السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلاً وسهلاً ومرحباً بالكرام، أرجو يا إخوة طمأنني إلى سلامة البث من حيث الصوت والصورة إذا سمحتم، فقط أطمئن من عندي لأتم.
جيد، يبدو عندي جيداً والحمد لله. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين. وبعد، كل من ألقى السلام أقول له: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا أقول له: حياك الله وبياك وعمت صباحاً ومساءً. ومن قال لي أحبك في الله يا أبا قيس، أقول له: أحبك الذي أحببتني فيه.
مولانا معك حسن راشد العازمي، يا مرحباً يا حسن راشد العازمي، يا مرحباً يا سيدي، يا مرحباً وأهلاً وسهلاً. أهلاً بأبي كف، وأهلاً بالكرام خالد الشيباني وبالجميع، رضي الله تعالى عنكم وأرضاكم.
أخونا مشاري منعم، هذا أيها الإخوة مجلسنا الثاني مع القصيدة الفحلة العظيمة الجاهلية، الطويلة، لامية المزرد بن ضرار. وطبعاً هو شقيق الشماخ بن ضرار، أو أخو الشماخ بن ضرار، ولهم كذلك أخ أيضاً بن ضرار، وكلهم شاعر يا إخوة وكلهم شاعر. والمشهور أن الشماخ أشعرهم، لكن الأصمعي يؤكد ويقول: ليس بدون أخيه، يعني ليس أقل من أخيه الشماخ، لكنه أفسد شعره بما يهجو الناس، يعني نفر الناس من شعره من شدة ما يهجوهم.
رضي الله عنكم جميعاً. لا عليك، أنا أخذت الأدوية والمسكنات، وهي ستذهب مع الأيام إن شاء الله. رضي الله عنك، ثم أنا أنتظر هذا لأتعافى، وكنت أعيش مع الكتب لكن يعكر علي الانفعال والتفاعل. طلبت منهم أن يصنعوا لي القهوة ولكن أن يثلجوها، فثلجوا لي القهوة، هذه المرة قهوة مثلجة.
يا إخوة، أريد قبل كل شيء أن أنبه إلى شيء مفيد، وأوعز لبعض الفضلاء بأن يقصوا هذا الذي سأقوله الآن ويجعلوه مقطعاً مستقلاً. أقول أيها الإخوة، ربما ظن البعض -وقد رأيت هذا بعيني وبلغني- أن أبا قيس يبالغ حينما يقول إن العرب كانت تمدح بالبيان وبالشعر بذاته؛ كانت تمدح بالقدرة على البيان والقدرة على الشعر بذاته، وليس لأنه مثلاً ينصر قومه في الحرب فقط، أو لأنه يقول المعاني الحميدة فقط.
فيرون أن أبا قيس ربما يبالغ في هذا، لا سيما حينما يقول إنهم كانوا يلحقون صفة الشاعر بصفة الفارس في مدح الرجل، إشارة إلى أنه بلغ مرتبة من الكمال الإنساني، وأن العرب كانت تعد الشاعرية قسيمة للفروسية، فيقولون: فلان فارس شاعر، أو كان شاعراً كبير قومه، فيمدحون الإنسان بأنه فارس أو بأنه كبير القوم، فيقرنون بين هاتين الصفتين إشارة إلى بلوغه ما تمدح به الرجال، فيقولون: فلان فارس شاعر، يمدحونه بأنه فارس كبير قومه ويضمون إليها صفة الشاعر.
ابتداءً قبل أن أقفكم على بعض النصوص في هذا، أنبه إلى أن الجاهليين والإسلاميين جميعاً قدموا امرأ القيس في الشعر. وامرؤ القيس تقريباً لم يقل إلا في معانيه الذاتية، ما يسمى بالمعاني الذاتية، معاني نفسه. وتعرفون معاني امرئ القيس، ولكن تعالوا نعمل بكم جولة في كتاب «طبقات فحول الشعراء» لمحمد بن سلام، وهو من أقدم الكتب التي كتبت في تاريخ الشعراء.
وميزة هذا الكتاب أن صاحبه أراد أن ينقل تنسيق العلوم وما رآه من علوم الحديث وكذا إلى فن الشعر من حيث التنقيح والترتيب، وكما عرفوا الرجال من رواة الحديث، أراد أن يعرفوا الرجال من رواة الشعر ومن نقله، وأراد أن يضع منهجاً في نقد الشعر. هذا الكتاب من أوثق الكتب في هذا الباب، تكلم عنه باستفاضة الأستاذ محمود شاكر في كتابه، ويعتبر مدخلاً طويلاً في كتابه «قضية الشعر الجاهلي».
نعمل جولة حتى تعلموا أنني لم آتِ بهذا من عندي، ولم أتجرأ على القول بأن العرب تمدح بالبيان وبالشعر من تلقاء نفسي، وإن فعلت فعندي الشواهد، بل عندي شاهد من كتاب الله تعالى، وهو قوله سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 1-4]، وقوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: 195]، وقوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: 28]. إذاً القرآن يصف لسان العرب بالاستقامة وبأنه مبين، وهذا بيان فوق البيان الحاصل في أصل اللغات.
تعالوا نقف على الشواهد التي ذكرها محمد بن سلام من خلال كتابه «طبقات فحول الشعراء»، الذي هو من أوثق هذه الكتب وأقدمها، بل لا يسبقه كتاب في الزمن إلا أن يكون كتاب الأصمعي في «حول الشعراء»، والأصمعي أجاب بأمور دونها تلميذه أبو حاتم السجستاني، أما كتاب ومنهج دون فهذا أقدم كتاب على الإطلاق. وإن شاء الله نكمل مسيرته بإذن الله تعالى.
من كان عنده الكتاب الذي بتحقيق محمود شاكر، سواء طبعة المدني أو التي صورتها دار القدس، صفحة 135؛ من مادة الكتاب لا من مقدمة محمود شاكر، لأن مقدمة محمود شاكر لها ترقيم مستقل. في صفحة 135: «وكان لبيد بن ربيعة أبو عقيل فارساً شاعراً شجاعاً، وكان عذب المنطق، رقيق حواشي الكلام، وكان رجلاً مسلماً رجل صدق». هذه ترجمته: «وكان لبيد بن ربيعة أبو عقيل فارساً شاعراً شجاعاً، وكان عذب المنطق رقيق حواشي الكلام».
ربما هذا في لبيد، لنفتح صفحة 155: «وحسين بن الحمام المري...». هذا كتاب «طبقات فحول الشعراء» لابن سلام؛ لا سحر ولا دجل ولا شعوذة ولا افتراء ولا تأليف ولا هبد ولا تعصب للعرب ولا تعصب للبيان العربي ولا شيء. صفحة 155: «وحسين بن الحمام المري ابن ربيعة ابن مساب بن حرام بن وائل بن سهم بن مرة، وهو فارس شاعر شريف».
شريف قلت لكم الرجل عندهم الفارس الشاعر، خلاص هذا الكامل، ماذا يريد؟ فارس شاعر، فارس شمله الأخلاق. خلاص، طبعاً جمهور العرب الآن ليست فيهم هذه الصفة حتى نكون واضحين، ذهبت مع البيان، هي مقترنة عندهم بالبيان. إذا رأيتهم يوماً -إن شاء الله وقد عزت نفوسهم- ستراهم هم أيضاً أعزة بالبيان، كله ذهب لما رجفت قلوبهم تحت أقدام الرومي الأحمر النجس.
وحسين بن الحمام المري، ابن ربيعة بن مساب بن حرام ابن وائل بن سهم بن مرة، وهو فارس شاعر شريف، وهو شاعر فارس شريف، وهو فارس شاعر شريف. أخونا الشيخ خالد الدبيخي يقول: مولانا المرزوباني كثيراً ما ينص في الشعراء على الفروسية، نعم هذه مقرونة عند العرب، إذا قالوا فارس شاعر خلاص، أنت فارس يا أخوه. كان إذا نبغ فيهم شاعر أو لُموا له، لم يقولوا إذا نبغ فيهم فارس بل نبغ فيهم شاعر، أو لُموا لماذا؟ لأن فرسان الشعر أقل من فرسان الحرب، كما قال الأصمعي بنص لسانه: «فرسان الشعر أقل من فرسان الحرب».
وأبو عمرو بن العلاء له كلمة، بها العالمون بالشعر أقل من الكبريت الأحمر، أو أندر من الكبريت الأحمر، خلاص الأصمعي تلميذه يقول: «فرسان الشعر أقل من فرسان الحرب» بالنص، هكذا. فكانوا يلومون ويدعون القبائل إذا نبغ شاعر، أما الفروسية فتحلى بها الكثيرون، أما يكون فارس شاعر أو شيء آخر.
بل مما يروى -ولم أستوثق من هذه الرواية- أن عنترة قال معلقته لما عوير بانه لا يقول الشعر لما بأنه لا يستطيع بيان العرب، فقال هذه القصيدة، روي هذا ولم أحققه للأمانة، لكن موجود تراه في بعض الروايات في مقدمة القصيدة، وهو فارس شاعر شريف. طيب يا أبا قيس، يمكن اثنين وعادي وجاءت هكذا لأجل الوزن.
نفتح صفحة 160، والنمر بن تولب، النمر بن تولب جواد لا يليق شيئاً، جواد لا يبقى معه شيء، رجل جواد كريم معطاء لا يبقى معه شيء. والنمر بن تولب جواد لا يليق شيئاً، وكان شاعراً فصيحاً جريئاً على المنطق. والنمر بن تولب جواد لا يليق شيئاً، فارس، يعني من صفات الفروسية أو صفات الكمال، وكان شاعراً فصيحاً.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، يقرنون الشاعرية بصفات أو بالمحامد وبالنعوت الرفيعة العالية كالفروسية والجود، والنمر بن تولب جواد لا يليق شيئاً وكان شاعراً فصيحاً جريئاً على المنطق.
ثلاثة، صارت العرب تقول، افتح صفحة 176، سويد بن كراع العكلي، وسويد بن كراع العكلي كان شاعراً محكماً، وكان رجل بني عكل وذا الرأي والتقدم فيهم. والتقدم فيهم، ربما تقول طيب هذا لأنك في كتاب شعر، لو كنت في كتاب شعر لماذا يذكر الصفات الأخلاقية هذه؟ روايات ترجمة، وكذلك كما قلت لكم الشيخ خالد الدبيخي، وكذلك من يطلع، طالع فقط، لأن هذا الكتاب كان قريباً لي وفيه كثير من المواضع أخرجتها، إنما الكتب مليئة في ترجمة الناس: وكان فارساً شاعراً، وكان فارساً شاعراً، وكان جواداً شاعراً، لأن الشاعر عند العرب ممدحه، لأن الوصف بالشاعر عند العرب ممدحه. قال: وكان شاعراً محكماً وكان رجل بني عكل وذا الرأي والتقدم فيهم.
