دخولتسجيل الدخول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا وسهلا ومرحبا بالكرام، أهلا وسهلا ومرحبا، يا مرحبا يا مرحبا. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد.

أرجو إخوة طمأنتي إلى سلامة البث صوتا وصورة، أرجو طمأنتي إلى سلامة البث صوتا وصورة، وأنا أطمئن من عندي إن شاء الله. يبدو عندي جيدًا، نعم، يبدو عندي جيدًا، ممتاز. يا مرحبا يا مرحبا بالجميع.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد. هذا أخوة مجلسنا الثالث في القراءة والشرح المختصر على اللامية الفحلة للمرادي بن ضرار. يا مرحبا بالجميع، كل من ألقى السلام وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا حياك الله وبياك وعمت صباحًا ومساء، أهلا وسهلا بكم أيها الكرام، أهلا وسهلا بكم. يا مرحبا، تفضل القهوة، بدأنا نشرب المشروبات الساخنة مرة أخرى، بدأنا نتدرج فيها بحمد الله تعالى، والحمد لله صرنا في حال أفضل. الحمد لله رب العالمين.

يا مرحبا أيها الإخوة، أريد قبل أن أبدأ أن أقول شيئًا؛ البعض يرسل إليّ، وللأسف من بدهيات طالب العلم أنه لا يعتبر كل ما قيل قولًا. من بدهيات طالب العلم أنه لا يعتبر كل ما قيل في رتبة واحدة من الاعتبار؛ الذي يتحين قولًا وينتظره وكذا، هو شخص يهوى في هذا القول.

بعض الإخوة راسلني بكلام لابن تيمية رحمه الله، أرى لك ذبتين لم أرهما من قبل؛ كنت قديماً قبل سنوات أرسلهما، لكن ظللت أربطهما وأنسى إرسالهما، فصرت أرسل هيا حتى لا أمل. والبعض قال لي: الإرسال لا يليق مع الصلعة، فالربط يليق، والتعقاص يليق، يليق مع الصلعة. فلما قالوا لي الإرسال لا يليق مع الصلعة، أرسلته حتى أفعل ما لا يليق، ها هو أفعل ما لا يليق، ها هو أرسلته مع الصلعة. قلت والله لأفعلن ما لا يليق، هي ستايل وشياكة وأناقة، قلت أنا لسه هسرح وأربط، يلا.

البعض ينقل إليّ كلام ابن تيمية رحمه الله يقول فيه: انظر يا أبا قيس، أنت تبالغ في موضوع اللغة وفي تقديرها وفي كذا وفي كذا، وتقول قال أبو عمرو بن العلاء: «لولا العربية ما تزندق أهل العراق»، ما تزندق أهل العراق إلا لجهلهم بالعربية، هذا قاله أبو عمرو بن العلاء، وكذا وأنت تبالغ في تقويم الشعر أو قيمة الشعر وتبالغ في كذا وكذا.

نقل لي كلامًا عن ابن تيمية رحمه الله وهو يقول: إنما الغاية من الشعر والأدب فهم القرآن والسنة، وبدون القرآن والسنة ما كان للشعر والأدب أو اللغة والبيان فائدة. كلام معناه هكذا؛ يقول قيمتهما في أنهما طريقان، قيمته في أنه طريق يوصل إلى فهم الكتاب والسنة، ولولا الكتاب والسنة ما احتجنا إلى اللغة وما أخذ الشعر قيمته.

طبعًا بقطع النظر عن أننا حين قلنا: «كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر»، لم يكن صاحب القبر ابن تيمية، كان النبي ﷺ. وبقطع النظر عن الخلاف في ابن تيمية هل هو عربي أم تركي، هل هو عربي أقام في حران في تركيا، أو من الترك أو الأكراد، بقطع النظر عجمي بالأصالة، وبقطع النظر عن كل هذا، وبقطع النظر عما قاله العلماء من أن الصد عن الشعر صاد عن سبيل الله، وليس على الدرجة التي قالها ابن تيمية كأنه يستهين بها.

وللأسف الشديد -وأنا كلامي بعيد عن الطوائف، بعيد عن الأشعرية وبعيد عن السلفية والوهابية والشيعية، بعيد عن كل هذا، أنا أعرف ما بين هذه الطوائف وابن تيمية وكذا- بقطع النظر عن كل هذا، رأيت الذين يصدرون ابن تيمية في الشواهد وفي كذا، رأيتهم يعاملونه على أنه الكامل في كل شيء. وأنا لما أراه في تاريخه أراه عالمًا من العلماء، له وعليه، عنده جوانب قوة وعنده جوانب ضعف. لم أرَ له شواهد على أنه ناقد أديب مثلاً، على أنه من نقاد الكلام كابن جني مثلاً، أو كصاحب الوساطة أو الآمدي أو أحد من هؤلاء، ليس كواحد من هؤلاء، لم أره له هذا البروز وهذه الصدارة في شيء من هذا.

يتكلم معك الذين يحتفون بابن تيمية وكذا يقولون لك: هو الإمام في كل شيء، في كل شيء! من أين يا حبيبي؟ من أين في كل شيء؟ هو ابن تيمية وتراثه أمامنا، ليس فيه ما يدل على أنه من نقاد الكلام، العلماء الأفذاذ نقاد الشعر، ليس فيه ما يدل على هذا وإلا كنا اعتمدناه. لو كان له من هذا التراث كنا سنعتمد، بل كلامه في الشعر والأدب وإن الشعر فقط طريق إلى اللغة وطريق إلى فهم القرآن والسنة ولولا ذلك ما كان... بقطع النظر عن هذا، أقول بقطع النظر عن كل ذلك: كيف غاب؟

كيف غاب أن الله تعالى حين اختار اللغة التي ينزل عليها كتابه المعجز، إنما اختارها أفضل اللغات في أفضل الأقوام؟ وإن هذه الأفضلية تعطي قيمة ذاتية للبيان واللغة. هذا أولاً، من جهة الدين؛ الله تعالى اختار أفضل اللغات لأفضل الأعراق والأجناس وهم العرب، والله تعالى جعل ذلك فضلاً ذاتياً في العربية، فكيف لا نقول ليس في العربية من قيمة سوى هذا؟ لولا ذلك لكانت كغيرها.

وشيء آخر أيها الإخوة، شيء ثاني؛ أنا لا أدري كما أقول عند الهوى وعند الحب، الأشخاص تسقط لديهم البديهيات، تسقط العلوم، تسقط المعارف، يسقط ويتعطل العقل عند ابن تيمية؟ يتعطل العقل؟ لا والله لا يتعطل، كلامه هنا ضعيف جداً.

كان ضعيفًا جدًا، وكما قلت ليس كما تقول إنه إمام في كل شيء، والله لو كان إمامًا في النقد لحضر عندنا في النقد، لكنه ليس حاضرًا عندنا في النقد؛ هناك من جاء بعده وهو حاضر، أما هو فليس بحاضر عندنا. قد يكون إمامًا في مذهبه الحنبلي، قد يكون إمامًا في مذهبه الكلامي، وهذه مشكلته مع الأشاعرة، وليست مشكلته الآن، مشكلته مع المتكلمين ومع الشيعة ليست مشكلتنا الآن.

كيف يتعطل العقل عند الكلام؟ أو عند ورود الأسماء؟ كيف تذكر؟ لا، والله ليس كذلك، ليس كما تقول. أقول شيءًا آخر: كيف غاب عن ابن تيمية ما أجمعت عليه الأمم، وما سما العرب، من أن بيانها هو قيمتها في ذاتها واستقلالها وهويتها؟ كيف يقول ابن تيمية: «لولا أنه طريق إلى القرآن والسنة ما كانت له قيمة» أو شيء من هذا؟ لا أذكر الكلمة الحقيقة، يعني مرت عليها ولم أحققها بالضبط، لولا كذا لما كانت له هذه القيمة أو ما كانت له قيمة، وإنما غايته الكتاب والسنة.

كيف نصير هملاً؟ كيف لأمة دون لسانها؟ كيف نرى أمة دون لسانها؟ كيف غاب عنه هذا؟ فهذا ربما والله تعالى أعلم يرجح عندي أنه ليس عربيًا بالأصالة. هم يقولون هو عربي، والبعض يقول هناك خلاف في ابن تيمية هل هو عربي؛ فالبعض يقول عربي حراني، والبعض يقول لا هو كردي أو تركي، عمومًا في الجملة كردي مثلاً. هذا الفهم قد يرجح عندي أنه ليس عربيًا بالأصالة؛ لأنه لا يوجد عربي يقول هذا، ليس عنده في عصره هذا التمسك وهذا الاعتداد بالعربية والبيان بحيث يقول: لولا أنه طريق إلى الكتاب والسنة لما كانت له قيمة. لا يوجد عربي يقول في الشعر ليست له قيمة.

وإذا لم تكن مسلمًا فعندك نسب لا تنفك عنه؛ يعني لو أنك الآن -والعياذ بالله- خرجت من الإسلام فأنت عندك نسب تنتسب إليه، لو أنك خرجت من كل القيم وعندك نسب لا يمكنك أن تنفك عنه وتظل تشرف به، عندك حسب، وعندك بيان ولغة تنتسب إليها. الإنسان دون هذا همل، والإنسان إن خرج من الدين لا يخرج من كل القيم. إذا خرج من الدين يصير كالحيوان، كالكلاب الضالة في الشارع، لا يخرجون من الدين ويتمسكون بالشرف والهوية والبيان والانتساب، لأن الإنسان كائن راقٍ، كائن جعل الله تعالى له السلطان في الأرض وجعل له معانٍ يتمسك بها، أمورًا معنوية، جعل له أمورًا تتعلق بحسبه ونسبه وفعاله.

حتى قالت الجاهلية: «الناس أحاديث»، كانوا حتى يتهاتفون على الموت لأن الذي يهمهم يعتقدون أنه لا آخرة لهم، فيموتون؛ ضربة سيف وانتهى، وإذا أُسر أحدهم ربما نحر نفسه أو قتل نفسه، اعتمد على الرمح وأخرجه من ظهره حتى لا يذل، كانوا يفعلون هذا. فلان في الحرب إذا وجد نفسه لا يقاتل وسيؤسر نحر نفسه؛ لماذا؟ لأنهم لا يؤمنون بآخرة، فعندهم «الناس أحاديث»، يبقى ذكري.

