دخولتسجيل الدخول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالسادة الكرام. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين.

وبعد، أيها الكرام، هو مجلسنا هذا، هو مجلسنا الرابع، هذا مجلسنا الرابع من مجالسنا مع لامية الشاعر الفحل العظيم المزرد بن درار من شعراء الجاهلية. أرجو أيها الإخوة طمأنني إلى سلامة البث، وأنا كذلك أطمئن حوله من الهاتف. نعم، يبدو لي جيداً من هنا، بل يبدو ممتازاً مستقراً والحمد لله. نعم، الحمد لله، كيف صرت؟ الحمد لله أتحسن شديداً جداً وبحمد الله. ذهبت، اشتقت إلى جولة في ربوع النيل وزيارة بعض المكتبات، فمشيت في بعض كباري النيل وذهبت إلى مكتبة مصر العامة، وكنت متاخماً لبيت أحمد شوقي، فالحمد لله كانت جولة موفقة.

والحمد لله أكرمكم الله تعالى ورضي عنكم ورفع قدركم. طمئنوني أيها الإخوة إلى سلامة البث واستقراره، وأرجو التفاعل، فلا يصح أن أنبهكم في كل مرة أن تتفاعلوا مع البث ليصل إلى الناس ولينتبه إليه، ربما من لا ينتبه لأنه كأن توجد مشكلة في التنبيهات. نعم، رضي الله عنكم وأرضاكم، سلمكم الله تعالى ورفع قدركم.

«صح القلب عن سلمى ومل العواذل، وما كاد لأجل حب سلمى يزايل».

أخونا يوسف الرفيعي يقول: قيل لأنه تجاوز في بعض أبياته، أفعل؟ هل أمنعك؟ لم أمنعه ولن أمنعك. أهو؟ أسمعوا، أخونا يوسف الرفيعي يقول: «أستاذ، سأكتب قصيدة نقد للامية أحد طلابك وهو عقيل، لأنه تجاوز في بعض أبياته». الجميع يشهد أن هذا ما نرحب به. أما ما حصل من القذف والشتم وتناول الأعراض وقلة الأدب والقذارة والوقاحة، فهذا والكيد والترصد لا نعبأ به.

أما ما تقول إنك ستفعله، فافعل. أهو يقولون لك ليتك تفعل؟ افعل. انقد قصيدته إذا كنت تراه قوياً، فكرته بشعر وأثر به في الناس وأثار النفوس؛ افعل ما تثير به النفوس تجاه مذهبك. ها أنا أقول لك في البث المسجل المعلن: افعل، رد على عقيل، انقد قصيدته. يا سلام، قائد سنة قديمة، جرير والفرزدق بينهما نقائض، والفرزدق والأخطل بينهم نقائض، كل الدنيا بينها نقائض من وقت مبكر، افعل خلاص افعل.

لأن أخانا أبا كف له تجربة فيما رأى يقول: حاول، لكن دون سباب. لأن البعض جاء بسباب موزون وحسبه. رداً، هذا ليس رداً، هو جاء بقصيدة نشر فيها مذهبه، دعم فيها مذهبه بالطريقة الشعرية؛ ادعم مذهبك بالطريقة الشعرية. ها أنا أقول لك: ليتك تفعل، رجوتك تفعل.

أخونا يقول: هل أستأذنك كل من يكتب الشعر؟ لا طبعاً، أنا مالي؟ أنا هم أخونا الذي استأذن، أنا لماذا يستأذنني؟ والله لا أعرفه. أخونا يوسف الرفيعي لا أعرفه والله، لا أحسبني أعرفه، افعل يا سيدي افعل، ونحن نلم الميتين، العلم والأدب والشعر شيء لا نرفضه، والخضم الأدبي يسب في مصلحة الأدب في الأخير، كان ما كان.

أخونا حسين يقول: يخافون نقدك يا مولانا، ويضحك. لا، ما هو أنا سأنقد عقيل، سأنقد غريمه، إذا استأذنني لن يؤثر إذا قلت قصيدة رديئة سأحكم عليها بما تستحق إذا رأيت النظر إليها، إذا تحققت فيها شروط النظر أو الكلام عنها خلاص. فخوف نقدي لن يؤثر، استأذنني أو لم يستأذنني، في الأخير الذي يؤثر هو قصيدتك، أجدت فيها أم لم تجد. كونه عرفني لن يحميها من مشرطي، لن يحميها من المبضع، وإذا كانت جيدة، متينة ولم يستأذنني، لن يشرع المبضع فيها، خلاص لن يصلح. فلا علاقة، أنا لماذا أستأذن؟ من أنا في هذا الباب؟ الله قد أذن، فقل ما تشاء وعلى أهل العلم النظر.

مختلفون في شيء أظن أننا جميعاً نتفق فيه الآن. نعم، الله يرضى عليك يا حبيبي، أخونا الحسن الزبيدي النجفي يقول: والله أنا أحبك وأحترمك يا أبا قيس لأنك لا توافق ولا تجامل أحداً. وأنا تعمدت أن أقول الحسن الزبيدي النجفي لأنهم قيل لي تحذيراً عدة مرات كثيرة: محبوك من العراق ومن النجف والحلة وكذا، ألحقت بك الضرر. هذا أحبه ويحبني أخونا الحسن الزبيدي النجفي، وزارني في النجف في حرم الإمام علي عليه السلام. ها أنا أقول فالله يرضى عليك.

أخونا موسى يقول: نشهد لك بالإنصاف. الحمد لله، أنا أسجلها أمام الجميع. أخونا يوسف الرفيعي الذي قال سأكتب قصيدة تنقض قصيدة عقيل، يا مرحباً ويا أهلاً وسهلاً وعلى الرأس، وأرجو أن تجيد كل هذا في مصلحة الأدب. أما الموضوعات، أنت تكلم أبا قيس الناقد، صح، تكلم أبا قيس الناقد، أما الموضوعات ومذهبك فيها لا شأن لي به. والله لو كان أحد الطرفين كافراً والثاني أتقى أهل الأرض ما أثر ذلك في الحكم على الشعر، وربما نصرت الكافر على المؤمن في القصيدة إذا أحسن في قصيدته وأساء المسلم، أو أنصر المسلم على الكافر لقصيدته إذا أحسن المسلم وأساء الكافر. لا علاقة إطلاقاً.

أنا أرجو أن تكتب، بل تمنيت أن تقوم حملة على عقيل شعرية، فيضطر عقيل إذا رأى إساءة أن يهجو بعض الناس جملة، وعقيل هجاد بمناسبة لسانه، يعني مقذع. فارجو ألا تسيء إليه لأنه لسانه مقذع، إذا قرر أن يتخذك خصماً فأنت الخاسر فيما يبدو لي. هو لسانه مقذع، فلا تدخل في هذا، هو يعرض مذهبه، هذا مذهبه. الرجل عمره لا ينوف شيئاً على العقدين من الزمان، وهذه القضايا أكثر من ألف عام، دخلت في أكثر من ثلاثة عشر قرناً، هو ورث هذا وتكلم بمذهبه ولم يتناول عرضاً، أساء واعتبر البعض ذنبه والبعض رؤوسه، هذا مذهبه. هو لم يأتِ بجديد، هو أنت سني وهو شيعي، لما تجتمع معه أو تقرأ له نص، هيعوسك شيكولاتة.

الرجل إما أن يغير مذهبه، وإما أن تبين مذهبك في قصيدة على مذهب أهل السنة. يا سيدي، هو لم يسيء لأحد؛ هو لم يسيء لمذهبي، بل قال مذهبه، وهذا مذهبه. أنت تعرف أن هذا مذهبه، هو لم يأتِ إلى رمز سني ويشتمه، هو يرى أمورًا، يرى أن آل البيت مقدمون، ويرى أنه إذا قدم أحد نفسه عليهم فقد ارتكب إثمًا، هو يرى هذا، هذا دينه، ولو قال بغير هذا كان منافقًا أصلًا.

افهم هذا؛ هو تلقن هذا في بطن أمه، تلقن هذا في بطن أمه، افهم هذا! إما أن يغير مذهبه بعيدًا عن الشعر، وإما أن تقول شعرًا أنت أيضًا على مذهبك، كما قال هو على مذهبه ولم يشتمك ولم يفعل.

الرجل مؤدب بالمناسبة، عقيل مؤدب ومتدين، أنا أشهد بهذا، هذا الشاب ولدي. خلاص، عقيل متدين وعنده مروءة وعنده مبادئ، ولا يحب الظلم. أقول لكم شيئًا لصالحه: كم من سني في رواد القصيد، عقيل هو الذي ألح على دخوله! أقول كم من سني، هذا الفرق بينه وبين بعض السنة الذين كانوا معنا قديمًا، والحمد لله كشفهم الله وذهبوا ونفت المدرسة خبثها.

عقيل وأنا أقولها، وزملائه من السنة يعلمون، كم من سني في رواد القصيد، عقيل هو الذي ألح على دخوله، وكم من شيعي لم يدخل بسبب عقيل! كم من سني في رواد القصيد عندي من طلاب المقربين دخلوا عن طريق عقيل، وألح في دخوله، وكم شيعي لم يدخل بنفي عقيل له؛ عقيل قال: «لا يصلح»، يعني تلاقيه نجفي، حلي، شيعي عراقي، قال: «لا يصلح، ليس على مستوانا»، وأدخل سنة، قال: «هؤلاء مكسب لنا». هذه شهادة في حقه، فالرجل مؤدب والرجل دين.

بالمناسبة الرجل دين، ولهذا ساءني -لا أقول تعبت من الضغوط، بل ساءني في هذه الحادثة والفتنة التي وقعت، البعض يعتبرها فتنة، أنا عادي ما همّني، والله لو أطبقت السماء على الأرض لو عملوا كذا- ساءتني محاولات الضغط علي لتخلي عنه. للأسف حتى من بعض الكبار تخلى عنه، وإن شاء الله الدنيا تنضبط. تخلى عن عقيل؟ لا والله، وخرجت وقلت: والله ولدي ولا أتخلى عنه، ومن قال لي هذا قل له: «أخسًا، لست بالغادر»، لا والله لا أتخلى عنه.

ضغطوا ضغطًا شديدًا، وتهيج وتسميع وتشهير، ثم عروض هكذا في الخفاء، وتخلى عنه، وإن شاء الله الدنيا تنضبط. هو سبب المشكلات، هو الذي تخلى، كأنهم شعروا أني ملتهب من الضغوط فأغروه بالتخلي عنه، فقلت: «أخسأوا، والله لا أتخلى عنه»، ولو أطبقتم السماء على الأرض لا أتخلى عنه، هو ولدي، وله مني عهد الأستاذية والوالدية، وأنا عليها ما دام على العهد لا أتخلى عنه، والله ولو قالتني الدنيا. هذا مبدأ وشرف، ولو قالتني الدنيا: «هو سبب ما حصل لك» وكذا، لا أتخلى عنه، ابني لا أتخلى عنه، وليس سببًا في شيء، هذا مذهبه.

فأنا أقول لأخي الكريم يوسف الرفيعي: هو مهذب ومؤدب، أنقذ مذهبه، افعل، وأنا أبارك لك وليباركك الرب. ممتاز، يوسف الرفيعي أيضًا مؤدب، يقول: «أنا ليس لدي مشكلة معه، لكني أريد توضيحًا لبعض المفاهيم في قصيدته وأرد عليها، سقفه حقيقية ليست تهكمية»؛ هذه العبارة في قمة الرقي، وهذا ما كنت أرجوه من زمان. أنا ليس لدي مشكلة معه، لكني أريد توضيحًا لبعض المفاهيم في قصيدته وأرد عليها، والله أصفق لك مرة أخرى وأحييك وأقبل رأسك، توكل على الله.

الشيخ خالد الدبيخ يقول: «نحن تعلمنا يمكن الشعر لا دين له»، صحيح، بالضبط، هذا ليس مني، هو هذا لو لم تعرفه مني عرفته من التاريخ. تفضل يا يوسف الرفيعي، وتيقن أنني سأنصف قصيدتك لو أحسنت، ولكن أيضًا أحسن الظن بأخيك بأنني لو قلت لك فيها حكمًا ولم يرضك هذا الحكم، فإنه كذلك صادق، لا تقل لأنني أناقض تلميذي وكذا، لا والله لا يكون أبدًا.

من أسباب حرصي أحيانًا أنني لست وحدي، يعني لما أجد النقاد هؤلاء أو هؤلاء يقولون كلامًا كيفما شاؤوا، وعادي، «أهلاً وجرتنا حبيبتنا، يا سلام والله الشعر لابق لك»، كلماتك مثل النجوم في السماء، أنا لا أستطيع فعل هذا، لا أستطيع؛ لماذا؟ عندي محاسبة. يعني لو أخونا يوسف الرفيعي قال قصيدة أنا هجنتها أو هضمت حقها وكانت جيدة، عقيل وزملاؤه سيقولون: «لم تنصف»، عارفين قصده؟

مثل رائية الأخطل التي سجلتها قريبًا، تعرفونها: ﴿بأنَّ الخَلِيطَ فَرَاحُوا مِنْكَ أَوْ بَكَرُوا﴾، خفَّ القَطِينُ، فراحوا منك أو بكروا. أنا وضعت القصيدة هذه في مشروع المائة قصيدة، من الذي جعلني أضعها في المائة قصيدة؟ عقيل! التي فيها هجاء لآل البيت ومدح لبني أمية لعبد الملك بن مروان، عينا رائية الأخطل النصراني الذي كان بوّاق بني أمية، شاعر بني أمية الذي يهجو الأنصار ويمدح بني أمية: «قد ناضلت دونكم أبناء قومٍ هم أوى وهم نصروا». أساء في هذه القصيدة أشد الإساءة لآل البيت. من الذي قال لي: «هذه القصيدة كيف مرت عليك يا أبا قيس ولم تضعها في المائة قصيدة؟»، عقيل، وسجلها بصوته في المدرسة للزملاء يبهرهم بها. فلو أنني لم أنصف قصيدة أخي يوسف الرفيعي، الذي سيقف لي طلابي سيقولون لي: «لم تنصف»، أنتم تحسبون أننا في رواد القصيد شلة نأخذ رأيًا؟ ونعم والله العظيم.

نحن نقف على الحق بالمرصاد، نقف هكذا بالمرصاد لأي خطأ، وليس لأحد؛ على أننا نحب بعضنا ونحترم بعضنا جدا. ليس لأحد حكم فوق الحق في نفسه والمَسألة في نفسها.

إنما لما نواجه من الخارج نجد الشلالية، لماذا هم جهلة؟ لم يتعلموا، إنهم جهال. هل ترون نقاداً؟ هل ترون من ينقد الشعر من الموجودين؟ أتكلم عن الواقع. لا، ولكن يلا نجمع بعضنا، هذه شلة فلان وهذه شلة فلان، وخلاص نحن عندنا نحاسب بعضنا شديداً لأننا نؤمن أن هذا هو الطريق لما نريد تحقيقه.

كل هذا في المزبلة، نعرف أن كل هذا في القمامة، وأن الذي سيبقى هو الذي سيخدم الشعر والعلم من حيث نفسه، وهو الذي سيحدث هذه النهضة. نحن نؤمن بفضل الله في رواد القصيد أننا محدثو هذه النهضة الشعرية، وأننا مفصل تاريخي يتجدد به مذهب الشيعة، ولهذا لا نتهاون في الحق، لا نتهاون في الحق، نقف وقفة شديدة.

فلو أنني لم أنصف الرفيعي سينصفه عقيل نفسه. بل جرب أن تقول قصيدتك وأن تكون جيدة، حاول أنا أرجو هذا، وانظر ماذا سيقال، والله ليكونن أول المادحين عقيل. ليكونن أول المادحين عقيل، فإِن شاء الله خير، توكل على الله سبحانه وتعالى.

اسمحوا لي بوضع الماء أو بصب... والله يا وردي أخونا العرب يقول: فكيف نعرض شعرنا عليك يا شيخ؟ والله العظيم ما عندي وقت. أولاً علي قصائد عليها مستحقات مالية، أنا قبضت مستحقاتها المالية منذ مدة طويلة، أخشى أن تكون قاربة على السنة. وعندي قصائد طلابي في رواد القصيد، والدنيا كلها فوق رأسي، فاعذرني في هذا، أنا أقدم من لهم حقوق أولاً، ثم طلابي ثانياً، بعد ذلك أنظر في أمر الناس.

إن شاء الله لا يرضيكم أن يقال أبو قيس أهمل حقوق الناس. صح، والله هناك قصائد يطالب بها الناس، دفعوا مستحقاتها المالية، كانت جزءاً من عملي، فعليها هذا حق لله أولاً، وللعبد بل للعبد أولاً، وهو طبعاً حق لله. فاعذروني، لا يحل لي وأنا علي حق متأخر أن أنظر نافلة في حقوق في شؤون الناس أو في قصائد الناس وأنا علي حق شرعاً متأخر، قصائد قبضت ثمن تحقيقها ونقدها وكتابة شرح عليها ونقدها. نعم، فترضى الله تعالى عنكم، فالتمسوا لأخيكم العذر.

صح: صَحَّ القلبُ عن سَلْمَى ومَلَّ العواذِلُ .. وما كادَ لأجْلِ حُبِّ سَلْمَى يُزايِلُ فُؤادي، حتى طار غيِّ شبيبتي .. وحتى علا وخط من الشيبِ شامِلُ يُقْنِئُهُ ماءُ اليَرْنَاءِ تَحْتَهُ شَكِيرٌ .. كأَطْرافِ الثُّغَامَةِ ناصِلُ فَلا مَرْحَباً بِالشَّيْبِ مِنْ وَفْدٍ زائِرٍ .. مَتَى يَأْتِ لا تَحْجُبْ عَلَيْهِ المَدَاخِلُ وَسَقْياً لِرَيْعانِ الشَّبابِ فَإِنَّهُ .. أَخُو ثِقَةٍ فِي الدَّهْرِ إِذْ أَنَا جاهِلُ

والهو بسلمى وهي لذيذ حديثها لطالبها مسؤول، فباذلوا... وبيضاء فيها للمخالم صبوة، ولهو لمن يرنو إلى اللهو شاغل، ليالي إذ تصبي الحليم بدلها، ومشي خزيل الرجع فيه تفاتل، وعيني مهات في صوار مرادها، رياض سرت فيها الغيوث الهواطل، واسحم ريان القرون كأنه أسود رمان السباط الأطاول، وتخطو على برديتين غذاهما نمير المياه والعيون غلاغل.

فمن يكزال اليدين مكانه إذا .. كشرت عنابها الحرب خاملُ فقد علمت فتيان ذبيان أنني .. أنا الفارس الحامي الذمار المقاتلُ وإني أرد الكبش والكبش جامحٌ .. وأرجع رمحي وهو ريان ناهلُ وعندي إذا الحرب العوان تلقحت .. وأبدت هواديها الخطوب الزلازلُ طوال القرى، قد كاد يذهب كاهلُ .. جواد المدى والعقب والخلق كاملُ أصريحي كأن صهيله مزامير .. شرب جاوبتها جلاجلُ

متى يرى مركوباً يقلب بازاً قانصاً، وفي مشيه عند القياد تساتل، تقول إذا أبصرته وهو صائم خباء على نشز، أو السيد ماثل خروج أضاميم، وأحصن معقل إذا لم تكن إلا الجياد معاقل مبرز غايات، وإن يتلو عانه يذرها كذود عاث فيها مخايل، يراط طامح العينين يرنو كأنه مؤانس ذعر، فهو بالاذن خاتل إذا الخيل من غب الوجيف رايتها، وأعينها مثل القلاه حواجل.

وقلقلته حتى كان ضلوعه سفيف حصير، فرجته الروامل، يرى الشد والتقريب نذراً، إذا عدى وقد لحقت بالصلب منه الشواكل. له طحر عوج كأن مضيغها قداح .. براها صانع الكف نابلُ وصم الحوامي ما يبالي إذا جرى .. أو عث نُقا عنت له أم جنادلُ وسلهبة جرداء باق مريسها .. موثقة مثل الهراوة حائلُ كميت عبنات السرات نمى بها .. إلى نسب الخيل الصريح وجافلُ طمرة لجوج هواها السبسب المتماحل، صفوح بخديها وقد طال جريها كما قلب الكف الألد.

المجادل يفرطها عن كبه الخيل مصدق كريم، وشد ليس فيه تخاذل، وإن رد من فضل العناند تَهَوَّى قطاه أتبعته الأجادل، مقربة لم تقتعد غير غارة ولم تمتري، الأطباء منها السلائل إذا ضمرت كانت جداية حلب، أمرت أعاليها وشد الأسافل، وقد أصبحت عندي تلاداً عقيلة، ومن كل مال مثل ذات عقائل، وأحبسها ما دام للزيت عاصر، وما طاف فوق الأرض حاف وناعل، ومسفوحة فضفاضة تبعية، واه القتير تجتويها المعابل.

دلاص كظهر النون لا يستطيعها .. سنان ولا تلك الحظاء الدواخلُ موشحة بيضاء دان حبيكها .. لها حلق بعد الأنامل فاضلُ مشهره تحنى الأصابع دونها .. إذا جمعت يوم الحفاظ القبائلُ وتسبغه في تركه حميرية دلامسه .. ترفض عنها الجنادل كأن شعاع الشمس في حجراتها مصابيح رهبان زهتها القنادل، يرى كالشمس في تخيه الدجا، وأبيض ماض في الضريبة قاصل، سلاف حديد ما يزال حسامه ذليقا، وقدته القرون الأوائل، وأملس هندي متى يعلو حده .. ذر البيض لا تسلم عليه الكواهل.

وعندي إذا الحرب العوان تلقحت .. وأبدت هواديها الخطوب الزلازلُ طوال القرى، وأملس هندي الرجل يعد العدة.

للحرب يقال: كان خبيثا هجاء للأضياف، بخيلا إذا خسر الأولى. وهي طبعا شيء دنيء، خسران الأولى شيء دنيء، لكن إذا خسر الأولى لا يخسر الثانية. هل يكون هذا الشخص جبانا في الحروب؟ لا، قد يكون بعض الناس بخيلا، وربما مع كون ذلك سيئا، لكن مع صفاته الحميدة الأخرى يمرها، فيقال: فلان بخيل، فلان ضيق اليد، جاف.

سمعنا حتى في العصور الصالحة، في العهود الأولى، سمعنا عن هذا، إنما فلان جبان؛ هذه صفة قبيحة لا تكاد تغفر إلا أن يكون عن مرض وهلع ونحو ذلك، لكن لا تكاد تغفر، لا تستر محاسنه إذا وجدت. لا يقبل الجبن، يقبل البخل.

المرأة مقياس في هذا، قد تقبل البخيل لكن لا تقبل أن يكون جبانا. المرأة لا تقبل، قد تتعايش مع البخيل، قد تتحمله وتغفر له، لكن لا تقبل أن يكون بعلها جبانا؛ لا تتحمل قولا واحدا، لا تتحمل؛ لأن فقد وجوده فقد وظيفته. هي لماذا تتزوج؟ الحماية. هذه الفطرة، المرأة تركن إلى الرجل، هذه خلقها الله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34].

فالله جعل للرجال درجة في القوة والإمكانات والوسائل على النساء، وفي الطبع، وجعلهم يتصدرون الحياة. ستأتي من تقول لي: لا، المرأة كالرجل، لا، المرأة ليست كالرجل، أنا ذكوري. اتركني وشأني، أنا مؤمن بالقرآن، أكفر بكتابي؟ أقول لك أبو قيس الذكوري! في بعض النسوة تجمعات تقول أبو قيس الذكوري؛ هذا الأديب المصري كنا نحسبه متفتحا طلع ذكوريا. ما أنا ذكوري؟ عندي هرمون الذكورة غالب طبعا. أكفر بكتابي عشان أكون على هواكن الفاسد المنتن؟ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض، يبقى فضل الرجال على النساء في الخلقة وفي الإمكانات، وجعلهم يتصدرون الحياة.

والنساء قال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: 33]. هذا الأصل، إذا تنقلب الآية تفسد الحياة. لذلك المرأة تركن إلى الرجل وبفطرتها تحتمي به، فربما تتحمل أن يكون بخيلا بدرجات؛ لأن هذا في الأخير فيه شظف العيش، فيه ضيق النفقة، فيه قلة اللباس، ليس على ما تهواه، فيه قلة الزينة، فيه ذهاب شيء من نعمة الحياة من الرفاهة. لكن إذا كان جبانا لا يحميها، فقد سبب وجوده فقد سبب وجوده.

لذلك دائما أقول للإنسان: إذا لم تكن ترى من نفسك أنك رجل، لا تتزوج. إذا لم تكن ترى من نفسك فحلا سبعا يحمي بيته، لا تتزوج. ليس يحمي بيته فقط، بل مستعد للموت في قتال من أجل بيته، لا تتزوج. لا تجعل حجمك في عينها يقل، لا تجعلها تصل إلى حياة تبقى فيها لأجل الأولاد أما أنت فغير موجود؛ هذا موت، أنت فقدت وجودك أصلا، الأكرم لك ولها الانفصال.

فالرجل مشهور خبيثا هجاء للأضياف، حلف لا ينزل به ضيف إلا هجاه، أما عند العدة والسلاح وكذا، لا شيء آخر. وقد يختلف مفهوم البخل عندنا عما هو عندهم؛ كان عندهم ينزل الضيف، عندنا الضيف إذا طرقت باب أحد يفتح لك قطعة من...

من الأشياء التي تعجبني شديدا في عبد الوهاب المسيري رحمه الله، لم أحب مفكرا كما أحببت هذا المفكر، حياته ينصر فيها المجتمع التراحمي العادي، ليس المجتمع المادي الرأسمالي الغربي. يقول: ذهبت إلى فندق في عرس ابنتي أو شيء من هذا القبيل، فسألت صاحب الفندق: أين تذهبون ببقايا الطعام؟ فقال لي رد علي بفخر: نرميه. قلت له: لا، أنا لا أريد رميه، لو سمحت كل ما يتفضل من الطعام أنا أريده لأوزعه على أهل منطقة أو فقراء، لا ترمي شيئا.

الطبع الفنادق خمس نجوم والمستويات ترمي على طول أي شيء يبقى من طبق عميل، ولو لم يمثل العميل الطبق، قمامة، وهذا مؤذن بالخراب. ﴿وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]. فنظر إلي نظرة استهجان، وكأنه يقول: مين الفلاح البلدي ده؟ أنا هكذا، هذا تبذير وهذا حرام، وأنا أريد الطعام الذي سترمونه مما اشتريته أنا وتكلفته في الفندق، أنا أريده معي. فطر نظر إليه أنك عامل فرح في الفندق وستأخذ معك الطعام.

هكذا كان المسيري رحمه الله، مقيت، تعالي فارغ. ومثل هؤلاء المبذرون الذين يرمون الطعام كثيرا في بيوتهم ويستنكفون أن يبقوه لليوم التالي، أعوذ بالله، هذا والله مؤذن بالخراب. النبي صلى الله عليه وسلم يرشدنا إلى أن نأخذ الطعام الذي وقع في التراب وننفخ فيه ونأكله، ثم ندعي أننا على الهدى وعلى الطريقة.

وعذرا، إذا كان أبو قيس أحيانا يجرح بالكلام ويكشف الحقائق التي تخجلون منها، فليكن واحد لا يجامل بين كل المجاملين، فليكن واحد يضعكم أمام أنفسكم بالأشياء التي نفعلها، وأننا نغلب العرف ونغلب الإحراج من الناس على اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم. أما أنا فوالله لا أقدم على سيدي ورئيسي صلى الله عليه وسلم أحدا في هديه، ما تذكرت هديه في مكان فعلته، والله لو كنت في فندق فين ما تذكرت هديه أفعله.

مطعم أو كذا وبقي بعض الطعام يستحق، ألا يُرمى؟ قل له: لفه، أنا سأخذه معي، سأحمله معي أنا، شبعت خلاص. هو تفضل طعام بقي، بعض الناس يستنكف من هذا، كيف؟ كيف يعني؟ هو الحلال أنه يُرمى؟ أخوك في غزة يريد كسرة خبز ليحيا، وأنت ترمي الطعام! والله نخشى غضب الله علينا. لا أحمله كله، ثاني يوم أضعه، أعمل أكلاً أقل وأضيف إليه، هذا ليبارك الله لك في طعامك وفي رزقك.

نعم، لكن ترمي؟ أعوذ بالله، مؤذن بالخراب. والله فلا تتركوا هدي النبي ﷺ ما تذكرتموه، وإياكم أن تخجلوا هؤلاء الذين في الفنادق وخدم الفنادق وكذا، هؤلاء أشكال ليسوا حقيقيين، أكثرهم من خلفيات فقيرة أصلاً. ويستسفه هذا، لكن هذا شغله: "تفضل يا فندم، تحت أمرك يا فندم"، ويراك سفيهاً بالمال الذي تبذره وتُبذله في غير شيء، تبذر الماء هكذا المال وترمي هنا وهنا، والبقية الطعام وكأنه عيب، ليس عيباً. خذه، الله هذا جميل.

أخونا خالد بخي من السعودية يقول: عندنا لا يُعطى تصريح لقاعات الأفراح إلا بالتعاقد مع جمعيات حفظ النعمة. شوف يا أخي هذا جميل، جمعيات حفظ النعمة اسمها والله رائق وجميل. أخونا سامي السهيمي يقول: الحمد لله عندنا بالسعودية جمعية اسمها حفظ النعمة تقوم بدورها وقت الولائم، رائع. ووجدته في الكويت لما ذهبت في عام 2022، وجدت شيئاً رائعاً هناك؛ أمام كثير من البيوت الفارهة، بعض البيوت الفارهة، ثلاجة يضعون فيها بقايا الأطعمة، ويمر العاملون -طبعاً العامل ده عمره ما هيكون كويتي، بيبقى هندي أو بنجلاديشي أو أفريقي- يمر العاملون يأخذونها.

أنا رأيت هذا في الكويت؛ ثلاجات أمام بعض البيوت يضعون الطعام يأخذه الفقراء، فانت ممكن تجد عامل النظافة وكذا يمر يأخذ وجبات كاملة. أنا رأيت بعيني في الكويت، يُصنع بكميات كبيرة بعض ما دُعيت إليه، كان الطعام بكميات لم يفضّ، الشاورما والكذا مغلف ومغلق بالكرتون والورق سليم، كميات ضخمة سليمة في بعض الولائم التي أنا دُعيت إليها، فقلت لهم: هذا أين يذهب؟ إياكم تقولوا هذا طعام بائت وخلاص وغداً طعام جديد، فقالوا هذا يُصنع فيه كذا وكذا، قلت: رائع، رائع، رائع، هذا هو حفظ النعمة.

قال رجل الأعمال الصيني الذي يركب الدرجة الأولى: "أعرف هذا الكلام ووجهه هو يظهر". فهذه من الأشياء الجميلة من الأثر العربي والإسلامي في بلادنا العربية المباركة كالسعودية والكويت، هذا مما من آثار عروبتنا وإسلامنا. عجبتني التسمية، حفظ النعمة، الله! وكما في الكويت يضعون الطعام في الثلاجات أمام البيوت يأخذها الناس. الحقيقة الحمد لله، والله جميل، الحمد لله رب العالمين.

رحم الله محمد المسيري، هذا رجل أحبه جداً جداً. وأرجع وأذكركم: لا تخجلوا من هدي النبي ﷺ ولو كنتم فيما يسمى أرقى الأماكن، أنت الراقي بأرقى الهدي، هدي نبيك ﷺ خير الهدي، هدي محمد ﷺ. افعل أخلاقه وتمسك بها، لا فنادق تنفعك، ولا وضعها لك بروتوكولات رومية وغربية، ولا أي شيء من هذا السفه. طعام تبقى؟ خذه، ما مصيره الرمي، أنا آخذه معي أعطيه لفقراء، خذه أعطيه لمن يمرون أمام الفندق من عمال نظافة، لا تتركه يُرمى والعامل في الخارج جوعان.

في مصر عندنا فنادق على النيل، مررت على بعضها اليوم، العامل في الخارج يتسول الناس، وقواعد الفندق خمس نجوم أن يرمي الطعام المتبقي! العامل المسكين في الشمس في الخارج يتسول ولا يجد طعاماً، ثم تنتظرون أن يبارك الله أو تطمعون في رضاه؟ من أي باب؟ ما هو في أسباب، باب على بعد أمتار من الفندق عامل يجوع وقواعد الفندق خمس نجوم ترمي الطعام الثمين الغالي لأن إنساناً مبذراً جلس وأكل وتفضل أكثر الطعام تمظهراً به ويرمى.

«وأملس هندي متى يعلو حده، ذر البيض لا تسلم عليه الكواهل». أملس هندي، السيف الهندي. لماذا ذكره مرة أخرى بعد «وأبيض ماضٍ في الضريبة»؟ قائل ذلك ربما أراد أن يجمع في الأول بين هذا وبين ذاك، لكن ما الفرق بين الأبيض الماضي في الضريبة والأملس الهندي؟ نوع آخر، الله أعلم.

البعض يقول حتى في الأردن وكذا. «وأملس هندي متى يعلو حده ذر البيض»، والبيض هي البيضة التي على الرأس، "الخوزة" التي تغطي الرأس، متى يعلو ذروة البيضة إلا ويصل إلى الكاهل (الكتف). ربما أراد سيفاً طويلاً، وربما يكون الآخر يقاتل فيه مع الترس فيكون سريعاً قريباً قصيراً بعض الشيء، وأما هذا فطويل.

«وأبيض كالمخراق بليت حده»، هذا امرؤ القيس. «وأملس هندي متى يعلو حده ذر البيض لا تسلم عليه الكواهل، إذا ما عدا العادي به نحو قرنه، وقد سامه قولا فدتك المناصل». هنا حوار غريب مع السيف كأنه كلفه ضريبة الثناء عليه.

«ألست نقياً ما تليق بك الذرى؟»؛ يعني تعلق بك الذرة، الست نقياً؟ الحديدة لا تليق بها الذرى، متى تأتي في الذروة وتشق وتنتهي؟ السياق يقول: «ألست نقياً ما تليق بك الذرى، ولا أنت إن طالت بك الكف ناكل، حسام خفي الجرس عند استلاله صفيحته مما تنقى». يخاطب سيفه: ألست نقياً؟ ما تليق بك الذرى، الست نقياً؟ الحديدة النقية لا تليق بها الذرى.

يقول هنا: «فدتك المناصل»، أي السيوف. ثم يقول: «ما تليق بك الذرى»، يقال سيف لا يليق شيئًا، أي لا يمر بشيء إلا قطعه. والناكل المقصر؛ نكل عن كذا، قصر عنه.

«الست نقيا ما تليق بك الذرى، ولا أنت إن طالت بك الكف ناكل». حسام خفي الجرس عند استلاله من ثقل حديدته، لا تتلقلق ولا تحدث حكة؛ حسام خفي الجرس. قال: وإنما يخفى جرسه لجودته وسهولته، ناعم ينسل دون إحداث جرس.

صفيحته يعني حديدته مما تنقى السياقل؛ الصناع المحترفون، ولهذا قال صفيحته مما تنقى؛ لأن ذلك يجعله لا يحدث صوتًا وهو خارج، من ملاسته وشدة ثقله، ليس فيه خشونة تحدث هذه الحكة التي تحدث صوت السل.

«وأملس هندي متى يعلو حده، ذر البيض لا تسلم عليه الكواهل، إذا ما عدا العادي». ما العامل في الظرف «إذا ما عدا العادي»؟ من يعرف ما العامل في «عدا»؟ يقول: «إذا ما عدا العادي»؛ ما العامل فيه يا إخوة؟ وهذا كذلك من جمال الشعر القديم، لا تكادون ترون هذا التعلق الخفي. العامل فيه على الغالب هو: «يعلو حده متى يعلو حده ذر البيض لا تسلم عليه الكواهل إذا ما عدا العادي»، أي متى يعلو حده؟ اللحظة التي يعلو فيها حده إذا ما عدا العادي به نحو قرنه.

ثم ارجع إلى وصفه: «حسام خفي الجرس عند استلاله»، لماذا؟ «صفيحته مما تنقى السياقل، ومضطرض لدن الكعوب كأنما تغشاه منباع من الزيت سائل». من يعرف «المضطرض» هنا؟ هو الرمح. المضطرض هو الرمح، قالوا: إنما يضطرض لينه، وقالوا: هذا مما فات المعاجم. وإنما سهل لصفاء حديدته وخلوصه؛ هكذا قالوا.

هنا نرى ما قاله الأنباري في الشرح المعاصر؛ زيادة لا أحسبها صحيحة ليست موجودة في الأنباري، قال: «والمضطرض المضطرب لينه». المضطرض يا إخوة هو الرمح، وذلك لليونة قصبته، «لدن الكعوب»؛ لدنه فيها صلابة مع ليونة، والكعب قاعدته.

قال: هنا تجاوزوها لوضوحها، «ومضطرض لدن الكعوب كأنما تغشاه منباع»، يعني غطاه منباع، أي سائل متتابع السيلان من الزيت. «منباع من الزيت سائل»، يعني متتابع السيلان عليه، تشعر وكأنه ينبع منه زيت يسيل عليه ويتتابع سيلانه، يغطيه من ثقله ومن قوته؛ شوف شكل الرمح من ملاسته وجودته وثقله، فتشعر وكأن زيتًا يسيل عليه.

«لدن الكعوب»، أظن أيضًا أن الكعوب هنا يراد بها أماكن التقاء العُقل. الكعوب يا إخوة أماكن التقاء العُقل، أي البامبو والخيزران، كل هذا أماكن التقاء العُقل، وطبيعي أن تدخل فيها القاعدة؛ فالقاعدة كعب من الكعوب، لأنهم أيضًا يدخلون صدق الكعوب، فيجمعون الكعوب في الرمح الواحد، فالكعوب هي تلك العقد، قد تكون صلبة وفيها لين.

«ومضطرض لدن الكعوب كأنما تغشاه منباع من الزيت سائل». عمر بن أبي ربيعة ماذا يقول: «ليت هندا أنجزتنا ما تعد، وشفت أنفسنا مما تجد، واستبر، ولقد أذكر إذ قلت لها، ودموعي فوق خدي تطرد، قلت من أنت فقالت أنا، من شفة الوجه قلت أهلاً، إنما ضل لقلبي فاجتوى، صعدة في سابري تضطرض». «تضطرض» هي تضطرب، نعم.

طبعًا نص على أن «المضطرض» هو الرمح، لم يذكر في المعاجم، ذُكر هنا عند الشاعر الجاهلي وذكر عند عمر بن أبي ربيعة؛ فما زالت الأشعار فيها ما لم تدونه المعاجم. أنت إذا رجعت إلى المعاجم لابد أن تقرأها كأساس، لكن ما زلت يمكنك أن تستعمل ألفاظًا كهذه؛ «تضطرض الرمح» أو «تضطرض المرأة»، وإن «المضطرض» هنا هو الرمح لم تذكره المعاجم، ودعمنا المعنى في «سابري تضطرض» يعني تضطرب، لكن تفسيرها بالرمح جاء في شعر هذا الشاعر الجاهلي.

«أصم إذا ما هز مارت سراته». قال: «مضطرد متتابع ليس فيه اختلاف»، يقال اضطرد القوم تتابع، ومنه قول قاسم بن الخطيب: «أتعرف رسماً كاتراد المذاهب»، الاضطراض بمعنى التساوي، والمذاهب هي أماكن المسير.

تقصدين هنا مخالفة كونه مضطربًا، يعني تخالفين تفسيرهم بالمضطرب؟ ابن الأنباري هنا يقول: «والمضطرض المضطرب لينه». تقصدين تساوي العُقل؟ أختنا الكريمة، الاضطراد يكون في الحركة لاضطرادها وتساويها، ويكون في الأشياء في ذاتها، على ما فسروه هنا أنه مضطرب لينه، هو تتابع الاهتزاز، هذا ما أقوله.

أختكم تريد أن تقول هناك قول آخر يا إخوة، تقول بأن المضطرد هو الذي اضطردت أجزاؤه، أي قصباته فتساوت، لكن هل...

هذا مما تمدح به إذا تحقق، التساوي في العقل وكذا. هل هذا مما يمدح به الرمح؟ هل تمدح به الحربة أو يمدح به الرمح أن يكون متساويًا لا تفاوت في الأطوال وكذا، ليس فيه اختلاف؟ هو لم يقدم هذا القول، أعتقد يقصد عند سيره في الهواء. عند سيره في الهواء السير واحد، لا يقال إنه مضطرد في الهواء، والله أعلم؛ لأن الأصل في الرمح أيضًا أنهم يطعنون به ليس يرمون به.

وقوله هنا -اسمعي اسمعي قوله هنا غيره- يعني قال غيره: مضطرد متتابع ليس فيه اختلاف، يقصدون عقله على هذا القول الثاني، ولا يقال في مطار ليس فيه اختلاف. لا، اسمعيني، لا يقال إذا رمى كما تقولين لا يميل عن وجهته، لا يقال إنه متتابع ليس فيه اختلاف ليس فيه انعطاف ليس فيه انحراف. خلاص، لكن لا يقال ليس فيه اختلاف، لا يقال هنا ليس فيه اختلاف، يقال ليس فيه انعطاف، أيضًا ليس فيه، لا يقال ليس فيه، يقال لا ينعطف؛ يضطرد إذا رمي فلا ينعطف ولا يميل. لا يقال ليس فيه اختلاف، لا يقال هذا، والله أعلم.

فيقصدون أن القصبات متساوية على هذا القول الثاني، لكن هل هذا مما يظهر به مدحه؟ ماذا لو كان فيه تفاوت لكنه كان صلبًا لدناً وهكذا؟ ولهذا أرى القول الأول هو بالمناسبة. البيت الذي جاء به لقاس بن الخطيب يؤيد ما قلت لك: اتعرف رسما كاطراض المذاهب الرسم يتموج كاضراض المذاهب

يعني تساوي وتوازي مذاهب الناس التي اعتادوا السير فيها فصار كاضراض المذاهب، والله تعالى أعلم.

نعم، اصم إذا ما هز مارت سراته. لا، ليس هذا، لا يقال هنا ليس فيه اختلاف، يعني تساوت القصبات في القوة، هذا يوصف به الرمح، قطعة واحدة لا توصف القوة بكل قصبة، بكل عقله وحدها، لا توصف بكل عقله، يعني أو القصبات الداخلية التي بينها الكعوب، والله أعلم.

ومضطرد، لكن يبدو القول الأشهر أنه مضطرب للينه وطوله، يضطرب يعني إذا مشيت به له هزة في يدك، بيلب بيلب ليه كده؟ لبه، بيلبه؛ يهز كما تحمل ماسورة طويلة تهز هكذا.

نعم، ومضطرد لدن الكعوب كأنما تغشاه من منباع من الزيت. اصم إذا ما هز مارت سراته، اصم يعني ليس بأجوف، لا ترى فيه فراغًا، لا تشعر فيه فراغًا سواء بالطرق عليه أو بالحمل، ممتلئ مكنوز، إذا رفعته مصبوب، هذا معنى اصم مصبوب.

هكذا، إذا ما هز مارت مارت، يعني اضطربت ودارت سراته أعلاه كالظهر إذا سرت به هكذا. يقول: اصم ثقيل. تخيلوا معي الآن وأنتم تحملون الرمح الاصم مصبوب ثقيل، إذا ما هز -إذا أمسكته وهززته هكذا- مارت سراته أوله ظهره هكذا، وأعلاه مارت سراته كما مار ثعبان الرمال الموائل. والموائل هنا بمعنى المحاذر الذي يلتمس الملجأ ويطلب النجاة. يا أخي ما الملاحظة الرهيفة! شفت الثعبان الرمل لما يرفع نصفه هكذا ويعمل، الثعبان لما يرفع القطعة طويلة من مقدمته هكذا إلى شبر أو شبرين ويعمل هكذا يحاذر ويبحث عن ملجأ وجحر، يعمل هكذا، شوف لما يصدر نفسه هكذا وترى يعمل هكذا. اصم إذا ما هز مارت سراته كما مار ثعبان الرمال الموائل، أيوه تهتز كأنها جان، نعم، أيوه، أها سبحان الله.

اصم إذا ما هز مارت سراته كما مار ثعبان الرمال الموائل، له فارط ماضي الغرار، كأنه فارط، يعني السنان، قالوا فارط سنان، والغرار هو الحد، يعني رأس السنان، خلاص، له فارط ماضي الغرار كأنه هلال بدا في ظلمة الليل ناحل خط أبيض خفيف. له فارط ماضي الغرار كأنه هلال بدا في ظلمة الليل ناحل.

فدعذا، فدعذا، خلاص انتهينا من الإضافات، أو انتهينا من العطف، أنا شعر يدي واقف من التشبيه. فدعذا وسل الهم عنك بجسره فدعذا ولكن ما ترى رأي عصبه

تذكرون ماذا فعل البحري في وصف الذئب؟ خلاص لما ذكر الدنيا وما تقضي به بعد أن وصف الذئب ونال منه خسيساً وقام عنه وهو منعفر، فرد: لقد حكمت فينا الليالي بجورها وحكم بنات الدهر ليس له قصد، يعني عدل؟ أفي العدل أن يشقى الكريم؟ إلى آخر ما قال.

قال: فدعذا، كأنه يقول بعد كل هذا وإعدادي للحروب وكذا، فدعذا ولنرى من هؤلاء الذين، ما رأيك في من يفعل معي كذا وكذا؟ ولكن هنا سيفخر بسلاح آخر وهو الشعر، فأضاف هذا السلاح إلى ما سبق. الرجل يقول لك لم يعطف، لم يقل وكذا وكذا، فدعذا. كل ما ذكرته من طوال القرى والسلهب والمصبوبه الدرع، قال مصبوبه صح، اه مسفوحه، والتسبغه والجوب السلاح والاملس الهندي والمضطرد، شوف كم واحد! فدعذا، تعال عند السلاح الحقيقي، السلاح الحق: فدعذا ولكن ما ترى رأي عصبه أتتني منهم منديات عضائل

منديات، يعني خطوب وأقوال يندى منها الجبين، يعرق منها الجبين، أي ذهولاً وصدمة وشعوراً سيئاً بالخذلان. والعضائل، الشدائد، عضائل الشدائد يقال معضلة ومعضل، والأعضال في الحديث.

فدعذا ولكن ما ترى رأي عصبه أتتني منهم منديات عضائل، يعني مخزيات يندى لها الجبين من الصدمة، في أقوام لم نتوقع منهم أن يأتوا بمثل هذا. فدعذا ولكن ما ترى رأي عصبه أتتني منهم منديات عضائل: يهزون عرضي بالمغيب

يهزون عرضي بالمغيب. ودونه لقر مهم مندوحه وماكل. يهزون، فسرها الآنباري بماذا يا إخوة؟ يقول: يقطعونه ويقصّبونه، ومن هذا سمي القصاب قصاباً لأنه يقطع. هنا اعترض عليه، ويبدو أن المعترض المعاصر أصاب، يقول: يهزون، فسره الأنباري بأنه يقطعون، والمعروف في هذا الهذ بالذال بمعنى القطع، يعني لا بالزاي.

طيب، ولماذا قلت الصواب إن شاء الله معهما، أو مع المحققين عبد السلام هارون وأحمد محمد شاكر؟ هما اللذان شرحا هذا الكتاب "المفضليات" واستخلصا هذا وعلقا عليه بزيادة كما هنا، قالا: الهذ هو القطع وليس الهز بالزاي.

طيب، من أين يا إخوة قلت هذا؟ هذا من يذكر شاهداً من القصائد التي قلناها في السنوات الماضية كثيراً. طيب، أقربها من يحفظ ضديّة طرف بن العبد، من يحفظ ضديّة طرف بن العبد؟ فيها بيت ذكر فيه هز عرضي.

ها، هز عرضي، صح، أيوه، محمد الهاشمي صح، ولا من يذكر البيت؟ أنا أحاول تذكره أيضاً لأنني في جو القصيدة، هنا نخرج الديوان ديوانه رف، إذا هزني قوم وإني لذو حلم، على أن ثورتي إذا هزني قوم حميت بها عرضي. خلاص، يقول: وإني لذو حلم، على أن ثورتي إذا هزني قوم حميت بها عرضي. إذا هزني قوم، فقال: يهزون عرضي بالمغيب، وكان الهز هو أن يأتي إلى الشيء ويجعله يضطرب يهزه هزاً.

شديدًا، خلاص كالهز بجذع النخل والشجر، وكأنهم اختبروه وأرادوا به سوءًا بهذا الهز؛ لم يتركوه على حاله، يهزون عرضي ليجعلوه يضطرب، يهزونه شديدًا بالمغيب ودونه لقرمهم مندوحه وماكل.

يعني أنا حينما غبت، هم يهزون عرضي بالمغيب، وفي غيره؛ لمن كان قادماً شيئًا أو قاطعًا شيئًا بمقدم فمه، مندوحه في غيره؛ أي ذهاب عنه ومتسع، ليطلع كل عيوبه، يهزون عرضه لكن بالمغيب، وكأنهم يحاولون إخراج العيوب. تعال نهز بقى عرضه؛ إذا هزني قوم حميت بها عرضي كما قال طرفة.

يهزون عرضي بالمغيب ودونه لقرمهم مندوحه وماكل، على حين أن جربت واشتد جانبي، وانبح مني رهبة من أناضل. يقول "انبح مني" يعني سيرته إلى أن ينبحك الكلب، "من أناضل" يعني من أقاتله وأراميه، على حين أن جربت واشتد جانبي.

هنا طبعًا المناضلة بالكلام والكلمة، لماذا؟ خلاص يتكلم الآن فدع القتال، ودع الأسلحة ودع كل شيء ودع الحرب، ولكن ما ترى رأي عصبة أتتني منهم منديات عضائل. يهزون عرضي بالمغيب بماذا؟ باللسان، ودونه لقرمهم مندوحه وماكل، على حين أن جربت واشتد جانبي، أيضًا أستطيع الذب عن عرضي، وانبح مني رهبة من أناضل.

وجاوزت رأس الأربعين، فاصبحت قناتي لا يلفى لها الدهر عادل. يعني كان جاوز الأربعين في هذه القصيدة، وجاوزت رأس الأربعين فأصبحت قناتي -يعني رمحه وحربته- لا يلفى لها عادل مدى الدهر، وعادل هنا يعني كفء، ليس عدلاً من كليب، بل عادل هنا يعني كفء نظير.

القناة هنا يا إخوة تعني الإنسان نفسه، وتعني خبرته في الحياة وتجربته، يعني أنا أصبحت قناتي كذا، أي رأيي وحزمي وخبرتي وشخصيتي وأخلاقي، كل هذا اشتد جدًا، فهذا يعبرون عنه بالقناة. ولا تثقف قناتي، ولا يفعل بها كذا، ولا تلين قناتي، القناة هنا يعبر بها بالاستعارة عن كل هذه المعاني.

وجاوزت رأس الأربعين فأصبحت قناتي لا يلفى لها الدهر عادل، فقد علموا في سالف الدهر أنني معن إذا جد الجراء ونابل. قال هنا "الجراء" بمعنى الجري. ومعنى "المعترض" يا إخوة، أو "المعن"، هو أن تقول عن لي كذا، "فعن لنا سرب" أي اعترضنا سرب، فالإنسان المعن هو كثير الاعتراض والمشاغبة والمشاكسة والتدخل بين الناس وقدرته على هذا.

هذا معنى "معن"، لكن القصة ليست القصة، أنا أراها مختلقة لكن فيها اللغة لأنها قديمة، يقولون: كان امرؤ القيس عنا، يعني يثير الاعتراض، معترض بين الناس، ما يرى شاعرًا كما حكي في الرواية، لا يرى شاعرًا إلا ويشاكسه في الشعر إلى أن لقي علقمة الفحل.

والجراء هنا بمعنى الجري، الأنباري قال في هذا البيت إنه مثل الجري، يقول: "إذا جد الجراء ونابل"، يقول إنني معن ونابل، إذا جد الجراء، فجعل الجراء هنا الذي هو الجري مثالاً على الأمور الأخرى، نرى ما قاله بالنص: "فقد علموا في سالف الدهر أنني معن إذا جد الجراء ونابل".

زعيم ضامن لمن قاذفته بأوابد، يغني بها الساري وتحدى الرواحل. يصف هنا قوة الشعر وأثره في الناس، يقول: "زعيم لمن قاذفته بأوابد يغني بها الساري وتحدى الرواحل". يعني أنني زعيم بأوابد لمن قاذفته.

فقوله "بأوابد" لا تتعلق بقاذفته، متعلقها "زعيم" وليس "قاذفته"، انتبه؛ لأنك لو قلت "زعيم لمن قاذفته بأوابد" وعلقت "بأوابد" بالجر والمجرور بقاذفته، سيبقى "زعيم" أو متعلق الزعامة فارغًا؛ زعيم بماذا؟ لكن "قاذفته" ليس لها متعلق مذكور، والجر والمجرور "بأوابد" متعلق بـ "زعيم"، يعني زعيم بأوابد لمن قاذفته، فهمتم؟

"يغني بها الساري"؛ الساري يعني السائر بالليل، "وتحدى الرواحل" يغني للإبل أيضًا، "مذكرة" يعني شديدة قوية، مثل الفأس المذكرة والسيف المذكرة، "تلقى كثيرًا رواتها".

"ضواحن" يا أخي، كلمة "ضواحن" هنا غريبة حقًا، لأن "ضواحن" يعني كأنها ضاحية، أي في وقت الضحى، وهذا وقت نوعًا ما مبكر، "ضواحن" يعني نشطة من الصباح من وقت الضحى. انظر ماذا قال الأنباري، مثل هذه الإشارات الشعرية لابد من الوقوف عندها، قال: "ضواحٍ" يعني بارزة ظاهرة لكثرة ما يرددها الرواة.

وأقول وفيها أيضًا معنى الضواحي أنها ضاحية، يعني أنها قد أضحت، أي اشتد نشاطها ودورانها من وقت الضحى، ولا ينفي كونها ضواحي بمعنى بارزة مكشوفة، هذا ما في شرح التبريزي، يقول: "الضواحي البوارز لعلو شأنها ومجاهرة الناس بها".

التبريزي عرضته لكم، أمس شرح التبريزي على اختيارات المفضل هذا بتحقيق فخر الدين قباه، هذا المجلد الأول، هو مجلدان كبيران كما ترون، شرح المفضليات.

أقول أيضًا كونها «ضواحٍ»؛ لأنه قال: «مذكرة تلقى كثيرًا رواتها، ضواحٍ بارزة مكشوفة»، ولا يبعد أن تكون أيضًا في وقت الضحى؛ لأن المعنيين يتقاربان وربما يلتحمان، والله أعلم. هكذا ربما أشعر، عنصر البرود الحسي لم يختلف كثيرًا عن البروز الزمني فيما أشعر به، فالضواحي بارزة في الضحى، ولم أرَ حتى أن يكون هناك مشترك جامع بين الاثنين إلا أن أشعر أنه معنى واحد مركب، أردتكم أن تقفوا على هذا التصور عندي. كان يمكن أن أكتفي بما قالوا: «ضواحٍ بارزة»، لكن لم أستطع أيضًا أن يدفع المعنى المركب من أنها تبدأ من الضحى وأنها تبرز فتأتي بارزة في الزمان وفي عينها كذلك مكشوفة، وقادني إلى هذا الشعور وهذا التفسير أو هذا المعنى.

قوله: «تلقى كثيرًا رواتها»، وأنه الفضح بالقصيدة يبدأ من أول اليوم، «مذكرة تلقى كثيرًا رواتها، ضواحٍ...» خلاص هنا قال ذلك، أظن علقها بالضواحي. قال: «رواتها ارتفع بضواحي»، لا أظن، «ضواحٍ» على الحالية يا إخوة، نعم «ضواحٍ تلقى كثيرًا رواتها»، وضواحٍ على الحالية، وإلا كانت «ضواحٍ» لو كان العامل فيها «تلقى» لكنت «ضواحٍ»، والله تعالى أعلم. «مذكرة تلقى كثيرًا رواتها»، خلاص ولا على النعتية؟ أظنها والله أعلم على النعتية لـ «مذكرة»؛ كره القصائد مذكرة، «ضواحٍ»، نعم أظنها على النعتية.

ما رأيكم؟ «مذكرة تلقى كثيرًا رواتها، ضواحٍ، بارزة مكشوفة، لها في كل أرض أزامل». إذاً هذه أخبار ثلاثة، أو أخبارات ثلاثة عنها، أو أربعة حتى: «ضواحٍ» أو «مذكرة»؛ لو قلنا بالخفض نعتية على النعت ستكون بالخفض، ولو قلنا بالرفع تكون أخبارًا، أي هي «مذكرة تلقى كثيرًا رواتها ضواحٍ»، لكن هنا على النعتية؛ لأنه قال: «بأوابد»، «مذكرة ضواحٍ»، نعم هذا بالضبط هكذا على النعتية؛ لأن «الأوابد» مخفوض في البيت الذي قبله: «زعيم لمن قاذفته بأوابد، يغني بها الساري وتحلى الرواحل».

«مذكرة» إذاً على النعتية، «بأوابد»، أنا لما قلت على الحالية في الأول أو على غيرها وهكذا، سبب هذا كان أنني قرأت البيت على الرفع، كنت قرأته على الرفع ولا أدري هذا خطأ أم وقعت عيني عليه، إذاً خطأ، سهو محض مني أنا، قرأته على الرفع: «مذكرة»، نعم «زعيم لمن قاذفته بأوابد، يغني بها الساري وتحلى الرواحل، مذكرة تلقى كثيرًا رواتها، ضواحٍ، لها في كل أرض أزامل».

«لها هذا الصوت»، نعم لا مولانا، ليست بدلًا هنا يا سيدي، هي هنا ستكون نعوتًا، لا وجه للبدل؛ لأن النية فيه إعادة العامل وكذا، وإنما هي تكون نعوتًا للثابت المذكور، فلا ينوى بها إعادة العامل، والله تعالى أعلم. «مذكرة تلقى كثيرًا رواتها، ضواحٍ، لها في كل أرض أزامل».

«تكرُّ»، يعني تُعاد كرهًا بعد كره، «تكرُّ فلا تزداد إلا استنارة»، الشعر الذي كلما كرر ردد زاد استنارة. الناس تقول لي أنت بقى لك سنين أكثر من أعوام ما زلت تتأمل في امرئ القيس ويظهر لك فيه معنى، نعم والله كما تقولون بالضبط. «الأزامل» للصوت، و«الأزام» للأصوات، نعم ترى لها هذا الأزي والصوت. الناس يروون القصائد، قصائد الشَّمَّ المـُزْرِد بن ضرار التي هجا بها فلانًا، فقلت البحتري في مدح شعر نفسه: «تكرُّ فلا تزداد إلا استنارة».

إذا «رازت»؛ أي اختبرت، إذا رازت الشعر الشفاه العوامل. هذا يا إخوة هذا البيت أعجب بيت رأيته عن الشعر في الشعر الجاهلي، أعجب بيت يصف عمل المتذوقين والنقاد في الشعر الجاهلي؛ لأنه يقول لك العوامل، يعني النواطق المختبرات، «وإذا رازت اختبرت»، إذا رازت الشيء اختبرته، كما قال البحتري: «لا ترزني محاولًا لاختبار...». أنا أقول هذا البيت عجيب، أعجب منه جدًا، الشعر الجاهلي في وصف عمل النقاد بيت نادر غريب، احفظوه يا إخوة.

يقول: «تكرُّ»، يعني تُعاد كرهًا بعد أخرى، «فلا تزداد إلا استنارة»، يعني يتضح معناها أكثر والمعاني البليغة التي فيها، «إذا رازت الشعر الشفاه العوامل». ليس معناها النواطق فقط، العوامل التي تعمل عملًا خاصًا في الكلام، هكذا يعني؛ مثلاً نأتي هكذا: «يهزون عرضي»، يعني يصور الناقد وهو يجلس، «يهزون عرضي بالمغيب ودونه لقرمهم مندوحة وماكل»، «إذا رازت اختبرت الشعر الشفاه العوامل»، لم يقل نطقت، اختبرت، يعني إذا اختبروا شعري بشفاههم. «يهزون عرضي»، أو «على حين أن جربت واشتد جانبي وانبح مني رهبة من أناضل»، فاه، جيد، هذا عالم جميل، جعلهم يختبرون شعره بالشفاه العوامل.

ومعنى العوامل طيب، ما أي شفاه عوامل؟ وأنا أتكلم هكذا ما الشفاه عوامل؟ عوامل يعني يزداد لها مزيد عمل في اختبار الشعر؛ لأنه قال: «إذا رازت الشعر الشفاه العوامل»، يعني جلسوا هكذا، «زعيم لمن قاذفته بأوابد، يغني بها الساري وتحلى الرواحل»، يا سلام جميل، يعني أراد أنهم يتأنون في قراءة الشعر ويختبرونه، يروزه الشفاه العوامل التي فيها مزيد انفتاح وانغلاق، مزيد حركة في تكلف زائد ليختبروا، ليروزوا الشعر؛ يروزه يعني يختبره.

انظر: «تكرُّ فلا تزداد إلا استنارة، إذا رازت الشعر الشفاه العوامل»، تختبر الشعر وتعمل فيه وتجرب الكلمات، تتأملها وتتبطأ في تلاوتها، ونحن نقرأ القرآن كيف؟ ﴿الٓمٓ * ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ * ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ * وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ * أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [البقرة: 1-5].

رأيت؟ وهذا أكبر دليل، لأن بعض إخواننا من بتوع الشعر النبطي أرسلوا إلي، قال انظر، في واحد سعودي اسمه ناصر الفراعنة، ناصر الفراعنة منذ سنين يقولون لي خذ اسمع هذا الأخ، أول ما أسمع...

اسمع وأراني لا أستطيع ملاحقة جملة أخرج، والله ما سمعت له بيتاً ما. هذا فيقولون لي: هذا طريقته النبطية وكذا، وهذه الطريقة أكيد هي أقرب للجاهليين، أقرب.

ضع له هذا في عينه: «تكرُّ تعادُ كُرهًا بعد كُرهٍ، فلا تزدادُ إلا استنارةً، إذا راوزتِ الشعرَ الشفاهُ العواملُ». اختبروا الشعر بالشفاه، فالذي يقول لك إن شعر الجاهليين كان كالنبطي ولا كالشيلات، فهذا كلام فارغ. عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «كان الشعر علم قوم ليس لهم علم أصح منه».

انظر هنا: «إذا راوزت الشعر الشفاه العوامل، تكر تعاد كره بعد كره، فلا تزداد إلا استنارة». ما العمل يا مولانا الشيخ خالد الشيباني؟ يقولون لي البعض، وبعض في مصر يظن أن النبطي وهذه الأشياء الشعبية أقرب إلى الجاهلي، قلت لهم: أنتم جهلة.

وجدت إعجاباً بشخص اسمه ناصر الفراعنة، والله ما ملكت منه جملة. بسم الله، أخو أبو كف أرسل رابطاً أراحني، لحظة، ما ضبطت له جملة. باسمك اللهم منزل سورة الأحقاف والأعراف، منزل النون، قاف كاف هاء ياء عين صاد، ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾، مهلك فرعون ذي الأوتاد، عاد ثمود ذات العماد، ومن بنوا صخراً بواد.

جيت لأني حي، جيت لأنني حي، لاني ميت، بين قبلت وبين قفيت، أحط البيت تلو البيت وأشد القيادة. جيت للحفلة عدي شهلول بردي، قمت يدي تصف يدي، طبعي لاجي تبغى القصيد. لكن هذا غير فصيح، خلينا نشوف الفصيح الذي يسمونه فصيح: «المرثان الفكاس وحب كيس والنفوس يا بغيت تعرف هرم الفلوس».

لسنا أعلم باليهود من الله سبحانه وتعالى، أبو موسى وهو بينهم، ما تبيهم يخونونك أنت. سالفة السلام هذه يشيلها الواحد من رأسه، جريح! هذا ليس شعراً. لحظة، هذه صح: «دمي عليّ من الثرى يا غانية، بالأمس ما أبكاك قد أبكاني، عمرية مضرية، أدركت أشرار الثرى في ثانية، وقرعت أبواب الشماء محللاً، وهتكت أستار الملوك علانية». هذه تعتبر بطيئة، أنا سمعت ما هو أسرع.

طريقة الله الآن وجدته يضع علم فلسطين، محترم والله، جميل، هذه قبل 14 سنة. أقول الشعر لا يقرأ هكذا يا إخوة. أنا لا أسمح بالإساءة لأحد، أنا أتكلم على طريقة ومذهب، ما لنا وللأشخاص، أي أحد كتب إساءة يحذفها لو سمحت. أنا لا أسيء إلى أحد، أنا سمحت نفسي بذكر اسمه لعرض طريقة هو يعلنها ويتكلم بها، لا لإساءة لشخصه. لو سمحتم من كتب إساءة يحذفها، أبو كف احذف أي إساءة كتبت لو وقعت إساءة.

نعم، الشعر يقرأ هكذا يا إخوة. كان الشعر علم قوم، جزاكم الله خيراً، كان الشعر علم قوم ليس لهم علم أصح منه. أما هذه الهذرمة، الهذرمة سريعة هكذا، في كثير من البلاد العربية، فهذا ليس الشعر. أقول لكم شيئاً، أقسم بالله قد أبلغه ساعتين في إنشاد «قف نبكِ».

أقول أخونا عماني يقول نبطي فصيح، هو يغلب السرعة، تغلب. أنا تذكرت ناصر الفراعنة لأنه أرسل إليّ فقط، ولما وجدت هذه السرعة نفرت، ربما أرسل إليّ أداءً أسرع مما سمعنا. خلاص، الشعر لا يقرأ هكذا. تميم البرغوثي سريع لأن شعره خفيف.

أحياناً أقرأ «قف نبكِ» في ساعتين يا إخوة، في ساعتين! يتخيلون؟ يقولون عنه شاعر، لكن عمي هو شاعر لغة أخرى، هذا النبطي. هكذا ينبغي أن تكون؛ حتى تصل إلى قراءة القصيدة قراءة معتدلة تفهمها، لابد أن تروزه أولاً بلسانك، بالشفاه العوامل. لابد أن تروزه أولاً بالشفاه العوامل حتى تقرأها قراءة تفهم منها بعد ذلك.

أنا امرؤ القيس كيف أقرأه؟ أحياناً أنشد «قف نبكِ» في ساعتين، وأحياناً أقضي كثيراً من يومي أردد بيتاً أو بيتين أو عدة أبيات، وأقطعها جداً هكذا، وأقف بعد الجملتين أو العبارتين أو بعد اللفظتين المكونتين للجملة.

تعالوا ننتهي من هذه القصيدة، وفي آخر اللقاء أقفكم على مثال حي حقيقي حصل معي من خلواتي مع «قف نبكِ». قال: «تكرُّ تعادُ كُرهًا بعد كُرهٍ، فلا تزدادُ إلا استنارةً، إذا راوزتِ الشعرَ الشفاهُ العواملُ، فمن أرمِهِ منها ببيتٍ يلحُّ به، يلحُّ يعني يظهر به ويلوح به، كشامةِ وجهٍ ليس للشأمِ غاسلُ».

الله يرضى عليك يا شيخ خالد، «فمن أرمِهِ منها ببيتٍ يلحُّ به» يعني يظهر به يلوح به، كشامة وجه ليس للشأم غاسل. من أرميه بقصيدة تلتصق به كالشامة، والشامة لا تُغسل، تظل عنده وتظل تذكر به وتظل تلاحقه. «كذاك جزائي في الهدي»، ومعنى الهدي هنا يعني المهاداة، ونرى أيضاً ما قاله: «كذاك جزائي في الهدي». قال الهدي أي المهاداة، وأراد بها هنا المناجزة أو الرمي. أي يقول: أفعل هذا مع من أرميه، ففعلي في الهدي أي في المهاداة؛ من أهداني قصيدة بمعنى رماني بها، أهديه جازيته بمثلها.

ولكن ما الفرق؟ «وإن أقلَّ فلا البحرُ منزوحٌ ولا الصوتُ ساحلُ»، ومعنى ساحل يعني يبح ويضعف. «كذاك جزائي في الهدي»؛ الهدي هنا بمعنى المهاداة، كما فسره الأنباري وأصله ما يُهدى، والمراد التهادي بالشعر وهو المهاجاة، وهذا غير شائع. رايتم كيف قصيدة واحدة ربما يخرجون منها بعدد أبياتها ألفاظاً فصيحة غير مستعملة؟ ركزوا معي، قصيدة واحدة من المفضليات بعدد أبياتها ألفاظاً فصيحة غير شائعة.

«الهدي» بمعنى المهاداة، «كذاك جزائي في الهدي»، «وإن أقلَّ فلا البحرُ منزوحٌ» يعني بحري لا ينزح ولا ينتهي، «ولا الصوتُ ساحلٌ» وصوتي لا يبح. «فعدْ قريضَ الشعرِ إن كنتَ مغزراً»، والمغزر هو المكثر، أي إن كان يريد كثير القول، «فعدْ قريضَ الشعرِ تجاوزْ قريضَ الشعرِ إن كنتَ مغزراً من القول، فإن غزيرَ الشعرِ ما شاء قائله».

تجاوزتُ.. أنا عندي، لماذا قال هنا إن كنت؟ كنت أحسبها خطأ يا إخوة في نسخة المعارف، إن الصواب أن كنت هنا مكسورة.

يقول: "فعد قريض الشعر، إن كنت مغزراً، فإن غزير الشعر ما شاء قائل لنعت صباحي.. طويل شقاؤه، له رقميات وصفراء ذابل، بقين له مما يبري وأكلب، تقلقل في أعناقهن السلاسل".

يقول لك القرآن: ﴿نَزَلَ بِلسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، وهذا طبيعي؛ فالقرآن استعمل الصور السائرة في العربي وفي الشعر، ونزل بلسان العربي المبين على ثقافتهم.

"فعد قريض الشعر إن كنت مغزراً"؛ يعني يقول احذر قريض الشعر لمن هو مغذر، متمكن ومتمرس في الشعر. "فإن غزير الشعر ما شاء قائل لنعت صباحي"؛ يعني دعه، عدِّ قريض الشعر لنعت صباحي، خلاص.

"طويل شقاؤه، له رقميات وصفراء ذابل"؛ بدأ يصف إنساناً فقيراً معيناً على هيئة، وكأنه يستعرض هجاءه هنا ويقول: خذ هذه، "عبده يقول اصرفه وتجاوزه إن كنت مغزراً لهذا"، فهذا أظنه يكلم نفسه.

"فعد قريض الشعر إن كنت مغزراً، فإن غزير الشعر ما شاء قائل لنعت صباحي"؛ أو كأنه يشير إلى غيره: عد قريض الشعر، تجاوزه خلاص واتركه لنعت صباحي. وهنا لا يبعد أن يكون هناك تقدير في الكلام، حذف "فعد قريض الشعر" ويضمن معنى "اتركه" مثلاً، أو أن يقال "لنعت" أي واتركه لنعت صباحي.

"عد قريض الشعر إن كنت مغزراً" على طريقة المثل؛ "فإن غزير الشعر ما شاء قائل لنعت صباحي اتركه لنعت صباحي". أو "عد" يخاطب نفسه كما قلت، هذه وجوه محتملة تحتاج إلى التأمل، أو يخاطب نفسه: "فعد قريض الشعر إن كنت مغزراً لنعت، فإن غزير الشعر ما شاء قائل لنعت صباحي"؛ يعني تجاوز عن هذا وكذا لنعت صباحي، أو خذ ما كان وعده إلى هذا.

"فإن غزير الشعر ما شاء قائل"؛ ليس التجاوز هو الانصراف عنه، بل التجاوز بمعنى أن يقول فيه ويزيد عليه، يتجاوزه إلى غيره؛ "فعد قري.." وهذا يحتاج إلى التأمل. هذه الوجوه، الوجهان أو الثلاثة التي ذكرتها تحتاج إلى التأمل، كأنه يهجو من كان يغتابه، كان فيه إشارة.

"فعد قريض الشعر إن كنت مغزراً، فإن غزير الشعر ما شاء قائل لنعت صباحي"؛ قالوا صباحي رجل من بني صباح، وقالوا في الشرح كان ضيفاً له وكان صائداً. "لنعت صباحي طويل شقاؤه، له رقميات"؛ أي سهام منسوبة إلى صانع معين، "أو قالوا إلى بلد، وصفراء ذابل" التي هي القوس وتمدح بالذبول. "لنعت صباحي طويل شقاؤه، له رقميات" يعني سهام مصنوعة لصانع معين، "جياد جيدة، وصفراء ذابل بقين له مما يبري وأكلب".

قالوا في الشرح: يبري من بري السهام، "بقين له مما يبري وأكلب"؛ أي سهام بقيت له، و"أكلب" عندكم هذا خطأ، الصواب "أكلب" بالضم، وفي التبريزي بالضم، وكذلك في شرح البيت الماضي، يقول التبريزي: "عده" يعني أو "عد" أي اصرف وتجاوز، يريد: اصرف ما تقريضه، إن كنت ذا غزارة، فإن المالك للقريض ينقل لسانه فيه كيف شاء ويصرفه كما أحب.

إذاً هذا قد يؤيد أنه يكلم نفسه، أنه على التجريد، يجرد من نفسه من يكلمه: "بقين له مما يبري وأكلب، تقلقل في أعناقهن السلاسل"؛ تقلقل بحذف التاء تخفيفاً، لأن "تتقلقل تقلقل في أعناقهن السلاسل" يعني من نحافتها وفقرها وجوع صاحبها؛ "تقلقل في أعناقهن السلاسل"، ثم سمى الكلاب سحاماً ومقلاء القنيص وسلهباً وجدلاء والسرحان والمتناول.

"فعد قريض الشعر إن كنت مغزراً، فإن غزير الشعر ما شاء قائل لنعت صباحي، طويل شقاؤه، له رقميات وصفراء ذابل، بقين له مما يبري وأكلب، تقلقل في أعناقهن السلاسل، سحام ومقلاء القنيص وسلهب وجدلاء والسرحان والمتناول، بنات سلوقيين كانا حياته فمات، فأودى شخصه فهو خامل".

نختبر الأذواق، ما إعراب "حياته"؟ بعضكم قال ظرف، وبعضكم قال خبر كان، والذي قال مبتدأ.. أريد أن أشنقهم من رجليهم! المبتدأ مرفوع، بسم الله الرحمن الرحيم، المبتدأ يكون مرفوعاً.

"بنات سلوقيين كانا حياته"؛ لو قلت "كان" تامة، فكانت "حياته" ظرفاً، فتكون "كان" تامة. ولو قلت "كان" ناقصة، فـ "حياته" خبر كان منصوب.

"بنات سلوقيين كانا حياته فمات فأودى"؛ لو نوينا أن "بنات سلوقيين" هي خبر كان، "كانا حياته" يعني كانا سبب حياته فمات فأودى. ولو قلنا إنهما ظرف، "بنات سلوقيين كانا في حياته"؛ هذا يختل لأنه ما زال يعيش بعدها بعد أن مات.

فـ "حياته" خبر كان إن شاء الله تعالى، وهنا تظهر لك المراوغة الشعرية الجميلة والروعة في مجاورة "حياته" و"مات"؛ يعني كان سبب حياته فمات فأودى. نجربها الآن بنية خبر كان: "بنات سلوقيين كانا حياته" يعني كانا يجلبان له الطعام، "بنات سلوقيين كانا حياته فمات فأودى شخصه فهو خامل". هذا فيه شيء عجيب، لكن الظرف أشبه بالمعنى.

المعنى مقدم كما قال عبد القاهر: "بنات سلوقيين كانا حياته". أريد أن أرى ماذا قال التبريزي والأنباري؟ أي كانا يصيدان له في حياته؛ يعني هو اختار وجه الظرف. نرى ما قال التبريزي، بسم الله، يقول: "نبه بهذا أن عيشه ومعيشته كانا من كلاب، وأن السلوقيين الذين ذكرهما كانا قنيته يعني يملكهما، فلما أصيب بهما يئس من حياته".

ومعنى "أودى" هلك، وجعل "الإيذاء" للشخص لأنه أراد البؤس وسوء الحال لا مفارقة الروح. وهذا يعني التفسير بالخبرية، "خبر كان" يقول: "نبه بهذا أن عيشه ومعيشته كانا من كلابه"؛ يعني كانا سبباً في حياته. إذاً شرح التبريزي يرجح كون "حياته" خبراً لـ "كانا"، وظاهر كلام الأنباري أن "حياته" ظرف. وطبعاً الأجمل أن يكون خبر كان: "بنات سلوقيين كانا حياته فمات فأودى شخصه فهو خامل".

التبريزي هنا أراد أنه أصابه الهزال، لا أنه فارقته الروح. يقول: «وجعل الإيداء» يعني الهلاك للشخص، للجسم؛ لأنه أراد البؤس وسوء الحال لا مفارقة الروح.

والخامل يعني ساقط المنزلة، خاف المكانة والعياذ بالله، لاستشعاره للذلة والقلة، كل هذا عشان السلوكيين. كانت حياته فمات فأودى شخصه، فهو خامل، وأيقن إذ مات بجوع وخيبة، وقال له الشيطان: «إنك عائل». يقول لك القرآن: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: 268]. أخذها من الشعر الجاهلي، عائل من عال يعيل، أي افتقر.

وأيقن إذ مات بجوع وخيبة، وقال له الشيطان: «إنك عائل»، فطوف في أصحابه يستثيبهم. طبعاً أنا أعرف أنهم ينسبون الشر إلى الشيطان وكذا، أنه ترك لشيطانه وأمر القيس. ماذا يقول لما يقول: «فأصبحت معشوقاً وأصبح بعلها عليه القتام»؟ سيء الظن والبال، يعني ترك أيضاً، قريب من أن يقول ترك للشيطان والظنون، والحياة التي يحطان وطلعها كأنه رؤوس الشياطين. كل شر يذكرون أنه الشيطان، وخلوه مع الشيطان ونظر في الشيطان وحديث الشيطان.

أنا أقول على هؤلاء الأعاجم الأغبياء سيقولون لك القرآن أخذها من هنا، لكن هم بعيدون عن شنبهم أن يوصلوا للمزرد، في المفضليات، واللبث محفوظ، ومش هيعرفوا يقرأوا الكلام ولا يفهموه، عاجم عاجم. لكن إذا وصلوا وفهموا يقولون: انظروا القرآن أخذ من الشعر القديم الجاهلي. الشيطان، يعني أكثر مما طلعوها كأنه رؤوس الشياطين، الشيطان حاضر في كل شر بالحقيقة أو بالاستعارة أو بالبلاغة أو بالتمثيل، بقطع النظر.

وقال له الشيطان: «إنك عائل»، يعني خلاص صار حديثه مع الشيطان الذي لا يخبر إلا بالفقر، ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾. وأيقن إذ مات بجوع وخيبة، وقال له الشيطان: «إنك عائل»، فطوف في أصحابه يستثيبهم.

فأب وقد أكدت، والله هذا بيت صعب. «فأب وقد أكدت» يعني امتنعت، وقد أكدت عليه المسائل امتنعت عليه المسائل. يقال أكدى: اصطدم بكدية بصخرة في الأرض، ويوصف بها الشاعر الذي يقف عند بيت في القصيدة ولا يستطيع الاستمرار، أو يقف في قول الشعر مدة لا يستطيع السير.

«فطوف في أصحابه يستثيبهم فأب وقد أكدت عليه المسائل إلى صبية مثل المغالي وخرمل». الخرمل يقال الحمقاء، روادِم طوافة في البيوت، طوافة بالشر والنميمة والكلام في البيوت، أعوذ بالله. من شر النساء الخرامل، قالوا تلك الحمقاء، كما نقول في مصر "الحيزبون"، لسانها طويل وبقها كبير تطوف بين الناس بالكلام.

فقال لها، سبحان الله يصور رجلاً مسكيناً مع امرأة متسلطة سليطة اللسان، يعني "سلفع" كما نقول نحن، رضيعة غول. ماذا قال عمر بن أبي ربيعة؟ قال لها: «هل من طعام؟ فإني صرصر سلفع عن رضيعه غولة، فقال لها: هل من طعام؟ فإني أذم إليك الناس أمك هابل».

نرى بماذا فسروها؟ فاقدة أم مفقودة؟ لأن أحسبها تحمل على المعنيين. لم يفسرها الأنباري، نرى التبريزي. قال: ويقال هبلته أو هبلته الهبول، وقال هابل لأنه أراد النسب، لا البناء على هبلت، الها تكون صفة بدلاً من كذا وكذا.

قال الدكتور فخر الدين قباوة: قال دعا عليها بالثكل: «أمك هابل»، يعني أمك فاقدة، فقدتك أمك. فقال لها: «هل من طعام؟ فإني أذم إليك الناس أمك هابل؟». فقالت: «نعم، هذا الطوي وماؤه، ومحترق من حائل الجلد».

الجلد قاحل يابس، ومحترق من حائل، يعني من متغير الجلد، قاحل يابس متغير. عندك هذا الماء، وهذا الجلد اليابس المحترق المتغير لونه، بله وكله في الماء.

«فلما تناهت نفسه من طعامه»، يعني يائس من الطعام. نرى بماذا فسر "تناهت"، لا أذكر أنه هنا ذكرها، والله التبريزي يذكر كثيراً مما لا يذكره الأنباري. في الحقيقة شرح التبريزي لا يغني عنه شرح الأنباري، شرح التبريزي هذا مهم جداً.

المفضليات، يقول: أنا فسرتها بيائسة. «تناهت نفسه من طعامه» يعني كأنه قال عن طعامه، هو يقول هنا تناهت نفسه من طعامه، أي تركته زهداً فيه واجتواءً له، أصلاً أين الطعام؟ ويقال تناهيت إلى كذا أي رغبت فيه، وتناهيت من كذا وعن كذا أي زهدت فيه.

«أمسى طليحاً» يعني أصابه الإعياء والضعف. فلما تناهت نفسه من طعامه، وأكد أن تناهت من كذا وعن كذا إذاً زهدت فيه وليس يائست. هل يقال في منح طعام ولم يجد تناهت نفسه عن كذا بمعنى يأس؟ أنا أشعر أنها تصح، هو يقول زهدت فيه، يعني الشيء موجود وزهدت فيه، لكن تناهت عن كذا، ممكن مع تقديري محذوف: تناهت نفسه عن النظر في الطعام، أو البحث عن الطعام، لأن الذي يجعلني أقول هذا هنا، ركزوا معي، أنه لا يوجد طعام، هو قال: "عن طعامه"، أين الطعام؟ ولذلك فسرتها بيائس، ليست لأنني قدرت مضافاً.

محذوفا في الطعام، يعني تناهت نفسه من أمل طعامه أو من وجود طعامه، أو من تحقق طعامه. تفهمون قصدي؟ على كلام التبريزي ليس هناك تقدير لمضاف محذوف؛ على كلامي هنا أنه تناهت نفسه من طعامه، أي يئست نفسه من وجود طعامه.

ما الذي جعلني أقول هذا؟ أنه لا يوجد طعام، لأن كلامها أقرب إلى التهكم، ممكن تقول نعم، كل هذا ليس طعاما. والله أعلم، فلا يقال كما قال هنا: ماذا تناهت نفسه؟ يعني زهدت نفسه في الماء والجلد الحائل القاحل، يعني زهدت نفسه في الجلد الحائل القاحل واستبعدت أن يسمى طعاما، فلذلك قدرت مضافا محذوفا في طعامه، أي من وجود طعامه.

فسرت تناهت بيأس، يعني فلما تناهت نفسه يئست نفسه من وجود طعامه، إذا الطعام غير موجود أصلا. هي تناهت نفسه من وجود طعامه، يئست نفسه، زهدت في أن تجده، فتفسر باليأس لأن الموجود ليس طعاما، الطعام غير موجود. والتفسير الذي ذكره التبريزي يقضي بأن الطعام موجود؛ أين الطعام؟ لو كان كسرات من خبز عفن، أقول لك نعم زهدت نفسه من طعامه، لأن هذا طعام. لو كان يأس من شيء عفن، كسرات خبز عفن بالت عليه الإبل أو بالت عليه الكلاب، وهو طعامه، أو هو طعام، هذا طعام؛ أما جلد قاحل حائل، هذا لا يسمى طعاما.

خلاص، هذا لا يسمى طعاما. فأرى أن قوله: تناهت نفسه من طعامه، أي يئست نفسه من وجود طعامه، أو من تحصيل طعامه، أو من إصابة طعامه؛ لأن المذكور ليس طعاما، لا يقال هذا طعام، ماء وجلد قاحل فهذا ليس طعاما. هي كأنها تقول له: اذهب، هذا عندك، كُل كل هذا، كأنه تهكم. فلما تناهت نفسه من طعامه، أو كما يقول أخونا، كان الشاعر يتهكم به، والله أعلم، فلما تناهت نفسه سيكون -على التفسير التبريزي- أي زاهدت نفسه في الطعام الموجود.

«وأمسى طليحا»، يعني أصابه الإعياء والضعف. «وأمسى طليحا ما يعانيه باطل»، ما هنا نافية، «وأمسى طليحا ما يعانيه باطل»، يعني هزل، لا يعاني من شيء هين، لا يعاني من شيء يسير، ليس شيئا هينا، ليس لعبا.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

«فلما تناهت نفسه من طعامه، وأمسى طليحا ما يعانيه باطل، تغشى يريد النوم فضل ردائه، فاعيا على العين الرقاد البلابل». يريد النوم، فكلمة «يريد النوم» اعتراضية، «تغشى يريد النوم فضل ردائه»، «فاعيا على العين الرقاد البلابل»، أي أعي البلابل الرقاد على العين. هذه الصورة الأقرب للعيارية: «فاعيا البلابل الرقاد على العين».

بشار يقول: «حميت به عيني وعين مطيتي لذيذ الكره»، خلاص التقديم والتأخير يعمل أشياء كثيرة. «فاعيا على العين الرقاد البلابل»، والبلابل كما قالوا هما الصدر والهموم والتفكير؛ تعرف لما تيجي تنام تريد أن تنام وعندك فكر وبالك مشغول، فلا تنام إلى الصباح من الاضطراب والفكر، هذه تسمى البلابل.

«تغشى يريد النوم فضل ردائه، فاعيا على العين الرقاد البلابل»، هذا بئيس أهل الأرض تقريبا؛ جاهلي وزوجه صرصر سلفع، وعنده أبناء صبية مثل المغالي. ولما أراد طعاما قالت: عندك ماء وجلد جاف محترق متغير، فنام يريد أن يتغشى فضل ردائه، شيء زاد عليه، فتغشاه يريد النوم فلم ينم من هم الصدر. هذا بئيس جدا أيها الإخوة. وتمت القصيدة والحمد لله رب العالمين، ولله در امرئ القيس.

ما الذي حصل يا إخوة؟ ما الذي يحصل في ليبيا؟ أخبار يقولون الآن هناك أشياء شديدة، هل حصل جديد الآن ونحن في المجلس؟ أنا قرأت تعليق أختنا، لكن هل حصل شيء جديد؟ يعني هناك ما الذي حصل؟ لا تظهر لي أخبار.

أه، هذه التي اشترت من أيام، أعرف، حول هذه السلطة الداخلية والحكومة الداخلية وهذه الأشياء بين طائفتين على أماكن وسلطات. هذه الأمور الأهلية الداخلية، على كل حال في الأمور الأهلية الداخلية، لا سيما التي لا أعرف تفاصيل أطرافها، أصمت عنها تماما، لأنها تكون بين عرب ومسلمين في الداخل، بين المسلمين في الداخل في البلد الواحد، وهذه استحي من الكلام فيها ولا أحب، لا سيما إذا لا أعرف تفاصيل الشيء. نعم، كأنها الفتن أو كذا، أنا لا أدري، لا أفتي، لا أعرف ما، لكن الذي لا أعرفه أسكت عنه، وإنما كلامي مع العدو من الخارج.

لا، ليست هذه الأشياء الأصلية، هذه أشياء داخلية أهلية مما وقع بعد الثورة الليبية، سأتكلم فيها يا أبا كف. فاسأل الله سبحانه وتعالى أن يكف عنا الفتن، وأن تنعم بلادنا بالأمن والأمان، وأن يحفظ المسلمين. فالنبي ﷺ يقول: «ما يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما». «ما يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما».

فإياكم وإصابة الدم الحرام، وإياكم ودماء المسلم على أخيه المسلم، هذه لعنة تضيعك عند الله. ماذا تفعل الآن؟ أنت تعمل ذنبا، تنظر إلى امرأة تصاحب امرأة، تعمل يا سيدي شربت شيئا حراما، أكلت في الأخير، ذنبك تستطيع رفعه، تستطيع الحسنات يذهبن السيئات، تستطيع فعل أشياء والتوبة وفعل كفارات وكذا، إنما تقتل إنسانا أو تعينه في قتل روح محرمة، أنت يعني كأنك خلاص تشاهد هلكتك وأنت مقبل على الله، لأن الأمر في يد من أزهقته.

نعم يا أختنا، أنا أفهم هذا جيدا. والله أعرف، بركتهم في كل بلد، أعرف البركة، والله يعني معروفون للجميع في كل بلد، فابشري بأن الله فضح أمرهم للناس وصاروا جميعا يعرفونهم، والحمد لله رب العالمين.

طيب، قلت سأخبركم عن تذوق بيت يفسرون قول امرئ القيس: «فعاد عداء بين ثور ونعجة، دراكا ولم ينضح بماء فيغسل». يفسرون «عاد عداء» بـ «ولاه»، وإذا حملتم البيت على هذا التفسير ستقابلكم مشكلة؛ أنت لا ينبغي لك أن تقول هذا معناه كذا فتقرأ وتمر، لا، أنت تقرأ البيت متصلا وتعيش داخل...

بلاغته من أول حرف إلى آخر حرف، ولا بد أن يتسق معناه، وليس أن تركب معناه لتقنع نفسك به. انتبه، بعض الناس يقنع نفسه بالمعنى عشان يعدي، ويقف على أفراد الكلمات ويلزقهم في بعض ويعدي، غلط، غلط؛ الصواب أن تتآخى المعاني وتلتئم ويظهر اضطرادها في بعضها.

لا يا أخي، ليس لا سيما مع ملك الشعراء، مع الجميع، مع أي شاعر، هذه القاعدة مع أي شاعر صغر أم كبر. فلم يلتئب هذا المعنى عندي؛ لماذا؟ لأنه لو قال: «فوالى موالاه»، بمعنى أو عاد معاداه، عاد عداءً بمعنى والى موالاه، لم يحتج إلى أن يقول «دراكا»، لأنهم قالوا في معنى «دراكا» يعني تتابعًا لم ينقطع، ما هي داخلة في «والى موالاه».

قالوا: «والى بين ثور ونعجة»، يعني أخذ يضرب في طلقة واحدة، الثور والنعجة في طلقة واحدة. فلماذا يأتي بـ«دراكا» وينصبها على الحال؟ «دراكا» لماذا؟ فعاد عداءً بين ثور ونعجة، وإلا «والى موالاه» بين ثور ونعجة.

هذه أول مشكلة، المشكلة الثانية أنه سيقول: «ولم ينضح بماء فيغسل». النضح يكون في الأول، والغسل يكون في الآخر، والغسل معناه أن يخرج العرق فينساب ويسيل. ونحن نفرق في الفقه بين الغسل والمسح، فالمسح إصبة، والغسل إذا سال الماء. فقوله: «ولم ينضح بماء فيغسل»، ركزوا في الكلام يا إخوة، الكلام دقيق؛ «ولم ينضح بماء فيغسل». يعني يذكرون ذلك كناية عن طول العدو، عدى كثيرًا ولم يصل إلى مرحلة أن ينضح بالماء ثم أن يغزر الماء منه فيعرق فيسيل، وهذه إشارة إلى طول العدو، وهذه لا تلتئم مع «والى موالاه» ولا تلتئم معه «دراكا».

ولو أراد كما قالوا أنه لم يعرق كغيره، لاكتفوا بالأولى فقط، يقولون إنه أراد أنه لم يعرق، وهذه مشكلة أيضًا. ثالثة في المعنى، وهو أنه لو كان كذلك لصح الاكتفاء بماذا؟ بالأولى: «ولم ينضح بماء»، يعني لم ينضح ولم يعرق عرقًا يسيل. فلو قلنا «لم ينضح» فمعناه يلزم منه لم يعرق عرقًا يسيل بحيث يغسل، وهذا يقتضي أنه جرى كثيرًا، وهم عبروا عن حاله في المراحل.

فظللت غير مرتاح لتفسير «عاد عداء» بمعنى «والى موالاه»، ظلت هكذا سنوات، وقلت: «عاد عداء» لها وجه لغوي آخر. وهو ماذا؟ المبالغة من العدو، من عدا عدا، مبالغتها: «عاد» على وزن «فاعَلَ»، فاعل ومفاعلة، «عاد معاداه» أو «عداءً»، بمعنى بدل أن تقول عدا عدوًا، عدا عداءً، والعداء أيضًا هذه مبالغة من العدو. وطبعًا هي صيغة فيها المبالغة وفيها المشاركة، وفيها المبالغة كذلك دون المشاركة.

فلما رجعت إلى «عاد» وجدت معنى المبالغة موجودًا، المبالغة من العدو موجودة مع الموالاة، أن يقال: «عاد عداءً» على المبالغة في العدو وعلى وصفه وصفًا خاصًا، ليس على جهة التأكيد بذكر المصدر، بل أحيانًا لا تذكر معروف المصدر، يأتي للتوكيد ويأتي لصفات أخرى تضاف إليه، أحيانًا يقتضي المعنى ألا تؤكد بذكر المصدر دون صفة، ولكن لأجل اجتلاب صفة في الذهن، لأن التأكيد بالمصدر لا يستقيم. يعني لو قلت في وصف الفرس: «عاد عداءً» بمعنى جرى جريًا، هذا ليس شيئًا لأن الفرس يوصف بالعدو ولا يفتقر إلى تأكيده.

فهمتوا؟ فعاد «عداءً» لن تقف على التأكيد بالمصدر، فابتداءً لا تصلح أن تكون بمعنى «والى موالاه» وهي ما في كتب الشروح كلها، ولا تصلح أن يكون تأكيدًا فقط، وإنما يصلح أن يكون تأكيدًا بصفة، أو يكون لغرض صفة في الكلام. فظللت مدة في هذا، أروغ الشعر بالشفاه العوامل.

فعاد «عداءً»، ماذا يقصد الشاعر لما يقول «عداءً» ويسكت؟ خلاص، لا تنظر الآن إلى سائر البيت، قف هنا: «فعاد عداءً»، ما الصفة التي يذهب إليها الذهن وهو يأتي على هذا الظاهر التأكيدي بالمبالغة من العدو؟ لم يقل «عدوًا»، «عاد عداءً»، ينصرف الذهن هنا إلى الطول والاستمرار، لا ترى صفة أخرى تحضر، فعداء السرعة لا تحضر هنا. لما تقول الحصان «عاد عداءً» يعني بالغ في العدو وأطال، فعاد «عداءً».

فإذاً هنا أصبح عندنا المبالغة في العدو طويلاً، «عاد عداءً بين ثور ونعجة» دون تمييز. لما نقول «عاد عداءً» بطول المسافة وطول الزمن وفترة طويلة، هل يمنع هذا أن يكون بين ذلك استراح أو مشى؟ هل يمنع؟ لا يمنع. فأراد أن يمنع فقال: «دراكا»، لم يتوقف، تتابعًا، «فعاد عداءً طويلاً بين ثور ونعجة دراكا»، وهنا «ولم ينضح بماء فيغسل».

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر على بيان العرب! يحيى العرب! وصلت! إذا رازت الشعر الشفاه العوامل، فكثر اللحم، فظل طهات اللحم من بين منضج صفيف شواء أو قدير معجل. أولًا هو الطاهي، واحد أو اثنين مع الجماعة الخارجة، فظل طهات اللحم كثروا. ثم القدير، أي المقدور، المعجل يكون في أول اليوم، لا يقال ظل اليوم من أوله إلى آخره بين من يشوي الصفيف وبين من يطبخ القدير، يعني المقدور في القدر. المعجل الحواش يأخذون الكلى والقلب والكبد يعجلونها بالطبيخ، كما قال يعقوب بن السكّيت في الشرح: «القدير بمعنى المقدور يراد به المطبوخ»، وكان من عادة العرب أن يشووا اللحم ولكن يعجلوا بالقطايب، بالكبد وبالكلى وبالقلب يعجلوا بها في القدر مع الماء.

«فظل طهات اللحم من بين منضج صفيف شواء أو قدير معجل». فعاد «عداءً بين ثور ونعجة دراكا»، ومع ذلك «لم ينضح بماء فيغسل»، كما أن غيره سينضح بماء فيغسل إذا جرى جرىً، إشارة إلى أنه يعتاد هذا فصار لا يعرق. «كان دماء الهاديات بنحره»، كان من عادة العرب إذا صادوا بالحصان لطخوا بنان لبانه، صدره، خلاص، لطخوا نحره بماذا؟ بدم الذباح، إشارة إلى أن هذا الفرس هو الذي صاد، ومن كثرة ما صاد ومن كثرة ما لطخوا سالت الدماء خطوطًا جدائل. «كان دماء الهاديات بنحره من كثرة ما لطخنا، وسالت عصارة حناء بشيب مرجل». هذا امرؤ القيس.

شكرًا لكم، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عمتم صباحًا ومساءً، رضي الله عنكم.