السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالكرام. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد.
لقاؤنا هذا استثنائي جداً أيها الإخوة، إن شاء الله تعالى. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته لكل من ألقى السلام، وكل من حيا، حياك الله وبياك. أرجو يا إخوة طمأنتني إلى سلامة البث واستقراره، هل البث مستقر لديكم؟ الإضاءة والصوت يبدو عندي مستقراً، هل هناك تقطيع أو أي شيء يا إخوة رضي الله عنكم؟
بسم الله الرحمن الرحيم. جميل أنتم الممتازون، لقاؤنا اليوم أيها الإخوة ويبدو أنه سيكون عدداً من اللقاءات وليس لقاءً واحداً؛ لأن القصيدة طويلة. لقاؤنا مع قصيدة جاهلية فحلة نبيلة عظيمة، انتبهت إلى أنني لم أتناولها ولم أنشدها من قبل، وإنما ربما أوقفتكم على صور تشبيه منها، لكن لم أقرأها لكم كاملة ولم أسجلها في قناتي، وكذلك لم أشرحها لكم ولم أقفكم على ما فيها من البيان الرفيع. الأبيات، كما قلت، ستأتي معنا إن شاء الله.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته لكل من ألقى السلام، وكل من حيا، حياك الله وبياك وعمت صباحاً ومساءً. العجيب أن جميعكم نسي التفاعل مع البث، فالحضور أضعاف التفاعلات، تفاعلوا معه يا إخوة حتى يذهب إلى أكبر عدد من الناس؛ حتى إذا كان -كما قيل لي- القناة عليها بعض القيود، نساعد في وصول هذه المادة. هي ليست قصيدة مسلمة وكافرة، اليوم هي مسلمة فقط، جاهلية مسلمة توحد الله، توحد الله رضي الله عنك يا أم الحسن، رضي الله عنك يا بنيتي.
تفاعلوا يا إخوة مع البث لو سمحتم كثيراً، حتى يصل إلى أكبر عدد من الناس، ربما دون أن تشعر تكون سبباً في أن يسلك إنسان هذا المسلك الذي ترتضيه وتسلكه الآن، وأن تنفعه بالنفع الذي تنتفع به أنت، فتفاعلوا مع البث أيها الإخوة، ما زال الحضور ضعف التفاعل. أهلاً يا حبيبنا آدم خالد، يا مرحباً يا حبيبي، مرحباً بكم جميعاً أيها الإخوة.
هذه القصيدة من القصائد التي أثرت في نفسي وفي ذوقي الفني مبكراً جداً، ومن القصائد التي أقدم بها الأعذار للجماهير فيما يعرف بتشدد امرئ القيس وعلو شرطته الفنية، وهو ليس علواً في الشرط بل هو علو في المعيار، لأن هذا المعيار موجود فعلاً أيها الإخوة.
القصيدة التي نعيش معها الليلة أيها الإخوة، وتقع في بضع وعشرين بيتاً، هي لامية المزرد بن ضرار، شقيق الشماخ بن ضرار. لامية المزرد بن ضرار التي أولها: «صحا القلب عن سلمى ومل العواذل»
الشماخ بن ضرار أيها الإخوة شاعر فحل عظيم، ولكنه كان هجاءً جداً، هو جاهلي ثم أدرك الإسلام وكان شاعراً هجاءً خبيث اللسان، حتى نص الأصمعي على أن هذا هو السبب في أنه ظلم شعره. يقول الأصمعي في كتابه «حوليات الشعراء»: ليس بدون الشماخ، ولكنه أفسد شعره بما يهجو الناس. ومعنى أفسد شعره ليس معناه أفسده فنياً، بل يعني ضيع فرصة تداوله بما يهجو الناس، ضيع على نفسه فرصة التداول.
يقول الأصمعي: أدرك الإسلام فأسلم وله صحبة، وكان يقولون في ترجمته: وكان هجاء خبيث اللسان، حلف لا ينزل به ضيف إلا هجاه، ولا يتنكب بيته إلا هجاه. ويظهر أنه أقبل عن الهجاء أخيراً؛ لقول ما نقله الحافظ ابن حجر في «الإصابة»، وصاحب اللسان عن ابن السكيت أحد رواة الشعر: «تبرأت من شتم الرجال بتوبة إلى الله مني».
وليدها وهو أخو الشماخ بن ضرار، وكان المزرد أسن منه، أي كان أكبر منه في السن. أما قصيدة المزرد التي معنا اليوم فهي قصيدة مليئة بالتشابيه العجيبة والأوصاف العجيبة، وفيها كذلك وصف قوة الشعر وسريانه، والقصيدة عبارة عن مدح لنفسه.
أنا أحبها جداً وهي قريبة، خذوا هذه المعلومة لي غنمها وعلي غرمها: هذه القصيدة كان البحتري ينظر إليها لما صنع لاميتُه: «أهلاً بذلكم الخيال المقبل.. فعل الذي نهواه أو لم يفعل»
والتي وصف فيها الفرس وكذا، وأهو يا أم الحسن تقولين لي: «ما سبحان الله، ما قرأتها إلا وتذكرت لامية البحتري»؟ هذا هو، وعندي شواهد أخرى يا أم الحسن في أثناء القصيدة على أن البحتري كان ينظر إليها، يعني كانت تحت عينه.