لهذا كانوا يبذلون كل ما في أيديهم، وكانوا يقاتلون حتى التفاني لأن الناس أحاديث، فالإنسان له قيمة. فكيف نقول لولا البيان ولولا كذا؟ المجتمع الوثني الجاهلي الذي ليس عنده آخرة، عنده شعر هو أعلى شعر على مدى التاريخ، ويظل أعلى طبقة على مدى التاريخ، المجتمع الجاهلي الوثني الذي هو ملحد في أمور الآخرة، عنده بيان ندرسه الآن، هو أمامنا الآن. هذا نتاج الإنسانية، نتاج الكرامة والعزة، نتاج الفطرة التي فطر الله الناس عليها. قالوا شعرًا وهو الطبقة الأعلى من الشعر على التاريخ كله، فكيف نقول لولا ذلك ما كان؟

فهذه إما هفوة من ابن تيمية رحمه الله، أو ربما لأنه ليس عربيًا بالأصالة فلم يدرِ عن العربية إلا هذا القدر، أن الله تعالى أنه طريق لإفهام القرآن والسنة ولولا ذلك ما كانت له قيمة. لا يوجد عربي يقول هذا، ليس في زمنه ليس متأخرًا شديدًا. فأرجو، ليس كل ما يُسمع يقال، وليس كل ما يقال يُعتبر، ولا نقول: «آه هذا كلام ابن تيمية»، بل نقول أخطأ، انتهت. هي هينة جدًا، خالف العقل والنقل، وخالف عادات العرب وعادات العلماء وكلامهم جميعًا.

أنا لا يهمني أن ابن تيمية هو الذي قال، الكلمة ربما لم أضبطها عنه أصلاً، تهمني الفكرة؛ ليس كل من جاءك بشيء أخذت به أو صدقته، ليس أحد منهم ﷺ. ولو كان ابن تيمية إمامًا في كل علم لاعتبرناه عندنا، لكن لم نعتبره.

أذكر أنه نُقل عنه أنه قال لما اعترض على سيبويه، فقالوا له سيبويه يخالفه، فقال: «سيبويه ليس نبيًا». ويوجد واحد على وجه البسيطة يقول إن ابن تيمية أحنى من سيبويه! هناك أغبياء، بمناسبة هناك حدثاء أسنان يقولون هذا، يقولون ابن تيمية أحنى من سيبويه، وهو لا فهم ولا درس النحو، ولا فعل أي شيء إلا قال ابن تيمية أحنى من سيبويه، يا بلاش! لكن ابن تيمية نفسه لما قال مسألة في النحو وخالف سيبويه قال: «سيبويه ليس نبي النحو». طب هل نحن أخذنا بقول ابن تيمية في هذه المسألة؟ هل اعتبرناه قولًا يقابل سيبويه؟ أبدًا، الكلام مرَّ وانتهى.

لو كان ابن تيمية إمامًا في البيان وفي نقد الكلام وفي التذوق، لما كان ظاهرًا عندنا ليس معتبرًا عندنا، وليس معتبرًا عند النحاة، بل يعتبر قوله ومذهبه.

يقول الأخ الآن: سيكتبون تغريدات يكفرونك، فلا أعرف؛ هذه وظيفتهم، تغريدات وظيفتهم ماذا؟ هل يناقشون؟ هل يقابلون المنطق بالمنطق؟ نرى كلامهم الذي ينشرونه بثقة ونضحك منه كما ترون الآن، كلما تكلموا أضحكوا الناس عليهم.

الناس في العشرين عامًا الأخيرة يختلفون عن الذين قبلهم، العامة في الألفية الثالثة من بعد الـ 2000 يوجد جيل يختلف عن الذي كان قبل الـ 2000؛ ممن يسمع للمشايخ دون اعتبار، هناك مستوى من التعلم حصل، وهناك مستوى من الجهل أيضًا، لكن أيضًا هناك مستوى من التعلم وقع، وصار الكلام ليست له حرمة لذاته، وإنما يتدبر وينظر فيه أو يقابل بنوع من الاختبار.

انتشر العلم قليلًا وتقلص الأدب، لا الأدب ليس موجودًا أصلاً، الأدب بدأ يظهر في السنوات الأخيرة، أقصد الأدب يعني الأخلاق، لا، هذا غير موجود أصلاً مطلقًا، الوضع معقد. لكن بالنسبة للأدب الذي هو الشعر وعلم الشعر وكذا، لا، هذا بدأ له ظهور والحمد لله، وبدأ يحصل به وعي والحمد لله.

فقد اطمأننت اطمئناناً أخيرًا على البث من هنا.

قال المزرد بن ضرار: صحَّ القلبُ عن سلمى وملَّ العواذلُ .. وما كاد لآيٍ حبُّ سلمى يزايلُ صحَّ القلبُ عن سلمى وملَّ العواذلُ .. وما كاد لآيٍ حبُّ سلمى يزايلُ فؤادي حتى طار غيُّ شبيبتي وحتى وخط من الشيب شامل يقنه ماء النائ تحته شكير كأطراف الثغامة ناصل فلا مرحبًا بالشيب من وفد زائر .. متى يأتي لا تحجب عليه المداخل وسقيا لريعان الشباب وسقيا لريعان الشباب فإنه أخو ثقة في الدهر إذ أنا جاهل والهو بسلمى وهي لذ حديثها لطالبها مسؤول خير فباذل وبيضاء فيها للمخالم صبوة ولهو لمن يرنو إلى اللهو شاغل ليالي إذ تصبّ الحليم بدلها ومشى خزيل للرجع فيه تفاتل وعيني مهات في صوار مرادها رياض سرت فيها الغيوث الهواطل وأسحم ريان القرون كأنه أسود رمان السباط الأطاول وتخطو على برديتين غذاهما نمير المياه والعيون الغلاغل فمن يك أعزال اليدين مكانه إذا كشرت عنا بها الحرب خامل فقد علمت فقيان ذبيان أنني أنا الفارس الحامي الذمار المقاتل وإني أرد الكبش والكبش جامح وإني أرد الكبش والكبش جامح وأرجع رمحي وهو ريان ناهل وعندي إذا الحرب العوان تلق قحت وأبدت هواديها الخطوب الزلازل طوال القرى قد كاد يذهب كاهلا جواد المدى والعقب والخلق كامل أجص صريحي كأنه صهيله مزامير شرب جاوبتها جلاجل متى يرى مركوبًا يقلباز قانص، وفي مشيته عند القياد تساتل تقول إذا أبصرته وهو صائم: خباء على نشز أو السيد ماثل خروج أضاميم وأحصن معقل إذا لم تكن إلا الجياد معاق مبرز غايات وإن يتعانه يذرها كذود عاث فيها مخايل يرى طامح العينين يرنو كأنه مؤنس ذعر فهو بالاذن خاتل إذا الخيل من غب الوجيف رايتها وأعينها مثل القلاه حواجل.

أخونا الشيخ خالد نقل قولًا عن ابن تيمية: «ويعذر من قال الشعر بغير أوزان العرب». تقصد يعذرها؟ نعم. تفاعلوا مع البث يا إخوة حتى يصل إلى الناس. قطع النظر يا شيخ خالد، هذا القول يقوله ابن تيمية أو يقوله غيره، بقطع النظر عن هذا في الأخير؛ الكلام موجه أو مسقط على من يقول مثل هذا الكلام ويستهين به، أو يهون من شأنه بهذا القدر. وكأنه يقول ما كان للسان العرب مزية ولا كان للانتساب إلى هذا اللسان مزية لولا أنه طريق لفهم القرآن والسنة، هكذا فهم، وهذه قضية أقرب بكثير من إدراك الإعجاز أصلاً.

يقول: «وقلقلته»، يعني أذهب لحمه من كثرة السير ومن شدته وطوله وقلقلته، حتى كان ضلوعه سفيف حصير فرجته الروامل. الروامل هي النسوة التي يعملن الحصير.

قال النابغة الذبياني: «كان مجرَّ الرامسات ذيولها.. عليه حصيرٌ نمقته الصوانع». فهذه الروامل، وسفيف الحصير أي نسيج الحصير ما سُفَّ منه. فيقول: «وقلقلته حتى كان ضلوعه سفيف حصير فرجته الروامل»، أراد أن ضلوعه من شدة ما مشى به وكذا ذهب الدهن الذي يكون تحت الجلد واشتد، ليس من النحافة والضعف، لا، هو تام الخلق كما ذكر، لكن اشتد لحم الضلوع حتى إنها تقسمت فصارت كسفيف الحصير فرجته الروامل.

قلقلته يعني أذهب لحمه من السير من طول السير، حتى كان ضلوعه سفيف حصير، نسيج حصير أحكمت صناعته وجعلت بينه فروجًا، فهذا كما قلت إشارة منه إلى أنه يبس لحمه، وليس أنه العظم بارز، لا، لكن لما يشتد لحم الضلوع ويبس، تظهر الضلوع من تحت الجلد ويذوب الدهن الذي يكون تحت الجلد ويشتد ويتيبس اللحم، فهنا تظهر الضلوع من الجلد بينه شديدة.

«يرى الشد والتقريب نذراً إذا عدا»، وهما نوعان من الجري؛ شد وتقريب، لا يعدو إلا ويسلك الشد والتقريب. «وقد لحقت بالصلب منه الشواكل»، وشرحت هذا البيت أمس؛ الشواكل هذه تحت، وقد لحقت بالصلب، بالصلب يعني بالظهر، أي أدركته كأنها التصقت به.

يرى الشد والتقريب نذرا إذا عدي، وقد لحقت بالصلب منه الشواكل، له طحر عوج كان مضيغها. والمضيغ هو اللحم.

يقولون: قال الأصمعي اشتق لها من قولهم طحره؛ من أين جاءت الطح؟ ماذا هي الأضلاع؟ من أين جاءت؟ قال الأصمعي: اشتق لها من قولهم طحره إذا دفعه وباعده، لأن اللحم قد ذهب عنها؛ طحر يعني طهر عنها اللحم، أبعد عنها اللحم، فصارت هكذا مشدودة. له طحر عوج كان مضيغها، المضيغ هو اللحم.

قداح براها صانع الكف نابل. القداح هنا السهام، قداح براها صانع الكف، يعني حاذق الصناعة، حاذق الكف في الصناعة، حاذق الكف لطيف. قالوا والنابل، أما أرادوا أنه صانع النبال، أو هو الحاذق، كذلك يستعملون النابل في الحاذق.

