تاريخكم مليء بالمعارك والقتل والدماء. طلع لنا كده أمة تاريخها السياسي ما فيهوش حروب ودماء؟ مش هيلاقي. من اللذيذ أن نرد عليها يعني لأنه تاريخ النزاعات تاريخ الصراعات في أي أمة. في أي أمة يا سيدي أنتم المسلمون لم تقدموا شيئاً للحركة العلمية الإنسانية. بتحس إنه إحنا هيك زيادة على الطرف. إن أعظم ما أضافه المسلمون إلى الحضارة الإنسانية هو ما عندهم من الدين ومن الأخلاق.
كيف نفرق إحنا بين التاريخ وبين الحضارة؟ يعني الناس اللي عندهم أخلاق وما عندهمش مباني فاخرة ما حدش ياخد باله، ما حدش يسميهم متحضرين أو أصحاب حضارة. أنت لما تحكيها من طرفك كمسلم بتحس إنه هي غلطة. طب الناس اللي عندهم مادة وما عندهمش أخلاق؟ خلاصة الكلام لما اخذوا منا العلوم كثير منهم نسب علوما هي لنا إلى نفسه. إن هو حلال عليك وأنت حرام عليك تحكيها القصة. يعني أنت ما ينفعش تقول شروق الشمس أو غروب الشمس حاجة حلوة ولا وحشة.
هذه هي الحلقة الرابعة من سلسلة مئة سؤال في التاريخ. ما يميز هذه الحلقة أننا سندخل في المحور الثاني من هذه السلسله. أستاذ محمد أرحب بك أستاذ محمد الهامي، طبعا الضيف الثابت والدائم في هذه السلسلة الطيبة المباركة. سنبدأ في عالم الحضارة الإسلامية الذي تحبه، أكيد، وحنطرح الآن السؤال رقم أحد عشر.
السؤال رقم أحد عشر برضه من الأشياء اللي فيها شوية هيك جدل يعني. وأذكر طبعا أننا بهذه السلسلة نطرح دائما الأسئلة الملحة والتي تؤهلنا أن ندخل هيك بأمان وهدوء وسلام إلى عالم التاريخ، تاريخنا الإسلامي العريض. باجي بحكي لك أنه في عام سبعمائة وثمانية وسبعين وقعت معركة المخازن التي اسمها الملوك الثلاثة بلا بلا بلا. فانت بتحكي لي أوكي تمام أنت بتحكي تاريخ. فاجي بقول لك والله مثلا الأزهر يمتاز في بنائه أنه كذا، فانت بتقول لي آه أوبا لحظة أنت هيك بتحكي حضارة بطلت تحكي تاريخ. فصار في عنا مشكلة نعم أنه كيف نفرق إحنا بين التاريخ وبين الحضارة؟ دائما في لبس يقع في هذا الموضوع.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. ما الفارق بين التاريخ والحضارة؟ طبعا الحضارة هي يعني التعريب لكلمه سيفلايزيشن الإنجليزية، وأحيانا تترجم بالمدنية. يعني كلمة المدنية، كلمة الحضارة، الاثنين واحد، لكن غلب في العقود الأخيرة دي أن الترجمة تبقى الحضارة. طبعا كلمة الحضارة أصلها في اللغة العربية هي كلمة الحضر. أنت عارف الناس تنقسم إلى بدو وحضر. الحضر اللي هم الناس سكان المدن، لكن البدو هم الناس سكان يعني الصحراء أو الأطراف. للمتنبي بيت يقول فيه: الناس للناس من بدو وحاضرة بعض لبعض وإن لم يقصدوا خدموا فالانقسام بين البدو والحضر، فكلمة الحضارة يعني أصلها هو التعبير عن الارتقاء عن البداوة.
طبعا أنا مختلف مع كلمة الارتقاء عندي تمام، وكأنه البداوة هي الحياة الأولى في صورتها البسيطة زي ما بيقول ابن خلدون. ابن خلدون في بداية مقدمته يفرق بين البدو والحضر، أن الشخص البدوي ده واحد حياته بسيطة، هو قائم بأمور نفسه، بيعرف يعمل لنفسه أكل، بيعرف يعمل لنفسه شرب، بيعرف يشتغل بنفسه، بيعرف يدافع عن نفسه، يعني كل أموره هو قائم بها.
بينما الإنسان الحضري وجد في بيئة هي أوسع، وبالتالي حصل فيها نوع من التخصصات. فبقى الراجل بتاع الفرن بيعمل له الخبز، والراجل بتاع الزراعة بيقدم له المحصول، والراجل بتاع الفلاحة بيقدم له الجبن، وهو بتاع رعاية، وكمان الحمايه معموله إيه؟ قائم بها السلطان أو قائمة بها الشرطة والحامية، وهو له وظيفة واحدة بيعرف يعملها سواء كان صانع مثلا صاحب حرفة. فإذا صارت حياة الراجل اللي في الحضر ده معتمدة على غيره، مش زي البدوي بقا قائم بأمر نفسه لا. الحضري هو اللي سكن الحضر، الحضر حيث تكاثرت الأعمال وحصل فيه نوع من التخصص وحصل فيها اعتماد الناس على بعضهم البعض.
ده كده الفارق اللغوي، لكن إيه يعني الفارق الاصطلاحي؟ أو يعني إحنا زي ما نقول إيه متى متى ينتهي التاريخ وتبدا الحضارة؟ أو متى تنتهي الحضارة ويبدا التاريخ؟ شوف، كل إنسان له تاريخ، لكن مش كل إنسان له حضارة. كل قوم لهم تاريخ، لكن مش كل قوم لهم حضارة. الحضارة بشكل عام تطلق ويقصد بها عادة الدول الكبرى والمجتمعات الكبرى، كيف أدارت حياتها؟ تمام. بعض الناس، بعض المؤرخين، بعض الفلاسفة بيقول لك الحضارة هي النظام الثقافي والمادي. بعض الناس يقولوا لا ده النظام الثقافي بس، وبعض الناس يقولوا النظام المادي بس. يعني إيه مثلا؟
يعني لو أنا في مجتمع زي المجتمع المصري أو الفلسطيني أو السوري أو العراقي أي حاجة، في واحد بيقول الحضارة معناها أنك تدرس الثقافه اللي عند الناس، الناس دي كيف تنظم حياتها؟ إيه العادات والتقاليد والآداب والأخلاق والفنون؟ النظام الثقافي، النظام غير المادي، النظام المعنوي. بعض الناس بيقول لك لا الحضارة هي النظام المادي. يعني مثلا الجماعة الأولانيين بتوع النظام الثقافي دول هو بيقول لك إيه؟ الآداب، إيه التقاليد، إيه الأخلاق، إيه نظام الإدارة. لكن الجماعة بتوع الماديين دول لا، بيتكلم عن الفنون، بيتكلم عن المعمار، بيتكلم عن الطرق، بيتكلم عن المصانع، يعني برضه الإنتاج المادي مش بس الإنتاج المعنوي الثقافي.
وبعض الناس تحب تجمع بينهما، بيقول لك إن الحضارة هي مزيج من الوضع الثقافي والوضع المادي، الاثنين مع بعض. لأنه لا يمكن توجد منتجات مادية بدون خلفية ثقافية، والخلفية الثقافية لو ما أنتجت لناش نظام مادي فلن نكتشفها ولن تخلد، مش هعرفها، هتبقى زي عادات وتقاليد وأساطير في دماغ الناس، مش شايفينها، مش قادرين نحكم عليها.
على كل حال يعني الفوارق دي ما تهمنا كتير يعني، لكن غالباً يعني قصدي إيه اللي يهمنا كناس عايزين نعرف تاريخ بشكل عام؟ غالباً كلمة الحضارة بتقصد الإنجازات، وكلمة التاريخ بتقصد التاريخ بحلوه ومره. غالباً يعني اللي بيتكلم كلمة حضارة غالباً ما بيمدح، غالباً ما بيقول إيه دي حاجة حلوة. غالباً يعني يقول لك ده راجل متحضر، يقصد متحضر دي يعني إيه؟ متمدن، مدن، يعني نوع من المدح.
طبعا إحنا علشان موجودين الآن في ظل الهيمنة الغربية، فكلمة الحضارة غالباً ما تنصرف إلى الإنجاز المادي. يعني الناس اللي عندهم أخلاق وما عندهمش مباني فاخرة ما حدش ياخد باله، ما حدش يسميهم متحضرين أو أصحاب حضارة. طب الناس اللي عندهم مادة وما عندهمش أخلاق يسموهم بتوع حضارة؟ ده أثر من آثار إيه؟ أننا تحت الهيمنة الغربية، والحضارة الغربية حضارة مادية، في قلبها وفي جوهرها حضارة مادية.
مثلا، واحد زي الرئيس علي عزت بيجوفيتش في كتابه الرائع الإسلام بين الشرق والغرب، كان يفرق بين الثقافة وبين الحضارة، يقول لك الثقافة دي تأثير الإنسان، تأثير الإنسان على الأخلاق، لكن الحضارة تأثير الذكاء على العالم. فعلى كل حال، واحد مثلاً يقول لك إيه الفرق بين التاريخ والتاريخ الحضاري؟ غالباً ما بيقول كده يقصد أن التاريخ الحضاري هو دراسة النظم، الإدارة، الفنون، الآداب، الأشياء اللي هي في مجملها حلوة، لكن التاريخ، التاريخ بقى إيه بحلوه ومره بل غالباً يعني يقول لك ده تاريخ فيقصد أنه ده سيء، ودي حضارة فيقصد أنه ده جيد.
على كل حال أنت بس يعني القارئ يعني اللي عايز يقرا لازم يبقى فاهم الراجل اللي بيكتب عن الحضارة ده مفهومه إيه للحضارة؟ علشان يفهم إيه المعنى اللي هو يقصده لما بيستخدم هذا اللفظ. لكن أيما يشمل الآخر؟ التاريخ يشمل الحضارة. التاريخ يشمل الحضارة. التاريخ يشمل الحضارة، لأنه التاريخ أعم وأوسع من الحضارة.
تمام يعني أنت لما تقول التاريخ الإسلامي فيشمل جواة الحضارة الإسلامية، لكن لما تقول الحضارة الإسلامية مش شرط تشمل التاريخ الإسلامي. يعني ممكن واحد يكتب في الحضارة الإسلامية دون أن يتناول التاريخ السياسي مثلاً، لكن اللي هيكتب لو كتب التاريخ الإسلامي دون أن يقول مثلا التاريخ الإسلامي السياسي، ينبغي أن يكتب داخلها عن مظاهر الحضارة الإسلامية، حتكون إحدى المحاور.
نعم لما أنا أحكي ساتحدث عن حضارتنا الإسلامية، فالمقصود أنه أنا بدي أحكي عن البنيان والعمران والاشياء العلمية أيضا، والجانب وأيضا ما له علاقة بالثقافة والشعر واللغة وعلومها، هذا كله يشكل الحضارة الإسلامية ولا فقط البناء؟ لا كله يشكل الحضارة الإسلامية. البناء فن العمران ده أحد محاور الحضارة فقط، بينما الحضارة تشمل زي ما قلت لك حتى أمور معنوية. يعني نظام الإدارة، نظام الإدارة ده مش حاجة مادية ملموسة، الثقافة دي مش حاجة مادية ملموسة، الأخلاق دي مش حاجة مادية ملموسة، التقاليد مش حاجة مادية ملموسة، ده بالإضافة إلى الأشعار والموسيقى والفنون والرسوم العمران، ويعني طريقة الناس في التقاضي، نظام القضاء، كل ده داخل في سياق الحضارة. الكتب، المؤلفات، العلوم، العلوم بحته وعلوم، كل هذا في الحضارة.
طب حتى نلم السؤال بعبارة حتى نفرق إحنا هيك على طول بين الحضارة والتاريخ، ماذا نقول؟ غالباً اللي بيقصد حضارة بيقصد الجانب المشرق منها، التاريخ بيقصد الجانب غير المشرق من التاريخ، غالباً غالباً. تمام، لكن اللفظين الناس بتختلف في استخدامه، وأنت محتاج علشان تفهم مراد المؤلف أو المتكلم أنك تفهم هو هو يقصد إيه، يعني كيف يرى التاريخ وكيف يرى الحضارة؟
طيب ننتقل إلى السؤال رقم اثني عشر في هذه السلسلة الطيبة المباركة. يا أخي إنتم المسلمون تاريخكم مليء بالمعارك والقتل والدماء، وتاريخكم ما في إلا ها القصص، بدكم تحكوا تاريخ ما بتلاقوا إلا المعارك والقتل والذبح والفتوحات ومن هون ومن هون، كيف نخلص من هالقصة ها؟ آه كيف؟ شوف، كويس أنت كويس أنك سالت السؤال ده بعد السؤال ده.
تمام، غالباً ما بيبقى في التاريخ، التاريخ بيقسام إلى تاريخ سياسي وتاريخ حضاري. غالباً إيه هو التاريخ السياسي؟ التاريخ السياسي ده هو اللي بيتابع أخبار الملوك والأمراء والسلاطين والوزراء، وعشان كده هو تاريخ من الصراعات والنزاعات والحروب والمؤامرات، وفلان انقلب على فلان وفلان خلع فلاناً وفلان حصلت ثورة عليه، وفلان توسع، وفلان هزم، وفلان انتصر، ده التاريخ السياسي. لذلك التاريخ السياسي دائماً في أي أمة يعني هو أسوأ صفحات تاريخها، لأنه تاريخ النزاعات، تاريخ الصراعات.
تمام، بس خلنا نركز على في في أي أمة في أي أمة في أي أمة. أنت دلوقت أنا دلوقت لو حبيت أصف أي بلد، يعني لو هتكلم عن بريطانيا، هتكلم عن فرنسا، هتكلم عن أمريكا، أتكلم عن روسيا، لو أنا رايح أكتب التاريخ السياسي لفرنسا هكتب حروب نابليون وهكتب بعد كده الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية وانحسارها عن التأثير العالمي، واتكلم بقى عن يعني تشارلز ديجول واتكلم عن نابليون وعن نابليون الثالث، يعني حكومة فيشي، يعني كل اللي أنا سأذكره في تاريخ فرنسا السياسي هو الحروب والنزاعات والصراعات. نفس الكلام في التاريخ البريطاني، نفس، لكن لما أجي أتكلم عن التاريخ الحضاري، تطلع لي بقى أسماء فولتير، جان جاك روسو، مونتسكيو، اللي هو فلاسفة عصر التنوير. تمام تلاقي نفسك قدام روايات، قدام مسرحيات، قدام إنتاج علمي، قدام اختراعات، اكتشافات. تمام، فدائما في أي عايز تحب هذه الأمة اقرأ تاريخها الحضاري، عايز تكره أي أمة اقرأ تاريخها السياسي، دي معروفة.
وعشان كده مثلاً الغرب يعني الغربيين أو المتغربين لما يحاولوا يلفتوا النظر إلى أنفسهم أو إلى الغرب، بيصدر لك التاريخ الحضاري، بيقول لك إحنا عندنا الفلاسفة الفلانيين. أنت تلاقي يعني مثلاً في عالمنا العربي المنكوب، هتلاقي أغلب المتاثرين بالغرب حافظين أسماء الفلاسفة والمفكرين أكثر من أسماء الرؤساء والقade الحربيين، لأنه ده الجانب المشرق. بينما لو رحت للجانب السياسي هو دايماً الجانب السياسي هو الجانب المظلم.
يعني هذا زي كده اعتبر نفسك دخلت مستشفى، أو دخلت عند عيادة، أن بيقول لك أنت لو دخلت أي مدينة ورحت داخل أول حاجة فيها المستشفى، هتحس المدينة كلها مرضى، لو أنت أول حاجة شفتها في المدينة هي المستشفى، فهو الحالة السياسية هي حالة حالة الحروب والنزاعات ده في أي أمة.
طيب، إنما الحالة الحضارية هي الحالة دائماً المشرقة التي تتكلم عن العلوم، عن الاختراعات، عن الاكتشافات، الطب، الصيدلة، الهندسة، النبات، الفلك، البيطري، النظم، الآداب، القضاء، الإدارة، الفنون، العمارة، الموسيقى، الشعر، كل دي أمور مشرقة وفيها إبداع إنساني لا يختلط بالدم والنزاع والصراع.
دلوقتي مثلاً الأخ اللي بيسأل ده يقول لك أنتم تاريخكم مليء بالحروب والدماء، كويس. لو إحنا سالناه طلع لنا كده أمة تاريخها السياسي ما فيهوش حروب ودماء؟ مش هيلاقي، لا يوجد، مش موجودة. مع أنه بيتكلم بيطرح هذا السؤال في الفترة اللي إحنا فيها كأمة إسلامية، إحنا الأمة المستضعفة التي ما تحارب بل تحارب وتقتل في ديارها ونشبت عندها المذابح، ليه؟ هذا هو أثر الهزيمة النفسية، سطوة الثقافة الغالبة، الثقافة الغالبة كما يسميها الشيخ إبراهيم السكران فك الله أسراه.
تمام، يعني الغرب دلوقت قواعده العسكرية وأمريكا قواعده العسكرية منتشره في كل الدنيا، ومع ذلك أول ما يجي يتكلم عن أمريكا يقول لك شوف عندهم صناعة وعندهم تعليم وعندهم تطور وعندهم اختراعات وعندهم، ومع أن هم دول اللي في هذه اللحظة اللي هو بيتكلم فيها شغالين قتل وذبح وسيطرة في كل الدنيا. المسلمين بقى اللي هم يعني يذبحوا في أماكنهم يقول لك تاريخكم مليء، فهو بشكل عام تاريخ كل أمة محفل بالصراعات.
طب أستاذ محمد، يعني إحنا مش نظلم، مش ما نظلم صح بالسؤال تمام، قد يكون أن إحنا لما نجيء، بالذات اللي بيشتغلوا في التاريخ، لما نجيء بدنا نستشهد ولا بدنا ندرس ولا بدنا نوقف.
لما نيجي نستشهد، بنلاقي قدامنا إلا المعارك والحروب وإلى آخره، فهو في العقل الباطن هيك يا أخي، بلف وجهه يمين بلاقي قدامه معارك، بلف هيك بلاقي ذبح والله، فهو بيبدأ يعني هل المشكلة عنا إحنا اللي صدرنا للناس ولا هي؟
لا، هو كلام صحيح، بس أنا عايز أقول لك إحنا ليه بنكثف المعارك؟ علشان إحنا أمة مهزومة وأمة ضعيفة. أنت دلوقتي لما بتبقى موجود في مطعم بتطلب أكل ولا بتطلب ثياب أو بتطلب سيارات؟ أكل. أنت لما تلاقي نفسك في أمة مستضعفة وترى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى تعودوا إلى دينكم». فالأمة أنت دلوقتي لما تبقى قاعد، أنا في اللحظة اللي بكلمك فيها دي غزة في مذبحة، السودان في مذبحة، الشام سوريا في مذبحة، إلى أقصى الشرق الروهينجا -لسه كنت بكلم أخ صديق من الروهينجا، بعت لي عن مأساة الروهينجا أنه طبعا الروهينجا اللي هو في أراكان الجيش البورمي الرسمي وكذلك ميليشيات تحرير أراكان الاثنين بيجتهدوا محاولة تجنيد المسلمين في صفوفهم، واللي ما بيجندوش من المسلمين أما يجبرهم على التجند أو يقتلوهم أو يهجرهم-.
أنا لما ألاقي نفسي محاط بهذه الأخبار، أول شيء أحيانا أن أتذكره من التاريخ وأحيانا أن أنظر فيه في التاريخ هو مسيرتنا، مسيرتنا هذه مسيرة المعارك والفتوحات، لكن أرجع وأقول: إن مسألة الحروب والصراعات والدماء هل هي بحد ذاتها حق أم باطل؟ هذا الذي يجب أن نتكلم فيه، لأنه إذا أنت قدام ظاهرة بشرية -يعني أنت ما ينفعش تقول شروق الشمس أو غروب الشمس حاجة حلوة ولا وحشة- لما أنت تبقى قدام ظاهرة بشرية وجدت عند كل الأمم، يبقى ساعتها وجود هذه الظاهرة نفسها مش هو اللي بيبقى حق وباطل، لكن تصرف الناس فيها هو الذي يجعلها إلى حق وباطل.
ولذلك، هل هذه الحرب كانت لتحويل حياة الناس إلى ما هو أفضل؟ كانت لإخراج الناس من الظلمات إلى النور؟ كانت لرفع الظلم عن الناس؟ تبقى الحرب دي حرب شريفة، زي ما أنت أي واحد في وطنه يتذكر حرب الاستقلال، يتذكر حرب التحرير، والناس تتذكر أبطلها بالأجل والتعظيم، ما بتبقاش شايفة إنهم ارتكبوا جريمة. يعني دلوقتي لو جيت لأي واحد في مصر وقلت له: حرب 73 حرب دموية وحرب طاحنة، وتقول له: دي حرب، يعني إيه رأيك؟ إيه موقفك منها؟ شايف إنها حرب حق، وأن اللي ماتوا فيها شهداء وكانوا يدافعوا عن استقلال الوطن؟ يبقى ساعتها فهمنا أن مجرد الحرب في نفسها ليست شيئا سيئا، إنما متى تكون سيئة؟ حين تكون ظلما، وحين تكون اعتداء، وحين تكون قهرا واستبدادا من الناس.
فساعتها لما أفرق بين الأمم أو أُحاول أفاضل بين الأمم ينبغي أن أسال: الناس دول لما كانوا بيحربوا، كانوا يحربوا في حق ولا في باطل؟ ما الذي غلب عليهم؟ طيب، أخلاقهم في الحروب كيف كانت؟ يعني الناس دي كانت يعني ما عندهاش مشاكل تعمل مذابح في النساء، في الأطفال، في غير المحاربين، تهدم البيوت على رؤوس المدنيين؟ ولا كانوا ملتزمين بأخلاق في الحروب؟ طيب، إذا لقيت أمة من الأمم ملتزمين بأخلاق الحروب، ولقيت أمة لا تلتزم بأخلاق الحروب، هل أسوي بين هذا وذاك باعتبار أن الاثنين حاربوا؟
فأنا بقول لك يعني مسألة كل شوف، التاريخ السياسي لأي أمة هو تاريخ الحروب والنزاعات والصراعات، التاريخ الحضاري لأي أمة هو بقى التاريخ الجانب المشرق منه اللي هو جانب الابداعات والابتكار. فأنت لو حابب تقارن -يعني دلوقتي لو قدامنا واحد عايز يقارن بين الأمة الإسلامية وبين أي حضارة أخرى- عنده الطريقين: يقارن بين التاريخ السياسي في الأمتين أو يقارن بين التاريخ الحضاري في الأمتين، إنما الغلطة الكبيرة اللي بيعملها وهو مش واخد باله غالبا أنه بيقارن بين التاريخ السياسي في أمة والتاريخ الحضاري في أمة أخرى، هذه هي التي تنتج له صورة مشوهة.
ولكن شوف، أي أمة استطاعت أن تحتفظ بقوتها ومكانتها وتفوقها لابد أن تكون لها قوة قادرة على حمايتها، عارف كما يقول أبو تمام: السيف أصدق أنباء من الكتب في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب وقال فيها أجيبته بحسام السيف منصتا ولو أجبت بغير السيف لم تجب
العالم لا يفهم إلا لغة القوة، أو كما يقول شوقي: فقل لبانِ بني ركن مملكة على الكتائب يبنى الملك لا الكتب
ما فيش ملك، ما فيش حضارة تبنى بالإبداع الحضاري وبالفن وبالعمر الحضاري يظهر بعد أن يتمكن التاريخ السياسي، حقيقه كل الإنجاز والإبداع البشري مدين في أصله للمحاربين المقاتلين، لأنه لو لم يوجد الاستقرار، لو لم توجد مرحلة الأمن والرخاء ما كان يمكن أن تخرج هذه المخترعات والمبتكرات وهذه الفنون وهذه الآداب تمام.
فلو أنا مثلاً أقرت -لو أنا حابب أقرر دلوقتي أنت بتقول لي المنابر عمالة تتكلم عن الحروب- خليني أفرق بين أمرين: أفرق بين الداعية وبين المصلح، الداعية الذي يرتقي المنبر ليحاول تهذيب أخلاق الناس سيجد بغيته في التاريخ الحضاري أكثر مما يجد بغيته في التاريخ السياسي، لكن المصلح الذي يريد أن يستفيد من التاريخ لإصلاح الواقع وتغييره سيجد بغيته في التاريخ السياسي أكثر مما يجدها في التاريخ الحضاري.
التاريخ السياسي هو صفوة وزبده وخلاصة دروس التاريخ، وهو القاطره التي تقود التاريخ الحضاري، يعني أنت تفهم سنن التاريخ من التاريخ السياسي أكثر مما تفهمها من التاريخ الحضاري، التاريخ الحضاري ده ينفع في مراحل الارتقاء والنهضة وفي الأخلاق والآداب والعلوم والفنون، إنما علشان تقول: كيف تفهم الصراع؟ كيف تخوض الصراع؟ كيف تنتصر في الصراع؟ كيف تنتقل من الاستضعاف إلى القوة؟ كيف تحافظ على نفسك في القوة ما تروحش للانهيار؟ دروس الكلام ده كله في التاريخ السياسي، اللي هو شكله وحش ده اللي ما بيعجب الناس.
يعني خليني أقفل هذا السؤال بتعقيب هيك صغير، له علاقه في اللي بعلق، طريقته في التعليق أنه هو شو حسسك؟ بحسسك أنه هو حلال عليه أن يسوق هو الأمثله عن معارك وحروب وإلى آخره، وأنت حرام عليك تحكي هل قصة؟ لأنه أنت لما تحكيها من طرفك كمسلم بتسحس أنه هي غلطة، يعني ذنب أنه أنت بتحكي عن كذا، يعني عارف كيف اللي هو: حبيبي، تحكي فتوحات؟ ما في شيء اسمه فتوحات، هذا اسمه احتلال واستعمار زي زي غيره، فكونا وهكذا.
بص، أقول لك على حاجة، خليني أضرب مثال بسيط وأقرب به الصورة: دعنا نتخيل أن أمريكا -التي هي القوة العظمى العالمية الآن- كانت وفية حقاً للمبادئ التي تعلنها، يعني لمبادئ حقوق الإنسان ولمبادئ حرية الشعوب، وسخرت قوتها هذه في إزالة السفاحين والجبارين، يعني مثلاً حصلت ثورة أو حصل حاكم ظالم فاستخدمت أمريكا قوتها وجنودها وأموالها في إزالة هذا الحاكم ومنح هذا الشعب حق تقرير المصير ومنح هذا الشعب حقوق الإنسان كما يحب، ساعتها أنت هتشوف أمريكا دي قامت بعمل إنساني نبيل ولا تدخلت في شؤون الآخرين وقامت بعمل ظالم وسيء؟ تبقى شايفها قامت بعمل إنساني نبيل. القوي حين ينقذ الضعيف من الظالم ده عمل إنساني نبيل ممدوح في كل الشرائع والقوانين.
الذي لا ينتبه له كثير من الناس أن حركة الفتوحات الإسلامية كانت أوسع حركة لإنقاذ البشر ولإزالة الطغيان ولإزالة السفاحين. الآن مثلاً إحنا دلوقتي بنتكلم في سنة 2024، أيام الثورة السورية كام واحد داخل سوريا وخارج سوريا كان يتمنى أن القوات الأمريكية تستطيع أن تفرض حظر تجول على مناطق بحيث الناس لا يتعرضوا لضرب الطيران السوري؟ كثيرون. ولو كانت أمريكا فعلت -فاكر أنت أيام ما أوباما هدد بأنه أي استخدام للسلاح الكيماوي سيؤدي إلى التدخل؟ طيب، استخدم السلاح الكيماوي بشار الأسد ومع ذلك ما حدش تدخل- قصدي أقول: تدخل الأمريكان في ذلك الوقت كان أمرا مرحبا به أخلاقيا وإنسانيا ولا لا؟ كان مرحبا به، ونتمنى أن كل إنسان عنده القوة أو كل دولة وحضارة عندها القوة أن تجندها في هذه الأخلاق العامة.
إنما اللي بيحصل دلوقتي في عالمنا أنهم منافقون حقيقة، وإحنا شايفينها، وهو اللي بيحصل في غزة هم منافقون، يتلونون ويتكلمون عن حقوق الإنسان بينما سلاحهم يعطى للقتلة والسفاحين، فمجرد وجود الحروب والنزاعات في تاريخ أي أمة ما تقدرش تقول إنه هو شيء جميل أو شيء قبيح، حق أو باطل، لا، كيف استخدمت هذه القوة؟ هل التزمت بالمبادئ؟ هل التزمت بالأخلاق؟ هو ده الذي يحدد الحروب دي حاجة شريفة ونبيلة ولا كانت سيئة.
نعم، إن شاء الله سنبين طبعا الفرق الشاسع بين أمة الإسلام عندما تتحرك والأمم الأخرى عندما تتحرك صحيح، إذا جئنا لزمن الفتوحات إن شاء الله، أمة الإسلام عندما تنتصر والأمم الأخرى عندما تنتصر فرق كبير.
طيب، ننتقل الآن إلى السؤال الثالث عشر، يعني من ينظر إلى التاريخ الإسلامي أستاذ محمد يجد أنه إحنا ركزنا على العلوم الشرعية أكثر من العلوم الإنسانية والتطبيقية، ركزنا على الفقه وعلى التفسير وأصول الفقه والعقائد أكثر من تركيزنا على الفلسفة والعلوم التطبيقية الأخرى من فيزياء وكيمياء ورياضيات، هل هذا الكلام صحيح؟ وإذا كان صحيحاً أم لماذا؟
أولاً هذا الكلام غير صحيح، لكن أنا استطيع أن أفهَم ما الذي جاء بهذا الكلام إلى ذهن بعض السائلين. أولاً خلينا نفرق بين العلوم الشرعية وبين العلوم الإنسانية وبين العلوم البحتة، نعتبر أنفسنا أمام ثلاثة اتجاهات:
العلوم الشرعية هي العلوم التي تريد أن تخدم الشريعة، الفقه، التفسير، الحديث، النحو، الصرف، اللي يسمونها علوم الآلة، التي هي العلوم الموصلة إلى فهم النصوص القرآنية والنبوية، العلوم الشرعية دي هنهتم بها بطبيعه الحال كده علشان إحنا مسلمين ونريد أن نعرف كيف نصلي، كيف نصوم، كيف نبيع ونشتري، كيف نحارب ونسأل، يعني الاهتمام بالعلوم الشرعية طبيعي.
العلوم الإنسانية التي هي بقى زي الاجتماع، الاقتصاد، التربية، العلوم الإنسانية العلوم دي بهذا التصور ما كانتش موجودة منفصلة على هذا النحو الذي نعرفه الآن، تمام، دي كانت علوما مختلطة بغيرها، يعني ما كانش في زمان حاجة اسمها علم الاقتصاد، ما كانش في حاجة اسمها علم التاريخ، ما كانش في حاجة اسمها علم الاجتماع، ما كانش في حاجة اسمها علم النفس، التوصيف ده التقسيم ده تقسيم حديث معاصر مع اتساع العلوم واتساع مجالاتها، لكن قبل كده كان يندرج إما تحت علوم شرعية أو يختلط بعلوم بحته.
مثلاً الفلسفة كانت مختلطة بالطب غالباً، ما كان الأطباء فلاسفة غالباً، الجماعة أبقراط وجالينوس الناس اللي عملوا الطب دول وأرسطو الناس دول تكلموا في الطب وتكلموا في الفلسفة، فالطب والفلسفة كان أمرا مختلطا، وعلشان كده هتلاقي أعلآم الفلسفة حتى في الحضارة الإسلامية كانوا أطباء، مثلاً واحد زي ابن سينا مثلاً يسمونه الشيخ الرئيس كتب في الطب كتاب الشفا وهو معروف بالفلسفة، فالذي طلب كتب الطب أو طلب علم الطب عند الأمم القديمة -الححضارة الإسلامية دلوقتي لما بدات تترجم إليها الكتب- لم يجئ علم الطب وعلم الفلسفة في كتابين، لا، هما الكتاب الواحد كان فيه طب وفلسفة مع بعض.
يعني هذا كانت العلوم مختلطة، يعني هو بيحاول يدرك سبب المرض من خلال بناء عقلي منطقي، تمام، بيحاول يدرك كيف يمكن العلاج من خلال البناء العقلي، فالطب كان مختلطا بالفلسفة، نيجي معاها مثلاً الفلك كان مختلطا بالتنجيم، أنك تدرس الفلك وحركة النجوم وحركة الكواكب وتحاول تتوقع متى يمكن أن يحدث الكسوف والخسوف، يعني الدراسة دي كانت مختلطة بالنظر في النجوم بمعنى أن تتنبأ من خلال حركة النجوم بالأحداث التي تقع على الأرض، طبعا العلم الأولاني علم مطلوب الفلك لكن العلم الثاني محرم، زي ما الكيمياء علم مطلوب لكن السحر محرم، زي ما الطب مطلوب لكن الفلسفة على هذا النمط الوثني محرمة.
لكن المسلمون لما بدأوا يترجموا هذه الكتب ويأخذوا ميراث الأمم السابقة حصل اختلاط، كان حاصل اختلاط فعلا بين هذه المجالات. أحد أهم الإنجازات التي قدمتها الحضارة الإسلامية -ممكن نجيء لها في أكيد هتيجي في سؤال قادم- هو أنهم أسسوا العلم التجريبي، اللي هو لا يا جماعة، إحنا مش هنقعد نبني العلوم ونكتشفها من خلال البناءات المنطقية والهندسية والحسابات على الورق، إحنا خلينا نجربها تجريبيا. العلم التجريبي ده وضع أُسسه المسلمون، والغربيين فيما بعد ينسبونه إلى روجر بيكون إلى فرانسيس بيكون بينما أصل هذا التأسيس للعلم التجريبي هو إنما كان عند المسلمين.
ولذلك استطاع المسلمون أن يصححوا نظريات في الطب ونظريات في الفلك ونظريات في الهندسة كانت مبنية على حسابات ذهنية ومنطقية، فبالتالي اللي هيجي من المعاصرين يحاول النظر مثلاً في التراث الإسلامي سيشعر شعوراً عاماً بأنه غلب عليه الاهتمام بالعلوم الشرعية أكثر من الاهتمام بالعلوم البحتة لعدة أسباب:
السبب الأول هو اللي أنا قلته دلوقتي ده أنه العلوم كانت مختلطة.
السبب الثاني أنه من هذه العلوم المختلطة علوم مرفوضة إسلامياً زي ما قلت لك: الفلسفة، التنجيم، السحر، حتى مثلاً أنباط الماء، أنباط الماء اللي هو استخراج الماء من الأرض، ده برضه كان مختلطا بالسحر لأنه في فارق بين أن أنت تحاول.
تفهم بشكل علمي كيف تستخدم الماء وتعرف أين أن الماء قريب وتستخرجه، وبين أن أنت تعمل طلاسم على الأرض علشان تستجيب لك الأرض وتنبع لك الماء برض. الحاجات دي كانت مختلطة مع بعض، فبقول دلوقتي حاجة اسمها اختلاط العلوم.
الحاجة الثانية هي أن بعض هذه العلوم كان مندرجاً، اللي هي العلوم الإنسانية زي التاريخ، زي الاقتصاد، زي الاجتماع، كان مندرجاً في أبواب فقهية. يعني أنت دلوقتي لما تفتح كتاب الفقه أو كتاب السياسة الشرعية أو كتاب الرقائق، الحاجات دي فيها زبدة علوم المسلمين الاجتماعية، بس علشان هي ما كانتش منفصلة انفصالاً واضحاً، كانت مندرجة تحت عناوين أخرى.
فمثلاً زبدة سنن التاريخ وطبائعه موجودة في كتب السياسة الشرعية؛ لما واحد ينصح الملك ويقدم له نصائح أو يقدم له برنامج سياسي، يروح ذاكر له الملوك الذين عدلوا كيف حدث فيهم، الملوك الذين ظلموا ماذا حصل فيهم، كيف ينبغي أن تساس الرعية، كيف يحافظ على الجند، كيف يحسن إلى الناس.
وزبدة اقتصاد؛ واحد زي أبو يوسف القاضي لما يضع كتاب الخراج لهارون الرشيد، هو في حقيقته كان بيضع له برنامج اقتصادي كيف يمكن أن يدير المملكة اقتصادياً، ياتي فيها بالآيات والأحاديث وفعل النبي وفعل أبي بكر وعمر الخلفاء الراشدين وكلام العلماء. فده مش يعني كتاب الخراج لو حد شافه كده في الفهرست ما بيفهمش إنه ده اقتصاد.
حاجة زي علم النفس والتربية تجدها في كتب الرقائق؛ حاجة مثل إحياء علوم الدين، كتاب إحياء علوم الدين ده ما حدش يحس من المعاصرين إنه أحد الكتب العميقة جداً في فهم علم النفس وفي فهم التربية وفي فهم الوعظ. فلذلك يختلط على الناظر المعاصر العلوم الكثيرة التي نبغ فيها المسلمون، ويحسب أنها من العلوم الشرعية، وهي في حقيقتها بالتقسيم المعاصر من العلوم الإنسانية.
أما سبب آخر رابع يؤدي إلى هذا الاختلاط، هو أن أغلب العلماء المسلمين في العلوم الإنسانية والعلوم البحتة كان لهم تأسيس شرعي متين. يعني أنت دلوقتي لما تيجي تجد ابن خلدون المعاصر هيبقى شايفه مؤرخ وعالم اجتماع، لكن اللي قاعد زمن ابن خلدون هيبقى شايفه فقيه مالكي، لأن هو كان فقيهاً مالكياً وقاضياً.
واحد مثلاً هيتكلم عن الغزالي، وربما المعاصر بعد ما اكتشف تراث الغزالي يبقى شايفه فيلسوفاً، ويبقى شايفه خبيراً بعلم النفس وبالتربية. ابن الهيثم احنا عارفينه باعتباره رائد علم البصريات، طيب، الحسن بن الهيثم هذا نغفل جميعاً عما كان له من التأسيس الشرعي والقوة الشرعية واسهاماته الأخرى.
وهكذا، فيحتاج الإنسان أن يكون على خبرة بالتراث الإسلامي قبل أن يطلق هذا الحكم، اللي هو بيقول إن الحضارة الإسلامية اهتمت بالعلوم الشرعية أكثر ما اهتمت بالعلوم البحتة. لا، هذا غير صحيح، يجب حتى أن نعرف أن مرحلة الترجمة بدات من العصر الأموي. مرحلة ترجمة العلوم بدات من العصر الأموي، معروف الأمير خالد بن يزيد بن معاويه وكيف أنه بدأ في ترجمة هذه. لدرجة أنا أتذكر الشيخ الصلابي مثلاً في كتابه الدولة الأموية، أنا الآن لا أتذكر المصدر الذي نقل هو عنه، لكن مثلاً لما حب يقول لما حب يكتشف عدد الأطباء في العصر الأموي، ماذا كيف رأى؟ طلع بإحصائيات في الوقت لا يتجاوز ثمانين ألفاً، لا يمكن أن يتجاوز ثمانمائة ألف، عدد ضخم طبعا يعتبر.
طيب، نسبة الأطباء إلى نسبة السكان؛ أنا عايز أقول لك لو قلنا مثلاً أظن واحد لكل مثلاً ثلاثمائة وخمسين ثلاثمائة وستين، طب دي نسبة لا توجد حتى الآن في الدول المتقدمة. لا يمكن أن تطلع على رقم كهذا وتقول إن المسلمين كانوا مفرطين في علوم الطب أو العلوم البحتة. بل إنه ينص الفقهاء على أن البلد المسلم إذا خلى من طبيب مسلم أثم؛ دي من فروض الكفايات، لأن هذا أمر لا يتم صلاح حياتهم إلا به، ولا يجوز أن يطلع على عورات المسلمين من لم يكن مسلما.
فعايز أقول لك يعني حتى شرعاً وحتى بالدافع الديني لا بد أن يكون لديك الأطباء والمهندسون والكيميائيون. فلا، العالم الحضارة الإسلامية كان اهتمامها بالعلوم البحتة والعلوم التطبيقية والعلوم الإنسانية كاهتمامها بالعلوم الشرعية، لكن لهذه الأسباب التي سقتها لك، الناظر المعاصر ما ياخدش باله من التقسيمة الصادقة لهذا التراث الإسلامي.
طب، أستاذ محمد، احنا كمسلمين متى بدأنا أن نفصل الأبواب؟ متى بدينا نبوب نحكي أن هذا من العلوم الشرعية، هذا من العلوم الإنسانية، هذا من العلوم التطبيقية؟ هو طبعا بدينا نفرز العلوم عن بعض، وبالتالي لما أفتح كتاب أنا بقرا الآن في الطب، أنا بقرا الآن في كذا. هو ده ما بيتم بقرار، هو ده بيتم بطبيعه التوسع في العلم. يعني أنت أول ما تلاقي العلم تفرع فبيجبرك البحث العلمي على التقسيم، ده بيتم كلما أعطيت للعلم وكلما كُتب في العلم تبدأ تظهر تخصصاته.
يعني مثلاً زمان كان الطب هو الطب، الطبيب بيعرف يكشف عليك كلك كده، أنما بعد شوية مع زيادة المعارف بقى الإنسان غير قادر على التخصص في كل حاجة. فبقى لا، في ناس مهتمة بالصدر والقلب، وناس مهتمة بالعيون، وناس مهتمة بالأعصاب، وناس مهتمة بالجهاز الهضمي، وناس مهتمة بالعظام. ده بيحصل مع التطور في العلم.
لكن مثلاً أنا مما لا أنساه، أو إنه موجود في تاريخ الطبري في القرن الثالث الهجري، أن المسلمين كان عندهم عيادات خاصة في تخصصات. في تاريخ الطبري عبارة لافته كده لا تكاد تلفت نظر الأكثرين، أنه امرأة كان ابنها في القرامطة، انضم للقررامطة، وبعدين ابنها ده كان يكفرها وهربت منه، وبعدين أصابها بالسيف، جرحت جرحاً. وهي بتدور على مكان تعالج فيه قالوا لها: لا والله، هذا حانوت الكحال، ده الراجل بتاع العيون، بتاع طب العيون، لكن انتظري حتى ياتيك الطبيب الفلاني الذي هو بقى المتخصص فيه.
فأنت إذا كان الناس في ذلك الوقت، أنا كنت عملت بحث عن مواقع المستشفيات في الحضارة الإسلامية: المسلمين لما حبوا يبنوا المستشفيات، هل كانوا يبنوها في قطعه الأرض الفاضية ولا كان عندهم معايير؟ أنا انبهرت وندهشت أن موقع المستشفى، طبعا احنا كلنا عارفين قصة أبو بكر الرازي لما حط اللحمة في أكثر من مكان، وده ما كانش مرة وما كانش طبيب، ده كان منهج.
فلذلك أنت لما تنظر في مواقع المستشفيات، تمسك كل مستشفى بنيت وتحاول تشوفها في كتب الخطط والبلدان، وتحاول تكتشف موقعها، تلاقي موقع المستشفى في أفضل موقع في المدينة؛ إما إلى جوار المسجد، إما أمامها مروج من الزهور، إما أمامها نهر من المياه، وأحياناً تبنى المستشفيات بطريقة تمنع دخول الدواب والنمل والحشرات إليها. وللمسلمين في هذا بدائع واختراعات لطيفه كده لعلنا ناتي إليها في سياقها.
لكن عايز أقول لك، هناك عقلیة عامة أدارت هذه الملفات بطريقة تدل على التقدم العلمي الموجود. نعم، أيضا مرة من الابحاث التي كتبتها وأعتز بها، بحث عن المعايير البيئيه للمساكن الاسلاميه. والله ودهشت جداً لما وجدت رسائل ماجستير ورسائل دكتوراه في كليات الهندسة في القاهرة وعين شمس وغيرها، وصلت إلى أنه مثلاً واحد بيدرس أبنية القاهرة القديمة من حيث نسبة الضوء والظل. واتضح أن المهندس الإسلامي، اللي هو كان من خمس مئة سنة وسَبْعِ مئة سنة، حقق النسبة اللي هي دلوقتي نسبة عالمية، نسبة توزع الضوء والظل، توزع الرطوبة والحرارة، دي نسب دلوقتي وصلوا فيها إلى معايير عالمية.
النسب دي كانت موجودة ازاي؟ المدينة مثلاً لما تبقى رياحها شرقية غربية، يبنى شارعها الرئيسي بشكل أو بطريق يتجنب هبوب هذه الرياح، وازاي البيوت تكون مائلة بحيث توفر قدراً من الرطوبة، قدراً من ال. هناك تفاصيل كلما تعمقت فيها مصادر المياه وتعامل الإسلام مع مصادر المياه. مصادر المياه مثلاً النافورات؛ أنا أحد الأشياء للمسلمين كل مدينة قديمة النافورات فيها كتير، تجد أنه أحد أهم الأسباب أنه الإسلام لا، يعني مش الإسلام، عايز أقول الفقه الإسلامي هناك نصوص من النبي صلى الله عليه وسلم عن عدم التعامل مع الماء الراكد في الوضوء أو في الماء الراكد.
فالمسلمين بقوا مهتمين جداً أن ما يبقاش في بيئتهم ماء راكد، فحتى حوض المياه وبركة المياه بنعمل له نافورة عشان يفضل الماء جاري يصلح للوضوء والاغتسال. لما تنظر في قصر الحمراء في غرناطة، وازاي كان يجلب إليه المياه؛ قصر الحمراء فوق جبل جبال سييرا نيفادا، كيف جيء إليه بالمياه؟ طب لما الميه تكون كثيرة كيف يتم التصريف؟
الأمثلة كثيرة مش هعرف، لكن قصدي أقول إن حضور هذه التطبيقات العملية دليل على وجود التخصصات الدقيقة في ذلك الزمن، حتى وإن كان حصل نوع من الانقطاع المعرفي الذي لم يمكنا الآن من أن ندرس كيف تم بناء هذه الدور على هذا النحو الدقيق العلمي.
إذاً خلاصة الكلام أننا كنا في بالغ الاهتمام في كل المحاور، في كل المحاور: الدين كالدنيا. وهذا أمر أحب أن أشير هنا إلى الشرح الجميل للشيخ محمد قطب رحمه الله في كتابه قبسات من الرسول: الحديث الأول حديث فليغرسها، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فاستطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها». الشيخ محمد قطب في شرحه لهذا الحديث ركز على معنى أنه الإسلام، الدنيا فيه، العمل فيه للدنيا هو عمل للدين. المسلمين ما عندهمش الانفصال بين عمل الدنيا وعمل الدين.
السعي فيه للدنيا طالما النية صالحة هو نفسه عمل ديني يثاب المرء عليه. ولذلك قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]، يعني طلب إليكم عمارتها. فالمسلمون حين قاموا لإصلاح الدنيا، كانوا يرون أنهم بهذا يحققون غرضاً دينياً وهدفاً دينياً وشيئاً يؤتون عليه أجراً يوم القيامة.
والإلا لو كان هناك انفصال بين الدين والدنيا لكان أكثر حالة يحصل فيها هذا الانفصال هي حالة الحديث ده: إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة. يعمل إيه؟ يتركها ويروح يقوم يصلي ركعتين، يقول سبحان الله! لأن الفسيله كده كده خلاص الساعة تقوم، هي لا تثمر ولن ينتفع بها أحد. فكون أن أجل الأعمال في لحظة القيامة هي عمل دنيوي لمن كان قائماً في العمل الدنيوي، دليل على أن عمل الدنيا قصد به الآخرة.
فحضارة المسلمين بهذا الشكل، ولذلك أنت تجد أحاديث ضعيفة مثلاً في فضل الزراعة. طب ليه اضطر أحد الكذابين أو أحد الوضعين إلى أنه يخترع حديث في فضل الزراعة؟ لأن الثقافه الاسلاميه العامة التي تشبع بها المجتمع أن الزراعة هذه من عمارة الأرض التي يطلب بها وجه الله. وإلا أنت عمرك شفت حد يالف حديث إذا ما لوش مصلحة فيه أو مالهوش لازمة يعني؟
إذاً المسلمون قوم زهاد منصرفون عن الدنيا، ويجي واحد يقول لهم حديث فيفضل الزراعة، ده هينفع يعني؟ فهو لأن المسلمين كانوا يؤدون في عمل الآخرة عمل الدنيا، لذلك حتى ظهرت زي ما بقول لك أحاديث ضعيفة في فضائل من فضائل عمل الدنيا.
تمام، طيب، السؤال الرابع عشر.
طبعا هو من الادعاءات اللي حقيقة أنا أراها من اللذيذ أن نرد عليها، يعني نحن نستمتع ونحن نرد على هكذا ادعاء: يا سيدي، أنتم المسلمون لم تقدموا شيئاً للحركة العلمية الإنسانية، وآخركم رحتوا جبتوا هذه العلوم اليونانية، وبأمانة ودقة كما عودتمونا أيها المسلمين قمتم بترجمتها، وهذا اللي أنتم قدمتوه لهذا الموروث الحضاري الإنساني الكبير! فأين علومكم أنتم؟ شو عملتوا لنا؟ يعني بتحس إنه احنا هيك زيادة على الطرف، يعني احنا كنا ساعي بريد نقل.
شوف إيه رايك، أنا ساجيبك عن شيء من هذا السؤال وأترك أصل الإجابة إلى الحلقة القادمة، لأنه لن يكفيها الوقت المتاح. احنا المسلمين كنا ساعي بريد أمين، وكنا عربة نقل محكمة نقلت تراث الاقدمين إلى الحضارة الغربية المعاصره، تمام؟ وكنا أمناء، فلما نقلناها نقلناها كما هي لم نزد ولم ننقص، ونسبناها إلى أهلها لم نزور وننسبها إلى أنفسنا، حتى اكتشفوها الجماعة من طريقنا.
يا جماعة الخير، اللي عمل هذا العمل، ده راجل يستحق أن يمدح ولا يستحق أن ينتقص منه؟ يعني أنا عارف، بالله عليكم، واحد أمين أدى الأمانة التي عنده كما هي لصاحبها، يعني مش لصاحبها طبعا، أداها لمن بعده كما هي لم يضف عليها ولم ينسبها إلى نفسه، ده أنا اسميه أمين ولا ما اسموش أمين؟ أو اسميه حافظ؟ ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم حتى حين قسم مراتب الفضل، قال: «إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً»، وضرب ثلاث أنواع: كمثل أرض أصابها الغيث، فأنبتت النبت، يعني أنبتت الزرع، وأكل منه وانتفع الناس والدواب والانعام. أكثر واحد منتفع بالعلم الذي جئت به هو زي اللي خد العلم فهمه، عرف يفتي به، وعرف يطلع منه ما ينفع الناس فانتفع به الناس.
وبعضها، يعني بعض الأرض التي أصابتها المطر، هو دلوقتي النبي يضرب المثل بالعلم الذي جاء به زي المطر، نزل على أنواع من الأرض: في أرض خصبة أنبتت وأثمرت وجاء الدواب فأكلوا وانتفعوا، وفي أرض تانية كانت أرضاً احتفظت بالماء، هي مش أرض خصبة، لكن الأرض اللي احتفظت بالماء دي خلت ماء المطر متاح كده كمورد شرب، فجاء فشرب الناس والانعام فانتفعوا. هي صحيح لم تنبت بس احتفظت.
تمام، يبقى دول نفعوا الناس ولا ما نفعوش الناس؟ والأرض الثالثة، إنما هي قيعان لا أنبتت زرعاً ولا أمسكت مطراً، دول الناس اللي هم إيه مالهمش لازمة. خلاص جاء المطر وعدى عليهم لا هما أنبتوا ولا هما إيه أمسكوه للناس. فأنا عايز أقول: من مراتب الفضل أنك تحفظ الذي أُعطي إليك، وكما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رحم الله رجلاً سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب مُبَلَّغ أوْعَى من سامع».
ممكن أنا يبقى عندي علم، ولكن ليست عندي موهبة الانتفاع به. تعرف في قصة هكذا الأعمش -إن لم تخن الذاكرة- أحد علماء الحديث قال لأبي يوسف القاضي: ما قولك في المسألة الفلانية؟ قال: كذا. قال: وما دليلك؟ من أين جئت بكذا؟ قال: لحديث النبي صلى الله عليه وسلم كذا. قال: والله إني لأعرف هذا الحديث قبل أن تخلق في بطن أمك، ولكن موهبة الفقيه بقى في استخراج ما كانتش عند صاحبنا الحافظ اللي هو حافظ الحديث، لكن سبحان الله.
فدلوقتي أنا عايز أقول يا سيدي لو اقتصرت المهمة على أننا حفظنا هذه العلوم وهذا التراث الذي كان بدوننا سيختفي وسينقل وسيندم من الصفر مرة أخرى، يا سيدي إن كان دورنا في هذه الحياة أننا كنا الناقل لكان دوراً عظيماً، ولنا فوق ذلك فضل آخر أننا لم ننسبه إلى أنفسنا بل أديناه منسوباً إلى أصحابه، لا كما فعل الغربيون لما أخذوا منا العلوم، كثير منهم نسب علوم هي لنا إلى نفسه، معش. وبعدين بقى مع وجود المخطوطات ومع الاكتشافات اكتشفنا أن هذه قوانين الجاذبية الأرضية وقوانين الحركة ودورة الدموية الصغرى، إنما كانت من اكتشافات علماء مسلمين.
فلنا أيضاً عليهم الفضل الخلقي في أننا لم نحاول أن ننسب هذه العلوم إلى أنفسنا. ثم يبقى الكلام: هل فعلاً نحن لم نضيف للحركة العلمية الحضارية شيئاً؟ هذا أجيبه كما قلت لك في الحلقة القادمة، لكن يجب قبل أن نختم الحلقة أن يعني أَلفت النظر إلى شيء؛ أن أعظم ما أضافه المسلمون إلى الحضارة الإنسانية هو ما عندهم من الدين ومن الأخلاق، لا ما هو عندهم من الإنجازات المادية والعلوم المادية.
ازاي؟ الآن الغرب اكتشف القنبلة النووية ماذا فعل بها؟ اكتشف الأسلحة الكيميائية ماذا فعل بها؟ دمر الإنسانية. آه، تقدم في علوم الهندسه الوراثية ماذا فعل بها؟ الحضارة التي غلفت كل منجزاتها بالأخلاق وشافت أن هذا العلم يطلب لله، وشافت أن هذا العلم ليس وسيلة لتأله الإنسان، وليس وسيلة يعني لإقصاء الإله، وليس وسيلة للتلاعب بالناس، وليس وسيلة لقهر الضعيف؛ هذا الإنجاز الأخلاقي للحضارة الإسلامية هو أثمن وأنفَس من كل ما قدموه في العلوم البحتة.
الآن حين أتكلم عن كيف أدار المسلمون البيوع والمعاملات واستعمال الكيمياء والفيزياء والطبيعة، يعني تدري لو أن المسلمين كانت لهم السيادة العليا لم يكن ممكناً أن تظهر مشكلة البيئة؟ إن لي كتاباً في هذا لم ينشر، بحث كبير لم ينشر، لأنه أصلاً مشكلة البيئة لا يمكن أن تظهر في السياق الإسلامي. وأنا رسالتي في الماجستير عن اقتصاديات الموارد في الفقه الإسلامي، كيف إنه الفقه الإسلامي والحضارة الإسلامية كانت تراعي موازنات دقيقة في مسألة انقراض الحيوانات وفي مسألة حقوق.
الحيوان في الحضارة الإسلامية له خمس حقوق؛ يا سلام، الحيوان له خمس حقوق تخيل! من أول أنك ما تتكلمش وأنت على ظهر الدابة، طالما بدردش انزل، لا تتخذ ظهور هذه الدواب منابر، ما تبقاش أنت وصاحبك كل واحد فيكم راكب على الحمار أو الحصان وتتكلموا مع بعض، لا، ناويين تتكلموا وتدردشوا انزلوا ما تتعبوش الدابة. حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من حقوق الحيوان جوده النسل»، أنه يعني الحصان لا تنزو به على حمار، حتى لو أنت علشان عايز البغل يعني اللي هو أفضل من الحمار، لكن لا تنزو بالحصان على حمار.
نهى النبي عن اتخاذ الطير غرضاً وعن التحريش بين الديكة، يعني ما تقعدش تتفرج بين ديكين علشان متعتك الشخصية يتحرش بين ديك أو مصارعة الثيران مثلاً أو مصارعة... أنا بكلمك في أمور دقيقة جداً جداً جداً، ويعني أمور مبهِرة والله العظيم. أنا لما أنهيت بحث حقوق الحيوان في الإسلام هذا، أنا ازددت إيماناً، أنا ازددت إيماناً.
فأنا بقول لك فيما يخص... أنا بقول للمسلمين دلوقتي عندهم التفوق العلمي، ما كانش ممكن تظهر مشكلة البيئة، ليه؟ لأنه الفقه الإسلامي كان يراعي أشياء كثيرة جداً وهو في سياق التقدم العلمي، بما فيها مراعاة الحيوان، بما فيها مراعاة الدواب، بما... أنت تعرف مثلاً العلماء من قديم العلماء المسلمين تكلموا عن تلوث الهواء قبل أن ينشأ في الدنيا تلوث هواء؟
فأنا عايز أقول: الإنجاز الأعظم للحضارة الإسلامية، الإضافة العظمى للحضارة الإسلامية هو هذه الروح الإيمانية الأخلاقية التي هيمنت عليها، حتى لو أنهم لم يضيفوا للعلم المادي قطرة، كون أن هم يغلِّفوا العلم المادي ويقول لك العلم المادي ده هو جزء من نعمة الله على الإنسان، وليس جزءاً من صراع الإنسان والإله كما في الغرب، وأن الإنسان مهما تعلم لم يؤتى من العلم إلا قليلاً، بينما الغربي يرى أنه كلما تعلم كلما أزاح موقع الإله وتأله هو وصار صاحب السيطرة والهيمنة على الطبيعة.
التفاصيل التي بتتكلم عن تلويث الماء وتلويث الأرض والحفاظ على الزرع وحماية الحيوان من الانقراض، كل ده مش موجود في الحضارة التي ليس لها مصدر ومرجع إلهي. لو أننا لم نفعْل إلا تغليف وبث كل الحركة الحضارية العلمية وغير العلمية بهذا الإطار الأخلاقي الإنساني لكان كافياً وعظيماً.
وطبعاَ ممن يركز على هذا في الفترات الأخيرة حد زي طه عبد الرحمن الفيلسوف المغربي المعروف، وحتى واحد زي وائل حلاق؛ وائل حلاق المسيحي أستاذ جامعة في كولومبيا بيقول لك: أنا أتمنى لو كنت من أهل الذمة أيام الأمويين والعباسيين، ولم أكن في الحالة التي أنا فيها أستاذ جامعة في أمريكا في عصر الحداثة؛ لأن الحالة الأخلاقية التي شملت التعامل الإنساني وشملت الإنتاج العلمي لم تتوفر أمثالها مع الحداثة. الحداثة التي جعلت الإنسان إلهاً، وجعلت القوي متجبراً، وأتاحت له إبادة الشعوب، وأتاحت له إلقاء المحاصيل في البحار لكي لا تنقص أسعارها، وأتاحت له احتكار السلع، وأتاحت له أن يرفع من أسعار الأدوية؛ كل هذه المظاهر اللاأخلاقية اللاإنسانية هي نتيجة التقدم العلمي غير المحروس بهيمنة الأخلاق.
بقي أن نتكلم في مسألة الإضافات: هل فعلاً المسلمون لم يضيفوا؟ دعني في الحلقة القادمة إن شاء الله أتي لك ببعض الأمثله وبعض الاستشهادات حتى من علماء الغرب أنفسهم؛ ماذا أضافت الحضارة الإسلامية إلى العالم وإلى الحركة العلمية الإنسانية بعون الله؟
إذاً نحن توقفنا عند السؤال الرابع عشر، واللي هو طبعاَ في الحلقة الخامسة سنكمل الإجابة عنه إن شاء الله، ونحن طبعاَ في سلسلة مئة سؤال في التاريخ التي طبعاَ نجيب فيها عن الأسئلة الملحة والمهمه تاريخياً، إلى أن نلتقي في الحلقة القادمة دمتم في رعاية الله.
لتشاهد المزيد من البرامج عن التاريخ الإسلامي، ولتعرف على أحداثه وانتصاراته وانكسارات قادته وعلمائه، أحداثه وأسراره، الحكم والسياسة والحروب والمعارك؛ ما عليك سوى أن تتابع قناة تاريخنا على يوتيوب. تاريخنا من أبعد نقطة في الماضي إلى أبعد نقطة في المستقبل، نستنطق التاريخ.
محمد إلهامي