نفتح صفحة 189، أمية بن حرثان بن الأسكر بن عبد الله، سرابيل الموت، كان شاعراً سيداً. ثم أكمل: ابن زهرة بن زبينة ابن جندع ابن ليث بن كرر بن عبد مناف كنانة، طبعاً لا يهمني من الشخص، قال أولهم وهي آخر الطبقات هم أربعة، الطبقة العاشرة، قال أولهم أمية بن حرثان بن الأسكر بن عبد الله، سرابيل الموت، كان شاعراً سيداً. خلاص الشاهد: كان شاعراً سيداً.
نفتح صفحة 205، مالك بن الريب، هذا كتاب طبقات فحول الشعراء لابن سلام. مالك بن الريب صفحة 205، وكان مالك رجلاً شريفاً فارساً شاعراً. يعني لا يمدح الرجل إلا إذا شاعر، لو كان فيه شعر. الشاعر، يعني الشعر هو، أنا أستطيع أن أتقدم بأي أحد وأقول فلان كذا وكذا وأذكر صفة إلا إذا كانت ملحقة مطلوبة. يعني وكان زوجاً مثلاً، وكان أسمراً، وكان أبيض، وكان طويلاً، وكان كذا، وكان عصبياً، وكان شديد الخلق، وكان كذا، وكان لين الخلق، كل هذا قد يذكر أو لا يذكر، لكن إذا عرفوه شاعراً، الحقوه بالمحامد مباشرة. وكان مالك رجلاً شريفاً فارساً شاعراً، وكانت فيه خيلاء وتقدم، وكان ذا لمه كبيرة، وكان يقال له الجفول. وكان مالك رجلاً شريفاً فارساً شاعراً، فارساً شاعراً، فارس مع شاعر.
لاحظوا ربما تقول طبيعي لأن هذا الكتاب يترجم للشعراء، لماذا مع فارس؟ لماذا يترجم له مع فارس؟ كان شاعراً وخلاص. ولماذا هذه الصدفة أو المصادفة: فارس مع شاعر، سيد مع شاعر، فارس مع شاعر، فارس مع شاعر، سيد مع شاعر، جواد مع شاعر، كبير قومه مع شاعر؟
نفتح صفحة 257، انظر إلى العجب، وانظر إلى إنصاف المؤرخين. وكان هبيرة بن أبي وهب شاعراً من رجال قريش المعدودين، وكان سيداً، وكان شديد العداوة لله ولرسوله، فأخمله الله ودحقه. يا أخي ما العجب! ما الإنصاف! وكان هبيرة بن أبي وهب شاعراً من رجال قريش المعدودين، وكان شديد العداوة لله ولرسوله، فأخمله الله ودحقه. رأيتم الإنصاف؟
ذكرني بالذهبي لما ترجم ليزيد بن معاوية -عليه غضب الله- مدحه وذكر حقيقته في سطر، ربما حسن أن أقرأ لكم ما قاله، لحظة واحدة بعد إذنكم، معذرة، لكن هذا أحسن لأنه يكشف لكم مناهج علماء المسلمين في الإنصاف وفي ذكر الشيء كما هو، حتى لو لعنوا إنساناً لا يمحون صفاته الجيدة. فسبحان الله، انظروا إلى نفس المنهج، انظروا إلى اتحاد المنهج بين محمد بن سلام الجمحي المتوفى في عام 231، والذهبي توفي عام 748، يعني بينهما كم؟ خمسة قرون، صح؟ انظروا إلى.
المنهج: محمد بن سلام الجمحي ماذا قال؟ محمد بن سلام الجمحي ماذا قال في هبيره الذي كان شديد العداوة لله ولرسوله ﷺ؟ قال: «وكان هبيره بن أبي وهب شاعراً»، هذه صفة، ثم النعت الثاني: «من رجال قريش المعدودين». يعني ماذا؟ يعني الرجال الكبار، أصحاب المروءة، أصحاب التصدر، ولا يتصدر في هذه المنزلة أحد من العرب ما لم يحمل الضعيف، وما لم يطعم الفقير، وما لم يصدق عليه قول طرفة بن العبد: نحن في المشتاه ندعو الجفل ... فلا ترى الأدب فينا ينتقر
هذه السيادة التي تنال عند العرب من رجال قريش، ليس فقط قريشياً، «من رجال قريش المعدودين». طمئنوني يا إخوة، لسلامة البث، وإنه يعتيه من رجال قريش المعدودين وكان شديد العداوة لله ولرسوله فأخمله الله ودحقه.
نعم، يعمل جيداً نفس المنهج. سبحان الله، انظروا ماذا قال الذهبي بالضبط، وقش كلهم سادة، هذا من المعدودين فيهم، يعني تعد واحد اثنين ثلاثة. ثم انظر ماذا قال فيه -رضي الله عنكم جزاكم الله خيراً- بعد أن أتى بأقوال الناس فيه. الذهبي بعد أن أتى بأقوال الناس في يزيد بن معاوية قال: «قلت كان قوياً شجاعاً ذا رأي وحزم وفطنة وفصاحة، وله شعر جيد، وكان ناصبياً فظاً غليظاً جلفاً يتناول المسكر ويفعل المنكر، افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين واختتمها بواقعة الحرة، فمقته الناس ولم يبارك في عمره».
كان ابن سلام يتكلم، سبحان الله، منهج المؤرخين المسلمين لا يخفون شيئاً، ثم يقولون لك المسلمون يؤرخون وليس عندهم منهج تاريخ مستقل. والله لا يكاد يعدل الغرب والأعاجم لا تكاد تعدل في ترجمتها. نحن أصحاب العلوم والترجمة، نحن أصحاب التاريخ نذكر ما له وما عليه.
انظر نفس المنهج: «كان قويا شجاعا ذا رأي وحزم وفطنة وفصاحة وله شعر جيد»، في نفس السطر، «وكان ناصبيا فظا غليظا جلفا يتناول المسكر ويفعل المنكر، افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين واختتمها بواقعة الحرة، فمقته الناس ولم يبارك في عمره، وخرج عليه غير واحد».
اسمع الذهبي، تلميذ ابن تيمية رحمه الله. الذهبي تلميذ ابن تيمية، وابن تيمية مهما قلت فيه ليس من عامة الناس واتجاهه معروف، يعني هو حتى البعض يصفه بأن له هوى في هذه الجهة، هوى أموي أو كذا، هذا الذهبي تلميذه. انظر لما نقول إنهم أجمعوا على حاله، قال: «فمقته الناس ولم يبارك في عمره وخرج عليه غير واحد». بعد الحسين كاهل المدينة قاموا لله. الآن يصفهم الناس بأنهم خرجوا على الحاكم، الآن يصفونهم بأنهم خرجوا، كانوا كالخوارج وخرجوا على الحاكم، حتى رأيت بعض الخاسرين يقول إن الحسين قتل بأمر جده لأنه فعل فعل الخوارج وخرج على الحاكم. الشرعي الذهبي يقول: «وخرج عليه غير واحد بعد الحسين كاهل المدينة قاموا لله، وكمرداس بن أدية الحنظلي البصري، ونافع بن الأزرق، وطواف بن معل السدوسي، وابن الزبير المكي». يقول: «كاهل المدينة قاموا لله». يصف الحسين عليه السلام وأهل المدينة بأنهم قاموا لله، خلاص، الآن يصفونهم بالخوارج، والذهبي يقول قاموا لله لأنه كان فاجراً واستحل المدينة. اذهبوا واقرأوا عن واقعة الحرة، سترون فيها بشاعة، وماذا قال: «واختتمها بواقعة الحرة». اذهبوا وانظروا ما حصل فيها من استباحة لنساء الصحابة ورجال الصحابة بأمر من يزيد بن معاوية. اذهبوا واقرأوا عن التاريخ المحايد لواقعة الحرة، ثم نرى بغالاً الآن تتردى عن يزيد. كان هذا جراً، والله ما كان في رأسي، لكن جرنا إليها طريقة كلامه.
نرى مثلاً في صفحة 583 يقول: «فنهشل ابن حري شاعر شريف مشهور، وأبوه حري شاعر مذكور، وجده دمرة بن دمرة شريف فارس شاعر بعيد الذكر كبير الأمر، وأبوه دمرة بن جابر سيد ضخم الشرف بعيد الذكر، وأبوه له ذكر وشهرة وشرف، وأبوه قطن له شرف وفعال وذكر في العرب، فهم ستة كما ذكرنا في تميم رهطاً يتوالون توالي هؤلاء». نهشل ابن حري شاعر شريف مشهور، وأبوه حري شاعر مذكور، وجده دمرة بن دمرة شريف فارس شاعر. هذا الكمال يا إخوة عندهم، فلم يأت أبو قيس بشيء من عنده ويقول إنهم يصفونه بأنه فارس شاعر، وهذا كما هو في هذا الكتاب، هي تراجم موجودة في كتب كثيرة، يقرنون الفارس بالشاعر لأنه بذلك كان إلى الكمال أو كان كاملاً.
ونرجع إلى القصيدة إلى حيث يقول صاحبنا وشاعرنا في هذه الرحلة المزرد ابن ضرار: صحِ القلبَ عن سلمى وملَّ العواذلُ ... وما كادَ لأجلِ حبِّ سلمى يزايلُ فؤادي حتى طار عن فؤادي ... حتى طار في شبيبةٍ وشمالِ ويخطو من الشيبِ شاملٌ يقنئه ... ماءُ اليناءِ تحته شُكيرٌ كأطرافِ الثغامةِ ناصلُ فلا مرحباً بالشيبِ من وفدٍ زائرٍ ... متى يأتي لا تُحجبْ عليه المداخلُ وسقياً لريعانِ الشبابِ فإنه ... أخو ثقةٍ في الدهر إذ أنا جاهلُ والهوى بسلمى وهي لذّ حديثها ... لطالبها مسؤولٌ خيرٌ فباذلُ وبيضاءَ فيها للمخالمِ صبوةٌ ... ولهوٌ لمن يرنو إلى اللهوِ شاغلُ ليالٍ إذ تصبّ الحليمَ بدلها ... ومشيُ خزيلِ الرجعِ فيه تفاتلُ وعيني مهاتٍ في صوارِ مرادها ... رياضٍ سرت فيها الغيوثُ الهواطلُ وأسحمَ ريانِ القرونِ كأنه ... أسودُ رمانٍ سباطٍ الأطاولُ وتخطو على برديتينِ غذاهما ... نميرُ المياهِ والعيونُ الغلاغلُ
وقفنا إلى هنا في الشرح، كفى إجابة عن قول الجاحظي في تفضيل الخطيب على الشاعر. الجاحظ نفسه نقل كلام أبي عمرو بن العلاء، سيدنا، وأنه يقول كان الشاعر فوق الخطيب، وهذا الكلام قالوه.