تعال نرى ما قاله الأنباري في هذا، قال: والنابل الحاذق. وصانع الكف يعني حاذق الكف لطيف، والنابل الحاذق. فيقول له: طحر عوج كان مضيغها، قداح براها صانع الكف نابل؛ أي حاذق الكف خبير، أنه صقلها حتى لا ترى عليها أثراً للحم. له طحر عوج كان مضيغها، قداح براها صانع الكف نابل.

وربما نابل هنا بمعنى صانع، يعني هو الذي يكون نابلاً يرمي بالنبل، أو صانع النبل؛ صانع الكف نابل، فالنابل هو الذي يصنع النبل، فعلى ذلك هو صانع الكف، يعني خبير، فنابل هنا بمعنى صانع النبل وصانع السهام، تكون جائزة بمعنى منحوت نحتاً بالضبط.

له طحر عوج كان مضيغ، قداح براها صانع الكف نابل، هذا كله وصف للفرس. وصم الحوامي؛ وصم يعني صلب، والحوامي يريد الحوافر بجوانبها، يريد الحافر، كما قال البعض أيضاً: ميامن الحافر ومياسره، يعني جانباه. ما أحاط بالنصور، ما أحاط وحفظ القلب.

فيقول: وصم الحوامي، يعني أراد أن حوافره هذا القالب القوي الذي يحفظ بطن قدمه. قال: صم الحوامي، وهذا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، صم الحوامي، والصم يعني الصلب، كأنه قال صلب الحوامي. ما يبالي إذا جرى، لأن كل فرس له نقطة ضعف في بطن حافره، فلذلك هو له صم الحوافي أو الحوامي ما يبالي إذا جرى.

أوعث نقا؛ وعث يعني لين، اللين الدمث، اللين السهل. أوعث نقا، عنت له أم جنادله، لا يعنيه يجري في حجارة أم يجري في رمل. الذي يركب الخيل يعلم أن الفرس إذا جاء في الرمال أو الأرض الناعمة ربما أطمعته في سرعة الجري، وأما عند الحجارة فقد يحترس. تراه لا سيما على الأرض الصلبة كالأسفلت، تراه يحترس وهو يمشي، وهذا يؤذيه بالمناسبة؛ لأنه يشرخ هذا الحافر.

الحافر هذا عبارة عن قطعة ميتة من العظم تنبت كالظفر، في الأماكن الصلبة يتشرخ. ولذلك في كل فترة يخلعون الحدوة ويبرونها، فتراهم وهم يبرونها بعضها تراه متكسراً مشققاً، يتساقط وتراه فيه شروخ؛ لماذا؟ هذا من الضرب على الأرض الصلبة، فهذا يؤذي حافر الفرس. ولهذا السهل أو الصواب في الفرس أنه في الأرض التي هي صلبة تماماً وحجارة قوية أن تترفق به، وكذلك تحترس في الرمال الناعمة جداً، هذا أيضاً يؤذيه.

وصم الحوامي ما يبالي إذا جرى، أوعث نقا، النقى التراب، وعث يعني لين، أوعث نقا، عنت له يعني صادفها أم جنادل، جنادل يعني حجارة. له طحر عوج كان مضيغها، قداح براها صانع الكف نابل، وصم الحوامي ما يبالي إذا جرى، أوعث نقا عنت له أم جنادل، وسلهبة جرداء.

وسلهبة جرداء، معطوف على ماذا؟ تذكرون: طوال القرع وسلهبة جرداء. السله الطويلة من الخيل، كل الإضافات إلى أن تنتهي الإضافات قبل آخر القصيدة، كل العطف إلى قبل أن ينتهي العطف في آخر القصيدة أو قبل آخر القصيدة، هو على البيت السادس عشر حتى نفهم بناء القصيدة ونرتاح من الآن. الجرداء هي قصيرة الشعر، بمنج جرد قيد الأوابد، هكذا كما تقول، زيتية، يعني كأنها مدهونة بالزيت، كأنه ليس لها شعر من قصر الشعر وكثافته ودقته، كأنها زيتية.

وسلهبة جرداء باق مريسها، المريس هو الشدة والصبر في السير، وسلهبة جرداء باق مريسها، موثقة قوية الخلق، مترابطة قوية أسر البدن، موثقة مثل الهراوة. حائل، حائل يعني لم تحمل، فهذا يقولون يكون أقوى لها وأشد لها إذا كانت منعت من الحمل والرضاع، فهذا لا يستهلك قوتها، لا يستنزف قوتها.

وقال: مثل الهراوة، طبعاً أول من شبه الخيل بالعصا أو الهراوة هو امرؤ القيس، وأين هذا؟ في قصيدته «ألا عم صباحاً»، في قصيدتها لما قال: وقد اغتدي والطير في وكناتها ... لغيث من الوسمي رائده خالي تحاماه أطراف الرماح تحاميا ... وجاد عليه كل أسحم الطال بعجلزه قد اترز الجري لحمها ... كميت كأنها هراوة من حائل

مثل الهراوة، هراوة المنوال، المنوال يا إخوة آلة قديمة نوعاً ما، كانوا يغزلون عليها الصوف أو الأثواب عموماً، يأتون بالوبر والشعر وكذا، ويخرج هذا الغزل على جذع طويل. رأيت صورة قديمة لهذا المنوال وفهمت منها التشبيه، هو شيء بحجم هذا المكتب تقريباً أو أكبر، يبلغ مترين أو أكبر قليلاً، وفيها هذه العدة والأشياء التي يغزل فيها. وفيها جذع تدار عليه الأثواب، هذا الجذع من كثرة ما يتلقى الصوف ويدور عليه الصوف يصير مع الوقت ومع طول الاستعمال أسطوانياً مسقولاً، يصير كأنه الرخام لامعاً، مسقولاً. فامرؤ القيس شبه جذعها المبروم الطويل القوي بهراوة المنوال، فقال: قد اترز الجري لحمها، أي يبس الجري لحمها، كميت كأنها هراوة من حائل، شديدة.

«كميت، كأنها هراوة من الجذع، من أول كتفيها إلى عجزها أو إلى حوضها كله هكذا، كأنه هراوة في استقامته واستدارته ولمعانه وقوته». وكلهم أخذ من امرئ القيس هذا التشبيه؛ هو أول من شبه الخيل بالعصي، وهذا معنى تشبيه الخيل بالعصي، لا العصا، بل الجذع؛ الخشبة الأسطوانية السميكة التي يدار عليها الثوب، الذي يخرج من كثرة الدوران تستقيم استدارتها وتكون مصقولة كالزجاج، هكذا كالخشب المخدوم. هنا قلنا نعرفها في الجزائر: المنسج.

«وسلهمبة جرداء باق مريسها، موثقة مثل الهراوة حائل في كل شيء». هو ينتظر منك أن تتذكر أنه يضيف على ماذا، أنه يعطف على ماذا. وعندي إذا الحرب العوان تلقحت، وأبدت هواديها، الخطوب الزلازل، سلهمبة جرداء. ينبغي أن تتذكر البيت الخامس عشر كاملاً: «وعندي إذا الحرب العوان تلقحت، وأبدت هواديها الخطوب الزلازل، سلهمبة جرداء».

«كميت، عبنات السراتة». «عبنة» يعني شديدة قوية متماسكة موثقة الخلق شديدة، والسراط هنا الظهر. يقول: «كميت»، أيضاً هذا من امرئ القيس، أكثر من وصف الخيل بعد امرئ القيس أخذ من امرئ القيس. بالمناسبة هذه قاعدة: أكثر من وصف الخيل بعد امرئ القيس أخذ من امرئ القيس.

الآن كيف ولماذا؟ وعندي أن البحتري لما صنع هذه القصيدة، لما صنع قصيدته اللامية: «أهلاً بذلكم الخيال المقبل»، كان ينظر إلى بناء هذه القصيدة وبعض تفاصيلها وأجزائها. يقول: «كميت»، واضح أنه متأثر، من مقاس أدرجه الجنون؛ مش الجنون هذا العادي، هذا ليس جنوناً يا رجل. صحيح يا خالد الشيباني، امرؤ القيس كل شيء أسهب فيه صار مصدراً فيه. امرؤ القيس تقريباً ما أمسك شيئاً إلا وأسهب فيه، حتى أبيات الليل على قلة عددها أسهب في التفصيل فيها.

انظروا يا إخوة امرأ القيس ماذا يقول: «كميت، يزل اللبد عن حال متنه، كما زلت الصفواء بالمتنزل». اللبد قطعة من الصوف أو القماش توضع على ظهره. «كميت» يعني الأحمر الضارب إلى السواد، والعرب ترى أن الخيل الذي يكون أحمر ضارباً إلى السواد يكون لحمه يابساً وجسمه أملس، ولهذا قال «كميت» فرشح لهذه الصفة، ثم قال: «يزل اللبد عن حال متنه». يعني اللبد الذي يوضع، الفرش الذي ربما يوضع كشيء يشبه البساط هكذا يوضع تحت السرج. قال من نعومة ظهره وزيتية متنه.

«يزل، يفرط، يكر، يكر». تعرفون يفرط؟ يكر. ولهذا قال امرؤ القيس؛ ليس امرؤ القيس عجيباً، لا يضع حرفاً إلا في مكانه. يقول: «كميت، يزل اللبد عن حال متنه، كما زلت الصفواء». الصفواء هي الحجر الأملس، «كما زلت الصفواء بالمتنزل»، ليس بالمطر المتنزل، بل المتنزل السريع الشديد؛ لأنه ينزل فينفرط سريعاً على الحجر الأملس. فامرؤ القيس لما رأى اللبد يزل عن حال متنه لم يتعلق، لم يتزحزح، لم ينزل بخشونة، فينزل هكذا يتعلق قليلاً ثم ينزل، لا، انفرط، انفرض.

«كما زلت الصفواء بالمتنزل». المطر المتنزل زلّ شديداً على الحجر الأملس، فهو يكر مثل كر الصوف، انزلق بالضبط؛ يعني لم يتعلق بشيء من الخشونة لأن ظهره أملس زيتي. «كميت زيتي» هكذا، يا لِعضلاته! كأنه ليس له شعر، لأن الشعر قد يعلق مع اللبد، فليس هناك شعر. «كميت يزل اللبد عن حال متنه كما زلت الصفواء بالمتنزل». وقال «بالمتنزل»؛ لأن البعض قد يقول لك أتى بها على صيغة المبالغة «المتفعل» لأجل القافية، لكن لا، هو أتى بها هكذا لأن المتنزل هو النازل سريعاً على الصفواء، فيرمز إلى سرعة الانزلاق، يشير إلى سرعة الانزلاق، فكذلك هذا اللبد انزلق سريعاً على ظهره كالمتنزل على الصفواء.

