دخولتسجيل الدخول

100 سؤال في التاريخ | 2. التاريخ يكتبه المنتصر فكيف نثق بتاريخ كتبه مسلمون منتصرون؟

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

التاريخ يكتبه المنتصر، نعم، وبالتالي احنا المسلمين عاد لما انتصرنا كتبنا التاريخ أيضاً. الأمم الأخرى لما انتصرت كتبت التاريخ، وبالتالي هل أثر هذا الكلام على الرواية أو على التاريخ بشكل عام؟

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. طبعا أنا أكرر الشكر على هذه الاستضافة، وأكرر الدعاء أن يجعل الله تبارك وتعالى هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم. كلام جميل، كلام التاريخ يكتبه المنتصر. طيب، صحيح التاريخ يكتبه المنتصر، بس الجملة دي ناقصة، نستطيع أن نستكملها بأن نقول: التاريخ يكتبه المنتصر ما دام منتصراً، ما دام منتصراً! إيه الخلاف اللي بيقع حول هذه؟ يعني إيه اللي خلى الناس تقول إن التاريخ يكتبه المنتصر؟ إن هم شايفين أي منتصر، أي غالب، أي قوي وقتما يتمكن من مقعد الحكم أو السلطة أو الإمبراطورية، فهو يكتب روايته للتاريخ. يعني دلوقتي أقول لك مثال بسيط: أي ثورة إذا نجحت هتبقى إيه؟ ثورة عظيمة، ثورة مباركة، أو الثورة التي أسست الجمهورية.

طيب، إذا فشلت هتبقى إيه؟ التمرد، الحركة الإرهابية، العصيان، الهوجة! فطبيعي جداً الثورة حين تنتصر ستقدم روايتها للتاريخ: ما المظالم التي كانت موجودة في العهد السابق؟ ما الذي دفع قادة الثورة إلى أن يخططوا ويدبروا وينفذوا هذه الثورة؟ وبعدما انتصروا، كيف أنهم يسيرون في هذا الحكم على طريق الإصلاح وطريق التحرير وطريق الاستقلال، الطريق المخالف لما كان يفعله العهد البائد القديم؟ طيب، إذا فشلت الثورة، ستقدم السلطة القائمة روايتها عن هذه الحركة الإارهابية، وأن هؤلاء الجماعة الإرهابيين الذين حاولوا قلب نظام الحكم، تهديد السلم الاجتماعي، الإطاحة بمكتسبات الدولة، اللي كانوا عملاء للخارج. لازم المنتصر يقدم روايته للتاريخ والا هيبقى انتصاره بلا معنى. اللي عمل ثورة ده لو ما قدمش روايته للتاريخ، يبقى هو عمل ثورة ليه؟ يبقى ثورته هذه كانت خروجا عن القانون حقيقة، ما هو لازم يقدم روايته للتاريخ.

طيب، في حقيقة طريقين لكتابة التاريخ الذي يوافق المنتصر: الطريقة الأولى هي أن المنتصر نفسه يكتب التاريخ، يبقى عندك الصحافة، يبقى عندك الإعلام، يبقى عندك مناهج التعليم، يبقى عندك الأفلام المسلسلات، يبقى عندك الذباب الإلكتروني على السوشيال ميديا، كل دي وسائل تكتب رواية المنتصر للتاريخ. وفي حاجة ثانية؛ إنه أنت لما انتصرت، هذا المغلوب الذي غلب، انتصارك هذا أبهره، اطمأن يعني، رأى فيه دروساً ينبغي أن تستفاد، أن يستفاد منها. ما هو الانتصار ده ما بيبقاش انتصار سهل، ما بيبقاش انتصار بالصدفة، بيبقى فيه تخطيط، بيبقى فيه شجاعة، بيبقى فيه إحكام، حقيقة ما فيش انتصار بيتم بالصدفة كده. فبالتالي المغلوب الذي غلب بيحاول يكتب هذا التاريخ برضه، وهو بيستلهم المنتصر، ممكن يكون بفقه، لكن برضه ممكن يكون فعلا معجب به لأنه منتصر ومتاثر بالرواية التي أنتجها المنتصر. فبالتالي في طريقتين لكتابة التاريخ: أن المنتصر يكتب، وأن المغلوب المنبهر برضه يكتب تاريخ المنتصر.

هذا الكلام الذي قلته الآن هو اللي بيخلي الناس تقول: التاريخ يكتبه المنتصر، وبالتالي هذا التاريخ فيه قدر من التزوير، فيه قدر من تجاهل العيوب وتجاهل المشكلات، وقدر من تجنب حقائق أخرى لا يريدها المنتصر. يجي الجماعة اللي بيعرضوا هذه المقولة ويقولوا إيه؟ يقولوا الكلام ده وإن كان صحيحاً، لكن سيظل في فترة محدودة؛ لانه في الآخر المنتصر ده لا يظل أبداً الدهر منتصراً، دي بتيجي دولة أخرى تروح إيه تغلبها أو تنتصر عليها، تدول به الأيام، تسقط دولته. فالجماعة اللي في الدولة الجديدة ينبشون تاريخه ويخرجون فيه من المساوئ، وكمان ينبشون تاريخ الدولة التي قبله ويخرجون ما كان فيها من المحاسن، فبالتالي التاريخ أقوى من المنتصر. يعني دلوقتي مثلاً محمد علي عندنا في مصر عمل الدولة العلوية (اللي هو بيسموها تأسيس مصر الحديثة)، محمد علي ما كانش حد يقدر يكتب فيه أيامه ما يخالف رواية محمد علي، لكن لما جاء عبد الناصر وأزال أسرة محمد علي وأعلن الجمهورية، أعاد المؤرخون النظر مرة أخرى، مش أعادوا يعني عملوه، لا، بقت الفرصة متاحة إنه أحمد عرابي يصير بطلاً مصرياً، وأول محاولة تحرير حتى لو أنها فشلت وأدت إلى الاحتلال الإنجليزي. أحمد عرابي ظل ملعوناً طول فترة محمد علي، لكن لما جاءت فترة الجمهورية وذهبت دولة محمد علي، أعيد الاعتبار لاسمي أحمد عرابي وللثورة العرابية، وهكذا!

فبالتالي يقول هؤلاء الآخرون: بأنه المنتصر لا يظل أبداً الدهر منتصراً، التاريخ أقوى من كل المنتصرين، في النهاية يأتي منتصر آخر ويكتب مرة أخرى تاريخ المنتصر، وبالتالي فاحنا لو حبينا نصحح هذه العبارة نقول: أن التاريخ يكتبه المنتصر ما دام منتصراً، وبعد كده تتصفح مسيره التاريخ، وينبش كل ما كان مطموراً، ويستخرج كل ما كان مدفوناً، ويُنشر كل ما كان محجوباً.

لكن هنا يجب أن أقول شيئاً؛ احنا دلوقتي بنتكلم، كنا في الحلقة اللي فاتت بنتكلم عن التاريخ الإسلامي. من المفاجآت بقى إنه التاريخ الإسلامي هو، فيما أعرف على الأقل، الحالة الحضارية الوحيدة التي لم يستطع المنتصر أن يكتبها! الاستثناء الفريد، منا أم منهم؟ منا ومنهم! أنا الآن أحكي لك مثالاً بسيطا جداً: الآن وقعت فتنه بين الصحابة رضوان الله على صحابة النبي أجمعين، خلاص؟ وهذه الفتنة بين الصحابه عملياً انتصر فيها علي ولا معاويه؟ يعني مين اللي دولته قامت واستمرت، علي ولا معاوية؟ معاوية. الآن، كم في العالم الإسلامي كله من يرى أن معاوية أفضل من علي؟ إذا وجد فعدد لا يذكر. علي الذي هزم مادياً في ساحة المعركة، والذي لم تقم دولته، هو أفضل عند جماهير المسلمين عبر قرونهم الكثيرة من معاوية المنتصر الذي أسس دولة، وأسس دولة عظيمة، ما أسس دولة تعبانة يعني، أسس دولة عظيمة جداً. لذلك يقول مثلاً الإامم ابن حجر: لا يعرف بالاسانيد الجياد أحاديث في فضل أحد من الصحابه أكثر من علي. علي أكثر واحد في الصحابه روي في فضله أحاديث بالاسانيد الجياد، الاسانيد الجيدة، وذلك أن الناس احتاجوا إلى روايتها لأنه قد كثر الطاعنون فيه أيام معاوية، أيام الدولة الأموية يعني، وأيام إيه فيما بعد الدولة العباسية، لأن برضه الدولة العباسية اضطهدت العلويين.

دي الحالة الوحيدة في التاريخ يا مولانا، اللي المهزوم ظل أرفع وأعلى وأخير وأفضل في أذهان وضمائر الجماهير من المنتصر. نفس الكلام حصل في عهد العباسيين؛ الآن العباسيون انتصروا على الأمويين، وجاء في فترة العباسيين من كتب في مثالب الأمويين ومن كتب في الطعن في الأمويين، ومع ذلك ترى الآن حين نقيم الدولة الأموية ماذا فعلت؟ يعني الآن الرأي السائد عند عموم المؤرخين أن الدولة الأموية أفضل من كل وجه من الدولة العباسية: من ناحية القوة العسكرية، من ناحية الوحدة الإسلامية، من ناحية الانتشار الجغرافي، من ناحية القدرة على إدارة هذه الأراضي الشاسعة. الدولة الأموية كانت خليفة واحد قاعد في دمشق يحكم من الصين إلى فرنسا، شيء مهول! لا تستطيع أمريكا أن تفعله الآن مع كل هذه التكنولوجيا، أن واحد قاعد في دمشق، ولم تتكرر الوحدة الإسلامية بعد الدولة الأموية، لا في الدولة العباسية كان دائماً في مناطق خارجة عن سيطرة الخليفة ويستقل بها الأمير.