هذه قصيدة يا إخوة مليئة بالتشبيهات العجيبة والأوصاف، وهي تعلمكم أن الشعر ليس منححصراً في امرئ القيس، وأن هناك من بلغ الفحولة في الوصف كذلك، وإن لم يبلغ مرتبة امرئ القيس، فامرؤ القيس له خصوصية في الرتبة، لكن هناك فحول كذلك في الوصف والتشبيه والإجادة. ووصف فيها الشعر، وله في آخرها وصف لقصة الفقير الذي لا يجد الطعام، وهي كما قلت من القصائد المحببة إلى نفسي، تسير على منطق امرئ القيس وعلى قصيدة البحتري، فقد التقت مع قصائد أحبها في بنائها الفني ومن حيث الطبع والأوصاف.
هذه الأمور التي تختبر الشاعر، واضحة، دعونا نقرأها أولاً. هل تحبون؟ أنا حرت في الحقيقة وحزنت إن لم أضعها في القصيدة، وفي الحقيقة يبدو لي أنني سأقدم على هذا، أنني سأضعها في مئة قصيدة مكان قصيدة تكون أقل منها.
خلاص، لم أفهمك يا بكف، هل علق البث؟ والله لا أفهمك يا بكف، تقول كلاماً مختصراً كأني أجلس معك. أنا عندي معكم هنا خياران، قولوا أنتم: واحد أو اثنين؟ اكتبوا واحد أو اثنين. واحد: أقرأها سريعاً بتعليقات طفيفة. اثنين: أقرأها مرة ثم أشرحها شرحاً مختصراً وأبين بعض جمالياتها وكذا. واحد أم اثنين؟ كله اثنان، ما أنتم مش جاي عليكم بحاجة، أنتم ناس مرتاحة، قاعدين مرتاحين، لا عندكم درس يوجع نفخكم ولا عندكم حاجة.
أصلاً أنا ندمت بعد أن قررت القصيدة، قلت هذه الآن ثقيلة علي، يعني القصيدة شديدة. أغلبكم اختار اثنين، طيب إذاً نقرأها، وممكن نعيش معها في مجلسين أو ثلاثة، وممكن نضمها، الله يرضى عليك يا شيخ خالد رضي الله عنك، أنا أمزح مع الإخوة الأحباب، وممكن نضمها إن شاء الله في المئة قصيدة إن شاء الله. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
من زمان نفسي ألقى لها شرحاً، عيوني، حاضر خلاص عيوني. أنت عارف العراقي إذا تكلم بـ 100 كلمة، فيها 20 كلمة "عيوني، عيوني يا بعد عيني، يا عيوني"، حتى في المعارك وحتى في... لا، يا عيوني! 50 عيوني من الـ 100، أنا قلت يعني 20% "عيوني" في العبارات. الله، حلوة يا عيوني، يا عيوني بعد قلب يخبل، يخبل.
طيب يا أحباب، جميل، تعالوا نقرأ القصيدة يا أحباب، وهي ثقيلة في الحقيقة، هذه قصيدة ثقيلة حقاً. قال الشماخ بن ضرار، الشاعر الجاهلي، وهو أخو المزرد بن ضرار الشاعر الجاهلي، وكلاهما شاعر. كذلك قال في لاميته الفحلة العظيمة، وهي في المفضليات السابعة.
صحا القلب عن سلمى وملِّ العواذل، وما كاد لأيا حب سلمى يزايل فؤادي حتى طار غي شبيبتي، وحتى علا وخط من الشيب شامل، يقنئه ماء اليراع تحته شكير كأطراف الثغامة ناصل. فلا مرحباً بالشيب من وفد زائر، متى يأتي لا تحجب عليه المداخل. وسقيا لريعان الشباب، فإنه أخو ثقة في الدهر إذ أنا جاهل.
والهوا بسلما، وهي لذيذ حديثها لطالبها مسؤول خير فباذل، وبيضاء فيها للمخالم صبوة، ولهو لمن يرنو إلى اللهو شاغل، ليالي إذ تصبي الحليم بدلها. ومشي خزيل الرجع فيه تفتاله، وعيني مهات في صوار مرادها، رياض سرت فيها الغيوث الهواطل. واسحم ريان القرون كأنه أساود رمان الصباط الأطاول، وتخطو على برديتين غذاهما نمير المياه والعيون الغلاغل.
فمن يك ازال اليدين مكانه إذا كشرت عنابها الحرب خامل، فقد علمت فتيان ذبيان أنني أنا الفارس الحامي الذمار المقاتل، وإني أرد الكبش والكبش جامح، وأرجع رمحي وهو ريان، وعندي إذا الحرب العوان تلقحت وأبدت هواديها الخطوب الزلازل طوال القرى.
قد كاد يذهب كاهلا، وطوال القرى عندي، وعندي إذا الحرب العوان تلقحت وأبدت هواديها الخطوب الزلازل طوال القرى قد كاد يذهب كاهلا جواد المدى، والعقب والخلق كامل، صريحي أجش كان صهيله مزامير شرب جلاجل. متى يرى مركوباً يقل باز قانص، وفي مشيه عند القياد تسلل، تقول إذا أبصرته وهو صائم خباء على نشز، أو السيد ماثل خروج أضاميم، وأحصن معقل إذا لم تكن إلا الجياد معاقل مبرز غايات.
وإن يتلو عانه يذرها كذود عاث فيها مخايل، يرى طامح العينين يرنو كأنه مؤانس ذعر فهو بالاذن خاتل، إذا الخيل من غب الوجيف رايتها وأعينها مثل القلاه حواجب، وقلقلته حتى كان ضلوعه سفيف حصير، فرجته زوامل يرى الشد والتقريب نذراً، إذا عدى وقد لحقت بالصلب منه الشواكل، له طحر عوج كأن مضيغها قداح براها صانع الكف نابل، وصم الحوامي ما يبالي إذا جرى أوعث نقا عن له أم جنادل وسلهبة.
"وسلهبة" معطوف على "طوال القرى"، يعني: وعندي إذا الحرب العوان تلقحت طوال القرى وسلهبة. ننتبه لأن القصيدة بنيت بهذا العطف، وهذا من نمط الجاهليين في القصائد، أيها الإخوة، التعاطف البعيد، هذا ليس موجوداً عند العباسيين ولا المعاصرين، وإذا فعلوه لم يُفهم عنهم الناس.
المعاصرون مثلاً، الزمرة المجيدة التي تحدثت عنها أمس، تميم الثلاثة في الكويت، ليس فيهم واحد يفعل هذا. وما سترونه هنا، وأنا تحدثت عن هذا الأمر في أحد اللقاءات الرمضانية، تذكرون لما تحدثت عن تباعد المتضيفات، وأن هذا مما يلتقي فيه الشعر الجاهلي مع القرآن؟ تذكرون هذا في رمضان قبل عامين تقريباً لما سجلته في شركة رواه، في حلقة من الحلقات قلت: الشعر الجاهلي يلتقي مع القرآن في تباعد المتضيفات، وأحسب أنني مثلت بسورة الأعراف.
هذا مثال هنا يا إخوة في الشعر الجاهلي، هو جاء هنا وقال: "وسلهبة جرداء" في البيت الثامن بعد العشر، هذه الواو عاطفة على أول البيت، يعني بعد اثني عشر بيتاً: "وعندي إذا الحرب العوان تلقحت وأبدت هواديها الخطوب الزلازل طوال القرى ثم وسلهبة". انتبهوا لأن كل مفاصل القصيدة...
هي واو العطف كما عند راعي القياس، واو ربه في أغلبها هنا. واو العطف عندما القياس كانت واو ربه في أغلب القصيدة، لأن الفصل الأخير لم يأتِ بواو ربه في الفصلين الأخيرين.
«وقد اغتدي أحاري أو أصاحي ترى... برقًا» أما هنا فقد بنى بالواو في كل الفصول من أول القصيدة إلى آخرها تقريبًا كما سترون الآن إن شاء الله تعالى.
«وعندي إذا الحرب العوان... تلقحت طوال القرى، وسلهبه جرداء... باق مريسها موثقة مثل الهراوة، حائل كميت عبنات السرات، نما بها إلى نسب الخيل الصريح، وجافل...»
«من المسبة الراط الجياد... طمرة لجوج هواها السبسب، المتماحل صفوح بخديها... وقد طال جريها كما قلب الكف الألد، المجادل يفرطها عن كبه الخيل مصدق كريم، وشد ليس فيه تخاذل، وإن رد من فضل العنانت هويه قطات اتبعتها الأجادل، مقربة لم تقتعد غير غارة، ولم تمتري الأطباء منها السلائل إذا ضمرت كانت جداية، حلب امرت أعاليها وشد الأسافل، وقد أصبحت عندي تلادًا عقيلة، ومن كل مال متلدات عقائل، وأحبسها ما دام للزيت عاصر، وما طاف فوق الأرض حاف وناعل، ومسفوحة فضفاضة تبعيه».
«مسفوحة» أيضًا معطوف على أول البيت السادس عشر، أي: «وعندي إذا الحرب العوان تلقحت طوال القرى، وسلهبه جرداء، ومسفوحة». يعني عندي الحصان وصفه كذا، وعندي الفرس الأنثى «السلهبه» وصفها هكذا، وعندي «مسفوحه» وهي الدرع.
نعم، هذا ما يعرف بقوة إصر القصيدة، أيها الإخوة. هذا ما يعرف بقوة إصر القصيدة، رأيتم كيف بعد فصول وأصول وكلام طويل من المعاني يضيفها، جعل الجملة معطوفة على ما قبلها بـ 30 بيتًا مثلاً. جعله جملة لأنه عطف هذه الواو، «ومسفوحه» هذه واو عطف يا إخوة.
وعندي البيت الخامس عشر والسادس عشر: «وعندي إذا الحرب العوان تلقحت وأبدت هواديها الخطوب الزلازل طوال القرى»، قد كاد يذهب كاهل... إلى آخر المقال. ثم في البيت الثامن بعد عشرة أبيات أخرى: «وسلهبه»، أي «وعندي سلهبه جرداء»، ثم في البيت الثامن بعد عشرة أبيات أخرى: «ومسفوحه»، يعني «وعندي مسفوحه» أيضًا.
