طبيعي أن يهدم بيتك الأول والثاني بسبب توتر العلاقات. طبعاً في إشكالات أخرى في واقعنا المعاصر، أنا أفهم التربية المعاصرة التي تصور أن التعدد عيب وأشياء، لكن ليس هذا موضع معالجة كل المشهد، لكن فقط أنبه على هذه القضية.

أي النبي ﷺ من هديه أيضاً أنه كان في جلسات، ألم نقل إنه كان يجلس مع زوجاته؟ كان يبيت عند امرأة منهن، وكما اتفقنا عندما يبيت عند هذه المرأة في يومها ونوبتها كان يعطيها مساحة من الحديث. كما جاء في الحديث، ابن عباس لما مات عند ميمونة فجلس يتحدث مع أهله ساعة، وفي حديث عائشة أن النبي ﷺ بات عندها في ليلة فحدثته بحديث أم زرع. بتعرفوا حديث أم زرع؟ عائشة سولفت سالفة إحدى عشرة امرأة اجتمعوا، كل واحدة أقسمت أن تخبر عن حال زوجها وعن أخلاقه. هذه قصة سمعتها عائشة فأحبت في ليلة كان النبي ﷺ عندها أن تحدثه بقصة هؤلاء الإحدى عشرة امرأة، منهن امرأة اسمها أم زرع.

حكت له ماذا قالت الأولى، وماذا قالت الثانية، وماذا قالت الثالثة، والرابعة والخامسة والسادسة، حتى جاءت إلى أم زرع؛ كيف وصفت زوجها؟ ما قدرتك أن تتحمل قصص زوجتك الواقعية! ما قدرتك أن تتحمل قصص الزوجة خاصة لما يكون الموضوع بالنسبة لك غير مهم؟ يا بني الناس، ما السالفة هذه؟ نجلس نكلفنا عن فلان وجارتك! النبي ﷺ الذي يوحى إليه من السماء والمشغول بأمر الأمة والغزوات، كان يجد المتسع أن يسمع قصة أم زرع كاملة، والإحدى عشرة امرأة، وكل واحدة عائشة سولفت ماذا حكت وماذا فعلت، ويسمع ويبتسم حتى وصفت أبا زرع.

حتى جاءت أم زرع وصفت زوجها أبا زرع، وكان هو أحسن هؤلاء الأزواج، فلما ختمت عائشة القصة قال لها: «وكنت لك كأبي زرع لأم زرع غير أني لا أطلقك»؛ لأن أم زرع وصفت زوجها أبا زرع بأحسن الأوصاف، لكن ماذا فعل فيها في الآخر؟ طلقها، هكذا كانت نهاية القصة. فالنبي ﷺ قال لعائشة: «وكنت لك كأبي زرع لأم زرع غير أني لا أطلقك»، وشوف هذا التطمين العذب الجميل.

كثير من الشباب يهدد زوجته دوماً بالطلاق، صحيح؛ والله يا فلان إذا تذهب إلى دار أهلك أنت طالق، وإذا تخرج عند دار فلان أنت طالق. دائماً في مجتمعنا كلمة الطلاق على اللسان على كل صغيرة وكبيرة. النبي ﷺ بالعكس يطمئن عائشة: «أنني لن أطلقك». هل عندك قدرة على أن تطمئن زوجتك؟ لأن الزوجة عادة هي تخاف أيضاً من هذا البعد ومن الطلاق. فالنبي ﷺ يقول لعائشة: «أنا لك كأبي زرع لأم زرع» من حسن الأخلاق والعشرة، وعلاوة على ذلك «لن أطلقك».

شوف كيف الطمأنينة تزرع المحبة وتعمقها وتجذرها في البيت الأسري، بخلاف بيوتنا التي تقوم على التهديد وتقوم على التخويف، وأنه في خطوط حمراء، وإذا رأيتك تفعلين كذا فغداً عند بيت أهلك، وما شابه من العبارات التي أبداً لا تدل على أنك رجل. إياك بعض العادات الجاهلية والتقاليد الجانبية الريفية التي تعطيك أن هكذا الرجل يكون شديداً ويُري زوجته العين الحمراء؛ هذا ليس من منهج الإسلام في شيء.

الآن قضية وفاء النبي ﷺ لزوجاته، وإظهار هذا الوفاء وإظهار الحب والتصريح بأنه يحب زوجاته. بعض الشباب قد يجد التحرج من التصريح بأنه يحب زوجته، ما إن النبي ﷺ كان يصرح أمام الرجال بمحبته لزوجاته. فلما تكلم عن خديجة بعد أن توفيت، قال عبارة جميلة: «إني رُزقت حُبها». وهذا بعد أن توفاها الله، تكلم هذا أمام الجميع وبكل صراحة أنه يحبها. كذلك لما سأله عمرو بن العاص: يا رسول الله، من أحب الناس إليك من الموجودين؟ قال: «عائشة». يعني عادي الرجل يا شيخ يصرح أنه يحب زوجته؟ إي نعم، هذا منهج الإسلام، ليس عيباً حتى أمام الرجال أن تقول والله أم فلانة الله يرضى عنها، أنا أحبها.

هذا منهج النبي ﷺ. نحن نضع أحياناً حواجز وهمية، حواجز أنه والله هذا رجل مسكين، هذا يقول لك إنه يحب زوجته؛ أنا آخر مرة قلت لها إنه يحبك قبل خمس سنين! يعني بعض الناس يظنون أن هذه تدل على المرجلة، وهذه بالعكس تدل على...

إنك إنسان فيك لؤم، سامحني هي ليست المراجلة أن تفتخر بهذه الأمور؛ منهج النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الرجال، بأبي هو وأمي، أن الرجل يصرح بحب زوجته حتى أمام الرجال. إذا جاء السياق ولم يكن مطلوبًا منك كل ما تجلسه، بل إذا جاء السياق وكان مناسبًا صرح وقل ولا تستحي، ترى هذه تدل على رجولتك ومروءتك وأنك إنسان صاحب عشرة طيبة.

ولذلك لما يتكلمون عن عشرة النبي ﷺ، حسن وفاء النبي ﷺ لخديجة بعد أن توفاها الله؛ والله شيء عجيب حجم هذا الوفاء من النبي الأعظم لصحبته وعشرته لخديجة. لماذا خديجة بالتحديد؟ أنتم تعرفون كيف كان موقفها مع النبي عليه الصلاة والسلام في بداية الدعوة؛ لما زملوني ودثروني، هي التي حوته بقلبها وحجرها ومالها وبكل شيء، وأعطت القوة والدعم النفسي إلى أن قام النبي عليه الصلاة والسلام بأمر الدعوة عشر سنوات بصحبة هذه المرأة العظيمة.

ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا ألا ننسى العهد، وأنا أرى أننا ننسى الوفاء؛ بعض الإخوة والأخوات لما يختلفون في الحياة الزوجية قد يحصل طلاق أو يحصل وفاة، تجد كل شخص ينشر غسيل الآخر بشكل لئيم، ولا يعرفون أن العشرة لها أثرها، وأن الإنسان النظيف النقي لا ينسى العشرة على ما في الحياة الزوجية من الأخطاء.

فهنا من مشاهد الوفاء، تقول عائشة رضي الله عنها: «ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة». طبعًا عائشة ولدت قبل وفاة خديجة بسنتين أو ثلاث في أحسن الأقوال، يعني لما كانت خديجة عمرها خمسون سنة أو توفاها الله، عائشة كم كان عمرها؟ سنتين أو ثلاث، صغيرة؛ فهي تغار بعد أن كبرت عائشة وأصبحت تعي، تغار من خديجة مع أن خديجة ماتت من زمان، ولكن هذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام كثير ما كان يذكر خديجة.

تقول عائشة: «ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة، وما رأيتها هي تصرخ»، قال عمري ما شفتها في حياتي بنت صغيرة، ولكن كان النبي عليه الصلاة والسلام يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاءً ثم يبعثها في صديقات خديجة، يتعاهد صديقات زوجته. شوف الوفاء، يتعاهد صديقات زوجته، فتقول عائشة: «ثم يبعثها في صديقات خديجة».

فربما قلت له أحيانًا، عائشة بتفور معها الغيرة، فتقول له كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؛ يا رسول الله ما في غير خديجة؟ دائمًا تتكلم عنها عليه الصلاة والسلام، فيقول: «إنها كانت وكانت وكانت»، فيذكر من مآثرها ومحاسنها، «وكان لي منها ولد»، وهذه لعائشة، «وكان لي منها ولد»، يعني كل أولاده أصلاً من مين؟ من خديجة إلا إبراهيم الذي كان من ماريا القبطية، وأما زوجات النبي عليه الصلاة والسلام ما أنجب له أيضًا.

وفي موقف آخر تقول عائشة: استأذنت هالة بنت خويلد، من هالة بنت خويلد؟ أخت خديجة، سيدتنا خديجة لها أخت اسمها هالة. استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على النبي عليه الصلاة والسلام، يعني طرقت الباب فعرف استئذان خديجة، رجعت الذكريات بالنبي عليه الصلاة والسلام، فالمثل يقول إن الأخت تشبه أختها، فلما طرقت الباب وسمع نبرة تذكر صوت خديجة وتذكر طرقة خديجة فقال فارتاع لذلك.

كيف ارتاع؟ كيف واحد يقول لك تكركب شوي، كأنه تحركت فيه المشاعر بأبي وأمي، فقال عليه الصلاة والسلام: «اللهم هالة»، يعني إن شاء الله تكون هالة مبسوطة أن أخت خديجة جاءت، مع أن في النهاية ليست محرمة له، صحيح هي ليست محرمة لكنه من حسن عهده يتذكر برؤيتها خديجة، فقال: «اللهم هالة».

قالت عائشة: فغرت عائشة، فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشطقين هلكت في الدار، يعني قصدها بالعجوز خديجة؛ ليش بتظل تتذكر هي العجوز حمراء الشطقين؟ يعني أسنانها سقطت. ما معنى حمراء الشطقين؟ يعني أسنانها سقطت. يا رسول الله، عاد أنت تتذكر امرأة من نساء قريش عجوز وكانت أسنانها واقعة وقد هلكت في الدهر الغابر وقد أبدلك الله خيراً منها، يعني أنا موجودة!

فقال فتمع وجهه، لا، ما أعجب هذا الكلام! النبي عليه الصلاة والسلام تغيرت معالم وجهه، فتمعّر وجهه تمعراً ما كنت أراه إلا عند نزول الوحي عند الأشياء الخطيرة، فقال: «ما أبدلني الله خيراً منها»، لا، حتى أمام عائشة التي كان يحبها هو صريح أنه ما في أحد مثل خديجة، شوف الوفاء: «ما أبدلني الله خيراً منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء».

فقالت عائشة: «والذي بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا إلا بخير». خلاص، عائشة حفظت الدرس أن خديجة خط أحمر، مهما فعلت يا عائشة وحاولت المنافسة، خديجة خط أحمر لا يمكن الاقتراب من هذه الخطوط، خديجة موقفها وصلابتها في بداية الدعوة لم يفعله أحد من نساء النبي ﷺ بعد ذلك.

أيضًا تقول عائشة: كان النبي عليه الصلاة والسلام يكثر ذكرها لخديجة، وربما ذبح شاة ثم قطعها كما قلنا في صديقات خديجة، هذا مر معنا حديث أنس بن مالك أيضًا، كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أتي بالشيء، يعني جاء طعام جاهز يقول: «اذهبوا به إلى فلانة، فإنها كانت صديقة لخديجة». يعني هذا هو البعد، لماذا يا رسول الله نهدي لفلانة؟ لأنها كانت صديقة زوجتي، الله يرحمها.

هذا قضية أن تحافظ على الوفاء للزوجة، خاصة إذا كان بينك وبينها ألفة وحياة وربنا توفاها قبلك. بعض الرجال أقول لك: الحمد لله اللي ماتت خلينا نعد نتزوج واحدة جديدة، لا، أنت ما يكون همك أن تخلص من اللي عندك وتجدد، بعض الرجال بعد أن طول عشرته بزوجته يقول لك: أنا هي منعتني أجدد يا شيخ، عاد استنى إن شاء الله لعل الله يأخذ ودائعته فيحسن الأحوال، تمام؟ لا ما يصلح، حاول أن تتعلم الوفاء وتتعلم الأخلاقيات في الوفاء للزوجات من مدرسة محمد ﷺ.

في يوم من الأيام جاءت عجوز إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو عندي، تقول عائشة: دخلت عجوز والنبي عليه الصلاة والسلام في حجرة عائشة، فالنبي عليه الصلاة والسلام دخلت العجوز تستأذن، فقال: «من أنتِ؟»، فقالت: أنا جثامة المزنية، فقال: «بل أنتِ حسانة»، غير اسمها جثامة ليس اسماً مستحسناً فغيره مباشرة، قال: «بل أنتِ حسانة المزنية»، كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟ فقالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله. طبعًا عائشة تشاهد النبي عليه الصلاة والسلام يسأل هذه المرأة كيف صحتها وشو.

أخباركم؟ وزمان لم نلتقِ. هي امرأة عجوز، طبعاً استبرأ شابة فقالت: «فلما خرجت قلت يا رسول الله، تقبل قبل على هذه العجوز». هذا الإقبال، يعني عائشة الغيرة دائماً فعال، هذا الإقبال على هذه العجوز والسؤال والطمأنينة. فقال: «إنها كانت تأتينا زمان خديجة»، و«إن حسن العهد من الإيمان».

شوف ما أجمل هذا؛ هي المرأة سألها ووقف معها لأنها كانت زمان خديجة تزور بيت النبي ﷺ في مكة، وإن حسن العهد بصديقات زوجتك التي توفاها الله وقبضت، إن حسن العهد من الإيمان. هذه الأمور إخواني ليست فقط رجولة، هي إيمان وأخلاق، وشعبة من شعب مدرسة محمد ﷺ. كثير من الرجال اليوم يضيق على زوجاته في صديقاتها ويمنعها ويحرمها فقط لأنه لا يريد ذلك، "ما بدي البيت يتقذر"، "لا أريد أحداً يدخل"، "أنا لست فاضياً"، "هؤلاء سيخربونك". والله إذا كانوا فعلاً يفسدونها معك الحق الكامل، لكن إذا كانت من النساء الصالحات أو بيئة إيمانية علمية خيرة أمثال هؤلاء، يرغب في وصلهن، بل كان يتعاهدهن رسول الله ﷺ بعد وفاة خديجة رضي الله تعالى عنها.

ننتقل لموضوع آخر في بيت النبوة؛ النبي ﷺ كان من أخلاقه أنه كان إذا أراد أن يخرج من المنزل، فقط يعطي المفتاح، انظر كيف أخلاقيات التعامل والعشرة التي تعمل استقراراً في البيت، كان يقبل زوجاته ثم يخرج من المنزل. كان يبيت عند امرأة، ومن الأمور التي كان يفعلها أحياناً أنه كان مثلاً يقبلها ويخرج إلى السوق أو يخرج إلى المسجد.

عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي ﷺ قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ». عروة التابعي يقول عن عائشة، خالته عائشة تكون خالة عروة، فقال عروة لخالته: «والله ما هو إلا أنت التي قبلتِ»، فضحكت عائشة رضي الله تعالى عنها. إذاً قضية المداعبة وهذا الالتقاء الجسدي في لحظات معينة فيها جانب من تحقيق الاستقرار في هذه العلاقة.

أيضاً كان ﷺ يشرب من المكان الذي تشرب منه عائشة من الكأس، ويضع فمه من المكان الذي كانت تضع عائشة عليه فمها من اللحم؛ إذا كانت تنهس لحماً من نفس المكان الذي شربت عائشة يشرب، ومن نفس المكان الذي نهست عائشة تنهس. قالت عائشة: «كنت أشرب وأنا حائض».

المرأة تتغير نفسيتها، بدك تفهم هذا البعد في الحيض، وهي العذر الشرعي؛ المرأة تتغير نفسيتها ومشاعرها وأحاسيسها وتحتاج من الدلال والإقبال وتفهم مشاعرها ما لا يكون في الوضع الطبيعي. كثير من الشباب لا يحسن فهم هذا الموضوع، فيظن أن المرأة في الحيض تتَدلّع، أو أن أمورها ليست صحيحة أو تبالغ، فيبدأ تزداد قسوته في الحيض، وهذا خطأ. النبي ﷺ بالعكس كان يزداد ليناً في فترة الحيض. تقول عائشة: «كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه من نفس الجهة التي شربت». يتقصد أن يريها ذلك، أنه يضع فاه على موضع فمها.

قالت: «وكنت أتعرق العرق» -والعرق هو عظم عليه قليل من اللحم- «وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ» بتناول العظمة التي عليها قليلاً من اللحم للنبي ﷺ، فيضع فاه على موضع عائشة، يعني يتتبع مكان فمها. هذا البعد في أخلاقيات النبي ﷺ يعطيك أنه كلما اقتربت المسافة الجسدية والنفسية بينك وبين زوجتك، كلما كان هذا أدعى لاستقرار الحياة الأسرية. كلما أشعرت زوجتك أنك متقزز منها، أو من رائحتها، أو من المكان الذي تشرب منه، هذا يصنع جفوة ويصنع بعداً. حاول قدر المستطاع أن تكسر هذه الجفوة، وأن يكون هناك تقارب جسدي وبدني ونفسي بينك وبين زوجتك، فهذا أدعى لاستقرار هذه العلاقة.

أيضاً حتى السواك، كان يتسوك بالسواك الذي تستاك منه عائشة. وفي لحظات وفاته ﷺ دخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك، فالنبي ﷺ أمده بصره، مش قادر يتكلم من شدة المرض، فأمده بصره، فعائشة فهمت تريد أن تأخذه، فأشار: «إي نعم»، قالت عائشة: فأخذت السواك فقضمته بأسنانها ورطبته، ثم أعطته للنبي ﷺ فاستاك فيه. يعني ريق عائشة على السواك، والنبي ﷺ ما كان يشعر بالتقزز، بل كان هناك سعة نفسية عالية.

أحياناً في بعض القضايا، لست مطالباً أن تكون بنفس القوة، لكن حاول أن تعالج وأن تخفف منه، وعلى الأقل إذا كان عندك شيء نفسي تجاه هذه الأمور ألا تظهره أمام زوجتك، ألا تظهر أنك متقزز منها. حاول أن تتغافل، أن تبعد، لكن أن تصرح لها بأنك تكره أن تشرب من حيث شربت، فهذا خطأ سلوكي فادح يصنع مسافات يصعب جبرها.

بعد ذلك، في بعض الأيام كان ينام على فخذ عائشة. وفي إحدى الغزوات، أضاعت عائشة رضي الله عنها قلادتها، وهذا ربما نتكلم عنها بعد قليل، وكيف اهتمام النبي ﷺ حتى بالأشياء التي قد تبدو تافهة بالنسبة لكم كرجال لكنها بالنسبة للنساء مهمة. في إحدى الغزوات، كان النبي ﷺ عائداً، وعائشة أضاعت قلادتها، فأجلس النبي ﷺ جيشاً كاملاً بحثاً عن قلادة عائشة.

دخل أبو بكر على عائشة يعاتبها أنه أخر الجيش وعمل لنا القصة، قالت عائشة: «عاتبني أبو بكر وجعل يطعنني بيده في خاصرتي» يريد أن يؤلمها ليشعرها بالخطأ لأن الجيش كله واقف من أجلك يا عائشة. قالت: «فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ ورأسه على فخذي»، يعني عائشة مع القرصات، لا تريد أن تتحرك حتى لا تزعج زوجها وحبيبها النبي ﷺ الذي كان واضعاً رأسه.

رأسه على حجرها وبكل هدوء. نحن الواحد فينا لو زوجته أخرته نصف ساعة عن المشوار، كيف يكون التوتر عنده؟ في منزله، تشعر وكأن في شيء عظيم. الجيش كله، إخواني، كانوا في موقف يبحثون فيه عن دور، عن قلادة عائشة، كل الجيش واقف انتظارًا لقلادة عائشة أن يجدها أحد، والنبي ﷺ لم يكن متوترًا ولا شاعرًا بالتوتر النفسي، واضعًا رأسه متكئًا في حجر عائشة.

وعائشة لا تريد أن تتحرك خشية أن تزعج النبي ﷺ. والمشكلة في النهاية أنه بعدما رفعوا الجمل الذي كانت عليه عائشة، وجدوا القلادة تحته؛ الجيش كله ماشي في الأرض وبيدور ووجدوا القلادة تحت الجمل. وكانت تقول: «وكان يتكئ في حجري وأنا حائض»، يقرا القرآن. يعني أثناء الحيض المرأة لا تقرأ القرآن تعبدًا، صحيح؟ يحرص النبي ﷺ على ترطيب قلبها فيتكئ في حجرها وهي حائض، ابتكاء ماسك المصحف أو ربما يتلو تلاوة بلسانه ﷺ، وهذا من التحب.

هذا فن إخواني، هذا منهج، هذا إسلام؛ أن تتكئ في حجر زوجتك، أن تضع رأسك على فخذ زوجتك. هذا التلامس، وأعود فأقول: من ينظر في منهج النبي ﷺ يجد أن من أبرز الملامح في هديه في علاقته مع زوجاته التلامس البدني؛ تحقيق التلامس بأي شكل من الأشكال المعقولة والمتاحة: يتكئ، يقبل، يضع ما في مكنون فيها، يأخذ المكان الذي تضع فيه، ينام معها في نفس اللحاف مثلاً.

هنا أم سلمة تقول إنها حاضت مع النبي ﷺ وهم ملتحفون بلحاف واحد. كانت سيدتنا أم سلمة نائمة مع النبي ﷺ تحت لحاف، فجأة جاءها الحيض، فانسلت -يعني استحت وانسلت- من الفراش، فقال لها النبي ﷺ: «أفزتِ؟»، يعني لعلكِ حائض لذلك انسحبتِ من الفراش، قالت: نعم يا أم سلمة، فدعاني فأضجعت معه في الخيمة. قال: «أين رايحة؟»، يعني هذا الشيء يصيب النساء، ما هو مشكلة، لا يمنع أن تقتربي مني والموضوع يعالج ببساطة. لاحظوا هذه الأريحية في التعامل مع الحياة بدون أية إثارة.

وأعود فأقول: كلما أشعرت المرأة أنك تتقزز من بصاقها، من دمها، من ريقها، من حيضها، من رائحتها، هذا يصنع بينك وبينها حواجز صعب أن تردم مع مرور الأيام، فانتبه لهذه القضية.

لو سألتك: ما هو آخر مشهد في حياة النبي ﷺ حتى تنظر قضية حجم التلامس؟ آخر مشهد في حياة النبي ﷺ أين كان؟ كان بين سحرها ونحرها، هذا محمد ﷺ سيد ولد آدم. قدر الله لم تكن منيته في ساحة جهاد، وإن كان مات شهيدًا على رأي جماهير العلماء لأنه مات من سم اليهود، لكن انظروا إلى هذا الختام الذي يحمل الكثير من المعاني والدلالات؛ مات في حجر زوجته. تقول عائشة: مات بين سحري ونحري، في هذه المنطقة كان واضعًا رأسه، ومات في حجر زوجته. إذن آخر مشهد في حياة النبي ﷺ كان في حجر زوجة من زوجاته، تريد أعظم من هذه العلاقة السامية؟ حتى لحظات الوفاة تكون في حجر زوجاته. ما كان يتذمر أن عائشة وضعته على حجرها، لا، "أحطوني على الفراش والتخت"، لا، حتى في حجر زوجته قبل ﷺ وجاءه ملك الموت يقول: «بل الرفيق الأعلى».

مثلاً الاغتسال مع زوجاته في إناء واحد؛ كان النبي ﷺ كما جاء في حديث عائشة وحديث أم سلمة يغتسل مع زوجته في نفس الاغتسال. طبعًا الزوج يكشف على زوجته ما في مشكلة، والزوجة تكشف، وكان يغتسلون من نفس الإناء، حتى إنه وهو وعائشة يتلاعبان، فتقول له عائشة: "دع لي يا رسول الله"، هو يغرف وهي تغرف، فتقول: "دع لي"، ويقول: "لا أنتِ دعي لي"، وكأنهما يتنافسان على الماء المتبقي. أعود فأقول: الالتقاء الجسدي له معانٍ كثيرة في استدامة الحياة الزوجية والحب فيها، ليس شرط أن تغتسل وحدك، بل بإمكانك أن تغتسل مع زوجك، فقد أباح الله ذلك، بل فعله محمد ﷺ، فعله النبي الأعظم ﷺ.

أيضًا كان مثلاً يدلل عائشة ويرخم لها، فيقول أحياناً: «يا عائش»، نوع من الدلال، وأحياناً يسميها: «يا حميراء». الحميراء ليست من الحمار كما يظن البعض، لا، يا حميراء المراد أن لون العرب أبيض مشرب بالحمرة، فيقول أنتِ التي لونك أحمر، اللون الوردي، يعني لون وجهها وردي، فيقول: «يا حميراء» كناية عن لون وجهها. بعض الناس اليوم كما قلت هو شتم وسباب، يعني هذا تدليع، وهذا لا يصلح؛ الدلال له أدبياته وأخلاقياته.

من حسن معاشرته لزوجته أنه كان يصحبها إلى الولائم ويحرص أن تكون معه. أحياناً اليوم بعض الشباب تجده يذهب إلى الوليمة مع أصدقائه ويأكل الطعام الجيد في المطاعم، ويعرف أن زوجته في البيت ما عندها طعام، وهذا ليس من كمال الأدب؛ أن تحرص أنت أن تأكل أفضل الطعام وأفضل الوجبات ومع أصحابك وتعرف أن زوجتك في المنزل ما عندها شيء تأكله.

لاحظوا هذا المشهد عن أنس بن مالك: أن جاراً لرسول الله ﷺ فارسياً، رجل من الفرس كان طيب المرق، كان يصنع مرقاً طيباً مميزاً، فصنع لرسول الله ﷺ مرقاً، ثم جاء يدعوه، فالنبي ﷺ لما جاء رجل يطرق بابه ليدعوه، أشار لعائشة: "ائتي بها معي للوليمة"، فقال الرجل: لا، فقال النبي ﷺ: «إذاً لا ما رح آجي». شوف الحرص أن يصطحب عائشة إلى الوليمة. فعاد الرجل طرق الباب مرة ثانية: "يا رسول الله، أنا وليمة مرق"، فقال: "وهذه؟"، قال: "لا"، فقال النبي ﷺ: «إذاً أنا ما أخرج إلا ورجلي على رجل زوجتي».

ثم عاد يدعوه فقال: "وهذه؟"، قال: "نعم"، فقام يتدافعان حتى أتيا منزله، خرج يتدافعان ويتسابقان، وهذا طبعاً فيه دلالة التودد لزوجته. تقول عائشة: "كنت أنا والنبي ﷺ نتسابق إلى بيت الفارسي"، وهذا أيضاً فيه إشارة إلى الجوع الشديد الذي كانوا فيه، لدرجة أن النبي ﷺ لا يريد أن يستأثر بطعام عن زوجته، ويعرف أنه جائع وهي جائعة، ما قال: "يلا خلص يا فلان أنت دبر حالك في أكل في البيت وأنا أطلع آكل الطعام الشهي"، لا، حريص أنه كما أنا آكل طعاماً طيباً تأكل هي مثلي. انتبه لهذا، أن بعض الشباب يضغط...

زوجته ضغط غير منطقي، أقول لك يا شيخ: عاد يعني أنا بطلع للولاء بتكون هي جالسة في الدار منزعجة، قول له: هل تركت لها طعامًا؟ لا، هل تركت لها شرابًا؟ لا، هي بتاكل الأكل البايت تبع قبل امبارح وأنا عاد باكل الأكل الجديد. جزاك الله خير، الله يرضى عنك.

ممكن تصير هذه مرة أو مرتين، بس ما تكون سنة حياة؛ أن أنت دائماً الأكل الجديد تستأثر به، ودائماً الأكل البايت وظيفة الزوجة والأبناء هم الذين يأكلونه. لا، يا بتاكل معهم البايت جزاك الله خير، أو الأكل الجديد عاد تأتي به إليها، أو تسألها وأنت عائد في سيارتك: "ترى يا فلانة، أنا اليوم أكلت عند فلان، أجيب معي شيء؟". ترى أحياناً ممكن تقول لك لا، بس هي ستكبر هذا الاتصال، ركز.

يعني أنت ممكن فعلاً أحد أصحابي عزمني، شو أسوي؟ أروح؟ بقول لك أنا بروح. لكن الفكرة وأنت عائد في طريق المنزل: التفقد، التفقد؛ أنه "يا فلانة، عندكم شيء في البيت ترى وأنا جاي إن شاء الله أجيب لكم شيء؟". هذا السؤال حتى ممكن تقول لك لا والله في أكل بايت وأنا آكله، خلص ما عندي، بس هي ستشعر بالاهتمام؛ أنه هذا الإنسان ليس فقط يبحث عما يلبي لذته وشهوته وبطنه وينسى زوجته وأهل بيته. هذه أخلاقيات نتعلمها من مدرسة محمد ﷺ.

أيضاً مثلاً صفية، جاءت تزوره في اعتكافه. تخيل أنك أنت معتكف، وحاب تبتعد عن زوجتك وعن حياتك الأسرية فترة، فتجي زوجتك ترن عليك: "يا فلان، تراني جايك على الاعتكاف أزورك". أوف يا أم فلانة! أنا والله ما طلعت على الاعتكاف إلا لأخلص منك، تجي كمان الاعتكاف؟ بعض الشباب وهذا اعتكافه، اعتكاف ترك المنزل، بده يحاول يتبرا من حياته الأسرية ومن التزاماتها، ويقول لها: طلع الاعتكاف العشر الأواخر له فضيلة عظيمة وأنا عاد حريص أنا أعتك في العشر الأواخر. فتقعد زوجتك ترن عليك تقول لك: "أنا هيني جاي أزورك"، شو مشاعرك وأحاسيسك؟

النبي ﷺ كان معتكفاً في العشر الأواخر وجاءته صفية بنت حيي تريد تزوره، ومع ذلك أجلسها وتحدث معها ساعة، ثم خرج من المسجد معها، خرج من المسجد حتى أوصلها إلى بيتها. ما تذمر منها، وما أشعرها أنها ثقيلة، وأنه "يا فلانة أنا ترى وأنا أجيكم خلص خلوني هالعشر أيام أعتكف وحدي". ما أشعرها بهذا البعد، وهذا كله يؤدم المحبة والمودة.

أيضاً مراعاة المشاعر والاهتمامات إخواني؛ الرجل والمرأة كل شخص من عالم آخر عموماً، قل إن تشترك الاهتمامات بينك وبين زوجتك. هذا بدك تفهمه؛ ليه بعض إخواننا طلاب العلم يجي يقول لي: "يا شيخ أنا بدي أخت طالبة علم، نحن وإياها نذاكر المتون والمصنفات؟". أقول له: ريح حالك يا أخي حبيبي، الله يرضى عنك، لا ترفع سقف طموحاتك، خذ امرأة تحبها وتحبك.

قضية أن تتشارك أنت وزوجتك في الاهتمامات، أنه أنت طالب علم وجد وتحب تنقح وتكون هي مثلك وتدرس الغزالي والمستصفى مع بعض، هذا نادر جداً خاصة في هذه الأزمنة؛ فلا ترفع سقف طموحاتك. بيجي يقول لك: "طيب يا شيخ أنا بشعر أن اهتماماتها غير اهتماماتي". عموماً هذا الشيء الطبيعي؛ أن المرأة تفكر بزينتها، بحليها، بشكلها، بهندامها، بأمها، بأبيها، بعلاقاتها، لها طبيعة في الحياة تختلف عن طبيعتك.

وبالتالي شيء طبيعي أن تختلف الاهتمامات، وهذا ليس دليلاً على أنها امرأة سيئة، ولا دليل على أن هذه الطبيعة وهذه البيئة نشأت فيها طوال حياتها وأنت أخذتها بعد عشرين سنة في بيت أهلها، ما تتوقع من السهولة بمكان أن تصبح لها اهتمامات جديدة موافقة دوماً لاهتماماتك ورغباتك. كثير من الشباب يظن أنها سيئة أو أنها مطلقة أو شيء، وقد لا يكون الأمر كذلك، لكن هو يريد أن يتطابق عقله مع عقل زوجته وهذا صعب جداً.

ومن هنا تأتي مسؤولية الحياة الزوجية على الزوج؛ أن أنت تحاول أن تتفهم احتياجات الطرف الآخر، ما الذي يحزنه، ما الذي يفلحه، ما الذي يسره، ما الذي يزعجه، وتحاول أن تبتعد عن نقاط الاستفزاز وأن تعطيها الاهتمام حتى بالشيء الذي أنت تراه غير مهم، بل قد تراه أحياناً تافهاً، لكن عقل المرأة ليس كعقلك واهتمامها ليس اهتمامك.

فلذلك النبي ﷺ يقول لعائشة: «والله إني لأعلم إن كنتِ عني راضية وإن كنتِ علي غضبى». فقالت: "ومن أين تعرف ذلك يا رسول الله؟ كيف تعرف متى أكون زعلانة منك ومتى أكون راضية منك؟". فقال: «أما إن كنتِ عني راضية فإنك تقولين لا ورب محمد، وإذا كنت غضبى -يعني زعلانة مني مش راضية تماماً- قلتِ لا ورب إبراهيم». شوف الزوج الذي يتفهم حتى أسلوب زوجته وهمسات زوجته، ويعرف متى تكون راضية ومتى تكون ساخطة.

أيضاً مثلاً من مراعاة النبي ﷺ للمشاعر، عن أنس بن مالك، بلغ صفية بنت حيي بلغها أن ضرتها حفصة رضي الله عنها تشتمها وتقول: "هي ابنة يهودي". هي مناكفة بين الزوجات، حفصة كانت تقول عن صفية لأن صفية بنت حيي من والدها حيي بن أخطب رئيس اليهود الذي قتله النبي ﷺ بيومه بني قريظة، فحفصة بدها تناكف شوي صفية فقالت: "ابنة يهودي". بلغ ذلك صفية فبكت، فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي، فقال: «ما يبكيك يا صفية؟». فقالت: "قالت لي حفصة إني ابنة يهودي".

فقال النبي ﷺ -شوف طيب الخاطر-: «إنكِ لابنة نبي، وإن عمكِ لنبي، وإنكِ لتحت نبي». باعتبار أنها تعود في سلالتها إلى موسى عليه السلام، وأن عمك نبي وهو هارون عليه السلام، وباعتباري طبعاً أجدادها الأوائل، وأنكِ متزوجة بالنبي ﷺ، فبماذا تفخر عليكِ حفصة؟ فلاحظ كيف النبي ﷺ عرف كيف يداوي المشاعر والأحاسيس.

صفية عموماً كانت تحتاج إلى وضع خاص؛ لأنها من بين باقي الزوجات كانت تحتاج لرعاية نفسية خاصة. ولاحظوا كيف المراعاة، لأن النبي ﷺ قتل أباها وأخاها وزوجها، كلهم كانوا من زعماء اليهود المحرضين على النبي ﷺ فتم تصفيتهم جميعاً في بني قريظة وفي خيبر. الآن تخيل أنك تتزوج امرأة قُتل أبوها وأخوها وزوجها السابق، شو بدها تكون مشاعرها؟ ولاحظ هنا الواقعية، كيف بدها تكون مشاعرها وتعبئتها النفسية تجاهك صعبة.

روى ابن حبان أن حفصة كانت تقول: كان النبي ﷺ من أبغض الناس إليها قتل أبيها بعد الزواج. ما زالت صفية في أيامها الأولى من الزواج تجد حرجًا في تقبل شخصية النبي ﷺ؛ فماذا تقول؟ تقول: قتل أبي وأخي وزوجي السابق! يعني ليس سهلًا أن تتقبل هذا الزواج الجديد.

قالت: وانظر كيف تعامل معها النبي ﷺ، هل طالبها بالمثالية؟ هل قال لها: أنت متزوجة لنبي ولازم تكوني سعيدة ومسرورة ولا تحزني أبدًا؟ قالت: «فما زال يعتذر إلي». انظروا إلى أخلاق النبي ﷺ، فما زال يعتذر إليها ويقول: «إن أباك ألف العرب»، ويذكر لها ما فعل وما فعل.

جلس النبي ﷺ فترة يحاول يقنع صفية أن عنده مبررًا لقتل والدها، وهو أن والدها هو الذي جمع الأحزاب على المسلمين، وأن أباها كان الشيطان الأكبر عند اليهود، وهو الذي جمع الأحزاب أيام الخندق. قال لها: «إن أباك ألف العرب»، أي فعلوا غدرًا، «فما زال يعتذر ويعتذر حتى أذهب الله ما في قلبي منه».

هذا هو الصبر يا إخواني. إذا كانت زوجتك غضبانه عليك فترة، زعلانه من موقف معين، فهذا أمر عادي، لا تتركها تدبر نفسها. النبي ﷺ هل أخطأ لما قتل والدها؟ بالعكس، هذا هو الصواب، لكن في النهاية هذه نفس بشرية؛ الأب عزيز مهما قلنا حتى لو كان كافرًا، والأخ عزيز. فالنبي ﷺ يبرر ويعطيها سببًا لما فعل حتى يطمئن قلبها.

زوجتك قد تكون مغضبة منك من مواقف، قد تكون أنت المصيب وقد تكون مخطئًا، فهل عندك قدرة أن تذهب وتعتذر؟ أم أنك تراها كبيرة؟ هل عندك قدرة تذهب وتطيب خاطرها وتقول: تعالِ يا فلانة، ترى الموضوع سهل، أنا آسف وأعتذر عما صدر مني، أنا الغلطان، مع أنك قد تكون مقتنعًا 100% أنك على الصواب؟ لكن عقل المرأة أحيانًا لا يستوعب أكثر من ذلك.

قدرة الرجل على الاعتذار للزوجة أو التبرير، أو على الأقل التبرير، هي من منهج محمد ﷺ. اعتبر نفسك الغلطان، لا مشكلة، اجعل الأمر يهون لكي لا يطول النزاع والنقاش والخلاف في الحياة الأسرية، واستجلاب الود؛ هذا من آداب النبي ﷺ في التعامل مع زوجاته. استجلاب الود يعني أن تبقى الحياة الزوجية مطمئنة، بينما بعض الشباب بالعكس، هو يصنع المعركة، يستجلب الخصام والمشاكل لبيته، وهذا البيت لا يستقر بهذه الطريقة.

ومن مراعاته للمشاعر، انظروا إلى هذا الموقف الذي قد لا يهتم به أحد منا، لكن انظروا لأخلاقيات النبي ﷺ. عن صفية بنت حيي أن النبي ﷺ حج بنسائه، فلما كان في بعض الطريق نزل رجل فساق بهم، فأصبح هو يسوق إبل زوجات النبي ﷺ فأسرع في سوقها، فقال له النبي ﷺ: «كذلك سوقك بالقوارير»، أي تمهل وأنت تقود جمال النساء.

وبينما هم يسيرون، برك جمل صفية بنت حيي، مع أنه كان من أحسنها ظهرًا، فجلست صفية تبكي. بالنسبة لصفية، قضية بروك الجمل فجأة عند العرب تعتبر عيبًا، فكل جمال الزوجات ماشية إلا جمالها هو الذي برك ولم يرضَ أن يمشي، فشعرت صفية بالنقص، وكيف أن جمال عائشة وحفصة كله يجري وجمالها هي برك؟ فانكسرت نفسيتها.

قد تقول: ما المشكلة؟ لكن هذه امرأة ولها مشاعرها، فبكت. انظروا إلى الأخلاقيات العالية، تعلموا من مدرسة محمد ﷺ. فجاء رسول الله ﷺ حين أخبر بذلك، فجعل يمسح دموعها بيده. هل استدفه هذا الموضوع؟ هل قال لها: يا صفية نحن طالعون حجة الوداع، وما القصة الكبيرة في جمل برك؟ لا، بل جعل يمسح دموعها بيده.

تمسح دموع زوجتك بيدك! هذه أخلاقيات محمد ﷺ. هذا هو التعلم وهذا هو الاقتداء؛ أن تفهم كيف تدار العلاقات، أن ترى زوجتك تبكي فلا تتركها تبكي يومًا ويومين وثلاثة وتقول: لتزعل وتدبر حالها. إياك أن تلبس قسوتك لباس الدين، لا تقل: والله هذا هو الصح، خليها تتربى، خليها تتعلم كيف الرجولة، لا، هذا ليس صحيحًا.

إذا كانت امرأة ناشزًا فهذا موضوع مختلف، لكن امرأة زعلت من تصرف طبيعي في علاقتك معها، إياك أن تستدفه. اهتم باهتمامات زوجتك ما دامت ضمن سقف المعقول، واعلم أنها تفكر بعقل وأنت تفكر بعقل آخر، فامسح الدمعة، هكذا فعل النبي ﷺ.

أيضًا، لما حاضت عائشة في حجة الوداع، بكت لأنها لم تستطع أن تطوف وتسعى مع الصحابة، فدخل عليها فواساها وقال: «إن هذا الحيض أمر كتبه الله على بنات آدم». أي يا عائشة استحمِ، ترى هذا موضوع طبيعي وربنا كتبه، وعليك أن ترضي بقضاء الله وقدره.

ومن مراعاة المشاعر أنه كان إذا مرضت زوجته رقاها ووضع يده على موضع الألم. تقول عائشة رضي الله عنها: «أن النبي ﷺ كان إذا مرض أحد أهله يمسح بيده اليمنى على مكان الوجع ويرقيه ويقول: اللهم رب الناس، أذهب البأس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك».

هذه كلها من أخلاقيات النبي ﷺ. مجرد شعورك بأن زوجك يضع يده على موضع ألمك في الجسد، ترى هذا بالنسبة للمرأة شيء كبير، ونصف المرض يزول بمجرد أن تشعر أن زوجها وضع يده على جبينها أو مكان الألم أو الحرارة. هذه كلها من مدرسة النبي ﷺ.

أيضًا الرفق بالزوجات حتى عندما ترفع الأصوات عليك. هل كان زوجات النبي ﷺ أحيانًا في لحظات يرفعن أصواتهن عليه؟ زوجتك قد ترفع صوتها عليك، ونحن نتفق أن هذا التصرف ليس صحيحًا، لكن هل تستطيع أن تضبط المرأة في هذا التصرف تمامًا بحيث أنها طوال عمرها لا ترفع صوتها في لحظة انفعال؟ إذا كان النبي ﷺ قد حدث مع بعض زوجاته في لحظة انفعال أن ترفع صوتها، فمن...

أنا وأنت حتى نمنع ذلك، ونعتقد أنه هي رفعة الصوت معناها طلاق عند بعض الناس. بعض الأعراف، رفعة الصوت معناها المرأة في اليوم الثاني عند بيت أهلها ما ترجع، وهذا خطأ وهذا عدم مراعاة لضعف المرأة.

لاحظ النعمان بن بشير يقول: جاء أبو بكر يستأذن على النبي ﷺ، فسمع عائشة وهي رافعة صوتها على رسول الله ﷺ. دخل أبو بكر البيت وعائشة رافعة صوتها على مين؟ على محمد عليه الصلاة والسلام. وهذا كلام للشباب اللي عنده نفسية شوي، أنه كيف ترفعي صوتك على النبي ﷺ؟ والمرأة تأكل كفوف وضرب وقتل على أول صوت يرتفع.

النبي عليه الصلاة والسلام سيد ولد آدم، أفضل بشر، يرفع الصوت عليه من زوجته؟ فأذن له فدخل، فأبو بكر طبعًا داخل مشحون على ابنته، فقال: «يا ابنة أم رمان»، ما قال يا ابنة أبي بكر، إذا نسبها إلى أمها: «يا بنت فلانة»، «يا بنت أم رمان». وتناولها كأنه ضربها، ما أعرف أين ضربها، عاد لا تسألني، فتناولها ضربها: «أترفعين صوتك على رسول الله ﷺ؟».

فحال النبي ﷺ بينه وبينها، صار يفزع بينهم، أنه لا، لا، خلص، لا تضربها. هو الذي يحميها من أبيها، فلما خرج أبو بكر، جعل النبي ﷺ يقول لها يترضاها، يمازحها: «ألا ترين أني قد حلت بينك وبين الرجل؟». شايفه كيف فزعت لك؟ يعني صار يترضاها وهي خلان معصبة ورافعة صوتها، الله أعلم على نفقة ولا على شيء. قال: «ألم تري أني حلت بينك وبين الرجل؟»، كأنه يقول: كان راح يضربك، أنا الذي فزعت لك، شايفه؟ يمازحها.

ثم عاد أبو بكر مرة أخرى فاستأذن عليه، فوجدهما يضحكان. يعني بس مشوار رجعه فأذن له فدخل، أبو بكر طبعًا لما رآها تضحك فقال له: «يا رسول الله، أشركنا في سلمكما كما أشركتنا في حربكما». خلوني أضحك معكم! قبل شوي دخلتوني في المشكلة، خلوني الآن أدخل معكم في الضحك والمزاح.

هنا قضية معينة تربوية إخواني؛ مدة الخلاف الزوجي كم يجب أن تستمر في بيتك؟ بعض الأسر ربما خلاف على شيء تافه، على طبيخ، ربما تأخر أو امرأة تأخرت على زوجها في الخروج، يستمر الخلاف شهر وشهرين، وأسبوع وأسبوعين. يعلمنا النبي عليه الصلاة والسلام أن الخلاف الزوجي الأصل ما يستمر، دقائق، دقائق وينتهي، مجرد موقف سريع. عيب أن يستمر الخلاف الأسري بينك وبين زوجتك أيامًا، وعيب أختي الكريمة أن زوجك يبيت وهو غاضب عليك.

هكذا نتعلم من مدرسة النبي عليه الصلاة والسلام؛ خلص يا أخي رفعت صوتك، كذا، أعد الابتسامة سريعًا إلى بيتك، اضحك، غير الموضوع، غير اللهجة، ما تبقى تعيش الألم والحزن والكتمان. كلما طالت المشكلة الأسرية، كلما ازداد غم البيت وكلما توترت العلاقة للمستقبل؛ لأن المرأة لن تنسى أنك في يوم من الأيام رأيتها تبكي ومنزعجة وأنت لم تقبل على إرضائها، بتضلها تتذكرها: «أنا عارفك، أنا عمري ما أنا زعلت وأنت راضيتني». بخلاف الزوجة التي تعرف أن زوجها يندفع إلى إرضائها وإذهاب الحزن عنها، تبقى تتذكر الود وتتذكر العشرة والمعروف في الجملة.

فهكذا نتعلم من مدرسة النبي عليه الصلاة والسلام، لا تطيل الخصومة والخلافات العائلية، يجب تنتهي سريعًا إذا أنت كنت حريصًا على حياة أسرية على منهاج النبوة. أيضًا كان عليه الصلاة والسلام يساعد في تدبير المنزل. سئلت عائشة رضي الله عنها: ماذا كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ هل كان على الجوال طول الوقت كحالنا، ولا يطلع على التلفزيون ويقلب القنوات، أو مشغول دائمًا أصحابه جايين وجالسين في البيت والمرأة بتنظف ٢٤ ساعة؟ لا، قالت عائشة: كان يكون في مهنة أهله.

إذا المرأة بتقول له جيب جرة الغاز، ارفع كذا، حط الطبيخ، يساعدها على النار، يساعد أهله في مهنة أهله. عليه الصلاة والسلام ما دام هناك ساعة وما في مشاغل خارجية، يساعد زوجته في أمر منزلها. قال: «فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة». شوفوا هذا الرقي! كان يساعد زوجته في ركوب الدابة. اليوم في الأعراف الغربية دائماً يصورون لكم في الأفلام أن الزوج الذي يحترم زوجته شو بيسوي لها في السيارة؟ لازم يفتح لها باب السيارة ويضبط لها الأمور حتى يشعروا أن الرومانسية عالية. النبي عليه الصلاة والسلام مارس ما هو أعلى من ذلك، وهذا الذي يجب عليك أن تفتخر بانتسابك للنبي ﷺ.

لما تزوج صفية بنت حيي، وتتكرر معنا كثيرًا لما تزوج صفية، وطبعًا لاحظ البعد النفسي عن صفية وهي لسه في شيء في قلبها على النبي عليه الصلاة والسلام؛ لما تزوج صفية، قال أنس: «ورأيت النبي ﷺ يحوي لها وراءه بعباءة». التحوية ما هي إلا عباءة أو قطعة من الصوف المحاك، يضعون ونها على ظهر الجمل مثل الكعكة؛ هذا معنى التحوي، عباءة، سجادة، حصيره، تصنع على شكل كعكة وتوضع على سنام الجمل حتى تستطيع المرأة الجلوس عليه، لأنه سنام الجمل صعب الجلوس عليه، فإذا بدك تجلس المرأة يا هودج يا تحويه.

قال: «ثم يجلس عند بعيره»، البعير الذي سيركب عليه هو سيركب عليه وستركب صفية وراءه، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته، يعني يجلس على الأرض يضع ركبته عند البعير، ثم تضع صفية رجلها على ركبة النبي ﷺ حتى تتسلق على الجمل. شوف الأخلاقيات! هي أعلى من فتحة سيارة؛ يضع ركبته وهي تضع رجليها على ركبته لترتفع فوق الجمل. لا تكلم لي عن أدبيات الغرب وأخلاقهم، وتكلم لي عن منهج محمد ﷺ وأدبياته ورقيه في التعامل.

الاهتمام بنظافة رائحة الفم عند دخول البيت؛ إيش أول شيء كان يفعله إذا دخل البيت عليه الصلاة والسلام؟ يبدأ بالسواك. لماذا يبدأ بالسواك؟ يقول السيوطي: والحكمة في ذلك أنه ربما تغيرت رائحة الفم عند محادثة الناس في الخارج، فإذا دخل البيت كان من حسن معاشرة الأهل أزال ذلك. بعض الناس يقول لماذا يسن أول ما تدخل البيت تستاك؟ حتى تُدخل على زوجتك برائحة طيبة، لأن بعض الناس يهتم برائحته خارج المنزل بطيبه وعطره، فإذا دخل المنزل رأت المرأة منه أسوأ الأشياء وأقبحها، وهذا لم يكن هكذا، بل قالت عائشة: كان ﷺ يشتد عليه أن يوجد منه ريح، يعني أكثر شيء يزعجه أن يشم الناس منه رائحة كريهة جدًا، يزعج ذلك. ولذلك حصلت قصة العسل التي ستأتي معنا فيما تحرم ما أحل الله لك، وعندما أزواجه تآمرن عليه في هذه القصة.

ولعلها تأتي معنا إن شاء الله. أيضًا كان يتجمل لنسائه، بل كان يطلب منهن أن يسرحن شعره، فتقول عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف فيدخل رأسه من المسجد إلى حجره، فتغسل عائشة رأسه وتمشط وترجل شعره». حرص حتى على النظافة والجمال حتى في البيت، يكون شكل الرجل وهيئته جيدة.

بعض الشباب إذا خرج يجلس أمام المرآة ساعة وهو يضبط شعره هنا وهنا، وإذا دخل البيت بأس الملابس، وبأس الهيئات، وبأس الرائحة، هذا لم يكن هدي ﷺ، أو لم يكن هذا هدي عليه الصلاة والسلام.

لاحظوا هذه القاعدة العظيمة واحفظوها، يقول جابر رضي الله عنه -وهي قاعدة عامة في كيفية تلبية رغبات زوجاته-: «كان صلى الله عليه وسلم رجلًا سهلاً إذا هويت الشيء تابعها عليه». في حجة الوداع، كان جابر يرى النبي عليه الصلاة والسلام يسارع في إرضاء زوجاته؛ يا رسول الله أريد أن أنزل هنا، أريد أن أطلع هنا، أريد أن آكل كذا، أريد أن أعمل كذا، ما كان يتذمر من طلب زوجاته إذا كان ضمن سقف المتاح، بل ضمن سقف الممكن.

ماذا يقول جابر: «كان صلى الله عليه وسلم رجلًا سهلاً». احفظها، كان رجلًا سهلاً في التعامل مع زوجاته، ليس معقدًا وصعبًا، والمعاشرة معه متعبة. في بعض الرجال صعب العشرة، زوجته دوبها تكلمه: «بدي أشتري ثوبًا جديدًا»، تبدأ معركة في المنزل، أو دوبها تطلب منه طلبًا: «جيب لنا لفلان كذا»، فيستاء ويغضب، وما هو طايق أحدًا يتكلم، ما كان هكذا ﷺ، وليس هكذا الإسلام.

كان رجلًا سهلاً، يقول جابر: «إذا هويت الشيء تابعها عليه»، إذا زوجته أرادت شيئًا وكان ضمن سقف الممكن والمعقول يرضيها، يا أخي أرضها، ليست عيبًا أن ترضي زوجتك، وليس من الرجولة أن تناكفها، لأن بعض الناس معالم الرجولة لديهم تغيرت.

لاحظوا هذا المشهد الجميل، كان النبي عليه الصلاة والسلام يمزح ويداعب زوجاته. هناك قصص -أطويها لحتى لا يداهمنا الوقت- كان النبي عليه الصلاه والسلام يداعب زوجاته ويضاحكهن. مثلاً عن عائشة رضي الله عنها، لما تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام كانت بنت تسع سنوات، وبالتالي كان فيها نوع من الطفولة، ما زالت تحب اللعب بالدمى، فتقول عائشة: «كنت ألعب بالبنات» -البنات يعني الدمى التي تلعب بها الفتيات- «وكان لي صواحب يلعبن معي».

كان صاحباتها يأتين ويدخلن على بيت النبوة ويلعبن معها بهذه الدمى، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل يهربن منه، فيسربهن ليلعبن معها، يعني يؤشر إليهن من بعيد: تعالوا العبن معها، ليس مشكلة كونكن دخلتن، هذا لا يعني أن تفرضن من البيت وتخفن مني. كان يراعي حتى اهتمامات زوجته؛ زوجة صغيرة، أكيد اهتماماتها ليست كاهتمامات من هي في سن الثمانين أو الأربعين، فكان يراعي هذا البعد في شخصية عائشة أنها ما زالت تحب هذا النوع من اللهو، فكان يسمح لها بذلك ويأذن لصويحباتها أن يدخلن معها، بل كان حتى يشاركها في هذا أحيانًا.

ففي غزوة خيبر -تقول عائشة قدم النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر عاد من الغزوة والآن سيبدأ ببيت زوجته- قال: «فدخل حجرتي وفي سهوتها ستر»، والسهوة هي مثل حفرة تكون في الحائط في البيوت القديمة، يوضع عليها بردة، قالت: «وفي سهوتها يعني في سهوة الحجرة ستر»، هبت ريح فكشفت للنبي صلى الله عليه وسلم عن ألعاب عائشة خلف الستر.

فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما هذا يا عائشة؟»، يعني كانت قد وضعت اللعبة وراء الستر مخبأة حتى لا يراها النبي صلى الله عليه وسلم، فاجأت الريح المستور. قال: «ما هذا يا عائشة؟»، فقالت: «بناتي». النبي عليه الصلاة والسلام استقبلها ومزح معها، ورأى بينهن فرساً له جناحان، إحدى الدمى كانت صورة فرس له جناحان، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما هذا الذي أراه وسطهن؟ فرس له جناحان!».

يقول: «ما هذا الذي أراه وسطهن؟ فرس له جناحان! هذه أين صارت يا عائشة؟»، قالت: «فرس»، فقال: «وما الذي عليه؟»، قالت: «جناحان»، فقال: «فرس وله جناحان». نحن رأينا فرسًا، هو يمازحها ويعرف، لكنه يريد المشاركة في اهتماماتها، فعائشة رضي الله عنها ماشت معه في الموضوع فقالت: «أما سمعت أن لسليمان عليه السلام خيراً له أجنحة؟». فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، عرفت عائشة كيف تتصرف، أن هو يا رسول الله وبس، هذا فرس له جناحان وسليمان كان له أحسن منه.

أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام كان يسابق عائشة، المداعبة في الحياة الزوجية؛ كان يسابق عائشة. قالت: «خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم -ما زالت نحيلة ولم أبدن- فقال للناس: تقدموا»، لاحظ حتى في أثناء الغزوة قال للناس: «تقدموا»، ثم قال: «تعالي حتى أسابقك»، فسابقته فسبقته.

حتى إذا حملت اللحم وبدنت مع الوقت، ونسيت القصة السابقة، في سفر آخر خرجت معه فقال للناس أيضًا: «تقدموا»، حتى يلعب مع زوجته، ثم قال: «تعالي حتى أسابقك»، فسابقته فسبقني هو، فجعل يضحك ويقول: «هذه بتلك».

حتى أثناء السفر كان يداعب زوجاته ويتحدث معهن. بعض الشباب يكون مع زوجته في السيارة، ربما مسافة قليلة، ما يتكلم معها ولا يسولف، كأنهم في دار ماتم، الزوجة في هاتفها والزوج ليس له نفس يتكلم، وأخلاقه صعبة. النبي عليه الصلاة والسلام في السفر، لما كانت تأتي هداة الليل، كان يقرع بين نسائه، والذي يخرج سهمها يخرج معها في السفر. وهذا بعد آخر أن بعضنا يستثقل إخراج زوجته معه للمشاوير العامة، صحيح قضية استثقالك إخراج زوجتك النبي...

عليه الصلاة والسلام يخرج إلى غزوة، معركة، ومع ذلك يأخذ بعض نسائه، يخرج للعمرة أو للحج، ولا بد وأن يصطحب معه امرأة من نسائه، وما كان يستثقل اصطحاب النساء في هذه المشاوير البعيدة، فما بالك بالأمور القصيرة.

المهم في إحدى سفرات النبي عليه الصلاة والسلام، أقر أن يخرج معه عائشة وحفصة، طبعاً حفصة -رضي الله عنها- ليست قليلة أبداً، من يعرف سيرتها يعرف أنها امرأة داهية. قالت عائشة: فخرجتا معه جميعاً، عائشة وحفصة جاء نصيبهما أن يخرجا في هذه السفرة مع النبي عليه الصلاة والسلام.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان بالليل، وقت هدوء الليل والناس تمشي، صار مع عائشة، هو على جمله وعائشة على جملها، يتحدثان، يتبادلان أطراف الحديث، يعطيها الوقت. في يوم من الأيام، غارت حفصة لأنها شافت النبي عليه الصلاة والسلام تكلم مع عائشة في الليل أكثر منها، فحفصة عملت حيلة؛ فقالت حفصة لعائشة -وطبعاً عائشة لأنها كانت لا تزال صغيرة فكان يمكن أن يُضحك عليها بهذه الطريقة-: «ألا تركبين ليل بعيري وأركب بعيرك فتنظرين وأنظر؟ ما رأيك نبدل الجمال، أنت تركبين جملي وأنا أركب جملك، حتى كل واحد فينا يشوف جمل الآخر جيداً ولا لا، فتنظرين وأنظر من الذي جمله أحسن؟».

قالت عائشة: «بلى». فلفّت حفصة على عائشة، فركبت عائشة على بعير حفصة، وركبت حفصة على بعير عائشة. وطبعاً عادة النساء تكون في «هودج»، وهو مثل بيت صغير خشبي يكون فوق الجمل وتدخل المرأة فيه.

فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى جمل عائشة، يظن أن عائشة هي التي داخل الهودج، والداخل للهودج الآن هو حفصة، فجعل يتحدث، فسلم ثم سار معها حتى نزلوا، حتى وصلوا إلى المكان الذي يستريح فيه الجيش. فافتقدته عائشة، عائشة متعودة في أثناء المسير أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام بجانب جملها، ففهمت بعدين: «الآن حفصة راكبة جملي، فالنبي عليه الصلاة والسلام فكر أنني أنا التي داخل الجمل هناك، ويظن أن هذا الجمل داخله حفصة، ولذلك تركني».

قالت: فغارت عائشة، فلما نزلوا، عائشة تقول: «جعلت تحت رجلها الأذخر»، والأذخر نوع من أشجار البادية، عائشة جالسة مع نفسها، تحكي مع نفسها، حطت رجليها في هذا الشجر وتقول: «يا رب سلط علي عقرباً أو حية تلدغني». عائشة أرادت أن تحكي مع نفسها كيف حفصة ضحكت عليها، كيف أن النبي عليه الصلاه والسلام جلس مع حفصة أكثر منها، وفهمت الطابق الذي أكلته.

ومع ذلك، هل قال النبي عليه الصلاة والسلام لحفصة وعصب؟ وهل عرف أن هذا من كيد النساء بينهن؟ كذلك مثلاً من نزاهة بيت النبوة، هل كان يحصل حتى مداعبات عنيفة قليلاً؟ المداعبات العنيفة بدي أن أسميها هنا «النسائية» بإسناد حسن. كثير من أهل العلم يقول، قالت عائشة: «زهرتنا سوداء»، في يوم من الأيام، طبعاً سودة بنت زمعة من زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، جاءت تزور عائشة في حجرتها، قالت: فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم...

«بيني وبينها جالس في المنتصف بين سوداء وبين عائشة، إحدى رجليه في حجري والرجل الأخرى وضعها في حجر سوداء، فسخ النبي صلى الله عليه وسلم فوضع رجلاً في حجر عائشة والرجل الأخرى وضعها في حجر زوجته الثانية سوداء».

قالت: فعملت لها حساءً مطبوخاً من الدقيق والدسم والماء، عائشة بدها تضيف ضيفتها سوداء فصنعت لها حساءً مرتباً، فقلت لسوداء جاءت عائشة بالحساء تضعه بين يديها، فقلت كلي، فأبت سوداء. فعائشة تقول لسوداء: «والله لتأكلن أو لألطخن وجهك به»، مداعبة بس شوي عيارها عالي، تلطخ وجهها بالشوربة، فأخذت عائشة من القصعة شيئاً فلطخت به وجه سوداء.

فضحك النبي صلى الله عليه وسلم فوضع فخذه لسوداء وقال لسوداء: «الطخي وجهها كما فعلت به»، فسوداء مسكت قليلاً من الشوربة فلطخت به وجه عائشة، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً.

فإذا عمر يقول: يا عبد الله بن عمر، يا عبد الله بن عمر، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قوموا فاغسلوا وجوهكما»، فلا أحسب إلا عمر داخلاً، وعمر خط أحمر، يعني لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف أن عمر على الباب معناته وقفوا المسح، وقفوا لأنه عمر كان شديد، قال: «روح اغسل وجهك» وأنتِ «روحي اغسلي وجهك»، فلا أحسب إلا عمر على الباب. لاحظ أن المسح ربما أنت شفته عالي ومع ذلك تقبلت الزوجات، ما دام هم متوافقين عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم سر من المنظر ومن المشهد وضحك مع هذه، ولاحظ أنه أيضاً جعل سوداء تقتص، قال لسوداء: «اعملي فيها زي ما عملت فيك»، وجلس يضحك معهن في هذه المداعبة المنزلية.

كلثوم بنت المسطلق تقول: كانت زينب تفلي شعر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أنت ربما تتعجب، ولكن طبيعة الحياة في ذاك الزمن كان فيها بساطة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم واضع رأسه في حجر زينب، وزينب لما يكون شعره عالقاً فيه شيء أحياناً من الصوف أو الحرير أو شيء، فتفلي، يعني تزيل ما علق بشعره الكثيف من الأذى والقذر.

وكان عنده في الحجرة، في حجر زينب، امرأة عثمان بن مظعون ونساء من المهاجرات يشتكين إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنهن بسبب زوجها مات عثمان بن مظعون وأنه سيتم إخراجها من منزل زوجها الذي توفي، تشتكي الفقر. موضوعنا تشوف المشهد؛ النبي صلى الله عليه وسلم رأسه في حجر زينب، وزينب عم تفلي شعره وتنظفه، وعادة في نساء أجنبيات بس كبار في السن طبعاً جالسات في الحجرة يشتكين، يا رسول الله يصير معنا هيك وبيصير معنا هيك.

فزينب تركت تفلي شعر النبي صلى الله عليه وسلم وأرادت أن تدلي برأيها، فَلما تركت تفلي شعره قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك لستِ تكلمين بعينيك، تكلمي واعملي عملك»، يعني أنتِ ليش تركتِ التفليح؟ حاد تحكي وتشاركي، شاركي برأيك بس كملي شغلك.

«بعينيك ولا بفهمك، بتتكلمي بفمك فكملي شغلك، وفلي الراس وتكلمي وابدي رأيك». وهذا كان شيئًا من مداعبته لها، مع أن الأمور تؤخذ بأريحية. إخواني، الأمور تؤخذ بأريحية وبدون تكلف زائد، هذا في جميع الحياة الزوجية مثلاً.

عائشة يوم تداعت بالنبي ﷺ تقول: «يا رسول الله، أرايت لو نزلت واديًا وفيه شجر، قد أكل منها ووجدت شجرة واحدة لم يؤكل منها، أين كنت ترتع بعيرك؟». ماذا تقصد بهذا؟ تمام، هي البكر الوحيدة وكل الزوجات ثيبات، فهي تمازح وتقول له: يا رسول الله، واحد نزل واديًا فيه شجر، كل الشجر مأكول منه إلا شجرة واحدة لم يأكل منها أحد، أترتع فيها؟ هل تذهب للشجر المأكول أم للشجر الذي لم يأكل منه أحد؟ فقال الذي لم يرتع منها؛ خلص، جاوبها كما تريد، قال: «أكيد بروح على الشجرة التي لم يؤكل منها».

فالنبي ﷺ فهم ذلك. وأحياناً بدك تمشي صح في الحياة الزوجية؛ إذا كنت تعامل هذه بطريقة، فمن الأفضل أن تدخل على التي تسمعها الكلام الذي يرضيها، والتي تانية تسمعها الكلام الذي يرضيها. ليس من المنطق أن تدخل على واحدة تقول لها: أنا داخل ولكن تلك أحسن؛ لن ينفع ذلك. لو كل واحدة، رغم اختلاف الحب، أنت قادر أن تمزح مع الجميع وتعطي الجميع ما يرضيهم بعيداً عن الإشكالات.

كذلك لما كان في آخر حياته، ذهب إلى البقيع ثم عاد إلى منزله فكان يقول: «وا رأساه»، فقالت عائشة: «أنا وراسه». عائشة كان معها صداع والنبي ﷺ كان معه صداع، فبمزح مع عائشة يقول لها: «ما ضرك لو مت قبلي يا عائشة، فغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك؟». يعني يا عائشة، إذا كنتِ تعانين من صداع ومتِّ قبلي، ترى أنا سأغسلك وأصلي عليك وأدفنك. فقالت عائشة: «كأني بك، والله لو فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرس ببعض نسائك». أي هل سترجع بعد أن تدفنني لتتزوج أخرى وتأتي إليّ؟

فسمت النبي ﷺ هذه المواقف كلها، والهدف من استقراءها إظهار أن الحياة الأسرية في بيت النبي ﷺ حياة جميلة هادئة مستقرة؛ لأنه في تلامس، وفي مزاح، وفي هدوء، وفي معالجة للمشاكل سريعاً، فليس هناك حب للنكد أو حب لإثارة الزوبعات وتكبير القضايا اليسيرة، بل هناك اهتمام باهتمامات الزوجة البسيطة، وهذا كله يصنع استقراراً في الحياة الأسرية.

خلينا نذهب إلى الجانب الثاني، وهو: هل كان النبي ﷺ يحرص على تعليم زوجاته؟ وهذه أيضاً من الأدوار الغائبة عن حياة كثير من الشباب أو الأزواج اليوم. قضية تعليم الزوجات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]. أولى الناس أن تقيك النار هي زوجتك وأولادك. قبل أن تأتي لتعلم الناس الخير، علم زوجتك الدين، وقبل أن تنصح الأبعد، ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]؛ فاحرص يجب على الإنسان أن يكون حريصاً على أن يقي زوجته النار وأن يعلمها أمور دينها كما هو حريص على تعليم الناس وتوجيههم، وهذا له عدة معاني في حياة النبي ﷺ.

فمثلاً، النبي ﷺ استيقظ في ليلة من الليالي فزع فقال: «سبحان الله! ما أنزل الله من الخزائن وما أنزل من الفتن!». في هذه الليلة قدر الله على هذه الأمة الفتن، فمن يوقظ صواحب الحجرات لكي يصلين؟ لم يقل من يوقظ الصحابة، بل قال: «من يوقظ صواحب الحجرات»، أي من يوقظ النساء ليأخذن نصيبهن من قيام الليل، استدفاعاً للفتن ووقاية لأنفسهن مما هو قادم. إذن هو كان حريصاً أن يبدأ بأهله، ولذلك كان إذا دخل العشر الأواخر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله.

وكذلك تربية زوجاته على الإخلاص. دخلت العشر الأواخر في سنة من السنوات، فكان النبي ﷺ في العشر الأواخر يغادر بيته ويضع خِباءً -أي خيمة صغيرة- في المسجد ويمكث فيها. فعادت زوجات النبي ﷺ وقررن أن يدخلن معه في هذا الاعتكاف، فجاءت عائشة فضربت خيمة بجانب خيمة النبي ﷺ، وطلعت حفصة جائبة خيمتها ووضعتها وراء خيمة النبي ﷺ. الآن عرف النبي ﷺ أن البعد لم يعد للإخلاص، بل صار الهدف هو المناكفة والمباهاة، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما حملكن على هذا؟ أتردن في البر؟» -أي هل تريدون فعلاً الاعتكاف لوجه الله؟. لما عرف أن الموضوع ليس خالصاً لوجه الله، أمر بنزع حتى خيمته ولم يعتكف في هذه السنة في العشر الأواخر من رمضان، وقضاه في العشر الأول من شوال.

يقول ابن حجر العسقلاني معلقاً على الحديث: وكأن النبي ﷺ خشي أن يكون الحامل لهن على ذلك المباهاة والتنافس الناشئ عن الغيرة حرصاً على القرب منه ﷺ، وهذا يخرج الاعتكاف عن موضوعه الأصلي؛ فالاعتكاف لله وليس لتباهي الزوجات بالاقتراب من زوجهن ولو كان الحبيب المصطفى ﷺ.

ومن تعليم النبي ﷺ لزوجاته تعليم الأخطاء وتعويدهن الاستعاذة مثلاً؛ كان جالساً مع عائشة فأشار إلى القمر فقال: «يا عائشة، استعيذي بالله من شر هذا»، انظروا كيف يعلم زوجته الدين: «يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا»، ﴿فَإِذَا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَهُوَ الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: 3].

ودخل يوماً على المسجد فرأى حبلاً ممدوداً بين ساريتين، فقال: «ما لمن هذا الحبل؟»، فقالوا: هذا لزينب تقوم الليل، فإذا تعبت من شدة الإرهاق تمسك بالحبل حتى تبقى مستيقظة. رأى حرصها على قيام الليل، فقال عليه الصلاة والسلام: «حلوة! ارفعوا لي هذا الحبل؛ ليصلِّ أحدكم نشاطه، ما دام نشيطاً يصلي، فإذا كسل أو فتر فلينم أو فليقعد».

وكذلك النصيحة والتوجيه؛ كان يحرص على زوجاته في الإنفاق: «يا عائشة، استتري من النار ولو بشق تمرة»، يأمرها بالنفقة. وعن عائشة تقول: دخل عليَّ سائل مرة فقير جاء يطرق بيت عائشة وعندي رسول الله ﷺ، فأمرت له بشيء، فجعلت تنظر في الوعاء كم حبة بقيت فيه، فقال عليه الصلاة والسلام: «أما تريدين ألا يدخل بيتك شيء ولا يخرج منه إلا بعلمك؟».

شيء بيدخل وبيطلع، بدك تكوني حاسبيته. أحياناً خلي الأمور بالعفوية، لا تحصي فيُحصي الله عليك؛ خلص طلعتي شيء لله، تحسب والله كم ظل في المحفظة، خليها على البركة وربنا يبارك.

هذا توجيه للزوجات. يوم من الأيام، النبي ﷺ كان عنده شاة مذبوحة، فسأل النبي ﷺ: «ما بقي منها؟»، فكانت عائشة قد تصدقت بأكثرها وبقي منها الكتف فقط، فقالت عائشة: «يا رسول الله، ما بقي إلا الكتف»، إيش قصدها؟ أني تصدقت بأكثر الشاة ولم يبقَ إلا الكتف. فقال: «قد بقي إلا الكتف»، قال العكس، لا ينقص مال من صدقة، بل بقي الذي ذهب هو الذي بقي، ما أنفقتيه هو الذي بقي.

كيف يعلمها الزهد في الدنيا؟ وإخواني هو جزء من سعادة الحياة الأسرية في بيت النبوة هو الزهد، وإن زوجاته علمن ذلك. وسياتي معنا قضية التخيير؛ أنه من البداية: ﴿إِن تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 28-29].

إذا كان الزوج والزوجة متفاهمين على قضية الزهد في الحياة الزوجية تكون سهلة ويسيرة ولن يدققوا على التفاصيل الجزئية، لكن إذا الزوج أو الزوجة إنسان مادي يرى الدنيا كل شيء، هذه الحياة الزوجية معه ستكون وعرة وصعبة. فدائماً احرص إذا تزوجت أن تأخذ من بيت غير مادي، هذه للشباب غير المتزوج، أنصحك دائماً بغض النظر شو وضعهم، تأكد قبل أن تتزوجها أنها وأن والدها وأن أمها ليسوا ماديين، فإن العرق دساس، والشخصيات المادية بتتعب معها في الحياة، الله يعافينا وإياكم من هذه الورطات.

أيضاً كان يحث عموم زوجاته على الصدقة، فقال لهن يوماً وهن مجتمعات: «أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً». رح تموت منكم بعدي، أطول واحدة يد، فصاروا الزوجات كل واحدة تمد يدها تشوف مين أطول واحدة يد، هو إيش قصده؟ «أطولكن يداً» يعني أكثركن إنفاقاً، هم ما فهموا الكناية ابتداءً، فكروا أنه أول واحدة رح تموت وتلحق به التي هي أطول يدها، فصارت تمسك الذراع وتقيس يدها، هي متر، هي متر وعشرين، هي متر وثلاثين، حتى فهموا المراد، فكانت أولهن لحاقاً به زينب بنت جحش لأنها كانت أكثرهن صدقة رضي الله تعالى عنها.

أيضاً كان يربي عائشة وزوجاته على الرفق، فيقول: «يا عائشة، ارفقي، فإن الله إذا أراد بأهل بيت خيراً دلهم على باب الرفق». شوف الكلام الجميل، يعلم زوجاته أنه البيت الأسري حتى يستقر لازم يسود فيه أي خلق؛ الرفق. الأب رفيق بزوجته، والزوجة رفيقة بزوجها، والرفق بالأبناء. يا عائشة ارفقي، فإن الله إذا أراد بأهل بيت خيراً، إذا الأسرة ربنا بده لها الخير، يعلمهم الرفق، يدخل عليهم الرفق.

مثلاً، هل كان النبي ﷺ إذا رأى في بيته منكراً أو رأى زوجته تفعل منكراً يسكت عن ذلك؟ كثير من أسرنا اليوم، يدخل الرجل لبيت الزوجية يجد زوجته فاتحة مسلسلاً فيه نساء متبرجات، أو زوجته فاتحة المعازف، أو زوجته على صور أو شيء، أو تفعل من الأمور المحرمة ما لا يرضي الله في شكلها وبدنها، أو يجد ابنته متبرجة أو زوجته متبرجة ولا يهتم بذلك، وتموت عنده الغيرة للدين والغيرة على زوجته.

النبي ﷺ يعلمنا أنك إذا دخلت بيتك عليك أن تزيل المنكرات الموجودة، فقد دخل النبي ﷺ يوماً الحجرة فوجد عائشة وضعت قِرَاماً، يعني مثل البرداية، وعليها صور ذوات أرواح، فنزعها وقال: «أميطي عنا قِرَامَكِ هذا»، هذا ما يصير حتى لو الزوجة بدها، ليس من تطييب خاطر الزوجة أن تجعل المنكرات في بيته. يعني مثلاً الزوجة أبوها متوفى فحاطت صورة أبوها معلقة في البيت، بعض الرجال إيش يقول لك: والله أنا بدي أكون رفيق بها، إيه خلص خليها تحط الصورة هذه يوم يومين ثلاثة، لا، ليس هذا مكان الرفق.

مكان الرفق ليس في المنكرات، أو مثلاً زوجته بتعمل منكرات يا شيخ ما هي مضغوطة خليها تشوف هالمسلسلين، أنت بتعرف هالمسلسلات بتقلب كيانها وبتقلب عقلها وأفكارها وتسود الشياطين والجن في منزلك، ليس هذا مكان الرفق. بعض الناس يطبق الرفق في المكان الخاطئ في المنكرات، يصير أخونا رفيق، وفي غير المنكرات يصير شديد وبيشدد على زوجته، يعكس الطاولة. الأصل الرفق في غير المنكرات، وأما في المنكرات فالمنكر يزال من المنزل حتى ولو اشتهت الزوجة بقاءه.

كذلك الزوجة ممكن تقول كلام لا يرضي الله، النبي ﷺ كان أحب زوجاته إليه من الأحياء عائشة، ومع ذلك في يوم من الأيام عائشة تذم صفية فتقول يا رسول الله إنها... وأشارت أنها قصيرة، فقال: «يا عائشة، لقد قلتِ كلمة لو مُزِجت بماء البحر لمُزِجَتْ». فعائشة ما كررتها قط، لاحظ حتى مع حبه لعائشة لما رآها تكلمت بكلمة لا ترضي الله، ما لأنه بيحبها والله مش لها، ما في تمشاي للمنكرات، الرجل يكون قوي في بيته في هذه الزاوية. هذا التوازن إخواني، أنا أرى حقيقة في كثير من المشاكل التي تأتي، الزوج ضعيف في تغيير المنكرات وشديد على الطبخ، يعني إذا زوجته ما طبخت ممكن يقيم الدنيا ما يقعدها، لكن إذا زوجته تتابع الأفلام والمسلسلات والغناء، لازم نتعلم الرفق هنا، يعلمك الرفق واللين، فلما تكون البوصلة منحرفة تعرف أن هذا ليس منهج محمد ﷺ.

أيضاً كان يحذرهم من الذنوب: «يا عائشة، إياكِ ومحرات الأعمال». وكان أيضاً يغار على زوجاته. صحيح البخاري في يوم من الأيام النبي ﷺ دخل حجرة عائشة فرأى رجلاً لم يعرف، قالت عائشة فاشتد عليه ذلك؛ مين هذا الرجل اللي أنا ما بعرفه في بيتي وعائشة جالسة معه تتكلم معه، ولم تكن واضحة على رأسها، فإن عائشة فهمت الموقف مباشرة فقالت: «يا رسول الله، إنه أخي من الرضاعة»، فقال: «يا عائشة، تأكدي، انظرنا من إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة». تأكدي يا عائشة.

لاحظ هنا قضيتين في هذا المشهد: القضية الأولى أن غيرة النبي ﷺ ما جعلته يفقد التوازن. تخيل أنت تدخل على بيتك ولم تعهد على زوجتك إلا خيراً فوجدت رجلاً في بيتك ما بتعرفه وزوجتك في شعرها أمامه، ماذا يمكن يصدر منك من موقف؟ غيرتك ممكن تحملك أن تبلش ضرب وتكسير، وتعرف الغيرة تفعل ما تفعل. تخيل تدخل على بيتك تجد رجلاً أنت ما أنت عارف إيش قرابته من زوجتك وزوجتك كاشفة شعرها أمامه وبتتكلم معه، لذلك النبي ﷺ الغيرة اشتد ذلك عليه، لكنه في نفس الوقت يعرف نزاهة عائشة فما استعجل وقال: «اتقي الله».

«وأنتِ ماذا فعلتِ؟ وكيف يدخل رجل أجنبي بيتي؟» عائشة رضي الله عنها كانت ذكية، لم تترك الموضوع مباشرة، بل قفزت لتعالج الموقف وتخبره أنه أخوها من الرضاعة. فهل عندك قدرة أن تجمع بين الغيرة والتوازن؟ الغيرة التي تجعلني لا أسمح لأي شيء أن يخدش زوجتي أو يمسها، لكن في نفس الوقت، إذا رأيت زوجتك في موقف ريبة، فتقدم حسن الظن حتى تتأكد.

هذا حقيقة خلق الرجال الذين يستطيعون ضبط أعصابهم ولا يستعجلون على زوجاتهم حتى يتأكدوا؛ فقد تكون فعلاً معذورة، ممكن يطلع عمها، أو يكون فعلاً محرماً لها وهي ربما لم تكلمك عنه في يوم من الأيام، والآن أنت تكتشف أنه من أقاربها المحارم. فقضية الغيرة عند النبي ﷺ كانت حاضرة، ولكنه مع ذلك كان متوازناً فيها، لا يطيش عندما يكون التصرف على خلاف ذلك.

كان عليه الصلاة والسلام لا يتتبع عورات زوجاته. يقول أنس بن مالك: «كان النبي ﷺ إذا عاد من سفر لا يطرق أهله ليلاً». كان إذا رجع من سفر، مثلاً رجع الساعة التاسعة بالليل، لا يفاجئ زوجته فجأة وهو على باب الدار؛ لأن الزوجة قديماً لم يكن لديها هواتف، فكانت الزوجة فجأة تجد زوجها على باب الدار بعد طول الغياب.

بعد طول الغياب، قد تكون الزوجة لم تنظف حالها بعد، أو تحتاج أن تقص شعرها أو تنظف أو تغير، فأنت عندما تفاجئها هي ترتبك، وأنت قد تتفاجأ أيضاً لأنك تراها على غير ما تعلمه، ولأنها لم تكن متوقعة مجيئك، فالمفاجأة تنقلب كابوساً. إذا كانت غبت فترة طويلة، فليس من السنة المفاجآت، بل هي خلاف السنة. السنة أن تخبرها: «يا فلانة، ترى أنا قادم»، فإذا عرفت أنها قادمة، تضبط شعرها وتضبط نفسها، فلا ترى من زوجتك إلا خيراً، وهذا يؤدب الحياة الزوجية.

أما الذي يرى زوجته مبعثرة الشعر ويرى منها أشياء لا يحبها، ثم يخرج إلى سوق العمل وإلى الجامعات المختلطة فيرى النساء على الفرازة، فمن الطبيعي أن يتغير مزاجه ويتعكر. هذا يجب أن يفهمه الأزواج والزوجات؛ فالزوجة تريد أن تكون دائماً على أتم الاستعداد، وهكذا كان هدي عائشة، دائماً مستعدة لفراش النبي ﷺ حتى تملأ عينه، ولذلك كان لا يأتي مباغتاً إذا كان في سفر، حتى يتأكد من جاهزيتها الجسدية والنفسية لاستقباله. انظروا إلى هذه الأخلاق والاهتمام بأدق التفاصيل في الحياة الأسرية.

كان يراعي حتى الغيرة عند نسائه. تقول عائشة: «خرج النبي ﷺ من عندي ليلة فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع»، أي رأى عائشة وهي مضطربة وتتحرك في البيت متوترة، ظنت أن النبي ﷺ قد راح إلى زوجة ثانية، فدخلت البيت ورأته، فقال لها: «ما لك يا عائشة؟» أي ما الذي يغضبك؟ قالت: «وما لي؟ ألا يغار مثلي على مثلك يا رسول الله؟».

عائشة ذكية بدرجة عالية، حتى أنها عرفت كيف تخلص نفسها، فقالت: «أكيد مثلي سيغار على مثلك يا رسول الله»، فكان أمراً طبيعياً، فقال: «قد جاءك شيطانك». فغيرت الموضوع مباشرة وقالت: «يا رسول الله، هل معي شيطان؟»، فقال: «نعم»، قالت: «ومع كل إنسان شيطان»، فغيرت الموضوع حتى تنسيه قضية الغيرة، والنبي ﷺ كان يعرف، لكنه مشى معها حتى يذهب هذا الموقف.

دخلت في قضية أخرى أيضاً؛ في ليلة من الليالي، تقول عائشة: «لما كانت ليلتي التي كان النبي ﷺ فيها عندي، انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه فأضجع، فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقدت». نام معها في الفراش حتى ظن أنها رقدت، وعائشة كانت تفتح عينيها قليلاً.

أخذ رداءه برفق، وانتعل برفق، وفتح باب الحجرة برفق، وخرج وأغلق الباب بهدوء وصمت حتى لا يوقظها. عائشة كانت صاحية، فقالت: «فجعلت أدرعي في رأسي»، أي لبست حليتها، ثم غطت رأسها وتقنعت بإزاري لتغطي جسدها حتى لا يعرف النبي ﷺ، ثم انطلقت تتبعه لترى أين يذهب حتى جاء إلى البقيع (المقابر)، فقام وأطال القيام في الدعاء لأهل البقيع، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم لف ليرجع إلى الحجرة.

قالت: «ثم انحرف، فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولته»، صار الموضوع كأنه سباق، عائشة تريد أن تعود إلى الحجرة قبل أن يكتشف النبي ﷺ خروجها، فتقول: «هو هرول، أنا بهرول، هو أسرع، أنا أسرع»، حتى صار الأمر كالعدو. هل كان النبي ﷺ يراها ويقصد أن يفعل هذا بها؟ ربما. قالت: «فسبقته»، وقد يكون هو الذي ترك لها هذه المساحة، فدخلت الحجرة وأضجعت نفسها تحت الإحرام.

عائشة تحت الإحرام ونفسها مسموع من الغرفة، فقال: «ما لك يا عائشة؟»، صوت نفسك عالٍ. قالت: «لا شيء يا رسول الله». قال: «لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الكبير، احكي لي ما الموضوع». فقالت: «يا رسول الله، بابي أنت وأمي، رأيتك خرجت إلى إحدى زوجاتك»، فأخبرته، فقال: «أإذن أنت السواد الذي رأيته أمامي؟»، قال إنه رأى شيئاً أسود أمامة، فقالت: «نعم». قال: «فلهدني في صدري» أي أوجعها، وقال: «أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟ أظننت أني سأظلمك؟ فسأذهب في ليلتك إلى ليلة امرأة أخرى، لا يمكن أن أجور في ذلك، فإذا...» ثم ذكر حديث جبريل عليه السلام.

هذا يدل على أن النبي ﷺ متفهم بعد الغيرة. وهذا ينتبه شبابنا؛ أحياناً الغيرة تجعل المرأة تتصرف تصرفات قد لا تكون مقنعة بالنسبة لك، لكنها مقنعة بالنسبة لها. الغيرة أحياناً لدى بعض الشباب، خاصة الذين يعملون في بيئات مختلطة، يكون الشاب جالساً مع الموظفة من الثامنة صباحاً إلى الرابعة مساءً، وهاتفه مليء بأرقام الزميلات، وطوال الوقت يرد على فلانة ويجيب فلانة، فإذا غارت زوجته وأخذت...

النساء يا أخي، أنت لا تعرف إلا الغيرة، مع أنه لها حق في ذلك وأنت قد تحيف عليها. الله ورسوله لا يحيفان على عائشة، لكن أنا وأنت قد نضعف؛ صحيح قد يصدر منك خطأ في الكلام مع النساء الأجنبيات، فأنت لا تكون مثالياً. وإذا رأيت زوجتك غارت واحتدمت، فتقول: «والله أنتِ يا فلانة ما عندك إلا المشاكل»، وأنت خرج غيرة، وهي ترى أنها تتصرف بطبيعتها الأنثوية.

الشيء الطبيعي أن تغار، والغيرة دليل المحبة كما قال ابن حزم: «الغيرة دليل المحبة». ترى زوجتك لما لا تعود تغار عليك، ضع علامة استفهام؛ لأنه إما المحبة نزعت، وإما أن هناك شيئاً ملأ حياتها الآخر. يجب أن تخاف؛ فالغيرة دليل المحبة. فأنت إذا رأيت زوجتك تغار وتزن عليك: «أين تأخرت؟ مع من كنت؟»، خاصة إذا كنت موظفاً، عليك لفات ودورات وتشتغل في شغل مختلط أو كذا، فمن الطبيعي جداً أن تكون الغيرة حاضرة، وعليك أن تحسن التعامل معها، ولا تطالبها بمثالية غير موجودة.

أحياناً هذا الحديث جميل، فيه طول لكنه جميل، كيف كان حتى في الحياة الأسرية يتركهن يقتصصن من بعضهن البعض. تقول عائشة: «ان نساء النبي ﷺ كن حزبين؛ التسع نسوة كن في حزبين في حياة النبي ﷺ؛ فريق عائشة، حفصة، صفية، سوداء، هذول مع بعض مكوشين مع بعض، والحزب الآخر: أم سلمة، زينب، جويرية، صفية، ميمونة، هذول حزب آخر».

كان المسلمون قد علموا حب النبي ﷺ لعائشة، فإذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى النبي ﷺ، آخرها حتى إذا كان النبي ﷺ في بيت عائشة بعث صاحب الهدية بها. يكلم الناس فيقول: من أراد أن يهدي، بعث صاحب الهدية بها إلى النبي ﷺ في بيت عائشة. فكلم حزب أم سلمة؛ الزوجات اللي مع مجموعة أم سلمة، جئنا لها الحزب الثاني، فقلنا لها: كلمي رسول الله ﷺ.

يقول الناس: من أراد أن يهدي هدية فليهدِ في أي مكان، ما المشكلة؟ لما مثلاً صحابي يريد أن يهدي للنبي ﷺ صحناً من رز مع دجاج، يأتي في يوم عائشة. صحابي يريد أن يهدي رزاً مع لحم، يأتي في يوم عائشة. الصحابي يريد أن يهدي مرقة، فمن يصيب الأكل؟ كل الأكل يذهب لعائشة. فزوجات النبي ﷺ من حزب أم سلمة قالوا: بعدين، يعني لا أحد يهدي في بيتنا، لا نحن نرى اللحم ولا نرى الجاد ولا نرى شيئاً، اللي يهْدونه في يوم عائشة.

فقلنا لسيدتهن وزعيمتهن أم سلمة: كلمي النبي ﷺ يقول لأصحابه إن الإهداء يكون في أي يوم. فكلمته أم سلمة، فلم يقل لها شيئاً، لم يرد عليها النبي ﷺ بأي شيء. فسألناها: ماذا قال لكِ؟ قالت: ما قال لي شيئاً. فقلنا لها: كلميه. قالت: فكلمته حين دارت عليها أيضاً، يعني لما جاء يوم أم سلمة رجعت فتحت معه الموضوع: «يا رسول الله، خلي أصحابك يهدوا في أي يوم تكون فيه؟»، فلم يقل لها شيئاً. رجعوا سألناها، قالت: ما قال لي شيئاً. فقلنا لها: كلميه حتى يكلمك. فدار إليها رجع لثانية، وصلت الدور لأم سلمة فكلمته فقال لها: «يا أم سلمة، لا تؤذيني في عائشة، فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا في عائشة».

يعني خلص هذا القسم ليس مطلوباً فيه العدل، هذا نصيب، تحملوا، وبده يكون شيئاً من الشدة على المشاعر والأحاسيس. فقالت أم سلمة: «أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله». أم سلمة رفعت يدها. الزوجات في حزب أم سلمة ما وفى معهم، فذهبوا إلى من؟ إلى فاطمة. فاستأذنوا عليها، فدخلت فاطمة على النبي ﷺ وهو مضجع مع عائشة في مرتها ولحافها، فقالت: «يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة». طبعاً ما خرج عائشة في ابنة أبي قحافة، هذا متقصد هذا الكلام.

عائشة تقول وأنا ساكتة، فقال: «يا بني، ألا تحبين ما أحب؟» فقالت فاطمة: «بلى»، قالت: «فأحبي هذه» وأشار إلى عائشة. فقامت فاطمة حين سمعت ذلك فرجعت إلى أزواج النبي ﷺ فقالت بالذي قال لها النبي ﷺ. فقلنا لها: «الأزواج ما نراكِ أغنيتِ عنا شيئاً، والله ما استفدنا منكِ شيئاً يا فاطمة، ما حللتِ الموضوع، فارجعي إلى رسول الله». فقالت فاطمة: «والله لا أكلمه عاد، دبروا أنفسكم».

فأرسل الحزب المرأة الثالثة، زينب بنت جحش، وهذه كانت أقواهن. فأرسلنا زينب بنت جحش. قالت عائشة وهي تنصف عائشة: «وقالت وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة، كانت تنافسها على قلب النبي ﷺ جمالاً ومروءة وأخلاقاً، ولم أرَ امرأة قط خيراً في الدين من زينب». شوف عائشة تنصف ضرتها: «ما رأيت امرأة قط أحسن في الدين منها، وأتقى لله، وأصدق حديثاً، وأعظم صدقة، وأشد ابتداءً لنفسها في العمل»، كانت تشتغل خياطة أو شيئاً وتكسب بيدها لتتصدق وتقرب إلى الله، إلا شيئاً واحداً، قال: «ما عدا ثورة من حدة كانت فيها، تسرع منها الفيئة»، يعني كان فيها شيئاً من الحدة تفقد السيطرة، زينب لحظات، ثم تسرع الفيئة، يعني ترجع تتوازن، بس خلص، يعني عندها حدة وتستيقظ منها سريعاً.

المهم، قالت فذهبت زينب حتى استأذنت، ورسول الله ﷺ جالس مع عائشة في نفس اللحاف، تخيل زينب بنت جحش دخلت على الحجرة وشافت النبي ﷺ وعائشة في نفس اللحاف. فقالت: «يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، بدنا الهدايا توصلنا زي ما بتوصلها». ثم التفتت زينب إلى عائشة ووقعت اجتها الثورة، خلص فقدت سيطرتها، زينب نزلت تشتم في عائشة: «أنتِ وأنتِ»، ثم استطالت عليّ يعني زودت.

قالت عائشة: «وأنا أرقب رسول الله ﷺ وأرقب طرفه»، يعني أرقب عينه، أنتظر أن يأذن لي لأرد الشتائم، بدها تنتظر حتى يعطيها النبي ﷺ الإذن أنه يرد عليها. قالت فلم تبرح زينب حتى عرفت، يعني زينب خلصت كل اللي عندها، حتى عرفت أن النبي ﷺ لا يكره أن أنطس، خلص عرفت أن النبي ﷺ معطيني الضوء الأخضر. قال: فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها، استطاعت عائشة أن ترد كل الادعاءات التي قالتها زينب حتى أسكتت زينب تماماً.

«عائشة فلما وقعت بها لم أنشبها حتى انحيت عليها»، أي خلصت عليها عائشة. أنا فقط أمسكت الميكروفون كما يقولون، ولم أترك لها فرصة حتى خلصت عن الموضوع تمامًا. فنظر النبي ﷺ إلى عائشة متبسمًا وقال: «إنها ابنة أبي بكر»، تعجب من قوة عائشة وكيف استطاعت أن تسكت زينب وترد على كل الادعاءات.

الذي يقول لك إن عليك النظر في كل هذه القصص التي سردناها، ياتي على مخيرته أن النبي ﷺ مواضيعه في الحياة، هؤلاء الزوجات التسع صحيح، وأنه هو يراعي هؤلاء التسع، وهذه تمشكلت وهذه زالت، مع أنه كان يجاهد ويقاتل. كل هذا المشهد لا يأخذ إلا أوقاتًا يسيرة من الحياة، لكن نحن أحيانًا نضخم الاهتمامات ونعتقد أن الاهتمام بالزوجة يستنزف الحياة وهو ليس كذلك، لكن الشيطان يلبس علينا ليفسد أسرنا.

ختامًا، أختم بما يتعلق بالقسم الثالث وهي حلول المشكلات في بيت النبوة. هل في بيت النبوة كان في مشكلات أسرية؟ بالتأكيد كان هناك مشكلات أسرية في بيت النبوة. كانت هناك مشاكل، وأحيانًا شيء منها يكون من الخارج وأحيانًا شيء منها يكون من الداخل. سأركز على مشكلتين حتى ننهي المحاضرة.

أبرز مشكلة كانت صعبة جدًا على نفسية النبي ﷺ هي مشكلة اتهام عائشة -والعياذ بالله- بالفعل القبيح. ترى في غزوة بني المصطلق النبي ﷺ عائدًا من المعركة، وعندما عاد من المعركة في إحدى منازل الطريق نزل الجيش وأنهى أموره وتحرك الجيش، وعائشة اضطرت أن تذهب لقضاء حاجتها، فذهبت إلى الخلاء وحدها، فما انتهت وعادت حتى وجدت الجيش قد تحرك وتجاوزها وصارت وحيدة، فالجمل مش موجود وفي صحراء.

عائشة قررت أن تنام، وجدت شجرة نامت تحتها وقالت: "أكيد النبي ﷺ سيرفتقدني فيرجع الناس يبحثون عني فيجدني". فبينما هي نائمة، إذا أحد الصحابة الكرام صفوان بن المعطل أتى، وكان أيضًا يقولون هذا الصحابي كان كثير النوم، راحت عليه نومة والجيش تحرك وراح، فاستيقظ وجد الجيش مشى، فكان ماشيًا ماسكًا الجمل أو الفرس فأتى عند الشجرة فرأى سوادًا فعرف أنه سواد عائشة، وكان يراها قبل الحجاب، فأخذ يسترجع: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، حتى استيقظت عائشة فرأت صفوان فعرفت أنه يريد أن يأخذها ليلحق بالجيش.

قالت عائشة -فوالله ذكرت من أخلاقه ونبله وكيف كان يضع لها الجمل ويبتعد ثم عائشة تركب وحدها ثم يأتي يقود الجمل حتى أوصلها إلى جيش النبي ﷺ-. فلما رأى المنافقون من بعيد عائشة على جمل ومعها صفوان، تكلم عبد الله بن أبي ربعي، رأس النفاق، ومجموعة من المنافقين، وأصبحوا يتهمونها في عرضها -والعياذ بالله- في شيء وقع مع صفوان وهي الطاهرة المطهرة -رضوان الله تعالى عليها-.

الآن النبي ﷺ الموقف شديد وصعب، تخيل أن تُقذف في زوجتك! هذه مشكلة ربما أقول هي أصعب مشكلة، لو تموت زوجتك أهون عندك من أن تُقذف في زوجتك أنها فعلت الفاحشة؛ تخيل حجم الألم الذي دخل على قلب النبي ﷺ، موضوع جدًا حساس. مع ذلك، لم يجعل هذا الأمر يفقد توازنه، ويعلمنا الصبر ورباطة الجأش إلى آخر مستوى.

النبي ﷺ لا يعهد على زوجته إلا خيرًا، ولا يعلم من صفاتها إلا كل أمر رشيد، ومع ذلك هو الآن لا يملك البينة القطعية، فكان ينتظر نزول الوحي من السماء. تأخر الوحي لحكمة أرادها الله، وبدأ الحديث ينتشر، ووصلوا إلى المدينة. عائشة في كل هذه الفترة في البداية ما كانت تعرف أن الكلام ينتشر عنها لأنها كانت مريضة، ما كانت تعرف الإشاعات الخارجية.

في يوم من الأيام، لما وصلت عائشة إلى المدينة تقول: "ما رأيت شيئًا اختلف علي إلا أنني كنت إذا أمرض أرى من النبي ﷺ حنانًا ولطفًا لم أجده في هذه المرة". تغير النبي ﷺ شيء في حنيته لشعوره بأن هناك شيء يجب أن يتم فهمه وإدراكه، هل عائشة أخطأت أم لا؟ مع أنه عليه الصلاة والسلام ما عهد عليها إلا خيرًا، بس هو رئيس الدولة ولا يستطيع أن يتخذ قرارًا عفويًا بمعاقبة المفترين دون امتلاك البينات الواضحات.

خرجت عائشة يومًا من الأيام إلى الخلاء وكانت معها أم مصطح، فقالت أم مصطح: "تعس مصطح"، فقالت عائشة: "لماذا تدعين لابنك؟" قالت إنه يتكلم في عرضك. عائشة هنا طبعًا فقدت السيطرة على نفسها، وعرفت لماذا النبي ﷺ تغيرت صفاته معها، فقررت أن تعود إلى بيت أبيها، قالت: "يا رسول الله إني أريد أن أعود إلى بيت أبي". والنبي ﷺ شاعر أنه عائشة فهمت المشكلة.

وهذا يدل -حتى لا أطيل- أن الإنسان إذا وصله شيء عن أهله أنهم فعلوا شيئًا خطأ لا يرضي الله، يقول ابن حجر والنووي في تعليقهم على هذا الحديث: إن تغير شيء من المعاملة حتى تنبه أهلك ليقوموا هم بالتفصيل وبيان العذر، هذا شيء مطلوب وهذا من هدي النبي ﷺ، خاصة أنه أنت الآن لا تملك اليقين الواضح هل زوجتك أخطأت أم لا، هي بشر والخطأ متصور. فالنبي ﷺ خفف جزءًا من اللطف حتى تنتبه عائشة أنه في مشكلة، وأنه علينا يا عائشة أن نعالجها؛ إذا كنت لم تخطئي فتعالي بيني حجتك، وإذا كنت أخطأتِ فتعالي واعترفي، هذا هو المطلوب.

ولذلك النبي ﷺ بقي خلال هذه الفترة قاربًا تقريبًا شهرًا وهو لا يواجه عائشة بالخطأ، ما قال أنت فعلتِ، أو أنت سويتِ، أو أنتِ لماذا تأخرتِ. يعني لو واحد فيكم وقع في هذا الظرف، سيبدأ بدوامة من اللوم والعتاب والصراخ والإشكال، وقد يستثير قوله: "خلص أطلقها". ولذلك النبي ﷺ لم يواجه عائشة بالمشكلة واستلبث حتى يعرف حقيقة الموضوع، ثم بعد ذلك عمل تحقيقًا سريًا؛ دعا علي بن أبي طالب، ودعا أسامة بن زيد، مع أن أسامة بن زيد كان عمره لا يتجاوز الـ 15 سنة، استشاره النبي ﷺ وهو في الخمسين! يستشير أسامة بن زيد الذي لا يتجاوز عمره 15 سنة لماذا؟ لأن أسامة بن زيد كان محتكًا ببيت النبوة وكان مولى للنبي ﷺ يخرج ويدخل، فاستشاره وأسامة بالعكس قال: «يا رسول الله، ما عهدنا عليها إلا خيرًا». استشار النبي ﷺ زينب بنت جحش، فزينب بنت جحش أنصفت عائشة، ليس لأنها ضرتها.

قالت: «والله ما أعلم عليها إلا كل خير». أيضاً المرأة التي كانت في البيت، قال: سألها النبي ﷺ عن أخلاق عائشة، رأيت عليها ريبة. عمل تحقيق وتأكد أنه لا يوجد أي أحد رأى على عائشة تغيراً في سلوكياتها، وهي الطاهرة المطهرة. فقام على المنبر وقال: «من يعذرني فيمن يؤذيني في عرضي؟»، فقام الأوس، وقالوا: يا رسول الله، نحن نقتل لك عبد الله بن أبي، لأن عبد الله بن أبي منهم، فاستشاط بعضهم غضباً وكادت أن تحصل فتنة بينهم.

المهم، لا أريد أن أوصل أنه خلال هذه الفترة الغيرة الشديدة كانت مقرونة بالتأني، وهذا ممكن أن يصير مع أي شخص منكم في حياته الزوجية؛ ممكن تسمع عن أهلك ريبة، ممكن واحد يقول لك الله يعافيكم جميعاً وما تبتلى، لكن في النهاية يجب أن تأخذ منهج النبي ﷺ وتستعد لأي مأزق. كثير من الناس يأتيهم، وحتى الإخوة الملتزمون، تكون زوجاتهم قد وقعن في ريبة أو ثبت ذلك فعلاً، فالفكرة أنك تريد أن تسمع هذا الكلام لتعرف كيف تعالج المواقف، وأن الغيرة لا تعني فقدان السيطرة، ولا تعني أن تقوم بحماقة.

حدثت قصة في الغور قبل سنة، عندنا عشيرة بلغهم أن ابنتهم تحدثت مع رجل على الهاتف في شيء أو في عمل، فغضبوا. قال لهم واحد: ترى بنتكم رأيتها تتكلم مع شاب، فذبحوها وقطعوا رأسها. أخ في العشيرة يقول لي: والله يا شيخ البنت بريئة ما عندها شيء، لكن واحداً حرضهم عليها. في بلدنا، القصة وأنا مطلع على حديثاتها، ذبحت البنت ذبح الخراف وقطع رأسها؛ لأن الغيرة تجعل بعض الناس غير متوازنين ويفقدون سيطرتهم تماماً، ويظنون أنه بذبحها يمحو عاره، مع أنه ما حار، بل سيلقى الله عز وجل بهذه البنت المسكينة التي لم تقع في خطيئة، قد يكون سوء تفاهم. يا أخي اعتبرها قالت بالهاتف شيئاً خطأ لا يرضي الله، هل الإسلام يبيح لك ذبحها؟ حتى لو ضعفت ولم تزن ولم تقع في عشرة محرمة، هل الإسلام يبيح لك ذبحها؟

قضية التوازن في الغيرة مطلوبة، ولذلك الطلاق في يد الرجل وليس في يد المرأة؛ لأن المطلوب منك أن تكون أكثر سيطرة على نفسك في المشاكل الأسرية، وإذا رأيت الموضوع خرج عن السيطرة فطلقها بإحسان. يا أخي استر عليها، إذا رأيت أنها أخطأت أو قصرت أو وقعت في فخ من هذه الفخاخ، استر عليها، طلق، لا أحد يطالبك أن تبقى معها، لكن على الأقل لا تكن إنساناً فضاحاً وكشافاً ومتهوراً ومستعجلاً.

وهذا ما فعله النبي ﷺ حتى نزلت براءة عائشة. ولما نزلت براءة عائشة، قالت لها أمها: انظري، قومي إلى النبي ﷺ، قالت: والله لا أقوم له، إنما الله هو الذي برأني. ولم يعاتبها النبي ﷺ على شدة كلامها لأنه يعرف أنها نفس بشرية. تخيل أمها تقول لها: قومي إلى النبي ﷺ عانقيه وقبليه، تقول: والله لا أقوم له! في قمة زعلها وغضبها أنها تقول: إن الله هو الذي برأني وليس هو. ومع ذلك لم يعاتبها النبي ﷺ لأنه يعرف هذا البعد، أنها امرأة ضُربت ومُست في أمس الأشياء في حياتها في عفتها، فشيء طبيعي أن يكون لها هذا الانفعال.

اقرأ هذه القصة، قصة معالجة النبي ﷺ لحادثة الإفك من الكتاب وانظر المعالجة. ختاماً، النبي ﷺ كان يأتي زوجاته يسألهن النفقة، وشيء طبيعي لما بيت النبوة، النبي ﷺ ما كان ذا مال غزير بل كان الكفاف، لكن لم يكن لديه ما يوسع فيه عليهن. دخل أبو بكر الصديق على النبي ﷺ في الحجرة وكل الزوجات جالسات حوله، فقال لأبي بكر إنهن يسألن النفقة. أبو بكر فهم ذلك فقال: يا رسول الله، ترى أنا كنت قبل قليل مع زوجتي وسألتني النفقة، وقد وجأت عنقها. "وجأت عنقها" يعني كأنني قتلت لها رأسها، ليس كسر رقبة بل لفيت رأسها لكي لا تظل تسأل المال. فتبسم النبي ﷺ وقال: «هاهن أيضاً يسألنني النفقة».

بعد ذلك دخل عمر على الحجرة فرأى نفس الشيء، وعرف أن الزوجات يطالبن النبي ﷺ بالنفقة، أي بالتوسعة عليهن. فقال عمر: يا رسول الله، إذا شئت وجأت رأس حفصة، وأبو بكر جاء رأس عائشة. فعمر اقترح أن يحل الموضوع بـ "معص" رقبة حفصة ورقبة عائشة، فنهاهم النبي ﷺ، فليس هذا هو الحل. ولاحظ هنا كيف أن النبي ﷺ لم يخجل أن يقول لأصحابه ما هي المشكلة العائلية. هناك مشاكل عائلية يمكن أن تحكيها، وهناك مشاكل لا تقبل الحديث، مثل هذه المشكلة؛ هي مشكلة عادية يريدون زيادة في النفقة، لكن دائماً حاول أن تحل المشاكل الأسرية وحدك إذا كانت تتعلق بالعشرة أو الأمور الداخلية، فالأصل ألا يُحدث بها الناس.

بعد أن حصل هذا الموقف، أنزل الله عز وجل يخاطب النبي ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 28-29]. ومع ذلك، بقيت الزوجات أحياناً يشتكين، والسؤال كان متكرراً، حتى جاءت عليه فترة غضب فحلف ألا يدخل على نسائه شهراً، وهجر نساءه شهراً. وهذا الهجر أذكره لأنه فعله النبي ﷺ كأسلوب شرعي للعلاج عندما تكون المرأة قد زودت وأطالت الإشكالات بدون مبرر شرعي.

خاصة فيه، ودخل عمر وجاء عمر يستلطف النبي ﷺ. طبعًا عمر دخل خائفًا أن يكون النبي ﷺ قد طلق زوجاته، ويخشى أن يكون قد طلق منه ابنته حفصة، فجاء قال فجعل أمازحه وأضاحكه وأخبره: "إنه يا رسول الله، ترى إنا كنا في المهاجرين لما كنا في مكة كنا نحن نغلب نساءنا، فلما جئنا على المدينة أهل المدينة نسائهم كانوا أقوى من رجالهم، فالنساء الأنصار كنا يغلبنا رجال الأنصار كالحياة الأسرية، فلما أتينا المدينة أصبح نساؤنا يتعلمنا من نساء الأنصار وصارت الواحدة تغلبنا، وصار الواحد بعد ما يعرف يرد عليها". وصار النبي ﷺ يضحك ويبتسم مع عمر، وهذه خلقه؛ أنه صحيح غضب وحالف ألا يدخل على نسائه شهرًا، لكنه ما أطال الموضوع، ما أطال النزاع والنقاش في الحياة الأسرية.

إذا أنت تريد أن تطلق فطلق، لكن إذا أنت فقط تريد الإصلاح والعتاب، فاجعل دائمًا هجرانك إذا أطالت المرأة الإشكال ونشزت نوعًا ما، وكانت واضحة أنها صعبة المزاج، أنت ممكن تعالجها بشيء من الهجران اليسير التعليمي الذي الهدف منه في النهاية تعديل سلوكها. إذا لم تعدل سلوكها، لا تطل الهجران أكثر من ذلك، بل أرجعها إلى بيت أهلها إذا شعرت أن الحياة الأسرية متعذرة ومتعسرة.

النبي ﷺ في المشاكل التي كان يمر بها في حياته الأسرية أحيانًا كان يستشير، زي ما حكينا في حادثة الإفك استشار عليًا وأسامة، واستشار زينب فيما يتصرف في قصة عائشة. الاستشارة مطلوبة في مشاكلك الأسرية؛ إذا أنت شعرت أنك وحدك غير قادر على اتخاذ قرار، فبدك أحيانًا مساعدة الآخرين. أحيانًا قد يكون الصبر هو جزءًا من الحل، خاصة مع بعض النساء، ما عليك إلا أن تصبر عليها إذا كنت لا تريد طلاقها.

أحيانًا الهجر قد يكون الهجر في المنزل داخل الحجرة، كالنوم في غير نفس الفراش أو أن تعطيها ظهرك، وقد يكون الهجر أحيانًا في غرفة مستقلة أخرى كما فعل النبي ﷺ إذا أردت أن تداوي بعض الجروح. لكن بعد كل هذا، اجعل العشرة بالمعروف والرفق والهدوء هي سمتك العام. ومن أراد الطلاق -أعود فأقول- إذا سدت الحياة الزوجية وأردت الطلاق، فاجعل شعارك ﴿تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]؛ لا تجعل طلاقك طلاقًا مدمرًا، طلاقًا يسمع به القاصي والداني، وتهتك الأستار وتكشف الأوراق ويعرف الناس به.

ممكن بعض الحياة الأسرية لا تصل، ليس كلنا كذلك، بعض الصحابة طلق عادي جدًا، فالطلاق ليس مشكلة إذا كان قرارًا عقلانيًا، لكن المشكلة أن يكون الطلاق بفضيحة، الطلاق بهتك ستر، الطلاق بأذى. الله عز وجل دائمًا سماه تسريحًا بإحسان. هذه معالم إخواني من حياة النبي ﷺ الأسرية، وهذه أول مشهد، أول محاضرة من محاضرات هذه الدورة. وحياة النبي ﷺ غزيرة في السلوكيات والتصرفات التي تهدي الإنسان إلى البوصلة الصحيحة.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا وأن يفقهنا وأن يرزقنا حسن الاقتداء بالنبي الأعظم عليه الصلاة والسلام. نلتقي في المجلس القادم، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.