الخطيب له فضل على الشاعر في الإسلام؛ لأشياء تتعلق بالشاعر وأشياء تتعلق بالخطيب، لا تتعلق بالشعر ولا تتعلق بالخطبة. نعم، وقد تكلمت عن هذا في غير موضع، وفصلته في كتابي، وطبعا هذا كتاب لا أسأل عنه الآن، هذا كتاب أؤلفه منذ سنوات سيكون مرجعا كبيرا إن شاء الله، وهو كتاب "أصول الفن الشعري عند العرب". هذا الكتاب أعمله براحتي، خلاص مش عايز حاجة من حد تاني، مش عايز حاجة تانية من حد، خلاص براحتي في حياتي.
تكلمت عن هذا يا إخوة في كتابي أيضا "كشف الجهالات وتفنيد المرقعات"، تكلمت عن هذا تفصيلا أو بشيء من التفصيل لما عرضنا إلى المسألة، وأنا أرد على الأعجمي رشيد حمامي قال: «فمن يك معزال اليدين». وفي مقدمة المرزوق تكلمنا عنه، صحيح، فمن يك معزال اليدين، وبالمناسبة فصلته أكثر ربما في كتابي الذي أؤلفه الآن "البيان عن تهافت النقد المنسوب إلى أبي بكر الباقلاني على قصيدتي امرئ القيس والبحتري". حقيقة قبل أعوام بعيدة، كنت أحلم وأرى في منامي من شوقي أنني أؤلف هذا الكتاب، هذه مبالغة، أقصد أتمنى شديدا وأرجو شديدا أن أؤلف هذا الكتاب، وهذا الكتاب قد بدأت فيه والحمد لله. ترون في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى ما تقر به أعينكم وتنشرح به صدوركم بإذن الله تعالى.
وسأخرج المدخل المفصل إلى المعلقات إن شاء الله، سأخرجه بإذن الله، أبشر به، ربما يخرج معه إن شاء الله عندما أنتهي من مشروع الكتاب أسلمه لأتفرغ لغيره. لكن هذا الكتاب إن شاء الله هو مخطوط، مشكلته أنه مخطوط يحتاج إلى الكتابة، كتبته بيدي على الورق وأتممته بيدي، لكن إن شاء الله خير بإذن الله.
«فمن يك معزال اليدين مكانه إذا كشرت عنابها الحرب خامل». أمين يا رب العالمين، أمين أمين. يقول: «فمن يك معزال اليدين»، معزال اليدين يعني أعزل من السلاح، وهذا خبر أول. يكون الذي يكون معزال اليدين، هذا خبر أول، ثم جملة «مكانه إذا كشرت»، يعني كشفت وقلصت الشفتين على الأنياب، «إذا كشرت عنابها الحرب خامل»، هذه جملة أخرى في موقع الخبر الثاني.
فمن يك معزال اليدين، ومن يك مكانه إذا كشرت عنابها الحرب خامل؛ «من يك» هو، و«مكانه» ليس اسم «كان»، بل هو خبرها. يعني من يك إذا كنت مكانك، إذا كشرت عنابها الحرب، يكون مكانك خاملا، إذا كشرت عن أنيابها الحرب. فهمتم وجه الإعراب؟
«فمن يك معزال اليدين مكانه إذا كشرت عنابها الحرب خامل، فقد علمت فتيان ذبيان أنني أنا الفارس الحامي الذمار المقاتل». طبعا الذمار هو كل ما يجب على الرجل أن يحميه وأن يذب عنه. فمن يك معزال اليدين مكانه إذا كشرت عنابها الحرب خامل، يعني ليس له لا يتدخل، فقد علمت فتيان ذبيان أنني أنا الفارس الحامي الذمار المقاتل.
انتبهوا يا إخوة، لا شرف دون سلاح، ولا سلام دون قوة، ولا شرف دون قوة. وكل من يقول لفئة من المسلمين: سلم سلاحك ونضمن لك السلام، فهو خائن، خائن، خائن، موال للكافرين، محرض، معين مستعد على المؤمنين، معين على المؤمنين. ولهذا تتغنى العرب بأننا لسنا بعزل، لسنا لا نملك السلاح؛ هل مثلا بعض الناس يحسبون معنى ذلك أن ليس معنا سلاح الآن، ليس في يدي سلاح؟ لا، هذه إشارة أبعد، كناية أبعد. هذه كناية عن أنهم قوم هم في أهبة السلاح دائما، وقد أعدوا السلاح دائما، والسلاح حاضر معهم دائما، فلا تأتيهم الحرب وهم عزل، أو أعزل من السلاح.
عدم السلاح شرع قلة شرف، وضياع شرف. السلاح شرف، وإلقاء السلاح استسلام وقلة شرف. مت بسلاحك. وبالمناسبة، هذا وأنا صغير لما كنت أجلس مع من كانوا جنودا في الجيش المصري وكذا، يخبرونني أن هذه مبادئ يتداولونها فيما بينهم: «لا تلقي سلاحك، حارب حتى تموت وإلا العار ينتظرك». هكذا في الجيش المصري، أعرفه، كان وأنا صغير يحكى لي هذا، يقول أخونا حتى عندنا هكذا، الجيوش العربية كانت وما زالت إن شاء الله، مت مع السلاح، مت مع سلاحك. تقول لي: ألقِ سلاحي، أسلم سلاحي؛ تعرفون ماذا حصل؟ كل من سلم سلاحه، لا تفاوض إلا مع السلاح، لا مصافحة وابتسامة إلا مع السلاح. أي بلد يفقد سلاحه ضاع، راجعوا تاريخ أمريكا واليابان لتعرفوا أن لليابان حدود وسقف، راجعوا تاريخ أمريكا واليابان.
نعم، طبعا يا خالد العنزي، الذي يسلم السلاح فضح، والموت موت. على فكرة، الموت ليس صعبا، الصعب ما إذا عشت ذليلا، هذا الصعب. الموت ليس صعبا، أنت إلى أين ستذهب؟ أنت عند ربك. هو لماذا الناس تخاف من الموت؟ الأرعب من الموت المهانة والذل والعار، هذا أرعب من الموت. أجدادنا الجاهليون الوثنيون كانوا كذلك.
«فمن يك معزال اليدين» يعتبر من لم يعد السلاح للحرب ليس شريفا، بل خامل، على الضد من صفات الفخر والمديح. «فمن يك معزال اليدين مكانه إذا كشرت عنابها الحرب خامل»، طبعا «كشرت عن نابها» هذه استعارة مكنية، موجودة في الجاهلية، جعل الحرب سبعا، وكشرت عن نابها، كشفت عنه؛ فجعلها سبعا أو ليثا وأسدا كشرت عن أنيابها.
فمن يك معزال اليدين، الشعر الجاهلي مليء بالشرف. «مكانه إذا كشرت عنابها الحرب خامل، فقد علمت فتيان ذبيان أنني أنا الفارس الحامي الذمار المقاتل». فقد علمت فتيان ذبيان هو ذبياني، فقد علمت فتيان ذبيان أنني أنا الفارس الحامي الذمار المقاتل، قد علمت إذا كان غيره كانت صفته كذا وكذا. ولاحظوا المزرد بن درار على ما ذكره في سيرته، كان بخيلا لا يحب أن يجيئه الضيف.
لكن لا يكون جبانًا، قد يكون بخيلاً، وليست صفة حميدة، بل صفة سيئة جداً. لكن الجبان لا يفر في القتال، قد يكون شجاعًا لكنه يبخل، يهجو الأضياف كما كان يفعل، كان فيه خبث غريب، كان خبيثًا هجاءً كما ذكروا في ترجمته، وقد قرأنا ذلك أمس في المجلس الأول.
خلاص، كان خبيثًا، لكن عند القتال لا يصح أن يكون خبيثًا أو أن يكون جبانًا، فقد علم فتيان ذبيان أنني أنا الفارس الحامي الذمار المقاتل، وإني أرد الكبش، والكبش جامح، وأرجع رمحي وهو ريان ناهل. الكبش هو كبير القوم، بطلهم وسيدهم، ومنه كبير هذه الخراف، تراه الكبير، الكبش الذي له قرن، فهذا كبشهم، أي هذا بطلهم الذي يتقدمهم.
«وإني أرد الكبش» وأتى بواو الحال، «والكبش جامح» يعني إذاً الكبش بطل القوم المعادين وتقدم إلينا أنا أردهم، «وإني أرد الكبش والكبش جامح وأرجع رمحي» يعني أرجعه إلى الديار، «وهو ريان ناهل». لماذا قال ناهل؟ من يعرف لماذا قال ناهل بيانياً؟ لماذا اختار كلمة ناهل؟ حتى لا نضيع الوقت، الناهل أو النهل هو الشرب مرة، والعلل الشرب مرة بعد مرة، التكرار، فهو قال ناهل أراد أنه نهل نهلات كثيرة، يعني أنه شرب مرات، أراد أن يقول إنه طعن طعنات كثيرة.
وهذا يذكركم، لمن كان منكم متيقظًا، أحسنت يا مجتبى، كثير الورد أو الورود، أحسنت، هذا يذكركم بقول عنترة: وَلَقَدْ ذَكَرْتُكِ وَالرِّمَاحُ نَوَاهِلٌ ... مِنِّي وَبِيضُ الْهِنْدِ تَقْطُرُ مِنْ دَمِي
«ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني» يعني ما معنى نواهل مني؟ الرماح تعمل هكذا نواهل، ينهل نهلة ويخرج، هذا عنترة، أنا قلت أحد غير عنترة؟ هل قلت غير عنترة؟ قلت عنترة، طيب هتشككوني ليه يا جماعة؟ هذه معلقة عنترة، وهذان البيتان من رواية ابن السكيت ليس من رواية الأصمعي: وَلَقَدْ ذَكَرْتُكِ وَالرِّمَاحُ نَوَاهِلٌ ... مِنْ بِيضِ الْهِنْدِ تَقْطُرُ مِنْ دَمِي فَوَدَدْتُ تَقْبِيلَ السُّيُوفِ لِأَنَّهَا ... لَمَعَتْ كَبَارِقِ ثَغْرِكِ الْمُتَبَسِّمِ
فالنواهل هكذا، فيقول ريان ناهل، يعني نهل نهلات فعلى صيغة فاعل، يعني ظل يطعن طعنًا كثيرًا لأن كل طعنة نهلة. «وإني أرد الكبش والكبش جامح وأرجع رمحي وهو ريان ناهل»، وعندي إذا الحرب العوان، التي قالوا التي قتل فيها مرة بعد مرة المستمرة، «تلقحت». قالوا تلقحت، بعضهم قال يعني حملت بالقتال، لا، تلقحت يعني حملت في بطنها حربًا جديدة، يعني الحرب العوان التي ستستمر وتدوم، وقد تلقحت في بطنها، حملت في بطنها أسباب الحرب المستمرة.
نعم، «وتلقح كشافًا»، أحسنتم ما شاء الله، أنتم متيقظون معنا، لكن أيضًا لستم متيقظين إلى التفاعل مع الشرح حتى يصل إلى الناس، يعني معي أربعون حاضرًا فقط، ربما لو تفاعلتم يزيد الحضور. «وعندي إذا الحرب العوان التي يقاتل فيها مرة بعد مرة تلقحت»، حملت أسباب القتال التي ستدوم، «وعندي إذا الحرب العوان تلقحت وأبدت هواديها»، الهوادي هي الأوائل، «وأبدت هواديها الخطوب الزلازل».