هذا بناء القصيدة وقوة إصرها. يأتي الأعاجم الجهال المستشرقون يقولون لك القصيدة الجاهلية مفككة، وتأتي بهؤلاء الأعاجم في مدارسنا وجامعاتنا يقولون لك القصيدة مفككة، تتبعًا لهؤلاء الأعاجم. عندنا في بلادنا العربية، في مصر والشام والعراق، الجامعات التي تدرس الأدب للأسف تدرس الناس أن القصيدة العربية مفككة؛ لأنهم جهلة، لأنهم بهاليل اتباع الأعاجم.
يدرسون باطلاً، وقد عجموا قسرًا عقولهم لتتبع قلوبهم الخاضعة لهؤلاء الأعاجم. هم عجموا عقولهم وخلبلوا عقولهم حتى تتبع قلوبهم المهزومة التابعة لهؤلاء الأعاجم. لم يستطيعوا أن يتخيلوا أنفسهم دونهم، هم يرون أنفسهم دونهم، يرون الأحمر الأشقر أفهم منهم في لغتهم، وهو والله لا يحسن أن يغسل سنّه!
فأنتم جيل جديد، عليكم أن تثوروا على هذا، عليكم بكل صراحة أن تثوروا على هذا، وإياكم أن تدعوا هذه المهانة وهذه المذلة. أنا لا أدعي، أنتم تقرأون الآن «ومسفوحه» بعد كم بيت، هذا البيت الثامن عشر يعطف على البيت السادس عشر، ثم يقولون لك طبيعة العرب في الجاهلية بدوية تتمزق فيها نفوسهم على مستوى الأبيات والفصول. تتمزق ماذا يا جاهل؟ الرجل بعد كل هذا يعطف القصيدة، بالعكس، عنده طول نفس وطول اتصال، أنت الذي نسيت وتهت، هو لم يته ولم يضل، ولو بعد 40 بيتًا سيعطف على أول الأربعين عادي، ليس عنده إشكال في ذهنه.
أخونا يقول: نعم يا أستاذ صدقت والله، هكذا درسنا في الجامعة في الجزائر. هذه مصائب يا أخي الكريم، هذه المصائب. فانظروا إلى هذا العطف، عندي إلى الحرب، فالقصيدة قلت لكم هي فخر كلها في الحرب، ما الدليل على أنها كلها في الحرب؟ الإعراب عندي: «وعندي إذا الحرب العوان طوال القرى، وسلهبه، ومسفوحه»، وسياتي غيرها كثير إلى آخر القصيدة.
«ومسفوحة فضفاضة تبعيه، وأهات القطير تجتويها، المعابد دلاص كظهر النون، لا يستطيعها سنان ولا تلك الحظاء، الدواخل موشحة بيضاء دان حبيكها، لها حلق بعد الأنامل، فاضل مشهره تحنى الأصابع نحوها، إذا جمعت يوم الحفاظ القبائل، وتسبغه»، معطوف أيضًا: «وتسبغه»، أي وعندي «تسبغه في تركه حميرية». هذا النسيج يكون من حلق الحديد يوضع تحت البيضة، كما نقول الخوذة، «وتسبغه في تركه حميرية، دلامسة ترفض عنها الجنادل، كان شعاع الشمس في حجراتها مصابيح رهبان زهتها القنادل».
«وجوب ترس» معطوف على السادس عشر أيضًا: «وجوب يرى كالشمس في تخية الدجا»، الترس من لمعانه في تخية الدجا في الغبار والقتام يرى كالشمس. «وأبيض ماض في الضريبة، قاصلاف حديد، ما يزال حسامه ذليقا وقدته القرون الأوائل، وأملس هندي» أيضًا معطوف: «وأملس هندي متى يعلو حده، ذر البيض لا تسلم عليه الكواهل».
بدأتم تشعرون بكلمتي لما قلت: «كان البحتري ينظر إليها في بنائها وموضوعها»؟ بدأتم تشعرون بهذا. لا تستطيع هي تلقائية من يوتيوب، والله يا أخي إلا في يوتيوب بريميوم. أنا أمس حاولت أن أبحث قبل بث أمس عن خيار يوقفها لم أجد.
«وأملس هندي متى يعلو حده، ذر البيض لا تسلم عليه الكواهل، إذا ما عدا العادي به نحو قرنه، وقد سامه قولا فدتك المناصل، الست نقيا ما تليق بك الذرى، ولا أنت إن طالت بك الكف ناكل، حسام خفي الجرس عند استلاله، صفيحته مما تنقى الصياقل ومضطرض».
ومضطرب، الحرب خلاص، الرمح يعني مضطرب معطوف كذلك. وعندي إذا الحرب العوان في البيت الخامس عشر، أطوال القرا. ومضطرب معطوف على ما في البيت السادس عشر: «ومضطرب لذنا الكعوب، كأنما تغشاه منباع من الزيت، سائل أصم إذا ما هز مارت سراته، كما مار ثعبان الرمال الموائل».
أصم إذا ما هز مارت سراته كما مار ثعبان الرمال الموائل. له فارط، رأس له فارط، ماض الغرار، كأنه هلال بدا في ظلمة الليل.
«فدعذا ولكن ما ترى رأي عصبه أتتني منهم منديات عضائل يهزون عرضي». منديات يعني يندى لها الجبين، كلمة قديمة جداً جاهلية. فدعذا، ما رأيكم في الفن الجاهلي يا إخوة؟ التشبيه والوصف وكذا، وربط القصيدة.
فدعذا، ماذا قلت لكم أمس لما قلت لكم تذكرون؟ قلت لكم الشعراء المعاصرون المجيدون محدودون، وقلت لكم والذي أفعله أنا مع الشعراء الجدد الآن من مدرسة رواد القصيد أنه العلم؛ يتعلمون، ولهذا يخرجون متأخراً جداً، وبعضهم حتى يخرج لا ينشر ولا يكتب. هذا من الفنون.
قلت لكم أمس تذكرون، قلت لكم دراسة قصائدهم لا يمكن أن تكون من كل الجوانب، يعني مثلاً لا أستطيع أن أدرس بناءها؛ قلت لكم شعرهم محدود، لا أستطيع أن أدرس بناء قصيدتهم مثلاً كيف يبنون القصيدة كيف يبنون فصولها، تذكرون قلت لكم هذا خلاص منها. هذا البناء بهذا الحرف، حرف العطف، القصيدة تقريباً كلها إلى هذا الموضع ثلثاها بالضبط، أو أكثر؛ ثلثاها مبني على أي مبني؟ مبني على حرف الواو، يعني بناؤها بحرف الواو.
أريد للقصائد التي تخرج الآن أن تكون على هذا المستوى؛ لا قصائد تميم البرغوثي تدرس على هذا المستوى، ولا قصائد بدر تدرس على هذا المستوى، ولا قصائد الحرزة على هذا المستوى، ولا قصائد باقر على هذا المستوى، هذه ليست موجودة الآن. نريد أن نوجدها.
بنى الفصول في القصيدة أو الموضوعات بماذا؟ بالواو، بنى الفصول بالواو أو العطف، ليس حتى واو رب وواو العطف، ثم أتى بتخلص لطيف: «فدعذا ولكن...». كأنه يقول لك إذا كنت أنا كذلك، فكيف هنا يذكركم؟ بماذا يا إخوة يذكركم؟ يذكركم بقصيدة البحتري الدالية، لما وصف الذئب ووصف صف سيره وضربه في الأرض وسيفه وكذا، وأنه مقاتل، وفي الأخير ماذا قال؟ من يذكر في آخر الأبيات ماذا قال لما قال هذه الدنيا تعطي هذا الخسيس وتعطي كذا؟ ماذا قال؟ عجبت أو شيء، ماذا قال؟ لقد ذهب عن بالي الآن.
لقد حكمت فينا الليالي بجورها، وحكمت بنات الدهر، ليس له في الحق كذا، أو في العدل... هذا كذلك مثله. هنا كذلك مثله: «أفي العدل أن يشقى الكريم؟ فدعذا ولكن ما ترى رأي عصبه أتتني منهم منديات عضائل يهزون عرضي».
«يهزون عرضي بالمغيب ودونه لقرمهم مندوحة، وما كل على حين أن جربت واشتد جانبي، وانبح مني رهبة من أناضل، وجاوزت رأس الأربعين، فأصبحت قناتي لا يلفى لها الدهر عادل. فقد علموا في سالف الدهر أنني إذا جد الجراء ونابل زعيم كفيل».
زعيم لمن قاذفته بأوابد، يغني بها الساري وتحدى الرواحل، مذكرة تلقى كثيراً رواتها، ضواح لها في كل أرض، أزامل تكر، تكر فلا تزداد إلا استنارة. تكر يعني تعاد، تكر يعني تقال مرة بعد أخرى. تكر فلا تزداد إلا استنارة، يعني كلما قرأتها وأعدتها استنارت معانيها أكثر وتجلت.
إذا رازت الشعر الشفاه العوامل، يعني لما يقرؤونها الشعر هكذا ورازت يعني اختبرت، استنارت أكثر كلما رددوا. يقول لك: أنت بقى لك عشرة أعوام مع معلقة من امرئ القيس وما زلت تكتشف، والله تكر فلا تزداد إلا استنارة. هو جاهلي يصف شعره كذلك.
«إذا رازت الشعر الشفاه العوامل، فمن أرمه منها ببيت يلح به كشامة وجه ليس للشام غاسل. كذاك جزائي في القريض وإن أقل، فلا البحر منزوح ولا الصوت ساحل. فعريض الشعر إن كنت مغزراً، فإن غزير الشعر ما شاء قائل. لنعت صباحي طويل شقاؤه».
انظر كيف تخلص هنا: «فعريض الشعر لنعت صباحي». قلت لكم القدماء يتخلصون ويكافحون، تخلص مرتين، إذاً الفنون موجودة عند الجاهليين: «فدعذا ولكن ما ترى رأي عصبه»، ثم «فعريض الشعر لنعت صباحي». التخلص موجود عند الجاهليين.
أنا أعيش في نعيم بهذا الشيء، لولاه والله لكرهت الناس ولا تمنيت أن تنتهي الحياة ونخلص، لكن هذا فتح لي مجالاً. «لنعت صباحي طويل شقاؤه».
بقي له مما يبري، واكلب تقلقل في أعناقهن السلاسل من نحافتها وجوعه. سحام ومقلاء القنيص وسلهب، يسمي الكلاب سحام ومقلاء القنيص وسلهب، وجدلاء والسرحان، والمتاول بنات سلوقيين، كانا حياته فمات فأودى شخصه فهو خامل، وأيقن إذ مات بجوع وخيبة. وقال له الشيطان: «إنك عائل، فطوف في أصحابه تستثيبهم».
وقد أكدت عليه المسائل إلى صبية مثل المغالي وخرمل رواد، ومن شر النساء الخرامل، فقال لها: «هل من طعام؟»، فإنني إذم إليك الناس. قالت: «نعم، هذا الطوي وماؤه»، ومحترق من حائل الجلد قاحل. فلما تناهت نفسه من طعامه وأمسى طليحا، ما يعانيه باطل؛ يعني ليس هزلاً، بل يعاني جداً. فلما تناهت نفسه من طعامه وأمسى طليحا، تغشى يريد النوم، فضل ردائه فاعيا على العين الرقاد، البلابل، التفكير والقلق والجوع، أعيا الرقاد على العين. هذه القصيدة في 74 بيتاً أيها الإخوة.
معذرة يا إخوة، سلام المزرد بن ضرار. شفت يا أم نور؟ شفت القصيدة كيف؟ فحلة، قصيدة فحلة. يقول: صح القلب عن سلمى ومل العواذل، يعني مر الزمان، خلاص صح القلب عن سلمى والعواذل ملت من اللوم وانتهينا. وما كاد لأيا حب سلمى يزايل فؤادي، يعني يزول، يتفرق، يتشتت، يتبدد، يفارقني. يقول: وما كاد لأيا حب سلمى يزايل فؤادي.
وهنا توجد مناورة فنية عند الجاهليين؛ لأنه أوهم حذف المفعول ثم أظهره، لأنه لما قال: «وما كاد لأيا حب سلمى يزايل»، أنت فهمت يزايل يعني يفارق، والمفعول ليس موجوداً، المفعول محذوف للعلم به، يزايلني يزايل قلبي، ولكنه فاجأك بالمناورة: «فؤادي»، فأظهره لك. «وما كاد لأيا حب سلمى يزايل فؤادي حتى طار غي شبيبتي».
وحتى على وخط من الشيب شام، يقنئه ماء اليرناء، تحته شكير كأطراف الثغامة ناصل. يقنئه يعني يجعله قانياً أحمر، واليرناء الحناء. تحته هذا الوصف الجميل، الشكير: أول ما ينبت من الشعر، هذا الخفيف الزغب، ويحكونه في الطيور، الشكير هو هذا الزغب الذي يكون أول ما ينبت. تعرفون الرجل الذي يكون عنده شيب، ويصبغ ويخرج شعر جديد يكون مختلفاً؟ ترى دائماً الشعر القريب من جلد الرأس لونه مختلف، والمصبوغ هو الذي فوق والذي في الأسفل، هذا طبيعي.
فيقول: «يقنئه ماء اليرناء في الشيب، تحته شكير كأطراف الثغامة ناصل». ناصل يعني خارج متخلص من هذا الخضاب، خالص من الصبغة، فيخرج أبيض فترى طبقة بيضاء تحت مع السواد فوق، كأنه يقول: الشيب سيظهر مهما صبغته. «فلا مرحبا بالشيب من وفد زائر، متى يأتي لا تحجب عليه المداخل».
كيف استطاع أن يصفها بهذا الشكل؟ شاعر! وما وظيفة الشاعر؟ هذا عمل الشاعر، لن يكون شاعراً إلا كذلك. البيت ليس فيه إشكال، ولا يوجد ما يوضح.
«وسقيا لريعان الشباب، فإنه أخو ثقة في الدهر إذ أنا جاهل». ريعان الشباب أول الشباب. وسقيا لريعان الشباب، فإنه أخو ثقة في الدهر إذ أنا ألهو بسلمى وهي لذ حديثها، لطالبها مسؤول خير فباذل.
هذا الأسلوب رائع جداً أيها الإخوة؛ يقول: «لطالبها مسؤول»، ثم يبتدر جملة جديدة، يبتدئ جملة جديدة: «خير فباذل»، يعني هي تسأل الخير فتبذل، بالفاء يعني بتعقيب دون تراخٍ. «والهوى بسلمى وهي لذ حديثها، لطالبها مسؤول خير فباذل. وبيضاء فيها للمخالم، صبوة ولهو لمن يرنو». المخالم هي المصادقة والمغازلة، وفيها لهو وصبوة، أي لهو وغزل ولعب.
«مسؤول خير فباذل، وبيضاء فيها للمخالم، صبوه ولهو لمن يرنو إلى اللهو شاغل». انتبهوا إلى معنى هذا البيت يا إخوة، هذا البيت جمع بديع لمعنيين، هو يصفها بشيئين قل أن يجتمع في امرأة، إذا اجتمع في امرأة فهي الحبيب الودود الولود العروب إلى آخره.
المرأة إما أن تحب حبها لروحها، وقورة محترمة جيدة، وإما أن تلهو معها شقية لعوب عروب وكذا، لكن لا يمكنك أن تعتمد عليها، لا يمكنك أن تميل بصبوتك إليها أو أن يكون هناك حب، هذا الحب لكن هي تلعب معك. إنما هذه فيها الصبوه للصديق الدائم، وفيها اللهو الشاغل لمن يرنو إلى اللهو. الرنو هو إدامة النظر، فمن كان مديم النظر إلى اللهو يريد اللهو الشاغل له سيجده فيها، ومن كان يصبو إليها سيجد فيها الصبو أيضًا.
يقول: «وبيضاء فيها للمخالم صبوه ولهو لمن يرنو إلى اللهو شاغل». الصبوه للمحب، واللهو إذا أراد أن يلهو وأن يلعب، والصب والقلب هو الحب، أما إذا أراد أن يلهو وأن يمجن فسيجدها معه كذلك.
لا أستطيع أن أطيل، أنا كل كلمة ترن في العظم عندي والله، لكنني أتعافى بهذه اللذة: «وبيضاء فيها للمخالم صبوه ولهو لمن يرنو إلى اللهو شاغل». رأيت هذا الجمع قليلًا؛ أن تكون ممن تحبها وتقدرها ويميل قلبك إليها، وأن تكون ممن كما نقول في مصر تتشاقى معها، يعني تلهو معها وتمجن معها، تصيع معها من الآخر. نادر نادر نادر تجد من تحبها وتستمر معها حبًا وتصيع معها في نفس الوقت؛ صياعة اللهو واللعب، حركات وقلة الأدب والكلام هذا. «وبيضاء فيها للمخالم صبوه ولهو لمن يرنو إلى اللهو شاغل»، أي حب واحترام وصياعة بالضبط.
«ليالٍ إذ تصبو الحليم بدلها، ومشي خزيل الرجع فيه تفاتل». يقول: «ليالٍ إذ تصبو الحليم بدلها»، الدل هنا لا يدل به من حسبها وجمالها وملاحتها وكذا، بل تمن به، والدل هنا ليس الدلال الذي قد نفهمه بالمعنى المعتاد، بل تدل يعني ما تتعاظم به، ما تفخر به، ما تمن به، ما تستعلي به.
«ومشي خزيل الرجع فيه تفاتل». الخزيل هو المنقطع، والرجع قالوا هو الرجوع، يريد أنها تهتز في مشيتها خطوة كأنها فيها انقطاع ورجوع. «خزيل الرجع فيه تفاتل»، التفاتل هو الانفتال أي التثني في المشي، هنا أراد أنها تتثنى في مشيتها وتمشي مشيًا خزيل الرجع، يعني منقطع يتقطع، وكأنها لا تمشي مشيًا كالأرجل باستقامة، لكنها تمشي مشية فيها تبختر ونوع رجوع، فعندها تقطع في المسير وعندها انفتال وهو التثني في مشيتها.
«وعيني مهات في صوار مرادها، رياضٍ سرت فيها الغيوث الهواطل». «تصبي الحليم بدلها ومشي، وعيني مهات في صوار مرادها». المراد هنا حيث ترود وترعى، رياض سرت فيها الغيوث الهواطل، الغيوث جمع غيث وهو المطر، الهواطل التي كثر فيها المطر، فكثر فيها الزرع والعشب والثمر.
ثم قال: «وأسحم ريان القرون، كأنه أساود رمان السباط الأطاول». أسحم يعني أسود شديد السواد، أراد به الشعر. ريان القرون، القرون هي الضفائر، ريان القرون يعني القرون ممتلئة، رأيت القرون السود الممتلئة التي يكون فيها الشعر كثيفًا وكثيرًا، تلاقي الضفيرة موزونة.
كأنه أساود رمان، رمان هذا اسم موضع، قالوا موضع ببلاد طيء، «وأسحم ريان القرون كأنه أساود رمان السباط الأطاول». السباط يعني اللينة، والأطاول يعني الطوال، فالسباط الأطاول نعت للأساود؛ أساود رمان السباط الأطاول.
«ولخطو على برديتين، غذاهما نمير المياه والعيون الغلاغل». طبعًا هذا امرؤ القيس، كما نقول في مصر مباشر امرؤ القيس. «وتخطو على برديتين»، كل الشعراء لم يسلموا كما قال ابن رشيق، لم يسلم من حبائله أحد، امرؤ القيس قال: «وتخطو على برديتين، غذاهما نمير المياه والعيون الغلاغل». النمير قالوا هو الماء الصافي الذي يحسن غذاؤه ويؤثر وينجع في البدن. والعيون الغلاغل هي التي يجري ماؤها بين الشجر، تنبع هذه العيون ويجري ماؤها بين الشجر صافيًا حتى يصل إلى هذه البرديات.
وهو أراد هنا يا إخوة البردية، هو يصف، ماذا تعرفون حتى الرجال يقولون لا تأخذ المعرقبة، التي تظهر عراقيب ساقيها من الخلف، هذا الأرقب غير محبوب في المرأة لأنه يدل على انشداد جسمها جدًا وشدة نحافته وعلى يبس لحمها، وهذا غير محبوب في المرأة. وإنما يحبون أن تكون مكتنزة ممكورة، كما يقولون في الجاهلية ممكورة الساقين، ممكورة يعني ملفوفة مستديرة أسطوانية، يشبهونها بنبات البردي، نبات البردي سيقانه مستديرة وغضة وفيها شفافية يظهر منها الماء، وكلما سقيت انتفخت بالماء.
ركزوا معي حتى تفهموا هذا التشبيه، لأن امرأ القيس أتى به وهم أخذوهم لامرئ القيس جميعًا، أخذه المزرد بن درار وأخذه عمر بن أبي ربيعة في الإسلام. السيقان شبهها بالأنبوب الذي هو البردي، سيقان البردي نبات تعرفونه له أوراق، مشهور في مصر في القنوات المائية وغير مصر، يخرج حتى في شبه الجزيرة، أو ربما كان يخرج لأن شبه الجزيرة العربية الآن حصل فيها تصحر.
صحراء الآن كانت سهولاً خضراء، كانت سهولاً خضراء وكان فيها حيوانات انقرضت.
ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي، وهل يعمّ إلا سعيد مخلد قليل الهموم ما يبيت بأوجاله؟ وهل يعمّ إلا من كان أحدث عهده ثلاثين شهراً في ديار لسلمى عافيات؟ وتحسب سلمى لا تزال ترأطلاً من الوحش أو بيضاً بميثاء محلال.
تعال، يقول امرؤ القيس: «وتحسب سلمى لا تزال ترأطلاً من الوحش أو بيضاً بميثاء محلال». هذا البيت لو فهمته ستعرف كيف كانت جزيرة العرب قديماً. يقول: «ترأطلاً من الوحش»، الترأطل هو ولد الضبية، لا تزال ترأطلاً من الوحش، أو بيضاً، والبيض هو بيض النعامة، «بميثاء محلال». الميثاء هي الأرض السهلة المنحدرات، ومنحدرات الأودية الخصبة. محلال يعني فيها حلول، حلت فيها الحيوانات والإنسان، كذلك الحيوانات والإنسان بميثاء محلال.
يقول: «وتحسب سلمى لا تزال ترأطلاً من الوحش أو بيضاً بميثاء محلال». وتحسب سلمى لا تزال كعهدنا، يعني هو يقول تحسب سلمى أنها لا تزال هذا الزمان، خلاص وأهلها رحلوا إلى آخره أو افترقنا. خلاص، فأرض العرب كانت كذلك.
فهذا النبات يا إخوة كلما شرب الماء انتفخ وصار غضاً ناضراً براقاً، فيه شفافية يرى ماؤه. ولذلك لما قال امرؤ القيس في المعلقة: «وكشح لطيف كالجديل مخصر، وساق كأنبوب السقي المذلل». الأنبوب هو البردي، مبرومة التي هي هكذا مستديرة، وساق أسطوانية. السقي هو النخل، ثم زاد وقال: «المذلل»، يعني الذي ذللت سباطاته أو أقناؤه، التي نسميها في مصر الصباطة، أقناؤه ذللت يعني شدت إلى أسفل استعداداً لقطعه، لأنهم في هذا الوقت ماذا يفعلون؟ يغمرونه لأيام، يذللون الثمار إلى أسفل ويغمرون النخل لأيام. فحينما يغمرون النخل تنتفخ البرديات أو الأنبوب الذي يكون نابتاً في أصوله بين النخيل، فهو سقي يسقى ففيه ماء دائماً وهو مذلل، فهو مغمور بالماء فانتفخت هكذا ساقها.
«وساق كأنبوب السقي المذلل»، بالضبط تمتص الماء وتنتفخ، تشرب، تخرج في الماء، فهو لاحظ امرؤ القيس هذه الاستدارة وهذه الشفافية والرقة في جلدها، جلد السقي، جلد الأنبوب، فقال شبه بها ساقها، ملفوفة مبرومة شفافة كأنها شربت ماء واستدارت، فقال: «وساق كأنبوب السقي المذلل». وجاء هنا بصفتين متقابلتين ليدلك على أنها بلغت الكمال في الجمال.
لما قال: «وكشح لطيف كالجديل مخصر»، نعت الكشح الذي هو الخاصرة، وسطها نعته بثلاثة نُعوت: النعت الأول اللطيف، يعني لين. النعت الثاني كالجديل، وانتبه، «وكشح لطيف كالجديل» ليس أنه لطيف كالجديل في اللطف، لا، لطيف نعت، وكالجديل نعت. الجديل هو ضفيرة الجلد التي تُضفر من عدد من سيور الجلد ليصنع منها الزمام، تكون ملمومة. فقال: «وكشح لطيف»، هذا لين، ثم قال: «كالجديل»، ملموم، ثم قال: «مخصر»، أي خصرها هكذا لطيف ملموم مدكوك، يعني لطيف مغزول ونحيف مخصر. أما ساقها مبرومة، «وساق كأنبوب السقي المذلل».
فهمت؟ «وساق كأنبوب السقي المذلل، وكشح لطيف كالجديل مخصر، وساق كأنبوب السقي المذلل، وتخطو على برديتين، غذاهما نمير المياه والعيون الغلاغل».
نقف هنا يا إخوة ونكمل غداً إن شاء الله، بما أنها ستكون حلقات لا نطيل في الحلقة الواحدة، وإن شاء الله نضيفها إلى القصيدة، نضعها مكان قصيدة بسيطة أخرى، بإذن الله هذا في مشروعي، أدعوكم من هذا أن نجعله هكذا، نتركها هكذا وبعد ذلك لما أخرج كتاب مشروع المئة قصيدة يكون لنا شأن آخر بإذن الله.
نعم، صحيح، شكراً لكم يا أحباب وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عمتم صباحاً ومساءً، وصح القلب عن سلمى ومل العواذل. نعم، في أمان الله.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد