هناك اتهام بأننا نقلنا كل شيء، فأغلب الذين يريدون الطعن في الإسلام لا بد أن يطعنوا في البخاري أو في الشافعي؛ لأنه إمام صنعه الأصول. من أين خرج لنا هذا الاتهام؟ محتارين في هذين العلمين على وجه التحديد، وما الجديد الذي قدمه علماء المسلمين في علم التاريخ؟
أوروبا عرفت التراث اليوناني من الترجمات العربية. يا أخي لما نأتي لندرس التاريخ نشعر أن هذه الكتب ضخمة جداً، هذه أشياء مهولة، بينما تذهب لتجلب كتاباً لأي مستشرق تجده سهلاً وواضحاً وتكمل فيه القراءة وليس عندك أي مشكلة. بعض المستشرقين عزّ عليهم أن ينسبوا للمسلمين هذه الإضافات الهائلة في العلوم الإنسانية.
نحن صرنا مصابين أيضاً بحالة نفسية، ولكن هناك حتة محيراني وتعباني من أجل أن أتأكد هل هذه المسألة هي شبهة أم لا؟ كيف أفرق بين أني وقعت في شبهة وبين أني أسأل سؤالاً طبيعياً عادياً؟ لا يمكن التفريق بين الوقوع في الشبهة وبين الانحراف الفكري من السؤال الواحد.
هذه هي الحلقة الثالثة من سلسلة مئة سؤال في التاريخ مع ضيفها الثابت الأستاذ محمد إلهامي. وصلنا إلى السؤال السابع يا أستاذ محمد، وهذه السلسلة هي التي نجيب فيها عن التساؤلات الملحة في التاريخ.
السؤال السابع يقول: البعض لما نأتي لندرس التاريخ نشعر أن كتب التاريخ الإسلامي مليئة بالأسانيد ومليئة بالروايات ومعقدة وضخمة جداً، فتصعب علينا دراسة التاريخ، بينما تذهب لتجلب كتاباً لأي مستشرق تجده سهلاً وواضحاً وبتكمل فيه القراءة وليس عندك أي مشكلة، فكيف يمكن أن نوضح هذه الشغلة أو نرد عليها؟
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. هذا سؤال جميل جداً، والإجابة على هذا السؤال تبدأ بأن نفهم لماذا اختار علماؤنا أن يكتبوا التاريخ على هذا النحو؟ لماذا الكتب التاريخية الإسلامية، أغلب كتب التاريخ العام مثلاً، مكتوبة على الحوليات؟ يعني يقول لك مثلاً: وفي سنة 37 حصل كذا وكذا، وبعد ما يخلص الأحداث يذهب ويأتي: وفي سنة 38 حصل كذا وكذا. لماذا يقطع الأحداث ولا يرويها مرة واحدة؟
وكما تفضل السائل عندما تكلم عن مسألة أن الكتاب مليء بالأسانيد؛ كل خبر: حدثنا فلان قال حدثنا فلان، حدثنا فلان. انظر يا سيدي، أولاً علماؤنا بطبيعة الحال لم يكونوا عاجزين عن أن يكتبوا قصة، فالقصة شيء عرفه الناس منذ فجر التاريخ، ولكن هذا يرجعنا إلى ما كنا تكلمنا عنه في الحلقات السابقة من أن غرض العلماء من كتابة التاريخ الإسلامي لم يكن حكاية الحكاية، أي ليس أن تقول حصل واحد واثنين وثلاثة، أنت لا تقدم حكاية، ولكن غرضه الضبط والتسجيل والحفظ.
فغرض التاريخ؛ أنت تذكر عندما قلنا خليفة بن خياط قال: «وبالتاريخ عرف الناس مواقيت صلواتهم وصيامهم وحجهم وعدد نسائهم ومحل ديونهم»، ولما قال السخاوي: «وبالتاريخ يعرف مواليد الأئمة ووفياتهم والرواة»، وهكذا. الغرض من التاريخ حين كتبه المسلمون هو غرض التسجيل والتوثيق والضبط، وليس غرض تقديم الحكاية الممتعة أو المفيدة للناس، لم يكن هذا هو غرضهم حقيقة.
هناك حاجة أخرى خليني أشير إليها هنا تمثل مفتاحاً من مفاتيح فهم التاريخ الإسلامي وفهم التواريخ المعاصرة. أضرب مثلاً بسيطاً الآن: أنت تشاهد قناة فضائية مثل الجزيرة أو العربية، هذه القناة يكون عندها مراسل، ليكن مثلاً مراسل في واشنطن، وعندها محلل موجود في الاستوديو. وظيفة المراسل هو نقل الخبر، المراسل ينقل الخبر، وظيفته اكتشاف الخبر وتسجيله وعرضه، أما وظيفة المحلل الذي في الاستوديو فهي أن يحلل الخبر ويربطه بما سواه من الأخبار؛ أي تحليل الخبر وتفسيره وتعليله وفهمه.
طبعاً صحيح، ممكن أن يكون هناك مراسل موهوب يأتي بالخبر ويحلله في نفس الوقت، ولكن في وراد التاريخ الإسلامي يا شيخ هناك الفصل بين مهمة الجمع وبين مهمة التعليل والتحليل والتفسير. التاريخ، كما فهمه المسلمون قديماً، هو عملية الضبط والتوثيق والتسجيل فقط، ليس من مهمات المؤرخ في الثقافة الإسلامية أن يعلل ويحلل ويفسر، مهمته أن يسجل ويوثق ويدون.
هذا الاتجاه خالفته المدرسة الغربية في التاريخ، فالمدرسة الغربية جمعت بين هذين الدورين: دور أن تبحث عن المعلومة، ودور أن تحلل المعلومة وتفسرها. لذلك كتب التاريخ الغربية بالذات، بعد أن تأسس علم التاريخ في الغرب في منتصف القرن الثامن عشر، تريد من المؤرخ أن يجيب المعلومات ويرتبها ويعلل ويحللها ويفسرها، فيخرج بالخلاصة.
يعني الكتاب التاريخي المعاصر هو ابن المدرسة التاريخية الغربية؛ مدرسة أن تمسك كتاباً تقرأ القصة من أولها إلى آخرها، والمؤرخ هذا سيجلبها من كتب التاريخ، ومن صحف السياسة، ومن التصريحات، ومن الأرشيف، ومن الآثار، مهمته يجمعها ويحللها ويعلل ويفسرها. المسلمون كان عندهم الفصل بين دور الذي يدون ويسجل وبين دور الذي يحلل. لذلك كتب التاريخ الإسلامي بالذات المبكرة منها اكتفت بمهمة التسجيل والتدوين والضبط.
ولكي أقدم أفضل طريقة للتسجيل والتاريخ والضبط، يجب أن ألتزم بخط الزمن؛ في عام كذا حصل كذا، وفي عام كذا حصل كذا، ولا ينفع أن تتداخل الأحداث، لأنني مثلاً أقول: وفيها توفي فلان، أو الإمام أو الراوي أو الشخصية هذه توفيت في السنة الفلانية. وكذلك يجب أن أسند الأخبار إلى مصدرها، فأقول: حدثني فلان قال حدثني فلان، وإذا عندنا رواية أخرى أذهب لأجلبها بمصدر ثانٍ، لا أقول: حدثني فلان وعلان، ثم أذهب لأجلب القصة كلها كما جمعتها أنا؛ فهذا فيه خرق للدقة.