كلمة تلقحت معناها خلاص حملت في بطنها سبب القتال، وبما أنها عوان ستظل تحمل، وأبدت هواديها مقدماتها، وأبدت هواديها الخطوب الزلازل، يعني مثلاً لما قُتل كليب قتله جساس، هذه خطب زلازل، هذه حرب لن تخمد، هذه الخطوب الزلازل هي التي أبدت هوادي الحرب، أبدت مقدمات الحرب.
طبعًا هذا البيت يا إخوة لأخوة الشعر، وأيضًا لمن يحبون النقد حتى لا يخطئ الشعراء المعاصرين: «وأبدت هواديها الخطوب الزلازل»، هواديها أهمل أعمال الفعل فيها لأن الأصل «أبدت هواديها»، لكن أعمل فيها أو أهمل فيها أعمال الفعل، وهذا جائز في الشعر، عدم إعمال المضارع وعدم إعمال الجازم جائز في الشعر.
نعم أحسنت يا شيخ خالد، «ردت عليه أقاصيه ولبد» ضرب الوليد، ردت عليه أقاصيه، هذا جائز في الشعر، موسيقى الشعر طبعًا لها انضباط، ليس يفتح هكذا نضرب الإعراب، لا، لها شروط وأبواب دونها العلماء، وعلى رأسهم أولهم أبو سعيد السيرافي، الذي استل أكثرها من كتاب سيبويه، أبو سعيد السيرافي في كتاب ضرورة الشاعر، هذه لها قواعد، فالشعر له أصول وزنية جمالية تؤثر في الإعراب أحيانًا، طبعًا كما قلت لها ضوابط وحدود.
وهذه فرصة الآن لأبين لكم شيئًا، البعض يظن وللأسف بعض القدماء ظن هذا وخطئ، ومنهم ابن مالك صاحب الألفية وخطئ في هذا، بعضهم يحسب أن كلمة ضرورة شعرية، هل تريدون هذه الاستطرادات العلمية أم نكون في الأبيات مباشرة؟ الشرح الجملي هكذا تريدونه؟ تمام، ما شاء الله، جميل، أنا في الحقيقة أتحين الفرصة، لا أدري إذا جادت علينا المجالس بعد ذلك بسبب البيان أو لا، فكلما وجدت فرصة للبيان بينته.
البعض يحسب أن الضرورة الشعرية يضطر إليها الشاعر، الشعر لا يضطر إلى شيء، الوزن لا يوجد وزن يضطرك إلى شيء، انتبه إلى هذا، الله يرضى عليكم، لا يوجد شيء يضطر الشاعر إليه، لا يوجد شيء يضطر الشاعر إلى ما يسمى بالضرورة الشعرية، لأن الوزن لا يقيد، ويمكنه أن يجذب دائرة أخرى، الضرورة الشعرية معناها ضرورة جمالية.
هذا الكتاب أمامي، كتاب «ضرورة الشعر» لأبي سعيد السيرافي، تعلمون ما هو؟ خذ عندك المفاجأة، ما هي أول ضرورة شعرية؟ «مد الترنم: هل غادر الشعراء من متردمِ؟ أم هل عرفت الدار بعد توهمِ؟»، الأصل: «هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهمٍ؟ أعياك رسم الدار لم يتكلم حتى تكلم كالأصم الأعجم، ولقد حبست بها طويل الناقة أشكو إلى سفع الرواكد». طيب، إذا جئت بكسرة: «هل غادر الشعراء من متردمِ أم هل عرفت الدار بعد توهمِ؟».
هو باب ما يحتمل الشعر، قال سيبويه: «اعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام».
اسمعوا لحظة، يا صاحب قياس يتصل به على هاتفه، الولد في عمر قيس، قلت له يا حبيبي أنا في درس الآن وسأخبر قيس. درس إيه يا عمو؟ انظروا يا إخوة، قلت له: حبيبي أنا في درس وسأخبر قيس الآن، فكان صاحب قيس قال لي: عمو عمو أعطني تليفونك عشان أتصل بك ضروري في حال هو معه محمول يريد يتصل على قيس، لأن أم قيس تتشدد في لقائه، هو يعلم أن أنا راسي كبير، فآخذ هاتفي، فزوجتي أم قيس رأت أنه أخذ هاتفي، قالت لي: ستندم! وما زال يتصل كل عدة دقائق، فين قيس الآن؟ قلت له: حبيبي أنا في درس، فسألني بفضول: درس إيه يا عمو؟ فضول، لكنه جميل، يعني أنا اسمح لابني باللعب وبكذا حتى يبعد عن الهواتف، لا يقعد على الهواتف.
في صفحة 35، يتكلم عن الضرورة، يتكلم عن الضرورات بالزيادة، قال: «فأول ذلك ما يزاد في القوافي للإطلاق، فإذا كانت القافية مرفوعة مطلقة جاز إنشادها على كذا وكذا». وأخذ يذكر الآن أول ذلك ما يزاد للإطلاق:
هل غادر الشعراء من متردمِ ... أم هل عرفت الدار بعد توهمِ أعياك رسم الدار لم يتكلمِ ... حتى تكلم كالاصم الأعجمِ و أمن أم أوفى دمنة لم تكلمِ ... بحومانه الدراج فالمتثلمِ ودار لها بالرقمتين كأنها ... مراجع وشم في نواشر معصمي
لذلك من يؤدي هكذا: «معصمي مي مي مي»، أقول له: لا، هذه مدود فيها كلام، مد مدي، هذا من ترنم الشعر. فأول ذلك ما يزاد في القوافي هو الإطلاق، قال أبو سعيد السيرافي المتوفى عام 368هـ: «فأول ذلك ما يزاد في القوافي الإطلاق».
هل الشاعر مضطر؟ سؤال الآن: هل الشاعر مضطر؟ هل الشاعر محاصر، مزنوق، محرج ليزيد هذا الحرف أو هذا المد؟ يمكن أن يتركها، معنى كلمة ضرورة أنها ضرورة جمالية. انظروا ماذا قال: «وليس تخرجها جودتها عن ضرورة الشعر»، إذ كان جوازها بسبب الشعر يعني بسبب جمال الشعر ضرورة جمالية وليس تخرجها جودته. هذا كلام أبي سعيد السيرافي يا إخوة، ليس كلامي، والله ليس كلامي، كتاب السيرافي تحقيق الدكتور رمضان عبد التواب، من علماء التحقيق في مصر رحمه الله.
ويقول: «وإنما جاز فيه هذه الزيادة في الشعر في القوافي لأنهم يترنمون بالشعر ويحدون به، ويقع فيه تطريب لا يتم إلا بحرف المد». يبقى هذه اسمها ضرورة، ضرورة جمالية شعرية، ولذلك أنا أحب أن أسميها ضرورة جمالية. وإنما جاز فيه هذه الزيادة في الشعر في القوافي لأنهم يترنمون بالشعر ويحدون به، ويقع فيه تطريب لا يتم إلا بحرف المد، وأكثر ما يقع ذلك في الأواخر، وكان الإطلاق بسبب المد الواقع فيه للترنم. فكان الإطلاق يعني أن تفتح الحركة تمد الحركة، تطلقها يعني تأتي بالحركة وتفتحها لحرف بدل حركة الفتحة تكون ألفًا، والضمة تكون واوًا، والكسرة تكون ياءً. السبب في ذلك كان الإطلاق بسبب المد الواقع فيه للترنم.
ولذلك يجوز في الحشو، أي في أثناء البيت أحيانًا يجوز إذا كان له أثر، ولهذا أجازوه بحدود، مثل: «وأبدت هواديها الخطوب الزلازل». لم يقل: «وأبدت هواديها الخطوب الزلازل» وأظن لا يوجد مخلوق عاقل على وجه الأرض يقول إن المزرد بن ضرار أتى بهواديها اضطرارًا، لأنه لا يستطيع أن يفتحها أو يعمل حركة أو يأتي بكلمة أخرى، فما هو خطأ في اللغة، وليس الطرة؛ ما في شيء اسمه الطرة في الشعر، الطرة يعني الزناق في القافية، هو عاجز أن يأتي، إنما تجوز في الشعر لها حلاوة.
ثم هذه الأشياء مراتب كذلك، وجاءت عند النابغة وعند كعب بن زهير: «أرجو وأمل أن تدنو مودتها ... ولا أخال لدينا منك تنويل». أرجو وأمل أن تدنو مودتها، الأصل أن تدنو في النثر، لكن قال: «أن تدنو مودتها ولا أخال لدينا منك تنويل»، جائز في الشعر. وعقيل جاء بها، والبعض أخذ يخطئه، يعني خطأ نحوي مر علينا في مراجعة القصيدة بهذا الوضوح.
وعندي: «إذا الحرب العوان تلقحت ... وأبدت هواديها الخطوب الزلازل»، طوال القرى. عندي خبر مقدم، وطوال القرى مبتدأ مؤخر، أي: وطوال القرى عندي مبتدأ مؤخر، وعندي خبر مقدم. «وعندي إذا الحرب العوان تلقحت وأبدت هواديها الخطوب الزلازل طوال القرى». ما معنى عندي؟ يعني جهزتها الشرف في الإعداد، الشرف في الإعداد. يا أخي، القرآن قال لك: ﴿وَأَعِدُّوا﴾، ليس "وتجنبوا" ولا "وسايروهم في الفسوق" حتى لا تضطر إلى فسوق أعلى منه، قال لك: ﴿وَأَعِدُّوا﴾. إنما نحن نعد لبعضنا ونخطط لبعضنا ونمكر على بعضنا، إنما قال لهم: ﴿وَأَعِدُّوا لِأَعْدَائِكُمْ﴾، وقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.
للأسف، هذه الكلمة لا أذكر من قالها فينا، كلما تذكرتها طعنتني. قال: المسلمون العرب الآن يؤمنون بنص القرآن ويكفرون بمعناه، يقول: يقدسون نصه وكتابته ويمسكون المصحف، ويكفرون ويمتهنون معناه، يخالفون معناه كأنهم لا يؤمنون به أصلاً. الله يقول: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، ونحن نركن إليهم ونأتي بالفجور في بلادنا بحجة تجنبهم، هل في حاجة اسمها آتي بالفجور في بلادي لأتجنبهم؟ قل إنك فاجر، وانك راضٍ بهذا. الله يقول: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، وكذلك وصفهم بأنهم يسارعون فيهم، يقولون: نخشى أن تصيبنا دائرة. يا أخي، القرآن نص على كل ما يحصل، ونحن كأننا نكفر بالقرآن ونمهين معناه، كأننا لا نؤمن به. والله قالها بعضهم، لا أذكر من قال، قال: المسلمون يقدسون نص القرآن ويهينون معناه، كأنهم يكفرون به يعملون عكسه تمامًا.