فالخلاصة دلوقتي التي أود أن أقولها: إنه المسلمين هم القوم الذين لم تستطع فيهم السلطة الانتصار على العلم والمعرفة، كما يحدث في كل الدنيا. يعني الآن الدولة الأموية قامت، الدولة العباسية قامت، لا تجد في الاحاديث الصحيحة أحاديث في فضل معاوية أو في فضل العباس رأساً أو رأسي الدولتين الكبيرتين كالحديث التي تجدها في فضل علي رضي الله عنه. وهنا أشار إلى كتب مهمة، كتب بتقول للناس إزاي إنه التاريخ عندنا لم يكتبه المنتصرون، وإزاي إن الحالة العلمية الثقافية المعرفية لم تكن متاثرة بالسلطة على نحو ما هو موجود في كل العالم. في كتاب جميل جداً اسمه المحدثون والسياسة للدكتور إبراهيم العجلان حفظه الله، كتاب في تسعمائة صفحة يناقش فكرة أن المحدثين دول كانوا يعملون لصالح السلطة، أو ينافقون السلطة، أو يضعون أحاديث ويروجونها علشان السلطة. المحدثون والسياسة، كتاب تسعمائة صفحة، تنتهي منه تعرف أن كل ما يقال في هذه التهمة هراء، هراء! لا يوجد شيء.

كتاب أصغر منه قليلاً، نشأ في ده، كتاب الدكتور أحمد صنوبر حفظه الله اسمه السلطة السياسية ورواية الحديث، وراح مسك إيه بقا؟ مسك فضائل علي، فضائل الأحاديث الواردة في فضل علي وفي فضل معاوية، وبدا يقارن بينهم في الكتب الصحيحة وفي انتشار الأسانيد. فيظهر مباشرة إنه الرجل الذي هو بالميزان المادي بتاع الماديين مهزوم، هو الذي امتلات وفاضت كتب الأحاديث بفضله رضي الله عنه، بينما الرجل الذي بالميزان المادي انتصر، لم يكن فضله وقدره على هذا النحو الذي كان لعلي رضي الله عنه.

هناك أيضاً كتاب اسمه التفسير السياسي للقضايا العقدية للدكتور سلطان العميري، هذا بيتكلم عن رد تهمة أنه الجماعة يعني بأنه أهل السنة أو هؤلاء إنما انتصروا أو كتبوا أو العقيدة الإسلامية لما كتبت كتبت على وفق هوى المنتصر. هذا كتاب أيضاً جليل في هذا المعنى، ويعني تفاصيل أخرى وكتب أخرى يعني أكثر دقة وتخصصاً من اللي أنا من الثلاثة اللي أنا ذكرتهم دول، لكن الدليل يعني ينتصب، تنتصب هذه الكتب دليلاً واضحاً على أنه في العالم الإسلامي لم يكتب لم تكتب العقيدة، لم يكتب التاريخ على وفق هوى المنتصر، إسلامياً، في الحالة الإسلامية طبعا. والا ساضرب لك مثالاً: استاذ محمد، أنا كنت في قرطبة، أمم، لما أنت بتقرا طبعا تاريخ معركة حطين في سهل حطين والتفاصيل، أعداد الجيوش، أسباب المعركة إلى آخره، في مصادرنا. ثم تذهب إلى قرطبة تحديدا، بتفوت أنت على أي دار الحكم مقابل المسجد، اللي هي كانت لعبد الرحمن الثالث أعتقد، عبد الرحمن الناصر، بتفوت أنت على الطابق الثاني، أول ما تفوت هيك، سردوا لك كل قصة معركة حطين، وعاملين هيك مجسم كبير والى آخره، فانا بطلع في الكلام اللي مكتوب وبحاول أني اترجمه لأنه هو بالإسباني، والمجسم اللي موجود. أنت بتقول في قرطبة كلام عن حطين ولا كلام عن فتح حطين؟ حطين، بحكيلك رواية رواية الآخر على حادثة صارت عنا، الأصل أننا نرويها لأننا نحن المنتصرين. فانا قلت: خليني أشوف هو كمؤرخ شاف الرواية كيف، شافها من زاويته يعني، الحقيقه إنه في تطابق كبير وفي انصاف ليس عادياً لشخص صلاح الدين، يعني هم كاتبين نصاً ذا كليفر مان، رجل مشاي.

أيضا لما تيجي على على الجهه الثانية الأخرى، احن خسرنا الأندلس، هم كمنتصرين، احنا كمسلمين الآن كتبنا بكل الحياد إيش صار معنا وكيف خسرناها، مملكة مملكة ومنطقة منطقة. فمن طرفنا احنا مطمئنون تجاه هذه العبارة "التاريخ يكتبه المنتصر"، لكن احنا مش مطمئنون لهذه العبارة عندما تاتي من الطرف الآخر.

صح، على هذا النحو الذي ذكرناه، إنه الحالة البشرية الطبيعية أن التاريخ، المنتصر، السلطة المنتصرة لها تأثير واضح في كتابته في كل العالم، في كل الدنيا، في كل التاريخ من أول ما كانت التاريخ يكتب على المسلات. كان يجي الفرعون يكتب التاريخ اللي هو عايزه على المسلة، ويأتي الذي بعده فربما هدم المسلة، ربما يعني بدل النقوش، ربما كتب تاريخاً آخر. لكن أرجع وأقول: لأن التاريخ الإسلامي على نحو على وجه التحديد لم يكن أصلاً نبتاً من نبت السلطة، ولا أثراً من آثار السلطة، ولا مؤسسة موجودة في مؤسسات السلطة، التاريخ الإسلامي كتب بغرض خدمة الدين وضبط الدين ورعاية الدين وفهم الدين. فلأنه كان مستقلاً عن السلطة، ولأن الحالة العلمية كانت حالة لا تتحكم فيها السلطة، فتأثر السلطة على كتابة التاريخ الإسلامي هو أقل ما يمكن.

مش لازم لازم أقول وأكرر: مش عايز يفهم إن تاريخنا ملائكي، مش عايز حد يفهم إن كل تاريخنا صحيح، مش عايز يفهم إن ما كانش عندنا روات وكذابون وواضعون، كل ده موجود، احنا بشر! لكن المجمل العام، النتيجة النهائية، الحصيلة الأخيرة لتاريخنا الإسلامي، أنه لم يكتب وفق هوى السلطة، الدليل على ذلك أننا شايفين عدد من المهزومين ظلوا هم الأكثر ألقاً ولمعاناً وبريقاً في ضمير الأمة، طب والمنتصرين؟ حط عليهم وأدين بأنهم كانوا مخطئين، لأنه ولم يعتبر أنهم انتصروا، يعني لم يرى الذي انتصر أنه لم يرى الكاتب الذي يكتب التاريخ أن انتصار فلان ده يؤدي إلى تضعيف الحديث مثلاً.

عليه وسلم: الحديث المشهور، الحديث المتواتر: «عمار تقتله الفئة الباغية». وعمار قتلته فئة معاوية. المستقر عند كل المسلمين أن معاوية هو الفئة الباغية، مع أنه هو الذي انتصر. ما حصلش هنا أنه في كتب للدولة الأموية استطاعوا أن يطاردوا هذا الحديث أو أن يكذبوه أو أن يحذفوه أو أن يدفنوه؛ ما حصلش. ظل الحديث موجوداً، وظلت الأمة تعتنقه، وشايف أن معاوية غلطان؛ حتى لو أن معاوية أسس دولة عظيمة فيما بعد رضي الله عن صحابة النبي أجمعين.

تمام. حتى مثلاً أنا عايز أقول لك علشان كلمة «التاريخ يكتبه المنتصر»، في مدارس خرجت في الأكاديمية الغربية؛ مدارس بتحاول تقرا التاريخ من وجهة نظر المغلوبين، تسمى مدرسة تاريخ المغلوبين، تاريخ المهمشين، التاريخ من أسفل، تاريخ التابع، تاريخ الأطراف، كل دي عبارات معناها في النهاية واحد. معناها في النهاية واحد، اللي هو إيه؟ التاريخ من وجهة نظر اللي مش منتصرين، اللي مش مهمين. هذه المدرسة مثلاً بدأت تحاول أن تعظم -يعني بدأت تحاول أن تقدم الرواية الأخرى لتاريخ المنتصرين-. طبعا هي مدارس غربية ولها مجهودات في هذا، وانتفع بها كثير من الشعوب التي كانت محتلة؛ لأنها أيقظت الكلام اللي ما بيقولوش أصحاب الاحتلال الأجنبي.

حتى هذا يا مولانا لم يتاثر -يعني لو حد عايز يقول مثلاً إن تاريخنا الإسلامي ما حسش للمنتصر وحس للمغلوب- برضه أقول له: لا، التاريخ الإسلامي مشى على نهج علمي لم ينحاز فيه لا للمنتصر ولا للمغلوب؛ لأن أنت عندك طائفة تانية مثلاً مثل طائفة الخوارج، الذين خرجوا على علي وقتلوه، وخرجوا بعدها على الدولة الأموية وهزموا، وكان فيهم بقايا في الدولة العباسية وهزموا. التاريخ الإسلامي لا يعظم الخوارج باعتبارهم يعني كانوا مثاليين وكانوا أنقياء وكانوا بتوع طاعة وصلاة وصيام وقيام ليل. الخوارج كانوا كده فعلاً، التاريخ الإسلامي لم يعظم الخوارج علشان مثاليين، ولم يعظمهم علشان مغلوبين. يعني بقول لك: التاريخ الإسلامي مشى على نهج لا هو فيه منحاز للمنتصر، ولا هو فيه منحاز للمغلوب. الحصيلة العامة -ولذلك هذا أحد أيضاً أكثر الأسباب التي تؤدي إلى ثقتنا أو يعني إلى تؤدي إلى أن التاريخ الإسلامي بالنسبة لتواريخ الأمم هو أوثق التواريخ المعروفة- في الحصيلة في المجمل التفاصيل فيها كلام وفيها تحقيق وفيها تفاصيل.

لكن هو يا أستاذ محمد اللي اللي خلى هي العبارة تنتشر دعني اقول انتشاراً فيروسياً بالفترة الأخيرة تحديدا على السوشيال ميديا وغيرها؛ أنه بحكي لك يا أخي التاريخ يكتبه المنتصر. كل ما تيجي تحكي له شغلة أنت بقول لك: التاريخ يكتبه المنتصر. وبعدين لعلمك يعني بريطانيا هي اللي كتبت كل تاريخنا، كل منطقتنا يعني، أو الفرنسيين أو أيا كان. يعني فكرة أن العبارة قاعدة بتنتشر كتير، هل هي من الاستعمار وجاي -يعني احنا بداية يتنامى عنا- وبالتالي القصد هو اللي بحكي لك إياه هو قاصد يحكي لك أنه احنا تاريخنا ليس صحيحاً، نعم. وبالتالي التاريخ يكتبه المنتصر، طيب مين المنتصر؟ اللي استعمرنا اليوم. وبالتالي طب وين تاريخنا يا شباب؟ تاريخنا احنا ما بنعرف عنه ولا شيء هيك نصاً على السوشيال ميديا يعني، نعم.

ما هو أنا بقول إنه مبدئياً لو أنت عايز تاخد القاعدة دي، قاعدة أن التاريخ يكتبه المنتصر؛ القاعدة دي نفسها، خد بالك، دي قاعدة نقدية لتاريخ المنتصر، يعني قاعدة لا تسلم به، يعني مين اللي قال إن التاريخ يكتبه المنتصر؟ قالها واحد مش عاجبه التاريخ اللي كتبه المنتصر، صح ولا لا؟ وإلا هو لو عاجبه كان هيقول هو ده التاريخ وخلاص. فالجملة دي تصح على كل حركة التاريخ في كل الدنيا، تصح لكن مع إضافة: ما دام منتصراً، لأنه بعد المنتصر ما بيذهب يأتي آخرون يكتبوا تاريخه هو، ويحاولوا إحياء ما أراد هو أن يحجبه ويكتمه ودفنه. فبقى الناس المعترضين على هذه العبارة بيقولوا: يا جماعة لا التاريخ أقوى من المنتصر، لأن التاريخ أطول من المنتصر، والتاريخ أبقى من المنتصر، وما فيش منتصر فضل منتصر أبدا دهر. فبالتالي يظل التاريخ له فائدة وله قدرته المستديمة على أن يعني يعالج الانتكاسات التي وقعت به أيّام ما كان منتصراً.

تمام، لكن احنا عندنا كمسلمين مزية أخرى؛ هو إنه تاريخنا لما كتب لم يكن مكتوباً في أروقة السلطة، ولم يكن مكتوباً بإرادة المنتصر، وإنما كانت الحالة العلمية عندنا أقل تأثراً بالسلطة، وأكثر استقلالية عن السلطة. فكل العلوم التي صدرت عنها كانت متحركة من تأثير السلطة، بما في ذلك التاريخ. وأرجع وأقول: ده في الحصيلة العامة وفي المجمل العام، لكن وجد عندنا رواة، وجد عندنا مؤرخون أرادوا منافقة السلطة، أرادوا وضع حديث، أرادوا تأليف حوادث تاريخية. وقف لهم بقية العلماء باعتبار هو احنا...

احنا كحضارة يرتفع بدها سلفي معه، مش بس يرتفع. صدقت، هو ده اللي بيحصل فعلاً. احنا بقى الحضارة التي كانت تشوف واحد رايح عند باب السلطان، هذا يخدشه، ونفضل نختلف فيه بقى: يا ترى ده لما راح باب السلطان ظل محتفظاً بدينه وإيمانه ودقته فناخد منه العلم ولا كده؟ نهار يحصل الخلاف بين الناس، لكن ده ما بيحصلش في أي مكان تاني.

مثلاً واحد زي الإمام الزهري؛ الإمام الزهري ديوان الإسلام، واحد من أهم الرواه؛ محمد بن شهاب الزهري عالم كبير. طيب، محمد بن شهاب الزهري مثلاً كان إيه؟ كان له علاقة بهشام بن عبد الملك، يعني كان موجوداً عند عبد الملك بن مروان، وبعد كده وفيما بعد إلى الوليد بن عبد الملك. فمر عبد الملك بن مروان، يعني إيه أوحى إليه أنه يعني أن أنتم بتكذبوا يعني أو الجماعة اللي زيكم دول، قال: ويحك! ده العالم بيقول لعبد الملك بن مروان، ملك الدنيا في وقته، قال له: ويحك! والله لو نزل ملك من السماء ينادي أن الله قد أحل الكذب ما كذبت. ما حدش شك في أن محمد بن شهاب الزهري يكون كذاباً.

هنا بقى حصل موقف لطيف؛ لما جه واحد زي المستشرق جولدزيهر -جولدزيهر مستشرق معروف، وكتب كتبه في علم الحديث بتاع- فاتهم جولدزيهر... اتهم محمد بن شهاب الزهري أنه أراد أن ينافق عبد الملك بن مروان، فروى الأحاديث في فضل الصخرة. قال لك إيه؟ إن الصخرة دي... أن عبد الملك بن مروان بنى قبة الصخري وبنى المسجد قصة، علشان يخليها بديل عن الحج إلى مكة؛ لأن مكة كان فيها في ذلك الوقت غريم عبد الملك عبد الله بن الزبير. فأراد أن يسحب الناس بدل ما يحجوا إلى مكة ويبايعوا عبد الله بن الزبير وينضموا إليه، يجوا يحجوا إلى إيه؟ المسجد الأقصى. وفي المسجد الأقصى بدأت توضع أحاديث، يعني بدا إيه يشاع ويطلب أن توضع أحاديث في فضل الصخرة، وفي فضل الرحيل إلى المسجد الأقصى. ومن المتهمين بأنهم عملوا كده مين؟ محمد بن شهاب الزهري.

طبعا شوف أنا علشان قلت لك التاريخ الإسلامي فيه أدلة، فيه آليات فحص، انبعث له العلماء المسلمين، من أشهرهم مثلاً فيما أذكر الآن الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، ومنهم الشيخ محمد مصطفى الأعظمي في كتابه منهج النقد عند المحدثين، وأثبتوا أن محمد بن شهاب الزهري لم يلق عبد الملك بن مروان إلا في سنة 80 أو 82، بعد انتهاء المعركة مع عبد الله بن الزبير وسيطرة عبد الملك بن مروان على مكة بحوالي سبع سنين. لكن جولدزيهر ما الذي جعله يفكر هذا؟ لأنه غربي ينظر إلى التاريخ الإسلامي مثلما ينظر إلى التاريخ الأوروبي، ومثلما ينظر إلى التواريخ الأخرى، فهو لاقى واحد روى حديث في فضل الرحيل إلى المسجد الأقصى، فركب التركيبة السياسية اللي في دماغه اللي في ثقافته، فقال لك: طبيعي واحد راوي مشهور موجود في بلاط ملك، والملك ده في نزاع مع آخر، فالحديث ده كان إيه من جملة ما يؤديه المثقفون والنخبة والأكاديميون إلى السياسيين.

لكن طبعا ظهر... هل معنى كده -يجي واحد يسال- هل معنى كده أنه ما حدش فكر ينافق عبد الملك بن مروان ويحط أحاديث في فضل الصخرة؟ لا، في، معروفين. والأحاديث الضعيفة التي وضعت في فضل الصخرة معروفة ومكتوب عليها «ضعيف» إلى يومنا هذا. فاحنا بقول لك تاريخنا الإسلامي كان مكتوباً بطريقة وبمنهج تمكنك من القدرة على اختباره، وعلى فحص الروايات الواردة فيه. هذا لم يتوفر لأي أمة من الأمم، وعلشان كده بيدخل العقل والتحليل والتوقع والتخيل والاستنتاج في عقل المؤرخ؛ بينما لأن هو يفتقد مثل هذه القدرة على الفحص -عارف أنت لما بتلاقي معلومات جنب بعض ما عندكش القدرة على تمييزها، فبتلاقي تحاول تركبها بدماغك-.

لكن إذاً هذه العبارة لا يستقيم أن ناخذها أو نتداولها بشكل مجزوء. نعم، التاريخ يكتبه المنتصر، ما دام... نضيف عليها: ما دام منتصراً. أي ولا تقربوا الصلاة... هي هيك لحالها بتضبط يعني، نعم.

طيب، سانتقل إلى السؤال الخامس، أستاذ محمد. السؤال الخامس: يردد الكثير من الناس -أي من قد يكون يعني الباحثين، المفكرين، أيا كان- أي عبارة أن التاريخ الإسلامي فيه الضعيف، وفيه الصحيح، وفيه المكذوب، وبالتالي يعني إذا كان فيه ضعيف ومكذوب، من الذي وضع الضعيف هذا؟ ومن الذي وضع المكذوب؟ وليش؟ ماذا يريد؟

جميل، بارك الله فيك. قلنا إنه نحن المسلمون -أو يعني نحن المسلمين بشر- وبالتالي البشر دول زي ما فيهم صالحين، فيهم طالح، وزي ما فيهم صادق، فيهم كاذبين، وزي ما فيهم ناس عندها ضبط، فيهم ناس عندها خلط، وزي ما في ناس ذاكرتها قوية، في ناس ذاكرتها ضعيفة. بشر، وبالتالي فدلوقتي مثلاً في الهيصة اللي حاصلة دلوقتي في مسألة الخلاف حول حزب الله والسنة والشيعة والمشاكل اللي بين إخواننا الفلسطينيين وإخواننا السوريين، كل واحد يعني موجود تحت صراع. فهذا الصراع يعني يملاه بأفكار، ويملاه بانحيازاته، ويملاه بمشاعر. وهذا هذا كله يعمل في نفسه عمله، بالتأكيد أنا لا يمكن أن أشعر بالحرقة التي شعر بها السوري كما يشعر بها هو، أنا كمصري بالتاكيد لا يمكن، بالتأكيد الفلسطيني لا يمكن، وبالتأكيد السوري لن يشعر بالحرقة التي يشعر بها الفلسطيني كما يشعر بها الفلسطيني، طبيعي جداً.

فدلوقتي الأمة الإسلامية دي عبرت عليها فتن، حصل فيها خلاف بين الصحابه، حصل فيها حروب، حصل فيها يعني خوارج وثورات، حصل فيها يعني اختلاف في السياسة والانتقال من الخلافة الراشدة إلى الملك العاض. الخلافات دي والصراعات والنزاعات الناس كانوا موجودين جواها، أجزاء من المعركة. فمنهم الصادق، ومنهم الصالح الذي غلبته العاطفة، ومنهم الكذاب، ومنهم المبالغ. فهؤلاء ربما اثنين تقع أمامهم نفس الرواية، وربما الاثنين صادقين، بس واحد فيهم رأى مشهداً، والاخر رأى مشهداً آخر، أو واحد فيهم يرى أن هذه الحادثة فاصلة، وواحد فيهم يرى أن الحادثة مش فاصلة، زي ما بيحصل في حياتنا عادي. فهؤلاء حين رووا وذكروا صار أمامنا وجهات نظر مختلفه، وصار أمامنا روايات مختلفة وروايات متناقضة.

وهكذا كل أحداث التاريخ؛ كل أحداث التاريخ الناس الذين كانوا حاضرين ورووها وشاهدوها كل واحد فيهم نقلها وعلى نقله ما راها به، سواء عنده انحيازات فكرية، مذهبيه، عنده أغراض ينافق بها فلان أو يبغض بها فلان، عنده ضعف في التذكر، ضعف في الضبط، كل ده حصل في تاريخنا. وبالتالي تاريخنا كبشر نقله البشر بكل ما في البشر من مشكلات.

ما الميزة لدينا؟ الميزة لدينا أنه بالذات في تاريخ صدر الإسلام؛ لأننا كنا عايزين نضبط الدين، ونضبط ما ورد عن النبي، وما ورد عن الخلفاء الراشدين، ولمعرفة هذه الحقائق وجدنا العلماء ينهضوا لكي يحاولوا فحص كل رواية: من الذي قال بها؟ ومن ده كانت انحيازاته؟ كان تبع مين؟ كان بيحب مين؟ كان إيه موقعه من المعركة؟ مين اللي سمع منه؟ مين اللي سمع عنه؟

لذلك كون أن يوجد في تاريخنا الصحيح والضعيف والمكذوب دي ميزة ولا عيب؟ التواريخ الأخرى لا تستطيع أن تقول أيّ ما الصحيح فيها، وما الضعيف فيها، وما المكذوب فيها، ما تعرفش. لكن أنت وجد عندك الآلة التي فرزت التاريخ بتاعنا إلى صحيح، ومكذوب، وضعيف، ومقبول، ومشكوك فيه، كل ده موجود. هذا عمل علمي عظيم، عمل علمي كبير.

وأكثر من هذا يا شيخ، يا شيخ مراد؛ كلمة ابن سيرين المشهورة يقول: كان الناس يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما وقعت الفتنة قيل: سموا لنا رجالكم. ما لم يعد مقبولاً بعد وقوع الخلاف وبعد وقوع النزاع أنك تقول قال رسول الله، يجي يقول لك إيه: من الذي حدثك بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ علشان كده العمل العلمي العظيم الذي عمله المسلمون، اللي هو السند وفهرسة الرجال والطبقات والجرح والتعديل، الوضع ده مش بس خدمنا في أننا نعرف الروايات، لا ده خدمنا خدمة كبيرة أخرى في في أمور كثيرة أخرى؛ احنا عرفنا الروايات التي تنتشر في الشام، والروايات التي تنتشر في اليمن، والروايات التي تنتشر في العراق، والروايات التي تنتشر في الحجاز؛ لان احنا عندنا فهرس الرواه الذين قالوها. فبقينا عارفين إيه الثقافة الغالبة، إيه الفكرة الغالبة دلوقتي عند بتوع العراق أو عند بتوع الشام أو عند بتوع الحجاز، حتى يعني بقينا عارفين في كل علم من العلوم الإسلامية الجماعه دول كانوا مهتمين بإيه. وهذه من دقائق تاريخنا العظيمة جداً جداً يعني، يقول لك مثلاً إيه: مدرسة مكة العلمية، يعني مثلاً في كتاب

تفسير التابعين للشيخ محمد الخضري، فك الله أسرَهُ، كتاب تفسير التابعين ده عمل فيه إيه؟ جمع فيه تفسير التابعين، التفسير الوارد عن التابعين، وبدأ يعمل له تحليل، فاكتشف إن الجماعة اللي قاعدين في مكة، المدرسة المكية في التفسير، الجماعة دول متميزين جداً في أحكام الحج، لماذا؟ لأنهم دائماً كانوا يسألون في الحج، يأتيهم الناس فيسأل في الحج.

طيب الجماعة بتوع البصرة متميزين في اللغة، المدرسة التفسيرية في البصرة مهتمة باللغة لأنهم أقرب إلى البادية وعندهم يعني عندهم أن يستطيعوا أن هم يسألوا البدو الموجودين على اللغة العربية الأولى، فبالتالي أقدر على التفسيرات اللغوية.

بتوع الشام متميزين في مسائل الجهاد، لأن الجهاد كانت الشام كانت ديار جهاد، فالعلماء اللي فيها كانوا أكثر قوة ومتانة في أحكام الجهاد، وهكذا، فأنا بقول لك كيف عرفنا هذا؟ من فهارس الرواة ومروياته وهكذا.

طبعا وهذا ينطبق على التاريخ الحديث؟ أستاذ محمد؟ لا لا ينطبق على التاريخ الحديث، طبعا لا ينطبق. طيب كيف لنا في التاريخ الحديث أن نميز يعني أن نميز بين الضعيف والمكذوب والمؤذي؟ نحن أمام حقيقة كارثية؟ نعم نعم، ما هو أنت لما بتتكلم عن زمن سيادة الإسلام وترسخ تقاليده العلمية غير لما بتتكلم عن سيادة الأجانب وترسخ الاحتلال الأجنبي وترسخ التغريب، ده حال وده حال يا شيخ.

يعني دلوقتي في التاريخ الحديث أنت في محنة شديدة حقيقة، لأنه الذين كتبوا التاريخ الحديث لا تستطيع الآن يعني عايز أقول لك أنا لا أستطيع أن أجد مؤرخاً على نمط الذهبي وابن كثير والطبري مثلاً أثق في قدرته على الجمع وأثق في تقواه وفي دينه وفي ضبطه، لا أكاد أجد، هو اكيد موجود يعني بس إنك تقول دلوقتي من نظير ابن كثير، من نظير الذهبي، من نظير الطبري، من نظير ابن الأثير، من نظير ابن خلدون؟

نضطر لمقارنة الروايات المختلفة، يعني مثلاً عندك حرب أكتوبر، عندك حرب 67، عندك طوفان الأقصى، تأتي لب هذه الحرب بالروايات المختلفة لكل جهة لكل طرف، عند حرب مثلاً 67 هتيجي بالناس اللي أرّخوها من جهة الإسرائيليين، من جهة السوريين، من جهة المصريين، من جهة الباحثين في الأرشيف الإنجليزي، الباحثين في الأرشيف الأمريكي، وتجمع هذا كله وتحاول أن تستخلص من كل هذا الحقيقة أو ما يمكن أن تستخلصه من الحقيقة، هذا هو الأمر الذي تلجأ إليه الآن حقيقة.

ومما يخدم الآن يعني يعني وإن كنا فقدنا الإسناد وفقدنا الدين والتقوى، مما يخدم الآن كثرة الأرشيفات، أرشيفات الصحافة الصحافة المحلية والصحافة العالمية، وكذلك ما يفرج عنه من وثائق الأرشيفات الأجنبية البريطانية، الأمريكية، غيرها، تمام، وطبعا هناك دول لا تفرج عن أرشيفها أبداً، ما عندك مصر وسوريا لا يفرج عن أرشيفهم أبداً، ولا تزال المعلومات المتوفرة من المصادر الأجنبية أعلى من المعلومات المتوفرة من المصادر المحلية الوطنية.

لكن كل هذا حقيقة لا يرقى إلى قدر الثقة والضبط والدقة التي كانت في تاريخنا الإسلامي، لذلك أنا في هذا الموطن الذي نتكلم فيه عن تاريخنا الإسلامي أحاول أن يعني أنبه أذهان الناس إلى أنه هذا التاريخ كما كتب بهذه المنهج وهذا الاسلوب العلمي لا يقل بل يزيد دقة وضبطاً وديانة عن التاريخ المكتوب المعاصر اللي أنت بتبقى شايفه علمي وشايفه منهجي وشايفه مكتوب في رسالة جامعية.

طب ما الذي يمنعنا إنه احنا يكون عندنا نفس الأدوات ونفس المنهجية ونفس البيئة؟ يعني قصدي نحن نحن الآن في عصر الـ... أيوه بس يمنع، تقدم وعصر يمنعنا أننا مهزومون مهزومون، احنا فقدنا التحكم في أوطاننا، أنت دلوقتي، لكن أنا كمؤرخ أنت دلوقتي عايز مؤرخ موجود في جامعة مصرية ولا في جامعة سورية ولا في جامعة خليجية يكتب يستطيع أن يكتب تاريخ الخليج العربي كما كان؟ ولا يكتب تاريخ عبد الفتاح السيسي كما كان؟ ولا يكتب تاريخ حافظ الأسد وبشار الأسد كما كان؟

الطبري كان يستطيع أن يروي مناقب أو مثالب العباسيين وهو في حكم العباسيين، كان يستطيع أن يفعل ذلك، لكن مين دلوقتي يقدر يعمل كده؟ أنا أعرف أحد المؤرخين وهو الآن مأسور، فك الله أسرَه، حاول أن يكتب التاريخ الحديث للعالم الإسلامي وهو بينما هو يبحث عن باحثين وعن تمويل فبيحكي لحد يعني فقال له هذا مشروع سياسي وليس مشروع تاريخي، أنت عايز تكتب التاريخ الحديث والمعاصر للدول الإسلامية يعني تقول إزاي الدول دي تقسمت وإزاي الأنظمة دي نصبت ومين اللي أتى بها؟ ده أنت يا راجل يعني أنا مش عايز أذكر أمثلة مش عارف خطوطك الحمراء فين.

خليني أقول خليني أذكر احنا احنا منحرج، أذكر مثل عندنا احنا يا سيدي علشان احنا عندنا المصريين عندهم شوية حرية مثلاً، حرب 73، أكتوبر 73، المصريين عن بكرة أبيهم مؤمنون بأنهم انتصروا في هذه الحرب.

إذا قرأت المصادر الأجنبية ترى أنه إن الحرب هذه يختلف فيها النظر، أما إنه إسرائيل اللي انتصرت أو أنها انتهت لا غالب ولا مغلوب، المصريين بس هم المؤمنين أنهم أنهم انتصروا، وهذا هو الحق، الحق إن الحرب انتهت أما لا غالب ولا مغلوب وإما بانتصار إسرائيل، يعني وقفت الحرب على المشهد اللي إسرائيل فيه هي اليد العليا، ده كلام يعرفه كل الباحثين في هذه الحرب ما عدا المصريين.

هنا هناك دول أخرى مش هسميها، كل الناس الباحثة في التاريخ تعرف أن هذه الدولة تأسست على ثورة مكذوبة صنعها الأجانب والأجانب هم اللي عملوها، والمذكرات اللي عملها منشورة، والمذكرات اللي أداروها منشورة، والمذكرات اللي بحثوا فيها منشورة، الشعب ده بس بتاع الدولة دي هو اللي فاكرها ثورة مجيدة وثورة حقيقية.

التاريخ هو رواية يكتبها البشر، والبشر دول موجودين في بيئة معينة لها موازين قوة، فأثر السلطة السياسية المهيمنة بالذات لما تبقى باطشة، دلوقتي الأمريكي يعرف يكتب في نقد التاريخ الأمريكي، البريطاني يعرف يكتب في نقد التاريخ البريطاني لأنه عنده السلطة السياسية عندها مساحة من هوامش الحرية لهذه الكتابة، لكن كلما ضاقت هذه الهوامش لا يمكن أن تفعل، فلذلك تنحط حالتنا العلمية.

يعني أنت بتسالني احنا ليه ما نعملش كده؟ احنا ما نقدرش نعمل كده لأن أنت ما عندكش يعني الحرية هي الأم التي ينطلق من تحتها كل الإبداع البشري، أنت لا يمكن تجد إنسان لا يملك يعني أنت عايز واحد يكتب بحث ويروح يبات في السجن مثلاً ولا يروح يبات في ولا يروح يبات في الدار الآخرة؟ طب ده يكتب بحث إزاي؟

فبالتالي طالما نحن غير ممكنين من أوطاننا ومن بلادنا الحالة العلمية ستظل حالة ضعيفة، وعشان كده حقيقة احنا في عصرنا في عصرنا الحاضر هذا يعني في وقتنا المعاصر الإنتاج الأجنبي في عمومه أفضل من الإنتاج العربي والإسلامي، مع أن احنا المسلمين أقدر على كتابة تاريخنا الإسلامي من الأجانب لأن احنا أبناء البلد وأبناء المنطقة وأبناء اللغة وأبناء الثقافة، لكن لا نستطيع.

أنا دائماً أضرب المثل بكتاب زي مثلاً توماس هيغهامر، كتاب القافلة، كتاب عن الشيخ عبد الله عزام رحمه الله، توماس هيغهامر هذا رجل باحث، باحث في المجال الأمني وفي مجال الحركات الإسلامية، قضى عشر سنوات يكتب هذا الكتاب، ذهب فيها إلى كل مكان وطئته قدم عبد الله عزام، قابل فيها كل من استطاع أن يصل إليه ممن قابله عبد الله عزام، وطبعا قرأ فيه تراث عبد الله عزام وما كتب حوله، عشر سنين طلع الكتاب ده.

أنا عايز أقول لك ما يستطيع باحث مسلم أن يفعل هذا حتى لو توفر له المال، مع أنه المال قصة كبيرة انك تمول بحث لمدة عشر سنين، حاجة ضخمة يعني، مين مين دلوقتي يقدر يدعم باحث لمدة عشر سنين عشان يطلع له كتاب واحد؟ ما فيش.

لكن حتى لو توفر، أنا خليني أقول حتى لو توفر القدرة الأمنية على أن أنت تروح إسرائيل وتروح أفغانستان وتروح باكستان وتروح السعودية وتروح مصر وتروح الأردن وتروح أمريكا، أنت لو باحث وعايز تروح كل ده أن أنت هتتوقف في كم مطار ومحتاج كم تأشيرة وهتتجنن؟

أيوه، حقيقة الإنتاج الأجنبي الآن في عمومه في عمومه أفضل من عموم الإنتاج العربي والإسلامي، والسبب الأساسي هو ما فيه الحالة السياسية الإسلامية من يعني هذا القهر وهذا الطغيان وقلة الحريات، فكل هذا يعطل طاقات وقدرات.

حتى حتى لو كنت أنا في بيتنا قاعد وممكن أني أنا اكتب، يعني أنا متخيل شخص بده بده يوثق للي صار في سوريا أو للي صار في ليبيا أو في اللي صار بالحرب حرب غزة الأخيرة أو أي أحداث جسام صارت، أنا في بيتنا وبدي اكتب وبدي أتبين كمان إنه مثلاً في محور الإعلام كان في الوسائل الإعلامية هي لعبت دور كويس و الوسائل الإعلامية لعبت دور قذر أو سلبي إلى آخره، وبدي أوثق أنا كل الحالة، ما الذي يمنعني؟

لا، لا يمنعك شيء، بس ستظل الرواية ناقصة كثيراً، لأني لازم أروح، لازم تروح ولازم تقابل شهود العيان. أنت دلوقتي أنت أحياناً لما يفرج مثلاً الأرشيف البريطاني، لما يطلع وثائق سنة من السنوات فبتلاقي باحثين راحوا منهمرين على الآية على السنوات دي عشان يشوفوا إيه اللي حصل في بلدهم فيها، أو الأمريكي أو غيره، أحياناً الوثيقة تطلع تقلب لك الرواية المستقرة، لأن الوثيقة تكشف لك عن أمور جرت في الكواليس لا يراها الإعلام.

يعني أنت أنت دلوقتي صحيح عندك وسائل الإعلامية أنك قاعد قدام السوشيال ميديا أو قاعد قدام النت أو قاعد قدام القنوات الفضائية، لكن هذه هوامش أو هذه الواجهات، هذه الحصيلة النهائية، لكن كيف تم الاتفاق مثلاً من أطرافه الفاعلة أصلاً؟ أحياناً أنت بتكتشف بعد زوال حسني مبارك -أنا برضه خليني أضرب المثل بالنظام المصري، يعني النظام المصري على الأقل أيام حسني مبارك كان يعتبر من أكثر الأنظمة العربية انفتاحاً، انفتاحاً يعني في حرية إعلام وفي حرية صحافة- لكن أول ما يسقط النظام تكتشف أناساً فعالة في أروقة السياسة مجهولة تماماً ما كنتش تعرفها ولا تسمع عنها.

طيب، سيظل أي تاريخ لعصر حسني مبارك مثلاً لو أنت واخده من الإعلام واخده من الصحف واخده من السوشيال ميديا ناقصاً، وناقص أمور مهمة مش ناقص يعني يعني مش ناقص حاجات هامشية وبسيطة.

فالأمر طب حتى نقفل هذا السؤال وأنتقل إلى السؤال السادس، إلى أي زمن نستطيع أن نعتبر أنه تاريخنا تمام من حيث الرواية وبعد هيك لا احنا محتاجين نتعب أكثر لما بنقرا ونحقق أكثر وندرس أكثر؟

لا يوجد هذا هذا الخط الفصل، لا يوجد هذا الخط الفصل، بحسب كل فترة زمنية وبحسب كل بلد هناك حركة علمية فيها تقدر تقول إنه تحقق فيها الوفرة التي تستطيع فيها أن تقارن بين الروايات وأن تصل إلى حالة حقيقية.

يعني أدي لك مثل، مثل مشهور متناقض، يعني مثلاً الأندلس، الأندلس الآن سقطت من حوالي 550 سنة، حوالي، الدولة العثمانية سقطت من 100 سنة بس، المفروض المفروض لو أنت بتتكلم منطقياً كده، معرفتي تبقى أقوى بالتاريخ الأندلسي ولا بالتاريخ العثماني؟ العثماني. العثماني لأنه لسه آه أحدث. الحالة عملياً هي العكس، لأن التاريخ الأندلسي مكتوب باللغة العربية، والتاريخ العثماني مكتوب باللغة العثمانية، والأرشيف لم يفتح إلا في وقت قريب، الأرشيف العثماني لم يتيحه للاطلاع إلا في وقت قريب، فأنت المادة المتوفرة عندك في التاريخ الأندلسي أكبر وأضخم وأوفر بكثير من المادة المتوفرة في التاريخ العثماني.

يعني قدرتك على أن ترى تاريخاً واضحاً للأندلس أكبر من وضوح التاريخ العثماني، مش لينا احنا بس على فكرة، حتى للاتراك العثمانيين، لأنه ما فيش أرشيف، الأرشيف مغلق، يعني حتى للاتراك العثمانيين ما تزال الدولة العثمانية تحتاج قدراً أعلى من يعني قدراً أكبر من التنقيب والتفتيش لكي تتكون عنها الصورة الأوضح، فما فيش الخط اللي أنت تقصده، كل حالة لها إيه لها حالتها.

طيب، سننتقل إلى السؤال السادس، السؤال السادس سؤال عرف لذيذ، لأنه وهنا أرحب بالذباب الإلكتروني وجيبوا أجهزة الضغط معكم، لأنه قيس ضغطك واحنا بنجاوبك عن هذا السؤال.

نعم، ما يتعلق يعني كثير من الناس بيحكوا لنا انتبهوا من المستشرقين، لأنهم هذول المستشرقين يا شباب زوروا لكم التاريخ الإسلامي، وعليه يعني مين هدول المستشرقين؟ ليش بدهم يزوروا لنا تاريخنا الإسلامي؟ وإذا زوروا شو اللي زوروه؟ نعم. وعليه ممكن يسأل السؤال عاد بطريقة ثانية: هل تاريخنا الإسلامي يا اخي مزور؟ أم هل تعرض إلى التزوير؟ أم ما شاء الله سؤال مركب.

طيب، ناخدهم واحدة واحدة، الأول من هم المستشرقون؟ أنا أول مرة أسمع كلمة المستشرقون، المستشرقين كان كنت لما كنت أسمع حلقات الشيخ الشعراوي رحمه الله كان من عاداتنا الطيبة في بيتنا هي سماع حلقة الشيخ الشعراوي في كل يوم جمعة، وهذا من الفضائل التي يعني بثها فينا الوالد والوالدة حفظهما الله.

فدايماً الشيخ الشعراوي يقول لك إيه؟ يجي المستشرق يقول لك شبهة من الشبهات، ويروح الشيخ الشعراوي إيه يرد عليها ويبين، فانا كنت متصور أن المستشرقين دول هم جماعة تخصصوا في الطعن في القرآن الكريم، في نقد القرآن الكريم، في يعني وانا صغير كان هذا تصوري عنهم، أن الجماعة دول اللي اسمهم مستشرقين جماعة قاعدين للقران الكريم عشان يطلعوا منه إيه؟ الشبهات.

طيب، لكن لما كبرنا بقى مين هم المستشرقون؟ المستشرقون دول هم الجماعة الغربيون غير المسلمين الذين أرادوا دراسة العالم الإسلامي.

طيب، الجماعة دول بدأوا إمتى؟ عملوا إيه؟ الجماعة دول بدأوا مع، طبعا في كتب كتبت في تاريخ الاستشراق، هنقول في القرن الرابع عشر الميلادي القرن الرابع عشر.

حركة الاستشراق بذرتها أن في جماعة غربيين عايزين يدرسوا علوم المسلمين. الحركة دي لها بذور سابقة منذ أن فتح المسلمون الشام، وجد مثلاً في مسيحيي الشام وفي المسيحيين المصريين ناس عايزة تدافع عن دينهم المسيحي أمام هذا الفتح الإسلامي. الفتح الإسلامي ده أصله أسلم فيه كثير جداً من الناس، أكثر الناس أسلموا مع الفتوح الإسلامية، ففي ناس مسيحيين وفي ناس يهود أرادوا الدفاع عن دينهم، فبدأ منذ ذلك الوقت المبكر يحاولوا دراسة العلوم الإسلامية والطَّعن فيها لكي يثبتوا أنفسهم ويثبتوا أهل دينهم على دينهم وبلاش يتخذوا أمام موجة الفتح الإسلامي. وبعضهم مثلاً كان بيعمل عمليات انتحارية، زي شهداء قرطبة ظاهرة معروفة؛ كان يجي واحد وأمام الناس وفي وسط جامع قرطبة ويسب النبي صلى الله عليه وسلم، ده نوع من الأزمة المعرفية، هو في نظره بيستشهد علشان يحاول وقف الحالة الإسلامية، لأنه حتى الناس كانت بتتعلم اللغة العربية وتتفاخر بها تتباهى بها أن يقول الشعر العربي.

فبداية دراسة العلوم الإسلامية بداية قديمة مع بداية الإسلام؛ لأن في ناس أرادوا مواجهة الإسلام. لكن أمتى تحولت الحركة دي إلى حركة علمية منظمة؟ نقدر نقول من القرن الرابع عشر الميلادي بدأ تنشأ في الجامعات الأوروبية أقسام لدراسة اللغة العربية وآدابها أو اللغات الشرقية وآدابها؛ اللغة العربية، اللغة الفارسية، اللغة التركية، وهكذا.

الجماعة دول لما أرادوا أن يدرسوا، أرادوا أن يدرسوا المسلمين بغرض إيه؟ الأصل أنهم أرادوا أن يدرسوا علوم المسلمين بغرض التعلم منهم، بغرض فهمهم، بغرض الانتصار عليهم، كل ده موجود؛ لأنه أول ما بدأت هذه العلوم بدأت من الكنيسة، والمستشرقون الأوائل هم باباوات كانوا تولى كرسي البابوية في روما. ثم بقى عندنا ناس بتدرس وتترجم وتفهم، كثرت عدد الأقسام التي نشأت في الجامعات الأوروبية، فبقى عندنا موجة من الغربيين الذين يحاولون دراسة العلوم الإسلامية. راحوا الأندلس درسوا، راحوا المغرب درسوا، ذهبوا إلى مصر درسوا.

لما انهار الميزان السياسي وبقى فيه تفوق أوروبي على العالم الإسلامي، فالأوروبيون في موجتهم الثانية -خليني أقول معلومة بسيطة هنا نقدر نقول إن موجات الغزو الأوروبي للديار الإسلامية ثلاث موجات: الموجة الأولى هي موجة الحروب الصليبية، دي كانت موجة عسكرية متوحشة العلم فيها قليل، ولذلك هم لما جاؤوا إلى بلادنا بدأوا يتعلموا مننا ويدرسوا مننا وحتى يتعلموا الحضارة والأكل بالملاعق واللباس، كل ده حصل. إنما الموجة الثانية مثلاً تقدر تقول إنها بدأت بالحملة الفرنسية، أو عايز تخليها شوية قبل كده يبقى بدأت بالإسبان وبعدها الإنجليز والفرنسيين. والمرحلة الثالثة هي مرحلة الأمريكان الأخيرة، اللي تقدر مثلاً تقول إنها بدأت بغزو العراق 2003. المرحلة الثانية بقى اللي هي بدأت بالحملة الفرنسية أو قبلها الإسبان والبرتغال، الحملة دي كانت أحد مميزاتها أن- أحد الأشياء الجديدة فيها أنها اعتمدت على فرق علمية، الفرق العلمية دي هم المستشرقون؛ ناس جاؤوا قبل هذه الجيوش وجاؤوا مع هذه الجيوش وظلوا موجودين في بلادنا في أيام الاحتلال أو قبيل الاحتلال وحتى أحياء بعضهم بعد الاحتلال.

ما مهمتهم؟ هم يدرسوا تقاليدنا وآداب وديننا وثقافتنا وعلومنا، كل ده هو ده. هم دول المستشرقون، يعني بيدرسوه بهدف إيش؟ أسقاطنا ولا بهدف إيه؟ هي حركة بشرية واسعة، الحركة البشرية الواسعة دي فيها داخل المستشرقين؛ في اللي بيدرس عشان يعرف ويتعلم، وفي اللي بيدرس عشان يسقطنا، وفي اللي بيدرس عشان يخدم الاستعمار ويقول أين الخلل وأين الثغرات، يعني جواسيس متقدمون. الحالة نفسها حالة فيها كل هذه الأنواع؛ من أول المغامر اللي بيحب يتفرج، والباحث اللي بيحب يتعلم، لغاية اللي هو شايف نفسه جندي في الاستعمار والاحتلال وجاي يكتب تقارير حربية وعسكرية أو يكتب تقارير ثقافة علشان يقدمها إلى بلده لكي تساعدهم في الاحتلال والسيطرة علينا. الحالة نفسها فيها كل دول.

لكن عامةً يا شيخ مراد، من الذي يبرز ويسيطر ويهيمن على هذه الحالة؟ هو اللي ليه نفع سياسي وعسكري بطبيعته؛ يعني واحد رايح يدرس لي الفنون الإسلامية ويقول لي زخارفها ويقول لي أنواع الحجاره وأشكال الأقواس، ده بالنسبة للسياسي مش مهم قوي. لكن واحد رايح يدرس الآيات والأحاديث ويقول أين الخلل أو أين المطعن أو ما الشبهات التي يمكن أن تثار؟ واحد رايح يدرس التاريخ؟ واحد رايح يدرس القلاع؟ واحد رايح يدرس طبيعة هذا المجتمع وكيف يمكن إفساده؟ هو ده بقى الشخصية المهمة. فلذلك في أيام التفوق الغربي سبقت الجيوش الغربية أسراب من المستشرقين جاؤوا ودرسوا وأقاموا في بلادنا، وبعضهم كان يقيم ويرحل. وفي زمن الاحتلال زادوا أكثر وأكثر؛ لأنهم بقوا مسنودين إلى قوة الاحتلال.

فلذلك المستشرقون هؤلاء لو اردنا أن نعرفهم هم الجماعة الغربيون الذين أرادوا أن يدرسوا الحالة الإسلامية وكتبوا عن تاريخنا وعن ديننا؛ ففي ناس تخصصت في التفسير، وفي الحديث، وفي العقيدة، وفي النقود الإسلامية، وفي النقوش، وفي الفنون، وفي العادات والتقاليد، كل ده موجود. في منهم ناس أسلمت، وفي منهم ناس أنصفت ولم يسلموا، وفي ناس لم يسلموا ولم ينصفوا. كل واحد وما أراده الله له من الخير وما انطوت عليه نفسه من عوامل الخير، الناس معادن في نهاية الأمر.

لكن التراث الاستشراقي فكر واسع مليء بالتفاصيل، هذا التراث الواسع -مثلاً الحملة الفرنسية جت عندنا مصر، بعد ما طلعوا الحملة الفرنسية طلعت موسوعة اسمها موسوعة وصف مصر، هذه حقيقة ربما أدق مرجع عن التاريخ المصري في وقته- الموسوعة دي فيها كل حاجة؛ حتى النباتات، حتى الحيوانات، حتى الحشرات، حتى طبقات الأرض، حتى أشكال البناء سجلوها في موسوعتهم. فهم قدموا كثيراً جداً جداً من المادة الفكرية المتعلقة بديننا وثقافتنا وتقاليدنا.

كويس، دي كده الحالة العامة. نيجي بقى للراجل اللي بيسال؛ ده بيسال على التاريخ الإسلامي وأنه المستشرقين زوروه. أولاً، غالب ما كتبه المستشرقون كتبوه لأهل بلدهم وكتبوه بلغاتهم، هم لم يكتبوه لنا ولم يكتبوه بلغتنا نحن. غالب الإنتاج الاستشراقي -بالانطباع كده- سبعة وتسعين أو ثمانية وتسعين في المية كتب باللغات الأجنبية. فالكاتب لم يرد أن يزور لنا نحن تاريخنا تماماً، هو أراد أن يقدم صورتنا نحن لقومه، أراد أن يقدمها بأي شكل. هنا تجي عند كل مستشرق ويبقى في اختلاف بينهم؛ هناك من أراد أن يشوه هنا عندهم؛ لأن الحالة حالة حرب، عارف أنت مثلاً أيام الحروب الصليبية، أيام الحروب الصليبية كان بدأ الإنتاج الغربي عن التاريخ الإسلامي وعن محمد صلى الله عليه وسلم، لكن الإنتاج ده كان إنتاج كله أكاذيب كله حقد.

أول واحد يعتبر من أسس الصورة الشائهة للمسلمين اسمه دون جوت، هو فرنسي -أنا ما بعرفش أنطق اسمه يعني- دون جوت حاجة زي كده. الراجل ده كتب كتاب عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقال: والله أنا ما عنديش مصادر أكتب عن محمد، لكن كتبت أي حاجة؛ لأنه أنا مهما كتبت ومهما شتمت فمحمد أسوأ من أي حاجة أنا ممكن اكتبها. يا لطيف! فده واحد داخل بهذه النفسية وبهذه العقلية، متصور إيه الكتاب اللي يطلعه واحد ما عندوش مصادر؟ هيكتب من دماغه، هيكتب بهذا المعنى الحقود الذي في نفسه. فلذلك الإنتاج الاستشراقي حقيقةً ما كان منه في زمن الخوف من المسلمين ومن العالم الإسلامي غلب عليه اللهجة الدعائية الكذوب الحقودة التي تصور للغربيين المسلمين كخطر داهم.

لكن في الأزمان وفي اللحظات اللي بدأ فيها الغرب متفوقاً ومتمكناً، يعني هو خلاص احتل العالم الإسلامي وما بقاش خايف، بل هو القوي المهيمن، وهو اللي بيحدد المصير، والمجتمع الإسلامي مجتمع مهزوم هزيمة كبيرة، ساعةئذ بتدأ تظهر الكتابات الاستشراقية التحليلية المنصفة؛ لأن هو ببص لك كحضارة انتهت، وببص للأشياء باعتبارها آثار، زي ما تروح تدرس الفراعنة. فزي ما تدرس الفراعنة، الفراعنة مش هينفعوك ولا هيضروك، يعني ده لا هينفع ولا هيضر، فانت محتاج تفهم حقيقة الفراعنة دول كانوا ازاي، فبتكون دراستك موضوعية. فكذلك في حالتنا الإسلامية، كل ما كان المستشرق أميل وألصق بالسياسة الغربية، وكل ما كان المستشرق شايف أن المسلمين خطر، كل ما كان إنتاجه مشبع بالعداء ومشبع بالحقد، حتى لو توفرت له المصادر.

الراجل الأولاني ده دون جوت اللي احنا بنتكلم عليه ما كانش عنده مصادر، لكن المستشرق المعاصر ما عندوش مصادر؟ لا، دي المصادر كتير جداً جداً جداً. لكن كما يقول مكسيم رودنسون المستشرق الفرنسي يقول: وأعيد بعث خرافات العصور الوسطى مع زخرفات عصرية؛ إزاي تعرف تظبط الأكاذيب بشكل أكاديمي وموضوعي لكن المحتوى أو الغاية هي هي؟

فالمستشرقون اخطئوا كثيراً، ولما جاؤوا إلى تخصص بعضهم في التاريخ الإسلامي؛ فالتاريخ الإسلامي حصل فيه أكثر من مشكلة: بعض المستشرقين لم يستطع أن يتخلص من عجمته اللغوية، صحيح هو بيعرف يقرأ لغة عربية، صحيح بيعرف يقرأ المخطوطات، لكن مش عارف يمتلك ناصية الثقافة العربية، مش عارف يفهم المعنى المكتوب كما يففهمه العربي، فلذلك فهم خطأ وأعاد كتابة التاريخ خطأ.

ممكن يكون حقود؟ ممكن. ممكن يكون غلطان وقصده؟ ممكن، أنت بتكتشف ده من مجموع أعمال المستشرق؛ من مجموع أعمال المستشرق بتعرف الراجل ده أقرب إلى الإنصاف ولكن يخطئ، ولا أقرب إلى التزوير والحقد فهو يفعل هذا عامداً، أو يفعله عامداً مع خطأ. ده يفهم بمجمل أعمال المستشرق.

فأقصد أقول: المستشرق أحياناً لا يمتلك ناصية الثقافة العربية. أحياناً المستشرق يفهم أو يقرأ التاريخ الإسلامي بعيون غربية؛ زي ما قلنا في مثال جولدتسيهر، هو دلوقتي شايف عالم موجود في أروقة سلطان والعالم ده روى حديث في مصلحة السلطان، فراح استنتج إيه؟ استنتج مباشرة أنه رواه لمصلحة السلطان، بينما هذا لم يحدث؛ لأن المستشرق ده عنده حصيلة ثقافية جاء بها من بيئته الفكرية ومن خلفيته التاريخية، ففهم بها ما لا يوجد في عالمنا الإسلامي.

المستشرق ده قد يكون عنده رؤية فكرية أو مذهبية؛ يعني مثلاً ممكن يبقى مادي، ممكن يبقى ماركسي، ممكن يبقى شيوعي، ممكن يبقى واحد شايف أن الاقتصاد هو الذي يسير الحياة. فلما بيقرأ تاريخنا الإسلامي بيقراه بعين مذهبه وبعين رؤيته الفكرية، فيروح يقدم تاريخاً شائهاً؛ لأنه لا يفهم أن العامل الاقتصادي لم يكن هو العامل الأهم المؤثر في تاريخ المسلمين. فأخطاء المستشرقين على هذا القدر: بعضهم أراد أن يزور التاريخ، بعضهم أخطأ في قراءة التاريخ، بعضهم أخطأ في فهم التاريخ، بعضهم لم يستطع أن يتخلص من مذهبه فلون تاريخنا الإسلامي بما تلون به التاريخ الأوروبي والغربي والروسي الذي يوافق مذهبه، وبالتالي فصار الإنتاج الاستشراقي لدينا فيه مطبوع بعدد من العيوب.

هل معنى كده أن إنتاجهم كله عيوب؟ لا، حقيقةً كثير من المستشرقين قدم أعمالاً في غاية القوة وفي غاية الروعة وفي غاية العظمة، وأعمال ظل المؤلفون بعدها -بمن في ذلك المسلمون- ظلوا عيالا عليها؛ لأنه أيضاً المستشرق كثير منهم أوتي جلداً وصبراً وبحثاً وتنقيباً وتفتيشاً في المخطوطات وفي أعمال عظيمة جداً حقيقةً اتعملت. وفي أسماء لمعت في سماء التاريخ الإسلامي وفي سماء الفكر الإسلامي حتى وإن كانت لهم أخطاء.

لكن مثلاً عايز أقول كتاب زي كتاب معجم الأنساب والاسر الحاكمة بتاع المستشرق النمساوي زامباور، كتاب هائل؛ بيدور فيه على كل العالم الاسلامي ويعمل فهرس للي حكموه من أمراء ومن وزراء، ومتى حكم ومتى ما حكم، فهرس جميل جداً. كتاب زي كتاب بلدان الخلافة الشرقية أو بغداد عاصمة الخلافة لجي ليسترنج. كتب زي ستانلي لينبول كتب عن النقود الإسلامية وكتب في التاريخ المصري. كتاب زي كرايتشكوفسكي المؤرخ الروسي المشهور تاريخ الأدب الجغرافي. طبعا أنا مش هفتكر دلوقتي كل الأعمال، لكن عايز أقول أن المستشرقين بعضهم أنتج أعمالاً في غاية القوة وفي غاية الروعة، والمعرفة العالمية تدين لهم بها.

بل وأحياناً أقول إن هؤلاء المستشرقين كان من فضل الله علينا أن بعضهم جاء في وقت العالم الاسلامي فيه ضعيف، العالم الإسلامي فيه لا يقدر المعرفه حق قدرها، فأخذوا المخطوطات من بلادنا، ذهبوا بها إلى مكتباتهم، فهرسوها وحققوها وطبعوها وحفظوها بذلك من الضياع. حقيقةً لهم في هذا فضل، أنا أعرف أن بعض العلماء وبعض المؤرخين لا يعجبهم هذا الكلام، وأعرف أن آخرين طبعا يعجبهم هذا الكلام.

أنا أذكر مثلاً أحد أساتذتنا حفظه الله كان بيقول: أنا كنت أشاهِد وأنا صغير أمي تلقي بالمخطوطات التي تركها بعض أجدادي في الفرن، يعني بتخبز عليها مش عارفة قيمتها. ورايت بعض الباعة يستخدم المخطوطات التي وجدها في خزانة جده يلف بها لب وفول سوداني وبتاع، ما هو ما يعرفش! طيب أيهما كان خير؛ أنهم ياخدوها ويحفظوها ويحققوها حتى وإن كانوا أعداءنا، وحتى وإن كانت أغراضهم سيئة، ولا تضيع هذا الضياع؟ لا يا عم، كويس أنهم خدوا اللي قدروا عليه، وإن كان طبعا خدوا بعضها بالسرقة وخدوا بعضها بالخديعة وخدوا بعضها برض فيهم مجرمون ليسوا كلهم يعني كانوا مخلصين للعلم والمعرفة لا، بعضهم اخذوها بالسرقة وبعضهم اخذوها بالمناورة والخديعة وبشراء ممن لا يعرف قيمتها، وبعضهم أخذها من المكتبات -يعني خدوها من أماكن كانت محفوظة فيها ولم تكن مهملة ومهانة- نعم.

فكأي ظاهرة بشرية لها مزاياها ولها عيوبها؛ فالتزوير الذي قام به المستشرقون تزوير نابع -كما قلت لك- أحياناً من غرض المستشرق وأحياناً من قلة كفاءة المستشرق في فهم النص العربي والثقافة العربية. لكن فين المشكلة الأكبر من هذا؟ أن المستشرقين دول لما كانوا موجودين في بلادنا

الجامعات الأجنبية في الوقت الذي بدأ العالم العربي يرسل الأساتذة يدرسون في الجامعات الأجنبية، أبناؤنا نحن تلقوا التاريخ الإسلامي على يد المستشرقين قبل أن يتلقوها على يد المشايخ أو أن يقرؤوه في مصادره. نشأ جيل من الرواد، وهي نقطة خطيرة؛ نشأ جيل من الرواد الذين هم الناس الذين راحوا أوروبا ودرسوا في الجامعات الأوروبية، أول ما تعرف على التاريخ الإسلامي تعرف عليه من المستشرقين، فتاثر بكل أخطائهم: الأخطاء الثقافية، الأخطاء العلمية، الأخطاء النابعة من العجمة. وبقيت قراءة كتب المستشرقين أسهل عليه، وإعادة إنتاجها أسهل عليه من أن يرجع إلى المصادر الإسلامية أو أن يقرأها بالعين الإسلامية.

فدلوقتي عندك طبقة من الرواد تكونت راحت درست في الجامعات الغربية ورجعت تؤسس الجامعات العربية والإسلامية، وفي أزمنة الاحتلال بقينا احنا برضه نستورد مستشرقين يدرسون في جامعاتنا العربية والإسلامية. فبالتالي تجيئ عند فترة أنت كده إيه؛ أواخر الثمانينات والتسعينيات يعني أواخر القرن التاسع أوائل القرن العشرين إلى الخمسينات، الفترة الزمنية 80، 90 سنة دول هي فترة هيمنة الرواية الاستشراقية على التاريخ الإسلامي. فالكاتب ممكن يبقى كتبه واحد مسلم ولد مسلما وعاش مسلما، لكن النفس الاستشراقي غالب عليه.

امتى بدأ الناس امتى بدأ العلماء يتصدوا للاستشراق؟ بدأوا برضه نقدر نقول من عشرينات وثلاثينيات القرن العشرين، لكن اللي بيقاوموا الاستشراق دول خد بالك إنهم كانوا منبوذين من الأنظمة ومنبوذين من الاحتلال، وعلشان كده كان صوتهم ضعيفا، كانت إمكانياتهم ضعيفة. بينما المستشرق يدرس في جامعة القاهرة، ويدرس في الجامعة الأمريكية في القاهرة، ويدرس في الجامعة الأمريكية في بيروت، ويبتعث في جامعة بغداد، واللي بيحاول يقوم المستشرق ده ما بيعرفش، بيكتب فين، بينشر فين؟ الوسائل التي أمامه محدودة للغاية.

فهنا حصلت غلبه الهيمنة الاستشراقية على رواية التاريخ الإسلامي، ولذلك بدأت شبهات كتير تحصل، فهذا أصل التحذير الذي يذكره صاحبنا أن المستشرقين زوروا التاريخ الإسلامي على هذا النحو الذي حكيته في القصة المختصرة. طولت عليك أنا في الإجابة. لا بالعكس، احنا لو بقينا حتى الصباح نستمع إليك استاذ محمد يعني لن نمل ولن نصاب بأي شيء من حالات الملل، لكن القصد أنه تسلل إلينا هذا الشعور عندما بدأت تأتي هذه الكتب التي كتبت بلغتهم لأقوامهم ثم نحن قمنا بترجمتها.

نعم، فلما جينا نطابق شعرنا أنه في فرق كبير، وبالتالي سنحكي في تزوير، هذا اللي مش مقصود، لكن هناك حركة استشراق تقصدت التزوير؟ ما هو يعني تقصدت التزوير ليس على هل نستطيع أن نقول هكذا أن هناك شيء لا أقول تقصدت التزوير بمعنى أن المستشرق أراد أن يعني رأى الحق وأراد أن يخالفه عمدا؟ لا، مش عايز أقول الظاهرة دي نادرة، بس اللي هي ليه نادرة أصلا؟ لأن المستشرق ده لو كان غرضه تجييش الشعوب الغربية على المسلمين هو شاعر بالتهديد فهو قد يفعلها، لكن أنا لما أقدم توصية للقيادة السياسية أنا مش هزور عليهم الواقع، هو الآن موجود في مهمة علمية لكي يدرس هذا المجتمع، ليس من مصلحته أصلا أن هو يقدم لهم صورة مزورة، هو بيقدمها بيخدم قومه علشان يعرفوا يخططوا على أساسها.

مش، وبعدين هو مش الوحيد ده، هو انت عندك أراب من المستشرقين كتير، فالتزوير بمعنى إرادة الخطأ المقصود الواضح البين هذه ظاهرة قليلة، لكن التزوير اللي حصل حقيقة هو في مجمل الرؤية للعالم الإسلامي في أنه الكلام يتفهم على غير معناه، في أنه يتلون بتلون مذهبي، وكذلك تم الاتكاء على ما يوجد في تاريخنا من روايات ضعيفة ومكذوبة. ما هو المستشرق ده أضعف علميا من أن يميز بين الرواية الصحيحة والضعيفة؛ هو دلوقتي العالم المسلم لما يقرأ تاريخ الطبري ويقول لك وقال أبو لوط بن يحيى أبو مخنف، وقال أبو مخنف لوط بن يحيى كذا، العالم المسلم اللي مر على كتب الحديث عارف إن أبو لوط أبو مخنف لوط بن يحيى شيعي كذاب صاحب أخبار، هو عارف، فبالتالي فاهم وزن الرواية، إنما المستشرق أبو لوط أبو مخنف ده عنده زي زي الزهري اللي هو ثقة الثقات.

فبالتالي من أراد أن يكون صورة شائهة وجد في الروايات المكذوبة والضعيفة ما يستطيع أن يكون به الصورة التي توافق مزاجه وهواه، لأنه أضعف علميا من أن يدخل في علم الحديث وأن يدرك هذه. طبعا هما برضه تطوروا، يعني برضه خد بالك المستشرقين دول مش أصلهم مش سجية واحدة، يعني هما برضه تطوروا، عرفوا بعد كده أن فيه علم حديث -عفوا- عرفوا أن فيه طبقات وفي تراجم وفي رجال، وبداوا يصححوا أعمالهم، وبعضهم يرد على بعض، وبعضهم يقول له أنت ما كنتش فاهم، وبعضهم يقول لا ده ما كانش وقع على المخطوطه الفلانية للكتاب الفلاني، هي حالة علمية فيها كل التفاعلات العلمية.

طيب، ثلاث شغلات سريعة عشان خلصت الحلقة هي، طب بس بينج بونج هيك سريع يعني ماشي، هل ناخذ من المستشرقين؟ هل نقرانهم ما أجادوا فيه؟ أغلب ما أجادوا فيه ما لم يكن متعلقا بالثقافة، يعني القواميس اللي عملوها، المعاجم اللي عملوها، الحاجات اللي هي على هذا النحو من اللي هي محتاجة دأب وتتبع وجمع، المستشرقين ابدعوا فيها. الحاجات المرتبطة بالثقافة بالذات التفسير والحديث والفقه واللغة فيها مشاكل كتير، في شيء أحسن وأقوى طبعا تك مصادرك، طبعا نعم.

الأساتذة اللي أنت ذكرتهم من مفكرين من علماء أيا كان اللي بداية تلقيهم للتاريخ الإسلامي أو للعلوم كانت من أوروبا نعم، هل هذا معيار مهم من أجل أن أسال نفسي أنا باخذ من مين الآن؟ من شخص درس في أوروبا ولا درس في بلادنا الاسلامية والعربية؟ لا، برضه ما أقدرش أدي قاعدة عامة، كل، لأنه حتى استجابة هؤلاء المتاثرين بالمستشرقين استجابات مختلفة، بعض الناس خدع بهم وتشربه، وبعض الناس كان واعيا بأنهم مش فاهمين، وبعض الناس أجَاد الرد عليهم، الأنواع دي موجودة فانت بتفهمها برضه أنا بقول لك ده علم فمحتاج تسال متخصصين، واحد زي أحمد أمين غير واحد زي طه حسين، غير واحد زي محمود شاكر، غير واحد زي محمد الأعظمي، كل دول معدل استجابتهم وإعادة إنتاجهم للمستشرقين أو الرد عليهم مختلف، نعم، فيفهم بمجمل أعمال هذا المؤلف.

الإنسان الغربي عندما جاء إلينا سميناه مستشرق، نعم، الإنسان المسلم أو العربي عندما ذهب للغرب لكي يدرسهم، شو اسمه؟ وبعض الناس يحاولوا في الفترة لا، لا، بعض الناس في الفترة الأخيرة يحاولوا أن يؤسسوا لعلم الاستغراب المقابل لعلم الاستشراق، لكن طبعا هذا لا يمكن أن يحدث. طبعا في محاولات وواحد زي الدكتور مازن مطبقاني، وأنا لي كتاب نحو تأصيل إسلامي لعلم الاستغراب، كيف ندرس الغرب؟ هناك محاولات في مجلة تصدر في بيروت عن علم الاستغراب، لكن حقيقة هذا لن يحدث إلا لما نبقى احنا أمة قوية قادرة على إرسال الأفواج وليس على الواحد والاثنين والثلاثة والأربعة، فيعني إذا أنت بتكلم على اسم فهي سموه المستغرب.

أكد انتهت الحلقة الثانية من سلسلة مئة سؤال في التاريخ مع الاستاذ محمد الهامي، واحنا توقفنا عند السؤال السادس. في الحلقة القادمة سنبدأ بالسؤال السابع إن شاء الله، الله المستعان ودمتم في رعاية الله. لتشاهد المزيد من البرامج عن التاريخ الإسلامي ولتعرف على أحداثه وانتصاراته وانكسارات قادته وعلماؤه، أحداثه وأسراره الحكم والسياسة والحروب والمعارك، ما عليك سوى أن تتابع قناة تاريخنا على يوتيوب، تاريخنا من أبعد نقطة في الماضي إلى أبعد نقطة في المستقبل، نستنطق التاريخ.