الحاجة الدقيقة هي أن أقول: مثلاً أنا سمعت في الجزيرة الخبر بهذا الشكل، وسمعت في العربية الخبر بهذا الشكل، وسمعت في القناة الفضائية المصرية الخبر بهذا الشكل، هكذا أقدم أكبر قدر من الدقة والضبط. عندما أقدمه لأحد أكون دقيقاً، أما إذا قلت لا، الموضوع حصل في كذا وكذا ورحت ألفت بين الأخبار الثلاثة، فأنا هنا خالفت شرط الدقة. هذا هو الشرط الأساسي الذي كان المؤرخ المسلم يكتب من أجله لكي يحققه، ولذلك خرجت كتب تاريخنا الإسلامي ليست كتب قصة لطيفة لزيزة، بل خرجت كتباً مليئة بالأسانيد؛ فالأسانيد تقطع الحادثة الواحدة ومليئة.
بالحوليات، برضه تقطع الحادثة التي هي ممتدة بين عامين أو أكثر، فلا يمكن أن نفهم صنيع المؤرخ المسلم إلا لو فهمنا الغرض الذي كان عنده. أديلك مثال أحكي لك حكاية كده يعني ترطب الجو الأكاديمي الذي أنا عمال أقوله ده: أيام الدولة العباسية كان في واحد وزير عباسي اسمه أبو القاسم بن مسلمة، وزير مشهور في الدولة العباسية، وزير قيلت فيه قصيدة من أقصى قصائد المدح؛ كان الراجل الشاعر يقول لك: إذا أبو قاسم جادت يداه لنا لم يحمد الاجودان البحر والمطر، وأضاءت لنا أضواء غرته تضاءل النيران الشمس والقمر، ومن لم يبت حذرا من هول سطوته لم يدري ما المزعج الموت والقدر.
المهم يعني قصيدة لطيفة، انتهى بالك بدون ما أقولها كلها دلوقتي، القصد يعني أنه الراجل ده جاءه ذات يوم جماعة من يهود خيبر، قالوا له: أنتم عمالين تاخدوا الجزية، ونحن أصلا لدينا وثيقة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يرفع عنا الجزية، وادي الوثيقة محفوظة في أرشيفنا، يعني توارثها اليهود كابراً عن كابر.
طبعا دلوقتي الوزير لقي نفسه قدام وثيقة وفيها توقيع النبي صلى الله عليه وسلم، فماذا فعل؟ جاء بالإمام المشهور الخطيب البغدادي، صاحب تاريخ بغداد، صاحب اقتضاء العلم العمل، الراجل المعروف ده، الخطيب البغدادي أول ما بص فيها قال: هذه كذب. فقال: وما دليلك على أنها كذب؟ قال: لأن فيها شهادة معاوية بن أبي سفيان من الشهود على هذه الوثيقة، أحد الشهود معاوية بن أبي سفيان وهو لم يسلم إلا عام الفتح بعد خيبر، وفيها شهادة سعد بن معاذ وكان قد مات في أيام خيبر، أن سعد بن معاذ مات في الأحزاب.
فبان بالأعوام، بان بالتاريخ فساد هذه الوثيقة. ليه بقى بنقول كده؟ بنقول إنه هم المسلمين في عملهم التاريخ انصرفت إلى الدقة، ضبط الحدث في زمانه وضبط الحدث في تفاصيله؛ التفاصيل دي واردة من إيه عن أي، ما هي مصدرها؟ علشان كده سفيان الثوري كان يقول: لم يستعن على الكذابين بمثل التاريخ، الكذابين أكثر حاجة تكشفهم التاريخ لأنه بيكذب بيألف.
ومثله قال حماد بن زيد أيضا، قال: إذا استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ. تشبه إيه؟ أحكي لك حكاية لطيفه من واقعنا في مصر، كان عندنا في مصر واحد اسمه نصر حامد أبو زيد، نصر حامد أبو زيد كان عنده مشكلة مع أصول الفقه، أنت عارف أصول الفقه ده أصل علم متين، شوف الشريعة تقدر تقول في علمين حرسوها: علم الحديث وعلم أصول الفقه. علم الحديث ده منع من أن يتسرب إلى الشريعة الأشياء الضعيفة تماماً، علم أصول الفقه منع أن يتسرب إلى الشريعة الأفهام الخاطئة، مهب إيه؟
فدول الاثنين اللي واقفين على حمى الشريعة، وعلشان كده هتلاقي أغلب الذين يريدون الطعن في الإسلام عن محتارين في العلمين دول على وجه التحديد. لازم يحب يطعن في البخاري لأنه إمام صنعة الحديث، أو في الشافعي لأنه إمام صنعة الأصول.
فالمهم، نصر حامد أبو زيد علشان يطعن في الشافعي قال: إن الشافعي ده كان رجل عروبي قومي متعصب للعرب، ومتعصب لعن القومية العربية، وعلشان كده كان بيتعاون مع الأمويين. له كتاب مشهور اسمه الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية تماماً، طبعا أول ما نزل الكتاب ده كان فضيحة، ليه؟ وهو بيقول الإام الشافعي كان يعني جزء من محاولة الدولة الأموية السيطرة على الباب الفكري؛ ولانه الشافعي ولد بعد انتهاء الدولة الأموية بثمان عشرة سنة، فكانت فضيحة أن أنت تقول فلان متعاون مع الدولة الأموية ويطلع فلان لم يولد إلا بعد زوال الدولة الأموية، فهذا يعني من لم يستعن على الكذابين بمثل التاريخ.
وحتى مثلا طبعا في حاجات واضحة زي اللي أنا بقولها لك دي، يعني أنت عارف مثلا أبو نعيم، أبو نعيم أحد الأئمة المشهورين، كان جالساً في مجلس وجاي واحد بيألف حديث عن موقع صفين، يقول لك: بينما نحن بالصفين إذ خرج علينا عبد الله بن مسعود فقال، فأبو نعيم قال له: تراه بعث بعد الموت؟ لأن ابن مسعود مات قبل صفين، فبهت الكذاب، بهت.
مثلا حديثاً واحد زي الدكتور إراهيم عوض، الدكتور إراهيم عوض أستاذ أدب، فلما أراد أن يثبت أن طه حسين سرق فكرة الشعر الجاهلي من المستشرق مرجليوث، كيف اثبتها؟ تتبع مؤلفات طه حسين قبل أن يصدر كتاب مرجليوث عن الشعر الجاهلي؛ إيه رأيه في الشعر الجاهلي في مؤلفاته التي صدرت قبل صدور هذا الكتاب لمرجليوث؟ فوجد أنه طه حسين لا يشكك في الشعر الجاهلي، أول ما صدر كتاب مرجليوث بدأ طه حسين يكتب كتابه في الشعر الجاهلي.
فقصد، تتبع التاريخ يكشف لك كثيراً من الكذب. فلما يبقى المسلمين عملوا أصلاً علم التاريخ علشان هيخدموا به الدين، يعرفوا الناسخ من المنسوخ، يعرفوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، يعرفوا عمل الخلفاء الراشدين، فبالتالي كان غرضهم الأول هو الضبط والدقة، علشان كده صارت كتبهم مهتمة بالضبط والدقة، فكانت على مثال الشهور والاعوام وعلى مثال الأسانيد.
طيب، هيجي حد يقول لي: طيب بس ده يا شيخ يعني مخلي الكتب التاريخ صعبة، ومخلي الاستفاده منها قليلة، ومخلي فهمنا للسنن قليل؟ أقول له: صح، لأنه أصلاً مهمة اكتشاف سنن التاريخ لم تكن مهمة المؤرخ في عالمنا الإسلامي، لا، هي دي دلوقتي مهمة المؤرخ في السياق الغربي. المؤرخ في العالم الإسلامي ما كانش شايف أنه من مهمته يطلع لك الدروس المستفادة، ما كانش شايف كده.
المهمة دي كانت مهمة كل المسلمين، بما فيهم المفسر، وبما فيهم الفقيه، وبما فيهم الواعظ، وبما فيهم المتصوف، ده اللي هو يعني وبما فيهم حتى الشاعر اللي هو بيطلع لك درس التاريخ. ما كانتش مهمة اكتشاف سنن التاريخ من مهمات المؤرخ وحده، كانت من مهمات كل المتحدثين في العلوم الإسلامية.
طيب، ليه بقى الغربيين انتحى هذه الناحيه؟ يعني واحد يجي يقول لي: طيب أشمعنى الغربيين هم اللي طلعوا كتبهم التاريخية على الشكل الجميل ده، اللي هو مركز القصة فيه كاملة، الراجل المؤرخ بعد ما بيجمع الأخبار بيعقل ويفسرها ليه؟ سؤال جميل، والإجابة عليه كذلك.
المؤرخ المسلم وهو بيكتب تاريخ، ما كانش بيكتب تاريخ؛ سنن التاريخ بالنسبة له مجهولة، السنن دي واردة في كتاب الله، واردة في السنة النبوية، واردة في أقوال الصحابة والتابعين، واردة في أقوال العلماء. مثلاً ابن خلدون لما كتب: الظلم مؤذن بخراب العمران، من أين أخذها؟ أو مثلاً أن المترفين هؤلاء أعداء الأنبياء، من أين أخذها؟ من الآية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم به كَافِرُونَ﴾ [سبأ: 34]. قال الذين أترفوا.
فالمؤرخ المسلم ما كانش بيقرا التاريخ على أساس يكتشف منه السنن، لا، السنن هذه هو متشرّبها، لكن المؤرخ الغربي لما انقلب على المسيحية وبقى ما عندوش دين، وما عندوش أفق أيديولوجي، فصار يبحث في التاريخ بغرض اكتشاف السنن واكتشاف قواعد التاريخ، فبقى محتاج مع الخبر ومع الحدث تعليله وتفسيره وتحليله.
وعلشان كده مثلاً أول واحد ينسب إليه هذه الخطوة هو فولتير، ولا فولتير كان قاعد في مجلس فجaatه المدام التي أنا بنسى اسمها دي مش فاكر دي شاتيليه ولا حاجة يعني، فقالت: طب أنا دلوقتي كواحدة فرنسية لما أمسك كتاب تاريخ استفاد منه ايه، أن أرطغرل ابن عثمان وأن الحرب الفلانية كانت في المكان الفلاني وأنه وأنه، دي بالنسبة لها تفاصيل مش مفهومة ما لهاش معنى؟
فمنذ تلك اللحظة بدات حركة التاريخ الغربي أنه يكتب التاريخ بشكل مفلسف، بشكل يجمع بين أنه يجمع أخبار ويحاول أن يفسرها ويعلل، يعني جمعوا بين مهمة المراسل ومهمه المحلل الموجود في القناة.
فعليشان كده المسيحية ذهبت إلى اكتشاف السنن لأن الغربيين قصدي ذهبوا إلى اكتشاف السنن، لأنهم خلعوا المسيحية وما بقاش عندهم ثوابت، ما بقاش عندهم نظام تفكير، فعليشان كده حتى تعددت المدارس اللي بتقول تفسير التاريخ، بقى عندهم اللي بيفسر التاريخ بالتفسير الاقتصادي وبالتفسير العرقي وبالتفسير المادي وبالتفسير الجغرافي، ظهرت مدارس كتير بقى، ما أنت عندك إيه؟ أصل التاريخ ده أحداث كتير كتير كتير، على حسب النظام الفكري تقدر تركبها تركيب مفهوم؛ فضلوا وتاهوا في أودية التفسير.
ده ما كانش موجود عند المؤرخ المسلم، فهذا لكي يفهم أن علمائنا ما كانوش عاجزين عن سياق القصة، علمائنا كان لهم غرض في التاريخ هو الضبط والتسجيل، ومن أجل هذا جاءت كتبهم على هذه الشكل. طب احنا مشان نطمن صاحب هذا السؤال، هو في مختصرات لهذه الكتب الكبيرة الضخمه المليئة بالحواشي والأسانيد؟ في مختصرات، أحد مجهودات مختصرات.
لكن حتى المؤرخين المسلمين المعاصرين دلوقتي، يعني أنا دلوقتي لو جه حد سالني: ماذا أقرأ في تاريخ الدولة الأموية؟ سأحيله إلى كتاب معاصر؛ لأن أنا عارف مزاجه وطبيعته مش هتنفع معاه أن أنا أقول له روح شوف تاريخ الطبري مثلاً، ولا طبقات ابن سعد، ولا اقرا مثلاً تاريخ دمشق لابن عساكر، ولا تاريخ بغداد للخطيب البغدادي. دي حاجات مهولة، حاجات مهولة ونظامها مختلف عن اللي عايز يعرف الدولة الاموية، لا، بقول له مثلاً اقرا كتاب الدولة الأموية المفترى عليها للدكتور حمدي شاهين مثلاً، أو كتاب الدولة الأموية للشيخ علي الصلابي مثلاً، دي الكتب المكتوبة بمزاج يوافق القارئ المعاصر.
بس دلوقتي الإجابة اللي أنا بقولها دي، بقول: لماذا كانت كتب التاريخ الاسلامي القديمة لا توافق مزاجنا المعاصر؟ دي مشكلة عندهم ولا مشكلة عندنا؟ المنهج بتاعهم ولا المنهج بتاعنا؟ فانا بحكي لك القصة الكبيرة دي، القصة الكبيرة أن الراجل ده ما كانش ناوي يحكي قصة.
طب احنا امتى بدينا نحكي قصة؟ احنا متاثرين في المنهج ده بالغربي، طب هم ليه حبوا يعملوا قصة؟ لأن هم لما خلعوا المسيحية انفتح امامهم سبيل التفسير، فبقوا عايزين قصة مفسرة معللة كلها كده في كتاب واحد.
إذاً صاحب هذا السؤال الذي نعت هذا التاريخ الضخم وهذا الموروث بأنه صعب ومعقد، من خلال ما أجبتم نفهم أنه هي نعمة كبيرة جداً، إيجابياتها لا يمكن لا عدها ولا حصصها؟ طبعا، طبعا. بس أنا خليه معلش خليني أضيف، أنت دلوقتي انت فتحت لي سؤال مهم، أنا دلوقتي لو حد سالني: أيهما أفضل، طريقة المسلمين القدامى ولا طريقة المعاصرين؟ أنا أنحاز تماماً إلى طريقة المسلمين القدامى. ليه؟
لانه كثيراً ما هذا وجدناه عملياً، كثيراً من الناس أوتوا الموهبة في الجمع والقصاء، وما كانش عندهم موهبة التحليل؛ عارف زي إيه؟ زي مراسل صحفي شاطر بس ما عندهوش القدرة على التحليل، القناة كلفته أنه يجمع الخبر ويحلله، فهو متميز في الجمع لكن مش متميز في التحليل. النتيجة النهائية سلبية ولا إيجابية؟ سلبية؛ لأنه هو صحيح جاب لي الخبر بكفاءة الصحفي، وده أبو، لكن لما جه يفسره طلع له تفسير غير صحيح.
فالحضارات لما لم تكلف المؤرخ أن يتحمل فوق طاقته طاقة الجمع والاستيعاب، بينما هذا أمر كلفته المدرسة الغربية لصاحبها. وكثير من الكتب التاريخية اللي احنا شفناها تلاقي فيها مؤرخ جاب معلومات من الأرشيف وطلع ونزل ودور وعمل، أول ما يطلع بتفسير تلاقيه تفسير ضعيف، تفسير خاطئ، وبيحاول يستخلص نظرية تلاقيها نظرية مهترئة.
لكن عايز اقول لك: أنا أنحاز إلى مدرسة المسلمين لأنها لم تكلف المؤرخ فوق موهبة الجمع موهبة التعليل والتحليل والتفسير. وعلشان كده تجد كتب مثلاً في حضارتنا الإسلامية اسمها تاريخ كذا؛ التاريخ الكبير بتاع البخاري مثلاً، أو تاريخ نيسابور، أو تاريخ بيهق، وتروح تفتح الكتاب ما تلاقيش تاريخ، تلاقي رجال.
التاريخ الكبير بتاع البخاري هو إيه فيه؟ بس أشخاص، يقول لك: فلان الفلاني روى عن فلان، وروى عنه فلان، ومات سنة كذا. طب وده اسمه تاريخ؟ أه، اسمه تاريخ عند المسلمين، الناس بتوع التسجيل والضبط والتدوين دول، اللي هم عايزين يعرفوا الأئمة والرواة والوفيات، يعملوا كتاب تاريخ اسمه كده. اللي بيكتب تاريخ نيسابور بيكتب العلماء بتوع نيسابور، كل واحد فيهم اسمه ايه، ترجمته إيه، مات سنة كام، مين سمع منه، هو سمع من مين؟ ده بيحقق غرض المؤرخ اللي كتب الكتاب ده وبيحقق غرض الحالة الحضارية الإسلامية، لكن لا يوافق المدرسة التاريخية الغربية اللي هي بقت شائعة في زماننا.
فعشان كده هتتوقع أنك هتقرا تاريخ نيسابور، يعني لو كلمة تاريخ نيسابور دي كتبها واحد قديم وكتبها واحد معاصر، المادة اللي جوه تبقا مختلفة تماماً، أكيد اه، ده واحد بيكتب تاريخ الأعلام، وده واحد بيكتب تاريخ المدينة وما حل بها.
يعني أنت عندك تاريخ بغداد ولا تاريخ دمشق لابن عساكر، شوف تاريخ دمشق لابن عساكر ده ثمانون مجلداً، حاجة ضخمة! إيه تاريخ دمشق ده؟ جمع فيه تراجم أعلام المسلمين الذين سكنوا دمشق أو مروا بها، يا إلهي! فانت تدخل تلاقيه بقى شغال بالترتيب الأبجدي، حرف الألف، حرف الباء، حرف التاء، وهكذا.
فطبعا قصدي اقول اللي مثلاً ما يعرفش يتصور أن كتاب تاريخ دمشق ده هيبدا معنا من أول ما بنيت دمشق وبعد كده يتدرج ويتسلسل، فلازم نفهم الأغراض أو الأهداف التي أرادها المؤلف، شكل حضارته، شكل الحضارة بتاعتها؛ لأن الحضارة الإسلامية التي انطلق منها أو الحضارة الغربية التي انطلق منها، لأن ده مؤثر في فهمنا للمادة التي صدرت عنه، لكن سيكون هناك تفاوت كبير وضخم بين شخص يقرأ.
في تلك الكتب، مثلاً في تاريخ الدولة الأموية، أو في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، أو مثلاً في شخص قرأ في مؤلفات جديدة لمعاصرين كتبوها ولخصوها وجمعوا المفيد منها أو الضروري منها من وجهة نظرهم، هذه القصة هي التي تؤدي أعتقد إلى تفاوت، أو في بعض الأحيان إلى تكذيب بعض الروايات، وبنبدا ندخل مع بعض أنه لا هذا الحدث صار أو هذا الحدث لم يصر، لأن المعاصر سيختصر مش بس الأسانيد صح، وأيضاً قد يختصر جزءاً من القصة؛ لأنه نحن بنعرف في التاريخ كل سطر بتشطب أو بتختصر أو بتشيله، أنت شلت معلومة.
صحيح، أنت ما شلت من الحواشي، ما هو أنا معك في أن ده أحد الإشكالات بالتاكيد. طبعا، اللي بيتربى على الكتب المعاصرة يشبه زي الوجبات تكاوي، يعني اللي عايش حياته على البرجر ولا البيتزا، غير طبعا اللي بياكل أكل صحي، فطبعا موجود، لكن لا غنى هو حاجة من اثنين: أما أن أنت تبقى مثقف، أو تبقى طالب علم فتروح تحاول تتعرف، أو أن أنت تنوي التخصص فتروح تدرس، تمام؟
إنما عايز تبقى متخصص وأنت ما درّستش، يعني عايز يبقى جسمك صحي وأنت ما بتاكلش غير التيكاوي؟ لا يستقيم. عايز تبقى دكتور، لازم تدرس طب، لكن عايز تدرس طب من قعدتك على الفيسبوك في الصفحات الطبية؟ لا يستقيم، لا أبداً، هو هذا بس. فقصدي أقول: الأخ اللي رايح يقول إن كتب التاريخ مليئة بالأسانيد هو أخ حابب يقرأ تاريخ على النمط المعاصر، أول ما فتح كتب التاريخ القديمة لقاها مربكة ومحيرة، والحادثة فيها متقطعة وأسانيد، أربكت، طبيعي يعني.
من هذا السؤال سننتقل إلى السؤال الثامن. السؤال الثامن في هذه السلسلة يتعلق بفكرة أنه ما الجديد اللي قدموه علماء المسلمين في علم التاريخ؟ وهذا السؤال هو في حقيقته من أين جاء أنه علماء المسلمين -هناك اتّهام هيك دايركت يعني، هناك اتّهام أننا نقلنا كل شيء ونحن لم نكتب شيئاً- وبالتالي احنا يمكن حتى هذا كمان سيقودنا بعد شوية في المحور الثاني لقصة الحضارة، أيوه نعم، وهل احنا نقلنا عن الآخرين؟ الآخرين نقلوا عنا؟ لكن في علم التاريخ، احنا من أين خرج لنا هذا الاتهام؟
صحيح، طبعا زي ما قلت وتفضلت أنه مسألة المسلمين أضافوا إلى العلوم شيئاً ولا المسلمين كانوا نقلة، صح أن ده هيظهر أكثر في لما نجيء نتكلم عن الحضارة، لأنه ده اتهام مشهور، وده اتهام بعض المستشرقين اللي كنا اتكلمنا عنهم الحلقة اللي فاتت، أنه يعني بعض المستشرقين عز عليه أن ينسب للمسلمين هذه الاضافات الهائلة في العلوم الإنسانية، فقال لك دول يعني كان دورهم في التاريخ أن حفظوا لنا التراث القديم، التراث اليوناني؛ لأنه أصلاً أوروبا عرفت التراث اليوناني من الترجمات العربية لأنهم عاشوا في عصر الظلام زي ما بيسموه في التاريخ.
الأمر مختلف، ليه مختلف؟ لأن نشأة التاريخ الإسلامي لم تكن على مثال سابق، يعني ما حدش يجي، ما حدش يقدر يقول إن المسلمين في كتابتهم التاريخية كانوا متاثرين بحد سابق. عارف، مثلاً نقدر نقول إن المسلمين تأثروا في الطب، وتأثروا في الفلسفة، وتأثروا في الهندسة بعلوم الاقدمين، وبعد شوية استوعبوها وهضموها وترجموها وأضافوا عليها، وبقى عندنا العلوم الإسلامية الخالصة، وهذه مجمل هذه الحضارة هي اللي بعد كده نقلتها منا أوروبا، إنما في التاريخ لا، نشأة التاريخ كانت نشأة أصيلة على غير مثال سابق، يعني المسلمين ما شافوش كتب تاريخ عند غيرنا، فراحوا أرادوا أن يقلدوها فكتبوا تاريخهم، لا؛ لأنه نشأة التاريخ كما ذكرت وكررت أكثر من مرة نشأت أولاً بغرض حفظ الدين وفهم الدين.
كنا عايزين نعرف كما يقول ابن إسحاق: كنا نعلم أولادنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعلمهم السورة من القرآن. زين العابدين علي بن الحسين كان يقول: احفظوا هذه الغزوات فإن فيها مجدكم وفخركم. فتعليم سيرة النبي وسيرة الصحابه والخلفاء الراشدين وما كان فيهم ده كان مطلباً دينياً، مطلب ديني، فعلشان كده المسلمين ذهبوا إلى حفظه وإلى تعلمه وإلى روايته بأكبر ما استطاعوا من الدقة، فتاريخ ليس له مثيل.
طيب، هل مثلاً مسألة التاريخ هذه كانت هي الإضافة الوحيدة؟ عايز أقول مثلاً أنت لو قلت إن المسلمين أضافوا للتاريخ مسألة الجمع، مسألة الجرح والتعديل، ومسألة الطبقات؛ لأنه ما فيش ناس عندهم جرح وتعديل، ما فيش ناس عندهم إسناد، بل ما فيش ناس عندهم طبقات، يعني ما حدش كتب في الطبقات قبل كده، المسلمين بس اللي كتبوا.
طيب ليه كتبوا في الطبقات؟ برضه كانوا بيظبطوا الدين، ما هو عايز يعرف الطبقة دي كان فيها مين من العلماء، والطبقة دي اللي تحتها هي اللي سمعت منها، والطبقة اللي تحتها هي اللي سمعت منها، فهو أصلاً تقسيم الرجال والأعلام إلى طبقات هو ابتكار اسلامي صرف، فالحاجات دي: الإسناد، والجرح والتعديل، والطبقات، والتراجم، كل دي أشياء خالصة للمسلمين.
ولكن حتى من إضافات المسلمين مثلاً حاجة زي ابن خلدون وما أضافه، اللي يختلف فيه الناس بقى: هل عمل ابن خلدون في محاولة اكتشاف قواعد الاجتماع يا ترى ده تاريخ ولا ده علم اجتماع ولا علم عمران بشري كما سماه ابن خلدون؟ اختلفوا، ما اختلفوش، المهم أن هذه إضافة لم تخرج إلا عند المسلمين يعني. ولذلك ابن خلدون -طبعاً ابن خلدون نفسه كان يرى أن ما أضافه هذا هو علم خارج التاريخ- ابن خلدون يرى أن اللي عمله هو في المقدمة ده علم خارج نطاق التاريخ.
الجماعة المؤرخين المعاصرين والغربيين شايفين أن ده من صلب التاريخ، علشان كده مثلاً واحد زي الدكتور حسين مؤنس يقول لك: ابن خلدون مؤرخ فحسب؛ لأنه اللي بيعمله ده هو من صلب التاريخ، تعليل التاريخ وتفسيره. فهذه مقدمة ابن خلدون تقرأ مثلاً الغربيين منبهرين بها، واحد زي أرنولد توينبي يقول عن مقدمة ابن خلدون -طبعاً أرنولد توينبي ده أحد أشهر مشاهير المؤرخين في القرن العشرين، مات 1973، هو مولود 1889 ومات 1973، المؤرخ الإنجليزي المشهور، صاحب الكتاب المشهور دراسة التاريخ في عشر مجلدات، وصاحب نظرية التحدي والاستجابة- كان يقول عن كتاب ابن خلدون إنه أفضل كتاب من نوعه في أي زمان ومكان. ابن خلدون المدح الذي أخذه من الغربيين أعلى بكثير جداً من الذي أخذه من المسلمين بالمناسبة، من تلاميذه يعني؛ لأنه عمل ابن خلدون يعتبر إضافة هائلة، مما يعني يعني واحد زي مرجليوث كان يقول إنه عمل ابن خلدون أفضل كتاب قبل اكتشاف الطباعة. يعني عايز أقول لك إيه؟ في حاجة كده كأنه أفضل كتاب كتبه بشر، واحنا مشغولين في ابن خلدون: هل هو مصري ولا تونسي ولا مغربي ولا جزائري؟ دي انشغالات الناس التعبانين، يعني انشغالات الناس الضيقين اللي طحنتهم الوطنية لما احنا كنا بنتكلم عنها.
فمثلاً إضافة ابن خلدون لعلم التاريخ إذا أردنا حسابه على التاريخ هي إضافة كبيرة ومهمة ومميزة جداً. كذلك مما أضافه المسلمون إلى التاريخ هو الخطط؛ حديثهم عن البلاد والتاريخ للبلاد، التاريخ للبلاد سواء على مستوى الأعلام، الأعلام الذين مروا بها وسكنوها وده بداه المحدثون، أو على مستوى الخطط الوصف؛ زي خطط المقريزي مثلاً اللي هو بيصف القاهرة والأنحاء، زي تاريخ المدينة لابن شبة، تاريخ المدينة المنورة، زي وفاء الوفا للسمهودي برضه عن تاريخ المنورة. القصد يعني أن إضافات المسلمين إلى علم التاريخ إضافات مشهوده وكبيره، لكن أهم إضافة فيما أرى هي أن نشأة التاريخ الإسلامي كانت نشأة أصيلة على غير مثال سابق، بعد كده بدأوا هم إيه يعني يعملوا على سياق المسلمين كده مسألة التراجم والطبقات ونحو ذلك، يتاثرون بما جاء في ابن خلدون وغيره ويبنوا عليه.
هذا السؤال الثامن، سننطلق الآن إلى السؤال التاسع. نعم، والسؤال التاسع هذا يعني غريب عجيب؛ لأنه له علاقة بقصة أنا كيف استطيع أن أفرق بين شخص وقع في الشبهة المعلوماتية أو التاريخية وبين شخص يسأل سؤالاً عن دين من أجل أن يثقف نفسه، أو أنه لأننا صرنا مصابين أيضاً بحالة نفسية أنه أول ما يسأل عن سؤال هو فعلا شبهة، شبهة أنت، كلك هيك على بعضك شبهة. فاحنا كيف نفرق بين فعلاً يعني أنا كيف أفرق بين أنه أنا وقعت في شبهة الآن تاريخية ولا أنا بسأل سؤال طبيعي عادي؟
برضه ده سؤال مهم، ولكن برضه أرجع وأقول إنه لا يعرف أو لا يمكن التفريق بين الوقوع في الشبهة أو بين الانحراف الفكري من السؤال الواحد. تمام، يعني السؤال الواحد ده حاجة ما بيظهرش معاها يا ترى أنا وقعت في شبهة أو اللي قدامي ده بيساله لأنه مشتبه عليه؟ يعني لا يكفي للاكتشاف، لا يكفي للاكتشاف؛ لأنه إنما امتى يظهر؟ يظهر بالكثرة.
شوف، هاقول لك على حاجة، خليني يعني أنا أقول لك مثلاً إيه، احنا دلوقتي كأننا بنسأل نفسنا: أنا متى أشعر أن هذه شبهة، ومتى أشعر أن الوضع بقى عندي صعب، أو أشعر مثلاً أن الطرف الثاني ده بيسال فعلاً للمعرفة ولا بيسال للإحراج والطعن في نفسي؟ لو أنا عندي اعتزاز بالتاريخ الإسلامي وعندي انتماء له وأحساس به، ولكن في حتة محيراني وتعباني، دي كدة شبهة، شبهة ينبغي أن أسأل عنها المتخصصين لكي أفهم.
لكن لو أنا بقى عندي ضعف ثقة في التاريخ الإسلامي -طبعاً أنا دلوقتي بتكلم في التاريخ الإسلامي لكن الكلام يصح على بقية فروع الشريعة- يعني أنا عندي ضعف ثقة في الناس دي وفي الكتب دي وفي الموضوع ده كله، لا، هنا هنا المسالة لم تعد شبهة واحدة، هنا المسألة بقت انحراف، انحراف فكري. وكثير من الذين بدأوا بالشبهات لما لم يحاولوا معالجتها المعالجة الصحيحة أنه يسأل واحد فاهم انتهى إلى الانحراف.
تمام، يعني أنا لسه شايف من فترة كده واحد كاتب فيديو عنوانه: دور علماء الحديث في نشر التشيع. افتح الفيديو، ألاقي بيقول إيه؟ علماء الحديث النبوي هم أحد أهم الأسباب في نشر التشيع في العالم الإسلامي، ده كده ما بقتش شبهة، الشبهة أن أنا أقول البخاري مثلاً روى الحديث ده ازاي؟ أو أقول مثلاً الحديث ده كيف ورد عند المحدثين؟ بتبقى شبهة جزئية، لكن واحد بقى شايف أن علماء الحديث نشروا التشيع، يبقى كده إيه؟ واحد شايف مثلاً أن الأمة ضلت، أي هرطقات خارج السياق، هذا هو هذا هو الانحراف، هذا هو الانحراف.
فأنا بقول لك: أنت تعرف تعرف الأمر ده في نفسك ازاي؟ لما يبقى الاصل مستقر وسليم وأنت مطمئن له، لكن في حتت مش فاهمها وفي حتت تنغص عليك حياتك، لكن لما يبقى عندك نبذ ونفور ورفض لمجمل الحالة، لمجمل الموضوع، لمجمل المسألة، ساعةئذ ده نوع من الانحراف الفكري والضلال الفكري.
وعلشان كده مثلاً لما حد يسال سؤال وأجاوب عادي فيروح يسألني سؤال تاني، سؤال ثالث، سؤال رابع في نفس السياق، ببقى عارف أنه إيه: لم تكن المشكلة هي السؤال، لا، دي السؤال كان عرض لمرض أكثر عمقاً منه، يعني المشكلة لم تكن في الفروع، صارت في الأصول، فساعتها تحتاج إلى أن تعالجه معالجة أخرى.
السؤال العاشر هو على فكرة له علاقة باللي قبله، يعني أنا هيك كإنسان عادي، تمام، هل يوجد يعني خطوات أو وصفة هيك بسيطة أخذها بعين الاعتبار من أجل أن أتاكد يعني أن ها المسألة هي شبهة ولا مش شبهة؟ وبالتالي أكون في السليم.
جميل، ايوه هذا علاج متميز، شوف يا سيدي، اللي هو طبعا من باب إيش؟ لا تعطيني السمكة ولكن علمني كيف أصيد، أيوه، طيب تمام، كيف تصيد؟ شوف، أول خطوة أنك تبقى متخلص من الهزيمة النفسية، دي أول خطوة، دي مسألة داخل النفس، مسألة ما حدش بيعرف يعملها لك.
ابن القيم كانت الميزة لابن تيمية سنوات طويلة في كتاب من كتبه بيقول: لم أنْتَفِعْ بشيء من كلام شيخ الاسلام ابن تيمية كقوله -شوف بقى دي أكتر حاجة ابن القيم شايف أنه استفادها من مين؟ من ابن تيمية- كقوله: لا تجعل قلبك كالإسفنجة تمتص الشبهات تتشرب الشبهات، ولكن اجعله كالبلُّور تمر به الشبهة فيراها دون أن تدخله.
يعني إيه الكلام ده؟ أنا دلوقتي مثلاً واحد قال لي: الإسلام ده انتشر بالسيف، في هنا طريقتين نفسيتين: الطريقة الأولى: آه والله فعلا، ما هو في فتوحات وفي حروب ردة وفي بتاع، فعلاً انتشر بالسيف، طب إيه الحل؟ وفي حل تاني أن أنا أقول: هو فعلا انتشر بالسيف؟ أو أقول مثلاً طب هو إيه المشكلة لو انتشر بالسيف؟
يعني في لقطة نفسية هي هي الأولى اللي هو أنت طرحت عليك الشبهة، تشربتها وبدأت تدور على حل، ده خلل نفسي، لكن قعدت تتامل كده وتقول: طب يا ترى هو انتشر بالسيف ولا لا؟ يا ترى الكلام ده صحيح؟ حتى لو كان صحيح، هو الانتشار بالسيف حاجة وحشة ولا حاجة حلوة؟ أنك تراقب الشبهة قبل أن تتشربها هو ده الموقف النفسي الصحيح.
فلذلك مثلاً لو أنا دلوقتي رايح أدي علاج لهذا الأخ، أو أدي خطوات تعلمني كيف أصيد، أقول: إن أنت أول ما تطرح عليك الشبهة وقف كده وراقبها، راقبها من بعيد، لا تصيبك، لا تدخلك كشبهة، ولما نجيء بقى نراقبها وبعد كده نحاكم، نسال: طيب يا ترى عندنا أربعة خطوات أنا بقترح عليك.
أربع خطوات بعد ما أنت وقفت الشبهة قدامك كده، منعتها أن تؤثر فيك وأن تهزك. الخطوة الأولى: يا ترى الموضوع ده كيف هو في الإسلام؟ يعني مثلا الإسلام انتشر بالسيف؟ أنا بضرب مثال يعني، احنا أكيد هنجي لها لما نتكلم عن عصر الفتوحات، لكن كمثال: الإسلام انتشر بالسيف؟ يا ترى الإسلام بيقول إيه؟ يعني قصدي القرآن والسنة، يعني الانتشار بالسيف ده حتى لو كان حقيقي، كان تطبيقا للإسلام ولا كان خطأ من المسلمين؟
ده فارق مهم، الإسلام نفسه كقرآن وسنة ماذا يقول في نشر الدين؟ هل يؤيد النشر بالسيف ولا لا؟ دي مرحلة؛ مرحلة بحث الشبهة في أصول الإسلام، في الإسلام نفسه. المرحلة الثانية: بحث هذه الفكرة في التاريخ، في تطبيق المسلمين. يا ترى المسلمين لما نشروا الإسلام بالسيف هل هم فعلا نشروه بالسيف ولا لم ينشروه بالسيف؟ يعني هذه الجملة صادقة أو خاطئة؟
طيب كويس، تعالوا نشوف الأمم الثانية، الأمم الثانية التي توسعت، توسعت وانتشرت ونشرت فكرتها بالسيف ولا بحاجة ثانية؟ بغصن الزيتون والورود مثلا؟ مثلا، افرض أنا دلوقتي هاخد الغرب مثلا باعتبار هو الحضارة المتفوقة، والحضارة اللي هي دايما مصدر الشبهات والتشكك؛ يا ترى الغرب ده انتشار أفكاره بالسيف موجود في فكره؟ يعني في فكره وفي فلسفته، عند الفلاسفة بتوعه وعند المفكرين؟ موجود ولا مش موجود؟ إيه موقفهم منه؟ طب هم لما طبقوه ونشروا نفسهم ونشروا أفكارهم، نشروها بالسيف ولا نشروها بالورود والزيتون ووسائل الإعلام بس؟
لما أنا أسأل هذه الأسئلة -يعني أنا بقول لهم اعتبرهم خمس خطوات-: الخطوة الأولى أن أنا بوقف الشبهة ولا أنهار أمامها نفسيا. الخطوة الثانية: ماذا يقول الإسلام في هذه الجمله؟ القرآن والسنة، عشان أعرف يا ترى ده من الإسلام والمسلمين عملوه انحرافا، ولا ده من الإسلام والمسلمين طبقوه، ولا ده مش في الإسلام والمسلمين انحرفوا ففعلوه؟
وبعد كده أروح أشوف كيف طبقه المسلمون؟ طبقوه كما يقول الإسلام ولا انحرفوا في تطبيقه عما يقوله الإسلام؟ دي الخطوة الثالثة. الخطوة الرابعة: طيب غيرنا من الأديان وغيرنا من الأفكار وغيرنا من المناهج، ما موقفهم من هذا؟ من نشر الفكرة بالسيف؟ ما موقفهم منه فكريا؟ يعني في كتبهم، كتبهم المقدسة، أفكار فلاسفتهم ومنظريهم وخبرائهم، ثم ما موقفهم في التطبيق؟
تعال بقى في شبهة الإسلام بالسيف دي، أجري عليها هذه الأمور. الإسلام لما انتشر بالسيف، هل هذا موجود في القرآن والسنة؟ لا، القرآن والسنة لا، ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]. ولا المسلمين عبر تاريخهم لم يجبروا أحدا على الإسلام أبدا، يعني تاريخيا لم يوجد أحد وضع أمام، تحت السيف كده وقالوا له: أسلم أو ستقتل. كان دايما في خيار ثالث، اللي هو خيار: عايز تبقى على ما أنت عليه وتدفع الجزية، زي الضريبه كده، مقابل أن إحنا بنحميه، وهذا كان موجود في الأمم الأخرى كمان، مش ده! الأمم الأخرى ما كانش عندها جزية؟ الأمم الأخرى: أنت تدخل في ديننا يا تقتل.
أيوه الجزية دي التي تساق في تاريخنا الإسلامي باعتبارها منقصة، الجزية دي من قبيل. يرد دلوقتي مثلا -يعني عايز أقول لك إيه-: قبل فترة ألمانيا ستجنن المهاجرين إليها، ألمانيا عندها مشكلة في نقص في عدد التجنيد، ستجنن الحاصلين على الجنسية الألمانية، وممكن تحارب بهم في فلسطين، واللي ما يرضاش يحارب في فلسطين أو في العراق أو في أي حتة مسلمة يعني تسقط عنه الجنسية. ألا يتمنى هؤلاء أن لو كان في التشريع الألماني الجزية؟ ادفع ضريبة ولا تشارك في حرب أنت غير مقر بعدتها. الجزية دي شيء عظيم، لكن الشبهة حولته إلى شيء مذموم. أنا دلوقتي لو مسلم في بلد سيحارب مسلمين أنا مش موافق على هذه الحرب، يا ريت أدفع جزية وأتخلص من هذا المأزق. فده اللي كانوا عاملينه المسلمين.
فأنا بقول لك أهو: مسألة الإسلام والسيف. طب تعال نشوف بقية الأمم: نشروا كيف؟ توسعت دولتهم؟ أمريكا وأوروبا وإنجلترا وفرنسا والناس دي؟ الناس دي لما كانوا قوة عظمى عالمية، نشروا التغريب ونشروا الإباحية ونشروا الانحلال إزاي؟ نشروا أفكارهم إزاي؟ حتى أفكارهم المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان بقيت بحقوقهم هم -يعني كانوا قاعدين في مكانهم وأرسلوا لنا الدعاة بتوع الحقوقيين، ولا حضروا عندنا بباراج وأسلحتهم واحتلونا، وأسسوا عندنا دول، وفتحوا عندنا مؤسسات، وعملوا عندنا قنوات وصحافة، بعد ما سيطروا علينا عسكريا وحاطين عندنا قواعد عسكرية، ومنعونا نبيع البترول إلا بالدولار، ومنعونا نعقد اتفاقيات لا توافق مصلحة الأمن القومي الأمريكي والأوروبي-؟ الدول التي توسعت عبر التاريخ، توسعت إزاي يا جماعه الخير؟
فلذلك لو الإنسان تخل، أو يعني تخلص من الهزيمه النفسية اللي هي في أول لقطه دي وراقب بنفسه هذه الخطوات الأربع التي تليها: ماذا يقول الإسلام في هذا الموضوع؟ كيف طبق المسلمون هذا الموضوع، طبقوه كما يقول الإسلام أم انحرفوا عنه؟ كيف ترى الأمم الأخرى والأفكار الأخرى والأديان الأخرى هذا الموضوع، كيف طبقت الأمم الأخرى والأديان الأخرى هذا الموضوع؟ ساعة إذ ستفاجئ بأن الشبهة تكشف لك عظمه الإسلام وتفوقه وارتفاعه وسموه عن كل هذه المناهج الأرضية الوضعية.
طيب، أنت بتعرف يا استاذ محمد وين المشكله؟ المشكلة إنه الناس تحديدا على السوشيال ميديا، لأنه التليفون بإيدينا زي ما أنت عارف، وصارت حياتنا في التليفون ونتلقى المعلومات الأساسية من التليفون إلى آخره. كما تعلم إنه لما أنت بتشوف المادة العلمية، تخيل مش المادة اللي بحكيها أي واحد، نعم، بيدخل الثاني مش الأول، الثاني والثالث والرابع، بشوف الأول كاتب إنه: هو الإسلام انتشر بالسيف؟ ولا شيء. خلص، الثاني هو أصلا داخل عجبة مادة بس هو لأنه شايف هذا كاتب هيك، علكها، اجتر بين مزدوجين، واللي بعديه واللي بعديه واللي بعديه، وبتصير متتالية لا تنتهي، فاللي بيفوت بعد التعليق خمسمأء بيفوت بيروح مصدق! يعني القصة.
إيه، ما هذه هي بقى، لا تجعل قلبك كالأسفنج. هو ده الإشكال، لازم يبقى عندك قدر من الحصانة، قدر من المناعة الذاتية. ما هو أنت لو فاتح بيتك لكل العابرين هل يبقى لك بيت؟ لو أنت أي واحد عارف يدخل ويطلع، هل يبقى بيت ولا بقى شارع؟ نعم، بقى شارع، بقى قهوة، تمام! فهو الأزمة الأولى حقيقة هي أزمة نفسية، الإنسان المتماسك نفسيا اللي عنده مناعة بيبقى أقدر على التعامل في هذه الحياة.
عارف أنت حتى الناس في في امورهم الطبيعية يقول لك ايه؟ نظام خدوهم بالصوت. إحنا عندنا في مصر المثل يقول لك كده إيه، يقول لك: داخل بقى إيه بيزعق، نظام خدوهم بالصوت، أيوه لا أنت، لازم اللي داخل معلي صوته ده وعايش حالة نفسية لازم توقفه عند حده، وحقيقة أنا يعني أتمنى أن كل المتحدثين الإسلاميين -طبعا هي موهبة، مش كلهم هيعرفوا يعملوا كده، بس عايز أقول من النماذج العظيمة في هذا: نموذج الشيخ حازم أبو إسماعيل، الله يفك أسر الشيخ حازم-.
الشيخ حازم كان يجي المذيع يقول له يعني يهجم عليه هذا الهجوم، فشيخ حازم يقول له، يحاول يستفزه، والشيخ حازم يقول له: لا، أنت مين قال لك؟ أنا فاكر إبراهيم عيسى مرة بيقوله بيقول له: أصله الإجماع ليس عندي بحجه. قال له: ما شاء الله يا استاذ إبراهيم، بقيت شيخ أزهر والإجماع عندك، وبقى عندك وعندك، بقيت شيخ أزهر وبتاع! قصدي أقول ولما يقولوا له مثلا: أنت هتمنع الخمرة أو هتمنع السياحة؟ نظام خدوهم بالصوت. يقول: أه طبعا، لأن أنا إحنا دولة مسلمة وعايزين ربنا يبارك لنا والخمر ده حرام التعري ده حرام، فأيوه طبعا رايح أمنع، رايح أمنع السياحة العارية ورايح أمنع الخمور، إنما مش هعمل ده مرة واحدة؛ لأنه طبيعة الناس ما ينفعش تبقى في ضُلمة وترروح يتفتح في عينه الكشاف، لازم يبقى فيه نوع من التدرج.
بينما تجد الإسلامي المهزوم نفسيا يقعد كده قدام المذيع وكأنه متهم في قفص المحكمة: هتمنع السياحة؟ يقول: لا لا، ليس في خطتنا إلغاء السياحة والسياحة مصدر مهم للدخل القومي، وهو.. مجرد ما أخذ، يعني نمط المهزوم ده خلاص هزم، هزم! مش هيعرف يعبر عن الإسلام حقيقة، يقول لك: أنتم عندكم الجزية وهتخلو المسيحيين يدفعوا الجزية؟ يقول له: لا، إحنا خلاص بقينا دولة مواطنة ومش عارف إيه يا شيخ. يقول لك: الجزية دي حاجة عظيمة جدا! أنت متخيل الجزية دي حاجة وحشة؟ الجزية دي حاجة عظيمة، ويشرح.
فهذا هو الفارق الأول والأهم، هو هذا التأثر النفسي؛ عندك المناعة النفسية، حصانة النفس، بقية المسألة الفكرية سهلة.
طيب، جزاكم الله خيرا استاذ محمد، إحنا طبعا مع انتهاء السؤال العاشر انتهى المحور الأول وانتهت الحلقه هذه الحلقة الثالثة، وإن شاء الله نتابع في الحلقة الرابعة إن شاء الله من هذه السلسلة المباركة (مئة سؤال في التاريخ والحضارة) كده الحلقة الجاية الحضارة الإسلامية وسندخل في المحور القادم إن شاء الله الحضارة الإسلامية، وحيكون عندنا عشرة أسئلة مهمات ملحات إن شاء الله.
إن شاء الله إلى اللقاء لتشاهد المزيد من البرامج عن التاريخ الإسلامي ولتعرف على أحداثه وانتصاراته وانكسارات قادته وعلماؤه، أحداثه وأسراره الحكم والسياسة والحروب والمعارك ما عليك سوى أن تتابع قناة تاريخنا على يوتيوب، تاريخنا من أبعد نقطة في الماضي إلى أبعد نقطة في المستقبل نستنطق التاريخ.
محمد إلهامي