نعم بالضبط يا شيخ خالد، بالضبط. العلم بالتلقي مع نكفر بمعناه، كأننا لا نؤمن به، ليس أننا ضعاف في العمل به، كأننا لا نؤمن به.
يأتي به القرآن لا نثق فيه فنذهب ونعمل عكسه، فهذا عجيب؛ عجيب الأعداد يا إخوة. وأعدوا، "أعدوا" هذه في القرآن ليست للإخوان المسلمين، أعدوا هذه في القرآن يا إخوة، كل ما أقول لك أعدوا يبصوا للإخوان المسلمين؛ أنا مالي بالإخوان المسلمين ولا غيرهم؟ أنا أتكلم عن كتابي، عن قرآني، أعدوا وليس سارعوا.
فليقتضِ المسلم اليوم بالجاهليين لأنهم صاروا أقل من الجاهليين، لا يبلغون الجاهلية بشيء. جاء الإسلام ليتمم مكارم أخلاقهم فضيعوا الأصل وضيعوا التمام، وسلط الله عليهم ذلاً لا ينزعه عنهم حتى يرجعوا إلى دينهم وحتى يعتصموا بحبل الله جميعًا.
«وأعدوا».. وعندي إذا الحرب العوان، تلقحت وأبدت هواديها، الخطوب الزلازل، طوال القِرى، خيل طويلة القِرى. القِرى يعني طويل الظهر، طوال القِرى قد كاد يذهب كاهلا. طوال القِرى قالوا طوال، فوق الطويل، طوال؛ إذا قلت طوال هذا فوق الطول، طويل، نعم صحيح.
أصبحنا أشداء على أنفسنا رحماء على الكفار، وأنا أحمد الله سبحانه وتعالى يا إخوة أنني كلما رأيت مسلمًا أشعر بالعاطفة نحوه مهما كان من كان، إلا إذا أعان على أخي، إلا إذا كان ممن يعين على إخوانه بالمال، أو بالإعداد، أو بالتقوية، أو بالكلمة، أو بالسكوت، أو بأي شيء؛ لا أحترم من يعين على إخواننا. لكن بعد ذلك كل مسلم، والله كان من كان، أعذره وأفهمه كيف نشأ وكيف كذا، وأحبه وأذب عنه؛ لأن القرآن خاطبني فيه، ولأن حديث النبي ﷺ خاطبني فيه.
للأسف كل فرقة تأخذ أحاديث النبي ﷺ ونصوص القرآن العظيم على أنها المقصودة نحن، المؤمنون هم نحن فقط، نحن المؤمنين؛ أما بعد ذلك فهؤلاء مع الكفار، بل هم أكثر من الكفار. ستظل هكذا مهزومًا، ستظل هكذا لأنك تعلم أنه ليس كافرًا، وتعلم أنه أخوك، وليس عندك مثقال ذرة من دليل تخرجه من نصوص الكتاب والسنة، ليس عندك، وعليك أن تتعامل على هذا.
المسلمون جميعًا تتكافأ دماؤهم، مثل المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا، مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. أما الذين ليسوا منا فهؤلاء الذين لا يعنينا، هؤلاء والله لا أعرف لهم ختامًا إلا بذلة، لا يختم لهم إلا بذلة. ولا أعلم أحدًا وقف للحق وإن اضطهد إلا أعزه الله وختم له بالعزة، هذا مضطر في البشر؛ لا أحد يقف وقفة الحق وإن كان الجميع ضده وإن خاف على نفسه إلا أعزه الله وختم له بالعزة.
وما من أحد واثق في الحاكم الذي يعطيه، وواثق في ما يسميه ولي أمره، ولم يسكت حتى عن باطله وضغفه، بل أخذ يسوغ له شرعًا، إلا إذله الله بيد هؤلاء الذين يمدح ليل نهار، يا أخي اسكت، رأيت الخزي، اسكت، لكن لا، لازم يطلعه صح وحكيم، يذله الله بأيدي هؤلاء، والله لأنهم لا يحترمونه أصلًا.
نعم، للأسف حصل من كثيرين، وفرق بيننا للأسف الشديد، وبالمناسبة يا إخوة أنا لا أخص أحدًا بهذا، وقع في كل البلاد تقريبًا. دبوا بينهم بسرطان التفريق وجعلوا بينهم، دبوا بينهم بسرطان التفريق وجعلوا يخافون من بعضهم ويشِيّون ببعضهم. أنا كلامي مع الجميع، مع الجميع فقط، يرجعون إلى أنفسهم ويعملون فيما بينهم، يذكر بعضهم بعضًا بأنهم مؤمنون وبأنهم يصدقون القرآن ويتحدون.
والله مصر هذه البلد العظيم ودولتان أخريان يقلب كيان العالم؛ مصر وبعض الدول الإقليمية التي لها ثقل يقلب نظام العالم، يخاف منهم جدًا، لكن هم يريدون مصر وحدها خائفة، والسعودية وحدها خائفة، وسوريا وحدها خائفة، والعراق وحده خائف؛ هنا اقتصاد، هنا طائفية، هنا مشروع، هنا تفريق، تفريق، تفريق. فريق فقط، فنيق وسترون حلاوة الاقتصاد والقوة وكل شيء، ستعرفون أنهم يمتصون دماءنا أصلًا، أليس هذا هو الحاصل؟
جميعنا هكذا، نحن بالنسبة إليهم وقفة واحدة تكلفنا الكلمة الأولى فقط، وترون الخير العميم؛ كتاب الله قائم ووعده قائم. مصر، السودان، ليبيا، الجزائر، السعودية، الشام، العراق؛ هذه غول، هذه غيلان، ما ينفعش كل غول يكون خائفًا من أخيه. أمة كتاب واحد، دين واحد، لسان واحد، يحرشون بينهم للتخلخل. لا أحد سيتولف مع الكيان، انسَ؛ لو اعتزلت عن أخيك بالكيان مستحيل لن تستطيع، هو سيلفظك، الكيان لن يرضى بك.
أقول لكل عربي مسلم: أخوك في أي بلد عربي أقرب إليك وأولى بك دينًا وخلقًا وشرعًا وعرفًا وعقلاً وكل شيء. «طوال القِرى قد كاد يذهب كاهلا»، هذا تعبير غريب، يقول: قد كاد يذهب كاهلا. أخونا يقول المشكلة ترامب نفسه يهين من طبع معه. يجمع بيننا يا إخوة ديننا وقرآننا ولساننا، لساننا العربي المقدس حتى عند غير العرب من المسلمين.
يعلم الله أن جل ما يؤرقني هو هذا التوحد، أن نتوحد، أن نتوحد، أن نتوحد، يرى العالم منا العجب إن شاء الله، يرى العالم العجب. والله مصر وحدها قوة عظيمة جدًا، أسأل الله أن يحفظها، مصر قوة عظيمة جدًا إذا تآزرت مع بعض القوى المقاربة، خلاص يخشى منها. مقصود عزل مصر، مقصود عزل كل دولة وحدها.
هذا التعبير غريب جدًا، قال: قد كاد يذهب كاهلا. نرى ما قال في هذا البيت الأنباري في شرحه، يقول: قد كاد يذهب كاهلا، يريد أنه عُرِض من قبل كاهله، وهو مغرز العنق في الصلب إذا ما اكتنفه الكتفان، لكن التعبير غريب ما زلت أحاول إيعابه. طوال القِرى، عارفين طويل القِرى والروق، فالقِرى الظهر، فأقول هنا: طوال القِرى قد كاد يذهب كاهلا، أراد أن كاهله عريض جدًا، كتفه عريض، وهذا معناه أن صدره ولبانه عريضان. لكن التعبير الذي وقفت عنده طويلًا: قد كاد يذهب كاهلا، كلمة يذهب كاهلا أو كاد يذهب كاهلا غريب بعض الشيء، يعني كاد يعني يخرج عن الحد، هل كاد يذهب كاهلا يعني يتلاشى؟ كاد كاهله ألا نراه من عرض ظهره؟ ربما يفهم هذا أنه من عرض ظهره كاد كاهله لا نراه، يذهب، التعبير غريب عندي، ما زلت.
أحاول إيعاب هذا التعبير، قد يبدو لكم سهلاً قريباً، لكن إسقاطه على الصورة والمعنى يحتاج إلى نظر. نعم، أهو أخونا مثلاً مجتبى يقول شيئاً آخر تماماً؟ قال: "اختفاء الأكتاف من الطول"، يعني طويل القرى قد كاد يذهب كاهله، كاد يذهب كاهله؛ أمام هذا المبالغة رديئة جداً، خلاص ليست فكرة أهل الخيل أو غير أهل الخيل.
التعبير "قد كاد يذهب كاهله"، هل معناها يذهب بمعنى يمتد عرضاً كما هو ظاهر في كلام الأنباري؟ هل معناه قد كاد يذهب كاهله، أي يتلاشى؟ يعني يذهب كاهله، كاد يتلاشى من عرض ظهره، من عرض كتفيه، ما بين كتفيه حتى لا ترى كاهليه.
أنا ما زلت أحلل هذا التعبير بوصفه تعبيراً جاهلياً، هذا تعبير جاهلي. "قد كاد يذهب كاهله"، لا تستهينوا، تقول: "آه قد كاد يذهب كاهله"، هكذا ساذج؟ لا، هذا التعبير يقع بالحرف في مكانه. فأنا لا أتعجل، لا أقول هذا مما أتوقف فيه، أنظر ماذا يريد منه، كيف أراد منه، ماذا يريد منه تقريباً؟ عرفنا هذا أو ذاك. ثم الأهم: كيف أراد؟ شفت ثلاث كلمات؟ ثلاث كلمات: "كاد يذهب كاهله"، ربما أقف فيها سنين أتأملها، سنين والله، وأبحث عن شبيه لها.
نعم، "طوال القرى قد كاد يذهب كاهله، جواد المدى والعقب والخلق كامل". الواو الأخيرة في "الخلق كامل" واو الحال. يقول: "جواد المدى"، يعني يجود بجريه إلى المدى، يكثر الوصول إلى المدى، يسرع كثيراً إلى المدى. "والعقب"، العقب هو الجرية التي تعقب الجرية الأولى، التي يكون الفرس بعدها خلاص يعني هدأت وسيتعب، لا يجري واحدة أخرى، فهو يجود بالعقب ويجود بالوصول إلى المدى، ورتب هنا فقال: "جواد المدى"، المدى يعني الغاية التي يصل إليها للسبق، ثم يقطع مسافة أخرى ويجود بالعقب. كذلك، فإذا حسبته لأجل ذلك ضعيفاً نحيفاً، قال: "والخلق كامل"، عضلاته وقوته، والخلق كامل ومنها ما سيصفه من ظهور أضلاعه.