نظر المزرد بن ضرار إلى هذا البيت عند امرئ القيس وقال: «كميت»، ها فاكر أنه مش هيكشف؟ «كميت، عبنات السرات، نما بها إلى نسب الخيل الصريح، وجافل فحلان قديمان». يقول: نما بها، رفعها، أما «كميت عبنات السرات» من امرئ القيس، واضح. صار واضحاً: «كميت عبنات السرات» يعني شديدة الخلق، المتماسكة المتلاحمة، عبنات الظهر قطعة واحدة هكذا. فهو لاحظ في امرئ القيس وأخذ وبنى عليه، أو استلهم. هنا يقول النقاد: كان ينظر إليه، هو استلهم الكلام، استلهم الصورة.

نحن سنكتشف الآن يا عم خالد من أين أخذ وعمل أين مكر الشعراء هذا. وهو هنا مكر، بالمناسبة هو لم ينسخ من القيس، هو استفاد من صورته وجعلها في ربع شطر، ربع بيت، يعني في نصف شطر: «كميت عبنات السرات»، والباقي هذا من عنده. «كميت عبنات السرات، نما بها إلى نسب الخيل الصريح وجافله». هو استفاد استفادته.

ولذلك يا إخوة، وأنتم لما تدرسون الشعر لا تحاسبوا الشعراء على ما أخذوا من هذا ولم يأخذوا، حاسبوا الشعراء على البيت: «كميت عبنات السرات نما إلى نسب الخيل الصريح وجافله»، هذا معناه صحيح أم لا؟ هل الشعر رفيع أم متوسط أم نازل؟ هكذا تحاسبون الشاعر. أما تقول استفدت ما يستفيد، المعنى لما يأتي أمامه وهو يعجبه، المزرد جاء بعد جمع من الشعراء القدماء الذين سبقوه، طبيعي يأتي المعنى أمامه. الذي يصف الخيل ولا ينظر إلى امرئ القيس متكلف وحمار، أنا آسف. الذي يريد أن يصف في الأطلال ولا يقرأ كلام القدماء في الأطلال أحمر منه، المعاني موجودة. انظر كيف يقولون، هذا طبيعي. ومن يصف الخيل لن ينظر إلى القيس كيف وصف، سيهتم بوصف الخيل، لن ينظر إلى الأبيات الأربعة والخمسة لامرئ القيس في وصف السحاب وتتبع البرق ولا ينظر إلى امرئ القيس وأوس بن حجر.

المسبطرة: المنقاد في السير السريعة، قالوا هذه المسبطرة كأنها الممتدة، يعني من المسبطرات الجياد. قالوا بكسر الفاء من الجودة، بفتح الجيم وضمها أسفل من الجودة، والجودة بفتح الميم وضمها، وأراد بها هنا السرعة؛ من المسبطرة يعني المنقادات في السير الجياد المسرعات.

الطمرة: قالوا الطمرة هي الوثابة، قيل فيها أكثر من قول، والذي يظهر هنا والله أعلم أنها الوثابة، نرى ما قال الأنباري فيها؛ يقول: المسبطرة المنقاد في السير السريعة، وضرب من السير يقال له المسبطر صفة له، قال: والجياد فعال من الجودة، والجودة وهي السرعة، والطمرة القفوز الوثوب.

السبسب: المتسع من الأرض والمتماحل المنقاد إلى مثله، يقال سبسب وبسبس، ويجمع على بسابس وسباس. بعضهم قال المسبطرة هي كذا والطمرة المشرقة إلى آخره، والبعض قال المتماحل؛ المتماحل هو البعيد ما بين الأطراف، يعني السباس، السبسب المتماحل يعني هذه الأرض الجرداء الواسعة المفازة الواسعة جداً التي تباعدت تماحلت تباعدت أطرافها.

ضحكونا على ماذا؟ على قضية الذي يأتي أمامه المعنى ولا يصل، هي معاني، أنت ستستفيد من الشعراء ومن غير الشعراء ومن إبداعات نفسك، والقصيدة في الأخير لا يُسأل فيها. شوف هذه نقطة مهمة يا إخوة، القصيدة لا يُسأل فيها هذه الأسئلة؛ لا يُسأل فيها من أين أتيت بالمعاني، ولا يُسأل فيها ما إبداعاتك فيها وما إبداعات غيرك، هذا صعب، ولا يُسأل فيها ما الحقيقي منها وما هو غير حقيقي؛ لا يُسأل هذه الأسئلة؛ لأن هذا صعب على الشاعر نفسه أن يجيب.

يا إخوة، الشاعر صعب، صعب جداً أن يجيب. الشاعر ماذا يفعل؟ إذا أمامه قصيدة يريد أن يؤدي خيالاً شعرياً، يعني تخيلاً، إنهاذا كل ما تحت يده. بل عارف أنت، "تربة ما تردش ميت" كما يقول في مصر؛ لما بيشوف واحد عمال يأكل أي حاجة يقول لك "تربة ما تردش ميت". الشاعر في المعاني "تربة ما تردش ميت"، يلقط موقفاً حصل له، يأخذ المعنى، هذا الموقف تولد منه موقف، موقف حصل لصديقه يأخذه، هو قاعد على طاولة في نادي يسمع قصة، لقط المعنى وركبه مع معنى عنده، دخل الأمور في بعضها، هو لن يستطيع أن يشرح لك ما الحقيقي من غير الحقيقي.

ما المعنى الذي أخذته من امرئ القيس من غير امرئ القيس؟ يعني تعالى المزرد بن ضرار هنا المزرد بن ضرار يقول: كميت عبنات السرات... لو أنك سألت المزرد، تخيل هل أخذت المعنى من امرئ القيس؟ هو سيقول المعنى عند امرئ القيس وأنا رأيته، لكن لم أخذه. هو قال: «كميت يزل اللبد عن حال متنه»، فهذا في التمثل الشعري معنى آخر، لكن "كميت عبنات السراء" مستوحى، فممكن المزرد نفسه لا يستطيع أن يجيبك عما هو له وعما هو لامرئ القيس. كذلك لا تسأل الشاعر ما الحقيقي في القصيدة، ما فيش أبيات حقيقية وأبيات غير حقيقية، لا يوجد هكذا، أنت تجد في البيت الواحد يتماهى الحقيقي وغير الحقيقي.

حصل موقف قديم قبل سنين طويلة، يقرب من أعوام، كنت مدعوًا في مكان ما، وكانت هناك فتاة جميلة نوبية من النوبة في مصر، كانت أعينها جميلة جداً جداً، وكأنها كانت تعرفني أو نحو ذلك، فنظرت نظرة فيها إعجاب وتحدٍ، فأنا خجلت، أدرت ظهري وانصرفت. لكن كانت عينها جميلة جداً، واضح أنها كانت تعرف قوتها، أعينها معناها نوبية سمراء وتعمل شعرها جدائل وأشكال غريبة، فنظرت إليّ نظرة فيها إعجاب ودلال وتحدٍ، فأنا ارتبكت وأحرجت، أدرت ظهري وانصرفت.

طبعاً نحن نغض البصر ولكن لا نغض القلب ولا القلم، فبينما أنا راجع في الطريق ارتجلت أربعة أبيات، قلب هائج بقى وشغل ونظرة، فقلت: نظرت بعين مراهق متمرد .. نظر العنيد إلى وجوه اللوم فأجبتها بالمثل نظرة حاذق .. خبر الحسان فبات غير موهم لا تحسبي يا بنت قبط إنني .. غر الفؤاد قتيل عين أو فمي لا تحسبي يا بنت قبط إنني .. لهف الغرام لكل طرف مرتمي

تيجي تسألني ما الحقيقة؟ أقول لك هذه ثمانية أشطار، الحقيقي الشطر الأول والباقي هبد، تفريغ مشاعر كما يقول. نظرت بعين مراهق متمرد، يلا شكراً، نم روح نم، مش أنت عايز شعر حقيقي؟ نظرت بعين مراهق متمرد، رحنا، ليس له معنى، لكن القصة، قطع النظر كان نظمه أو فيها صبغة شعرية؛ نظرت بعين مراهق متمرد، نظر العنيد إلى وجوه اللوم، فأجبتها بالمثل، نظرة حاذق خبر الحسان فبات غير موهم، لا تحسبي يا بنت قبط إنني غر الفؤاد قتيل عين أو فمي، لا تحسبي يا بنت قبط إنني لهف الغرام لكل طرف مرتمي. جاءت هكذا.

فسؤال الشاعر عن أي شيء؟ ما الذي في قصيدتك الحقيقة وما الخيال؟ هذا غلط، هذا غلط غلط غلط.

من المسبطرات الجياد، طمرة، يعني من المسرعات المنقادات التي تجود من الجودة، والجودة تجود بسيرها، طمرة، وثابة، لجوج، اللجوج التي هي لجوج في العنان، تترامى في العنان، يعني أنت تمسك العنان وهي تظل تطعن فيه، لجوج. هواها السبسب المتماحل، هواها السبسب المتباعد الأطراف، هو هواها، تحب أن تنطلق إلى السبسب، الأرض الجرداء المتباعدة الأطراف، بالضبط، عنيدة واسعة، من المسبطرات الجياد، طمرة وثابة قفوز، لجوج في العنان، لجوج، تكرر لجاجه، لها لجاجه في العنان، لجوج، هواها السبسب المتماحل صفوح بخديه، هذا تشبيه غريب.

هذا تشبيه غريب: صفوح بخديها، صفوح على وزن فعول للمبالغة، صفوح بخديها وقد طال جريها، إذا جرت تراها تصفح بخديها، تنظر يمنة ويسرة من النشاط.

نرى تعبير الأنباري، أظنه هو، نعم، أهو صفوح بخديها أي تنظر يمنة ويسرة من النشاط. محققة وشارحة المفضليات؛ المصريان نسخ شرح ابن الأنباري تقريباً، إلا في مواطن يسيرة. فهذا الشرح مفيد خلاصة لما عند الأنباري، لكن الأنباري أفيد الحقيقة، أكثر فائدة وأدق فعلاً.

صفوح بخديها، طبعاً أقول لك الأشد الخصومة، وهو ألد الخصام. صفوح بخديها وقد طال جريها، يعني بعد أن طال جريها وتعبت، تنظر وتضرب بوجهها يمنة ويسرة من النشاط والقوة، صفوح هذه كلها في الحرب أو للحرب. صفوح بخديها وقد طال جريها كما قلب الكف الألد المجادل، الخصم الألد المجادل الذي يجادلك في شيء ويقول لك: «انظر يا هذا لا يعني كذا وكذا». وقد قلب الكف الألد المجادل، قاعد شخص شديد الخصومة لك والعداوة ويجادلك، صار معك في جِد ومتعصب عليك ويضربك.

صفوح بخديها وقد طال جريها كما قلب الكف الألد المجادل يفرطها، يعني يقدمها على الخيل، يفرطها عن كبة الخيل؛ قالوا دفعتها في الجري الدفعة الأولى، يقدمها يفرطها يعني يقدمها على دفعة الخيل الأولى.

مصدق كريم، المصدق تعرفون الشيء، العرب يذكرون المصدق والصدق في الأشياء كما نقول نحن الآن الحقيقة، يستخدمونها في الأشياء الحقيقية، حتى جعلوها شيئاً منفصلاً يسند إليه الفعل، سبحان الله، قال: ﴿يفرطها عن كبة الخيل مصدق كريم﴾، يعني تصديق لما ننتظره منها في نسبها ووجدها، الفحل الذي هو الصريح، وتصديق عراقتها.

هذا يا إخوة موجود، رأيتم اتفاق الشعر مع القرآن الكريم؟ هذا يا إخوة تجدونه في الشعر الجاهلي كثيراً، ربما لا أستحضر الآن صوراً في هذه العجالة، لكن هذا تجدونه لو جلست أسرد لكم من المحفوظ، ستنقف على كثير، تجدونه في الشعر الجاهلي كثيراً، كلمة المصدق والصدق والتصديق، هذه المادة التي تدل على حقيقة الشيء، حتى إنهم لم يجعلوها فقط صفة، جعلوها شيئاً يسند إليه الفعل، كما هنا: يفرطها يقدمها عن كبة الخيل، يقدمها ماذا؟ مصدق كريم، يعني توقعنا، تصديقنا ووثوقنا في نسبها، صدق نسبها وصدق فعالها. صدق هنا معناه صلب.

أرسل إليّ أخونا أبا الصعب القضاعي في التليجرام، هم في الحلقة الماضية، طيب أراجعهم إن شاء الله، راجعهم في اليوتيوب، حاضر إن شاء الله. الله يرضى عليك يا أخ قضاعة، حاضر أنا بحفظ اسمك بس عشان أروح لأبا الصعب القضاعي، وفتيان صدق، رأيتم فتيان صدق، يعني فتيان حقيقيون في صفة الصحبة، وفتيان صدق.

قال: يفرطها عن كبة الخيل مصدق كريم وشد، يعني جري شديد، عدو شديد ليس فيه تخاذل، لا يتخلل رجوع أو تخاذل أو بطء. يفرطها عن كبة الخيل مصدق كريم وشد ليس فيه تخاذل، وإن رد من فضل العنان، تعرفون الذي يقود الفرس، العنان أو الزمام، كلما أطاله أعطاه، فضل العنان معناه أنه أتاح لها في الجري، لأن الفرس إذا جرى طعن في العنان، فكلما أطال العنان أراد أن يأخذ مساحة أكثر، وعلى العكس هنا: «إن رد من فضل العنان» يعني إذا قصر العنان فمعناه أنه لا يسمح لها بالجري.

أسرعت، هوي قطاط، اتبعتها الأجادل الصقور، انظر لقطاة تطير وتهبط سريعاً من الجو هكذا، تهرب من صقور أجادل تلاحقها، الأجادل جمع أجدل، وينتصب انتصاب الأجد البازي أو الشهين، فتخيل سقوط شواهين أو بذاء تتبع قطاة فتنزلقت في الهواء من فوق هكذا تهرب.

مقربة، صدق الكعوب، لم تقتعد غير غارة، مقربة يعني يؤثرها، يكرمها، يحابيها في الإكرام، لم تقتعد غير غارة، يعني لم يركب عليها إلا في غارة، ولم تمتري الأطباء منها السلائل؛ السلائل هي الأولاد، والأطباء جمع طبي بضم الطاء وسكون الطاء، وهي من الفرس بمنزلة الثدي من المرأة، الأطباء يعني أثدائها، أراد الأثداء منها، الحلمات وهذه التي بين أفخاذها. ولم تمتري، لم تمتري يعني لم ترضع، وأصل المري أن يمسح الضرع ويحلب.

يعني لم تنجب هذا يفسر حائل في البيت الثامن بعد العشرين، وسلهبة جرداء، مقربة لم تقتعد غير غارة ولم تمتري الأطباء منها السلائل، لم تترك لتنجب ولم تركب في غير غارة. إذا ضمرت كانت جداية حلب، أمرت أعاليها وشد الأسافل، بالضبط هكذا، يريد أنها لم تحمل فهو أصلب لها، مفهوم؟ الجداية قالوا هو الظبي الذي أتى عليه ستة أشهر أو نحوها، تقل الذكر والأنثى جداية.

يقول: إذا ضمرت يعني إذا اشتد جريها والحرب عليها والسير بها فضمرت كانت جداية حلب، والحلب قالوا نبت يخضر قبل الصيف، يعني كان الظبي يرعى في هذا المكان، فيقولون شبه الفرس بالظبي رعى هذا النبت، وقد رعى قبله الربيع فاتصل ربيعه بالصيف فسمن وقوي، يعني يقول هي مهما ضمرت تبدو قوية حسنة الغذاء كظبي رعى في هذا المرعى. أمرت أعاليها، أمرت يعني قويت فلت، لحمها صار مفتولاً.

مفتول كالحبل هكذا؛ أمرت أعاليها؛ لأن أعاليها فيها اللحم من أول الأكتاف والأفخاذ والرقبة، فيقول: «أمرت أعاليها»، وتحت وشد الأسافل.

من رأى البحتري هنا؟ من انتبه بأمانة؟ هل انتبه أحد؟ «زهير هبطت بمسود النواشر، سابح ممر أسيل الخد نهد مراكله». ابن اليمن يقول عندما نبهته انتبهت. الآن من يعرف البيت الذي عند البحتري؟

طبعًا نتكلم عن لاميته؛ أجود شعره عنده هو يقول لك: أجود قصائدي على الإطلاق: «أهلاً بذلكم الخيال المقبل». حسين يقول كقول ابن اليمن، انتبهتم لما قلت؟ ماذا قال البحتري؟

تعال أفكركم عشان اللي حافظ القصيدة؛ تعرفون لو كانت أم الحسن هنا لأجابتكم فورا، تحفظ هذه المشهورات للبحتري عن ظهر قلب: «جذلان ينفض غره...». لا، أكمل: «جذلان ينفض غره... يقسل حجولها في جندل».

«ذهب الأعالي حيث تذهب مقلة فيه بناظرها، حديد الأسفل». حديد الأسفل يعني يابس الأسفل، صلب الأسفل، وشد الأسافل. إذا ضمرت كانت جديّة، أمرت أعاليها وشد الأسافل.

ستقول لي: طيب، ما هو لم يأخذ بقية البيت، أخذ «شد الأسافل» وقال هنا «حديد الأسفل»، أقول لك ما هو الشاعر؟ الشاعر ماكر يا حبيبي، الشاعر شاعر في الأخير. الشاعر يأخذ الموضوع ويضعه هنا.

الشاعر لن يسرق سرقة كما تعرف، هناك واحد حرامي تُقطع يده. أنا شايف أن الحرامي تُقطع يده ليس لأنه سرق كلامي، فكلامي مجاز، هو سرق لكن لأنه غبي. ومن يُحرز ويُقطع يده لغبائه؛ لأن هناك أصحاب مناصب سراق ونصابين وغسيل أموال، مالهم حرام، ويطلع شريف قدام الناس ولا تُقطع يده! ولكن لو طُبق شرع الله لكان هذا ممن يحارب الله ورسوله فيُقتل أو يُصلب. فممكن تُقطع يد الحرامي الغبي هذا.

فالشاعر في السرقة: إذا كنت ستسرق مثل الحرامي الذي يذهب ليسرق المعنى، فهذا أمر، أما عندما يسرق البحتري، ستجد نفسك تشكره على إبداعه وتقول له: شكرا يا أبا عبادة، شكرا يا بحتري، جزاك الله خيرا.

الناقد هو الذي ينتبه إلى هذه اليد الخفية، كما يقول أبو كف؛ الناقد هو الذي ينتبه إلى هذا الخفاء. المسألة مختلطة جدا، هل أخذ المعنى أم لقطه ومزجه؟ المسألة مختلطة.

الشاعر بدر الدريع له البيت الذي يقول فيه، وهي من أجود شعره: «إذا ما نهيت الطرف عنها التفتاه، تلفت قلب بالسماع يناظر». ومدحت هذا البيت شديدا، فإذا بالرسائل والتعليقات تنهال عليّ بأنه قد سرق هذا البيت من الشريف الرضي. فلما قرأت بيت الشريف الرضي وجدته جميلا، لكن قلت جيد إنه سرقه، يعني لم يختلف تقويمي للبيت عند بدر؛ عندما قالوا سرقه من الشريف الرضي لم يختلف شيء.

وللأمانة، لما التقيت ببدر عام 2019، هو أخبرني أنه لا يعرف بيت الشريف الرضي، وأقسم لي بذلك. أنا تفاجأت به لما وجدت من يقول إنني سرقته. قلت له: على كل حال بيتك فيه جودة مستقلة ورفعة مستقلة. ولأني لم أتأمل بيت الشريف الرضي، لا أريد التسرع بالقول. ربما كان بيته أجود من بيت الشريف الرضي.

هذه ليست خطيئة، هي اتفاقات عادية تحدث في عالم الشعر، فعقول الشعراء تلتقي وتتقاطع كثيرا. أنت لو كنت ستمدح امرأة فاضلة، أو ترثي صديقا، ربما تلتقي مع رثاء المتنبي لأخت سيف الدولة، أو رثائه لأمه، أو لجدته؛ هذا سيلتقي لأن عقل الشعراء واحد.

هناك حادثة وقعت، هناك شطر بيت لمحمد الحرزي يقول: «والأسد...». من يعرف بيت الحرزي؟ في ميميته لمن الرؤوس على الرماح جمالها، هناك شطر يقول: «والأسد أبعد أن يرى إذلالها». هذا الشطر لما قاله الحرزي، أحد الإخوة من سوريا قال: إنني كتبت هذا الشطر بعينه قبل محمد الحرزي. وأنا طبعاً جننت، كيف؟ الحرزي أشعر من الأخ السوري بكثير. فتواصلت مع الأخ السوري ومع أصدقائه، فأقسموا لي بأنهم قالوا هذا البيت من قبله وبمدة طويلة وجاءوا بشواهد على ذلك. وأنا حقيقة أصدقهم. فلما ذهبت إلى الكويت والتقيت بالحرزي وحكيت له عن هذا، قال: بلغني شيء منه، فقال: هذا هاتفي.

ليس يطلع ولا يعرف شعراء، وهو في عزلة، فهو أقرب إلى البداوة، والأسد أبعد أن يُرى إذلالها تقريبًا. المهم، ولكن هذا وارد، وكان معنا بدري قال: هذا وارد أن يحصل، والأسد أبعد أن يُرى إذلالها. أنا طبعًا جننت إلى هذه الدرجة، والأسد أبعد أن يُرى إذلالها، أو أبعد ما يُرى إذلها، نفس الشطر بالضبط، نصف الشطر.

ولكن أيضًا أصدق الحرز؛ لأنني أرى أيضًا من طبيعة الرجل أنه لا يكذب، وأرى من طبيعته أنه بالفعل منعزل، ليس مهتمًا بوسائط التواصل ولا يدخل إليها، ولا يتعامل مباشرة مع أحد، فضلاً عن أن يهتم ويتتبع كلام شعراء، هو أقرب إلى عزلة. والأخ محمد الحرزي أخ كريم، والأخ السوري كذلك أخ كريم، فلم يبقَ لي إلا أن أسلم بالواقع: حافر على الحافر، خلاص، ليس عندي أي شيء تجاه أي جهة، وقع الحافر على الحافر خلاص.

بمناسبة ما قال أحد الإخوة: تخاطر، ليس تخاطر، ولا هذا البيت شاطر، تخاطر عادي يحصل، ما المشكلة؟ إذا ضمرت كانت جداية، حلب أمرت أعاليها وشد الأسافل، وقد أصبحت عندي تلادًا. عقيلة تلادًا، يعني قديمة، عقيلة ثمينة، ومن كل مال متلدات عقائل، ومن كل مال متلدات يعني قديم عقائل ثمينة. وقد أصبحت عندي تلادًا، هذه أعددتها للحرب، وقد أصبحت عندي تلادًا عقيلة، ومن كل مال متلدات عقائل، وأحبسها إلى الأبد.

وأحبسها ما دام للزيت عاصر، وستظل الناس إلى يوم الدين تعصر الزيت. هل يعصرون الزيت يا إخوة؟ إني أراني أعصر خمرًا، هل يعصرون الزيت أم ثمار الزيت؟ يعصرون ثمار الزيت، هذا كما طريقة القرآن: ﴿وَأَحْبَسُهَا مَا دَامَ لِلزَّيْتِ عاصِرٌ﴾. فهذا نوع من المجاز، لأن العصير لا يكون للزيت ولا يكون للخمر، إنما يكون لثمار الخمر ولثمار الزيت باعتبار ما سيكون. رأيتم: «إني أراني أعصر خمرًا»، «للزيت عاصر». والله لولا ورودها في القرآن أو في الشغل قال لك خطأ.

وأحبسها ما دام للزيت عاصر، وما طاف فوق الأرض حاف وناعل، سنظل إلى يوم الدين يطوف على الأرض حاف وناعل. يقول: «وأحبسها»، معنى أحبسها يعني أظن بها لا أبيعها، أظن بها لا أبيعها، وأحبسها، يعني لا أعطيها لأحد ولا أهبها ولا أبيعها.

«ومسفوحة فضفاضة تبعية، واه القتير تجتويها المعابل». البيت الثامن بعد الـ... أي معطوف على ما في البيت السادس عشر: «وعندي إذا الحرب العوان تلقحت، وأبدت هواديها الخطوط الزلازل، طوال القرى ومسفوحة». هذه الآن الدرع، المسفوحة الآن هي الدرع.

ومسفوحة فضفاضة، يا سلام، كلمة مسفوحة عجيبة يا إخوة. مسفوحة، تعرفون الدم المسفوح؟ مصبوبة، هي مصبوبة. يعني أنت لما تلبسها تسفح عليك، تصب، وصف لشدة ليونتها كأنها الماء مسفوحة. إذا رميت بها في مكان مسفوحة، إذا علقتها فردتها مسفوحة، إذا لبستها مسفوحة، أو هي صنعتها صارت كالمصبوبة، لم تغزل، خلاص لم تصنع بإدخال الحديد في بعضه، وإنما سفحت صبت حديدتها، ومسفوحة فضفاضة واسعة، تبعية تنسب إلى ملوك تبع.

«واهِ القتير تجتويها المعابل». واه، يعني شددها قواها، واه، شوف اللغة، واه القتير، والقتير خلاص المسامير. واه يعني قواها، قوتها المسامير، واهها القتير تجتويها المعابل. المعابل السهام الطوال عريضة النصال. تجتويها يعني كأن سلاحي تجتويه الجماجم، لا تطيقه، فكذلك هذه أرهقتها، تجتويها النصال أو السهام ذات النصال العريضة. ولماذا قالت طويلة ذات نصال عريضة؟ هذه سهام قوية تذهب إلى مسافات بعيدة، سهام قوية يعني إذا ضربت في الجسم، حتى إذا لم تخترق الدرع تؤلم. سهم عريض طويل يعني يطير مسافات مطحرًا.

فتجتويها المعابل، ومعنى تجتويها قالوا هنا تكرهها، يعني أنها أرهقتها وتزل عنها، فهي تجتويها صارت تكرهها، فتضرب فيها وتذهب بعيدًا كأنها أرهقتها ولا تعمل فيها. وكان سلاحي تجتويه الجماجم. تجتويها المعابل، أرهقتها وتأتي عليها تتفرق عنها.

«ومسفوحة فضفاضة تبعية، واه القتير تجتويها المعابل، دلاص». هي اللينة السهلة، لينة مع كونها حديدًا، لينة سهلة دلاص كظهر النون. النون قالوا هنا السمكة، والذي يظهر لي هنا والله أعلم أنه أراد الحوت، أن النون هنا الحوت بخصوصه، نعم الحوت، وتعلمون جلده كيف يكون؟ أملس، ناعم، سهل، مخملي، هكذا: «دلاص كظهر النون»، كظهر الحوت. شوف التشبيه، يعني ذهب إلى البحر وأتى بالحوت الذي ظهره أملس، لامع، لين، هكذا زلق وزلق ولين ولامع، وشبه به هذه الدلاص أو الدرع الدلاص السهلة اللينة.

«دلاص كظهر النون، لا يستطيعها سنان ولا تلك الحضاء الدواخل». قالوا في هذه الحضاء سهام صغار لا نصال لها، كأنها أعدت. حتى نفهم لماذا قال الحظ هنا بعد أن ذكر المعابل، هناك ذكر في البيت الذي قبله المعابل ذات النصال العريضة والسهام الطويلة، هذه سهام صغيرة كأنها أعدت للدخول في هذه الدروع من حلقاتها مثلاً، تسمى الحضاء، وحتى لذلك وصفها بأنها الدواخل: «ولا تلك الحضاء الدواخل». وناسب ذلك أنه وصفها بأنها دلاص كظهر النون، يعني ناعمة، مسقولة، لينة، سهلة، ناعمة، مسقولة، لا تستطيعها سنان، يعني سنان الرماح المدببة الصغيرة، سن الرمح لا يدخل فيها، ولا تلك الحضاء الدواخل، يعني ولا تلك السهام الصغيرة ذات الرؤوس الدقيقة الدواخل في أي مكان ضيق، لا تنفذ فيها سنان الرماح والسيوف أيضًا إذا ضرب بسنها، ولا تنفذ فيها تلك الحضاء الدواخل، لا سنان الرماح والسيوف، ولا تلك الحراب والرماح المسننة، ولا سنان السيوف، ولا تنفذ فيها تلك السهام الصغيرة التي لا رؤوس لها، فهي الدواخل، كل هذا لا ينفذ فيها.

دلاص كذا، أنا لماذا قلت الحوت؟ لأنهم قالوا هنا السمكة، خلاص قالوا السمكة، النون السمكة، شبهها بها في ملاستها ولينها. نرى ما قال الأنباري، قال أيضًا قال السمكة، وربما يقصدون الحوت نفسه، ولا أقصد الحوت، يعني أظن أن المقصود الحوت والله تعالى أعلم، لأنه الذي يجري فيه التشبيه.

«موشحة بيضاء دانكها». موشحة، يا سلام، موشحة. قالوا موشحة بيضاء، موشحة يعني فيها طرائق صفر، فيها طرائق صفر، وكأنهم يريدون بذلك... نرى ما قال في موشحة، لأن هذا قال هنا في موشحة فيها طرائق صفر، أي نحاس بس، موشحة، وقال: «موشحة فيها طرائق صفر»، نفس الكلام، قلت هم نسخوا الشرح، يقول موشحة يعني فيها طرائق صفر، موشحة بطرائق صفر.

قيل في ذلك نحاس، يعني طرائق صفر، وأظن والله أعلم أنها إذا لمعت حديدتها في الشمس صنعت طرائق صفر من انعكاس الضوء عليها، والله أعلم قد يكون من انعكاس الشمس عليها أو الضوء عليها كانت فيها الطرائق صفر.

وهذا يلتئم أيضًا مع ما بعده، فالطرائق هي تلك الغضون، من شدة ليونتها تتفنى كثيرًا فيتموج فيها الضوء وينعكس مختلفًا ما بين الحديدة البيضاء والأصفر النحاس، أو أنها دخل في صناعتها النحاس، فالله تعالى أعلم.

قال بعدها: «دان حبيكها الطرائق من النسج»، دان حبيكها لها حلق بعد الأنامل فاضل. قالوا: الحبيك الطرائق من النسج، أظن قال هنا نفس الكلام أيضًا، هم نسخوا الشرح.

قال: «حبيكها طرائقها»، وأنا أظن الطرائق هنا هي تلك الغضون أو تلك التموجات، وهذه تكون كناية عن صغر حلقاتها التي صنعت منها؛ لأنه كلما صغرت هذه الحلقات ودقت كان نسيج الدرع ليناً يتفنى. فـ «دان حبيكها» يعني قريب، هذه الطبقات قريبة كالأمواج القريبة من بعضها كطرائق الماء القريبة من بعضها، فكذلك هذه إذا اهتزت أو إذا جلس صاحبها فتجمعت وجدت تلك الحبائك، أو هذا الحبيك وجدته متقارباً كناية عن دقة نسجها وصغر حلقاتها، فهذا يكون أشد لها وأحكم وأمن ألا ينفذ فيها شيء. رأيتم بالضبط كيف شبهوها بسطح الماء اللامع.

وطبعًا أيضًا هذا الوصف موجود عند عمرو بن كلثوم في معلقته، يقول: موشحة بيضاء دان حبيكها ... متقاربة الطرائق

إذا وقعت فيها الطرائق لها حلق بعد الأنامل فاضل، يعني تصبغ في الذراع حتى تتجاوز الأنامل، إذا تركت يدك على سجيتها تتجاوز الأنامل. موشحة بيضاء، موشحة يعني بالصفر، هي أصلاً بيضاء، وهذا قد يؤيد والله أعلم أنه انعكاس الضوء. دان حبيكها تتقارب طرائقها وغضونها وثنياتها، لها حلق بعد الأنامل فاضل.

مشهورة، يعني مشهورة معروفة، تثنى الأصابع نحوها إذا جمعت يوم الحفاظ القبائل. يوم الحفاظ يعني يوم الغضب، إذا جمعوا يوم الغضب والقتال كانت مشهورة على من يلبسها، هذه الدرع الفلانية. وهذا ليس من العربي وصفًا سطحيًا، هذا إشارة إلى أنها من التلاد، من الموروث. رأيتم «مشهرة»؟ «تحنى الأصابع نحوها إذا جمعت يوم الحفاظ القبائل»، وهذه الدرع إذاً هي معروفة مشهرة وهم يرثونها، فالبيت أصلاً فيه فخر بالآباء دون أن تشعر، سبحان الله.

«وتسبغه» معطوف على ماذا؟ البيت الثاني بعد الأربعين: وعندي إذا الحرب العوان تلقحت ... وأبدت هواديها الخطوب الزلازل وتسبغه.

والتسبيغة قالوا: نسيج قوي، تكون من حلق الحديد كالدرع يلبس تحت البيضة التي توضع على الرأس، نعرفها الخوذة، توضع على الرأس هكذا، عارفين فيلم صلاح الدين، أحمد مظهر، الخوذة توضع على الرأس هكذا، ويلبسون تحتها هذه التسبيغة، هذه اسمها تسبيغة.

«وتسبغه في تركة حميرية دلامصة» ترفد عنها الجنادل. التسبيغة في تركة حميرية، والتركة هي البيضة، حميرية من عند حمير، يعني المسلمون من الجاهلية القديمة من الحميريين يلبسون هذه البيضة، الخوذة الحديدية التي تنزل على الجبهة وعلى الرأس هكذا، ربما على الأنف، يلبسونها وهي مما يعدونه للقتال من قديم، فليسوا بدائيين أن يخشوا يحاربوا بالعمامة، لا، يلبسون الخوذة والحديد وتحتها التسبيغة.

«دلامصة»، إن كنت تقول دلامصة لأنها التسبيغة، وإن كنت تقول دلامصة إذا كانت في التركة الحميرية، لكن التركة الحميرية صعب أن تكون هي الدولامص لأنها تكون مصبوبة، لا مجال للينها، فهي يابسة أصلاً لا تتحرك مصبوبة، فهذه تقول دلامصة وليس دلامصة. نرى الضبط هنا عند ابن الأنباري، في ابن الأنباري الضبط بالكسر، هنا تركوا الضبطة فيما أظن أو ضبطوها بكسرة، وأنا أضيف شرطة أخرى لأن كسرة واحدة خطأ.

قال: «دلامصة». طيب نرى ماذا سيقول في الشرح: «التسبيغة نسيج يكون من حلق يكون تحت البيضة»، معي ركزوا معايا يا إخوة لنرى هل هذا الضبط صحيح أو لا، ولا ضبطه المحقق كارلوس يعقوب ليل.

قال: «وتسبغه في تركة حميرية دلامصة ترفد عنها الجنادل». قال: التسبيغة نسيج يكون من حلق يكون تحت البيضة، والتركة البيضة، والقرون، والحميرية منسوبة إلى حمير، والدلامصة السهلة اللينة. وإذا كان الحديد أجود ترفد عنها الجنادل، والحجارة، والواحدة جندلة.

يعني ماذا؟ أقول لك: وإذا الحديد كان أجود، أي الحديد الذي إذا كان أجود، هل يصح أن تكون دلامصة نعتاً للتركة؟ أنا أسألكم الآن: هل يصح أن تكون دلامصة نعتاً للتركة؟ لا، إذاً هي دلامصة وليس دلامصة كما ضبطت، على المعنى الذي فهمناه.

«وتسبغه في تركة حميرية دلامصة ترفد عنها الجنادل»، يعني تتكسر عليها أو عنها الحجارة إذا جاءت عليها. ربما هذا الذي جعلهم يقولون هذه التركة ترفد عنها الجنادل، لكن دلامصة بمعنى السهلة اللينة لا يمكن أن توصف بها التركة، فيبقى الكلام على التسبيغة وأنها ترفد عنها الجنادل، الحجارة تكسر عليها من قوتها إذا جاءت عليها، فالله تعالى أعلم، أو يكون لدلامصة معنى آخر.

الدكتور قباوي ضبطها بالرفع، جيد، طيب أنا عندي شرح التبريزي نرى ما فيه، هو تحقيق قباوي، وذكر الخفض رواية المرزوقي، يبقى في خلاف فعلاً في الخفض والرفع، وليس مجرد ضبط نسخ هكذا، في خلاف؛ المرزوقي خفضها، والأنباري خفضها على أنها للتركة، والتبريزي رفعها. نرى التبريزي هذا يا إخوة شرح اختيارات المفضل، شرح المفضليات للتبريزي، هذا بتحقيق فخر الدين قباوي، وهذا المجلد الأول، هما مجلدان كما ترون.

تعالى يا ابن ضرار، تعالى يا ابن ضرار. ضبطها بالكسر يا مولانا، فخر الدين قباوي هنا، ضبطها بالكسر أيضًا في الحاشية. هو قال: وتسبغه يا سيدي، وتسبغه، هو قال: تسبغه في الديوان والمرزوق. هذا شيء آخر، على كل ما يظهر لي إلى الآن.

النسخة الإلكترونية، أنا عندي النسخة المطبوعة أهي يا مولانا: شرح اختيارات المفضل، الخطيب التبريزي، تحقيق الدكتور فخر الدين قباوي. قطع النظر، هو في الأخير ضبط نسخ، ليس من مخطوط المفضل، الضبي نفسه هو ضبط نسخ.

«فالدلامصه على السهولة والليونة لا يمكن أن تكون للبيضة، إلا إذا كانت الدلامصه، أو كانت التركة من الجلد. من الجلد ليست، أن تكون البيضة من الجلد، ليس من الحديد، من الجلد القوي، طبقات الجلد وكانت تصنع كذلك أيضًا، فالله أعلم. ترفض عنها الجنادل».

في أحمد شاكر، "الدولامص" المذكر، أين في أحمد شاكر؟ عندنا الدولامس: الدرع اللينة السهلة. لا، الدلاص... لحظة، الدلامسه السهلة اللينة. بل ذكر "الضلامس"، قال: وهذا الحرف لم يذكر في المعجم، بل ذكر "الضلامس"، ذكر "الضلامس" يا مولانا، مذكرًا بمعنى البراق.

لو قلت الآن: "ضلامص" على معنى غير الليونة والسهولة، ممكن. فإذا كانت التركة الحميرية "دلامصة" بمعنى براقة، فالكلام صحيح. فنقول: "تركة حميرية دلامصة"، يعني تركة حميرية براقة ترفض عنها الجنادل، هذا صحيح. لكن أن يقدموا "الدلامسه" بمعنى السهلة اللينة، لا. فهمت هذا يا أخي الكريم؟ أخي ابن اليمن، دلامسه بمعنى السهلة اللينة لا، فإذا كانت دلامسه بمعنى البراقة صحيح، جميل؛ لأن البراقة تعني أنها من حديدة صافية وقوية وكذا، ولذلك جاز أن يقول بعدها: «ترفض عنها الجنادل»، تتكسر عنها الحجارة، تتكسر عنها الحجارة.

ولهذا قال: «كان شعاع الشمس في حجراتها، مصابيح رهبان زهتها القنادل». يعني زهتها بمعنى أوقدتها، أو أشعلتها، ورفعتها. لكن في حجراتها، في جوانبها. الدلامصة التي هي التركة، خلاص التركة الدلامصة أم التسبغة؟ أنا أرى التسبغة، لأن اسمها تسبغة، تنزل من تحت البيضة، من تحت التركة الحميرية، تنزل من تحت التركة على الرأس وتسبغ إلى الكتفين.

فيقول: «كان شعاع الشمس في حجراتها»، الحجرات يعني النواحي، «وزهتها» بمعنى أوقدتها ورفعتها وأشعلتها. يعني الفارس يتحرك، وهي لها أرجاء ونواحي، فيقول: «كان شعاع الشمس في حجراتها مصابيح رهبان زهتها القنادل». في كلام الأعشى -أظن أوردوه في الشرح-: «إذا جردت يوماً حسبت خميصة، عليها وجريالاً يضيء ضلامصاً». لا، لم يذكره هنا.

يقول: كان هذا -شوف يا أخي- التشبيه عجيب، «كان شعاع الشمس في حجراتها»، شوف الجمال، حجراتها فيه إشارة أيضًا إلى سبوغها واتساعها على كتف المقاتل، وأنها تضيء، والمقاتل يتحرك، انعكاسات الشمس عليها تضيء في جوانب منها، هكذا. وهو يقول لك العرب أوصافهم ساذجة ومش عارف، يا أخي انظر إلى الدقة! يرى الفارس يمشي أو يتحرك حركة عادية لا يبالي بها الفارس، فيقول: «شعاع الشمس في حجراتها»، في جوانبها، في جهاتها، في نواحيها.

«كان شعاع الشمس في حجراتها مصابيح رهبان زهتها القنادل». في كلام الأعشى، أظن أوردوه في الشرح: «إذا جردت يوماً حسبت خميصة، عليها وجريالاً يضيء ضلامصاً». لا، لم يذكره هنا. يقول: كان هذا -شوف يا أخي- التشبيه عجيب، «كان شعاع الشمس في حجراتها»، شوف الجمال، حجراتها فيه إشارة أيضًا إلى سبوغها واتساعها على كتف المقاتل، وأنها تضيء، والمقاتل يتحرك، انعكاسات الشمس عليها تضيء في جوانب منها، هكذا. وهو يقول لك العرب أوصافهم ساذجة ومش عارف، يا أخي انظر إلى الدقة! يرى الفارس يمشي أو يتحرك حركة عادية لا يبالي بها الفارس، فيقول: «شعاع الشمس في حجراتها»، في جوانبها، في جهاتها، في نواحيها. «كان شعاع الشمس في حجراتها مصابيح رهبان زهتها القنادل».

قال هنا، وهو قياسي عند الكوفيين: «والقنادل جمع قنديل»، وهو قياسي عند الكوفيين. خلاص، لم تثبته المعاجم وهذا نص على أنه سماعي أيضًا. إذا استفيدوا فائدة من هذه القصيدة، ومن هذا البيت الثالث بعد الأربعين، أنهم قالوا الكوفيون يقولون: القنادل جمع قنديل قياسي، لم يسمع على أنه لم يسمع، قد سمع، الآن موجود، إذاً هذا انتصار للكوفيين في هذه المسألة. أن "قنادل"، يجوز أن يجمع قنديل قياسًا على قنادل، فهذا قياسي ليس سماعي، قياسي. هناك سماعي وهناك قياسي، فالكوفيون يقولون لك يجوز قياسًا أن تقول في قنديل قنادل. ها هم الآن انتصروا بسماع أيضًا يؤيد قياسهم.

«زهتها القنادل». قال المحققان، وهذا -وهو قياسي عند الكوفيين- لم تثبته المعاجم، وهذا نص على أنه سماعي أيضًا. نرى ما قاله ابن الأنباري، لم يقل فيه شيئًا، قال فقط: "والقنادل جمع قنديل" بس، لأن الأنباري اتجاهه كوفي أصلاً.

«كان شعاع الشمس في حجراتها، مصابيح رهبان زهتها القنادل».

«إذ الحرب العوان تلقحت، وأبدت هواديها الخطوب الزلازل طوال القرى». يا أخي، وصف آلات الحرب عجيب وجميل.

«يرى كالشمس في طخية الدجا، وأبيض ماض في الضريبة قاصل». الترس، نحو ترس يصد به، خلاص، والطخية هي القتام الذي يحول دون ضوء الشمس، والدجا هي الظلمة. يقول: «يرى كالشمس في طخية الدجا»، الترس يصد به، نحن نقول الدرع، ترس؛ لأن المشهور درع عند العرب، هو التي انتهينا من وصفها قبل قليل قبل التسبغة. «ومسفوحة فضفاضة تبعية». يا أخي شوف، ملوك اليمن تُنسب إليهم السيوف والدروع والخيول. اليمن يا حبيبي، اليمن، أصول العرب اليمن.

«يرى كالشمس في طخية الدجا»، في قتام الظلمة، يرى كالشمس، متخيل أنه من شدة لمعانه في القتام الذي يحجب الشمس، يرى هو كالشمس. «يرى كالشمس في طخية الدجا، وأبيض ماض في الضريبة قاصل». والضريبة أي في المضروبة، "قاصل" ومن هنا القصل، القصل القطع، مقصلة التي تقطع.

«سلاف حديد، ما يزال حسامه ذليقا، وقدته القرون الأوائل». "سلاف حديد" يعني خير حديد، أخذ هذا من سلاف الخمر، شبهه بسلاف الشراب الذي يكون أول الخمر الجيد المعتق. "سلاف حديد، ما يزال حسامه ذليقا"، ذليقا يعني حادًا. «وقدته القرون الأوائل»، قدته يعني قطعت حديدته وصنعته. "سلاف حديد ما يزال حسامه ذليقا، وقدته القرون الأوائل"، قدوه بهم أخذوه قدوة من حديد وصنعوه، وما يزال حسامه حادًا، ذليقًا. «وأملس هندي»، وهو السيف كذلك.

لكن نبدأ من المرة القادمة إن شاء الله. ما رأيكم يا إخوة في وصف آلات الحرب في القصيدة؟ ما تقولون فيما سمعتم؟ بسم الله. الجمال، لكن يحتاج تأمل، تأمل طبعًا. عجيب، هذا عجيب، هذا المستوى من الشعر هو الذي ينبغي أن تتعلق به أنظار الراغبين في العلو والفحول الشعرية الكاملة من المعاصرين. رأيت القائل الذي قلت ينبغي أن تتعلق به، وأن تطمح إليه، تطمح، تنظر إلى فوق، تطمح إليه وترنو، يعني تضم النظر، تطمح إلى فوق، ترنو، تديم النظر. ينبغي أن تطمح إليه وترنو عيون راغب الفحولة الشعرية من الشعراء المعاصرين.

أنا أحمد الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة، وهي أن الله تعالى جعل الطلاب عندي في رواد القصيد عيونهم طامحة ورانية إلى هذا الشعر.

حتى كنت أكلم عقيلاً قبل أيام، أقول له نتحدث عما تضع عينك عليه وكذا، فقال: «أنا لا أضع عيني على الشعر العباسي، وليس هو ما أطمح إلى مجاراته وغلبته، بل ما فوقه». قلت: أحسنت، أحسنت. ولكن يا إخوة، هذا لن يكون بكثرة الكلام، هذا يكون بالتشبع بهذا الشعر والإيمان به، ومن هنا تصبر عليه؛ لما تؤمن به تصبر عليه شديداً حتى تسبر طرائقه وتتشبع من أساليبه، فتبلغ بذلك وتبدأ في صناعة شعرك على هذا المستوى.

نعم صحيح، أنا كنت أتحدث مع أخيكم عقيل قبل أيام، وقال كلمة في آخر الحديث عن تكوينه وكيف يكون، وعن فهمه للشعر وعن سبب طموحه، كلمة ربما ظللت بعدها أحمد الله سبحانه وتعالى مدة، وتشجعت أن أظل أعمل دون النظر إلى من يستفيد مني، ربما أكثر من يستفيد مني واحد غير الذي يشاهدنا الآن.

تعرفون ماذا قال عقيل هذا قبل أيام في مكالمة طويلة؟ قال في آخرها: «يا أستاذ، لما تكلمنا عن الطموح وكيف تفعل وفعل، أنا قبل أن أبدأ دراسة نظامية معك في رواد القصيد قبل سنوات، مكثت ثلاثة أعوام وأنا طالبك الذي لا تعرف، درست كل ما قلت حتى تكونت». يقول بالضبط هكذا: كنت طالبك الذي لا تعرفه، مكثت ثلاثة أعوام أستمع إلى كل ما تقول وأنا بعيد منك، لست مقترباً، واستمعت إلى كل ما تقول ورأيت كل ما قلت وكل الشروح.

فقلت سبحان الله، الرجل تهيأ لهذا اللقاء الذي صار لقاءً رسمياً، تهيأ قبله دون أن أعرفه بثلاثة أعوام بدراسة وشروح وكذا، فقال: فتكونت فكرياً في الشعر وتأسست على مادتك. فسبحان الله، لا تدري من الذي يستفيد، لا تدري إذا عملت عملاً من الذي يسمع منك، ربما يكون أكثر المستفيدين إنساناً ليس بينكم الآن. فلذلك لما يعمل أحدكم في هذا الطريق عليه أن يعمل وفقط.

عجبتني كلمة للأستاذ محمود شاكر رحمه الله، يقول: «لا أدري لمن أكتب، ربما سيأتي شخص ليس موجوداً الآن يقرأني». قال محمود شاكر: «لا أعلم لمن أكتب، لكن لابد أن أكتب، ربما أكتب لإنسان ليس موجوداً الآن يقرأني فيتأثر فيقوم ويعمل نهضة».

لا تتوقفوا عن العمل، لو استعجلت النتائج أيها الإخوة والله ما كنت بينكم الآن، ولو كنت استوحشت الطريق أو تركت نفسي لوحشة الطريق لربما كنت الآن غير موجود بينكم، لكن بحمد الله صبرت. كنت أرى الوحشة حتى من الأصحاب والزملاء، أستوحش بينهم كلهم توجهوا إلى العلوم الشرعية وإلى علوم عقلية وجدال وأشاعرة وماتريدية ومذاهب أخرى يواجهون المذاهب الأخرى، وأنا كنت في هذه البيئة، وكان لي مكاني في البيئة العلمية الأزهرية، وكان لي رفقائي وزمرتي والناس، ولما بدأت في هذا صرت وحدي واستوحشت، فكنت أرى الوحشة بينهم، هم أنفسهم عندهم تحفظ من هذا.

حتى لا أنسى والله، كان لي جار في عام 2012، كان طبيباً أزهرياً، في مرة تحدثنا فذكرت له الأبيات والشعر، فقال لي: «شعر يعني في النار حتف!». لا أنسى هذه العبارة، «في النار حتف». فهنا قلت: أوه، هذا حتى عند العامة! التفسير الغلط لقوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: 224]. أنت ستقعد تشرح لكل مخلوق سياق الآيات وفهم الآيات في سورة الشعراء؟ هو يقول لك: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾، فتقول له من الآية سيفهم؟ لا، لا يحتاج إلى شرح، ومع ذلك لم يقل أحد من العلماء المفسرين المعتبرين إن هذا مطلق في الشعراء.

والحمد لله استمررنا أيها الإخوة وها نحن الآن نجلس، وسيشاهد هذا العشرات والمئات وآلاف المجلس بعد ذلك. السنة الكونية والأمر الإلهي: علينا البلاغ، ﴿عَلَيْكُمْ بَلَاغُكُمْ وَعَلَيَّ بَلَاغُكُمْ﴾ [الرعد: 40].

رضي الله تعالى عنكم والحمد لله رب العالمين، شكراً لكم وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.