دخولتسجيل الدخول

كيف عاملهم؟ | المجلس الخامس | تعامل الرسول ﷺ مع الكافرين والمنافقين والمسلمين الجدد

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الأكارم في المجلس الختامي في التعليق على كتاب كيف عاملهم، وهي عنوان دورتنا الطيبة المباركة التي عشنا في أفيائها في هذه الأسابيع الخمس. كيف عامل النبي صلى الله عليه وسلم مختلف شرائح المجتمع؟ كيف كان عليه الصلاة والسلام يتعامل مع أزواجه؟ كيف كان يتعامل مع أقاربه؟ كيف كان يتعامل مع شرائح مجتمعية مختلفة مثل المذنبين والعاصين وغيرهم؟

واليوم إن شاء الله نختم بالكلام عن أصناف معينة أيضا: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل مع المسلمين الجدد، ومع المنافقين، ومع الكفار؟ طبعا الكتاب الذي بين أيديكم هو أوسع من ذلك، وحقيقة إنما كان الهدف أن نضع ومضات ونضع كليات دون الدخول في الجزئيات والتفاصيل، ونترك باقي الكتاب لتقرأوه وحدكم إن شاء الله مستمتعين به منتفعين بمادته. لكننا حصرنا أنفسنا في أهم أشكال التعامل التي لابد وأن يتذاكرها المسلمون في هدي النبي صلى الله عليه وسلم وفي سيرته، ليتعلموا منها ويأتسوا به عليه الصلاة والسلام، فهو القدوة العليا لنا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: 21].

والدين المعاملة أيها الكرام؛ الإنسان لا يستطيع أن ينفك عن الناس، الكل يحتاج أن يعامل، فعلينا أن نعرف منهاج التعامل. ومن ضبط منهاج التعامل مع مختلف الشرائح والأصناف والأشكال استراحت الحياة، وأما كثير من الإشكالات التي تحدث في حياة الشباب والنساء إنما يكون أحد أسبابها عدم فهمهم لمنهج الإسلام في التعامل، فإاما أن يقصر وإاما أن يفرط، وإاما أن يكون عفوا غاليا في ذلك. وبين الأفراط والتفريط تضيع الحقوق وتسوء العلاقات، ويبتعد الانسان عن منهج الإسلام الراقي الذي يعينك على أن تسير بحياة مطمئنة هادئة، بعيدة عن المشاكل والصخب والضجيج والخصومات والنزاعات. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا وأن يبصرنا وأن يفقهنا بمنهج محمد صلى الله عليه وسلم بمنهج المعلم الأول والقائد الأعلى، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

نبدأ إن شاء الله مجلسنا اليوم بالكلام عن أي فئة؟ المسلمين الجدد. كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل مع هذه الفئة؟ أولا عندما تكلم القرآن عن شخصية النبي صلى الله عليه وسلم بين أنه عليه الصلاة والسلام كان شديد الحرص على أن يدخل الناس في دين الله أفواجا، وكان يحزن ويأسف على فوات كثير من الناس وعدم دخولهم في هذا الدين وموتهم على الكفر. لذلك يقول سبحانه وتعالى في وصف أخلاقه وسمته في هذه الجهة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]. فهو حريص على أن يسلم الناس جميعا وأن يدخلهم في دين الله، وبالمؤمنين على وجه الخصوص تزداد رحمته ورافته.

وكثيرا ما كان الله سبحانه وتعالى يخاطب نبيه عليه الصلاة والسلام عندما يراه حزينا متقطعا من داخله لعدم اسلام قومه فيقول: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِم إن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]، يعني هل أنت تريد أن تهلك نفسك حزنا وأسفا وتتقطع من داخلك بعدم إسلامهم؟ وقال له في مقام آخر: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: 56]. وكان النبي عليه الصلاة والسلام كثيرا ما يقول: أمتي أمتي، ويدخر دعوة مستجابة له ليوم القيامة لتكون شفاعة لأمته. هذه كلها تعطيك عن طبيعة شخصية النبي عليه الصلاة والسلام الحريص على أن يدخل الناس في هذا الدين، والحريص على أن يبعد أمته عن نار جهنم. وهناك حديث عظيم يقول صلى الله عليه وسلم يوصف فيه حاله مع الأمة، قال: «إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش -وهذه الدواب التي تقع في النار- يقعن فيها، فجعل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها، فآنا آخذ بحجزكم عن النار». والحجز هي ماذا؟ موطن عقد الإزار يعني بالخاصرة تقريبا، وهم يقتحمون فيها.

إذا يبين النبي عليه الصلاة والسلام أن حاله مع أمته؛ كان هناك رجل أوقد نارا، وهذه النار هي الشهوات الأهواء، فياتي الفراش يريد أن يسقط في هذه النار. طبعا الفراش تعرفون دائما الفراش وبعض الحشرات الطائرة تلتم حول النور، أليس كذلك؟ فالنار فيها ماذا؟ فيها حرارة ونور. الفراش هل يأتي من أجل الحرارة ولا من أجل النور؟ يأتي من أجل النور يظن أن فيه نفعا، فاذا به يجد حرارة تحرق. فالنبي عليه الصلاة والسلام يخبر أن هذه الشهوات التي ينظر إليها يرى بريقها ويرى فيها لذات، ولكن هذه الشهوات والأهواء والشهوات تحرق من يقع فيها. فكانت أمته بمجرد أن تأتي هذه النار يرون فقط الضياء وينسون الحرارة فيتهافتون عليها، فمن الذي يشدنا بعيدا عن هذه النار ويكون حريصا على إبعادنا عنها؟ إنه النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فأنا آخذ بحجزكم»، كأنه يضع يده عليه الصلاة والسلام على خواصرنا يريد أن يشدنا شدا بعيدا عنها، مع أن كثيرا من الناس يبقى مصرا على اقتحامها.

وكم ظرف عيناه صلى الله عليه وسلم لأجل أمته! روى الإمام مسلم في صحيحه عن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام تلا قول الله عز وجل في إبراهيم: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36]، وتلا قول عيسى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وإن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أنت الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118]. فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: «اللهم أمتي أمتي»، وبكى عليه الصلاة والسلام. فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد -وربك أعلم- اذهب إلى محمد فسله ما يبكيك؟ والله يعلم ما يبكي، لكن الله عز وجل أراد أن يطلعنا على مدى شفقة النبي عليه الصلاة والسلام. يا جبريل اذهب إلى محمد صلى الله عليه وسلم فسله ما يبكيك، فأتاه جبريل فساله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حاله وما الذي أبكاه، وهو الشفقة على أمته عندما قرأ هاتين الآيتين. فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد صلى الله عليه وسلم فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسؤك. هذا كله يدر بكاء النبي عليه الصلاة والسلام حتى على كفار أمته، بكاؤه على كفار أمته حرصا منه ألا يقع أحد من هذه الأمة في النار.

ومن أخلاقه عليه الصلاة والسلام في التعامل مع المسلمين الجدد أنه كان يكون في شدة الفرح عندما يرى رجلا يدخل في دين الله سبحانه وتعالى، خاصة إذا كان رجل له ثقل ووزن. فعندما دخل عدي بن حاتم رآه النبي صلى الله عليه وسلم وثب إليه فرحا وما عليه رداء عليه الصلاة والسلام، يعني ظهره وصدره مكشوف لما رأى عدي بن حاتم الطائي ليسلم، جاء في الروايات: فقام النبي صلى الله عليه وسلم يثب فرحا ويعانقه بدون رداء. وكذلك شبيه من ذلك موقفه عندما أسلم عكرمة بن أبي جهل، خاصة هؤلاء الرجال الذين يكون له مثلا تاريخ في عداء الإسلام، ثم بعد ذلك إذا بهم يدخلون في هذا الدين تبرق أسارير وجهه عليه الصلاة والسلام فرحا وسرورا وسعادة بأن هؤلاء لم يذهبوا إلى النار، وإنما هذه المعادن أصبحت من معادن أهل الجنة.

كذلك النبي عليه الصلاة والسلام من حرصه كان يدعو لبعض الكفار الذين يتوسم فيهم الخير أن يهديهم الله إلى الإسلام. هذا الحرص هكذا ينبغي أن يكون المسلم؛ المسلم أيها الكرام يكون حريصا حتى على بعض الكفار، وحتى على بعض العصاة والفجار، حريصا على أن يهديهم الله عز وجل. يعني نحن أمة رحمة، أمة دعوة، لسنا أمة إقصاء، لسنا أنانيين فقط نريد الجنة لنا، بل من سمات الداعية والمحب لهذا الدين أنه يتمنى لو أن الناس جميعا يستطيعون دخول الجنة، فإن هذا لن ينقص من حظك شيئا بل هذا يدل على طيب معدنك. ولذلك كان عليه الصلاة والسلام مثلا في مرحلة الاستضعاف في مكة كثيرا ما يقول: اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين؛ عمرو بن هشام أبو جهل، أو عمر بن الخطاب. ثم دعا لعمر خاصة، فكان يقول كما روت عائشة: اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب. مع أن عمر في تلك الفترة قبل أن يسلم كان يؤذي المسلمين وكان يهينهم، ومع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام تووسم في إسلامه خيرا وعزة فدعا له بالهدايه. وهذا خلق نتأسى به من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، وهو إذا رأيت إنسانا فاجرا مناكفا لكن يا اخي تتلمح وتتفرس أنه قد يكون فيه خير للإسلام والمسلمين، خصه بدعوة، قل: يا رب اهدي فلان. خاصة إذا له أيادي بيضاء مثلا على المسلمين، واحد نصراني واحد في أي دين من الأديان رايت له أيادي بيضاء، رايته أحيانا أن يقف مع المستضعفين كما مثلا ترون اليوم في كثير من أسطول الحرية وما شابه ذلك، تجد كثير من الناس الذين تكون أخلاقهم مع المسلمين جيده، على الأقل يهتم بقضايا المسلمين حتى من ناحية انسانية وطنيه سمها ما شئت. فهنا النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن نخص هؤلاء بدعوة، نسأل الله أن يهديهم، نسأل الله أن يردهم، نسأل الله أن يأخذ بيدهم جزاء ما فعلوا من أفعال الخير، هذه نفسية، هذا سلوك من سلوكيات أهل الإسلام.

قضية دعاء النبي عليه الصلاة والسلام للكفار أن يسلموا هذه قضية تواترت بها السنة في مواطن كثيرة، فكان يقول: «اللهم اهد دوسا وأت بهم». لما جرح قال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». لما دخل إلى شاب يهودي يحتضر النبي عليه الصلاة والسلام دعاه إلى أن يسلم حتى في اللحظات الأخيرة. يعني شوف النبي عليه الصلاة والسلام أعاد هذا الشاب اليهودي الذي كان يخدمه، وهذا الشاب يحتضر يلفظ أنفاسه، النبي عليه الصلاة والسلام يحاول حتى اللحظة الأخيرة لعله أن يسلم، ويقول له: «أسلم يا فتى». فالشاب اليهودي ينظر إلى والده اليهودي ثم كأنه يستأذن منه، فيقول له والده اليهودي: أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. فأسلم الشاب، فالنبي صلى الله عليه وسلم فرح وقال: «الحمد لله الذي أنقذه بي من النار».

الان أول خطوة كان النبي عليه الصلاة والسلام يطلبها من الكفار أول ما يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، هذا يجب أن نفهمه. الذي ينقل الكافر إلى واحة الإسلام النقطة الفاصلة هي ماذا؟ هي أولا شهادة التوحيد، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما أرسل معاذا إلى اليمن قال: «إنك تأتي قوما أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله»، وفي رواية: «فليكن أول ما تدعوهم إليه التوحيد» إن كانت الرواية بالمعنى. فإذا يجب أن نوضح هذه القضية للمسلمين الجدد أن دخولك في هذا الدين يقتضي أولا الإذعان بأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

هل هناك طريقة أخرى للدخول في هذا الدين غير الشهادة؟ هنا تاتي مسألة خلافية بين الفقهاء، قضية إذا صلى الصلاة أو التزم ببعض شعائر الإسلام هل يعتبر بذلك أصبح مسلما؟ هذه قضية تناقش في الأوطنة الفقهية، لكن الأصل أن مفتاح الإسلام هو الشهادة، ولذلك هذا كان أول ما يدعو إليه النبي صلى الله عليه وسلم الكافرين شهادة التوحيد، الإقرار أنه لا معبود إلا الله وبأن محمدا رسول الله، فمن لم يقر باحدى الجملتين لا يعد منا حتى يقر بهما.

ثم بعد ذلك الخطوة الثانية الاغتسال، ولذلك لما أسلم ثمامة بن أثال وهو سيد اليمامة قال عليه الصلاة والسلام: «اذهبوا به إلى حائط بني فلان» -حائط يعني البستان- «فمروه أن يغتسل». ولذلك اختلف العلماء هل غسل الكافر إذا أسلم واجب أو مستحب؟ فبعضهم يقول مستحب، والحنابلة مثلا أصحابنا يقولون إنه واجب، مسألة الكافر إذا أسلم والمرتد إذا أسلم كذلك.

فاذا الخطوة الثانية بعد شهادة أن لا إله إلا الله كاننا نامره بماذا؟ بأن يطهر نفسه من أدران الشرك. وهذا التططهير الظاهري كانه ينعكس على الباطن، يعني هو لماذا يجب على الكافر أن يسلم؟ عفوا لماذا يجب على الكافر إذا أسلم أن يغتسل؟ كان هذا الاغتسال الظاهري يعطيه إيحاء أنك الآن اغتسلت من خطاياك وبدات صفحة جديدة مع الله سبحانه وتعالى.

وطبعا جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بعض المشركين بأن يلقوا عنهم شعر الكفر وأن يختتنوا. حسنوا يعني بعض المحدثين أن النبي صلى الله عليه وسلم أسلم رجل فقال له: «ألق عنك شعر الكفر واختتن، ألق عنك شعر الكفر واختتن». طبعا شعر الكفر؛ الكفار لا يهتمون بالاستحداد، حلق العانة ولا بحلق الإبط ولا تنظيف هذه الأماكن التي حث الإسلام على تنظيفها، فكما أنه يؤمر بالغسل نحثه على أنه ماذا؟ أن يطبق سنن الفطرة، ألق عنك شعر الكفر، حلق العانة، تنظيف الإبط، كل الشعر، مثلا الشارب إذا كان من الكفار الذين يجعلون شواربهم عريضة نامره بأن يزيل كل شعر حث الإسلام على إزالته، وكذلك بالاختتان إذا كان غير مختتن. قال الفقهاء: أن يكون هذا الاختتان إذا كان مثلا الكافر كبير ننظر هل الاختتان سيؤذيه أو يضره؟ إذا كان يضره الاختتان على كبر خلاص لا.

نلزم بذلك، لكن إذا كان الاخت يضره يجب عليه أيضاً أن يختتن؛ لأن هذا من شعار أهل الإسلام.

هذه الإجراءات خلينا نسميها الإجراءات المبدئية، إذا أنت رأيت رجل كافر يسلم، أحياناً بعض الناس بيجي بيسألنا بيقول يا شيخ والله أنا مثلاً عندي خادمة في المنزل وأسلمت، إيش أساوي معها؟ بدك تكون تعرف منهاج النبي عليه الصلاة والسلام: مرها فلتغتسل، تزيل عنها شعر الكفر، تنظف نفسها، طبعاً بعد شهادة أن لا إله إلا الله.

بعد ذلك يا شيخ، إذاً الخطوة الأولى إذا شخص أسلم عندي، هذه الخطوات: توحيد، الاغتسال وإزالت كل ما أمر الإسلام بإزالته من شعر البدن والتنظيف، وإذا كان رجلاً أمره بالاختتان، وإذا كانت امرأة تُرفع على تفاصيل الفقهاء.

بعد ذلك نبدأ بعملية التعليم، كان النبي عليه الصلاة والسلام من هديه أن قوماً إذا أعلنوا اسلامهم أو رجل دخل في هذا الدين يسلمه لرجل من الصحابة يعلمه، أو يبعث إليهم إلى أقوامهم من يعلمهم هذا الدين، ولذلك جاء في حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه وفد من ذكوان وعصية وبني لحيان وزعموا أنهم أسلموا، وطلبوا من النبي عليه الصلاة والسلام أن يبعث معهم من يعلمهم، فبعث النبي عليه الصلاة والسلام سبعين قارئاً، سبعين معلماً، ولكن للأسف هؤلاء خانوا وغدروا وأثبتوا أنهم خونة، فقتلوا هؤلاء السبعين في حادثة بئر معونة رحمة الله تعالى عليهم استشهدوا.

لذلك حتى بعث بعث معاذ بن جبل إلى اليمن ما همه بعد أن يدخلهم في هذا الدين أعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، ثم قال: علمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم. لابد من التعليم، ولابد وأن يبقى في هذه الأمة من يتصدر لهذا التعليم لتعليم المسلمين الجدد، وأن نضع المؤلفات والتصانيف وحتى مقاطع اليوتيوب، يعني هذا كله من الثواب العظيم، ولأسف أتقد أن هذه الشريحة قل من يهتم بها، كثير من الناس يقول لي: شيخ في عندي مثلاً فلانة أسلمت أو عاملة أسلمت أو كذا، تجد أنه كثير من الدعاة والمصلحين أو الاهتمام لا ينصب على الأخذ بيد هؤلاء، فينشأ هذا الرجل في الإسلام وهو جاهل بكثير من أحكامه؛ لأن هذا بيحتاج إلى تؤدة وهدوء، هذا إنسان ورقة جديدة الآن تريد أن تعلمه بهدوء، وتريد أن تعلمه بتوازن، وتعرف ما الذي يكلم به؛ لأن أحياناً بعض الناس قد يعطيه معلومات تفتنه عن دينه، بقول لك: لا خلص برجع!

فلذلك من الفهم والحكمة أن هؤلاء يمسكهم أو يدير أمرهم قوم أذكياء من الدعاة والمصلحين، وتصنف لهم مصنفات فعلاً محدودة وبلغات العالم، هذه وظيفتنا تبليغ دين الناس، تبليغ دين الله عز وجل للناس جميعاً، فلذلك هذا هدي أول ما يسلم عندك رجل بعد الخطوات التي ذكرناها ابدأ بتعليمه.

اعلم ماذا؟ يعني ما هي الأمور الأولى التي يجب أن أعلمها؟ ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم به معاذ: فرائض الإسلام الأساسية، أركان الإسلام، أولاً الصلاة بعد لا إله إلا الله نعلمه الصلاة، ثم بعد ذلك الزكاة إن كان من أهل المال، ما كان من أهل المال خلص بس يصير عنده مال بتكون الأولوية.

طيب إذا بدي أقبل شهر رمضان أعلمه بصيام رمضان ووجوبه عليه، وما هي المفطرات، وكيف يصوم؟ وإذا والله جاء موسم الحج وهو مقتدر على الحج يصبح لابد أن أعلمه أحكام الحج. والله إذا أصبح مقبل على الزواج أعلمه كيفية الزواج. إذا كان تاجر أعلمه أساس الحلال والحرام. ثم أعلم أهمية أن تسأل عما يستشكل لك، فالتعليم أمر مهم حتى لا يبقى هذا الإنسان جاهلاً.

الآن فقه التعامل مع المسلمين الجدد النبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا إياه من عدة خطوات أو في عدة ممارسات. أولاً، كان من هديه صلى الله عليه وسلم في مخاطبة المسلمين الجدد ألا يخاطبهم بمعلومة أو يمارس معهم ممارسة يمكن أن تؤدي إلى فتنتهم، هذا من الفقه أنه عندما أتكلم عن قرية أسلمت جديداً أو طائفة أو أفراد أن يُحدثوا أو لا يمارس معهم ممارسة ليست من أصول الإسلام بل هي من فروعه التي يمكن تأجيلها إلى وقت آخر وملاحظة أن أشغالهم ببعض الفروع قد يكون فتنة لهم.

وهذا ما نتعلمه في موقف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم بإعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم عليه السلام مع أن هذا حق وفضيلة، لكن ما الذي منع النبي صلى الله عليه وسلم من إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم؟

عائشة سألت النبي عليه الصلاة والسلام يعني لماذا لم يقم بإعادة البناء إذا كانت حجر إسماعيل من داخل الكعبة؟ فقال: «يا عائشة، لولا أن قومك حديث عهد بجاهليه لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وأصقبت بابه بالأرض، وجعلت له بابين: باباً شرقياً وباباً غربياً، فبلغت به أساس إبراهيم». وفي رواية أخرى: «ولولا أن قومك حديث عهد بالجاهليه فأخاف -شوف هي العبارة- أن تنكر قلوبهم، لأهدمت الكعبة وأعدت بنائها».

إذاً، النبي صلى الله عليه وسلم يعلمني قضية استراتيجية مهمة، وهو أن لما أتكلم مع طائفة أسلمت جديداً وهذه حقيقة هذا المنهج ليس فقط مع الكفار الذين يسلمون، بل حتى مع العصاة الفجار الذين يتوبون حديثاً ويصبح الآن خلص بده يصير شاب ملتزم، هذا المنهج يطبق مع هذا ومع هذا: قضية التأني والتروي. فإذا كانت قضية من فرعيات الدين لا يستعجل، إذا قضية من فروع الدين ونخشى أن طرحها سيؤدي إلى فتنة، من الخطا الفادح أن تتكلم بها أمامه ينكر قلبه تماماً.

يعني مثلاً يأتيك رجل أسلم حديثاً، مسلم جديد، أو يأتيك رجل كان فاجراً ضائعاً تائياً معبأ بأفكار مشوهة عن الإسلام وأراد أن يتوب وياتيك بيسالك عن مسألة: يا أخي شو حكم الإماء في الإسلام؟ الله يرضى عن والديك أنك لا تكلمه عن هذا الحكم، لا تكلمه ترى والله بعض المسلمين الملتزمين يفتن في دينه لما يسمع هذا الحكم! فما بالك مسلم جديد جايِك من أوروبا يظن، طبعاً يظن أن بلد الحريات وحقوق الإنسان وكذا، وياتي يدخل في الإسلام فواحد يقول: يا أخي في إماء وكذا، يقول لك: أعوذ بالله إذا ما أريد هذا الدين الذي يقر العبودية!

يا أخي هذه قضية المسلمين المحافظين لا يفهمون تفاصيلها التاريخية والاجتماعية وظروفها، فمثل هذا لا يتكلم بهذا، فتنته عن دينه! أنت فتنته عن دينه وبعض الممارسات للاسف التي يمارسها بعض الغلاة وبعض المنتسبين لهذا الدين قد تؤدي لهذه الفتنة وأقناع الناس أنه هذا جزء من كأنه أساس الدين الذي لا يقوم الدين إلا به، الناس ضيعت لا إله إلا الله!

وقص عليها مثلاً الحديث عن آخر الزمان وعن بعض القصص والأمور التي الناس العقلانيين في الغرب اللي بحبوا العلوم أيضاً قد لا يؤمن بها بسهولة لضعف الإيمان بالغيب، تاتي تتكلم له عن يأجوج ومأجوج وأنهم موجودين في الأرض وانه خلف سد، بيكون هو جاي من بيئة فيزيائية كيميائية أو فلكية إلى الآن عظمه طري زي ما بيقولوا، ليس مؤهلا أن تحدثه عن قضايا بدها إيمان عميق متربي على الإيمان والتسليم لله ورسوله وأن يقول: سمعنا وأطعنا حتى لو لم يبلغه عقله، هي بيسموها مهارات العقول التي قد لا يبلغ، التي لا تبلغها عقول البشر، اللي جاي من بيئة غربية أو من بيئة كذا واسلم ليس من السهل أن تبدأ معاه بهذه النقاط وتبدأ نقاشها، فهذه قضية مهمة.

فأخاف أن تنكر قلوبهم، احفظ هذه العلة النبوية: فأخاف أن تنكر قلوبهم. يعني يا شيخ في جزئيات في الدين ممكن تاخيرها لمرحلة قادمة؟ بالتأكيد؛ لأنه للاسف بعض الشباب المندفع هو ظنه ووهمه أن الدين يجب أن ينطرح في أول خمس ساعات من اسلام هذا الرجل كاملاً بأصوله وفروعه، وانه أي جزئية أنا أقول خلص بعدين، حتى لو طرحها هو أن أؤجل النقاش فيها، لا يا شيخ هذا لازم أبين هذا حكم الله! هو لا يعرف أن النبي عليه الصلاة والسلام ترك بيان بعض القضايا التي لم تكن من اصول الدين وإنما قضية مصلحية، النبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا أن الحفاظ على إسلام كفار قريش مقدم على مراعاة هذه المصلحة الجزئية التي يمكن تأجيلها إلى وقت لاحق، بل حتى لو لم يقم بها أحد، الحفاظ على دين الناس أولى من القيام بهذه المصالح الجزئية، فهذا مهم جداً في فقه الدعوة إلى الله أن نعرف ما الذي نتحدث به أمام المسلمين الجدد وما القضايا التي تطرح؛ لذلك قلت: التعامل مع المسلمين الجدد يحتاج إلى ذكاء.

مثلاً تأتي امرأة مسلمة معبأة بشبهات حول الحجاب، معبأة بشبهات حول الجلباب، معبأة بشبهات حول عمل المرأة، معبأة بشبهات، فانت إذا كنت عنيف وحاد: وأنا ساقول الحق يا شيخ ولا أخشى في الله لومة لائم وسأبين ما يجب، لا! أنت مع، أنت لا يجوز أن تقول باطلاً، لكن كمية مقدار الحق الذي يجب أن تقوله كم هو؟ ولذلك دعونا ننتقل لنقطه قد تساعد في تنمية هذه الفكره أكثر وأكثر، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم يعني قضية سانتقل، خلونا إذا نمشي على الكتاب وقد ساتي إلى قضية لاحقا قضية ربما تكمل هذه الفكرة.

أيضاً من منهجه صلى الله عليه وسلم في التعامل مع المسلمين الجدد أنه يبحث عن الوسائل التي تثبت الإيمان في قلوبهم، المسلم الجديد ليس كالمسلم القديم العتيق في هذا الدين من حيث الأصل تجذر الإيمان ورسوخه ووضوح الأفكار، المسلم الجديد ممكن ما زال عنده قد يكون بعض الهزات، فكان عليه الصلاة والسلام حريصاً إذا رأى مسلما جديداً أن يبحث عن وسيلة تثبت الإيمان في قلبه، شوف هذا منهج: إذا رأيت مسلما جديداً ابحث مفتاح تثبيته على الإيمان، فمثلاً بعض الناس مفتاح تثبيته على الإيمان كان المال.

فجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك قبل ذلك حديث أنس بن مالك شوف القاعدة عن أنس بن مالك: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلا أعطاه. ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً، ايش يعني على الإسلام شيئاً؟ يعني واحد قال له: أنا بسلم يا رسول الله بس بدي تعطيني غنم، إذا كان موجود بعطيه، خليه يسلم! طيب بعض الناس يقول لك: يا شيخ هذا انسان مادي، هذا مو يا اخي خله يسلم وبعدين بنتفاهم معه، قد يكون المال سبب في تثبيت بعض الناس على الإسلام.

جاء رجل فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم غنماً بين جبلين -يعني غنم بكسر وادي كامل- فرجع إلى قومه هذا الرجل فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمداً صلى الله عليه وسلم يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. ليس كل الناس يساق إلى الجنة بالوعظ، بعض الناس قد يساق إلى الجنة بالدينار والدرهم بدك تفهم، وهذه قضية ذكرها ابن قتيبه في بداية كتاب عيون الأخبار لما ذكر لماذا يؤلف هذا النوع من الكتب الذي فيه جمع الفلسفة والحكم وما شابه ذلك والأشعار والزهديات والمضحكات، يقول: بعض الناس يساق إلى الجنة بالكتاب والسنة، وبعض الناس قد تساق إلى الجنة من خلال نكته، قد تساق من خلال الفكرة، قد تساق من، ليس كل الناس في النمط العالي المثالي الذي تتصوره، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام نعم كان عندنا في الإسلام سهم ايش اسمه سهم المؤلفة قلوبهم، هذا كان يعطى لكفار يرجى إسلامهم من الزعماء طبعاً، أو مسلمين جدد من الزعماء يرجى تثبيتهم على الدين، يا اخي أعطيه!

ولذلك لما فتح الله عليه في غزوة حنين وكانت الغنائم كثيرة أعطى رجالات الأعراب الكبار: عيينة بن حصن، الأقرع بن حابس، العباس بن مرداس، أعطى هؤلاء؛ لماذا؟ لأنه الأعراب بسلم بس كان إسلامه ضعيف. أعطى رجالات قريش اللي أسلمت عام الفتح بيسموها مسلمة الفتح: سهيل بن عمرو، أبو سفيان بن حرب؛ لأنه هؤلاء أسلموا وكان إيمانهم في البداية في نوع من الهشاشه فثبته بالمال.

شخصية أخرى: أبو سفيان لما أسلم هل النبي صلى الله عليه وسلم خلص ركنه إلى ما في قلبه ولا يعرف مفتاح أبو سفيان؟ يعرف أن أبا سفيان، صحيح العباس بن عبد المطلب أجبره على الإسلام، قال: حك أسلم، لكن يعرف أن هذا إسلام ما زال متلكئاً، فلذلك أراد أن يفعل معه موقف حتى يجذر الإسلام أكثر وأكثر، فقال له يا عباس: خذ الآن اصنع أبو سفيان، وكان هذا في أثناء مسيره صلى الله عليه وسلم لفتح مكة، فلما أسلم قالوا له يا عباس: خذ بيدي أبي سفيان فاحبسه عند من مر الظهران حتى يرى كتائب الجيش الإسلامي وهي تمر كتيبة كتيبة داخلة إلى فتح مكة، ليعظم ذلك في نفس أبي سفيان، رجل يحب القوة، هذا مفتاح: رجل يحب القوة، يحب الفخر.

فلما رأى أن النبي عليه الصلاة والسلام تمر كتائب وجحافل الجيش الإسلامي أمام ناظريه كتيبة كتيبة وجحفلاً جحفلاً، قال للعباس: والله لقد بلغ أمر ابن أخيك أمراً عظيماً. قاله: والله هذه الجيوش والكتائب، فبدا يت. فقال له العباس: إنه النبوة يا أبا سفيان، هذه مش قضية ملك على مدينة، هذه النبوة قوة. ثم بعد ذلك العباس انتبه قال: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً من ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن». لماذا قال ذلك؟

حتى مع أنه رجل الآن أسلم، وكان قتل من المسلمين ما قتل في الغزوات السابقة، لكن نحن بَهُمّنا تثبيت أبي سفيان، فكان مفتاح أبو سفيان الفخر. شوف الفراسة، هي العباس هذا ذكاؤه أيضاً أنه عارف وين مفتاح تثبيت الإيمان في قلبه، وبالتالي هذه القضية يجب أن تسلكها سواء مع الفجار والعصاة الذين يتوبون، أو مع الكفار الجدد الذين يسلمون؛ أن تعرف مفتاحه في تثبيت الإيمان في قلبه. بعضهم ممكن بالطعام والشراب، تحبب الطعام والشراب، تضلك تعزمه على ولائمهم كم يوم، حتى بعضهم كما قلت بالدينار والدرهم، بعضهم بإهداء هدايا، بعضهم بكذا، كل شخص له مفتاحه، تعلم هذا الفن لتثبيت الإيمان، ولا تكن منفرداً، إن منكم منفرين.

أيضاً من سياسة صلى الله عليه وسلم في التعامل مع المسلمين الجدد أنه كان يأمرهم ألا يحملوا أنفسهم في الإسلام فوق طاقتهم. المسلم الجديد هذا كما يقولون ما زal فريش، تماماً كذلك التائب الجديد هذا ما زال عظمه طرياً. فمن الأخطاء القاتلة التي قد يمارسها بعض الدعاة أو بعض المصلحين أو شيء، أنه يأمر بمستوى في الإيمان لا يقوى عليه إلا المتجذر القديم.

ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام خاصة في أزمنة استضعاف المسلمين، خاصة في أزمنة استضعاف المسلمين، النبي عليه الصلاة والسلام لما أسلَم أبو ذر، ماذا؟ أبو ذر قال: يا رسول الله أنا الآن... أبو ذر أسلم، أين؟ طبعا مذكورة القصة كاملة عندكم في الكتاب صفحة 493 إلى 494. كيف أن أبا ذر في البداية كان هو من قبيلة غفار، قبيلة غفار قبيلة كانت تمر عليها قوافل مكة وهي ذاهبة للتجارة في الشام، فأبو ذر الغفاري وهو في قريته سمع بخروج رجل يدعو إلى دين جديد وما شابه، فأرسل أخاه قال: اذهب فاكتشف لي خبر هذا الرجل. فذهب أخوه وعاد فقال له: ماذا رأيت؟ قال: والله لقد رأيت رجلاً يأمر بالخير وينهى عن الشر.

قال له: ما استفدت الشيء، لم تشفيني من الخير يعني، أعطيني إيش تفاصيل هذا الخير أنت بس يا رجل يأمر بالخير وينهى عن الشر؟ قال: فأخذت جراباً وعصاً ثم أقبلت إلى مكة. أبو ذر الراحل للتعلم والاکتشاف، قال: أخذت عصاي وجراب فيه تمر ورحلت إلى مكة. طيب، لكن دخلت مكة، أشرب من ماء زمزم وأكل من الجراب الذي معي، وأكون في المسجد الحرام، فمر علي بن أبي طالب، وقال: عرفوه مباشرة أنه غريب، كان الرجل غريب. قلت: نعم. قال: فانطلق إلى المنزل. قال: فانطلق إلى المنزل، تعال معي. وشوف هنا استثمار علي بن أبي طالب في أبي ذر الغفاري، يعني أبو ذر الغفاري إسلامه كمسلم جديد من بركات مين؟ علي بن أبي طالب. وهذا هذا الفقه أن أنت تتبصر برجل غريب تقول هذا ممكن استثمر فيه أن يكون مسلما جديداً، فقال له: انطلق معي إلى المسجد. فانطلقت معه لا يسألني عن شيء ولا أخبُره، فلما أصبحت غدوت إلى المسجد... إلياس طبعا هو لماذا ذهب به إلى منزله؟ ليكرمه ويضع لديه الطعام. قال: فلما أصبحت غدوت إلى المسجد إلى المسجد لأسأل عنه، أي ليسأل عن النبي عليه الصلاة والسلام وليس أحد يخبرني عنه بشيء.

فقريش ما بدهم يخبروني، فمر بي علي فقال: أما أن للرجل أن يعرف منزله بعد؟ يعني باشر له أنه أنت ايش بدك إياه بالضبط؟ قلت: لا. قال: انطلق انطلق معي، قال: فانطلقت معه لا يسألني عن شيء ولا أخبره، ما فتح يعني علي بن أبي طالب ما فتح معه الموضوع، قال: ولا أنا فتحت معه الموضوع، قال: حتى إذا كان اليوم الثالث فعاد علي على مثل ذلك، فأقام معه، ثم قال: ألا تحدثني ما أمرك؟ يعني تجرأ علي بن أبي طالب في اليوم الثالث، قال: يعني ما أمرك، لماذا قدمت إلى البلدة؟ قلت له: تكتم علي أخبرك، قال: إني أففعُل. فقلت له: بلغنا أنه قد خرج هنا رجل يزعم أنه نبي، فأرسل قلت أخي يكلمه فرجع ولم يُشْفَ من خبر، فأردت أن ألقاه، فقال له: أما انك قد رشَدت، يعني وصلت، أنا اللي بجيب لك خبره، قال: فإنه حق، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أصبحت فاتبعني حتى تدخل معي، فاني إن رأيت أحداً أخافه عليك قمت إلى الحائط، يعني أسندت نفسي إلى جدار كأني أصلح نعلي، هي إشارة لك أنه إيش لا تقرب وأنت كمل طريقك نلتقي في يوم آخر. قال: فمضى ومضيت معه والحمد لله تيسر المشوار حتى دخل ودخلت معه على النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت له: أعرض علي الإسلام، فعرضه فاسلمت مكاني، يعني في ساعيتها أسلمت.

فقال لي يا أبا ذر، شوف هنا هذا الموطن الشاهد من السبدة كل القصة، أنه هل طلب منه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوم الآن بموقف عظيم؟ قال: يا أبا ذر خليك معنا في مكة ودافع عن الإسلام، لا أنت رجل مش من أهل مكة وماكش الجماعة تفزعلك، فيا أبا ذر اكتم هذا الأمر، لا تتكلم في مكة أنك أسلمت، وارجع إلى بلدك، فاذا بلغك ظهورنا فأقبل. إذا سمعت أنني ظهرت في مدينة سواء في مكة في في أي مكان أنني أصبح لي منعة تعال عندئذ، أنت الآن مسلم جديد تحتاج تهدا، ولا طاقة لك على مواجهة أهل الباطل. ونفس الشيء فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع عمرو بن عبسة. عمرو بن عبسة أسلم خفية في مكة، وقال له إنك... طبعا عمرو بن عبسة لم يكن من أهل مكة، أسلم وهو من قبيلة من خارجها. طيب، بس كاسة مي. طيب.

فقال له النبي، طبعا أسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك إلى قبيلتك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني. وأريد أن أقوله هنا أن بعض الناس لما يرى شاباً مسلماً جديداً يريد أن يجعله في الخطوط الأولى في الدعوة إلى الله، يريد أن يجعله رأس حرب في القتال والنضال وما شابه ذلك، ما أنه يكون مسلماً جديداً أو تائباً جديداً، وبصير... لا للأسف البعض ممكن يضعه هذا رئيس مركز قرآن، يلا أخونا أسلم جديد خليه يصير رئيس مركز قرآن، يا أو خليه يصير يلا معلم للقران وناشئ. يا اخي حبة حبة، هذا أسلم جديداً، أو خليه رأس حربة في الدعوة إلى الله وخليه خليه يصير يعطي دروس! يا اخي هذا امبارح تاب! ترى هؤلاء الذين يسلمون جديداً تصدرهم المباشر كارثة؛ لأنه ممكن ينتكس، وإذا ينتكس بعد أن يكون تصدر للدعوة ينتكس معه مئات والآلاف بسبب انتكاسته.

فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام مثلاً لما أسلم خالد بن الوليد لم يضعه ابتداءً زعيماً على معركة، مع أنه هو الأكثر كفاءة من بين الصحابة في قضايا المعارك، لكن في غزوة مؤتة التي كانت تحتاج إلى قيادة عسكرية كبيرة، مع ذلك النبي عليه الصلاة... وكان خالد عندئذ مسلم، قال: «يحمل الراية زيد فإن قتل فجعفر، فإن قتل فعبد الله بن رواحة»، مع أنه خالد موجود. أولاً حتى يربي خالد أنه أنت مسلم جديد، بس مش معنى هذا أن نعطيك مكان أعلى من مكان الاقدمين، لا بدك تعرف حجمك أنك تأخرت عمن قبلك، فجيد أن يعرف المسلم المسلم الجديد حجمه. ثانياً: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أولاً أن يثبت الإيمان في قلب خالد ويتاكد من هذا الثبوت ثم بعد ذلك يستعمله، وإن كان هو الكفاءة.

فهذه قضية جداً جداً خطيرة، كثيراً ما يخطئ فيها أنه بعض المسلمين الجدد قد يكون كفاءة، يعني كفاءة اقتصادية، كفاءة مالية، اجتماعية، كفاءة قيادية، كفاءة إدارية، فيقوم البعض فينصبه... يقوم البعض فينصبه وهو مسلم جديد فلا يستحمل أعباء هذا المنصب وما فيه من تبعات، فينتكس أو قد يخون الإسلام أو قد يصبح عميلاً للأعداء، يعني مشاكل كثيرة تحدث. فهنا النبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا أن المسلم الجديد يهدا عليه ولا يصدر ونستثمر فيه إلى أن يرسخ الإيمان في قلبه ثم يمضي.

طبعا بعض الناس قد تكون شخصيته أصلاً قوية جداً من البداية، يكون مثلاً زي بعض الصحابة الذي أسلم في المعركة وقاتل حتى استشهد، وهذا روي في عدة... هذه معارك أنه يأتي رجل من أهل المدينة يكون مشركاً فيقول: يا رسول الله اريد أن أقاتل. طبعا هو لا يشهد كان كافراً. اريد أن أقاتل معكم. قال له: لا، اسلم ثم قاتل. اسلم ثم قاتل، فاسلم ثم قاتل واستشهد. فالنبي صلى الله عليه وسلم بين ما أقل عمله وما أعظم ثوابه، فهذا الرجل أصلاً جاي هو رجل معركة ورجل حرب جاي قاتل، فأنا بدي استثمر أنه بلاش يقتل يروح على النار، اسلم ثم قاتل. فما قال له: اسلم ثم ارجع للمدينة بعدها. لا، هو أصلاً مهيأ نفسياً للقتال في قمة استعداده، فهذه طبعا تحتاج إلى فراسة وتحتاج إلى حنكة ونظر ومعرفة في طبيعة الناس واتباعهم وأصنافهم.

أيضاً من الأمور التي قد تشكل عائق أمام دخول بعض الناس في هذا الدين هي قضية الماضي السيء، سواء كان كافراً يريد أن يسلم أو كان عاصياً يريد أن يتوب. قضية الماضي السيء الذي فعل فيه الزنا والخنا والفجور وكل المعاني، فهو قد لا يتصور في ذهنه امكانية أن يمحى كل ماضيه السيء، يكون رجل قتل من المسلمين في المعارك ما قتل وفتك في... يعني في الجيش الاسلامي ما فتك، وماضيه مليء بالعلاقات المحرمة والزنا والخنا، فبيقول: معقول أقول... يعني مجرد ما أقول أشهد أن لا إله إلا محمد رسول الله خلص نبدأ صفحة جديدة؟ فالماضي عاده ما يكون مرهقاً.

كذلك الشاب اللي بدو يتوب يكون ماضيه كله أسود فيأتي يريد أن يتوب مثل الذي قتل 99 نفس، جاي ومثقل أنه هو قتل 99 نفس، فلما صادف رجلاً عابداً لكنه غير عالم ضيعه، هل لي من توبة؟ قال له: أنت قتلت 99 نفس ما لكش توبة. قال له: تعال بكمل فيك المية مادام ما في توبة يعني، فقتله. ثم جاء إلى عالم، العالم يفهم أنه كيف ما له توبة؟ ومن يحول بينك وبين التوبة؟ أعطاه خطوات عملية وإجراءات.

لابد وأن نفقه أن هذه النفوس التي جاءت لتسلم أو جاءت لتتوب هي نفوس مرهقة محملة بذنوب ومعاصي وأخطاء الماضي، فاذا أنت تريد أن تريها أن الإسلام لن يقبلك، قس... استمر على ماضيك السيء ولذلك كان إحدى قواعد الإسلام الأساسية أن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، أن الإسلام يجب ما قبله. لذلك عمرو بن أمية الضمري لما أسلم قال له النبي صلى الله عليه وسلم صفحة 499: «يا عمرو بايع، فإن الإسلام يجب ما كان قبله».

عمرو بن أمية الضمري هو أصلاً كان فتاكاً في الجاهلية، رجل مقاتل شرس، وكان فتاكاً ويشتغل في قطع الطريق والنهب فكان... خلينا نقول السيفي تباعه قبل الإسلام يعني في قتل وجرائم. كيف اليوم نحن مثلاً رجل بدو يتوب تلاقيه السيفي تباعه في عصابات ومافيا وما شابه ذلك، كان رجل معارك ورجل فتك ورجل عنده يعني قتل وأموال، فكان خايف أنه هل... لما أسلم معقول كل التاريخ الذي مضى يمحى؟ قال له: «يا عمرو بايع، فإن الإسلام يجب ما قبله، وأن الهجرة تجب ما كان قبلها». ففعلاً بايع وأسلم فأصبح أحد رجال القوات الخاصة عند النبي صلى الله عليه وسلم أصلاً فتاك. خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا هكذا يعلمنا النبي عليه الصلاة والسلام.

فكان النبي عليه الصلاة والسلام يحب الاستثمار في هذا النوع من الكفار اللي كانت معادنهم في الجاهلية أنهم أقوياء... قوي، شجعان، مقاتلون. يستثمر فيهم النبي عليه الصلاة والسلام ويخبرهم أن الإسلام يجب ما قبلهم. هذه الكلمة هي مفتاح دخوله الطمأنينة أنه هل سأبدأ صفحة جديدة ورقة بيضاء؟ نعم أسلم وتبدأ صفحة جديدة. ولذلك لما عاتب النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد لما قتل الرجل في الغزوة، عاتبه: «أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟» إيش قال أسامة؟ قال: تمنيت أني كنت أسلمت في تلك اللحظة، ليه؟ لأنه يعلم أن الإسلام راح يمسح كل الماضي وكل الأخطاء، فهذه فكرة فتح الأمل وعدم تسويد القضية أمام هذا المسلم.

أيضاً من فتح باب الأمل لهم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يبشرهم أن أعمالهم الصالحة الله يرضى عليك، التي فعلوها في الجاهلية ستحسب لهم في الإسلام. شوف كمان، يعني مش فقط أعمالهم السيئة تغفر لهم، الأعمال السيئة تغفر لهم، والأعمال الصالحة تحسب لهم. ولذلك حكيم بن حزام أعتق في الجاهلية مئة رقبة وحمل على مئة بعير، يعني حمل على مئة بعير يعني حمل الفقراء والمستضعفين وأعانهم على مئة بعير إيه هذي في الجاهلية، ممكن في الحج، ممكن في حج الجاهليين، المهم حمل مستضعفين وفقراء على مئة بعير.

فلما أسلم، حمل على مئة بعير وأعتق رقبة، يقول حكيم بن حزام يقول: فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، أرايت أشياء كنت أصنعها في الجاهلية كنت أتحنث بها، أي أتعبد بها بس على طريقة الجاهليين المشركين؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «أسلمت على ما سلف لك من خير». شوف الجملة الرائعة: «أسلمت على ما أسلفت من خير». يعني هذا الرجل النصراني أو اليهودي أو البوذي اللي بيكون بر بوالديه أو فعل أفعال إغاثية أو شارك في...

هذا الرجل ترى من أساليب تحفيزه ليسلم أن تقول له: ماذا؟ أن تقول له: ترى أنت أسلمت، ليس فقط يغفر لك ماضيك السيء، بل أيضا تحسب لك الأعمال الخيرة التي فعلتها في الجاهلية؛ من بر والدين، من صلة أرحام، من إغاثة الملهوف؛ كل هذا يتحول إلى حسنات. هذا شيء رائع بالنسبة وجميل أنه أنا الماضي السيء ذهب والماضي الحسن سيستثمر. فهذا من فتح باب التوبة والتحفيز على الدخول في هذا الدين.

بسم الله، الحمد لله. الآن أيها الكرام، النبي عليه الصلاة والسلام لما كان يتعامل مع المسلمين أو الذين يريدون أن يأتوا إلى الإسلام، هناك قضايا كان لا يساوم عليها أبدا، وهناك قضايا كانت تقبل التدريج والتروي. القضية التي كان لا يقبل المساومة عليها أبدا بشكل من الاشكال ولا تقبل التدريج بحال من الأحوال هو التوحيد. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام لم يرضى من أي أحد من المشركين الاستمرار على عبادة صنم أو الاستمرار على قضية شركية كان يمارسها؛ لأنه أساس الإسلام نفي الشرك وإقامة التوحيد. نعم، قد أؤخر أخبارك ببعض الأحكام التشريعية، قد أؤخر إلزامك ببعض القضايا الفرعية، لكن القضية التي لا تقبل المساومة هي قضية لا إله إلا الله محمد رسول الله.

خليني نشوف هذه القصة الجميلة التي تعطيك كيف النبي عليه الصلاة والسلام كان يصمم على إلغاء معالم الشرك وإقامة معالم التوحيد، ثم يؤخر بعد ذلك القضايا الأخرى تباعا إلى أن يأتي وقتها. وفي ثقيف، النبي صلى الله عليه وسلم حاصر حصون ثقيف في الطائف، ولم يتمكن من فتحها فتركها لما طال الحصار وتأذى الصحابة منه بعد ذلك. وفي ثقيف أتوا إلى المدينة النبوية يريدون الإسلام، دعونا نقرا هذه القصة: قدم وفد ثقيف -وثقيف كانت تسكن مدينة الطائف حاليا- قدم وفد ثقيف على النبي صلى الله عليه وسلم فيهم كنانة بن عبد ياليل وهو راسهم يومئذ زعيم، وفيهم أيضا عثمان بن أبي العاص وكان شابا من أصغر الوفد، جاؤوا يريدون الصلح.

والقضية أنه النبي عليه الصلاة والسلام حاصرهم فترة طويلة ثم تركهم لكن الحرب قائمة. طبعا وفد ثقيف ايش اللي خلاهم يجيوا يطلبوا المصالحه؟ إن مكة أسلمت، فشعروا أنهم بقوا وحدهم في جزيرة العرب مقيمين على الشرك، فقالوا: سنستأصل إذا بقينا مصرين على شركنا. فأتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يحاولون التفاوض. فقال له ابن عبد ياليل: هل أنت مقاضينا؟ يعني نعمل مصالحة حتى نرجع إلى أهلنا وقومنا. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، إن انتم أقررتم بالإسلام قاضيتكم، وإلا فلا قضية ولا صلح، ما رح أصالح». طبعا النبي عليه الصلاة والسلام هذا القرار اتخذه لما كان صاحب قوة عسكرية، لما صار هو أغلب الجزيرة العربية تحته صار في مجال لهذا النوع من السياسة أنه لا قضية ولا صلح، لكن في بداية الهجرة لا، كان يصالح القبائل حتى الكافر؛ لأنه ما كانت القوة كما هي في آخر الهجرة.

الآن ايش المشاكل التي كانت في عقل وفد ثقيف تمنعهم من الإسلام ومتخوفين منها؟ يعني وفد ثقيف لماذا كانوا متخوفين من الإسلام في بعض الأمور؟ ايش يقول له؟ قال ابن عبد ياليل: أرايت الزنا؟ يعني أنت إذا أسلمنا بدك تحرم علينا الزنا؟ قال: إن قومنا نغترب، احنا قوم نسافر، فلا بد لنا منه، ولا بد نمارس الزنا، ولا يصبر أحدنا على العزبة. ما بنختر -يعني- إذا أسلمنا بدك تحرم علينا الزنا؟ قال: هو مما حرم الله على المسلمين. يعني هذه قضية من كليات الدين، حرمها الله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء: 32].

قال له ابن عبد ياليل: أرايت الربا؟ برضه هذه قضية بالنسبة لوفد ثقيف بدهم يناقشوا فيها، نسلم ما نسلم؟ طيب الربا بدك تحرمه علينا إذا أسلمنا؟ قال: الربا حرام، وهذا أيضا من كليات نظام الاقتصاد الإسلامي. قال: فان أموالنا كلها ربا، ونحن أصلا كل أموالنا ربا وفي ثقيف. قال: لكم رؤوس أموالكم، قال: لكم الأصول، أما الأرباح التي أتيتم بها من الربا هذه بدك تتركوها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 278].

قال: طيب الخمر بدك تحرمها علينا؟ قال: أرايت الخمر فإنها عصير أعنابنا. الطائف كانت مشهورة كورة بمزارع العنب، قال: احنا كنا مزارع عنب الطائف بدك تحرم الخمر علينا؟ قال: فإن الله قد حرمها. ثم تلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: 90]. فارتفع القول.

الآن صارت هي المفاوضة الأولى. عبد ياليل قال: طيب اعطيني فرصة أتفاوض مع قبيلتي. رجع لقبيلته -طبعا قبيلته كانت في المسجد الوفد، يعني الوفد المفاوض اليوم رجع للوفد المفاوض اللي جاي معه- فخلا بعضهما بعض، فصاروا يتكلموا مع بعضهم البعض. قال ابن عبد ياليل: ويحكم، نرجع إلى قومنا بتحريم هذه الخصال الثلاث؟ نحن الوفد المفاوض عن قومنا، نرجع ونقول لهم خلص أسلمنا والتزمنا بتحريم الزنا والربا والخمر؟ والله لا تصبر ثقيف عن الخمر أبدا ولا عن الزنا أبدا، مش رح يردوا علينا قومنا، قولوا حرمت علينا الخمر والزنا، لذلك بعثناكم.

فقال واحد موفق فيهم، فقال سفيان بن عبد الله الثقفي -وهو من أسلم بعد ذلك مع الوفد المفاوض- قال: يا أيها الرجل، إن يرد الله بها خيرا اصبر عنها، يعني أنت لا تبقى متخوفا من ماذا ستجيب ثقيف؟ إذا ربنا يريد خيرا بثقيف يا اخي تصبر على الزنا وتصبر على الخمر، وشوي شوي بتتعود ترك الحرام، ها، بتتعود ترك الحرام. شوف بعدين ايش قال بذكاء؟ قال: فقد كان هؤلاء الذين معه على مثل هذا، يعني هؤلاء الصحابه اللي مع محمد صلى الله عليه وسلم الآن، المهاجرون والأنصار، ماذا كانوا؟ ما هم كانوا يزنون في الجاهلية وكانوا يشربون الخمر -أكثرهم طبعا، مش كلهم، لكن أكثرهم كانوا هكذا- الصحابة لما كانوا في الجاهلية زنا شرب خمر ربا، قالوا: كانوا على مثل هذا فصبروا وتركوا ما كانوا عليه، وهي ما شاء الله عليهم -يعني- صاروا مجاهدين ومرابطين معه، ولا نشعر أن عندهم نقص وفجوات، بل يحبون محمدا صلى الله عليه وسلم يفدونه بارواحهم. إذن ثقيف تتعود، ما بدنا نخلي هذه حجر عثرة في طريق أن نأتي بالخير إلى قومنا.

ثم قال له: مع أن أيضا عندنا مشكلة أخرى أن نخاف هذا الرجل -أيضا هذا الرجل هو محمد صلى الله عليه وسلم أصبح القوة التي يخشى منها في جزيرة العرب- قد أوطأ الأرض غلبه، يعني سيطر على كل المناطق اللي حوالينا، ونحن في حصن في ناحية من الأرض، نحن كلنا ثقيف عبارة عن حصن على أعلى الطائف، آخرته يفتحه والاسلام حولنا، واه، والله لو قام على حصننا شهر لمتنا جوعا، يعني لو حاصرنا شهر سنموت جوعا، وما أرى إلا الإسلام. قال هذا رأي هذا رجل موفق، سيدنا سفيان بن عبد الله الثقفي أسلم: وأنا أخاف يوما مثل يوم مكة -يعني خايف إنه يصير فتح ونندم ونعض أصابع الندم-.

ممتاز. النبي عليه الصلاة والسلام خلال هذه المفاوضات -هم كانوا مقيمين في المدينة جايين للمفاوضة- كان يرسل إليهم بالطعام يوميا، أنه هذا وفد مفاوض نازل عندك بدك تطعمه، فكانوا لا يأكلون منه شيئا حتى يأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم، خايفين إنه ايش؟ إنه النبي عليه الصلاة والسلام يسممهم، يعني قالوا نحن ما بناكل من هذا الطعام حتى أنت تأكل، حتى أسلموا.

الآن أسلموا. طبعا لاحظ، إذا في جزء النبي عليه الصلاة والسلام ما ساوم عليه، اللي هي الأخلاقيات الكلية: بكم تشهدوا أن لا إله إلا الله. وفي أخلاقيات كلية بدكم تلتزموا بها. الآن لاحظ، طبعا، لما بدا النبي عليه الصلاة والسلام -هي بس هيك نقطة بدنا نناقشها- لما بدا النبي صلى الله عليه وسلم دعوته في مكة مستضعفا ما بدا بتحريم الزنا والربا صحيح والخمور، وإنما بدا بلا إله إلا الله محمد رسول الله، ولم يفتح موضوع الخمر والزنا، ربما الزنا فتح من البداية، أما الخمر مثلا والربا فتح متأخرا.

طيب لماذا هؤلاء الذين كانوا يسلمون متأخرا بعد قوة النبي عليه الصلاة والسلام لماذا كان لا من البداية يطالبهم بترك الزنا والخمر والربا؟ فهمتم السؤال؟ يعني لماذا لما هو بدا عليه الصلاة والسلام الدعوة في مكة وكان مستضعفا إنما فتح مع اصحابه موضوع التوحيد والإسلام، لم يأتي ليفتح مع أصحابه موضوع الربا والخمر إلا متأخرا؟ لكن المسلمون الذين أسلموا متأخرين في السنة التاسعة والعاشرة لا، كانوا من البداية ما في تدرج معهم في هذه الأخلاقيات الكلية، كانوا مطالبين بدك تترك الزنا والخمر والربا وما ساومه النبي صلى الله عليه وسلم عليها، لماذا؟

يعني لماذا كان في تدرج في البداية بس هنا ما في تدرج في هذه الأخلاقيات؟ لأن هذا سؤال؛ لأنه هذا مهم في الحركة الدعوية. شوف، النبي عليه الصلاة والسلام في بداية الأمر كان مستضعفا، وبالتالي كانت النقطة الأساس ولم يكن معه أصلا أحد ولا جمهور ولا شعب ولا بيئة حاضنة، بالتالي كان الهدف ابتداء هو بداية تشكيل البيئة الحاضنة لهذه الدعوة، فكان التركيز على لا إله إلا الله، العقيدة، اليوم الآخر، بعد ذلك تباعا تباعا لما صار في حاضنة قوية تكلم معها في الخمر والزنا وتحريمه. ممتاز.

لكن في النهاية في السنة التاسعة والعاشرة أصبح النبي عليه الصلاة والسلام هو القوة الضاربة التي لا تنافس في مكة -عفو في جزيرة العرب- بالتالي صار في هناك جو التزام وتدين ومحافظة في الجزيرة العربية، فإذا جاء رجل ليسلم جديد أنا ما بخاف عليه الفتنة عموما بترك الزنا والخمر؛ لأني أنا الآن مش محتاج لتشكيل بيئة حاضنة موجودة الحالة الدعوية القائمة، القوة ضاربة لي ما في حدا له كلمة على النبي عليه الصلاة والسلام يعني نفوذ فوقه من حيث أقصد طبعا الاستضعاف. فأصبح النبي عليه الصلاة والسلام لا، هذه القضايا تعتبر قضايا من الأخلاقيات الأساسية التي لا مجال للمساومة عليها، وتجدون من يعينكم على هذا، اللي هي ايش؟ بيئة الصحابة وبيئة الإسلام في الجزيرة العربية. فهذا الرجل اللي داخل الآن بده لا إله إلا الله وبده يترك الزنا والخمر والربا، اه بدك تتركها؛ لأنه الآن في بيئة حاضنة بتدعمك. في بداية الإسلام ما كان في البيئة الحاضنة، كانوا مستضعفين الصحابة مقطعين، الآن أصبح الإسلام دولة ونظام وبيئة كاملة متكاملة، فهي غير مخوفة، ما بخافوا تماما، هي الآن بيئة كاملة غير، وبالتالي الذي يريد أن يسلم بده يخضع لهذه الأخلاقيات، هذا هو الفرق بين البداية والنهاية.

المهم، لسه نحن ما جئناش طيلة الشاهد، فلما أسلم وفد ثقيف قالوا: يا محمد صلى الله عليه وسلم أرايت الربة؟ الربة اللي هي الآلة التي كانوا يعبدونها، ما ترى فيها؟ الآن بده يساوموه على الصنم إنه خل لنا إياه. قال: اهدمها. قالوا: هيهات، لو تعلم علم الربة أنا أوضعنا في هدمها قتلت أهلنا. هم لساتهم عندهم، ها، لاحظ المسلم الجديد الفريش اللي عنده تصورات جاهلية خاطئة، قالوا: والله الربة هي لو عرفت أننا رح نتخلى عنها هسه رح تقتل نسائنا وأطفالنا اللي تركناهم في ثقيف. فعمر يقول له: يحك يا ابن عبد ياليل أن الربة حجر لا يدري من عبده ممن لا يعبده. أنت ما زلت أسلمت، ما زال عندك هذه التصورات، ما هذا متصور. تجعل لنا ذات أنواط؟ هي نفس الفكرة. مين اللي قال الآن تجعل لنا ذات أنواط؟ مسلمة الفتح؛ لأنه المسلم الجديد شيء طبيعي يكون عنده بعض التشوهات وبعض الأفكار التي ما زالت تحتاج إلى تصويب.

فقال ابن عبد ياليل: أنا لم ناتك يا عمر -إيش يعني- ما تدخل أنت في هذا الموضوع احنا جايين من عند محمد صلى الله عليه وسلم أنت تحكي معنا. فاسلموا وكونوا للصلح، خلص أسلموا وصالحوا النبي عليه الصلاة والسلام. فلما كمل الصلح كلموا النبي صلى الله عليه وسلم أن يدع الربة والصنم تبعهم ثلاث سنين، قال: بس ثلاث سنين يا رسول الله؟ فأبى. قالوا: سنتين؟ فأبى. قالوا: سنة؟ فأبى. قالوا: شهرا واحدا؟ فأبى أن يوق لهم وقتا. قال: لا أوقت لكم. قال: روحوا، يعني عودوا إلى بلدكم، وأنا أرسل من يهدمها في الوقت المناسب. أبى أن يعطيهم وقتا، وإنما يريدون بترك الرب ربهم -طبعا لماذا كانوا متخوفين شوي مع أنهم أسلموا؟ خافوا من سفهاهم ونساءهم وصبيانهم أنهم يقلبون عليهم وتصير مشاكل إنه أنتم تركتم صنمهم- فسألوا النبي طب قالوا: يا رسول الله طب على الأقل ابعث من يهدمها، ما تخلينا على الأقل نحن، أنا كعبد ياليل أني أهدمها؟ فقال: لا تقلقوا، سأبعث إليكم من يكفيكم هذا، ما رح أخليكم أنتم اللي تهدموها، فكاتبوه على ذلك واستأذنوه أن يسبقوا رسله. قال: أنت بدك تبعث من يهدم صح؟ خلينا نسبقهم شوي حتى نعمل أرضية يتقبل فيها قومنا هدم الربا.

فلما جاؤوا قومهم تلقوهم فسألوهم، لان وصل الوفد المفاوض من قبيلة ثقيف وصل الآن إلى ثقيف، عاد إلى الطائف فالناس استقبلتهم: خبرونا ايش الأخبار؟ فأظهروا الحزن وأنهم إنما جاؤوا من عند رجل فظ غليظ قد ظهر بالسيف يحكم بما يريد، دوخ العرب، حرم الربا والزنا والخمر وأمر بهدم ربه. هذا طبعا كان مسرحية، قالوا: خلينا نظهر أمامهم إنه يا الله كم كان صعب وتعاملوا معنا كان مش مريح وبده يحرم علينا الربا والزنا وبده يهدم.

أظهر الوفد المفاوض أنهم حزينون على هدم الكعبة، مع أنهم خلصوا إلى هدمها، لكن قالوا خلينا نبجس النبض مشان نشوف كيف سيُستقبل الموضوع؛ لأنه لا يدهِم وفدُ عبدِاليلّ، لا يريد أن يظهر أمام قومه هينارح نحد من ربه، بده يفاجئهم بالخبر وأنه هو مبسوط عليه حتى ما يقتلوه.

قال: فنفرت ثقيف، القبيلة قالت: والله لا نطيعه أبداً. فقال لهم عبدالليل: فتأهبوا للقتال، إذاً قالوا: جهزوا حالكم للقتال وأعدوا السلاح، أو عفواً قال: فتأهبوا، عفواً هو مش قال لهم، قال: فتأهبوا هذا فعل ماض، قال راوي الحديث: فتأهبوا للقتال وأعدوا السلاح، يعني جهزوا، ينتظرون المبعوثين من النبي عليه الصلاة والسلام لهدم الصنم، فتأهبوا إلى القتال وأعدوا السلاح يومين ثلاث وهم ماسكين سلاحهم جاهزين لاستقبال من سيهدم أصنامهم من أجل أن يقاتلوه.

قال: فالقى الله في قلوبهم الرعب فرجعوا وأنابوا، وقالوا -نفس القبيلة رجعت إلى الوفد المفاوض- خلص ارجعوا إليه فشارطوه على ذلك وصالح، خلص روحوا ارجعوا شارطوا خلص أنه نترك الربا والقمر والزنا ومتهدم الصنم بس ما بدنا قتل، فهون الوفد المفاوض استراح، قالوا: أصلاً بتعرفوا نحن أصلاً قد فعلناه نحن شارطناه وانتهى، بس احنا إيش؟ ووجدناه أتقى الناس، قالوا: والله ذهبنا إليه وجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه.

فقال لهم قومهم: فلما كتمونا هذا أولاً؟ قالوا: أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان، يعني حكينا خليها تروح من قلوبكم وحدها بدون ما نواجهكم، فأسلمت ثقيف كاملة، أسلمت المدينة ومكثوا أياماً، ثم قدم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قدم عليهم رسل النبي صلى الله عليه وسلم، مين بعث النبي صلى الله عليه وسلم يهدم الربا التي كانوا يعبدونها؟ بعث خالد بن الوليد ومعه وطبعاً وكان فيهم مين؟ المغيرة بن شعبة، يعني خالد على رأس وفد جاء لهدم الربا وكان معه من كان معه؟ المغيرة بن شعبة.

طيب، مغيرة بن شعبة أصلاً هو ثقفي بس كان ممن أسلم مبكراً رضي الله عنه، وشوف سياسة النبي عليه الصلاة والسلام أنه ما استفزهم بحيث أتى برجل من قبيلة أخرى يهدم كعبتهم أو ربتهم، خلى المغيرة بن شعبة اللي هو من قبيلتهم أصلاً أنه هو صحيح خالد بن الوليد رئيس الوفد بس هي دائماً من الدبلوماسية هذول مسلمين جدد بالتالي لا تتصور فيهم المثالية، لا تؤمر عليهم رجلاً من غيرهم، لا تعمل مواقف قد تجعلهم ينتكسون، فبعث المغيرة بن شعبة في وفد ضمن هذا الوفد.

طيب قال: وقد استكفّثقيف كلها، الرجال والنساء والصبيان كلهم تجمعوا حتى خرج العواتق من الحجل، حتى البنات الشابات خرجن من بيوتهن، ولا يرى عامة ثقيف أنها مهدومة ويظن -ما زal عندهم تصورات جاهلية ومسلمين بس يظنون أنها ممتنعة- قالوا: الآن الربة ستدافع عن نفسها، مسلمين لكن الإيمان اللي ما زال في شبهات عقدية، فالمغيرة بن شعبة هو أصلاً رجل عنده نكتة رضي الله عنه، أخذ المعول وقال لأصحابه -بيحكي لخالد بن الوليد والجماعة اللي معه-: والله لأضحكنكم من ثقيف، رح تشوفوا قديش عقولهم صغيرة، فإيش عمل؟ مسرحية المغيرة بن شعبة، مسك المعول بده يروح يضرب الربة، طيب قال: فضربها بالمعول ثم سقط على ظهره أخر الرب يركض برجله، يعني صار يعني كأنه مصروع وانه الرب هذا الصنم ضربني وأذاني وبده إيش يعمل؟ مسرحية عليهم، قال فضرب بالمعول الرب أول ضربة ثم سقط كأن الربة أذته وأصبح يركض برجله ويرفص فيها كأنه.

قال: فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة، فرحوا مبسوطين، واضح أنه لسه في انتماءات مع أنهم مسلمين لكن ما زالوا بحبوا الربة موزالوا بيحبوها مئة سنة مش من السهل أن ينتزع حبها من قلوب، فصاحوا وفرحوا وقال: أبعَد الله المغيرة، قتلته الربة مات، شفت شو صار فيه؟ وقالوا لأولئك من شاء منكم فليقترب، صاروا يقولوا للصحابه: يلا ورجونا هي أول واحد مات فيكم.

طيب فقام المغيرة -مش في شيء- قال: يا معشر ثقيف، كانت العرب تقول ما من حي من أحياء العرب أعقل من ثقيف وما من حي من أحياء العرب والله أحمق منكم، أنتم مصدقين هذه المسرحية اللي عملتها، ويحكم من لا تبزه ومن ربى حجر مثل هذا الحجر لا يدري من عبده ولا من يعبده؟ ثم مسك المغيرة بن شعبة المعول فضرب الباب، لأنه هي الربة كانت عبارة عن مبنى هي مش صنم على صورة صنم لا هي كانت عبارة عن مبنى له باب، لأنه بعض الأصنام كانت عبارة عن شكل بيوت تمام، فضرب الباب الربة فكسره ثم على سورها وعلى الرجال معه من الصحابه فهدموا هذا البيت اللي اسمه الربة حجراً حجراً حتى سووها بالأرض، وجعل سادنها يقول: ترون إذا انتهى إلى أساسها، ما زal سادنها بقول: استنوا استنوا شوي لسه هسه بس يوصلوا للأساس رح تنتفض ها الربة وتقتلهم، سينتفض غضباً ويُخسف بهم.

فلما سمع ذلك المغيرة قال لخالد: دعني أحفر أساساً، بدي أورجيه الأساس تاعه، فحفروه حتى أخرجوا ترابها وجمعوا مائها وبنائها وبهتت عند ذلك ثقيف، إذاً الفكرة هي كلها أن المسلم الجديد يحتاج منك موقف واضح في دعوة التوحيد، يعني ما في مجال للمساومة أنه أخلي لك صنمك أو معبودك تعبده بعض الأيام يلا من باب التأليف على الإيمان يلا مش مشكلة ويعبد ربنا يوماً ونعبد، لا يصلح التوحيد لا يقبل إلا الوضوح والمكاشفة.

لكن هل كان يمنع ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأمور العبادية الشعائرية يعطيهم فيها مجال أو يؤخر إلزامهم بها حتى يدخلوا في الإسلام؟ هذه مسألة اسمها يبوب لها الفقهاء، إذا أسلم الكافر واشترط شرطاً فاسداً بأن قال: أنا أسلم مثلاً بشرط أنه ما في علي زكاة ولا جهاد، أو أسلم مثلاً بشرط أني أصلي بعض الصلوات وأترك بعض الصلوات، هنا يترك الأمر لاجتهاد السلطان، إذا راى أن هذا الكافر اللي جاي يسلم، التدرج معه التدرج معه في تأخير بعض القضايا الشعائرية اللي هو لا يريد أن يؤديها ابتداء ولازم لازم يقر بها بس ما بدو يأديها.

إذا راى الحاكم أن هذا الشخص خليه يسلم الآن ثم هو ماشي، هو أسلم ووضع شرطاً لإسلامه أنه أنا بسلم بس ما حدا يقول لي بكره في زكاة، ما حدا يقول بكره في جهاد، إذا راى الحاكم أنه خليه يسلم الآن بعدين أتفاهم معه على هذه القضايا وألزمه بها، فيمكن للحاكم أن يلزمه بالإسلام، ماشي قول له: أنا أسلم، أجعلك تسلم ثم مش مشكلة أنت مش شرطت أنه لا صدقة ولا جهاد؟ بعدين بننتفاهم معك عليها، المهم أنك تسلم.

هل فعل النبي عليه الصلاة والسلام هذه الممارسة؟ قالوا: نعم، فعلها مع وفد ثقيف نفسه، يقولون: ثقيف لما بايعت اشترطت على النبي عليه الصلاة والسلام أنهم نحن نسلم بس لا زكاة ولا جهاد علينا، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: بايعوا الآن مش مشكلة بعدين نتفاهم، يعني ما ألزمهم لا بدك تجاهد ولا ما في مجال تسلم لن أبايعك، قال: بعدين بننتفاهم، المهم بايع فبايعوا، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا لا تقلقوا، هي بس مرحلة انتقالية بنسميها خلهم يسلموا حتى لو اشترطوا شرطاً فاسداً، من بايعهم ثم بعد ذلك نلزمهم، لذلك الإام أحمد بن حنبل قال بناء على هذا الحديث: يصح الإسلام على الشرط الفاسد، ممكن هذه أنتبه لها، يعني ممكن أنت عندك شغالة أو عندك واحدة بدها تسلم أو رجل بقول لك: يا أخي أنا أسلم معكم بس يا أخي أنا ما بدي أصوم، رح أصوم، قول له: أنت بس أسلم بعدين بتفاهم معك مش مشكلة، أنت بس أسلم، بصير يا شيخ؟ بصير نعم يجوز ذلك.

تمام، وعن أنس بن مالك أيضاً شوف هي، إن رجلاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل أسلم، فقال: أجدني كارهاً، يعني أنا مش حابب أسلم، قال: أسلم وإن كنت كارهاً، مش مشكلة، هو مش لازم دائماً الواحد لما يسلم يكون مش، قال: أسلم وإن كنت كارهاً، وفي حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قَبِل من رجل أن يسلم واشترط أنه لا يصلي إلا صلاتين، قال: أنا بسلم بس ما تلزموني من الصلوات الخمس إلا بصلاتين، فقبل ذلك منه ابتداء، قال له: أسلم مش مشكلة نبلش في صلاتين، قال: ثم بعد ذلك ألزمه باقي الصلوات، لأن الإسلام إذا خالطت بشاشته القلوب وبدا الرجل يعترك بالبيئة الإسلامية هو بصير تلقائياً خاصة لما يكون عندك مجتمع مسلم بتصير في عدوى وسيل يستهي على نفسه ويصير يقول لك: خلص يعني خليني أكون مع هؤلاء الناس وأمارس ممارستهم.

طيب فهذه فكرة أنه ممكن أتقبل منه بعض الأمور، ممكن أتقبل منه بعض الأمور وهذه قضية تعود إلى اجتهاد تعود إلى اجتهاد الحاكم، فمثلاً في صحابي آخر بشير بن الخصاصية -ابن الخصاصية تجديد الياء- قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لأبايعه فاشترط علي أن أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأن أقيم الصلاة وأؤدي الزكاة وأحج وأصوم شهر رمضان وأن أجاهد في سبيل الله.

فقلت: يا رسول الله أما اثنتان فوالله ما أطيقهما، الجهاد والصدقة هذه لن أفعلها، قال: فإنهم زعموا أنه من ولى الدبر فقد باء بغضب من الله، أنه من يعني هو لماذا كان ما بدو يجاهد؟ لأنه من يفر من المعركة يكون فعل كبيرة من الكبائر، قال: يا رسول الله أنا ممكن يحصل مني هذا فأخاف إن حضرت تلك أي المعركة شجعت نفسي يعني بخلت وفزعت وكرهت الموت، وأما الصدقة فوالله ما لي إلا غنيمة -ما عنديش إلا غنمة صغيرة وعشر ذود، عشر ذود يعني عشرة من النوق تمام هن رسل أهلي- رسل أهلي يعني هو اللبن- هن رسل أهلي يعني لبن أهلي وحمولتهم.

قال: إذاً بشير بن الخصاصية يريد أن يبايع بس رفض ابتداء أن يجاهد وأن يزكي، قال: فالنبي عليه الصلاة والسلام هل قبض منه؟ قال: فقبض يده النبي صلى الله عليه وسلم ثم حرك يده وقال: فلا جهاد ولا صدقة فلم تدخل الجنة، إذاً كيف أبايعك بدون جهاد ولا صدقة؟ كيف نجمع هون بين هذا الحديث حديث بشير بن الخصاصية أنه أراد أن يبايع على الإسلام بدون جهاد ولا صدقة فرفض؟ بينما وفي ثقيف النبي عليه الصلاة والسلام بايعهم مع أنهم اشترطوا أن لا يتصدقوا ولا يجاهدوا، فهنا ابن الأثير رحمه الله عليه في النهاية في غريب الحديث جمع بين الحديثين قال: صفحة خمسمق وسبعة، فاما حديث بشير بن الخصاصية حين ذكر له شرائع الإسلام فلم يحتمل لبشير ما احتمل لثقيف.

ها إيش يقول ابن الأثير؟ النبي عليه الصلاة والسلام لم يتقبل من بشير ما تقبله من ثقيف، ويشبه لماذا أن يكون إنما لم يسمح له لعلمه أنه يقبل إذا قيل له، إيش يعني يقبل إذا قيل له؟ أي لعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن بشيراً إذا ضغطته بينضغط، يعني في واحد إذا ضغطته بيقبل الانضغاط اضغطه خليه يشتغل، وثقيف كانت لا تقبله في الحال، كان خايف النبي عليه الصلاة والسلام أنه إذا ضغطها زيادة أنها لا تقبل.

أيضاً هذا فرق، الفرق الثاني أنه بشير واحد وهم جماعة، نحن بالنسبة لنا ثقيف أنها تسلم كلها مكسب بننتفاهم معهم بعدين على بعض القضايا، أما بشير واحد بدك تعمل بدك تعمل، فأراد أن يتألفهم لأنهم جماعة وأن يدرجهم عليه شيئاً فشيئاً، إذاً التدرج في التعامل مع المسلمين الجدد يخضع أيضاً لتقييم تقييم أنه في واحد أنا ممكن من طلاب طلابي أشد عليه بشعر أنه قابل للضغط وبينجز، في واحد لا أنا خايف عارف إذا ضغطته بينتكس ما بضغطه، وبالتالي حتى موضوع الخمر نرجع لموضوع الخمر والربا اللي كان في موضوع قبيلة الثقيف، ممكن لو كان وفد آخر وتكلم في موضوع الربا هل كان ممكن النبي عليه الصلاة والسلام يؤخر الحديث عن هذا الموضوع لاحقاً؟

يعني هل نقول مثلاً أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى أن وفد ثقيف يمكن الآن ضغطهم في موضوع الربا والخمر بس موضوع الزكاة والجهاد ممكن الأخير فتح هذا الموضوع معهم، طب لو كان قبيلة أخرى غير ثقيف وراى الحاكم المسلم أنه أيضاً ضغطهم في موضوع الجهاد الربا والخمر الآن صعب، ممكن يكون هذا السبب واحنا محتاجين أن هؤلاء نتألفهم وخليهم يسلموا؟ هل ممكن ناخر شوية الحديث معهم في هذه القضية؟

طبعاً فرق هائل في السياسة الشرعية بين تأخير الحديث عن هذه القضية وبين القول إن الخمر خلص حلال وأن الربا حلال، اليوم مثلاً ما يحصل في الشام وفي غيرها من المناطق الآن العصبة التي تحكم هي فعلياً لا تملك القدرة على أن تدخل الناس، يعني هي في النهاية مستضعفة وإن كانت تظهر في ثوب المكنة لكن هي مستضعفة فيما يقابل النظام الدولي الذي يحيط بها.

فالبعض يقول لك: إنه هؤلاء يجب الآن أن يمنع من الخمر والربا وما شابه ذلك أو الزنا، الآن هي القضية متعلقة بالمكنة، يعني أنه يجب أن أنظر ما مكنتي وما حجم تقبل الناس للضغط والانضغاط، يهو ما هم أصلاً شعب مسلم؟ لا مو شعب أكثره تعرض لتشويه فكري وذهني لطبيعة الإسلام، ما هو حجم فعلاً قدرتهم على الانضغاط؟ هنا يجب على الحاكم المسلم أن يلزم الناس بما يعرف أنه إذا ألزمهم به من أحكام الدين لا.

يكون كفتنة عليه وعلى الحياة التي هو فيها، الشخصية الحياة الإسلامية تؤول إلى مفاسد أعظم مما هو متوقع، أما إذا كان يعتقد لا، أن الإلزام للناس بهذه القضية لن يؤول إلى فتنة وأنه سيبقى الحالة الإسلامية قائمة وملزم عندئذ أن يأمر الناس بترك هذه المحرمات، فالقضية إذا متعلقة بالحاكم المسلم ومن معه من زمرته الذين يجتهدون ويدرسون الواقع عن دراسة لله وليس لمناصبهم وأهوائهم، لله ويقيمون المرحلة التي هم فيها؛ لأنه واضح أن النبي عليه الصلاة والسلام قبل من بعض الناس الإسلام دون أن يلزمهم ابتداء ببعض القضايا وقال سيفعلونها بعد ذلك.

إذا كان الذي أسلم، هي فكرة ختامية، إذا كان الذي أسلم عنده بعض القضايا التي فيها مخالفات وتحتاج إلى تصويب، هذه قضية مهمة في المسلمين الجدد، بعض المسلمين الجدد قد يسلم ويكون عنده بعض القضايا الحياتية تحتاج إلى تصويب وتعديل. نعم أيضاً يؤمر بتعديلها متى كان الوقت مناسباً لتعديلها معه، مثلاً كان بعض من يسلم يسلم وعنده عشر نسوة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يأمره أن يتخير منهن أربعة، أسلم بعضهم وهو متزوج لأختين فأمره أن يطلق إحداهما، كان يصوب الأوضاع، مش يقول يلا شيخ الحمد لله أنه أسلم مش مشكلة حتى لو كان متزوجاً على قرار خاطئ بمشي له الأمور، لا، إذا كان الوقت مناسباً لإخباره بهذه القضية ولا يخشى عليه الانتكاسة يلزم بهذه الإصلاحات.

يعني هذا أهم ما اردت أن أتكلم به في موضوع ما يتعلق بالمسلمين الجدد من حيث منهج النبي صلى الله عليه وسلم العام في التعامل مع هذه الطائفة. طيب، ناتي الآن للكلام عن المنافقين وكيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل معهم. الآن النفاق أيها الكرام أين ظهر؟ في مكة أو في المدينة؟ ظهر في المدينة، النفاق يظهر عندما يكون الإسلام قوياً، تمام يا رب.

طبعاً، الإسلام يظهر، عفواً، النفاق يظهر عندما يكون الإسلام قوياً فيخشى بعض الناس الذين يعيشون في المجتمع المسلم ممن يريد الكفر واستحب الحياة الدنيا على الآخرة، يخشى من إظهار الكفر فيظهر الإسلام ويبطن الكفر، هذه فكرة علينا أن نعرفها، أي مجتمع إسلامي سيكون فيه منافقون، لأنه هناك من يبقى داخل هذا المجتمع لا يرغب في الإسلام لكنه لا يستطيع أن يظهر الكفر فيضطر أن يظهر الإسلام شكلياً وإن كان في باطنه ليس صادقاً ولا محباً لله ورسوله.

والقرآن حقيقة اهتم اهتماماً كبيراً بتعرية صفات هذا الصنف من الناس، لأن هذا الصنف هو الأكثر صعوبة، يعني الكافر واضح، اليهودي واضح، النصراني واضح، المشكلة المنافقون الذين هم من بني جلدتنا ويقيمون معنا، هذا هو الذي يطعنك من الخلف، هذا الذي يزعزع قواعد المجتمع المسلم، فلذلك جاءت العديد من السور والآيات لكشف حال هؤلاء المنافقين. ما صفاتهم؟ لتحذرهم، هؤلاء العدو فاحذرهم. لاحظ كيف هذه الآية على صيغة الحصر، على وجه المبالغة، الله عز وجل ماذا قال عن المنافقين؟ ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: 4]، هذا أسلوب حصر، يعني كأنه لا عدو إلا هم، ما لك عدو إلا المنافقين. طيب، شو المطلوب؟ فاحذرهم لأن هؤلاء خطيرون، يعيشون معك، يأكلون طعامك وشرابك، ممكن يصلي معك في المسجد ولكنه يفتك بك من الداخل، فلذلك جاءت سورة كاملة سورة المنافق، وجاءت سورة كاملة اسمها سورة الفاضحة وهي سورة التوبة، وما من موطن من مواطن السور المدنية إلا وكان فيه تنبيه على هذا الصنف، مثل غزوة الأحزاب في سورة الأحزاب، وسورة آل عمران الكلام عن غزوة أحد وكيف كانت نفوس المنافقين، وسورة محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمد: 30].

إذاً، المنافقون كانت لهم سيما، والله يقول: ﴿وَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمد: 30]، وهنا يعني فائده ذكر الشيخ المنجد فك الله أسره، وهي قضية أن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يعرف كل المنافقين بأعيانهم يقول: وإنما كان يعرف طائفة منهم هي التي ذكرها لحذيفه بن اليمان، وأما الطائفة الأخرى كان يعرفها فقط بالسيمة ولم ياته جبريل يخبره باسمائهم تفصيلياً. طب إذاً المنافقون لهم سيما، لهم علامات يمكن عموماً أن نستشفها من طباعهم، نعم، والقرآن ركز على هذه السيما، هذه العلامة، لأنها موجودة في كل زمان ومكان.

سريعاً الشيخ بدا بهذه السيما التي ذكرها القرآن للمنافقين، من أبرز سيماهم، طبعاً أول سيما اللي هي ادعاء الإيمان كذبا وزوراً: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 8]. إذاً هذه أساساً ادعاء الإيمان كذباً وزوراً. ثانياً: الخداع المستمر، أسلوب المواربة: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 9]، يسعون دوماً للخداع وللمواربة والتصنع واظهار شيء وإخفاء أمر آخر. ثالثاً: الإفساد في الأرض، الإفساد في الأرض من خلال تشكيك المسلمين في دينهم، أي تغيير المناهج، كتابة مؤلفات إفسادية، تزييف على الإسلام وإظهار الإسلام في ثوب آخر، الإفساد في حياة المجتمع المسلم، إظهار التعري، إظهار الفواحش، التآمر في الباطن على المسلمين. الدليل على ذلك قال سبحانه في وصف المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: 11] نحن نريد المنهج الوسطي ونريد العدالة ونريد الموازنة، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 12].

أيضاً من سيماهم التي ذكرها القرآن الثقل في العبادات، ما بحب يحضر الجمع والجماعات: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142]، الذكر القليل والكسل في العبادات، ولا يحضرون. لذا قال النبي عليه الصلاة والسلام مثلاً عن الجمعة، عن الفجر والعشاء: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر». عندهم ثقل عن العبادات، صال الله العافية.

من سيماهم أيضاً السخرية بأهل الدين والالتزام: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: 14]، والله نحن بنضحك على هالمشايخ وعلى هالدعاة، بس نحن معكم، أمامهم أنهم نحن بدنا الإسلام ومصلحة الإسلام وبدنا الخطاب الديني، لكن تحت الطاولة عندنا مشاريع وأمور كثيرة. الذين يلمزون المتطوعين من المؤمنين في الصدقات، شوفوا رجل جاي يعمل خير ومعاه كمشة هذه طاقته مبلغ زهيد تمام، الذين يلمزون المتطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم، استهزأوا بعبد الرحمن بن عوف مع أنه تبرع بمبلغ كبير وقالوا هذا جاي يتباهى، واستهزأوا بالذين لا يجدون إلا جهدهم، الآية تكلمت أنهم يستهزئون بالأثرياء ويستهزئون بالفقراء، فهذا يتهمونه بالنفاق، وشوف الحال، وذاك يتهمونه أنه ماذا يستفيد الله من صاعك أو من صاعيك.

معاداة المؤمنين وبغضهم في الباطن، قد بدت البغضاء من أفواههم، بتلاقيهم إلا تطلع فلاتات من لسانهم، هذول المشايخ شايفين حالهم، أغر هؤلاء دينهم يظنون أنه هذا الإسلام مع أنه بس أنه إيش، في مجالسه يظهر فلاتات اللسان التي فيها البغضاء لانتصار الإسلام والفتح على المسلمين: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: 120]، بيجي بعدين بصلي جنبك كالعاده. الذين يتربصون بكم، فان كان لكم فتح من قالوا ألم نكن معكم، وإن كان الكافرين نصيب كشروا عنيابهم وقالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين، طبعاً موالاة الكافرين في الباطن: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 139].

الاستكبار عن الاستغفار والتوبة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: 5]، بقول لك إحنا ما بنحضر مع المشايخ، مين المشايخ ومين أهل العلم مين الدعاة، نحن عايشين في طبقات معينة في أحياء معينة، لنا البرستيج تبعنا ولنا الطبقة الاجتماعية، ما بنخالط مشايخ وأهل لحى ومساجد، استكبار كبر.

محبة انتشار الفاحشة، مهرجانات، حفلات راقصة، عري: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: 19].

التضييق على الملتزمين اقتصادياً ومحاولة التضييق عليهم مالياً قدر المستطاع، هم الذين يقولون: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: 7]. إذا شفتوا شاب ملتزم متدين لا توظفوه، ضايقوا عليه في التوظيف، وإذا شفتوه شاب هامل وكذا خبروه إذا بتصير هامل وكذا مباشرة تحصل الوظيفة. هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، ضيق عليه في الوظيفة إذا شفته بده طريق الالتزام، ووسع عليه في الوظيفة، قول له إذا أنت انفضيت وتركت التزامك وكذا وكذا وحلقه لحيتك وصرت هامل شارد ضايع منوظفك، تمام، أنت محجبة منقبة بكذا كذا صعب نوظفك، شو المطلوب؟ تعري يسير شعرك وكذا واجلسي وحطي حممرة من وظفك، محاصره أهل الايمان اقتصادياً.

الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، يأمرون الناس بالمنكرات وينهوهم عن المعروف والخيرات والبركات ومجالس العلم وما شابه ذلك: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67]، البخل والتي هي طبعا بترجع لقضية محاصرة المؤمنين اقتصادياً، يقبضون أيديهم، ما بيساعدوا في رفعه مجتمعات المسلمين.

طيب، هذا صفات وصفات كثيرة، ويمكنك تتبع في القرآن، خاصة في السورة الفاضحة سورة التوبة من أسماء سورة الفاضحة، ومنهم ومنهم ومنهم، دائماً تكلمت عن صفات المنافقين تمام، عن تثبيطهم المؤمنين: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: 46]، استئذانهم دوماً، انسحابهم لما تحتاجهم الأمة إلى غير ذلك. طبعاً رأس المنافقين في المدينة من كان؟ عبد الله بن أبي بن سلول، كشر عن أنيابه، وسبب ذلك أن عبد الله بن أبي أحد زعماء الخزرج كان الأوس والخزرج تصالحوا على أن يجعلوه زعيماً على المدينة، خلاص يخلوه الزعيم. فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وأصبح هو زعيمها، تبدلت أحلامه في الرئاسة فبقي في قلبه حاقداً على النبي صلى الله عليه وسلم. طبعاً لما أسلم الأوس والخزرج شعر بموقف محرج أنه مش قادر يعني الآن قومه أسلموا فاضطر أن يظهر الإسلام ظاهرياً، وإن كان باطناً كان يتحالف مع يهود بني قينقاع، يتحالف مع بعد ذلك مع يهود بني النظير، هو يسعى دوماً لأن يتحالف مع أي عدو للإسلام، المهم أن يصيب ويؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، إذاً هو اضطر أن يسلم.

طيب كيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم، طبعاً عبد الله بن أبي وأي منافق في أي بلدة كزعيم سيجد حوله من أمراض النفوس أو من مريضي النفوس من يحبون هذا النفاق وهذا النمط، أصحاب شهوات أصحاب أهواء، غير يعني غير مهتمين بالالتزام والتدين والدخول في دين، لكنهم يخشون من سطوة الإسلام عليهم فيتبعون رئيس العصابة وشلته، تمام، يصبحون معه، كيف هؤلاء العصابات اليوم في غزه مثلاً تجد ما أنهم يعني الأصل أنهم كانوا يعني قبل الحرب كانوا مستضعفين، لكن هم أصحاب نفوس مريضة لا يريدون الإسلام، فأتت اليهود يستغلون مثلاً رجل في مقيم في غزة يصلح أن يكون رئيس عصابة ويلتف حوله من أصحاب الأهواء والشهوات، يعدهم اليهود وزعمائهم بالمال، وعود اقتصادية ثراء، أن يجعلكذا منصب، يوم من الأيام منزيل هؤلاء أهل الغزة وتصبحون أنتم، يعدونهم الوعود وما يعدونهم إلا غروراً، المهم لأنه آخر شيء رح يلقوهم في القمامة. فشيء طبيعي يكون كل حالة إسلامية كمجتمع في منافقين.

الان كيف كان هذا هو سأل كيف كان منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع هذه الحالة وهي الحالة معقدة شوي؟ الحالة أولاً لها حاضنة من عشائرها وقبائلها، يعني هم مش ناس غرب عن المجتمع المسلم، لا، هذا ابن العشيرة الفلانية عبد الله بن أبي بن سلول ابن الخزرج، وصاحب حاضنة وشعبية، كانوا يريدون أن يجعلوه رئيس على المدينة يا جماعه، يعني واضح أنه شعبيته عالية وله احترامه وتقديره. هنا بيجي التعقيد في المشهد، كيف نتعامل مع مثل هي الشخصيات التي هي ابن المجتمع المسلم، بمعنى ابن البيئة، له حاضنة له حضور له كريزما معينة، واضح عبد الله بن أبي له شخصيته الساطعة، له نفوذه على أتباعه، لدرجة أنه أحياناً بعض الصحابة الأفاضل زي سعد بن عبادة كان يعطيه احترامه، تمام، يعني سعد ما كان معجب بتصرفاته، لكن كان يقول يا رسول الله ارفق به، فهذا كنا سنضعه رئيساً لما قام النبي صلى الله عليه وسلم قام في حادثة الإفك قال: «من يعذرني في رجل يؤذيني في أهلي»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وأراد الأوس قام أسيد بن حضير قال يا رسول الله إن كان منا قتلناه وإن كان من إخواننا الخزرج فمرنا نقتله، مين طلع يحامي؟ سعد بن عبادة، مع أنه سعد من الصحابه المخلصين ما أحد يشك في إخلاصه، لكن النبي عليه الصلاة والسلام يعرف أن يبقى في النفوس المسلمة شيء من الضعف، شيء أحياناً من المحاماة للقبيلة، شيء من العصبية التي هي ليست صحيحة، لكن هي نفوس بشرية قد تضعف، هذا اللي بخليك تتروى في التعامل مع شخصية المنافق وتهدأ وتكون عقلاني معه.

فالنبي عليه الصلاة والسلام كيف كان يتعامل مع عبد الله بن أبي بن سلول؟ أولاً، الخطوة الأساسية أنه كان يعرض عن إنزال العقوبات على هؤلاء المنافقين. ما كان مثلاً يعرف أنه فلان منافق وأنه يبطن الكفر ومع ذلك لم يحكم عليهم بردة، ولم تقم عليهم حد ردة، ودفنوا في مقابر المسلمين، وورثوا أبنائهم منهم، وكانوا يتناكحون داخل المجتمع المسلم، وهذا منهج لنا أنه يتعامل معهم بناء على ظاهرهم وإن كانت ظهرت منهم سيمافات المنافقين، لكن ما دام لم يمسك بالجرم المشهود، يعني بالردة الظاهرة، يعني ما سب الله، ما سب النبي عليه الصلاة والسلام والعياذ بالله، ما ارتكب ناقض واضح وإنما بدسدس من تحت لتحت وأصبح مكشوف بس في الظاهر بيصلي معك، هو كذا وبصوم رمضان وكذا، ظهرت كل سماتهم.

النفاق عليه، لكن لم يمسك برده حقيقية يحكم بها أهل الشرع والعلم. فهنا أنت مضطر طبعا، بدك تظل تتعامل معه في الظاهر بحذر منه، بخوفه، أرهبه تمام: ﴿وَتُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾، اللي هم المنافقين. ليش الإسلام أمر بإعداد العدة داخل المجتمعات المسلمة؟ إنه في منافقين، لما يشوفوا الجيش المسلم وهو بقاتل وهو كذا، بعملوا تجهيزات ومشاركة في طيران، بصير هو نفسه يرتعب، لكن إذا شافوك ما عندك شيء تنمرد.

المهم فهؤلاء طريقة التعامل معهم جدالية، عقلانية، ترهيبية، لكن لا يتم إنزال العقوبات عليهم، اللي هي راح أحكم الردة و... و... حتى يظهر ناقض واضح، يعني يرتكب الناقض بالجرم المشهود. لماذا كان يفعل ذلك النبي عليه الصلاة والسلام؟ لماذا أمرنا بهذا المنهج؟ أن لا ننزل العقوبات. أنت كمجتمع مسلم فيك لا تنزل العقوبات على هؤلاء وتعامل معهم بذكاء.

أكثر من مرة عبد الله بن أبي كان يظهر منه النفاق، ويقول: لَنُخْرِجَنَّ الْأَعَزَّ مِنْهَا الْأَذَلَّ. والله لئن رجعنا إلى المدينة في غزوة بني المصطلق، ليخرجن الأعز منها الأذل، ما قال: لأخرجن محمد صلى الله عليه وسلم. لذلك قلت لك: عبد الله بن أبي كان ذكي، منافق ذكي، كان يستعمل العموميات.

إيش يقول؟ لأن رجعنا نتفاهم مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، إيش بشو؟ ليخرجن الأعز الأذل. طبعا هو مفهوم إنه مين قصده بالأعز؟ يقصد نفسه، هو يقصد بالأذل، وحاشاه أن يكون ذليلا النبي صلى الله عليه وسلم. بس هو هل قال النبي صلى الله عليه وسلم ذليل؟ لا، هو ما صرح بهذا. لو صرح بهذا كذا وكذا بجرم، كان حكم عليه بكفر واضح، لكن كان يستعمل العموميات، يستعمل عبارات كناية ولا يصرح.

فكان الصحابه يقولون: يا رسول الله، دعنا نضرب عنقه. حتى ابنه، سبحان الله، عبد الله بن أبي المنافق كان له ابن صالح اسمه عبد الله، عبد الله بن عبد الله. فعبد الله بن عبد الله كان صحابيا فاضلا، وأصبح مكشوف للجميع نفاق والده. فقال: يا رسول الله، إن أردت قتل والدي فمرني أنا اقتله. يعني وصل لمرحله عبد الله بن عبد الله مقتنع إنه والدي الفراق، لأنه منافق، لكنه أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستسمح: يا رسول الله، إن أردت قتله فمرني أنا اقتله. ليه؟ قال: أخشى أن يقتل رجل غيري، فأبقى أرى قاتل أبي فلا أصبر حتى أقتله، فخليني أنا اللي أكون لطخت يدي بدم والدي. شوف إيمان الصحابة! رضي الله عن عبد الله بن عبد الله. فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنني لن آمر أحدا بقتل أبيك.

وكان أكثر من مرة الصحابة يستأذنون بقتله، فكان يقول جملة مهمة: الاهتمام بصورة الدعوة الإسلامية. قال: «لا يقال إن محمدا صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه». ما بدي تستغل هذه الثغرة لإخراج دعاية عن هذا المجتمع المسلم أو الدولة المسلمة، أن أعضائها وعناصرها يقتلون أحبابهم وأصحابهم.

الناس في أطراف الجزيرة العربية هي ما بتعرف شو بسوي عبد الله بن أبي في المدينة، هم ما بيعرفوا إنه بكيد، هم في وجهة نظرهم أمام الشاشة إنه عبد الله مسلم، وأحيانا بيطلع بعض الغزوات، كان في غزوة بني المصطلق طالع، فأمام سبحان هكذا عقلية البشر، الناس تاخذ من الخبر طرفا، الناس ما بتفتش. يعني لو قتل النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي، ما تفكر أن عموم جزيرة العرب طيب ليش قتله؟ لا، أكيد عبد الله بن أبي عمل له شغله، لا، الناس ما بتفكر هيك، الناس رح تاخذ نص الخبر: إيه، قتل رجل من اتباعه، هذا الدين معناه يقتل أصحابه واتباعه، ما بدنا ندخل فيه. طيب، أيهما مصلحة لي؟ أن أداري عبد الله بن أبي إلى أن يجعل الله فرجا ومخرجا، آخرته بيموت، وهذا اللي صار معه، مات قبل موت النبي عليه الصلاة والسلام، ولا تخرج دعاية عني سيئة أنني أقتل أصحابي. هنا بيجي الميزان والفقه أن منهج النبي عليه الصلاة والسلام مراعاه خير الخيرين: قتل عبد الله بن أبي كان خيرا، لكن ما هو أخير من انتشار الإسلام وأن تخرج دعاية مسمومة عن الإسلام والمسلمين، فقال: «لا يقال إن محمدا يقتل أصحابه».

هذه كانت قضية واحدة. القضية الثانية التي منعت النبي صلى الله عليه وسلم من أن يتخذ هذا القرار هي أنه صلى الله عليه وسلم ذكر لبعض الصحابة الذين استأذنوا في قتل عبد الله بن أبي، ما معناه: أن هذا الرجل لو قتلته الآن سترعد له أنوف، يعني بعض زعامات الخزرج من الصحابة سيزعجها أنني قتلته، لكن خليه إما بينكشف على المكشوف وهم نفسهم الخزرج يقتلونه، أو يطردونه ويهجرونه، أو أنه يموت وحده. فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يلحظ أن بعض الصحابة على ما فيه من الصدق، لكن تبقى عنده عصبية العشيرة. فكان يعتقد عليه الصلاه والسلام أنه لو أمر بقتل عبد الله بن أبي ممكن تكون سبب في انتكاسة أو ضيق أو موقف يفتن به بعض الصحابة. لا، خليني أحافظ على سعد بن عبادة، خليني أحافظ على رزلات الخزرج. وهو فعلا هذا الذي حصل: كشف عبد الله بن أبي وأصبح الخزرج نفسهم يمقتونه، وخرج يوما ليعظ في المسجد: يا جماعة، انصروا محمد صلى الله عليه وسلم، فأخذوه بثوبه: أجلس، إنما أنت كأب، أكثر من مرة فضحتنا وشوهت وجهنا. هكذا منهج الإسلام الذكي، الذي بده يخليك من داخل حاضنتك هم يسقطوك، أن أجعل حاضنتك نفسها هي التي تسقطك.

هذا ذكاء في السياسة، ليش أقول لكم إخواني: قيادة الدول والمجتمعات ليست سهلة، تحتاج إلى قائد ذكي. القائد الفوضوي، يعني لو واحد من الشباب المتحمس: ليش ما فلان يقتل فلان من اتباع النظام السابق بالفلوس؟ يا ابن الحلال، الله يرحم والديك، أنت مفكر القضية هي معابطة؟ هي كلما وجد رجل كان مثلا هكذا يقتل؟ يا اخي خله، ترى الحكم يحتاج إلى تؤدة. في ناس لو قتلت لشمخت لها أنوف. هذا ما بيفهموه الشباب الصغار السذج اللي مقضينها على الأفلام والقصص وأغانيهم وحماسهم، واللي بيفهم فقط الدين هو قتل ودماء، وما يعرف أن الدين له أسر وله قواعد.

حتى لو كنت أعرف أن هذا الرجل فيه نفاق وأنه مش مع الإسلام، ترى ممكن أنا في النكاء كحاكم مسلم في لحظة معينة، أنا بدي أعمل مشروع إسلامي، ممكن أوظفه في مكان معين، أسكت بعض النفوس به، هذا داءه وهذه حكمه وهي سياسة لا ترقى له. لذلك القيادة إنما تنجح مع الأذكياء ولا تنجح مع المغفلين.

النبي عليه الصلاة والسلام من منهجه أنه هو كان قائد المشروع الإسلامي والدولة المسلمة، وكان كثيرا ما يكون في غزوات وفي معارك وفي جولات يحتاج فيها وجود الجميع، ومع ذلك كان يتخلف عنه المنافقون، كما حصل في غزوة تبوك، كما حصل في العديد من الغزوات، وكما أيضا حصل في صلح الحديبية. سيقول لك المخلفون من الأعراب: شغلتنا أموالنا وأهلنا فاستغفر لنا. طبعا في سورة التوبة، سورة تبوك، يعني أصلا كلها اعتذارات من المنافقين، وإنما خرج عدد محدود جدا من المنافقين، والا جل المنافقين تخلفوا.

وعندما عاد النبي صلى الله عليه وسلم من الغزوة، وجاؤوا يستاذنون، يعني هم استاذنوه ابتداءً، وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله، ولما عاد من الغزوة استاذنوه انتهاءً: يا رسول الله، أنا كنت تعبان، يا رسول الله، أنا كنت مشغول بكذا، يا رسول الله. ومع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يسامحهم، لكن لما سامحهم بقدر زائد عاتبه الله فقال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [التوبة: 43].

يعني جاء القرآن يوجه النبي عليه الصلاة والسلام أنه في تحتاج يا محمد صلى الله عليه وسلم أن ماذا؟ أن تشد على هؤلاء قليلا تمام، ولا تفتح لهم الباب، لأنه كان رحيما صلى الله عليه وسلم ومعرضا عن هؤلاء تماما. فالله عز وجل قالوا عاتبه، بمعنى أنه أدرسهم قليلا، خلهم يعرف انني أعرف تفاصيلكم تماما وأعرف أنكم غير صادقين.

فقضية أنها من صفات المنافقين الاعتذار الدومي والانسحاب عندما يحتاجه المسلمون في مشاريعه، وياتي يتعلل لك أنه والله كنت مشغول، والله أنا ما قدرت كذا، وكل ما يجي شغله اسلامية: مشغول. طيب ما انت شو يعني ما بتحضر أي شغلة إسلامية؟ دائما مشغول، ولا انت بتكره تحضر مشاهد المسلمين وبتكره أن تكون مع الصف الاسلامي، ودائما مشغول وشغل اعتذارات.

فهذه القضية أن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان كثيرا يشدد عليهم، خلص ما حضر، لا انت مش صادق، أنت.. لا لا، كان عليه الصلاة والسلام يعرض عنهم ويتركهم، تمام، لأنه ما بده يشغل نفسه بهؤلاء، لأن استثمارنا ليس في هؤلاء، وإنما استثمارنا في أهل الصحوة الخيرة وفي المسلم الصادق. لكن كان عليه الصلاة والسلام صحيح ما كان يواجههم مباشرة، لكن كان من هديه في كل يوم جمعة أن يقرأ سورة الجمعة وسورة المنافقين. لماذا؟ قال العلماء: المنافقون كانوا الصلاة التي يشهدونها في العادة كلهم صلاة الجمعة. قالوا: فكان يحرص أن يقرأ في صلاة الجمعة سورة المنافقين لأنها ستقرع أسماعهم. كان يقرأ سورة الجمعة لأنها تحث على صلاة الجمعة، ويقرأ سورة المنافقين لأنه يعرف صلى الله عليه وسلم أنهم حاضرون في هذه الصلاة بالتحديد، لأن هي الصلاة جامعة، وكانوا يستحيون من التخلف عنها.

تخيل أن عبد الله بن أبي والكل بيحضر، تخيل أن عبد الله بن أبي بن سلول كان يسمع في كل جمعة النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ الآيات اللي بتتكلم عنه والتي تقول: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: 7]. هو عارف أن الآيات بتحكي عنهم، وهو جاي بيسمعها في الصلاة ويخشع، يحاول الخخشوع ولا يخشع ولا شيء، لكن يتصنع أنه متقبل لسماع هذه الآيات مع أنها تتحدث عنه. لذلك هذا من الأساليب الإسلامية الراقية أنه في المحافل العامة تقرا آيات المنافقين، لأنهم سيسمعونها ويعرفون أنها تتحدث عنهم. خلهم يسمعونها، أنا ماشي، أنا معرض عنكم، الشغال فيكم بس اسمعوها في المحافل حتى تعرفوا أننا نفهم تلك النفسيات المريضة ونعرف ما في بواطنكم، وأن القرآن قد كشفكم لنا.

في المشروع شعل الإسلام أيضا من الممارسات اللي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم مع المنافقين: لما أكون أنا قائد في الدولة المسلمين والنظام الإسلامي وعندي منافقين، التضييق عليهم وهدم معاقلهم. فالحاكم المسلم، الحاكم المسلم من وظائفه أن يهدم معاقد المنافقين. هذا أين ناخذ له مثالا في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام؟ لما هدم مسجد الضرار. مسجد الضرار هذا مسجد بناه مجموعة من المنافقين قبل أن يخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك، ثم أتوه وقالوا: يا رسول الله، بدنا اياك تصلي في هذا المسجد تبارك لنا إياه، فقال: «أنا الآن على سفر، لما أعود أصليكم». وكان عليه الصلاة والسلام لم يعرف بعد أن هذا المسجد بني للنفاق.

فاخ... طبعا وهو عائد من غزوة تبوك، على أبواب المدينة، جاءه جبريل وأخبره أن لا تصلي فيه، لا تقم فيه أبدا. طبعا آيات سورة التوبة بينت: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: 107]. والله إحنا ما قصدنا إلا يعني كل خير والمشروع الإسلامي ينهض.

فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر كقائد مسلم بماذا؟ بأن يهدم معاقلهم. بس طبعا هذا لا يفعلها إلا حاكم له نفوذ وله سطوة وله قدرة، أما أنت كإنسان مسلم بسيط في مجتمع أصلا يكشر فيه النفاق عن أنيابه، ليس لك إلا المجادله والمناصحة والدعوة بالتي هي أحسن.

إذا، من منهجه أيضا أنه على الحاكم المسلم.. مسلم ألا يمكن للمنافقين. صحيح، هو لا يستطيع أن يسفك الدماء لأن هذه لا يظهر منها ردة وإن كنت أعرف أنه في الباطن، لكن أستطيع أن أضيق عليهم وأن أحشرهم وأن أمنع التقائهم. والحاكم الذكي، الحاكم المسلم الذكي يهتم بهذه السياسة، وهي سياسة تفريقهم وعدم تجمعهم في مكان، وهدم أي معقل أو مكان يتجمعون فيه، وملاحقتهم والتضييق والتحشير عليهم، كما هم يضيقون على الإسلام عندما يكونون مستضعفين.

أيضا من الأمور التي يجب أن ينتبه لها: أنك تحط من هؤلاء المنافقين وألا تتعامل معهم بسذاجة. فلا بد تكون مستيقظا أنه ممكن يمارس اغتيالات في الصف الإسلامي. وهذا ما حرص عليه خمسة عشر رجلا من المنافقين، تعاهدوا أظن في غزوة تبوك، تعاهدوا في غزوة تبوك أن يدفعوا راحلة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الوادي، ويحاولوا أن يشقوا زمامها حتى تسقط بالنبي صلى الله عليه وسلم ويقتل.

عن أبي الطفيل: لما أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، أمر مناديا فنادى: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ العقبة»، هي تلة معينة كانت على الطريق باتجاه المدينة، «فلا يأخذها أحد». يعني سلك هذا المسلك كان يعني هو مسلك خاص به، أراد أن يسلكه مع بعض الصحابة، أنتم.. يعني قد يكون لأمر عسكري، يعني أن ما حدا يطلع عليه. فبينما النبي صلى الله عليه وسلم يقوده حذيفه، ويسوق به عمار القيادة..

تكون في الخلف والسوق يكون من الأمام، يعني كان حذيفة خلفه وعمار أمامه، تمام، أو قد تكون العكس، يعني أنا نسيت أنه القائد والسائق، القائد في الأمام والسائق في الخلف أو العكس، يعني أحدهما كان، المهم حذيفة وعمار يكتنفانه، واحد في الأمام وواحد في الخلف.

إذ أقبل رهط متلثمون على الراحلة، هذول الخمسة عشر ملثمون، غشوا عماراً، يعني مسكوا عماراً وهو يسوق برسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني هجموا بشكل مفاجئ ليلاً، وأقبل عمار يضرب وجوه الراواحل، عمار يضرب وجوه جمالهم وأحصنتهم أو أخيلتهم.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة: قد وقف. وقف، عرفوا أنه في محاولة اغتيال، حتى هبط النبي صلى الله عليه وسلم، فلما هبط النبي صلى الله عليه وسلم نزل ورجع عمار، فقال: يا عمار، شفتهم؟ عرفت مين هؤلاء؟ فقال: قد عرفت عامة الراواحل، والله أنا بعرف هي الأحصنة يا رسول الله، عارفها، هي لفلان وهي لفلان، عرفوا، يعني عمار ما هو بيعرف أحصنة المنافقين أو جمالهم، قال: قد عرفت هذا لبع، لفلان الفلاني كخزرجي، وهذا للم، والقوم متلثمون بس بعرف لمين هي الجمال، أنا شايفها في المدينة.

قال: هل تدري ما أرادوا؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أرادوا أن ينفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم فيطرحوه، أرادوا أن يلقوني، فعذر النبي صلى الله عليه وسلم منهم ثلاثة، قالوا: والله ما سمعنا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني الآن هذول الخمسة عشر النبي صلى الله عليه وسلم عذر منهم كم؟ ثلاثة.

هو شو قال هسا؟ النبي صلى الله عليه وسلم أعطى تبيان هي العقبة، أنا رح أصعد عليها مع حذيفة وعمار، ما حدا يصعد عليها، أنتم الخمسة عشر ليش صعدتوا عليها؟ هسا في ثلاثة قالوا: والله يا رسول الله، نحن صح أجينا بس نحن ما كنا، ما سمعناك لما قلت، أو مناديك لما قال ما حدا يصعد على العقبة.

الاثنا عشر الآخرين لا، هم اللي كانوا متقصدين أن يصعدوا مع أنهم عرفوا المنع، وأرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم، والله عز وجل رصد لنا هذه الحادثة، فقال تعالى: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: 74]، يعني هموا أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينالوا بغيتهم.

تمام، إذا ما ناخذه من هذا، وهو أن الأصل أن الإنسان الحاكم المسلم، أو الشخص اللي له مكانة في المجتمع المسلم من أهل الخير والصلاح ويظن أنه مستهدف، لازم يأخذ احتياطاته، القيادة يعني ما تقول يا شيخ أنا موحد وإن شاء الله ما راح ينالوا مني، يعني جزاك الله خيراً أنت موحد شيء، لكن الأخذ بالاسباب هذا مطلوب، يعني بقول لك، طيب هي عمر بن الخطاب، يا أخي عمر بن الخطاب كان في المدينة، المدينة ما كان فيها نفاق لما كان خليفة عموماً يعني، وفي النهاية طعن، حتى وفي النهاية سيد بن الخطاب طعن من أبي لؤلؤة.

فأن يأخذ الحاكم المسلم وأهل الخير والصلاح والقيادات المستهدفة حتى ولو أنت قائد والمجتمع في يدك، أن تأخذ باحتياطاتك من المنافقين العسكرية ويكون لك حراسات، هذا مطلوب، وهذا ليس من الكبر، بل هذا هو الهاء والذكاء والعلم، أنه النبي عليه الصلاة والسلام كان يحرص، فلا تيجي تقول يا أخي لو كان تقياً ورعاً لما وضع حارساً، لو كان ساذجاً، يعني هذا مش، في هذه الحالة هذا سذاجة التي تطالب بها، ضع حرسك وأحمي نفسك، فإن الاسلام يريدك يا أيها القائد المسلم، أحمي نفسك من المنافقين.

هذه قضية أخذ الاحتياطات وعدم الطمأنينة منهم، كان أيضاً منهجا للنبي صلى الله عليه وسلم. كم الساعة يا شيخ؟ طلعت تليفونك يا شيخ. نعم، كان بقي الأذان. زي ما حكينا هدم معاقلهم، تكلمنا عنها في صفحة 670، كلم الشيخ المناجد عن قصة هدم مسجد الضرار الذي كان هدفه، يعني شوف، المنافقون الذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، المنافقون يقومون بمشاريع داخل المجتمعات المسلمة ولهم أوكار يلتقون فيها لمحاربة الإسلام والمسلمين، فيجب أن يكون المسلم على يقظة وعلى انتباه من هذه القضية، يعني لا تظن أن المنافقين مجرد أشتات، لا، ممكن يلتقوا ويحاولوا أن يكونوا مؤسسيين ويعملوا على صورة عمل مؤسسي لهدم المشروع الإسلامي، فيجب أن تكون متيقظاً ومنتبهاً ومستيقظاً لمؤامراتهم.

طيب، الآن قضية الصلاة على المنافق، إذا كان في رجل ظهر لك نفاقه وإن لم تظهر لك ردة واضحة، لم يحكم عليه بالردة، لكن ظهر لك نفاق من ممارساته، كيف يتعامل معهم؟ الآن النبي عليه الصلاة والسلام عموماً بقي يصلي على المنافقين إذا ماتوا، ويصلي على جنائزهم ويشهدها، ولما قيل له: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، قال: لو أعلم أنني إذا استغفرت لهم أكثر من سبعين مرة لغفر لهم لاستغفرت لهم، وهذا من أخلاقه الرفيعة عليه الصلاة والسلام وحرصه، حتى هؤلاء الذين يؤذونني، بغض النظر عن إذاهم لي، أريد لهم الخير، فكان يصلي عليهم.

فلما مات عبد الله بن أبي تقدم النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فعمر فزع، انخى: يا رسول الله، تصلي على عبد الله بن أبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: دعني يا عمر. فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فانزل الله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 84]، فلما نزلت هذه الآية ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على كل منافق علم أنه منافق بعينه.

ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على هؤلاء المنافقين، لما علم أنهم منافقون بأعيانهم، وهنا شيخ الإسلام ابن تيمية صفحة 675 يعطيك الحكم، فيقول: من كان مظهراً للإسلام فإنه تجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة، فيناكح في داخل المجتمع المسلم ويورث ماله، لكن من علم منه النفاق والزندقة فإنه لا يجوز لمن علم ذلك منه الصلاة عليه، وإن كان هذا المنافق الذي مات مظهراً للإسلام فإن الله نهى نبيه عن الصلاة على المنافقين، وأما من شك في حاله فتجوز الصلاة عليه إذا كان ظاهره الإسلام.

إي يقول شيخ الإسلام: هسا المنافق، المنافق اللي أنا بعرف إنه منافق يقيناً بدون شك وأعرف إنه يتأامر على الإسلام والمسلمين في الباطن يقيناً دون شك، هذا لا يجوز الصلاة عليه من أهل الإسلام. هسا من جهل حاله له فصلى عليه، خلص تمشي حاله، وممكن أنت أحياناً حتى ما تعمل قصة في البلد، تتغافل عن هي القضية فانت ما تصلي عليه، ولكن اللي ما بيعرفوا حاله خلص هم صلوا عليه ودفنوه حتى لا نعمل فتنه أو بلبلة، فهذا يمكن أن يتصور وانه أنا أترك الصلاة على المنافقين تماماً، وأما من شك في حاله فهذا لا، هذا لا أترك الصلاة عليه، بل أصلي عليه رجاءً لعله أن يكون فيه شيء من الخير والله سبحانه وتعالى يغفر له.

قضية النفاق، النفاق يا إخواني يحتاج إلى صبر، هذه القضية الأساسية، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام أكثر ما جاءوا من التعب داخل المجتمع المدني من المنافقين، فاللي بده يكون قائد على مجتمع مسلم، بده يكون نفسه طويل، اللي نفسه مش طويل لا يستلم القيادة، لأنه أنت تتعامل مع أقبح وأسوأ النفسيات، ناس من بني جلدتك يلبسون لباسك وممكن يصلي معك ولكنه يطعنك في الظهر، فانت تتعامل مع أصعب النفسيات.

بالتالي، من يريد أن يتعامل مع المنافقين عليه أن يأخذ بمنهج محمد صلى الله عليه وسلم، منهج الصبر وطول النفس، ويستمر على هذا إلى آخر حياته صلى الله عليه وسلم، لم يروَ أنه قتل منافقاً، لم يروَ أنه قتل منافقاً مع أنهم كانوا متغلغلين في المدينة ومع ذلك لم يذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قتل أحدا منهم، ومع ذلك انتصر الإسلام وقوي الإسلام وقويت شوكته، لأن التعامل الهادئ هو الذي يقوي الإسلام وليس التعامل المبني على الاستفزاز وردة الأفعال، والله لأفعلن فيه والله لأعلن.

الهادئ بوصل إن شاء الله، وأما اللي بيتعامل مع المنافقين بردة الفعل ويجعل استفزازهم له يستفزه ليعاقبهم أو هذا ممكن يخسر المعركة، هم بدهم يستفزوك أنت اهدا، اربط على قلبك ولا تكن مستفزاً واكتم غيظك، وهكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم في كل مواقفه مع المنافقين، في جميع الغزوات، في جميع المواقف، في حادثة الإفك، في الحديبية، في تبوك، كان صلى الله عليه وسلم يعرض عنهم ويكتم غيظه إلى أن الله سبحانه وتعالى قبضه إليه وقد أعز الله الإسلام والمسلمين، فالتعامل مع هذه الشخصية أيضاً يحتاج إلى صبر.

لذلك النبي عليه الصلاة والسلام جاءه أحد المنافقين بعد غزوة من الغزوات وقال: يا محمد اعدل فإنني لا أراك تعدل. عليه الصلاة والسلام فقال: ويحك، فمن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ والنبي صلى الله عليه وسلم غضب وحمر وجهه، يعني كيف يتهم وهو يوحى إليه من السماء؟ ثم بعد ذلك خفف عن نفسه فقال: يرحم الله أخي موسى فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر.

بدك تتحمل ولذلك المجتمعات المسلمة من يقودها يتعب وينهك لأنه يحتاج إلى نفس طويل، خاصة إذا أراد العدل، يعني في دولة بني أمية وبني العباس وأحياناً كان يحس نوع من الجور، كان يكون هناك تصفية على التهمة دون أن يتأكد الخليفة الأموي أو العباسي أن هذا منافق، ففعلاً ممكن بأسهل الطريق وليجت الطلاص طائر كما يقولون، لكن النبي عليه الصلاة والسلام لأنه أعدل الناس بأبي وأمي يصبر ويصبر، ولأن تخطئ في العفو خير من أن تخطئ في العقوبة، هكذا كان نهجه صلى الله عليه وسلم.

كان عليه الصلاة والسلام يحرص أحياناً أن يكشف ويفضح بعض المنافقين لبعض الصحابة حتى ينتبه منهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم مثلاً أعطى سيدنا حذيفة بن اليمان أسماء طائفة من المنافقين، يعني هو على التحقيق أن حذيفة لم يكن يعرف أسماء كل المنافقين في المدينة لكن كان يعرف أسماء طائفة معينة، النبي صلى الله عليه وسلم أسرها له، طيب لماذا أسرها له؟ كأنه نوع من الأمان أنه الله أوحى إليّ أن هؤلاء من المنافقين، خلي هذا السر عندك، إذا رايت أحداً ولاة المسلمين من بعدي يستخلفهم أنه ينبههم، تمام، يعني ما تحكي عنهم، لكن كيف أقول لك؟ أنا أعطيتك معلومة ترى فلان أحذر منه، إذا، ما تحكي عنه أمام الناس، لكن إذا رأيت أحداً أراد أن يستعملهم في مكان حساس لا، بلغ أنه فلان لا يعين.

مثلاً هنا عن عائشة في صفحة 683: دخل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وقال: يا عائشة، ما أظن فلاناً وفلاناً يعرفان من ديننا شيئاً، يعني واضح النبي صلى الله عليه وسلم يتهم، أو مش هذا، يخبر أنهم ماذا؟ يخبر أنهم كانا رجلين من المنافقين، قال ليث بن سعد في تعليقه: هذا الحديث كان رجلين من المنافقين لذلك قال: لا أحسب أنهم يعرفون من ديننا شيئاً.

مثلاً لما عاد النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة من الغزوات يقول عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم من سفر، فلما كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب، فقال صلى الله عليه وسلم، يعني ريح مرعبة: بعثت هذه الريح لموت منافق. فلما قدمنا المدينة فاذا منافق عظيم من المنافقين قد مات، إذاً أحياناً النبي عليه الصلاة والسلام كان يكشف بعض المنافقين، أنا ما أقمت العقوبة عليه لكن كشفته، أما لكل الصحابة أو لطائفة من الصحابة أو لبعضهم ممن أريد أن أستامنهم على أسمائهم، فكشف بعض المنافقين والتحذير منهم هذا مطلوب أيضاً حتى يبقى المجتمع الإسلامي على يقظة، حتى يبقى المجتمع الإسلامي على يقظة.

النبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا في منهجه ألا نبجر المنافقين، فيقول عليه الصلاة والسلام صفحة 685: لا تقولوا للمنافق سيد، فانه إن يك سيداً فقد أسخطتم ربكم. المنافقون لا تقولهم سيد وسيد وسيده وهذه القصص، على قدر استطاعتك وإنما يا فلان يا أبو فلان، ليس أكثر من كذا، أما تعطيه الاحترامات الزائدة وأنت تعلم أنه منافق لا يصح ذلك، لا تقل للمنافق، فالمنافق لا يعظم ولا يحترم ولا يكرم، إلا إذا اقتضت المصلحة شيء من المجامله والمداهنة التي يكون الهدف منها أن يكف شره وأن يطرد مكره عن الإسلام والمسلمين.

أخيراً نختم الكلام عن كيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار، وهذا أظنه ليس موجوداً في الكتاب، أليس كذلك؟ يعني أنا لا أظن أنه يعني هذا ليس موجوداً في الكتاب كفقرة، لكن يعني أنا أحببت أن أضيفها لأنها فقرة مهمة، كيف نتعامل مع من ليس على ملتنا أصالة، لا كافر مكشوف أنه كافر، هنا ساضع مجموعة من النقاط يمكن أن تدونوها سريعا.

القضية الأولى أن النبي عليه الصلاة والسلام في تعامله مع رجالات الكفار كان يعرف مكانتهم في أقوامهم ولم يكن يهدف إلى أن يضع من مكانتهم في أقوامهم، فلما كان يتعامل مع زعماء الكفار يتعامل بطريقة، ولما يتعامل مع سوقتهم يتعامل بطريقة أخرى، فالمحافظة على ذوي الهيئات منهم ومعاملتهم على حسب اسلوبهم وأنماطهم هذا كان من نهجه صلى الله عليه وسلم، لذلك مثلاً كان يتألف الكفار، زعماء الكفار يتألفهم بالمال، كما قلنا بعض زعماء الكفار كان يتألفهم بالمال، كان يرسل رسائل إلى زعماء الكفار في الأرض.

ويخاطبهم مخاطبة الملوك: من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم؛ يعني يعطيه اسمه، يعطيه اسمه ثم بعد ذلك يدعوه.

فالنبي عليه الصلاة والسلام أول قضية: أنك لما تتعامل مع الكفار عليك أن تعرف كيف تتعامل معهم على مراتبهم الاجتماعية. مش لأنه كافر: لعنك الله وقبحك أنت كافر، ما بفرق معاي هو أنت زعيم ولا راعي ولا رعية. لا، أنت في النهاية داعي إلى الله ومصلح، نحن مش في معركة، أنا أُريد أن أُصلح البشرية. على الأقل هذا الكافر إذا لم أجره إلى الإسلام، أكُفَّ شره عن المسلمين. فمخاطبته بالنمط اللغوي والبرستيج الذي يتعاملون به من خلال فتح السفارات ومخاطبتهم بأسمائهم: ملك فرنسا، ملك كذا، الرئيس الفلاني فخامة كذا؛ هذه كلياتها مقبولة إذا كنت أنا في سياق أتعامل مع دول، وأنا قرين لهم كرئيس دولة.

فلا يقال: يا أخي، أليس هذا تطبيعاً مع الكفر؟ يعني ماذا يقول لك الملعون والدين، رئيس الولاية؟ يعني ما هو رئيس في النهاية، هو مُضْطَرٌّ أن يتعامل على حسب قواعد هذه اللعبة وعلى ما تقتضيه مراتب الناس. قضية أنه كافر هذا شيء، وقضية أنني أتعامل معه الآن كنظير أو كند في باب السياسات والاجتماعات وما شابه ذلك، هذه قضية أخرى.

وهكذا، هذا نتعلم من النبي عليه الصلاة والسلام: هرقل عظيم الروم. انتهت! بعض الناس بس بفكر بايش؟ بهارون الرشيد، إلى فلان كلب الروم! يا شيخ، رحم والديك، هو هارون الرشيد لما قال: كلب الروم، قالها لأنه ذاك الرجل عمل ألف غدرة، فأراد أن يكسر خشمه كما يقولون، أنه أنت تفكر أنه أنا مش قادر عليك فكذا. بس هو مش كذلك، ليس دائماً كلب الروم؛ الرسائل كان يقول: عظيم الروم، فخامة رئيس كذا، زعامة كذا، يعطيه الألقاب الرئيسية. فلا تأتي بعض الشباب، هو فقط بحب الكلام اللي فيه عنف، يعتقد أنه هيك هو يشفي غليله، وأن هيك نحن بنتعامل مع الكفار شو ما كان. لا، هذا غير صحيح؛ نتعامل معهم على حسب مراتبهم وننزلهم منازلهم، الرئيس رئيس، والرعية رعية، والمتوسط متوسط. ليش طيب مع أنهم كلهم كفار؟ لأنني أُريد الدعوة، أُريد الإصلاح، أو على الأقل أن أكُفَّ شره عن الإسلام والمسلمين. أنا مش، ليست كل الأمور تحل بكلب الروم، كلب الروم تلك لها سياقها وموطنها، خاصة في أزمنة الاستضعاف، وفي أزمنة كذا لا تقال؛ لأنه آخر شيء يداس على رأسك، بتكون أنت فكر حالك كذا، ولا آخر شيء تطحن طحناً. فقضية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف كيف ينزل الناس منازلهم، بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام.

ثانياً، كما قلت: الحرص الشديد على إسلامهم، خاصة الزعامات، خاصة أصحاب الثقة؛ لأنه يعرف عليه الصلاة والسلام تماماً أن بإسلام الزعامة تسلم القبيلة. ولذلك أصلاً كان النبي عليه الصلاة والسلام لما عاتب ابن أم مكتوم، لماذا عاتب فيه؟ لأنه كان أعرض عنه لانشغاله بدعوة رجالات كفار قريش الكبار والأثرياء؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان حريصاً دوماً أن الزعامات تسلم. طبعا هي لما عاتب في ابن أم مكتوم هو لم يعاتب لأنه حريص على إسلام الزعامات، لا؛ هو عاتب لماذا؟ يعني كسر قلب ابن أم مكتوم وأعرض عنه من أجل الزعامات. أما الحرص على تأليف قلوب الزعامات هذا يبقى أصلاً، وسهم المؤلفة قلوبهم هذا من أسهم الزكاة التي أكدها الإسلام متى احتيج إليها، بأن أُعطي الزكاة لكافر إذا كان رئيساً من رؤسائهم يُراد أن يُستجلب وده أو أن يُكف شره. فقضية تأليف الزعامات وتأليف الكفار عموماً، وأن الأصل في علاقتنا معهم علاقة الدعوة والحرص على أن يسلموا، وليس الأصل أننا نريد أن نقتلهم؛ لا، أنا أُريد أن يهتدي، أنا أُريد أن يسلم، أنا أُريد أن يدخل في هذا الدين، ولا أُريد إقصاءه، لكن إذا هو وقف في وجه هذه الدعوة، سيتغير بيكون التفاهم الآخر.

ثالثاً: الوفاء لأصحاب الوفاء، حتى من الكفار. لما عاد النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف ما استطاع أن يدخل مكة مباشرة؛ لما عاد من الطائف، لما هذا في، لما كان في مكة وذهب إلى الطائف يدعوهم ورموه بالحجارة عليه الصلاة والسلام، فعاد مستخفياً، ما استطاع يدخل مكة حتى دخل في جوار المطعم بن عدي، وهو أحد زعامات قريش من الكفار، قال له: أدخل في جوارك. والمطعم بن عدي دق على صدره، وفعلاً حمل هو وأولاده أنفسهم، وقفوا على باب الكعبة وقالوا: إن محمد صلى الله عليه وسلم قد أجير منا فلا يتعرض له أحد. النبي عليه الصلاة والسلام ما نسي هذا الموقف للمطعم بن عدي. فلما انتصر في غزوة بدر وأسر الأُسارى قال جملة تدل على الوفاء حتى للكفار: «لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النت» -الذي هم الأُسارى- «لتركتهم له بدون أن أطلب فدية». أراد النبي عليه الصلاة والسلام يقول: لو المطعم بن عدي قال يا محمد عليه الصلاة والسلام أعطني هؤلاء الأُسارى مجاناً، أعطيتهم له جزاءً على معروفه الذي عمله معي في مكه أنه أدخلني في جواره. فقضية الوفاء للكافر الذي يفعل معك موقف شريف، هذه من خصال أهل الإسلام التي النبي عليه الصلاة والسلام يخبرنا بها، حتى لو ضل على كفره يبقى الوفاء وفاءً.

أيضاً، لا مانع يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم، لا مانع من الدخول في معاهدات وتحالفات مع الكفار في قضايا تحقق مصلحة البشرية والإنسانية. ما الدليل؟ يقول صلى الله عليه وسلم: «لقد شهدت حلفاً في دار عبد الله بن جدعان، لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت». الحلف الذي شهده النبي صلى الله عليه وسلم في دار عبد الله بن جدعان هو حلف المطيبين، وهو حلف تحالفت فيه مجموعة من القبائل القرشية، تحالفوا في دار عبد الله بن جدعان على نصرة المظلوم وأخذ حقه من الظالم. والنبي صلى الله عليه وسلم شهد هذا الحلف يقول: لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت، يعني لو أن الكفار دعوني إلى حلف عنوانه نصرة المظلوم على الظالم لأجبت. إذاً، هل الإسلام يرفض التعامل مع الكفار في تحالفات إنسانية أخلاقية اجتماعية صحيحة لا لَفَّ فيها ولا دوران؟ كلا، الإسلام يحفز هذه الأخلاق الاجتماعية ويتعاهد مع الكفار عليها إذا كانت تصب لمصلحة البشرية.

رابعاً، لا ينهاك الإسلام أيضاً عن التعامل بأخلاقية ومروءة وبر وإحسان وأهداء هدايا وتلطف مع الكافر الذي لم يعادك، لم يقم بمعاداته ولا بمقاتلتك. يقول سبحانه وتعالى: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8]. أم أسماء بنت أبي الصديق، أمها في أثناء فترة صلح الحديبية أتت إلى المدينة، أم أسماء بنت أبي بكر في أثناء صلح الحديبية -وكانت فترة هدنة في البداية بين الكفار والمسلمين- فاتت إلى المدينة تريد أن تزور ابنتها في المدينة وتهديها هدايا، فأسماء رفضت ابتداءً حتى تسأل النبي عليه الصلاة والسلام: هل يجوز أن أقبل هداياها وأسمح لها بزيارتي؟ فقال: نعم. وأنزل الله عليه هذه الآيات: أنه هذه أمك لا قاتلتنا ولا حاربتنا ولا سعت في إخراجنا، فبريها وتعاملي معها بأخلاقيات. والله عز وجل يقول: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]. فقضية أنه والدك كافر، بعض أقاربك كفار، إذا كانوا ليسوا محاربين لله ورسوله، يعني مش شغالين في ملف أذية المسلمين، في حالهم ببالهم، هذا ما في مشكله أنك ايش؟ تتلطف معه بالهدايا، بالابتسامات، بالدعوة. ممكن حتى أجيب دعوته في بعض الأمور. النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة كان يجيب دعوة اليهود؛ مش دعاه يهودي إلى إهالة سنخة فأجابه -يعني كانت هيك دَهنة كان فيها زفر- تمام، دعوة يهودي إلى دَهنة فيها شوية زفر طابخها، وأكل. وكذلك يعني في عديد من المواقف كان اليهود يهدون إلى النبي صلى الله عليه وسلم طعاماً، وأصلاً عليه الصلاة والسلام من الذي سمّاه؟ زينب بنت الحارث اليهودية صنعت له، وقالت: ماذا يحب النبي صلى الله عليه وسلم من الشاة؟ فوضعت السم في الذراع، وأكل ثم سمّ، عليه الصلاة والسلام، القصة مشهوره. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يقبل الولاء منهم.

أيضاً، كان يعود بعضهم إذا رُجِيَ إسلامه، لذلك كان يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: الصحيح في مسألة هل تجوز عيادة الكفار؟ قال: تجوز إذا كان يُرجى فيها الخير؛ لأن مذهب الحنابله في المعتمدات تجوز عيادتهم، لكن شيخ الإسلام يختار رواية أخرى في المذهب وهي جواز عيادتهم إذا رُجي فيها الخير وإسلامه أو تحبيبه بهذا الدين. وهذه الرواية حقيقة يفتى بها؛ لأن هي الظاهر، وهي التي يعني تتماشى مع أخلاقيات الإسلام.

وفي المقابل، هذه الأخلاقيات وهذا البر وهذا الإحسان يقابل أننا أشدّاء عندما يلمس جوارنا؛ فنحن نسالم من يسالمنا ونحارب من يحاربنا ولا نستغفل. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم، مثلاً: بعض رجالات قريش الذين أسرهم في غزوة بدر قام بإعدامهم، زي عقبة بن أبي معيط، قال: من للصبية يا محمد عليه الصلاة والسلام؟ بده يستعطفه. قال: النار. وقتله. لما دخل مكة صحيح في: «اذهبوا فانتم الطلقاء» وإن كانت الرواية ضعيفة لكن واضح أنه عفا عنهم، لكن في المقابل هناك أسماء معينة أمر بتصفيتها ولو رايتموها متعلقة بأستار الكعبة، لأننا نحن لسنا مغفلين، لا يُهضم جوارنا؛ لأنه يعني إذا كنت عاطفياً وأخلاقياً زيادة عن اللزوم للأسف بعض الناس يظنون هذا ضعفاً، فلا بد أن يُستأصل الأمر من بدايته. الشاعر أبو عزّة الذي شارك في غزوة بدر وأسره النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجد فداءً له، كان فقيراً، فمنّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأطلقه مقابل ألا يشارك في معركة أخرى مع المشركين، فلما جاء يوم أحد خرج وخان العهد وخرج مع المشركين ليقاتل النبي صلى الله عليه وسلم، طبعا متى ظفر به المسلمون؟ في حمراء الأسد. بعد غزوة أحد لما عاد المسلمون إلى حمراء الأسد ظفروا به فقال: يا محمد، من وكذا وأنا رجل عندي بنات. قال: «لا يُلدغ المؤمن من حُجْرٍ مرتين». أنا في غزوة بدر عفوت عنك مجاناً وما أخذنا منك مقابل أنك ما تشارك ونكثت العهد، لا تعود إلى مكة وتقول: ضحكت على محمد صلى الله عليه وسلم مرة أخرى. فقتله، قتله. كعب بن الأشرف قتله. أي السرايا التي كان يبعثها لعمليات الاغتيال كان هدفها إلقاء الرعب أيضاً؛ اللي بياذينا ولا ينصاع ولا يتأدب نقطعه، والذي يحترمنا ويحترم عهدنا نحترمه.

سیاسة الحرب والسلم؛ النبي صلى الله عليه وسلم الله عز وجل قال له: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: 61]، أي كفار كان يطلب المصالحة والهدنة النبي عليه الصلاة والسلام كان يصالح إذا كانت مصلحة المسلمين في ذلك ويعطي الهدنة، ولكن إذا كان الواقع لا يقبل المصالحة ولا الهدنة كان يستأصل. ولذلك، مثلاً: أهل خيبر النبي صلى الله عليه وسلم حاصرهم إلى أن أنزلهم، فلما أنزلهم قالوا: أجعلنا نعمل في هذه الأرض -اليهود قالوا- أجعلنا نعمل في هذه الأرض على أن لك شطر ثمارها ولنا الشطر. النبي صلى الله عليه وسلم رأى أن مصلحة إبقاء اليهود في خيبر كعمال في المزارع والله مصلحة للمسلمين؛ لأن المسلمين ما كانوا متفرغين لذلك. قالوا: نبقيكم ونقركم فيها على ما شئنا، فإذا أردنا إجلاءكم أجليناكم. فكان النبي صلى الله عليه وسلم باختصار يرى، لما يكون قرار الحرب هو المصلحة يفعله، لما يكون قرار السلم هو المصلحة يفعله. مثلاً في قضية محاصرة بني قريظة: بني قريظة عملوا خيانه كبرى، أنا أكون محاصر من قبل الأحزاب وواثق أنه أنت في ظهري وأنت تخون يا أيها اليهودي من ظهري! كانت خيانة عظمى؛ فهل قبل منهم النبي صلى الله عليه وسلم الاعتذار أو أن مجرد أن يخرجوا هكذا بهدوء من المدينة كبني النضير وبني قينقاع؟ لا، أتى بسعد بن معاذ ليحكم فيهم، فحكم سعد بن معاذ أن يقتل كل رجالهم، فقتل سبعمائة في، يعني، وقت محدود جداً، قتل سبعمائة منهم وحفر لهم أخاديد، وقال لسعد: «حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات».

اللي يقرأ سيرة التوازن: أنه في مقامات فيها صلح، وفي مقامات لا اسمح بعد الخيانة العظمى أن أخرجك هكذا مجاناً. نفس الشيء اللي حصل في صلح الحديبية: عملنا صلح مع كفار قريش عشر سنوات، كفار قريش مع بني بكر هم ما اعتدوا على المدينة لكن اعتدوا على حليف للنبي عليه الصلاة والسلام؛ لا، هنا الاسلام يريك القوة، قال: «نصرت يا عمرو بن سالم».

فكان فتح مكة؛ النبي صلى الله عليه وسلم علمنا في منهجه في الغزوات والسرايا أنه لا يترك دم مسلم يذهب سُدىً. حرق غزوة مؤتة كاملة من أجل ماذا؟ من أجل أن الغساني، زعيم الغساسنة، قتل رسولاً من رسله. ما كان صلى الله عليه وسلم يترك دم مسلم قتل غيلة يذهب سُدىً، بئر معونة ثار لها، الرجيع ثار لهم، دائماً يعلمنا أن نثأر لدماء المسلمين وألا نتركها تذهب سُدىً، هذه قوة للإسلام في التعامل مع الكفار.

فاذاً هناك منهج عام، لاحظوا هذه معالمه: نقبل الصلح، نقبل الدخول في معاهدات إنسانية، لكن من يمس جنابنا نقطع قدمه. في زمن الاستضعاف غير زمن التمكين؛ في زمن الاستضعاف النبي صلى الله عليه وسلم كان شعاره في التعامل مع الكفار: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: 13]، كل فترة إقامته في مكة كان يعلم أنه إلى الآن لا يستطيع المواجهة العسكرية، فكان القرآن يقول له: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: 13].

العسر يسرا. في زمن لا، في المدينة أصبح في دولة، في نظام، في جيش، أصبح الخطاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: 38]. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]. ﴿فَاقتُلُوهُم حَيثُ ثَقِفتُمُوهُم﴾ [النساء: 89]. إذاً، القرآن أصبح يعطيك هذه التوازنات؛ كيف تتعامل في الاستضعاف؟ كيف تتعامل في الصلح؟ كيف تتعامل في الحرب؟ كيف تتعامل مع أهل الذمة؟ كيف تتعامل مع المستأمنين؟ كيف تتعامل مع قريبك الكافر؟ كيف تتعامل، حتى الإسلام أباح لك أن تتزوج اليهودية والنصرانية، حتى هذا المستوى من العلاقات، بس بشرط أن يبقى الإسلام أعلى، ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]، وأن يبقى الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.

من منهج الإسلام أيضاً ألا يستعجل العداوات، وإن كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا كان بإمكانه أن ينهي الموضوع دون عداوات كان ينهيه بدون عداوات، خاصة في القبائل التي كانت تسكن حول المدينة والتي كانت تمكر أحياناً، كان يحرص عليه الصلاة والسلام على تخفيف العداوات وأن يشتغل بالكافر الأهم ثم الأهم، وينحي بعض العداوات التي هو الآن ليس بصدد مواجهتها. هذا أيضاً يمكن أن يؤخذ بعين الاعتبار؛ إنه إذا شعر في مرحلة معينة أنه مثلاً كافر أو جماعة غدرت أو مكرت أو أرادت قتله، ورأى أن العفو عنهم أكثر نفعاً يفعل ذلك.

لما كان في غزوة ذات الرقاع قائلاً تحت شجرة، فجاء رجل من المشركين على حين غرة، فتناول سيفه وقال: من يمنعك مني يا محمد؟ عليه الصلاة والسلام، وقال: الله. فوقع السيف من يد الكافر خوفاً ورعباً، ثم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم السيف، قال: من يمنعك مني؟ قال: لا أحد، لكنك رجل كريم، تمن علي. أو، طبعا القصة وقعت أكثر من مرة فكان يمن عليه، مع أنه يقول له: طب تسلم. في إحدى القصص رفع السيف عليه النبي عليه الصلاة والسلام، قال له: تسلم؟ قال: لا، ولكن أَعاهدك ألا أشارك في قتال لك أبداً، فتركه النبي صلى الله عليه وسلم، وتروي بعض الآثار أنه عاد إلى قومه فاسلماً. إذاً هنا، مع أنه غدر بالنبي عليه الصلاة والسلام، تركه لأنه أراد أن يكون هذا رسالة إلى قومه أننا لسنا أهل غدر ولسنا أصحاب قتل، وإنما نحن دين الرحمة، لا هواه القتل، ولكنه علاج لمن لا يعالجه إلا هذا.

لكن كما قلت في مواقف أخرى؛ مواقف أبو عزة وعقبة وغيرهم، في مواقف تحتاج إلى الحسم العسكري، وهذا يحتاج إلى تفطن وانتباه إلى المواطن التي يغلف فيها جانب الرحمة، وإلى المواطن التي يغلف فيها جانب الشدة، وهذا من فقه الإسلام، ويحتاج إلى تعلم وتبصر. هذا فقط نقاط سريعة أردت أن أتكلم بها، أختم بها هذه الدورة الطيبة المباركة التي أسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون تعلمنا منها الكثير من منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع مختلف الفئات.

طبعا بقيت لنا قصص وأحوال ومواقف سيرته صلى الله عليه وسلم لا يمل من تكرارها، ومواقفه العظيمة تشهد أنه سيد البشرية، وأنه خيرة الخلق، وأن المعلم الأول، والقائد الأعلى، والرحيم، والرؤوف، والمحنك، والقائد في كل الجوانب؛ كان بارزاً صلى الله عليه وسلم معلما موجهاً ليعلمك التوازن في بناء العلاقات وفي إدارتها.

الحمد لله على التمام، الحمد لله على الختام، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا دوماً على خير في مجالس وجاهية وفي حضور مباشر، وأن لا يحرمنا من بركة مجالس العلم والالتحاق بها، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

غراس العلم، طريقك نحو علم شرعي راسخ.