"طوال القرى قد كاد يذهب كاهله، جواد المدى والعقب والخلق كامل". كل هذا وصف لما وصف به الفرس بأنه طوال القرى، جواد المدى والعقب والخلق كامل. "أجش صريحي كان صهيله مزامير شرب جاوبتها جلاجل". هذا التشبيه... "أجش صريحي"، الأجش خشن الصوت، وصريحي نسبة إلى فحل قديم يسمى "الصريح"، وواضح أن صوته بصمة تعرف منها الخيل التي هي من نسله، حتى ربما قال بعضهم في هذا، وهذا الشرح أغلبه منقول من الأنباري كما لاحظت.
قال: "أجش خشن الصوت، صريحي منسوب إلى فحل يدعى الصريح". هنا قال الأنباري: "الذي في صوته جشه، وذلك يستحب في الخيل". قال: تكون الجشة في صوت الفرس لعتقه، وصريحي منسوب إلى الصريح فحل، ويقال غرابي منسوب إلى غراب فحل أيضاً. فيقول: "أجش صريحي"، وواضح هنا قد يُفهم من هذا الترتيب أن الخيل التي من هذا الفحل لها صوت تُعرف به، أو يقول هذا شكله واضح أنه من صريح هذا الصوت.
"أجش صريحي كان صهيله مزامير شرب جاوبتها جلاجل". الجلاجل هي الصلاصل أو الأجراس. فيقول إنه يمتد طويلاً كالمزمار، ثم في الأخير له هذه الناهية في صوته وكأنها أجراس من قوتها. "مزامير شرب"، الشرب هم القوم الجلوس الذين يشربون، "جاوبتها جلاجل"، أي ردت عليها الجلاجل، وهي الأجراس الصغيرة.
شوف التشبيه يا إخوة، يقول لك: لو كانت عقولهم بدوية قريبة لا تفهم الأفكار ولا تغوص... أنت الذي تروح تغوص في بنيته. "أجش صريحي كان صهيله مزامير شرب جاوبتها جلاجل"، يعني جعل الأخير هذه جعلها تجلجل كالأقراص، وجعل ما قبلها كمزامير الشرب؛ لماذا؟ لأنهم جلوس ويمدون بها، والشرب هم الشباب الخارجون مع بعضهم ويتمتعون ويمرحون ويلعبون.
"متى يرى مركوباً يقال باز قانص". يقال "متى يرى مركوباً" يقال "باز قانص". وفي مشيه عند القياد تسل... الله يا مزرد، غفر الله لك، لأنه أسلم يا إخوة، هذا المزرد أسلم وقالوا تاب عن الهجاء. يقول: "متى يرى مركوباً يقال باز قانص"، يعني لا يركب إلا وتراه ينقض.
اذهبوا إلى البيت الخامس بعد العشرين، فيه تفسير لهذا البيت. "يرى الشد والتقريب نذراً إذا عدى". يرى الشد والتقريب نذراً إذا عدى، يعني إذا جرى، فهذان النوعان: الشد والتقريب، كأنه نذرهما يراهما نذراً إذا عدى. ولما نأتي إلى هذا البيت، سأقول لكم هذا الشاعر عبقري خطير وليس سهلاً، وكان يفهم امرأ القيس جيداً جداً، وسترون الآن كيف استلهم من امرئ القيس ولم ينتبه إليه أحد.
نعجل بهذا البيت لأننا ربما لا ندرك اليوم، ترون كيف سرق من امرئ القيس بدون أن ينتبه إليه أحد، وأنا أسجل في التاريخ أنني الذي انتبهت إلى هذه السرقة. امرؤ القيس ماذا قال هناك في معلقته؟ قال: ﴿أَيَطْلُبُ ظَبْياً وَسَاقِيَ نَعَامَةٍ﴾. ركز معي لأنك تقرأ لمش عارف يوسف من الحداثيين والذين كتبوا في وقت الحداثة والمفسرين الرمزيين، يقول لك: الشاعر كامرئ القيس يجمع الأوصاف التي لا علاقة لها ببعضها، فمثلاً ربما يأتي هنا ويقول فجمع وصفاً للأيطل الخصر، ووصفاً للساق التي تحت الفخذين، ثم وصف نوعين من الجري.
وهذا تجميع، شوف لا ليس يوسف خليفة، يوسف خليفة محترم، اسمه يوسف، لا أذكر من الحداثيين من أصحاب الشروح الحداثية، ككمال أبو ديب وهؤلاء، وريتا عوض وهذه المجموعة. كمال أبو ديب وريتا عوض لك أن تدخل فيهم إذا أردت لكن مع الاختلاف طبعًا، ومصطفى ناصر رحمه الله، المهم لكن ليس مثلهم، هذا أعدل. أما يوسف، لا يذكر يوسف، المهم أن يوسف خلاف هذا، هو مؤرخ محترم وكنت أخالفه في تفسيره لكن هو باحث محترم، وكذلك ابنته. أما محمد النويهي فهو حداثي رومانتيكي، ليس من الحداثيين بل حداثي رومانتيكي، وكذلك ابنته مي يوسف خليفة أستاذة جليلة، تبدو على خطأ أبيها، لكن نختلف معهم شديدًا.
المهم يقولون لك: امرؤ القيس يجمع أوصافًا لا علاقة لها ببعضها وكذا، ولا مش عارف إيه، وهذه صفات لا تمت لبعضها بصلة، فهو وصف عضوين ووصف جريين له: «إيطلا ظبي وساقا نعامة، وأرخاء سرحان وتقريب تدفلي». لو كلف نفسه بالرجوع إلى مصنفات الخيل لوجد أن جياد الخيل وعتاق الخيل توصف وتمدح، الله يرضى عليك يا شيخ خالد رضي الله عنك، توصف وتمدح بضمور البطون أنها ضامرة ومرتفعة، ويشبهونها بإيطا الظبي.
خلاص، كما قال هنا، يرى الشد والتقريب نذراً إذا عدى، وقد لحقت بالصلب منه الشواكل. الشواكل هي جوانب البطون، الإياطئ الخصر لحقت بماذا؟ بالصلب، بالظهر، يعني التصقت بطنه من جهة الشواكل، جهة البطون من الخلف من عند الفخذين، التصقت بالظهر.
امرؤ القيس يقول له: «إيطلا ظبي وساقا نعامة»، الساق ما تحت الفخذين في القدم السفلى، في الخلف تحت الفخذين. وإذا رجعتم إلى مصنفات الخيل، ستجدونهم يصفون الخيل الجياد القوية التي يكثر عدوها بضمور البطون وبنحافة الساقين، تكون كالحشبة، نحافة الساقين ويبس الساقين كساقي النعامة. تلاحظون امرأ القيس ذكر الإيطلين الضامرين، والساقين اليابستين كساق النعامة، والخصرين الضامرين كخصر الظبي. لماذا؟ لأن هذا يكون ناتجًا عن الجري والعدو الكثير.
لماذا مرّ الفخذين وجاء إلى الإيطلين بالنحافة وجاء إلى الساقين بالنحافة واليبس كساقي النعامة؟ لأنك إذا راجعت كتب الخيل كذلك، سترى أن الخيل الجياد توصف باستدارة أفخاذها، امتلاء الفخذين، فإذا كان الفخذان ممتلئين، يكون الإيطل مشفوطًا، والساقان تحت الفخذين يابستين كساقي النعامة. وضمور الإيطلين كما قلت هما عن العدو الكثير، ولذلك قال له: «إيطلا ظبي وساقا نعامة»، ثم ذكر نوعين من الجري: «أرخاء سرحان وتقريب تدفلي»، فربط بين الضمور في الإيطلين وبين العدو.
جاء هنا المبرد بن ضرار فقال يرى الشدة والتقريب الذي ذكره امرؤ القيس أيضًا نذراً إذا عدى: «اسمع وقد لحقت بالصلب منه الشواكل». هي في الحاصل في الصورة: «له إيطلا ظبي وساقا نعامة وأرخاء سرحان وتقريب تدفلي». وذكر التقريب هنا فكأنه لاحظ ربط امرئ القيس بين الإيطل والجري، لا سيما التقريب الذي ذكره هنا.
ولأن الفرس يوصف بضمور الإيطلين وامتلاء الفخذين وعرض الصدر في الأمام: «لما جئت إلى البيت ضليعٌ، إذا استدبرته علقت». أنا أقرأ هكذا، «ضليع إذا استدبرته». ولأن الفرس يوصف بنحافة الساقين أو بيبس الساقين وامتلاء الفخذين، يكون ما بين الساقين فرجًا كبيرًا، أشار بذلك إلى كثافة ذيله حينما قال: «ضليع إذا استدبرته»، سد فرجه الذي هو المسافة بين الساقين بضاف. أنت عارف يعني إيه يكون الفرس ضليع من الخلف؟ يعني أفخاذه ضليعة ممتلئة، وأن تكون ساقاه كساق النعامة معناه أن هناك مسافة فرج كبيرة بين ساقيه، قال سدها بضاف: «فويق الأرض ليس بأعزل»، فسد الفرج الكبير لأنه ضليع وساقه نحيفة يابسة كالنعامة، فهذا الفرج الكبير سده بضاف، فويق الأرض ليس بأعزل، أي كثافة الشعر وسبوغ الشعر، كثير سابغ، كثير أفيف.
نعم، قلت لكم لا تتسرعوا في قراءة الشعر الجاهلي، فيه عبقرية لن تروها في التاريخ. لا تتسرعوا، أنا متفرغ عليه، آخر قطعة من عمري متفرغ عليه ومقتنع بهذا التفرغ؛ لأننا لن نحيي هذه الأمة وهذا اللسان مرة أخرى إلا بربطها باللسان الجاهلي مرة أخرى، ولن تروا إعجاز القرآن حقيقة ماثلة أمام أعينكم بالنظر في المصحف أو بسماع الآية من القرآن، إلا إذا فهمتم الشعر على الجاهلية. وهذا ليس كلامي، هذا كلامهم، لكن أنا متفرغ للوصول بجمهرة المسلمين إلى هذا ولو بعد حياتي إن شاء الله.
لكن نفتح الباب، رأيتم الأوصاف كيف جاءت، رأيتم كيف كان الشاعر رهيف الحس، كان في رأسه -أنا أكاد أجزم يا إخوة- أكاد أجزم أنه كان في رأسه قول امرئ القيس: «له إيطلا ظبي وساقا نعامة، وأرخاء سرحان وتقريب تدفلي»، وهو يقول: «يرى الشدة والتقريب نذراً إذا عدى وقد لحقت بالصلب منه الشواكل».
يقول سائل: ذبلت قصيدة البحتوري، أهلاً بذلك الخيال المقبل. طبعًا كل العباسي ذبل يا مولانا، أنا أعرف هذا، بالمناسبة، لكن دعني أصارحكم بشيء: شعر البحتوري يعطيني المجال والفرصة للتقرب إلى الناس به، يعني جميل، سهل، سلس، كما رأيت امرأ القيس وكما رأيت هنا، أظل أشرح، ليس كل الناس يتحمل هذا.
«أصريحي كان صهيله مزامير، شربتُ جلاجل فجاوبتها جلاجل، متى يرى مركوبه يقلبز قانص». يعني لا يرى مركوبًا وهو يمشي عادي يجري، طيب إذا لم يكن مركوبًا وكنت تقوده وفي مشية عند القياد تسلل، تسلل يعني تتابع، يقال تساتلت الأخبار تتابعت، يعني وهو يمشي يتحنجل كما نقول حنجلة هكذا من حماسه ومن انفعاله، إذا ركب تقول «باز قانص». والأنباري في شرحه قال: خص الباز بالقانص لأنه أشد في الهجوم على الطير؛ لأن صاحبه دربه على أنه يجازيه على الطعام على ما يصطاد، فهو يجوعه ويصيد به، فهو تراه منقضًا، بخلاف البازي في البادية ربما يترك، ربما لا يتحمس، لكن البازي مع القانص فله شأن آخر، فقال «باز قانص» لأنه أشد في الانقضاض والحرص على الفريسة.
لأن صاحبها يجيعه وكذا، خلاص. فقال: «متى يرى مركوباً يقلّ بازقانص»، وفي مشيه عند القياد. تقول: إذا أبصرته وهو صائم. ومعنى صائم هنا قالوا: قائم؛ خلاص قائم يعني واقف على شيء هكذا، تقول: إذا أبصرته وهو صائم، ثابت هكذا.
وهذا البيت، أو أقول لعل هذه الأبيات هي التي أوحت للبحتري بأبيات اللامية؛ قلت لكم في الأول شعرت بأن البحتري نظر إليها سواء في بنائها أو بعض أبياتها. ماذا قال البحتري؟ شوف، شوف خبث الشعراء، يا أخي، أو لقم مكر الشعراء، بلاش خبث ولؤم. تفسر تفسيرات أخرى في أصل اللغة أو في المشهور من اللغة: مكر الشعراء.
يقول البحتري ماذا؟ في الانقضاض ماذا؟ قال ماذا قال في الانقضاض؟ البحتري لما قال: «وينتصب انتصاب الأجدل» أول البيت يا إخوة، «وينتصب انتصاب الأجدل»، ماذا قال البحتري في البيت الذي آخره «وينتصب انتصاب الأجدل»؟ «متوجس برقيقتين كأنما تريان من ورق عليه مفصل موفصل، يهوي كما تهوي العقاب». أنتم قلتم البيت الذي قبله: «يهوي كما تهوي العقاب وقد رأت صيداً وينتصب انتصاب الأجدل». صح؟ انظر: «متى يرى مركوباً يقل بازقانص»، تقول إذا أبصرته وهو صائم، «خباء على نشز أو السيد ماثل».
هذا كأنه إيحاء له، لاحظتم توارد المعنيين جاء في بيت واحد عند البحتري. ما هو الشاعر؟ يأخذ المعنى هكذا، أو المعاني، ويقلبها في رأسه. مكر الشعراء: «يهوي كما تهوي العقاب وقد رأت صيداً وينتصب انتصاب الأجدل». دليل هو أخذ صورة: «يقل بازقانص»، «وإذا أبصرته وهو صائم». فالبحتري شاعر عظيم، فقال لك: أنا ممكن أن أجمع في بيت واحد. شوف، شوف، أنا أكشف لكم دواخل الشعراء؛ أكشف لكم دواخل الشعراء. ما حسب الشعراء البحتري وغيره أنه يأتي بعده بقرون، إنسان يدرس ما كان في عقله وفي صدره عن طريق ما تركه من الكلام.
يقول أو تصور هذا لوجود القارئين للشعر، تقول إذا هو ذكر في بيت هنا: «متى يرى مركوباً يقل بازقانص»، والبيت الذي بعده: «تقول إذا أبصرته وهو صائم». طيب، إذا هناك صورتان: هوي وانتصاب، طيب ما أنا أجمعهم في بيت واحد. أنا حديث نفس البحتري، الشيطان؛ فأنا أجمعهم في بيت واحد. «يهوي كما تهوي»، إيحاءات كلها إيحاءات؛ «يهوي كما تهوي العقاب وقد رأت صيداً وينتصب انتصاب الأجدل». ها، تقول: «إذا أبصرته وهو صائم»، قائم، منتصب، صائم يعني قائم هكذا، منتصب، «خباء على نشز».
الخباء هو البيت الذي يوضع عليه الأثواب وكذا، وعلى عيدانه الخشبية. والنشز: المرتفع. «خباء على نشز»، تقول كأنه في مكان ناشز في الأرض مرتفع هكذا وضعوا عليه خباءً، فارتفاع الخباء مع ارتفاع النشز، «خباء على نشز ماثل»، هكذا تقول: «إذا أبصرته وهو صائم، خباء على نشز أو السيد ماثل».
خروج أضاميم، هذا أسلوب حسن جداً، خروج أضاميم؛ لا يستعمل الآن، لا يستعمله حتى الشعراء المجدون في عصرنا الذين أمدحهم. دائماً، وهنا لما أقول الشعراء المجدون في عصرنا لابد أن نرسم لهم حدوداً على واقعهم، ليس افتراءً عليهم. أنتم لما أقول إن الشعراء المعاصرين، سواء كان التميم، كان بدري، كان فلان، كان فلان، أقول هؤلاء لهم حدود لم يتجاوزوها؛ أنا أعرف هذا، ليس إعجاباً هكذا أو كلاماً وخلاصاً وتعلقاً بالقدماء وثقة بأن الناس ستصدقني في القدماء. ما هو أنا لو جئتك الآن بدون أي دليل وقلت لك لا يبلغ هؤلاء أحداً من القدماء، أنتم ستصدقونني، تقول: أيوه صح يا أبو قيس. ومع ذلك والله لا أتعلق بهذا، لا أتعلق بالتصديق الجماهيري على كلامي، ما قلت هذا إلا عن علم بما عند القدماء.
هذا الأسلوب: خروج أضاميم؛ أن يأتي بصيغة المبالغة ويضيفها إلى محل الفعل الذي يقع فيه. ستفهمون هذا الآن؛ الأضاميم جماعة من الخير، الواحدة منها أضمة، فالأضاميم جماعات الخير. خروج أضاميم، معنى خروج أضاميم يعني الذي أكثر الخروج، كلما رأيت جماعة خيل تتحرك كان يخرج منها متقدماً من حماسه، فلم يقل إنه يخرج من الأضاميم، أنه كثير التقدم على جماعات الخيل، قال: «خروج أضاميمهم». هذا الأسلوب غير مستعمل الآن. عرفتم لماذا؟ ألزم طلابي من الشعراء المعاصرين بألا يخرجوا حتى يجيدوا أن يقرأوا شعر الجاهلية وأن يتشبعوا منه، لأن هذه الأساليب ما زالت لم تخرج.
أسألكم سؤالاً، سأعمل تحدياً معكم، مستعدون؟ طيب، آتوني بقصيدة واحدة معاصرة من شاعر أجاد بنى موضوعاتها، تعددت موضوعاتها وبنى موضوعاتها بهذه الدقة، بمثل هذه الواو؛ واو العطف، مش واو الربط، واو العطف، واو ربه أيضاً غير موجودة مع أنها مشهورة في الشعر، لكن لا، واو العطف كهذه القصيدة قرأتها لكم أمس. آتوني بقصيدة بنيت هذا البناء، أنفاسهم لا تأتي بهذا إلى الآن، أنفاسهم لم تأتِ بهذا. فهمتم لماذا قلت لكم الشعراء أطلب المستحيل؟ الشعراء المجيدون الموجودون الآن هم تجربة بكر. قلت لكم معنى هذا الكلام من قبل؛ الشعراء المجيدون الموجودون الآن في عصرنا هم تجربة بكر، ينقصهم الدراسة العلمية، ينقصهم الارتقاء في المستويات. هم كما قلت في محاضرة من يومين: اكتفوا، كما قلت الشعراء المجيدون ما لهم وما عليهم، المعاصرون اكتفوا بنوع برتبة من الإجادة، ما زال أمامهم الكثير، التجربة بكر كما قلت.
ولهذا أردت لمدرستي في رواد القصيد أن تكون على غير هذا، ولهذا لا ترون حتى من أذنت له بالخروج منهم ينشر ويعمل، هو يعلم أنه ينقصه الكثير، هو لا ينتظر الجماهير، أنتم لا تغرونه، تصفيق الجماهير لا يغره، هو يرى «خروج أضاميم»، لماذا لا نستعملها؟ هذا البناء بحرف العطف، قصيدة كاملة بنيت بحرف العطف بواو، لا تجد قصيدة واحدة معاصرة مشت على هذا مهما أحسن صاحبها، «خروج أضاميم»، وشوف صيغة الفاعل، صيغة المبالغة: «فعول»، خروج، فعول.
«واحصن معقلاً إذا لم تكن إلا الجياد». معقل الأنبارى له تفسير في هذا البيت أخالفه فيه. خلاص، الأنبارى يرى أن قوله: «إذا لم يكن حصن معقل»، يقول يعله حالاً لـ«خروج أضاميم». وسأشرح لكم معنى المعنى، أقرأ لكم من كلام الأنبارى وسأشرح لكم كلامي على لغة البيت، وأنتم ستعلمون أنني الصواب، إن شاء الله.
يقول: هذا شرح الأنباري القديم، الشرح طبعته قديمة، هذه التي طبعت بمطبعة الآباء اليسوعيين عام 1920م، ضبطها مقابلةً مع نسخته وتذييلها بحواشٍ وروايات لعدة لغويين وعلماء، للفقير إلى ربه كارلوس يعقوب. خلاص، هذه نسخة قديمة جداً لكنها ثمينة في الحقيقة، وبذلت فيها جهداً، أنا اخترت أن تكون هي نسختي، والضبط حقيقةً محترم.
يقول: «الأضاميم الجماعة من الخيل الواحدة، وأضاممه، ويقال جاءت أضاممه من القوم عظيمة الخروج، الخارج منها أي يسبقها». كل هذا قلناه، «والمعقل الحرز، ويقال فلان معقل فلان أي حرزهم وملجاهم». تمام، مفهوم.
ثم يقول: «فهذا الفرس إذا اجتمعت هذه الأضاميم خرج عليها وهو أحسن معقل». إذاً هو جعل قوله «وأحصن معقل» كالحال وفي نفس المعنى من خروج الأضاميم، وهو «أحسن معقل» بنص كلام الشيخ. والصواب أن هذا البيت فيه طباق وليس كما قال ابن الأنباري.
قوله: «خروج أضاميم»، يعني إذا كانت جماعات الخيل ستتحرك فهو يتقدمها. وقوله: «وأحصن معقل» هذا كلام جديد، معنى آخر مقابل مطابق، يعني طباق الضد. «وأحصن معقل» إذا لم تكن إلا الجياد معاقل، يعني إذا كانت الجياد لا تخرج بل تقف للحراسة فهي المعاقل. إذا لم تكن إلا الجياد المعاقل، فهو أحسن معقل لأن الخروج ليس بمعقل، فالمعقل لا يتحرك.
