دخولتسجيل الدخول

100 سؤال في التاريخ | 1. هل يستحق التاريخ الإسلامي أن نثق به، وأسئلة أخرى

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

ما الذي يجعلنا نثق بالتاريخ الإسلامي؟ التاريخ الإسلامي كتب على منهاج ليس له نظير، بشهادة المستشرقين وبشهادة الأجانب وبشهادة غيرهم. هذا العلم هو الذي أظهر للعالم التقاليد العلمية التي سادت في البيئة الإسلامية؛ أنه التاريخ الذي لا تروى فيه الروايات إلا بالسند.

أنتم يا أخي تاريخكم محفوظ، حصل أن في سلاطين قالوا: ألفوا تاريخاً، بس إحنا عارفين هم مين. وفي حدا اليوم ممكن يستشرف لنا واقعنا وشو راح يصير فيه بعد كم سنة؟ تاريخ أي أمة أخرى ما عندكش القدرة على أن أنت تعرف الرواية دي صحيحة ولا ضعيفة. يا أخي هل ننتمي إلى أمة الإسلام؟ كل فكرة وطنية وكل فكرة قومية هي في حقيقتها فكرة عنصرية.

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله. إلى عشاق التاريخ، إلى الباحثين في التاريخ، إلى دارسي التاريخ، إلى كل من تلفته معلومات التاريخ وكتب التاريخ؛ نزف إليكم اليوم بشرى إطلاق سلسلة جديدة ضمن بودكاست "تاريخنا". هي سلسلة حلقات مفتوحة مع الأستاذ محمد الهامي، اللي هنتعرف عليها بعد شوي إن شاء الله، أطلقنا عليها اسماً لطيفاً جداً وملفتاً جداً: "100 سؤال في التاريخ". والحقيقة اللي أطلق هذا الاسم هو الأستاذ محمد، والحقيقة هو عنوان جميل جداً لهذه السلسلة.

حدا سألني: يا أخي أنتم شو حتعملوا في هذه السلسلة طالما أنها مفتوحة الحلقات؟ يعني هذه السلسلة تم تقسيمها إلى عشرة محاور، تحت كل محور فيه عشرة أسئلة، في مجموعها ستكون العنوان "100 سؤال في التاريخ". لكن هذه الأسئلة يا شباب هي الأسئلة الملحة التي نحتاج أن نطرحها ونجيب عليها بشيء من التفصيل والعمق، حتى نخلق حالة وعي تقودنا إلى بر الأمان؛ لشعور ينتاب الكثير منا أن هذه الأمة دخلت في نفق مظلم، لا هي قادرة على العودة، ولا هي تعلم أو تعرف إلى أين تسير.

وبالتالي حقيقة لما لمعت هذه الفكرة، لم تلمع لأنه نحن مثلاً مصابون بعقدة نقص لا قدر الله، أو أننا يجب أن نقف موقف المدافع عن تاريخه وتراثه وعاداته وتقاليده وموروثه العظيم؛ أبداً أبداً. فأمة يا كرام لديها علم من علومها الكثيرة اسمه علم الإسناد، أتى على نصف مليون رجل محققاً إياهم، كيف لها أن تشك في تاريخها ولا في علومها ولا في ساداتها ولا في علمائها؟ مثلاً كيف أمة أبدعت وأبهرت العالم فقط في جزئية النقل، فما بالك في تاريخ عظيم أدركنا ومنذ اللحظة الأولى أننا يجب أن نكتب كل شيء عنه.

هذه المحاور العشرة حتى تكون هيك بالصورة معنا؛ ضمن البودكاست اللي أتوقع أنه سيكون من أهم الحلقات اللي أنت حتشوفها في عالم السوشيال ميديا على اليوتيوب وعلى غيرها من المنصات. سنبدأ معاً بعشرة أسئلة هي مدخل إلى علم التاريخ، ومن ثم عشرة أسئلة هي مدخل إلى علم الحضارة، ومن ثم من المحور الثالث حيبدأ الترتيب الزمني عاد: السيرة النبوية، ومن ثم حقبة الخلافة، ومن ثم الأمويون، ومن ثم العباسيون، ومن ثم الدول المستقلة، ومن ثم الدولة العثمانية، ومن ثم حقبة الاستعمار وفيها أسئلة كثير مهمة حنطرحها، وأخيراً حيكون معنا محور التاريخ المعاصر. وبالتالي جهزوا لنا حالكم لرحلة تاريخية شيقة جميلة مفيدة بعون الله وممتعة أيضاً.

أهلاً وسهلاً أستاذ محمد. حياكم الله أخي مراد، بارك الله فيك، ما شاء الله مقدمة عظيمة ومشوقة، أنا نفسي تشوقت، الله يجزيك الخير. أستاذ محمد، إحنا في بودكاست تاريخنا وفي هذه السلسلة تحديداً أيضاً دائماً ما نترك التعريف للضيف، يعني بقدر أحكي الأستاذ محمد الهامي باحث في التاريخ والحضارة الإسلامية وأسكت، لكن الضيف أكيد لما إحنا حنستمتع وإحنا نسمع شوية معلومات عنه...

الله يبارك فيك. بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. يا سيدي، بداية شكراً على هذه الاستضافة وعلى هذا البرنامج القيم، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يكون عملاً خالصاً لوجهه الكريم، وأن يكون عملاً نافعاً؛ لأنه طبعاً أنت تعرف كثير من العلم موجود، لكن ليس كل العلم علماً نافعاً، ونبينا صلى الله عليه وسلم عودنا أن نستعيذ بالله من علم لا ينفع، فالأصل أن العلم يطلب للعمل، والأصل أن العلم يكون نافعاً، فأسأل الله تبارك وتعالى أن يكون هذا من العلم النافع، اللهم آمين.

أنا بالمناسبة أصلاً خريج هندسة، أنا مهندس وتخرجت في كلية الهندسة الإلكترونية في عام 2006. ولكن منذ أن كنت في الجامعة كانت عندي النية إلى التخصص في التاريخ؛ فلذلك منذ أستطيع أن أقول مثلاً منذ عام 2002 بدأ هذا الاهتمام بالتاريخ. طبعاً أكملت كلية الهندسة وتخرجت فيها، ثم تفرغت لمجال التاريخ، فالحمد لله رب العالمين الآن صدر لي 16 كتاباً، وعدد من البحوث العلمية المحكمة، وشاركت في عشرات المؤتمرات العلمية التاريخية وفي علوم الشريعة المختلفة، لكن على كل حال برضه كانت تتعلق بجانب التاريخ.

ولا أتذكر، مواليد أي سنة يا أستاذ محمد؟ أنا مواليد آخر 1983. ما شاء الله، نفع الله بكم. الله يبارك فيك، يعني الآن ذاهب إلى إتمام الـ 41 سنة. ما شاء الله، طبعاً مش مبين عليك. مبين علي؟ مش مبين. معقول؟ متزوج؟ أي نعم، متزوج وعندي ثلاثة أبناء، والأبناء أسماؤهم تاريخية أيضاً: سيف الدين ومجد الدين وفخر الدين. ما شاء الله، تأثراً بالتاريخ ولا أنت بتحب هذه الأسماء؟

لا شك أنه تأثر بالتاريخ، يعني أنا أحببت هذه الأسماء من؛ أنا أرى أن هذه الألقاب كانت ألقاباً فخمة بالنسبة لسلاطين المسلمين المجاهدين الأقوياء الكبار أيام العز. طبعاً أنت تعرف عادة التلقب بهذه الألقاب كانت بدأت مع الدولة الأيوبية، كان قبلها مرحلة التلقب بلقب الدولة، فيقال فخر الدولة وجمال الدولة وبهاء الدولة، حتى جاءت الدولة الزنكية قبلها، ثم الدولة الأيوبية، هذه دول الجهاد؛ فغالب من تسمى تلقب بهذه الألقاب، ألقاب الدين مش ألقاب الدولة؛ فصار يقال نجم الدين وأسد الدين وصلاح الدين، وسرى هذا في الممالك الإسلامية بعدهم كدولة المماليك. فلا شك أن هذا الزمن هو زمن العزة والقوة والجهاد، ومما أورثني إياه من الحب هو هذه الأسماء، فكانت هذه الأسماء في ذهني قديمة، حتى من أيام ما كنت طالباً في الإعدادية وفي الثانوية وأنا أنوي أن أسمي الأولاد بهذا الاسم.

كنا بنحكي قبل البودكاست أن كيف التاريخ يؤثر في سلوك الدارس حتى، وسلوك الناس عموماً؟ صحيح، صحيح يا سيدي، نسأل الله تعالى أن ينفع بهم، آمين آمين، وأن ينفع بعلمكم إن شاء الله، وأن يكتب الأجر للجميع إن شاء الله. اللهم آمين. طيب ما رأيك أن نبدأ الآن بالمحور الأول، وهو مدخل إلى التاريخ، وسؤالنا الأول: كيف لنا أن نثق بالتاريخ عموماً أستاذ محمد، ونحن نرى بأم أعيننا واقعنا يزور؟

طبعاً بداية أنا أشكر لك هذه الصيغة المهذبة في السؤال، الصيغة الصريحة للسؤال تقول: هو إيه لزمة التاريخ وإيه لزمة المؤرخين؟ ويعني أحياناً أتعرض لهذا السؤال، وبالمناسبة هذا ليس سؤالاً يدور عند عموم الناس فقط، ولكن هناك مدارس علمية ترى أنه هذا السؤال مهم؛ فمثلاً كارل بوبر، الفيلسوف المعروف الذي كتب في فلسفة العلم، له كتاب اسمه "عقم المذهب التاريخي"، وخلاصة ما يقول هؤلاء الناس أن التاريخ هو مجموعة من الأكاذيب المتفق عليها، وأنه لا يمكن أن نرجع بآلة زمن إلى التاريخ علشان نتحقق من هذا الكلام الذي قيل لنا وروي لنا في الكتب؛ صحيح ولا مش صحيح؟ وحيث أننا ما عندناش القدرة على تقييم ما سيق إلينا، وما عندناش القدرة على الرجوع إليه، وما عندناش القدرة على استكشاف المجهول، فبالتالي كل هذا الموضوع، كل هذا التاريخ مالهوش لازمة.

تبدو هذه الفكرة لأول مرة فكرة وجيهة تستحق النظر، لكن نستطيع الرد عليها بمثال بسيط. الآن أنت لو ذهبت إلى أي وظيفة، فأول حاجة تؤديها للوظيفة هو الـ "سي في" (السيرة الذاتية). ما هي السيرة الذاتية؟ السيرة الذاتية هي تاريخك في هذا العمل، في هذا المجال، في هذه المهنة. من خلال اطلاع الشركة على سيرتك الذاتية، على تاريخك في هذا المجال، بتقدر تقيم أنت مناسب لهذه الوظيفة أو غير مناسب.

مثال آخر، ما الفارق بين الإنسان الواعي وبين الإنسان الذي أصيب بمرض فقد الذاكرة؟ إيه الفرق بين الاثنين؟ ليس إلا فرقاً واحداً أنه هذا يتذكر تاريخه وهذا لا يتذكر. طيب تعالى، هل ممكن الإنسان فاقد الذاكرة ده ينتفع به؟ يعني هو نفسه لكي يدير أمره ولكي يتابع شؤون حياته، هل الإنسان فاقد الذاكرة كالإنسان صاحب الذاكرة؟ الفارق ضخم جداً وواضح جداً وبعيد جداً.

فلذلك لأن عمر الإنسان قصير؛ عمر الإنسان بين 60، 70، 80، ونادر من الناس من يصل إلى الـ 90 وإلى الـ 100 سنة، هذا العمر قصير لا يستوعب قصة الأمة، لا يستوعب قصة حضارة، لا يستوعب قصة دولة. فلذلك من أراد أن يفهم كيف تنشأ الدول أو كيف تسقط الدول، كيف تنشأ الحضارات، كيف تسقط الحضارات، كيف وصلنا إلى هذه اللحظة التي نحن فيها، كيف يمكن أن ننتقل منها إلى غيرها؛ هذا العمر الإنساني قصير، وبالتالي احتاج الإنسان إلى أن ينبش في التاريخ، وأن يرى ما هي قصص السابقين، كيف ترك هؤلاء السابقون حياتهم وسيرتهم لكي يمكن أن تستفيد منها في معرفة كيف وصلت إلى هذا الواقع الذي نحن فيه، وكيف تنتصر.

يعني الآن إحنا مثلاً في أيام "طوفان الأقصى"، نسأل الله أن يفرج عن أهلنا في غزة وفي سائر بلاد المسلمين، اللهم آمين. الآن إذا ولد، أو إذا نبت رجل وأراد أن يفهم قضية فلسطين، ماذا سيفعل؟ أول شيء سيفعله لكي يفهم هذه القضية أن ينظر في تاريخها، كيف وصلت إلى هذه المرحلة؟ علام يتصارع هؤلاء الناس؟ ما الذي جاء باليهود من سائر أشتات الأرض إلى هذه البقعة؟ لماذا يرفض هذا الشعب وجودهم؟ لا مهرب ولا محيص أمامه من أن يرجع إلى التاريخ لكي يحاول أن يفهم كيف وصلنا إلى هذه اللحظة، وكيف يمكن أن ننتقل من هذه اللحظة إلى غيرها.

تعالى هات اثنين: واحد ما عندوش خبرة بالتاريخ، وواحد عنده خبرة بالتاريخ، واعرض عليهم نفس القضية ولتكن قضية فلسطين. اللي ما عندوش خبرة بالتاريخ قد يقترح عليك حلولاً كثيرة منطقية، منها أننا نعمل دولة واحدة واسمها "إسراطين"، منها أننا نعمل سلام دائم وشامل وعادل، منها أنه يبقى فيه تعايش، هيقول حلول كتير، منها أننا نهجر هؤلاء الفلسطينيين من أماكنهم طالما الإسرائيليين هم الأقوى، هيطرح حلولاً كلها تحاول أن تنهي الصراع في الوقت الحالي. بينما صاحب التاريخ هيبقى عنده تراث من الحلول التي تم تجربتها وتم طرحها، ولماذا نجحت أو لماذا فشلت.

فلذلك ما بين كثير من الحلول التي يمكن أن يطرحها من ليس عنده الذاكرة التاريخية، سيأتي الرجل صاحب التاريخ ويستطيع أن يختار حلاً أو اثنين أو ثلاثة؛ لأن هذه الحلول بالنسبة له لها سوابق وتمت تجربتها. طبعاً يصدق هذا يا شيخ مراد؛ أول ما يصدق حين ترى كثيراً من المؤرخين كان عنده قدرة على الاستشراف. ابن خلدون مثلاً، واحد من ألمع الأسماء في تاريخنا الإسلامي، ابن خلدون توقع أمرين حصل بعد موته هو بـ 100 عام؛ متصور؟ هذا هو دليل قدرته على استيعاب التاريخ واستكشاف سننه.

هو توقع سقوط الأندلس في وقت الأندلس سقطت فيه بعد بمئة عام. قال إنك لما تروح الأندلس هتلاقي أهل الأندلس متأثرين بالإسبان في عادتهم وفي تقاليدهم، وفي رفع الصور على بيوتهم كما يفعل الإسبان، ده من علامات الهزيمة الثقافية التي ستتبعها هزيمة عسكرية. وفصل في أن المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب في زيه ونحلته وشعاره وسائر أحواله. ذكر تحت هذا الفصل هذا يقول: ومن تأمل هذا بعين البصيرة رأى أنه من علامات الغلب، يعني الناس دول سيغلبون عسكرياً بعد أن غلبوا ثقافياً. دي مثلاً حاجة تدل على إيه؟ لولا الذاكرة التاريخية القوية عند ابن خلدون ما كانش ممكن يتصور أن الهزيمة الثقافية تؤدي إلى هزيمة عسكرية.

مثلاً الإمام ابن حجر، الإمام ابن حجر العسقلاني، المحدث المشهور صاحب "فتح الباري"، كان من تلاميذ ابن خلدون وقال: وسمعت من ابن خلدون مراراً أنه لا خطر على سلطان مصر إلا من بني عثمان. يعني الدولة المملوكية العظيمة الهائلة الموجودة في مصر دي، طبعاً ابن خلدون في وقت وجوده كانت الدولة المملوكية دي القوة الإسلامية العظمى، قال: هذه الدولة لا تسقط إلا على يد العثمانيين. لم يحدث إلا بعد مئة عام من وفاه ابن خلدون، وبعد وفاه ابن حجر، ابن حجر أصلاً توفي قبل الدولة العثمانية. لكن الآن انظر إلى قدرة المؤرخ على استشراف المستقبل، دليل على فائدة التاريخ.

فهذا هو الذي نتكلم فيه، وباختصار شديد بحيث لا أطيل، أن الإنسان لأن عمره قصير يحتاج في إدراك الحوادث الكبيرة التي لا يحتويها عمره القصير، إلى أن ينظر إلى التاريخ. وسبحان الله، كانه مسألة التاريخ والقصص هذه مسألة فطرية؛ أنت تجد الأم تهدهد ابنها بالقصص منذ أن كان صغيراً، تحكي له حكاية علي بابا والأربعين حرامي؛ فالإنسان أُسِر الإنسان للقصة كأنه شيء مركوز في فطرته، فهو يتعرف عليه قبل أن...

يتعرف على العلم وأصول العلم، يعني المادة، المادة الدسمة والمادة القوية أم في العلم؟ ولذلك نحن طبعاً المسلمين طبعاً أنا فاهم أن السؤال ده سؤال يسأله الناس، لكن عايز أقول لك إحنا المسلمين ما ينبغي أن نسأل هذا السؤال، لأن إحنا ثلث القرآن الكريم تاريخ.

ثلث القرآن الكريم تاريخ وقص، فابن الأثير مثلاً له كلمة جميلة جداً هنا: هل ممكن أن القصص التي أوردها القرآن الكريم وشغلت ثلثه تكون غير مفيدة أبداً؟ فبالتالي لا يمكن المسلم يبقى عنده تشكك في أهمية التاريخ، لأن التاريخ يمثل ثلث القرآن الكريم. فباقول لك ابن الأثير كان بيقول إيه؟ بيقول: والحكمة من إيراد هذه القصص هو الاعتبار بها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَوَهْوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37]. فمن قال –دي كلمة ابن الأثير– فمن قال بأن القرآن الكريم جعل هذا على نحو القصص والأثمار، فقد تمسك من قول الزيغ بمحكم أسبابها، حيث قالوا: ﴿هَذَاسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان: 5]. يعني إيه؟ بيقول: اللي بيقول إن التاريخ مش مفيد، عامل زي الكفار الذين قالوا عن هذه القصص أساطير.

ما هي الحاجة اللي مالهاش فايدة؟ القصة اللي مالهاش فايدة أسطورة، لكن طالما ليها فايدة فهي إيه؟ مفيدة، جاء بها القرآن الكريم لكي يتعظ بها الناس ويقتدوا. فأنت لما تلاقي ثلث القرآن الكريم قصص، تعرف أنه التاريخ أمر مهم وأمر يعني حيوي في تكوين الإنسان وفي تكوين الدولة. وبعد كده إن شاء الله هنيجي إلى كلمة يقولها ويلفرد سانتول سميث، مستشرق أمريكي، كان يقول: المسلمون أكثر الناس إحساساً بالتاريخ، لأنه دينهم مليء بتنمية الوعي التاريخي، لكن بيقول لك البوذيين والهندوس لا، التاريخ بالنسبة لهم حاجة مش مهمة. بيقول: حتى المسيحيين، بيقول لك المسيحي تعلم من دينه أن هذه الأرض فاسدة، والمملكة الحقيقية هي مملكة السماء، فلذلك تجد المسيحي يقف أمام عجله التاريخ لتدوسه، فيكون هو تكرار لعملية الصلب والفداء، بينما المسلم يقاوم حركة التاريخ، ويحاول تدوير عجلة التاريخ لصالحه، لكي يتحقق مراد الله في الأرض، وهو في عمليته هذه يطلب أيضاً الدار الآخرة. ده كلام مستشرق أمريكي.

ولذلك كتاب التاريخ الكامل للعالم لمستشرقين فرنسيين، صدر في دار المعرفة، كان يقول: الإسلام دين أبطال أكثر منه دين شهداء. الإسلام دين أبطال، بمعنى أنه يحاول يغير الحياة، أكثر منه دين شهداء، يقصد المعنى المسيحي، اللي هو تقبل الشهادة بالاستسلام يعني. طب خلينا نعمل هيك حركة مثل حركة ابن خلدون، أم هو استشرف شغلتين وصاروا في التاريخ؟ هو في حدا اليوم ممكن يستشرف لنا واقعنا وشو راح يصير فيه بعد كم من سنة بس مش بعد مئة سنة، يعني على الأقل، لأن بتعرف والله مجموعة كبيرة ضخمة جداً من الشباب يعني محتار إيش اللي ممكن يصير.

صحيح، هو طبعا أولاً يجب أن أقول إنه وجود الناس الذين عندهم قدر من البصيرة وقدر من الاستشراف موجودين، لا تخلو منهم الأمة. ولعله أذكر حضرتك وأذكر المشاهدين بواحد زي الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل، فك الله أسره، شوف الشيخ حازم، الناس عرفت قيمته بعد وقوع الانقلاب في مصر، على فكرة من يومين له فيديو قاعد ينتشر مثل النار في الهشيم، يعني شوف لأنه هو وأحيانا طبعا بعد الانقلاب صارت الناس تعيد بعث الفيديوهات التي يتوقع فيها ما حصل، حتى مسألة تيران وصنافير وحتى غيره، لدرجة أنا أتذكر شاب على السوشيال ميديا لطيف كده قال: يا جماعة، هو في حادثة مش هنلاقي لها فيديو لحازم أبو إسماعيل؟ يعني في حاجة هتحصل مش هنلاقي حاجة لحازم أبو إسماعيل تكلم عنها؟

فأنا بقول لك البصيرة موجودة، هي لا تنعدم من الأمة الإسلامية، لكن حقيقة يا شيخ مراد إحنا مستضعفة، والبارز في ساحة الإعلام وفي ساحة الأكاديمية يعني النخبة هي نخبة لا تفرزها الأمة، لا، هي نخبة مصنوعة، يصنعها أهل الأموال، وأهل الأموال مستندون إلى القوى السياسية، فلذلك هؤلاء يخفضون من أرادوا ويرفعون من أرادوا، فلذلك يظهر على سطح الحالة الثقافية والحالة الإعلامية من يكون على هوى صاحب المال وصاحب النفوذ السياسي. حتى لو كان وهذا ما ذكره لنا نبينا: «ستاتي على الناس سنوات خداعات، يكذب فيها الصادق ويصدق فيها الكاذب، ويخون فيها الأمين ويؤتمن فيها الخائن، وينطق فيها الرويبضة». قال: يا رسول الله، وما الرويبضة؟ قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة». فهذا من أزمنة الرويبضة حقيقة.

فأنا أصدق أقول لك يعني على جهة الوجود موجود، وذكرنا المثال القريب اللي هو مثال الشيخ حازم، لكن يجب أن أقول أيضاً بأن الإنسان المسلم مكلف في نفسه بالعمل، أكثر مما هو مكلف بالاستشراف. تمام؟ لأنه كلنا سنحاسب أفرادا، وكلكم آتيه يوم القيامة فرداً، فالإنسان يجب أن يسعى لعز الإسلام ولتمكين الإسلام، مش لأنه الإسلام محتاج كده، لا، لأن هو محتاج ينجو عند الله تبارك وتعالى. ففي أزمنة الإسلام كان عزيزاً ومنتصر وفي ناس دخلوا النار، وأزمنة الإسلام كان فيه مضطهداً وضعيفاً والناس بعض الناس دخلوا الجنة.

والله تبارك وتعالى كشف لنا أنه بعد ما يمكن للمسلمين في الأرض في ناس برضو هتدخل النار: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: 55]. شوف الوضع جميل أهو وممكن. قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [النور: 55]، بعد ذلك في ناس بعد كده إيه؟ ستكفر برضو.

فلذلك الإنسان المسلم غير معلق بالاستشراف، هو معلق بالواجبات المطلوبة منه الآن. يعني خليني أقول لك مثلاً حالة زي حالة طوفان الأقصى أو زي أي حالة حتى لو بدا زي أي حالة بلاش أقول طوفان الأقصى عشان ما حدش ينزعج، يعني مثلاً زي نكبة 48، خلينا نقول نكبة 48، الإنسان الموجود في نكبة 48 يجب أن يقاتل بكل ما استطاع، وأن يجاهد بكل ما استطاع، حتى لو كانت المقاييس تقول، وحتى لو كان الاستشراف يؤدي إلى أنه هذه معركة خاسرة، لأنه أنا لست مكلفاً بصناعة التاريخ، أنا مكلف بصناعة الواجب المفروض علي في هذه اللحظة، فلذلك الإقبال على الواجب ليست له علاقة الإقبال على الواجب ليست له علاقة كبيرة بالاستشراف.

طبعاً الاستشراف ينفعني في التخطيط، في التدبير، في يعني الانسحاب المؤقت، في الانحياز إلى فئة، كل هذا مطلوب، لكن هناك واجب، حتى لو كان يعني: من قتل دون ماله فهو شهيد، من قتل دون عرضه فهو شهيد، الإنسان المسلم أكثر بحثاً عن القيام بالواجب، حتى لو كانت فيه الشهادة ولم يكن فيه تحقق النصر تماماً. فلكن طبعا أرجع وأقول أن الأمة كأمة تحتاج إلى يعني دائماً إلى هؤلاء المستشرفين، من الذين قرأوا التاريخ، من الذين يفهمون الواقع، من الذين آتاهم الله بصيرة في المستقبل، لأن هؤلاء هم الناس الذين يستطيعون أن يدبروا لهذه الأمة، وأن يخططوا لهذه الأمة، وأن ينصحوا لهذه الأمة.

إذاً، حتى نغلق القوس تبع السؤال الأول، أستاذ محمد، التاريخ هو الذي يقول لنا كيف وصلنا إلى هنا وكيف سننتقل، وكيف نستشرف المستقبل، وبالتالي قصة وخلينا نحكي أسطوانة: نحن لا نحتاج إلى التاريخ صحيح، يعني حاولوا تخلصونا منها عشان خلاص نعرف نعيش مع التاريخ ونستفيد منه. تمام، تمام، بس أنا خليني إيه رأيك أصيغ هذه الجملة اللي أنت قلتها وهي صحيحة تماماً في صيغة أخرى، وأقول مثلاً: إنه فائدة التاريخ هو فهم السنن، أننا نفهم إيه اللي حصل، ثم الاقتداء، الاعتبار، الاتعاظ، كيف نستفيد من هذا التاريخ لكي ننتقل إلى يعني عندنا فائدتين كبيرتين للتاريخ، أن نفهم وأن نعمل، فهم السنن والعمل بمقتضاها، جميل جداً.

طيب، دعنا ننتقل إلى السؤال الثاني، وإن كان طبعاً كل سؤال بالمناسبه يندرج تحتيه تفريعات قد تصل إلى العشرات، لكن بهذه الطريقة يمكن ما ننجز، فخلينا ناخذ الأسئله اللي بطرحها الشارع واللي على السوشيال ميديا، عارف يعني بيشتغلوا فيها بطريقة غير عادية. تمام، يعني أستاذ محمد، السؤال الثاني هو إحنا المسلمون الآن نعيش في ظل مفهوم الدولة القطرية، نحن دول متعددة، كل واحد له حدود هيك مسكر على حاله، كل واحد مهتم في حاله، في أرضه، في شعبه إلى آخره، وبالتالي بطلنا نعرف إحنا هل ننتمي إلى التاريخ الإسلامي، يا أخي، إحنا هل ننتمي إلى أمة الإسلام؟ أم هل ننتمي إلى تاريخ أمم سابقة؟ يعني مثلاً المصري في مصر هل ينتمي إلى الإسلام ولا ينتمي إلى مصر ولا ينتمي إلى تاريخ الفراعنة؟

العراقي في العراق هل ينتمي إلى العراق لأمة الإسلام أم إلى التاريخ البابلي مثلاً؟ في بلاد الشام هل ننتمي إلى الفينيقيين على سبيل المثال؟ في الهند هل ينتمون إلى الهندوسية الهندية؟ يعني سؤال بتلاقيه، أحكي لك شغله، لما أنا أروح أصور في أي مكان، بصور وبخلص وبحكي هذه من موروث الحضارة الإسلامية، فيطلع لك تحت عدد الذباب الإلكتروني هيك يعني بيكثر، بيقول لك أخي ليش بتكي أنت؟ ليش كل شي بتنسبه للإسلام؟ ليش بتكي عن الإسلام؟ أحكي هذه حضارة سومرية مثلاً.

فكيف نحل هذا الإشكال؟ وأيضاً يعني كمان سؤال ملح جداً بسرعة بتبع هذا السؤال هيك، أنه: طيب يا أخي، أنت ما شاء الله عنك عراقي وعندك حضارة بابلية، وهذا مصري عنده حضارة فرعونية، وهذا من الشام عنده حضارة رومانية ولا فينيقية أياً كان، طيب الشعوب الجديدة اللي ظهرت على الخريطة جديد، يعني مثلاً هدول ما عندهم تاريخ ضارب في القدم، شو يعمل؟ يروح ينط من فوق الجبل ينتحر مثلاً؟ شو يسوي في حاله يعني؟

نعم، بارك الله فيك. شوف، شوف أنت السؤال بتطرحه ببساطة، بس حقيقة هو بيفتح موضوع فلسفي كبير جداً والإجابة عليه عميقة. شوف، أنت وقتما بتقول: أنا مين؟ بتحدد تاريخك، لما أنت تقول: أنا مين؟ يعني أنا مراد، الفلسطيني، العربي، المسلم، وقتما بتقول الثلاث عبارات دول فانت بيبقى عندك تصور لتاريخك.

مثلاً أنا الآن أمامك، لما أقول أنا محمد المصري، ده فهمي لنفسي أن أنا مصري، غير لما أقول أن أنا محمد العربي، وأقول أن أنا محمد المسلم، دول بيعملوا أشكال أخرى من تصور التاريخ. أنا لما أقول: أنا محمد المصري، حفيد الحضارة المصرية القديمة، أنتمي إلى مجد حتشبسوت ونفرتيتي والأهرام وأبو الهول، ده بيصنع عندي تصور للواقع وللحياة وعلاقاتي بالناس مختلف.

لابد أن أراك أنت يا أخ مراد باعتبارك عدو، لأن أنت عدو قديم للفراعنة، الجماعة اللي كانوا موجودين في الشام، الحثيين وغيرهم، دول دول أعداء لأجدادي، فأجدك أعداء لأجدادي، وبالتالي حصل مثلاً عندك في غزه طوفان الأقصى ولا غير طوفان الأقصى، أنا أؤيد أن إحنا نغلق عليك معبر رفح، وأؤيد أنك تموت ولا ما تموت أنت حر، يعني دي حاجة ما تهمنيش، بس ربما زوال عدو يبقى مفيد لي باعتباري شخص مصري، وده مما يفيد في تقوية الوضع الذي أنا فيه.

إنما أقول: أنا محمد العربي أو محمد المسلم –طبعا في فرق بينهم، بس عايز أقول رقم واحد– لو أنا بقول محمد المسلم، فالتاريخ عندي لا يبدا من محمد صلى الله عليه وسلم، بل يبدا من آدم عليه السلام. نعم، لأنه الأنبياء جميعا موكب واحد، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى، فأنا أنتمي إلى آدم، لكن النسخه الأخيرة التي أنزلها الله تبارك وتعالى من الدين الحق هي التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم.

فأنا أقرب إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وإلى أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وأقرب إلى الصحابة والتابعين، وأقرب إلى أبو عبيدة الذي فتح الشام، وأقرب إلى عمرو بن العاص، وأقرب إلى عمر بن الخطاب، مني إلى الراجل الفرعوني. اللي هو اسمه، لو أنا راجل فرعوني هبقى شايف عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص أحد المحتلين الذين احتلوا هذه البلد، وتكويني النفسي يجب أن يضاده ويصمه.

فحقيقة التاريخ أمر لا يمكن فصله عن الهويه، لا يمكن فصلها عن الهوية، الهوية هي تحدد التاريخ. طيب أنا دلوقتي إيه اللي خلانا نطرح هذا السؤال؟ يعني إيه اللي حصل وخلانا نطرح هذا السؤال؟ حقيقة اللي خلانا نطرح هذا السؤال هو الاحتلال الأجنبي. الاحتلال الأجنبي أحد وسائل تمزيقه لهذه الأمة أنه يبحث لكل قوم عن هويات غير الهوية الإسلامية.

دلوقتي الراجل المحتل الفرنسي نابليون ده لما جه مصر واحتل مصر، إحنا المصريين في أعناقنا دين كبير لشاب صغير من حلب اسمه سليمان الحلبي، جاء إلى مصر وقتل كليبر اللي هو كان القائد الثاني للحمله الفرنسية، مع أن الفرنسيين ما راحوش حلب وما احتلوش حلب، المفروض الراجل ده جاي من وطنه وجاي متدخل في شؤوننا الداخلية، القضية بتاعت، أيوه. وكمان عمل عندنا جريمة إرهابية، أنا دلوقتي لو راجل مصري فرعوني وشايف أن الحملة الفرنسية دي هي تحرير وتنوير وإدخالها في عصر الحداثة وإنقاذها من عصر التخلف العثماني، هيبقى إيه تقييمي لسليمان الحلبي؟ إرهابي، مجرم من بتوع الجهاد العالمي والارهاب العابر للحدود، وجاء وارتكب جريمة إرهابية عندنا في مصر، وما حدش استدعاه وما حدش قال له تعال، ودخل بشكل غير شرعي وارتكب جريمة غير شرعية، والحمد لله اتحاكم وأعدم.

لكن أنا حين أكون مسلما أرى أن هذا هو الانفعال الإسلامي الطبيعي المتوقع، واحد من حلب يرى أن مصر من ديار الإسلام، ليست بلدا آخر جاءها الكافر سواء كان فرنسي ولا إنجليزي.

ولا ألماني ولا أمريكي، جاءها الكافر. فاحت لها رأى هو أن عليه واجباً في الجهاد، فجاء من حلب لكي يغتال قائد الحملة الفرنسية، زيه زي الحجازيين اللي كانوا موجودين في مصر، وقاوموا الاحتلال الإنجليزي، زيه زي المغاربة، زيه زي الجايين بتوع ماليزيا وإندونيسيا اللي كانوا موجودين في الأزهر وقاوموا الاحتلال الفرنسي. الاحتلال الأجنبي يا شيخ مراد، بدل ما يواجه المسلمين كأمة واحدة، عمل على تقسيمهم إلى هويات وإلى أوطان. ففي فترة الاحتلال الإنجليزي، سعى هذا الاحتلال -من خلال الأثريين والرحالة والمؤرخين- إلى استنبات وإعادة إحياء هذا التراث القديم، فبقى المصريين عارفين إنهم فراعنة وبيحاولوا ينتموا إلى الفراعنة، وبقوا الشاميين بيحاولوا ينتموا إلى الفينيقيين، وبقوا العراقيين جذورهم ضاربة في الحضارة.

يعني إحنا المصريين كنا شايفين الآثار الفرعونية قبل كده إيه؟ جماعة وثنيون أنقذنا الله منهم بالفتح الإسلامي، والحمد لله، صرنا كلنا موحدين، ودي من أصنام القرون الغابرة. لكن المصري صاحب الهوية الوطنية المصرية يرى أن هذه الأصنام والأوثان هي دلائل عظمة، ودلائل قوة، ودلائل فخر، ومبعث مجد، وينبغي أن نحفظها. وفي كتاب لطيف جداً جداً اسمه حديث عيسى بن هشام لأديب مصري اسمه محمد المويلحي، كان يقارن فيه بين المجتمع المصري لما دخلت عليه الحداثة والأفكار دي، بقا شايف إزاي كل حاجة، بقا شايف إزاي الفراعنة... يعني هو عمل حوار بين واحد -بداية الكتاب كده- واحد دخل غيبوبة، وبعدين صحي بعد 70 سنة، فبدا يقارن الأفكار التي غزت... إحنا شايفين إزاي الطب؟ شايفين إزاي الحضارة؟ شايفين إزاي الآثار الفرعونية؟ شايفين...

فلذلك، الذي جعلنا ننقسم إلى هويات ويحاول كل بلد استنبات هويته القديمة هو الاحتلال الإنجليزي؛ لأنه بدل ما يقاوم أمة إسلامية فيكون احتلاله لمصر مستفزاً للي في إندونيسيا ومستفزاً للي في طنجه، لا، أنا لما أحتل مصر يبقى إيه؟ بستفزك اللي في مصر اللي عندهم الهوية المصرية. وهذا الصراع ما زال مستمراً حتى الآن. أنت الآن ترى غزة، غزة السياق السياسي، الدولة التي نحن فيها -التي هي الدولة المصرية التي أنبتت هذه الفكرة الوطنية- ترى أنه من واجبها الدفاع عن أمنها القومي بأن تقيم الحدود والأسوار على رفح، علشان ما حدش من غزة يتسرب إليها. دولة أخرى في الضفة الغربية -مثلاً زي الأردن- ترى أنه لا تتدخل في هذه الأمور ويجب أن تشدد أيضاً الأسوار على حراسة الحدود.

فبالتالي التاريخ جزء من الهوية، جزء من الهوية. فكون أنك ترى نفسك مصري غير أنك ترى نفسك مسلم، فلأجل هذا يجب أن تنتبه إلى هذه المعاني.

طيب، الناس اللي ما عندهمش تاريخ، هل ينتحروا؟ هو حقيقة ما فيش حد ما عندوش تاريخ، أهم حاجة هو شايف نفسه إزاي. يعني ما فيش ناس وجدوا أو نبتوا بدون تاريخ، هو الناس إما أنهم سجلوا تاريخهم -وغالباً الناس اللي سجلوا تاريخهم هم الذين كانوا موجودين في أراضي صالحة للحياة المستقرة؛ يعني موجودين على ضفاف الأنهار مثلاً، اللي هي مواطن نشأة الحضارات- كذا. أما بقية الناس، فكانوا موجودين، لهم تاريخهم ولهم عاداتهم تمام.

هل الإنسان -وهذا هو الذي جاء به الاسلام يا شيخ مراد- هل الإنسان أسير ورهين وسجين للأشياء التي ولد بها؟ يعني أنا طالما ولدت مصرياً فيجب أن أكون وطنياً مصرياً قومياً منغلقاً داخل هذه الحدود؟ ولا الإنسان عنده القدرة على الانتقاء والاختيار بين الخير والشر، بين الصالح والأصلح؟ فاللي بيحاول يحبس الإنسان في هوية مغلقه ولد بها، في لونه، في جلده، في لغته، في أرضه، دي حقيقة محاولة التعامل مع الإنسان كما يتعامل مع الحيوان؛ لأنه يريد أن يقصره على أمور هو لم يخترها. أنا لم أختر أن أولد مصرياً ولا عربياً ولا بهذا اللون.

الإسلام فتح أو الإسلام نظرتُه للإنسان نظرة أوسع من ذلك، إنه الإنسان هو الذي يستطيع أن يختار هويته. فالإسلام يجمع العربي، ويجمع الحبشي، ويجمع الفارسي، ويجمع الرومي والتركي والشركسي والكردي... إذن كل هؤلاء يجمعهم الإسلام تحت راية واحدة. فمن أراد أن يرتد ويخرج حقيقة -عملياً- من أراد أن يرتد ويخرج من الأمة وشايف مثلاً أن ديناً آخر هو أفضل، ولا شايف أن قوماً آخرين هم أفضل، ينزع نفسه من الأمة الإسلامية ويلتحق بالأمة التي يريد؛ فهذا المعنى الإنساني الذي يجعل الإنسان هو القادر على اختيار هويته، والقادر على... بما أنه اختار هويته فهو بيختار تاريخه تمام. فهذا هو المعنى الأسمى والأرقى واليليق بالإنسان.

أنت بتعرف أستاذ محمد، هذا السؤال هو الذي يتسلل أو تتسلل منه فكرة الأفضلية والسبق؛ يعني أنا شايف حالي فرعوني ولا بابلي ولا كذا، وأنتتمي إلى ذاك التاريخ الضارب في القدم حتى أرى نفسي عليك، حتى أصرف لك عبارة أو روشتة: «ما تدخلش في شؤوننا» أو «انت مين عشان تحكي بالتاريخ تبعنا؟» و«ما تضلك تدحش هيك، تدخل الإسلام في كل جملة بتحكيها وكل عبارة بتحكيها، خلص إحنا كلياتنا مسلمين يا أخي، بس إحنا بالاخير مثلاً أمازيغ يا أخي، تدخلنا بأي شيء ثاني؟»

صحيح، فهي العبارة بشعر أنها هي عامة عقده حقيقية على الأرض، هو كل فكرة وطنية وكل فكرة قومية هي في حقيقتها فكرة عنصرية، ويترتب عليها كل المشاكل العنصرية اللي أنت شايفها، من التعامل مع اللاجئين -سواء... أنا مش بتكلم على... على أوروبا بس، لا، في أي مكان آخر-. مثلاً إذا بنتكلم على تركيا، إحنا موجودين في تركيا، ما الذي يجعل قضية اللاجئين قضية ساخنة؟ أن في ناس شايفين نفسهم أتراك. طيب، ما الذي يجعل قضية اللاجئين في أوروبا قضية ساخنة؟ في ناس شايفين نفسهم أوروبيين بيض مسيحيين، ودخول اللاجئين وتسهيل لدخول اللاجئين يسبب تغير الثقافة. بلاش، اللي اللي شايف... مثلاً المصريين في الفترة الأخيرة بعضهم مش عايز سودانيين، ومش عايز يمنيين، ومش عايز سوريين، برضو عشان في نزعة وطنية بتقول: «إحنا المصريين ودي أرض المصريين».

كل نزعة وطنية قومية هي في حقيقتها نزعة عنصرية، وهذا خطر، هذا خطر؛ لأن كل الناس معرضة أصلاً إلى أن تتقلب بها الأحوال. ولذلك أرجع إلى القول بأن ما جاء به الإسلام هو نزع هذه الأشياء وجعل الأفضلية للتقوى والعمل الصالح: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ﴾ [الحجرات: 13] مش علشان تتفاخروا، مش علشان تتمايزوا وتقاطعوا، لا، ﴿لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لأحمر على أسود ولا لاسود على أحمر إلا بالتقوى والعمل الصالح».

فالخروج من الهويات التي أورثناها أو التي فرضت علينا أو التي اكتسبناها بالمولد وباللون وبالعرق، إلى الهوية التي نختارها والتي تحاكم الإنسان إلى أعماله وإلى أخلاقه، هي الليئة...

يعني بيطرح كثير طبعا من الشباب فكرة الثقة بالتاريخ، نعم، وتحديداً التاريخ الاسلامي. ما الذي يجعلنا نثق بالتاريخ الإسلامي، سيما وأنه التاريخ كله أو تواريخ الشعوب كلها مليئة بالخرافات، مليئة بالعارف أسطير مبالغة، أساطير مبالغات إيوه بالضبط؟ وبالتالي أنا كمسلم كيف أثق في هذا التاريخ؟

سؤال مهم وسؤال في صميم المطلوب، وخلينا نضيفه إلى كمان السؤال الأولاني اللي هو بيقول لك: «أنا كيف أثق بالتاريخ وأنا شايف الواقع يزور أمام عيني؟» فلذلك خلينا نقول: اللي يخليني أثق بالتاريخ الإسلامي وأنا شايف الواقع يزور أمام عيني؟

شوف يا سيدي، صلِ على النبي -اللهم صل على سيدنا محمد-. أحد المزايا الموجودة في الأمة الإسلامية أو الفرائد التي تفردت بها الأمة الإسلامية هو أن الدين هو الذي صنع الحضارة. الدين هو الذي صنع الحضارة. أنت عارف كتاب مايكل هارت، اللي هو الخالدون مئة، أعظمهم محمداً أو أعظم مئة شخصية تأثيراً في التاريخ؟ كان بيقول إنه هو اختار سيدنا محمد رقم واحد الأعظم تأثيراً في التاريخ. ليه يا أستاذ مايكل؟ هو بيقول -حتى الناس هتسالني وباعتبار أن أنا مسيحي، إزاي اخترت محمد وقدمته على عيسى؟- فبيقول إنه محمد هو الشخص الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحاً مطلقاً على المستوى الديني والدنيوي. على المستوى الديني، محمد مؤسس دين عظيم، وعلى المستوى الدنيوي، محمد مؤسس دولة وحضارة عظيمة. بقية الناس عبر التاريخ يا عملوا ده يا عملوا ده، إنما ما حدش عملهم الاثنين مع بعض.

يعني الأديان الكبرى -زي المسيحية وزي اليهودية- لما ننظر في سير المؤسسين... موسى عليه السلام مات في التيه قبل أن يقيم دولة تمام. سيدنا عيسى -حتى في الرواية النصرانية، طبعا إحنا عندنا المسلمين أن الله رفعه إليه، لكن في الرواية النصرانية أنه مات مصلوباً- ففشلت حركته بالنسبة للواقع السياسي طيب. وبالتالي فالعظماء عملوا أديان عظيمة، أو عملوا حضارات عظيمة بدون أديان؛ فالراجل زي الإسكندر المقدوني، ولا واحد زي جنكيز خان، ولا واحد زي دارا، يعني الأبطال بتوع التاريخ دول عملوا حضارات، لكن ما عملوش أديان.

ولذلك يا مولانا، اللي يهمنا إحنا بقى في إيه في لماذا أضرب هذا الكلام؟ علشان أقول إنه التاريخ الإسلامي أحد فرائده المميزة والمهمة، أنه نشأ للحفاظ على الدين، وليس لتمجيد الدولة، ولا لتمجيد الحكام، ولا لخدمة الحضارة. التاريخ الإسلامي بدايه نشاته هو أنه نشأ ليحافظ على الدين.

مثلاً تفتح كتاب زي كتاب تاريخ خليفة بن خياط، واحد من أوائل المؤرخين، توفي سنة 240 هجرية -يعني قبل منتصف القرن الثالث- يقول لك: «والتاريخ يعرف به الناس...» تقعد تقول لي بقى... قال لك: «لا لا لا، يعرف به الناس موعد حجهم وصلواتهم، وانقضاء عدد نسائهم، ومحل ديونهم». الراجل اللي بيعمل التاريخ ده بيقول لك: التاريخ ده فايدته أن الناس تعرف الأوقات المكتوبة عليها، تعرف تحج إمتى، تعرف تصلي إمتى، تعرف الديون اللي عليه إمتى يجي تاريخ تسديدها، يعرف عدد النساء -مثلاً واحدة رايح يتجوزها أو واحدة يطلقها، يعرف إمتى إيه طلقها وأمتى ينفع يتجوزها-.

فالتاريخ الإسلامي لم ينشأ أصلاً لمحاولة نفاق الحاكم، ولا لمحاولة ترسيخ الحضارة، ولا ولا ولا ولا... يعني الواقع دلوقتي بيزور قدام عينينا ليه؟ لأن في قوة سياسية حاكمة عايزة تسوق رواية معينة للتاريخ، فهي عاملة برامج التوك شو، وعاملة مسلسلات، وعاملة كتاب صحافة بيخدموا الرواية السلطوية، الرواية التي تريدها السلطة. لكن التاريخ الإسلامي لم ينشأ لذلك.

نفس الكلام اللي قاله خليفة بن خياط ده قاله الطبري شيخ المؤرخين في كتابه -طبعا بينهم حوالي 80 سنة أو 70 سنة، لأن الطبري مات 310، لا قصدي 90 سنة وخليفة بن خياط مات 240- إنه برضو فائدة التاريخ هو معرفة الآية.

تروح للسخاوي واحد عند القرن التاسع الهجري، بيقول لك... متقدمين... السخاوي بقى بتاع القرن التاسع الهجري ده وهو بيقول إيه فايدة التاريخ؟ فبيقول إنه من فوائد التاريخ معرفة تواريخ الأئمة والرواة، مواليدهم ووفياتهم. هو قال طبعا النساء وانقضاء عدد المحل والديون، وفرح اضاف عليهم كمان أن إحنا نبقى عارفين الإمام ده اتولد إمتى ومات إمتى، الراوي ده اتولد إمتى ومات إمتى، وقال لك إيه: «وما يلحق بذلك من الحوادث الجليلة».

فالمسلمين لما بدأوا يعملوا علم التاريخ بتاعهم، كانوا بيعملوه علشان حفظ الدين، وفهم الدين، وضبط الدين. أنا قلت لك السخاوي وهو بيقول معرفة أئمة والرواة فيها، تاني حته كان المفروض أقولها: يقول لك: «ويعرف به الناسخ والمنسوخ من الأخبار». إحنا عندنا آيتين أو عندنا حديثين متعارضين، فإحنا بنعرف التاريخ علشان نعرف مين الحديث الذي نسخ الحديث اللي فات.

فمثلاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ﴾ [النساء: 43]، وبعد كده: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90]. في آية بتقول لك: ما تصليش وأنت سكران، وآية بتقول لك ما تشربش الخمر خالص. المسلمين بدأوا يبحثوا في التاريخ عشان يعرفوا مين الآية اللي قبل التانية، الآية دي لو كانت قبل دي، يبقى كان الخمر بيتم تحريمه بالتدريج، فالأول منع منه المسلمون وهم يصلون، وبعدين منعوا منه تماماً. طب لو كانت دي قبل دي، يبقى الأول نزل التحريم الكامل، وبعدين إيه، رخص في وقت... في غير وقت الصلاة.

المسلمين عملوا التاريخ علشان كده، علشان يعرفوا ماذا يريد منهم ربهم، وماذا يقول لهم نبيهم، ما عملوهوش علشان يدعموا به سلطة قائمة. وعلشان كده التاريخ الإسلامي هو جزء من... جزء من العلوم الإسلامية التي نشات لحفظ الدين، مش جزء من العلوم السياسية، مش جزء من... يعني لم تكن بدايته أنه في سلطان كلف مؤرخاً بالكتابة ده. ممكن يحصل بعدين، بس قصدي أقول: بداية نشأة التاريخ الإسلامي هو محاولة حفظ الدين، فهم الدين، ضبط الدين، بس هو ده المطلوب.

لكن يظل في عنا شاب... يظل يظل يظل في عنا شاب بيحكي لك: «طيب كويس أنتم رويتم لنا التاريخ، مشكلتي معكم يا مؤرخين كيف أثق صح في التاريخ؟ يعني أنا كيف تأكد أن عنجد صلاح الدين حرر بيت المقدس؟ أنت لهذا الحد... يعني كيف تأكد أن قطز يا إخوي دخل في عين جالوت، ومعقول يعني فازوا عليهم وهدول...» بشكك في إشكال مركزية أساسية رويت في تاريخنا الإسلامي من باب فكرة أنه ممكن يحكي لك: «هذا مش قلم، هي سواك ولا ولا أي شيء آخر».

وطبعا إحنا... وبالتالي الثقة هي في التاريخ هي اللي... يعني قصدي أمة تمتلك علم مثل علم الحديث، كيف لها أن يزور تاريخها أو أن لا نثق به؟ لا يمكن.

صدقت، ما هو أنا باجاوب في هذا السؤال عن إيه؟ عن إيه الحاجات اللي موجودة في ذهن طارح هذا السؤال؟ اللي بيطرح هذا السؤال في ذهنه، هو شايف الواقع يزور قدامه، وشيف اللي بيكتبه التاريخ زي ما...

بيكتبوه في الأفلام والمسلسلات والبرامج والصحافة، شايفهم كتاب مأجورين وشايفهم عايزين فلوس من الحاكم أو منافقين، فبالتالي بيزوروا الواقع اللي هو شافّه بعينه؛ يعني هو مثلاً شاف مذبحة، كان موجود في الثورة المصرية ولا السورية ولا غيره، فشاف مذبحة حصلت، لقاها في التلفزيون ما حصلش حاجة، أو لقاه أولاً المقتولين في التلفزيون هم اللي إرهابيين مثلاً، وشايف اللي بيعمل كده بيعمل كده وهو واخد فلوس وواخد وضع اجتماعي. فأنا بحاول أجاوب على الأشياء اللي هي إيه اللي في دماغه.

فأنا عايز أقول له بدايةً إنه لما نشأ علم التاريخ عند المسلمين، نشأ مالهوش علاقة بتثبيت أو ترويج أي رواية سلطوية وسياسية؛ دول ناس بدأوا يعملوا التاريخ ده عشان يفهموا دينهم هم، ولما عملوا التاريخ عشان يفهموا دينهم هم، فكانوا على هذا القدر من الدقة التي صنعوا بها علم غير موجود عند كل الأمم، اسمه علم الإسناد.

أنت دلوقتي جاي تقول لي: قال رسول الله كذا، تعالى بقى أنت من أين عرفت أن رسول الله قال كذا؟ فبتقول: حدثني فلان، قال حدثني فلان، قال حدثني فلان، قال حدثني أبو هريرة، قال رسول الله. العلم هنا يعمل إيه؟ يجيب فلان وفلان وفلان، ويرروح يتأكد، يدور في كل واحد فيهم؛ الراجل ده كان إيه ظروفه في الدين؟ كان إيه ظروفه؟ عنده دين ولا ما عندهوش دين؟ ولا بيشترى بالفلوس ولا ممكن يكذب علشان مصلحته؟ ولا كان ليه مصلحة في رواية هذا الحديث؟ كل واحد.

وبعد ما نقول كل واحد، احنا عندنا فهرس لكل واحد دلوقتي، نروح نبحث في الاتصال؛ يا ترى ده قابل ده فعلاً ولا ما قابلوش؟ فساعتها يقول لك: موالد ووفيات الأئمة والرواة تمام، أمتى ده قابل ده؟ طيب، وبعد ما قابله، الاتصال، هل الاتصال في كل السند، ولا الاتصال في حصل هنا انقطاع، ولا حصل هنا أعضال، ولا حصل؟ تفاصيل بقى في في علم السند.

طيب، بعد ما نخلص الراجل ده وطلع الإسناد نظيف، نرجع ندور في المتن، المتن اللي هو الكلام الذي قاله هذا، هل هذا الكلام عُورض بأقوى منه؟ عندنا إسناد تاني أكثر قوة منه، وأكثر متانة منه، وأكثر شهرة منه، بيعارض الكلام ده ولا لا؟ طب لو حصل فيه معارضة، بقول إن الإسناد الأولاني ده شاذ، خالف ما هو أوثق منه.

وأحياناً يبقى الإسناد نظيف والمتن نظيف، يعني نظيف ما فيهوش، ويجي المحدث يقول لك: لا، الحديث ده مش صحيح، الحديث ده فيه علة. إيه هي العلة دي؟ العلة دي عيب لا يمكن وصفه بقاعدة عامة، العلة دي تفاصيل صغيرة لا يمكن إدراجها تحت قاعدة عامة.

زي كده لما بيضربوا بها مثل، زي لما الراجل الجواهرجي يمسك الدهب ويقول لك: لا، ده دهب فَلْصو، أو يمسك اللؤلؤة أو الألماس يقول لك: لا، ده إيه ده؟ إزاز مش أماس. عرفتها إزاي؟ بالخبرة، مالهاش قاعدة عامة، كل حاجة وليها إيه ولها العيب الدقيق فيها.

طيب، التاريخ الإسلامي نبت من شجرات البحث في الدين الإسلامي في ضبط العلوم الإسلامية، فعلشان كده التقاليد العلمية التي سادت في البيئة الإسلامية تقاليد إنه التاريخ الروايات لا تروى إلا بالسند.

إيه اللي يخلي مثلاً تاريخ الطبري مليان: وحدثني فلان، عن فلان، عن فلان؟ إيه اللي يخليه كده؟ لأن هو لو كتب من غير حدثني ما حدش هيهتم ياخد منه تاريخه، البيئة العلمية لا تقبل بهذا. يشبه إيه مثلاً؟ زي لو أنا دلوقتي كتبت، يعني أنا دلوقتي لو كتبت كتاب، أنا أقدر دلوقتي أكتب كتاب وأروحه منزله على المطبعة ولا حد، ما حدش له الحق، يعني أقدر، الكتاب مش كتاب حتى، أقدر اكتب على الفيسبوك ما حدش هيسألني.

طيب، متى الكتاب هذا يبقى له قيمة علمية عند البيئة العلمية المعاصرة؟ يقول لك مثلاً: لما تبقى إيه؟ دراسة محكّمة. يعني إيه دراسة محكّمة؟ يعني بتعرض على ثلاثة أربعة تانيين ممن لهم نفس التخصص، يقيموها ويقولوا إيه: إذا كانت هذه سائرة على المبادئ العلمية ولا مش سائرة؟ فبالتالي يبقى في فرق بين الدراسات المحكّمة وبين الدراسات غير المحكّمة.

هذا الوضع يا مولانا زمان كان اسمه: أن تروي بالسند، ما فيش حاجة اسمها تقول من دماغك، كل رواية تروح تقول: من حدثك، عن من، عن من، عن من، إلى منتهى هذه الرواية. يبقى إذاً احنا كان عندنا بيئة علمية لا تقبل القول بدون مصدر، وبيئة علمية تتشكك وتترّيب ولا تقبل إلا من الصادقين، ما تقبلش إلا من الصادق ذوي الدين والأمانة والضبط والكفاية يعني.

وعندك، فدلوقتي وعندك أصلاً إنه مقصود هذا العلم كان لخدمة الدين ولحفظ الدين ولضبط الدين، ما كانش لخدمة حد من الناس. هذا الجو العلمي المنتشر في صدر الإسلام هو الذي جعل التاريخ الإسلامي أكثر التواريخ موثوقية بين كل الأمم، وبقى عندنا علوم انفردنا بها بين كل الأمم، اللي هي مثلاً زي: علم الإسناد، وعلم الجرح والتعديل، وعلم طبقات الرجال؛ دي مش موجودة في أي مكان.

لذلك مثلاً واحد زي الإمام ابن حزم يقول إنه من أدلة إن الإسلام صحيح: أن احنا ما عندناش أي وسيلة للتاكد من قول أي نبي إلا في الحالة الإسلامية بس، يعني ما تقدرش تقول، ما حدش يقدر يقول: قال موسى، ويعرف يجيب مصدر نستدل به استدلالاً علمياً. يعني الأناجيل والتوراة وغيرها، الاقوال المنسوبة لكونفوشيوس ولا الأقوال المنسوبة لبُوذَا ولا غيره، كل دول ما فيش وسيلة علمية تقدر تقول: فعلاً بوذا قال كذا، فعلاً موسى ما، ما فيش؛ لأنه في انقطاع في الأسانيد وانقطاع في فترات مجهولة.

فبيقول لك من أدلة صحة الإسلام: إنه هو الدين الذي يمكن الاستدلال على صحته بطريقة علمية بس، ما فيش حاجة تاني. وبالتالي بعد كل هذا الجهد وهذا التعب، هذا العلم الذي أبهر العالم، هذا الراوي للتاريخ سنضيف شعاراً كبيراً، عنواناً كبيراً، وهو يؤرخ، وهو يكتب: لديه قاعدة أساسية: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].

نعم، وبالتالي كيف تشك، عزيزي، بعد كل هذا الكلام في قصة أنتم يا أخي تاريخكم مزور؟

طبعا أنا أرجع وأقول يا أخ مراد إنه مش معنى كده أن كل ما روي في التاريخ الإسلامي صحيح؛ لا، أنا بقول إن كل ما روي في التاريخ الإسلامي لدينا القدرة على فحصه. لكن احنا بشر، حتى لو طالت المده، أستاذ محمد، طالما هو مهم ازاي ازاي؟ هقول لك، أرجعك بس أحمل الجمله دي.

أنا بقول: ما روي في التاريخ الإسلامي البيئة العلمية الإسلامية عملت تقاليد علمية زي الرواية بالسند علشان يبقى عندنا القدرة على فحصه. طيب، الحاجه المروية بغير سند تظل مشكوكاً فيها، ونفضل نحاكم ونشوف توافق الصحيح ولا لا توافق الصحيح، أو متشككين فيها ونفضل على ريب منها.

هذا التقسيم يا مولانا مش موجود في أي مكان آخر، لكن احنا بشر؛ فقد يخرج عندنا الكذاب ويروي، وعندنا الكذاب ويروي، وعندنا من يبالغ. بلاش، ممكن يبقى حتى الواحد صالح لكن ما عندهوش القدرة على الضبط والذاكرة القوية فيروي أشياء نسيها، أو يروي أشياء اختلط عليها، كل ده موجود في تراثنا الإسلامي.

لكن الميزة في تراثنا الإسلامي أن الآلية المنهجية موجودة وقائمة لفحص كل هذه المرويات، وهذه الآلية والمنهجية كما قلت لك هي آية ومنهجية اصلها الدفاع عن الدين، مش الدفاع عن حد تاني. ولذلك المحدثين هم الذين قالوا مثلاً بأنه أحاديث في فضل عائشة، وفي فضل خديجة، وفي فضل فاطمة، وفي فضل أبو بكر وعمر: أحاديث ضعيفة.

ليه يا جماعة؟ مش دول أئمة الإسلام، ومش دول بنات النبي، ومش دي زوجة النبي؟ أه، بس الحديث ضعيف؛ لأن هو شغال بمنهجية علمية، هو ما بيفوتش الحاجة لما تبقى حلوة وبعد كده لما تبقى وحشه يروح، لا، هو عنده منهجية علمية: هل قال رسول الله كذا ولا ما قالش؟ حتى لو كان الحديث الذي في فضل أبو بكر وعمر ده يستحق أبو بكر وعمر، لكن هو قاله أو لم يَقُله؟ دي مسألة علمية مالهاش علاقة بالمتن نفسه.

ولذلك كثيراً ما تسمع عند المحدثين مثلاً قولهم: حديث ضعيف ومعناه صحيح. المعنى جاءنا من آية قرآنية أو من حديث صحيح، لكن الحديث ده بالالفاظ دي ضعيف، لا نعرفه إلا من طريق أن هو ضعيف.

وبالتالي فعمل الرواة، يعني عمل العلماء، وعلى مستوى الرواة وعلى مستوى تحقيق التاريخ، كان عملاً علمياً متيناً؛ لأن احنا برضه جمعنا بين أمرين. واحد زي الطبري قال لك: أنا الكتاب بتاعي ده عامل زي الأرشيف، مش كل اللي فيه صحيح، ومش كل اللي فيه أنا أقبله. كتب كده في المقدمة، قال: وما يكون في هذا الكتاب مما يستنكره سامعه أو ينكره، فليعلم إنما أُدينا كما أُدي إلينا. قال لك: الكتاب بتاعي ده أرشيف، فبالتالي احنا وقعت عندنا الميزتين: ميزه الجمع، وميزه القدرة على الفحص.

يعني دلوقتي أنا هحتاج مثلاً في التاريخ المصري ولا التاريخ السوري ولا التاريخ، فإن الأقصى واحد جه وقال لي: أنا دلوقتي عملت لك أرشيف الصحف المصرية والصهيونية والأردنية والسورية، أنا عملت أرشيف وكاتب لك في الأرشيف مثلاً يعني قال أحمد موسى ولا قال عمرو أديب، ولا قال.

أنت كده عندك ميزتين: الخبر موجود، المعلومة لم تضع، لكن عندك أيضاً القدرة على إيه؟ على تقييمها صحيح، بعد 200-300 سنة هيجي اللي بعد 200-300 سنة ما يعرفش الفرق بين حازم أبو إسماعيل وبين عمرو أديب، يقول لك: يعني بالنسبة له قال مصطفى بكري مثلاً زي قال حازم أبو إسماعيل، ساعتها ده هيبقى محتاج يرجع لعمل المحدثين اللي قالوا عن حازم أبو إسماعيل مثلاً: ثقة ثَبْت صدوق، أو اللي قالوا على عمرو أديب هذا كذاب وضاع ومنافق.

فاحنا عندنا في تاريخنا اجتمع الأمرين: الجمع والحشد، وفيه آلية القدرة على الفحص، وعشان كده تاريخ الطبري، مش الطبري ده مات قبل 1100 سنة؟ إلى الآن في دراسات تكتب عن تاريخ الطبري، صحيح تاريخ الطبري، زي اللي عملها الدكتور محمد بن طاهر البرزنجي، أو مثلاً يجي واحد زي الدكتور يحيى لَحِيّ يكتب لك إيه: مرويات أبي مِخْنَف في تاريخ الطبري، راوي معين كده ويرروح يقارنها بغيرها من المصادر، أو مرويات سيف بن عمر في فترة الفتنة في تاريخ الطبري زي ما عمل الدكتور خالد الغيث.

فبينما احنا عندنا اهو لغاية بعد 1100 سنة من وفاة الطبري لدينا القدرة على أن نقيم ونستفيد من عمل الطبري، اللي هو لو كان بدون إسناد زي تواريخ كل الأمم، يعني أنت دلوقتي أي تاريخ لأي أمة أخرى ما عندكش القدرة على أن أنت تعرف الرواية دي صحيحة ولا ضعيفة، وهي المنهجية مفقودة في الأمم الاخرى تقريباً مفقودة، طبعا ما عندهمش.

وعليه هي نقطة بتعطينا الآن انطلاقة قويه للثقة بتاريخنا؟ طبعاً، طبعاً، لكن هذا أرجع وأقول: إنه علم لا يستطيع أن يدركه إلا المتخصصون فيه، زيه زي أي علم، يعني زيه زي الطب، زي الصيدلة، زي الهندسة؛ يعني مش أي حد هيمسك تاريخ الطبري ولا ابن الأثير ولا غيره هيبقى عنده القدرة على التقييم، لا، هو هيبقى إنسان مثقف عادي، يرجع إلى المختصين علشان يبقى فاهم الرواية دي صحيحة ولا ضعيفة، ما الرواية دي يعني، طب إيه اللي حصل؟ خلص لي الصحيح، أو إيه اللي حصل مثلاً في فترة الفتنة بين الصحابه علشان الروايات فيها كثيرة وهكذا.

يعني هو في النهاية علم، بس الثقة بالتاريخ الإسلامي بشهد كل الباحثين يا شيخ مراد، يعني بشهادة المستشرقين، وبشهادة الاجانب، وبشهادة غيرهم: التاريخ الإسلامي كُتِب على منهاج ليس له نظير، ليس له نظير، نعم. الوسيلة دي مش موجودة عند أي أمة من الأمم، فضلاً عن، ودي حته نرجع لها كتير ونحتاجها كتير: أن الحالة العلمية الإسلامية لم تكن متاثرة بالسلطة، أو بلاش أقول لم تكن، أقول: كانت أقل الحالات العلمية تأثُّراً بالسلطة.

يعني أنا قلت إن الدين هو الذي أنشأ الحضارة، العلماء المسلمين ما كانوا جزءاً من السلطة، العلماء ما كانوا جزءاً من مؤسسات السلطة، يعني السلطة الإسلامية ما كانش عندها وزارة تعليم، ما كانش عندها وزارة ثقافة، ما كانش عندها وسيلة إعلام تبث فيه ما تريد، لا، ده ما كانش موجود، بينما غالب الأمم الأخرى العلم عندهم كان جزءاً من السلطة، الحالة العلمية كانت ممسوكة سلطوياً.

فالطبري لما ألّف تاريخه هذا، حد قال له ألّف تاريخ؟ يعني حد في سلطان قال له ألّف تاريخ؟ ما فيش، ألّفه بنفسه. طيب، هل ما حصلش إن في سلطان قال لك ألّف تاريخ؟ حصل، إن في سلاطين قالوا ألّفوا تاريخ، بس احنا عارفين هم مين.

وأحياناً بعض المؤرخين هؤلاء، زي في تاريخ الصابي التاريخ المشهور، كُلِّفوا، يعني الملك البويهي أن هو يؤلف تاريخاً في الدولة البويهية، فواحد دخل عليه قال له: أنت بتعمل إيه؟ قال له: أكاذيب الفقهاء وأباطيل الملْقَين، لدرجة أنه لدرجة أنه يا رب سبحان الله، إما مَرْجليوث أو أو غيره، سبحان الله، أنا نسيت الاسم الآن، ولكن واحد مستشرق كان يقول: لقد أبدى المؤرخ المسلم السلطوي، اللي هو راجل موجود في السلطة، درجة عالية من الاستقلال.

حتى التاريخ اللي كتبوه الناس بتوع السلطة مش على غرار التاريخ اللي كتبوه الناس بتوع أوروبا، وبتوع الهند، وبتوع الصين، ولا اللي بيكتبوه دلوقتي بتوع الدول المعاصرة، يعني هو لما بص في الإنتاج المكتوب لقى إنه يعني مش منحاز للسلطة كما.

يتوقع من مؤرخ موجود في بلاط السلطة نحن ممكن نلاقي في مصر اليوم مؤرخ يبرز مثلا دور السيسي في الطوفان ويلمعه، أنه هو وقف على الحياد وظل لمدة سنة، سنة ونص ماسك البلد كويس وما صار في أي انفلات، ويعني يأخذ هذا الجانب ويطلع لنا تاريخ هيك بعد مئة سنة. والله شوف، أنت في مصر عندك احتمال من اثنين؛ اللي هيعرف يكتب تاريخ هيكتب على هوى السيسي فده يتصدر في الإعلام عنده رأي آخر، يا إما يروح يكتبه من برة، يا إما هيكتبه في السجن، ما فيش حلول أخرى. أنت عارف الراجل اللي هو رفع علم فلسطين في المدرجات، نعم تم القبض عليه.

فقصد أقول لك، أنا بأضرب هذا المثل يا أخ مراد، إنه حتى المؤرخ اللي كان موجود في أروقة السلطة في تاريخنا الإسلامي نتاجه التاريخي لم يكن متأثراً بالسلطة كما يتوقع، حتى إنه هذا المستشرق مرجليوث في غالب ظني يقول: لقد أبدى المؤرخ المسلم استقلالية غير متوقعة بالنسبة للسلطة. نعم نعم. طيب أنا شب بسيط وبدنا نلم هذا الجواب في سطر، شو باحكي؟

كويس والله بارك الله فيك، عايز أقول إنه الأسباب التي تؤدي إلى تزوير التاريخ أغلب هذه الأسباب لم يكن موجوداً في حضارتنا الإسلامية تماماً، لأن حضارتنا الإسلامية أولاً نشأ فيها علم التاريخ لكي يحافظ على الدين مش لكي يخدم السلطة، ولأن اللي كتبوا التاريخ الإسلامي في غالبهم كانوا علماء وعلماء دين، بمعنى أنهم في نفسهم كانوا على قدر من التربية الأخلاقية وبيئتهم كانت على قدر من التربية الأخلاقية. يعني احنا أشهر المؤرخين في عالمنا علماء فقه، الطبري شيخ المؤرخين هو نفسه شيخ المفسرين هو نفسه صاحب مذهب فقهي. قصدي أقول ما كانش هيبقنى عالم لو إنه كذاب أو لو إنه منافق، لن يتنسم ذروة مجلس العلم وكرسي العلم، لأنه العالم في حضارتنا الإسلامية أنت دلوقتي لما بتلاقي شيخ كذاب يسقط من نظرك وما تستفتيه.

فالبيئة العلمية أغلب اللي كتبوا تاريخنا علماء؛ الطبري، ابن كثير، الذهبي، الناس دي كانوا مفسرين وكانوا قراء وكانوا فقهاء فوق كونهم مؤرخين. فأنا بقول إنه التاريخ نشأ أصلاً داخل العلوم الإسلامية، لم يكن متأثراً بالسلطة تأثيراً كبيراً، طبعا التأثر موجود لأننا بشر، اللي عملوه كانوا علماء وكان هدفهم حفظ الدين وضبط الدين، وبعد كده كانوا عاملين منهجية لفحص هذه الروايات التاريخية بالذات في صدر الإسلام. لأن احنا ناس بعض تاريخنا وبعض ديننا تاريخ؛ احنا المسلمين فترة النبي وفترة الخلفاء الراشدين دي مش مجرد تاريخ بالنسبة لنا، لا دي دين، احنا عايزين نعرف النبي قال إيه وعمل إيه، وعايزين نعرف الخلفاء الراشدين قالوا إيه وعملوا إيه، علشان ده بالنسبة لنا دين مش مجرد تاريخ، مش مجرد حكايات، دول ناس احنا بنقتدي بهم، فعشان نقتدي بهم الحالة العلمية كانت حريصة جداً على تدقيق كل ما ورد عنهم وصدر عنهم.

فبالتالي حجم الثقة في التاريخ الإسلامي ليس له مثيل في تواريخ أي أمة من الأمم مطلقاً مطلقاً، هذا كلام لا جدال فيه. الكلام ده احنا بنقوله دلوقتي، لكن أهل العلم بهذا الموضوع يعرفون أنه لا جدال فيه. نعم، وهذا ينطبق على المؤرخ المعاصر؟ لا لا، ينطبق على المؤرخ المعاصر طبعا لا. نقدر بقى نتابع مسيرة الأمة بعد ذلك علشان نقول إيه اللي حصل في كل أحقابها. يعني أنت عايز تقول إنه الرجل اللي كان موجود في البيئة الإسلامية المشبعة بالعلم والدين والتقوى زي الطبري ولا زي الذهبي ولا زي ابن كثير مثلاً يشبه الموجود دلوقتي في جامعة عصرية؟ لا، ده واحد كان عايش في بيئة مختلفة بمعايير مختلفة بمستوى أخلاقي مختلف بقدر من الدقة والضبط مختلف. لكن احنا دلوقتي بعد ما حصل الانهيار الكبير وباقي الجامعات بيتم التعيين فيها بقدر من الواسطة وبقدر من المحسوبية، وعندك نوع من الفساد والرسائل الجامعية تكتب أو اشترى، وعندك سلطة قاهرة لا تسمح برواية أخرى مخالفة لتاريخها، وعندك المؤرخ لو حابب يبقى مستقل ما يقدرش يبقى مستقل، ده لازم يبقى أستاذ جامعة علشان ياخد مرتب. لا، تغيرت الظروف تغيراً كبيراً، ما تقدرش تثق في رواية المؤرخ المعاصر كما كنت تثق في رواية المؤرخ المسلم قديماً، الوضع مختلف تماماً.

أستاذ محمد، احنا بالحلقة الأولى من بودكاست مئة سؤال في التاريخ طرحنا ثلاثة أسئلة تمام؟ وهيك انتهت الحلقة الأولى؛ هذه السلسلة التي نجيب فيها عن الملحة والضروري أن نطرحه من أسئلة لكي نحصل على إجابات، وبالتالي نتحصل على المعلومة التاريخية الصحيحة مسترشدينا بها ما هو قادم إن شاء الله من حياتنا الحافلة بالأحداث، كما أنتم تشاهدون وتسمعون. إذاً كانت هذه الحلقة الأولى، إلى أن نلتقي في الحلقة القادمة، إلى اللقاء. لتشاهد المزيد من البرامج عن التاريخ الإسلامي، ولتتعرف على أحداثه وانتصاراته وانكسارات قادته وعلماؤه، أحداثه وأسراره، الحكم والسياسة والحروب والمعارك، ما عليك سوى أن تتابع قناة تاريخنا على يوتيوب، تاريخنا من أبعد نقطة في الماضي إلى أبعد نقطة في المستقبل، نستنطق التاريخ.