فهمتم؟ فهو يقول إذا خرجت الأضاميم، كان خروج الأضاميم يعني المتقدم عليهم يسبقهم، وأما إذا كانت الجياد معاقل؛ إذا لم تكن إلا الجياد معاقل، فهو أحصن معقل، أشدها حصانة وإحصاناً، يعني حماية.
«خروج أضاميم وأحصن معقل إذا لم تكن إلا الجياد معاقل»، مبرز غايات، هذا تشبيه معجب جداً، مبرز غايات. الله يا أخي على التشبيه الرائع! يقول: «مبرز غايات»، الغاية مدى السباق، مبرز غايات يعني دائماً يبرز إلى الغاية، يسبق دائماً، إذا تسابق يسبق دائماً.
«وإن يتلو عانة»، والعانة هي الجماعة من الأльحمير، سرب أو جماعة أسرة هكذا من آل الحمير الوحشي، وكانت في أرض العرب مبرز غايات، «وإن يتلو عانة» إذا راح وراء عانة، «يذرها كذود»؛ والذود ما بين الثلاثة إلى العشرة من الإبل، يعني كأنها جماعة بين الثلاثة إلى العشرة من الإبل، «يذرها كذود عاث فيها مخايل».
«عاث فيها» يعني أفسد فيها، «والمخايل» الذي يخايل أصحابه يعني يباريهم ويفاخرهم. تذكرون طرفة بن العبد ماذا قال في معلقته: «وبرك هجود قد أخافت»، تذكرون: «وبرك هجود قد أخافت هواديها، أمشي بعض مُجردٍ فمرت كهات».
يقول: «وقد تر الوظيف وساقها الست ترا قد أتيت بمؤيدي، وقال ألا ماذا ترون لشارب شديد عليكم باسه، متعمدي». فهنا يقول: إذا مشى ذهب وراء عانة، ووجدته في صيدها وصيد صاحبه، عاث فيها بالفساد، كأنه شخص أراد أن يتفاخر ويتباهى، يتخايل أمام أصحابه بالإكرام وبالعطاء، هذا عند العرب من قديم، فقام «مبرز غايات وإن يتلو عانة، يذرها كذود عاث فيها مخايل»، يقتلها على راحة وكأنها لا تتحرك كالابل، ويتخايل في قتلها، يقتلها مرتاحاً على سجية.
«يرى طامح العينين يرنو كأنه مؤانس ذعر، فهو بالأذن خاتل». يرى طامح العينين يعني يرمي ببصره إلى أعلى، «يرنو» أي يديم النظر، كأنه مؤانس ذعر، كان في حاجة فيه خوف، فهو بالأذن خاتل، عارفين المخاتلة؟ «فجعل أذنه تخاتل من حيث لا يحتسب»، فإذا برز شيء من الصوت خاتلته الأذن، هاجمته الأذن، كأن الأذن هي التي هاجمت الصوت وليس استجابت له، الأذن خاتلت الصوت من حيث لا يحتسب.
يرى طامح العينين يرنو كأنه مؤانس ذعر، فهو بالأذن خاتل؛ طامح العينين متخيل، هذا الفرس هكذا طامحاً بعينه إلى أعلى وعنده انتباه وتركيز شديد. يرى طامح العينين يرنو، يرنو يعني يديم النظر، يطيل النظر، هذا يذكركم بقوله: «إذا أبصرته وهو صائم يرى طامح العينين يرنو كأنه مؤانس ذعر»، يشعر بذعر في شيء فهو بالأذن خاتل.
متى يحصل هذا؟ «إذا الخيل من غب الوجيف رايتها، وأعينها مثل القلاه حواجل». الوجيف هنا قالوا سير شديد دون العدو، «من غب الوجيف» يعني من أثره، قالوا هنا بعده بيوم أو أكثر. «وأعينها حواجل»؛ حواجل يعني غوائر، مثل القلات.
القلات كما قال، تذكرون بيت طرفة بن العبد: «وعينان كالماويتين استكنتا بكهف حجاجي صخرة قلت موردي». فالقلات جمع «قلت» بفتح القاف وسكون اللام، وهي نقرة تكون في الجبل يجتمع فيها الماء. «حواجل» يعني غوائر، يقال فيه عينه حجلت عينه أو عينه حاجلة إذا غارت ودخلت. فيقول: إذا الخيل من غب الوجيف، من بعد السير الطويل ومن أثره رايتها، وأعينها حواجل غائرة مثل القلات، يعني مثل نقرة في الجبل فيها ماء قليل، صارت مسطحة داخلاً هكذا تراه. هنا تراه، هو يرى طامح العينين يرنو كأنه مؤانس ذعر، فهو بالأذن خاتل، إذا الخيل من غب الوجيف رايتها وأعينها مثل القلاه.
هل تسمحون لي بشيء، أسأل الله ألا يكون عظيماً، وإذا كان فيه شيء فنتوب إلى الله منه؟ هذا شيء أقف عليه في القصيدة قبل سنوات، وهو أن هذين البيتين كانا سيعملان عملهما لو أنه أبدل مكانهما. هذا شيء أجده في نفسي من قديم، وأستغفر الله وأتوب إليه.
أخونا أسام يقول: «والله مع فصاحة الكلمات وقوتها وغرابتها عن زماننا، نحس أنفسنا كأننا أعاجم»، وبالفعل نحن كذلك. للاسف، لو أنه قدم الظرف، لو قال:
إذا الخيل من غب الوجيف رايتها، وأعينها مثل القلاة حواجل، يرى طامح العينين يرنو كأنه مؤانس ذعر، فهو بالأذن قاتل.
هذا عندي أجود من الترتيب الحالي، وسيعمل التشبيه في بيت «يرى طامح العينين» عمله أكثر مما لو قدمه على الظرف. لو قدم الظرف كان أجود، لو قال:
إذا الخيل من غب الوجيف رايتها، وأعينها مثل القلاة حواجل، يرى طامح العينين يرنو كأنه مؤانس ذعر، فهو بالأذن قاتل.
الله يرضى عليكم مولانا، رضي الله عنكم. بدأ الإخوة ينتبهون إلى أن أراه على هذا المشهد، مع اقتران هذا المشهد بمشهدها وهي غائرة العينين، حواجل مثل القلاة من غب الوجيف، يكون أجود؛ لأنه لما قال «يرى طامح العينين» إلى آخر البيت أوهمنا أن التشبيه انتهى، فلما قال «إذا الخيل من غب الوجيف رايتها وأعينها كذا» كلفني الرجوع وتكلف البيت مرة أخرى أن أراه في ظل ظرف جديد. كان ينبغي أن يوجد الظرف أولاً حتى يعمل العمل كاملاً، حتى يعمل عمل المعنى كاملاً.
قلت لنفسي: طيب، ما أنت عندك امرؤ القيس قال: «مسح إذا مسبحات على الونى أثرن الغبار بالكديد المركل»، إذ وصفه أولاً بأنه مسح، ثم ذكر الظرف متأخراً عنه. لم يقل: «إذا مسبحات على الونى أثرن الغبار بالكديد المركل كان مسحاً»، بل قال «مسح».
قلت: فرق عظيم بين الموضعين؛ لأنه في «مسح» الكلام لم ينتهِ، لأن الوحدة عندنا هي البيت، والبيت بمعنى وحدة المعنى، فالكلام ما زال متصلاً فأنا أنتظر تمام الجملة. فقوله «مسح» يختلف عن قوله «يرى طامح العينين يرنو كأنه مؤانس ذعر فهو بالأذن قاتل»؛ لأن الصورة انتهت.
لحظة، يرد عليك يا أبا قيس شيء آخر، وأنا أعمل أدور في رأسي الموضوع، يرد عليك شيء آخر أن امرأ القيس قال: «تجاوزت أحراساً إليها ومعشراً عليّ حراساً، لو يشرون مقتلي، إذا ما الثريا في السماء تعرضت، تعرض أثناء الوشاح المفصل».
هنا أيضاً يوجد اختلاف وتباين؛ لأن قوله «إذا ما الثريا في السماء تعرضت» على أنه جاء ظرفاً للأول، لكن هو في الحقيقة معنى جديد، يستحضر المعنى نفسه استحضاراً مستقلاً؛ لأنه يقول: «تجاوزت أحراساً إليها ومعشراً علي حراساً لو يشرون مقتلي»، ثم يقول: «إذا ما الثريا في السماء تعرضت»، يعني فعلت هذا التجاوز. هو لا يريدك أن تستحضر تجاوزاً جديداً، الأول تم خلاص، فليس ربطاً شرطياً هنا، بل يضيف أن الثريا في السماء متعرضة، يعني السماء منيرة والناس تستطيع رؤية بعضها في وقت النجوم تعمل فيه إنارتها.
أما هنا، فالبيت الذي في الخيل ليس له فائدة في وصف فرسه إلا أن يكون شرطاً وظرفاً لرؤيته طامح العينين. لذلك أرى أنه لو قال: «إذا الخيل من غب الوجيف رايتها، وأعينها مثل القلاة حواجل، يرى طامح العينين يرنو كأنه مؤانس ذعر، فهو بالأذن قاتل»، بقطع النظر عن الإعراب الآن، لكن على الترتيب الحالي جعلت الأولى مستقلة ليس لها هذا الشرط وأتيت بالشرط بعدها، وهذا تأخير للشيء عن مكانه، ولعل ذلك من أفعال الرواة والله تعالى أعلم.
وأنا أحسب أن الترتيب كما قلت، وهذا لا أقول تجرأت على قوله، أنا أمزح، لكن أنا أحسب هذا مما قد يكون فيه أغلب، أنه ليس من الشاعر، وأنه ربما إذا بحثنا عن روايات ومصادر وجدنا مكان البيتين مختلفين. فأنا أكاد أقطع بأن الشاعر رتبها على تقديم الظرف؛ لأن الذي حاصل هو الآن فيه إبطال للظرف لأن الصورة تمت على وجه آخر. فلذلك أكاد أجزم بأنه من تخليط الرواة.
وما دليلك يا أبا قيس؟ دليلي هو ما أراه في تفسير الشعر، فإذا لم تكن تفهم تفسير الشعر فأنت حر. هذا يسمى بالنقد الداخلي للشعر، وأنا عملي مع الشعر يجعلني أرى أن المزرد بن ضراعة لا يقدم هذا التقديم ويؤخر هذا التأخير، وإنما الترتيب على الوجه الذي قلته حتى لو لم أرَ رواية بذلك. المتعامل مع الشعر دهراً يستطيع أن ينظر في بناء القصيدة وأن يقومها على ما عرفه من الشعر، وأنا أقطع بأن مثل هذا التقديم والتأخير لا يفعله المزرد بن ضراعة، وإنما الترتيب على تقديم الظرف.
الله تعالى أعلم، ليس من مصلحة الواضعين، هو اختلاف الرواة اختلط عليهم ليس أكثر، غلط إملاء جاء بالغلط عادي، كل هذا وارد، وهذا يسمى كما سماه محمود شاكر «آفات الرواية».
شكراً لكم وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عمتم صباحاً ومساءً، نلتقي في الغد إن شاء الله.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد