بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أيها الأكارم والكريمات في هذه العودة الميمونة إلى كتاب ربنا سبحانه وتعالى وإلى سنة نبينا عليه الصلاة والسلام. في هذه العودة الميمونة المهمة إلى مجالس الوحيين، حيث نصحح البوصلة من جديد ونعيد بناء أولويات الحياة كما يريد الله سبحانه وتعالى أن تكون. نعم أيها الكرام، عندما يعود الإنسان إلى وحي ربه كتاباً وسنة، فإنه يبدأ يضع قدمه في الاتجاه الصحيح، ويصطف في المكان الذي يجب أن يصطف فيه في هذه الحياة الدنيا، ويبدأ يبني المنظومة القويمة للحياة الطيبة وللسعادة التي ترزقك هناء الدنيا وهنا الآخرة.
إن هذا الشعث الذي في قلوبنا، وهذه الضوضاء التي في حياتنا، وهذه الأزمات النفسية والأتعب القلبية والشعور باللهث الإيماني، لعل سببه الأبرز هو انصراف كثير منا عن كلام الله سبحانه وتعالى وعن سنة النبي صلى الله عليه وسلم. ومن يحاول العودة أو البحث عن معالم الهدى ومناراته يحاول أن يبحث عنه ربما في كتب ومصنفات وكلام من هنا وهناك، ولن يبني الإيمان في قلبك أعلى من كلام ربك سبحانه وتعالى. كن واثقاً أنه لا يوجد كتاب أو مصنف أو عالم وأي شيء في هذه الحياة الدنيا يبني الإيمان في قلبك بناءً حقيقياً محكماً ويبعد عنك القلق والبعثرة والضوضاء والشعث إلا كلام الله سبحانه وتعالى.
فعلماؤنا وأساتذتنا إنما يدندنون حول الكتاب والسنة. فمن رام الوصول إلى سكينة الإيمان ومن رام تثبيت العقائد الصحيحة في قلبه، ومن رام الاستقامة وألا تزحزحه الفتن وألا يدهشه ما يحدث اليوم في العالم المعاصر من تقلباتٍ وتغيراتٍ، ومن أراد أن يكون على بصيرةٍ مع هذا القادم على هذه الأمة، فيثبت ويرسخ، عليه أن يعيد البوصلة باتجاه كلام ربه سبحانه وتعالى وباتجاه كلام محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فهو الذي يعطيك الحقيقة التي ما بعدها حقيقة، ويعطيك اليقين الذي ما بعده يقين، وإياك أن تلتفت فمن التفت هلك.
وإياك أن تبعد نفسك عن هذه المنصة وأن تزحزح كلام الله عز وجل، فإنك إذا زحزحته ضعت، وإن السنوات القادمة سنواتٌ خداعاتٌ كما جاء في الروايات. يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي كافراً ويصبح مؤمناً، ترى فيها العجب العجاب ويدهشك التقلبات والانتكاسات. وكثيرٌ ما ستحصل الانتكاسات في أهل الالتزام، ومن كان يبرزه، ومن كان معك في الجامعة ومن كان في أماكن المراكز، والانتكاسات تكون مذهلة ومرعبة، وهذا مصداق قوله صلى الله عليه وسلم عن كثرة الهرج والمرج وبروز الفتن في آخر الأزمان. ما الذي يثبتني؟
لن يثبتك إلا كتاب الله، وإلا سنة النبي صلى الله عليه وسلم. يثبتك كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك تمسك بمجالس الوحيين. تمسك بتدبر كلام ربك سبحانه وتعالى وبتفهم أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام إذا أردت النجاة. وهنا أعيد وأكرر أن هذه المجالس ليس لأنك تجد فسحةً من الوقت أتيت فحضر، ليس لأن اليوم والله عنده عطلة وإجازة أو الجامعة ما في عندي شيء، نأتي يلا عند المشايخ نسمع كلامهم الطيب جزاهم الله خيراً. لا، أنت لا تملأ وقت فراغ هنا، أنت تبحث عن النجاة.
وأنا لا أقول هذا من باب المبالغة، وأقول هذا فقط حتى تعظم، لا أنا أقول هذا لأنني أعطيك عن حقيقة، وأعطيك عن واقع، وأعطيك من وحي الكتاب والسنة أن النجاة أن تعود إلى البوصلة. ولن ولا يكفي فقط أن تقرأ وردك القرآني أو أن تشارك في مركز تحفظ من خلاله القرآن، حفظ القرآن مطلوب جيد جزاك الله خيراً، لكن ما هو أهم من حفظه هو أن تتدبره. وهنا تأتي العقبة الكؤود التي يفر منها كثيرٌ منا، لأنه لا يريد أن يتعب ولا يريد أن يكد ذهنه في محاولة فهم كلام ربه سبحانه وتعالى وإسقاطه على واقع الحياة.
كان ابن مسعود يقول: قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب. هكذا كان السلف الصالح، كانوا يقولون: لا تنثروا القرآن نثر الدقل ولا تهذوا به هذ الشعر. ليس العبرة أنك تقرأ ختمة أو ختمتين أو أن تقرأ في اليوم جزءاً أو جزأين، ليس العبرة أنك قادر على سرد القرآن في مجلسٍ واحد من الصباح إلى المساء، العبرة ماذا فهمت من القرآن. قال: لا تنثروه نثر الدقل، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب. شوف كلمة ابن مسعود التي تعطيك أنه يفهم ما وظيفة القرآن في حياة الإنسان؛ لابد القرآن يهز كيانك، لابد يعيد ترتيب عقلك وذهنك وأفكارك واهتماماتك، لابد أن يكون لك معه جلسات ووقفات، فمن كان من أهل القرآن ليس كمن لم يكن من أهله. ولذلك لما قال عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه: تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن.
ما معنى تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن؟ البعض يظن أن مقصده أنهم كانوا يأخذون دروس هكذا عقيدة مع النبي عليه الصلاة والسلام، بعدين يرجعون يتعلمون القرآن، لا. هو شرح ذلك، كنا نتعلم الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، يقصد قبل أن نتعلم القرآن، يعني قبل أن نتعلم الأداء والحفظ. فيقول: كنا نتعلم الإيمان من القرآن ثم نتعلم كيف نتلو القرآن أداءً، وكيف نعرضه عرضاً، فقال: كانت تنزل السورة على النبي صلى الله عليه وسلم، فنتعلم ما فيها من الحلال والحرام وما يجب أن يوقف عنده منها. ثم أخبر، قال: وسيأتي على الناس زمانٌ يتعلمون القرآن قبل الإيمان، هو نفسه قال عبد الله بن عمرو: سيأتي على الناس زمانٌ يتعلمون القرآن قبل الإيمان. ماذا يقصد؟ يعني سيأتي ولعله في زماننا وقع ويقع.
يتعلمون كيف يتلو، كيف يجود، المقامات، حسن الصوت، حسن الأداء، قدرة على الحفظ، لكن بعد كل هذا هل فهم القرآن؟ لم يفهم. فلذلك ذم الصحابة هذه الحالة، الحالة التي يكون فيها الإنسان مقبلاً على الحفظ على قراءة الورد، وإن كان فيها ثواب لا شك فيه. لكن المراد أن الانشغال بهذه الحالة اللي هي الدرجة الثانية عن الحالة الأولى اللي هي الدرجة الأولى، وهي التدبر والفهم، هو انشغالٌ بالمفضول عن الفاضل، وذهابٌ إلى الخطوة الثانية قبل الدخول في الخطوة الأولى. الصحابة كانوا على درجة عالية من الفهم والتركيز، أن هذا الكتاب له رسالة في حياتي جاء ليؤديها.
ليس العبرة كم حفظت منه، لكن العبرة كم فهمت منه. ليس العبرة أنني أسرده، ولكن العبرة أنني أسقطه، أنني أنزله على الواقع، وأستطيع أن أقرأ سورة الأنعام وغيرها من السور، وأفهم كيف أثور القرآن كما قال بعض السلف: ثور القرآن. شو يعني ثور القرآن؟ يعني حاول أن تستثير معانيه لتعرف كيف تنزلها على واقعك الفكري والمنهجي والسلوكي. اليوم كثير من الشباب يعاني من ماذا؟ من أزماتٍ فكرية، من أزماتٍ سلوكية، مناهج أهل الباطل، الظلمات تكاثرت؛ الليبرالية والعلمانية والنسوية والإلحاد واللا أدري، وكل الأفكار التي تجدها تتزاحم أمامك في السوشيال ميديا واليوتيوب وعلى ألسنة المتشدقين، وتجد القرآن يضع لك مفاصل، يبني لك محكمات، يرفع لك منارات الطريق، يقول لك: احذر، انتبه، إياك أن تضيع أو تزيغ. ما أكثر الهشاشة في كثير من شبابنا اليوم في الجامعات وفي المراكز وفي أسواق العمل! تأتينا قصص عجيبة عن كثير من الشباب الذي انحرف، الذي انتكس، الذي ذهب مع أهل الأهواء، غير عقائده وأفكاره. السبب؟ أنه لم يحكم محكمات القرآن ولم يدرك ما معنى رسالة الله سبحانه وتعالى.
ومن هنا كان لابد لنا أن نعود في غراس إلى هذه المجالس، لأنني أعتقد أن هنا تكون اللبنات الأولى، وهنا نبني الأساس الصحيح الذي إذا أردنا أن نزرع جيلاً ونغرسه في حياة هذه الأمة، لعله ينبت لنا أشجاراً سواءً رأيناها أو لم نرها، لابد أن نعود إلى ما عاد إليه السلف ونصحح الانطلاقة. أيها الكرام، مجالس الوحيين، الجلوس مع الكتاب والسنة وإطالة هذه المجالس تجعلك إنساناً تفكر بقضايا واهتمامات تختلف عن أبناء زمانك. من يعيش تدبر القرآن ويضع هذا هدفاً من أهداف حياته أو مشروعاً من مشاريع حياته ستصبح اهتماماته وأفكاره ونظراته للحياة للأشخاص للمواقف للفتن للصراعات تصبح نظارة مختلفة، وكن واثقاً من هذا.
وهذا أقوله لتعرف ما هو المراد منك وما الذي ستستفيد من مجالس الوحيين. اهتماماتك الشخصية والقضايا التي تشغل ذهنك هي ليست القضايا التي تشغل السوق. اليوم أنت بتروح على الجامعة، تذهب لسوق العمل، تجلس في جلسات عائلية، عن ماذا يتحدث الناس بالله عليك؟ ما هي القضايا التي تشغل الآباء والأعمام والأخوال والخالات؟ ما القضايا التي تشغل الشباب في الجامعات والطرقات؟ إذا أنت كنت موظفاً لما تسمع كلام الناس -أكيد كلكم أبناء هذا المجتمع- ما هي القضايا التي تثار عادة بينهم في مجالسهم؟ إما أن تكون قضايا السلاطين والسياسة يعني هذا أحسنهم حالاً، أو المباريات والمسلسلات والأفلام أو المشاهدات واليوتيوبرز والمتابعين، أو قضايا الدراسة الجامعية ومتى أنهي وتخطيطات للمستقبل، أو تكون قضايا عائلية ومشاكل وخصومات ونزاعات بين الأقارب، أو أسعار الدينار والدولار وارتفاع الأسواق ونزولها، أو تخوفات من المستقبل. يعني احنا بنعرف السوق ماذا يتكلم.
لكن الذي يعيش مع القرآن تصبح اهتماماته مختلفة؛ أفكاره كيف يحقق التوحيد في حياته، كيف يعيد بوصلته لتحقيق معاني الألوهية لله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: 114]، أغير الله أتخذ ولياً، أغير الله تدعون؟ تصبح معاني سورة الأنعام هي التي تشغل ذهنه: كيف أحقق التوحيد في حياتي؟ كيف أعيد علاقتي مع الله سبحانه وتعالى؟ كيف أعيد بناء الوصال مع القرآن؟ كيف أكون كحال السلف؟ يا أخي كيف أصبح أقوم الليل؟ الأفكار التي تشغلك ليست التي تشغل الناس؛ أنت مهموم بقيام الليل، كيف أعيده في سلم حياتي؟ مهموم بالقرآن، كيف أفهم هذا المعنى؟ وكيف أسقط هذه الآية في الواقع؟ أنت رايح على العمل بتفكر كيف تسقط آية على واقع الحياة، وذاك يبحث ذاهب إلى العمل يفكر في فتاة كيف بده يضبطها أو رايح للجامعة كيف بده يتكلم مع فلان الفلانية؟ الاهتمامات اختلفت. هذا مأسوف قلبه على فتاة ما بدها تكلمه، وذاك مأسوف على معنى من القرآن لم يستطع أن يصل إليه. شتان ما بين الهمتين، وفرق هائل ما بين الإنسانين.
هذا معنى أن القرآن يغير اهتماماتك ويغير أفكارك ويغير نمطك. لكن هذا لن يكون -أعود فأقول- بمجرد الحفظ، لا لا. بدي أحيانًا بدك تصدم أنه مجرد حفظك للقرآن من أوله إلى آخره لن يجعلك تغير الاهتمامات، بل عادي ممكن تكون حافظ قرآن وعندك أموالك في مكان ربوي وعندك علاقات محرمة وعندك حتى اهتزازات داخلية وقد تشاهد أفلاماً إباحية وعندك كل الإشكالات وأنت حافظ قرآن. ليه؟ لأنه حفظ القرآن ليس هو الذي يعني أنك مهتم حقيقة تماماً بالقرآن، وإنما تدبر القرآن هو الذي يعكس لي شخصيتك ومن أنت. ولذلك هذه القضية الأولى التي أنبهك عليها أن فضيلة هذه المجالس التي تحضرها بإذن الله هي أنها ستغير اهتماماتك وأفكارك وتصبح وأنت تذهب وتأتي تشغلك الآيات الإلهية وكلام محمد صلى الله عليه وسلم، فهو البوصلة وهو الاهتمام وهو التفكير، وتصبح الدنيا ليست ذات بال. يعني مطلوب أن أعمرها، لكنني لا آسف عليها ولا أحزن على فواتها ولا أقاتل من أجلها. أقاتل من أجل معنى قرآني ولا قضية أو أمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما سوى ذلك تصبح الحياة بالنسبة لك ليست كبيرة تأسف على فواتها.
أيها الكرام، مما ذكره علماؤنا لمن يريد أن يتدبر القرآن: لن ينتفع ولن يشعر بطعم القرآن ولذة القرآن إلا من يعيش الإسلام كقضية. هذا معنى أرجو أن تفهموه، لأنه كثير من الشباب ما شاء الله اليوم ازدحام والإخوة وصلوا إلى آخر القاعة، لكن هل سيستمر هذا الاازدحام؟ ولا هي لذة البدايات دائماً البدايات لذيذة؛ أول كتاب أول درس مجالس الوحيين نحضر، بعدين خلص جزاك الله خيراً الشيخ، يعني مجلس مجلسين ثلاث أربعاء أربعاءتين، بعدين خلاص يعني احنا بدنا نبقى كل مرة نتدبر القرآن يا شيخ، بس معنا كلمة كلمتين. ما هي المشكلة؟ إخواني، بدك تفهم قضية واحفظها في ذهنك، بغض النظر استمررت أو انقطعت، الذي يجعلك تعيش طعم القرآن وتحبه وتشعر أنك محتاج لهذه المجالس هو أنك ابتداءً تعيش الإسلام كقضية.
يعني هل الإسلام بالنسبة لك مهم في الحياة في حياتك الشخصية؟ أم بالنسبة لك قضايا الإسلام هي قضايا تعيشها فقط ككهنوت؟ يعني قضايا عامة؛ أصوم رمضان وبحضر الأعياد وبصلي الصلوات الخمس، لكن ما بعد ذلك الإسلام ليس حاضراً في حياتي، لست منشغلًا بقضية الإسلام وعودة الإسلام إلى الواجهة، ليس قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذه ما أسميها أنا العلمانية المبطنة في قلوب كثير من المسلمين. العلمانية المبطنة في قلوب كثير من المسلمين اللي هو في انفصال بين الإسلام والحياة عنده. احنا دائماً نحكي العلمانية في باب السياسة، لكن صدقني قد تكون أنت، نعم أنت، قد تكون عندك جزء من هذه العلمانية في حياتك وفي أنماطك، أن قضية الإسلام ليست القضية رقم واحد في حياتك، وما يشغل المسلمين من أو المشايخ أو الدعاة أو المصلحين من إعادة الإسلام إلى واجهة الصراع وأن يكون الإسلام هو كل شيء أنت لا تعيش من أجل هذه القضية كما كان الصحابة والسلف يعيشون من أجل هذه القضية. أنت تعيش الإسلام كممارسات شرعية لا أكثر؛ صلاة صوم أعياد، يعني ممكن شوي أقرأ لي ورد قرآن أتبرك فيه، بحاول قدر المستطاع أتجنب شيء من المعاصي الفاجرة، لكن ما بعد ذلك
حقيقة، أنا منشغل بتجارتي. أنا منشغل برسالة الماجستير والدكتوراه. بدي أروح على أوروبا وأمريكا، بدي أجيب الدكتوراه في الهندسة الطبية ولا دكتوراه في الفيزياء النووية ولا دكتور. يعني أنا هاي صراحة يا شيخ مشاريعي في الحياة، أكون صادق معك. يعني بدي أصير يا أستاذ بروفيسور في الطب في الهندسة. طبعًا هذا ليس حرامًا، أنتم فاهميننا، وليس خطأ، بل مطلوب. بس الفكرة هل هذه الأمور هي رقم واحد ولا الإسلام رقم واحد في حياتك؟ بس، هذا اللي بدي إياك تفهمه. هل دراستك وطموحاتك الشخصية وماذا تريد أن تصل إليه من ال- بدي منصب عالي في جامعة أو في شركة، بدي أصير إنسان معاه أموال وثراء، بدي أكون إنسان؟ بتبلش تحكي لي عن حياتك وماذا تريد أن تكون، طب من بين زحمة كل هذه الأمنيات أين الإسلام؟
من كل هذه المخططات اللي أنت كاتبها وبدي أصير وبدي أكون، أين الإسلام؟ وين جعلت الإسلام في هذه الاهتمامات؟ شيخ، أنا بصلي. آه، إذا الإسلام هو أنت بتصلي، يعني هذا هو كل حجم الإسلام في حياتك، صلاة، رمضان، وعيد مع المسلمين، والحمد لله زكاة مالي مواظب عليها. لا، لا، الإسلام شيء أعلى بكثير من هذا، الإسلام قضية ومعركة حياة. وفي هذه الأجواء لماذا أقول لن تتذوق القرآن إلا إذا عشت الإسلام كقضية؟ لأن هذا القرآن نزل على قوم عاشوا الإسلام كقضية، صحيح؟ يعني الصحابة الكرام الذين كان القرآن يتنزل عليهم كان يتنزل عليهم وكل شخص منهم عاش الإسلام كمحور حياة.
ماشي، هذا مزارع وهذا نجار وهذا حداد وهذا عنده قضايا، يعني عندهم حياة وعندهم أزواج وعندهم، لكن كل هذه القضايا الحياتية رقم اثنين، والقضية الأولى التي كانت تشغل عمر وأبو بكر وعثمان وعلي وعبد الرحمن -مع أنه هذا تاجر وهذا مزارع وهذا- القضية الأولى التي كانت في ذهن الجميع قضية الإسلام وكيف يعلو وكيف ينتصر. لما كان الصحابة يعيشون قضية الإسلام كان ال- كانوا يفهمون معاني القرآن ودلالات القرآن وكيف ينزلون القرآن على واقعهم. لأنه هو يعيش الآن موضوع أنه أنا بعيش في مستضعف في بيئة جاهلية، في بيئة الظلم فيها والابتعاد عن الشريعة وهو الحاكم. هيك كان الصحابة عايشين، كانوا مستضعفين في مكة، أليس كذلك؟
فكانوا يعيشون أجواء الاستضعاف ويفكرون كيف نعيد الإسلام إلى الواجهة مع وجود هذه الظلمات الفكرية التي تحيط بنا. فبالتالي كانوا يباشرون الأمر بالمعروف فيصطدمون بجدار الطغاة والمستبدين، فيشعرون طب كيف سنقنع هؤلاء أهل الفساد؟ بل حتى مش ضروري، المجتمع تبعنا الذي غرق، المجتمع اللي كان فيه الصحابة كان مجتمع غارق في أوحال الجاهلية، أليس كذلك؟ والتصورات المنحرفة. فالصحابة كانوا يخوضون جدالات عقدية، ويحاولون إدخال الناس في الدين وتصحيح الأفكار، وكانوا يواجهون من الناس صد وانحرافات ونفوس. فكان القرآن يأتي يخبر الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أن هذه النفوس مشكلتها كذا وكذا، عليكم أن تتعاملوا معها كذا وكذا، لا هون بدكم تترووا شوي، ما في داعي الاستعجال، هذه القضية منكم تحتاج للصبر. أنتم متخيلين الأجواء اللي نزل فيها القرآن؟ يعني هم الصحابة عم بيشتغلوا، يتحركون بالإسلام كقضية، فيأتي القرآن يوجه البوصلة: هكذا تفعل هنا، هنا بدك تصبر، مش مشكلة، في آلام في جراح، الكفار ترى يفكرون بهذه الطريقة لأنهم هم يتصورون كذا، لكل نبأ مستقر- يعني يوجههم في رحلتهم.
طب أنت هل تعيش أجواء الصحابة ضمن هذه الظلمات التي تمر بها الأمة؟ أنت يا أيها الشاب وأنت يا أيتها الفتاة هل الإسلام مشروع حياة بالنسبة لك؟ أعود فأقول: إذا بقي الإسلام على هامش اهتماماتك صدقني لن تفهم القرآن، أنا بدي أعطيك إياها على الواضح يعني. لأنك ستبقى تشعر أن هذا القرآن بيتكلم عن قضايا هي مش موضوع يعني القرآن الآن في سورة الأنعام بيتكلم عن مجادلة المشركين ونفسيات المعارضين وأهل الباطل كيف بيفكروا، طب أنت أصلاً مهتم بهي القضية سامعني أنت أنت نفسك كشاب ولا أنت أصلاً شغال في تخصصك الجامعي؟ أنا يا شيخ ايش علاقتي في أهل الباطل كيف بيفكروا؟ أوكي مجادلات أهل الباطل وانحرافاتهم الفكرية، أنا هذا الموضوع يعني هي- طب قضايا التوحيد وقضايا الألوهية والربوبية وما شابه ذلك، أنا يا شيخ خلص مسلم لا إله إلا الله. يعني كل هذه الأمور والنقاط اللي بتتكلم عنها سورة آل عمران أو البقرة أو الأنعام هي ليست محور حياة بالنسبة لي.
أقول لك: إذاً شيء طبيعي ستبقى تشعر أن هذا الكلام الذي نزل من فوق سبع سماوات في أعظم رحلة نزول ليس من ضمن اهتماماتك يعني، ليس على سلم الأولويات بالنسبة لك. أنا أريدك أن تضع يدك على الجرح لتفهم لماذا القرآن لا نستلذ به، لماذا أكثرنا أكثر شيء يمكن تستلذ فيه في القرآن: والله يا شيخ آية تقول: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: 53] هيك بس ييجي الإمام يقرأ لي آية فيها ذنوب ومعاصي آه بتذكر نفسي ببكي، طب آيات التشريع والطلاق ومرتان هي والله يا شيخ الآيات ما- هي للشيخ للإمام هو بيقرأها وأنا بقول والله سرحان، ما بشعرش إنها اهتماماتي آيات الطلاق وآيات بناء المجتمع المسلم وآيات كذا، لا أشعر أن سلمي إلا بهيك بعض الروحانيات في القرآن بتنسم مع الإمام أحياناً ببكي، هذه أقصى ما يمكن أصله. إذاً في مشكلة، وأنا هنا أضع يدي على جرحك. أنت لا تعيش الإسلام كقضية، وبالتالي فكر مرة أخرى.
لماذا أنا محروم من تدبر كلام الله؟ لماذا لا أتذلل؟ لماذا لما أسمع كلام السلف في التذلل بالتدبر واكتشاف المعاني والوقوف أجد قصص مبهرة بينما أنا ما زال هناك حاجز وساتر كبير بيني وبين معاني القرآن كما أخبر ربنا عن حال كثير من الكافرين والمعرضين: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ [الإسراء: 45]. هذا الحجاب المستور ترى أيضاً ما- يعني ليس فقط في الكفار بل حتى فينا، لما يقرأ القرآن كثير منا بينه وبين القرآن حجاباً مستوراً. الإمام بيقرأ وأنا مش معاه، وحتى لو حاولت أدخل معاه شوي بدخل في الآية آه بتتكلم عن اليهود والنصارى مش موضوعي خليني أرجع أفكر في الجامعة، بالتالي أرجع أفكر في الجامعة. مش- كل ما بدي شيخ بس آية فيها روحانيات بس هيك، أما آيات تتكلم عن الصراعات الفكرية والمنهجية وقضايا الإسلام الكبرى فهذا ما أريدك أن تنتبه له، إياك أن يكون بينك وبين القرآن حجاباً مستوراً حتى تستفيد من هذه المجالس أيضاً.
إذاً أول قضية أن نستفيد من هذه المجالس، عليك من الآن أن تعيش الإسلام كقضية، إذا ما عشت الإسلام كقضية حياة وأولوية رقم واحد أنا أقول لك استفادتك من هذه المجالس إن شاء الله حاضرة بس ستبقى ايش؟ محدودة، يعني لن تشعر أن القرآن يخاطبك أنت، ستشعر أن القرآن يخاطب جيل كان قبل 1400 سنة وجزاه الله خير يعني، ليس أكثر من كذا. ثانياً: مما يعينك على فهم القرآن، وكما قال أبو الدرداء: أعطوا القرآن خزائمكم. أن تعطي القرآن سلم القيادة، هو يقودك ولست أنت من تقوده. بعض الناس يأتي إلى معاني القرآن، إذا وجد معنى من معاني القرآن يخالف هواه يضع هذا المعنى على جنب، أو يحاول أن يصرف المعنى بطريقة المهم أنه هو يأتي على مزاجه. ممتاز، لما ربنا عز وجل يقول للفتاة المسلمة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 59]. لما تأتي فتاة مسلمة تقرأ هذه الآية، يعني ما- ما انطباعها عن هذه الآية؟ كيف تقرأها وهي مثلاً لا تلتزم بالجلباب؟ ما موقعها؟ كيف يمكن أن تسقط هذه الآية في حياتها؟ لمن تعتبر هذا الكلام موجه؟ هذا ترى هو سبب من أسباب عدم انتفاعك بالقرآن أنك تريد القرآن أن يأتي على هواك.
ومن أراد ودخل في مجالس التدبر وأقبل عليها وهو يريد القرآن أن يأتي على هواه سيحرم من معاني القرآن. القرآن عزيز إخواني، وإنه لكتاب عزيز. قال العلماء من معنى إنه لكتاب عزيز: لا يعطيك المعاني حتى يراك مقبلاً، يعني القرآن لا يفيض عليك من معانيه ولا يفتح لك التذلل حتى يراك معطياً له سلم القيادة. هو يوجهك في الحلال والحرام، أستغرب من شخص يقرأ القرآن وماله في بنك ربوي، ايش تفعل بالقرآن يعني؟ شو فايدة القرآن إذا أنت تقرأ القرآن وماله في بنك ربوي ايش تسوي فيه؟ شخص ينظر للحرام والله يقول له: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفُظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: 30] وقس عليها باقي آيات القرآن في الطلاق والأحكام في العشرة في الأموال. كيف تقرأ القرآن وتزعم أنك تقرأ وتتبرك به ثم أنت تخالف أحكامه وهديه؟ معناه في إشكال كبير في حياتك وفي تصوراتك. فلذلك هذه قضية مهمة نص عليها العلماء: من أراد أن يفهم القرآن ويعيش في أجواء القرآن عليه أن يعطي القرآن بخزائمه، يعني كأنك تعطيه حبلك، خزائم هي الحبال التي كانت توضع في أنف الجمل أو الخيل حتى تقوده، فاجعل القرآن هو الذي يمتطي ظهرك وهو الذي يقود زمامك، وإياك أن تحاول أنت أن تمتطيه، عندئذٍ لن تستفيد منه وسيبقى القرآن مجرد كتاب بركة نبتدئ به الاحتفالات ويتلى في المجالس العامة وعند العزايا، ولا غير كذا ليس له وجود واقعي في الحياة.
أخيراً إخواني، ما- يعني هو كمدخل الآن إلى سورة الأنعام، أن القرآن إخواني طريقته عجيبة -وهذه ربما ذكرتها قبل- أن القرآن طريقته عجيبة في بناء العقائد والأفكار في النفوس، تختلف عن أي كتاب علمي أو عن أي مصنف تقرأه. مثلاً كثير من الناس يقول لك: يا شيخ أنا بدي أدرس العقيدة، نتكلم عن الناس ربما مش متخصصين متخصصين، عمومكم يقول أريد أدرس العقيدة، والله ماذا تقترح لي أسماء كتب لفلان أو فلأن؟ شوف، كتب العقيدة التي ظهرت في القرون الإسلامية هي ظهرت لمواجهة مشاكل وبدع كانت تخرج، أليس كذلك؟ يعني في القرن الأول والثاني الهجري خرجت مجموعة من الأفكار العقدية الخاطئة فانتدب لها العلماء يصححونها، فأخرج أحمد بن حنبل وغيره مسائل خلق القرآن والرد على هذه البدع وما شابه ذلك، ثم لما حصل الانحراف في الأسماء والصفات كتب العلماء كتب لمواجهة هذا الانحراف، ولما ظهرت الانحرافات عند الصوفية كتب العلماء كتب لتصويب هذه الانحرافات، وقس عليها حتى أصبح عندنا كم هائل في المكتبة الإسلامية من كتب العقيدة.
الآن عليك أن تعرف أن كتب العقيدة هذه إنما كتبت لتصويب انحرافات ومعالجة أخطاء، صحيح؟ فهي تعطيك معلومات، لكنها لا تبني الإيمان. يعني لما تقرأ لي كتاب العقيدة الواسطية لابن تيمية يعطيك معلومات عن ماذا؟ يعطيك معلومات أن مسألة خلق القرآن الأسماء والصفات كذا كذا، أنت بتقول والله هذه المعلومات النظرية جميلة، هو يعطيك معلومة وأنت تحتاجها، هي ليست- يعني أنت تحتاج هذه المعلومة، لكن هل ستشعر بعد قراءة العقيدة الواسطية هيك بنشوة إيمانيات وروحانيات تنسال عليك مثلاً؟ وقس على ذلك على نفس كل كتب العقيدة. هذه الكتب إخواني لمن يريد أن يبني الإيمان -ركز- هسا لمن يريد يبحث عن معلومة عقدية نعم ببحث فيها في هذه الكتب، لكن لمن يريد يبني إيمان في قلبه وقوة على مواجهة الواقع وطمأنينة وسكينة ما رح تصلح مع كتب العقيدة حتى تفهم، لن يبني الإيمان في قلبك إلا القرآن، لأن القرآن طريقته ما هي إخواني؟ أنه لا يخاطبك كعقل فقط. هذه من معجزات القرآن أنه القرآن يخاطبك كعقل وكنفس ووجدان ومشاعر، يعني نفس الآية تجد القرآن يخاطب منك الجانب العقلي ويخاطب الجانب الوجداني والجانب ال-، يخاطب نفس وعقل. أما الكتب اللي صنفها علماؤنا جزاهم الله خيراً هي بتخاطب ايش؟ عقل، يعني بقول لك كمعلومة عقلية هذه- القرآن ليس مخلوق معلومة خلص ممتاز، ومن قال أن الله ليس فوق سبع سماوات فهو كذا وكذا معلومة ممتاز، وبعدين؟ يعني لسه أنا مش شاعر بالإيمانيات شيخ، أنه ال- ليس من هناك تبنيها، بدك تبنيها من القرآن، وهذا من إعجاز القرآن أن خطابه في نفس اللحظة وفي نفس التوقيت تجده يتجه إلى القلب، إلى العقل، إلى المشاعر، وإلى إيه ال- قضايا العقدية الضرورية، فتجد نفسك مندهش أمام أنه والله القرآن يا أخي مس ما أجده في مشاعري وأحاسيسي، من القرآن ضرب الوتر اللي أنا فعلاً أشعر: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: 17].
الآن أكثر شيء يحتاجه الإنسان أن يكون معافى في بدنه صحيح؟ أن يأتي بالمنافع ويصرف عنه المضار، تجد القرآن بيخاطبك أنت كإنسان مبتلى صحيح؟ ترى إذا مسك الله بضر ما راح يكشفه إلا هو، ما بدخل معك في سفسطة الجواهر والأعراض والجدل الكلامي والحادث مش حادث وحلول الحوادث اللي بتضيع معها وآخر شيء وبعدين يعني؟ حلول الحوادث والجواهر ولا تلك هذه إن صحت فتصح في جدالات مع أهل الكلام هذا هناك في أماكن هذه المتخصصين. أما أنت عبد الله وأنت أمة الله من هنا البداية، من القرآن وكن واثق أن القرآن هو كلام الله وهذه أعلى قيمة له صحيح؟ يعني أنا لما أقرأ هذه الآيات أنا أعرف أن هذه الآيات هذه ليس اقتراح من عالم بشري، ليس والله ضمن جدالات معينة في عالم اقترح كتابة هذا القرآن، هذا كلام الله، بس هي مجرد أن تبقى متذكرا متخيلا منتبها أنه هذا كلام الله إذا بالنسبة لك شيء مهول ومذهل، أن الله يخاطبني وهو باستغنائه وعليائه يخاطب هذا الضعيف الفقير ويخبره: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: 1] فأنا ثقتي بالله ومعرفتي بجلاله وعظمته ستجعلني أعظم هذا الكلام وأعظم قيمته وقدرته على التوجيه وأنه يمس القلب والعقل والفكر.
وأنه لا يمكن لشيء من كلام البشر أن يوازي كلام الله بحال. والله غريب ذاك الإنسان. والله نحن أيها الإخوة غربة، غربة الابتعاد عن القرآن. ما الذي يجعلك تنصرف عن كلام الله؟ أحيانا الكلمة تكرر كثيرا: كلام الله، كلام الله. بس أحيانا هيك بتشعر لحظة معينة: لا بدي أوقف.
هو فعلا كلام الله، يعني هيك بدك ترجع هيك تفكر بالعقل الباطن شوي أنه أنا إيش اللي بخليني مقبل على حفظ متون ومصنفات ودورات وتنمية، وواحد يعطيني في التربية وواحد يعطيني في كذا وداخل في هالدورات؟ طيب، كلام الله وين في حياتي؟ وأنا الذي أزعم أنني مؤمن وأنني محب وأنني مقبل، كلام الله أين هو في حياتي وهو كلامه؟
مش اقتراح ولا تفكير ولا نتيجة دراسات جامعية ولا تحصيل علمي. الواحد فينا يخرج جاهلاً، بيتعلم، بيكبر، ممكن يصير داعية، مصلح، عالم، مش عالم، بيألف كتاب هو نتيجة خبراته المسبقة وبيعطيك إياه وبقولك اقرأ. لكن هذا كلام لم يخرج أبدا بهذه الأطوار.
كلام من الذي خلق، من الذي برأ؟ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ فلازم ثقتك تكون بأهمية هذا الكلام وقيمة هذا الكلام عالية، حتى لو أنت إلى الآن عاجز عن إدراك كيف ستسقطه في حياتك، لكن على الأقل ارفع مستوى الثقة أن هذا الكلام قادر على صناعة المستحيل بالنسبة لي، المستحيل العادي طبعا. لكن يجب علي أنا ماذا؟ أن أطرق بابه وأبحث. وخذ مني يا أيها الرجل ويا أيتها المرأة: مجالس التدبر مجالس كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه». وهذا ما نفعله هنا.
النبي عليه الصلاة والسلام وجهنا إلى التدارس القرآني: «إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده». ونحسب إن شاء الله نعم، لسنا في بيت من بيوت الله، لكن من منع من الشيء فهو في حكمه، ولا مشايخ صحيح؟ فأنه يعني إن شاء الله نأخذ ثواب أننا في حكم أننا في بيت من بيوت الله باعتبار بأننا نريد أن نكون كذلك، وهذه طاقتنا وما نستطيع أن نصل إليه. فنحسب أن هذه المجالس من حيث الرحمات والسكينة ووجود الملائكة بيننا هذا يقين بنا بالله سبحانه وتعالى، تمام؟
لكن هي قضية التدارس القرآني، لا بد من التدارس. لا بد من هذه المجالس ولا بد وأن تحضرها حتى تستفيد من القرآن، لأنه كثير من الشباب والنساء بيجي بيسألك: شيخ إيش أقرأ كتاب تفسير؟ هو في ظنه أنه أنا خلص آه والله اقرأ عمدة التفسير، اقرأ كتاب الشيخ تفسير السعدي لا. وبعض الناس هو يظن أنه إذا فتح تفسير السعدي أو التفاسير العامة البسيطة اليوم، خلص راح يتدبر القرآن. لن تتعلم تدبر القرآن إلا في مجالس العلم، هذه برضه قاعدة خذها في حياتك، يعني لا تيجي تقول لي إيش أقرأ كتاب تفسير؟ كتاب تفسير بعطيك معلومة، صح جميل، ولازم يكون في بيتك كتب تفسير.
لكن في النهاية كيف أتعلم أن أعيش في جو السورة وأربط أفكارها وأبني بها الإيمان؟ هذه أنت وحدك لن تتقنها، وإنما العلم بالتعلم. هذه بدك تيجي حضرتك تتعب وتحضر المجالس وتكابد حتى تكتسب مهارة التدبر، فالتدبر مهارة لن تكتسبها إلا بالحضور. وأما مجرد القراءة فهذا في العادة لا يثمر إلا معلومات مفيدة إن شاء الله، لكن لن تصل إلى البعد الكبير الذي تطمح إليه والذي قادك إلى هذه المجالس إلا من خلال الملازمة وطول الحضور.
حتى لا أطيل في المقدمات، ولا أنا أطلت أصلا؟ طيب، ندخل إخواني فيما نحن فيه. المجلس الأول كما قلنا سيكون في اختيار سورة من كلام الله سبحانه وتعالى نحاول أن نعيش في ظلالها وأفيائها ونتلمس معانيها ونثورها، ونحاول أن ننظر في آفاقها في واقعنا المعاصر. ولذلك ما أحببت أن أربطكم بكتاب معين، ما أحببت أن أربطكم بكتاب معين وإنما أردت أن أربطكم بماذا؟ بالقرآن نفسه. ولذلك يا رعاك الله لا يصلح أن تأتي إلى هذا المجلس بدون قرآن.
يعني كثير من الناس: يا شيخ شو الكتاب المعتمد؟ هو القرآن المعتمد، وهذا الكتاب الذي نريده. أنا بدي أرجع أرجعك لكلام البشر؟ صحيح كتب التفسير على الرأس والعين ونستفيد منها وهي جزء من المادة التي نحضرها، لكن في النهاية أنا بدي إياك تتعود أن ترتبط بالقرآن مباشرة، وما تسمعه في هذا المجلس تدونه إما على جانب المصحف إن كان الهامش كبير، أو على كتاب دفتر خاص بك، تعتني وتحتفي أنت بهذا المعنى. وإذا أنت ضعيف في الكتابة على الأقل اسمع -وهذه أقل درجاتها- أو ألقى السمع وهو شهيد، هذه أقل المراتب، أن تحضر بقلبك وعقلك معنا هذه المجالس.
لكن بدون قرآن إخواني مجالس التدبر لا تحضر، لأنه الآية أغلبكم قد لا يكون يحفظها، فلا بد تشاهدها بعينك وتعلق معاني الكلمات الغريبة وتحلق فيها. طيب، فهذه قضية فقط منهجية متعلقة بطبيعة الدرس. نبدأ أيها الكرام بماذا؟ بسورة الأنعام. سورة الأنعام أيها الأحبة لماذا ابتدأت بها مجالس الوحيين؟ نحن طبعا في تفسير النسفي أنهينا قصار المفصل أو المفصل كاملا عفوا من الحجرات إلى الناس، لكن هنا بعد أن أنهيتها أردت أن أبدأ بسورة فيها طول، ولكنها تكون سورة مكية، سورة تركز على العقائد، سورة تركز في بناء منظومة الإيمان، سورة تركز على التوحيد وعلى قضاياها الكبرى.
وسورة من هذا العيار الثقيل ستجد أمامك سورة الأنعام تتربع على هذا الععرش. سورة فخمة، عظيمة، نزلت أيها الكرام في قول كثير من الصحابة، ورويت بعض الآثار المرفوعة وإن كان فيها ضعف، أنها نزلت جملة واحدة، يعني ما حتى يعطيك ما هي عيار ثقيل، أنها نزلت جملة واحدة. وجاء في بعض الآثار وفيها ضعف مرفوعة إلى النبي عليه الصلاة والسلام يشيعها سبعون ألف ملك.
إذا هذه السورة روي عن ابن مسعود بإسناد حسن أنها نزلت جملة واحدة وشيعتها الملائكة. هل يصح هذا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ حقيقة جل الأحاديث التي وقفت عليها منسوبة مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيها ضعف في ذكر أنها نزلت جملة واحدة يشيعها. لكن ورد هذا بسند حسن عن عبد الله بن مسعود، تمام؟ وهذا الأصل أنه ابن مسعود عاش التنزيل وعرف واقعه، ما دام ثبت عنه بإسناد حسن فلا بد وآن يكون تلقاه عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك تواتر علماء التفسير على أن يقولوا أن هذه السورة نزلت جملة واحدة يشيعها عدد كبير من الملائكة على اختلاف بين الأحاديث في تحديد هذا العدد.
والسؤال المدخلي: إذا هذه السورة نزلت جملة واحدة، إذا هي من العيار الثقيل كما يقولون، طيب لماذا نزلت جملة واحدة؟ هنا تباينت آراء العلماء في تحديد ما هو السبب الذي بسببه نزلت هذه السورة جملة واحدة. من أفضل ما يقال أن هذه السورة نزلت كما قلنا ليس بتفاصيل الحلال والحرام، وإنما نزلت في تثبيت أصول الدين العقائد، ذكر الألوهية، المعاد، النبوات، تصحيح الأفكار تجاه هذه القضايا. فما دام هذا موضوع السورة فهذه القضايا قالوا لا تقبل التأجيل، ولا تقبل أن تنزل على حسب الوقائع والأحداث.
الحلال والحرام كان ينزل على حسب الوقائع والأحداث، صحيح؟ الصحابي يتصرف تصرف فيأتي القرآن يصوب سلوكه وهكذا. لكن العقائد هذه اسمها عقائد، يجب أن تكون من البداية حاضرة، وليست شيئا يقبل التجزئة: والله خلص الفترة هاي آمنوا باليوم الآخر بعدين بنفتح ملف النبوات. لا، هذه عقيدة لا بد تؤخذ جملة واحدة فورا ولا تقبل في أصولها التجزئة والتفكيك.
ومن أجل هذا، لأن سورة الأنعام جاءت تثبت العقائد جملة، نزلت دفعة واحدة إذا لأنها تتكلم عن العقائد والعقائد ليست على التراخي، بل هي على الفور في أصولها ولا تقبل التأجيل، ومواضيعها مرتبطة بعضها ببعض، هذا أدى أن هذه السورة تنزل دفعة واحدة.
ذكر بعض العلماء أيضا فوائد أخرى من نزولها، وهذا لا يتعلق بها بل قالوا يعني قد تكون من ملامح نزلت مرة واحدة أن المشركين كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة؟ فأراد الله سبحانه وتعالى أن يثبت لهم أنه قادر على أن ينزل القرآن جملة واحدة لو أراد، فأنزل لهم سورة طويلة دفعة واحدة يتحداهم بها ليقول لهم: هذه سورة نزلت كاملة وأنا قادر أن أفعل بالقرآن كله مثل ذلك، لكن مراعاة التنجيم والتفريق وأن ينزل القرآن منجما مفرقا من أجل التربية مراعاة هذا البعد أولا، لكن هو نوع من التحدي لهم أنني قادر على أن أنزله دفعة واحدة، وكأنه يقول: هذا نموذج.
هذا نموذج أيضا من ألطاف أو فوائد نزولها جملة واحدة أن هذا به يظهر كمال الإعجاز، فإن ممكن يخطر في أذهان بعض المشركين أن الآيات القصيرة يمكن النبي عليه الصلاة والسلام قادر على أن يحبرها تحبيرا في الإعجاز وأوجه البلاغة، فالله سبحانه وتعالى أعطاهم سورة كاملة دفعة واحدة من أولها إلى آخرها وانظروا هل فيها قصور أو تفاوت أو خلل في مراتب الإعجاز؟ يعني حتى أسهل لك الفكرة: لما أعطيك أنا ثلاث أبيات شعرية أربع أبيات وأكون تعبت عليها صح وممكن أطلع لك إياها من الطراز الرفيع، لكن لما أعطيك قصيدة من ألف بيت وتكون كلها محكمة قوية فيش أي كلمة في غير مكانها هذا يعطيك أن قدرتي عالية وهائلة، أنا معطيك ألف بيت مرة واحدة مش معطيك خمس أبيات، فكأن سورة الأنعام تقول للمشركين: انظروا إلى هذا الإعجاز وتظنون أن الإعجاز لا يظهر إلا في إنزال خمس آيات ست آيات، خذوا هذه الدفعة الكبيرة الهائلة وأتحداكم أن تأتوا بقصيدة طويلة كبيرة تكون مثل هذا الكلام في نظمه وسياقه وحذفه، فهذا إذا فيه أيضا شكل من أشكال التحدي لهؤلاء المعاندين.
طيب جزاكم الله خيرا، كسرت النظارة صح؟ سامحوني بدي أبدل حالي فيها ما فيش مجال يعني، يا رب. ندخل الآن على موضوع آخر، سؤال آخر: إذا هذا مدخل فقط لسورة الأنعام، أن سورة الأنعام فيما ورد في الآثار أنها نزلت جملة واحدة، وبالتالي أنت فكر في هذه الأبعاد وأنا أعطيتك شيء مما قاله العلماء فيها.
نجي الآن نسأل السؤال الثاني، وهو سؤال دائما مهم في بداية دراستك لأي سورة قرآنية، خلي هذا السؤال في ذهنك: ما هي المواضيع العامة والقضايا العامة التي جاءت هذه السورة لتعالجها قبل أن نبدأ بالدراسة التفصيلية لها؟ هذه السورة أيها الكرام جاءت تناقش -إذا استطعت أن أجمعها- أربعة مواضيع أساسية فيما يظهر لي، ممكن طبعا أنت تضيف خامس، سادس، لكن حتى أحاول أن أحصر الأمور لك، جاءت تناقش وتشير إلى أربعة قضايا أساسية.
القضية الأولى والأبرز والأعلى هي قضية توحيد الألوهية، فجاءت لتعرف الناس بمعبودهم سبحانه وتعالى وتعبدهم له عز وجل من خلال ما سيظهر لنا من مشاهدة أفعاله وصنعه في ملكوت السماوات والأرض، هذه القضية الأبرز وهو تحقيق وتقرير توحيد الألوهية والخضوع لله سبحانه وتعالى، اللي هو تعريف الناس بربهم وتعبيد الناس لربهم.
لذلك في أكثر من موضع في السورة وفي مفاصلها قال سبحانه وتعالى: أولا في الصفحة الثانية: أغير الله أتخذ وليا؟ ثم بعد ذلك في صفحات: أغير الله تدعون؟ بعد ذلك في صفحات: أغير الله أبتغي حكما مشرعا لهذا الوجود؟ هذه كلها معاني توحيد الألوهية التي يجب أن تكون حاضرة في أذهان الناس، تأتي هذه السورة تركز عليها وتدلل عليها. ممتاز.
طيب، القضية الثانية التي تناقشها هذه السورة: جاءت هذه السورة لتناقش أهل الباطل في كل زمان ومكان في سبب وقوفهم من الحق موقف المعارض المكذب المستهزئ. فتأتي لتخبرك لماذا أهل الباطل في كل زمان ومكان يقفون من قضايا الألوهية والتوحيد موقف المكذب المعارض المستهزئ المستهتر، وتكشف لك عن نفوس أهل الباطل، يعني هي ستخبرك لماذا هم يفكرون بهذه الطريقة، هل لأن الإسلام لا يملك الدلائل؟ هل لأننا لا نملك الحجج الواضحات والآيات البينات الدالة على قضايا التوحيد والمعاد والقرآن والبعثة؟ أم القضية وقوفهم هذا الموقف يعود إلى بعد آخر؟
هذه قضية مهمة ومركزية في مواضيع سورة الأنعام، ولذلك ستلاحظون أن سورة الأنعام كما وصفها بعضهم هي كالأمواج، بيجيك مقطع بيتكلم عن تقرير معنى من معاني الربوبية ليقودك به إلى الألوهية، ثم بعد ذلك تكون الموجة المقابلة: لماذا يكذب المكذبون بهذه القضية؟ ويدخل لك في نفوسهم ومشاعرهم وأحاسيسهم.
بعدين بترجع موجة أخرى من تقرير الربوبية للاستدلال بها على الألوهية، ثم بعد ذلك موجة أخرى: لماذا المكذبون ومواقفهم؟ وكأنك تشعر -سامحوني باللغة المعاصرة حتى أسهل عليك- تشعر أنه في هناك مجموعة من الكاميرات موجودة في المشهد، كاميرا بتسلط الآن القضية على الألوهية والربوبية، بعدين بترجع بتسلط على المكذبين: طيب لماذا هؤلاء مش راضيين يصدقوا بهذه الدلائل؟ آه، هؤلاء عندهم كذا وكذا وكذا وكذا وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين، فقد كذبوا بالحق لما جاءهم، فسوف يأتي في هذه توصف لك في الواقع إيش عندهم، بعدين بترجع على دلائل الربوبية فتكلمك وتجعلك تشاهد أفعال الله في الإنسان بعد مرة أخرى، أفعال الله في النباتات مرة أخرى، جنات معروشات وغير معروشات مرة أخرى، ثمانية أزواج من الضأن اثنين، تشعر أن معنا كثير في السورة أن الله يعلمك أنت كمؤمن في زمن الاستضعاف وفي مواجهة أهل الباطل كيف تتصرف معهم، كيف يجب تصبر تستحمل، لا تستطول ولا يستخفنك الذين لا يوقنون، لا تيأس، تخلي معنوياتك عالية، تفرج إن شاء الله. فهذا من مواضيع السورة الأساسية: كيف يتصرف.
الموضوع الرابع في هذه السورة: أن الله سبحانه وتعالى ينبه المشركين والكفار والمستبدين والطغاة في كل زمان ومكان أن حالة الهيمنة لهم على المستضعفين من أهل الإيمان لن تستمر. وهذه من مقاصد سورة الأنعام.
شوف أهميتها في واقعنا المعاصر: أن الله يخبر المستبدين والمجرمين من اليهود والصليبيين والكفار والوثنيين أن حالة الهيمنة والسيطرة لكم على المؤمنين المستضعفين لن تستمر. ولذلك في أكثر من مرة في السورة ماذا يقول سبحانه وتعالى؟
يقول عز وجل: فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون في الصفحة الأولى. بعد صفحتين ثلاث: لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون. بعد مجموعة من الصفحات: فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون. كأنها في كل جرعة من جرعاتها سورة الأنعام بتبعث رسالة وومضات لأهل الباطل بكل أفكارهم الليبرالية والعلمانية وكل الباطل الموجود اليوم، في رسالة لكم تنتظركم من سورة الأنعام: لكل نبأ مستقر.
وركز إنه هذه القضية كما أنها مرسلة رسالة لأهل الضلال والباطل الذين يقفون أمام صعود الإسلام ويستضعفون أهل الإيمان، هي في نفس الوقت رسالة تثبيت لمين؟ للمؤمن. إنه أنت لا يهولنك ما ترى في غزة، لا يهولنك وتعتقد أن الأمور انتهت عند هذه القضية، لا والله.
لا، هي نعم في آلام، في جراح كان في مكة، لكن بعد ذلك كان هناك الصعود والارتقاء. فأنا لا أشعر بالشك تجاه ديني وربي ولا أسيء الظن بإلهي وما بضل أقول: وين ربنا عن الذي يحصل هنا؟ وين كذا؟ لا لا، ما هو أخي أنت ما بضلكش تصرخ مثل النساء. هذا حال اللواتي تصرخ، أنت رجل تعرف عقيدتك ودينك؛ فاعرف في سورة الأنعام أن الله سبحانه توعد هؤلاء المشركين، لكن لما توعدهم قال: فسوف يأتيهم. وسوف تدل على القريب ولا ممكن بعد مدة؟
سوف بتعطيك إنه في مسافة، لأنه هو سبحانه يريد أن يبقى الصراع والمدافعة على الأرض، ويريد أن يتخذ منكم شهداء، ويريد أشياء كثيرة تتحقق من هذا البلاء. فأنا لما أقرأ سورة الأنعام أن أسقطها على الأحداث الجارية وعلى الوقائع المعاصرة، على معركة الإسلام مع الكفر، وعلى معركة الحق مع الباطل، وبحاول أشوف يعني كل القضايا اللي ذكرتها الأربعة، الآن خلص نحن حكينا: هي أربع قضايا تدور عليها سورة الأنعام. تقرير معاني الألوهية، بتعريف الناس بربهم وتعبيدهم له. ثانياً، مناقشة المشركين في أفكارهم ومواقفهم من الإسلام، وبيان المحركات النفسية، محركات الأفكار اللي جعلتهم يتخذون هذه المواقف. ثالثاً، بيان للمؤمن المستضعف في زمن غلبة الكفر والطغيان، كيف يتصرف وكيف يتعامل مع هذا الصنف من المعرضين. رابعاً، إرسال رسالة واضحة لأهل الطغيان أنه لن يستمر الأمر هكذا.
ولكل نبأ مستقر.
ولكل بداية نهاية، فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قروناً آخرين. ما أجمل هيك الآية وأنت بتشعرها: فأهلكناهم بذنوبهم. جيل يعني ماشي، هؤلاء الأمريكان واليهود اليوم، يعني هم جيل سيأتي وسينتهي. وكما مضى عاد وثمود وقوم نوح وفرعون وكل المستبدين والطغاة والظالمين والعتة، هؤلاء كم بده يعيش هذا النتن ولا أصحابه وزملاؤه؟ كم بده يعيش؟ كمان عشرة، عشرين، ما هي جيل، ستبقى الأرض الأرض، وسيبقى الإله موجوداً، وسيبقى الدنيا تسير وتريك تقلبات الأمور.
فبالتالي هنا قرآن يزرع فيه الطمأنينة والأمان.
ولا أكون خائفاً ولا وجلاً ولا متوجساً ولا شاكاً ولا عابثاً، وليس كلما صرخ صارخ وسمعت هيعة، لا لا، أنا ثابت الخطى. لماذا ثابت الخطى؟
لأنني مع كلام ربي سبحانه وتعالى، فالخريطة أمامي واضحة. فهذه إذاً هي الأفكار الأساسية التي تدندن حولها. وعموماً، سورة الأنعام إخواني سورة فخمة، لأنها يعني كأنها تأخذك في رحلة طويلة، تبدأ بك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: 1]، بكاميرا عالية جداً، تصور لك الوجود وإحاطة الله به.
ثم بعد ذلك تدخل في هذا الوجود وتأتي الزوم، هذا اللي بنسميه نحن في الكاميرا، فتأتي تسلط على الإنسان.
ثم تسلط لك على كل جزئية في هذا الوجود، من نبات ومن نجوم، فالق الحب والنوى، معروشات وغير معروشات، ثمانية أزواج، تجد نفسك كأنك في درس في النباتات والحيوانات والأفلاك والنجوم ونشأة العالم ودورات الحياة وما شابه ذلك. كأنك في رحلة تأخذك فيها سورة الأنعام لترى ربك سبحانه فاعلاً، مدبراً، محركاً، صانعاً. فإذا أنت وثقت بربك أنه الفاعل، المدبر، الصانع في كل تفاصيل الوجود، رضيت به إلهاً ومعبوداً وحاكماً ومشرعاً. ولعل سورة الأنعام في قسمها الأخير تريد أن توصلك إلى هذه النتيجة الختامية: أفغير الله أبتغي حكماً؟
إذا كنت واثقاً من خلال المشاهدات أن الله هو الفاعل في الأمور الكونية فيجب أن تجعله الفاعل في الأمور التشريعية. يعني كما رضيت به مدبراً للكون للسماوات والأراضين وللنبات والحيوان، خالقاً، موجداً، رازقاً، يطعم ولا يطعم، عليك أن ترضى به حكماً ومشرعاً لأمور حياتك التفصيلية: أفغير الله أبتغي حكماً؟ لأنك رضيت به في كل الكون مدبراً لحياتك.
لماذا في التشريع تأتي تضع أهواءك وقوانينك الأرضية لتحكم بها حياة البشر؟ فمن رضي بالله رباً، رضي به معبوداً ومشرعاً. ولذلك القسم الأخير من هذه السورة سيتكلم عن كيف أن المشركين كانوا يقرون أن الله هو الخالق والرازق. ترى كفار مكة كانوا يقرون أن الله هو الخالق، الرازق، المدبر للكون، لكنهم يشركون في ماذا؟ في معبوداتهم ويشركون في تشريعاتهم، فكانوا يشرعون لأنفسهم، فتجد آخر صفحات الأنعام: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: 136]، وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم، وأنعام حرمت ظهورها وأنعام، وتأتي السورة تستفيض لك.
عجيب حالكم يا أهل الباطل! أقررتم به رباً وموجداً ورازقاً ومدبراً، فلماذا لم ترضوا به حكماً ومشرعاً؟ لماذا لم ترضوا به مقصوداً ومعبوداً تخبتون إليه وتخضعون لجلاله؟
فهذه السورة هي زحام من المشاهد والومضات والأفكار المتتابعة، وزحام كما قلت لك من الكاميرات اللي بتنقلك من مشهد لمشهد، من مشهد لمشهد، حتى يأتي المشهد الأخير والخلاصة التي يجب أن تختتم بها هذه السورة: قل ختاماً: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: 162-163]. هذا هو الختام في المشهد الأخير الذي تريد سورة الأنعام أن توصلك إليه بعد المشاهد والزحام وأنت تنظر إلى فعل الله في كل شيء في الوجود، بعد ذلك تعلنها وبكل قوة أن حياتي ومماتي كلها سخرت لله، الإسلام قضيتي.
وهذه ايش يعني محياي ومماتي لله؟ ما هو اللي، عفواً، اللي جاعل الإسلام آخر اهتماماته، هذا بضحك على حاله لما يقول لك ومحياي ومماتي لله. هي مش عبارة بتحطلي إها دعاية انتخابية، وهذه مش بتنزلها على الفيسبوك، لا لا، هي بتعيشها حياتك.
مش شعار بتحطلي إياها برضه صورتك على البروفايل بعض الشباب، ويقول لك حياتي لله رب العالمين، ومقضي حياته بياكل وبيشرب في المطاعم، وآخر شيء بفكر فيه الإسلام، لا. هذا منهج وقضية وعقيدة لله رب العالمين.
ثم يختم ربنا سبحانه قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 165]. ورفع بعضكم فوق بعض درجات، يعني خلص، هي هي الحكاية، هذه حكاية الدنيا. أنتم أيها البشر في النهاية خلفاء في الأرض.
ورفعت بعضكم فوق بعض درجات، هناك الغني هناك الفقير، هناك القوي، وهناك الضعيف، ليبلوكم فيما آتاكم.
هو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم، إلى الله مرجعكم جميعاً.
لا لا، إن ربك سيدعم هذه، إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم. يعني هو يختم يختم لك السورة فيقول لك: أنا جعلتكم خلفاء في هذه الأرض، وهذا يتلائم مع سورة البقرة لما قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]. فأنتم في النهاية مستخلفون في الأرض.
وابتليتكم بأحوال متعددة. فهناك القوي والضعيف والغني والفقير والعربي والمشرقي ليكون البلاء.
ثم اعلموا في النهاية أن الختام، المشهد الأخير ليس هنا. المشهد الأخير في الدار الآخرة. فالله سريع الحساب وسريع العقاب وفي نفس الوقت غفور رحيم. يتجاوز عمن بحث عن طريق الهداية وسعى إليها وفعل ما بوسعه، يتجاوز عن تقصيراته. ولكن من حاد وجادل وعارض مع وضوح الدلائل والبينات.
طب وين الدلائل والبينات؟ ما هي سورة الأنعام من أولها لآخرها دلائل وبينات. والكون من أوله إلى آخره دلائل والبينات. من أعرض عنها فانتظروا السريع في الحساب والعقاب.
إذاً تشعر أن المشهد متكامل. المشهد متكامل من حيث هذه وجبة فخمة كبيرة زحمة مشاهد تنتظرني. بدي أتعايش معها في هذه السورة وأستثيرها في واقعي مع الختام البهي الذي يجب يعني النتيجة في سورة الأنعام هي نتيجة ابتدئ بها وختم بها. ويجب أنت أن تصل إليها في حياتك لتكون شعاراً أن محياك ومماتك لله ربي العالمين.
طيب.
الآن نبدأ بتفسيرها أولاً لأنه دائماً الشروع هو جزء من التوفيق يعني كما يقولون: أن تشرع ليشعر الناس بلذة المجلس.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ * وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: 1-3].
هذه أول ثلاث آيات هذا مقطع. وسأعتمد أن نقسم السورة إلى مقاطع ومشاهد حتى نعرف كل مقطع أين بدأ وأين انتهى. هذه الثلاث آيات الأولى ابتداء عظيمة وفخمة لموضوع هذه السورة.
وكأنها تعطيك النتيجة قبل أن تشرع في الاستدلال. كأنها تعطيك النتيجة. مش هذه النتيجة جاءت عفواً هذه السورة جاءت لتقرر استحقاق الله سبحانه وتعالى وحده للتعبد والخضوع؟ إذاً الحمد لله وحده.
إذاً الحمد لله وحده. من المستحق للثناء؟ ما هو الحمد إخواني؟
الحمد هو الثناء. وكما قال ابن القيم هو ذكر محاسن المح محمود مع محبته وتعظيمه. فالحمد هو الثناء.
فالسورة تبتدئ وتقول لك: الحمد لله. الحمد بكماله وتمامه لا يستحقه إلا الله. واستعمال لفظة الله هو المعبود لأنه كلمة الله يعني المعبود.
الحمد بكماله وتمامه لا يستحقه إلا المعبود سبحانه وتعالى. فأصنامك وأفكارك وباطلكم وكل ما تدعون إليه من رموز وأساطير في مختلف الأديان والمعتقدات كلها لا يستحق شيء منها الحمد. وإنما الوحيد المستحق للحمد الكامل التام هو الله سبحانه وتعالى. وكأنه أراد أن يعطيك لماذا هو الوحيد الذي يستحق الحمد بكماله وتمامه؟ لأنه الخالق.
الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور. طبعاً هنا في هذه الآيات الثلاث هناك ثلاث إحاطات. يعني هذه الـ هذه الـ هذه الثلاث آيات هي تعطي كاميرا علوية على كل الأرض وعلى كل الكون.
ليس على الأرض فقط، على كل الكون. لكن ستلاحظون أن فيها إحاطة بالسماوات والأرض وما فيها من ظاهرة الظلام والنور. ثم بعد ذلك إحاطة حياتية للإنسان بالتحديد.
ثم إحاطة بماذا؟ بالسر والجهر. لذلك هي مليئة بالمتقابلات. لاحظوا الثلاث آيات: سماوات وأرض وظلمات ونور. الآية الثانية: بداية الخلق ونهايته، خلقكم قضى أجلاً. الآية الثالثة: يعلم سركم وجهركم. فهذه الآيات الثلاث عم تعطيك إحاطة أن الله محيط بكل شيء. ومن كان محيطاً بكل شيء هو الذي يستحق الحمد والثناء على وجه الكمال والتمام. وأما الأصنام والبشر والطغاة والمستبدون وكل الأفكار وكل ما عبد من دونه فهو لا يملك هذه الإحاطة.
فلا يستحق هذا الحمد أبداً. الحمد لله. لاحظ أول إحاطة في الآية الأولى: الإحاطة الكونية. الذي خلق السماوات وجماعة كل السماوات والأرض.
ثم قال: وجعل الظلام والنور. وهذه من أبرز الظواهر الكونية. ظلمات ويقابلها ماذا؟ نور.
ثم تأتي الاستنكار والتعجب في آخرها: ثم. وهذه ثم سيأتي معنا أنها حرف للاستبعاد والتعجب. ثم مستبعد عجيب لمن عرف أن الله هو الخالق للسماوات والأرض، وهو الخالق للظلمة والنور، عجيب أيما عجب ومستبعد أيما استبعاد لمن أقر بأن الخالق هو الله أن يعدل به سواه، وأن يعبد من دونه، وأن يخاف ممن دونه، وأن يخشى ممن دونه من الطغاة والمستبدين والبشر والشجر والحجر.
طبعاً هذه الآية عليك أن تعرف: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1]. لأن جل البشرية عموماً كانت تقر بأن الله هو الخالق.
لكن أين كان شرك البشرية؟ في العبادة. قضية الإلحاد وجحد الإله وإنه ما فيش إله لهذا الكون، هذه ما كانت مشكلة الأقوام السابقين. يعني قوم نوح وعاد وثمود وحتى فرعون وغيرهم، ترى كل هؤلاء مشكلتهم في العبودية.
ما كانت مشكلة في جحد وجود إله حقيقة. ولذلك الإلحاد الذي تجده في واقعك المعاصر هذه مشكلة شاذة في تاريخ البشرية، توسعت اليوم لأسباب معينة اقتضتها الصراع بين الكنيسة والصليبيين في الغرب وكيف ثاروا عليها وأصبحوا يكرهون التدين، يعني قضية تدرس في واقعنا. لكن جل مخاطبة القرآن هي مخاطبة لمشركين يؤمنون. هذه لازم تفهمها، أن جل مخاطبة القرآن هي مخاطبة لمشركين يؤمنون أن الله الخالق للسماوات والأرض وللظلمات والنور، وأنه الفاعل في هذا الكون، ولكنهم يشركون في العبادة معه سواه، ويعطون حق التشريع لسواه، وينقضون معالم الألوهية. أما معالم الربوبية في الجملة كانت حاضرة عند كفار قريش. يعني هل تظن أو تعتقد أن أبا جهل
كان ينكر أن الله الخالق؟ لا. لذلك لما جلس الحصين، والد سيدنا عمران، لما جلس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: يا حصين، كم إلهاً تعبد؟ قال: سبعة في الأرض وواحد في السماء. قال: فمن لضرك ونفعك؟ قال: الذي في السماء. قال: فمن لحاجتك؟ أو كما قال عليه الصلاة والسلام. قال: الذي في السماء. قال: كل شيء تلتجئ إلى الذي في السماء؟ تعلم أنه الخالق والضار والمنعم والمعطي، ثم بعد ذلك تذهب فتعبد صنماً يا حصين؟
فإذاً، عليك أن تفهم أجواء نزول القرآن. القرآن لم ينزل على ملحدين، هي افهمها. القرآن نزل على مقرين بالربوبية. شو يعني مقرين بالربوبية؟ نزل على قوم يقرون أن الله رب، والرب معناها: الخالق، المدبر، المتصرف. هم كفار قريش هكذا يقرون بهذا. بقولك كل هذه المشكلة التي حصلت بين الإسلام والكفر في مكة كانت على ماذا؟ ليس على معاني الربوبية في الجملة، هي المشكلة على معاني الألوهية، إنهم مش راضيين مع إقرارهم بأن الله هو الخالق المدبر، مش راضيين يعبدوه وحده، وهي هي المشكلة، هذا الانفصام، هذا هو التناقض الداخلي النفسي، إنه أنت تقر أنه الخالق، المدبر، المتصرف، ثم تعدل به سواه، ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1]. غريب، وعجيب، ومستهجن، ومستبشع هذه الطريقة في التفكير.
طيب، بعض اللطائف في الآية الأولى، قلنا: الحمد هو الثناء، والله معناه المعبود. قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: 1]. لماذا في السماوات والأرض قال: خلق؟ بينما في الظلمات والنور قال: جعل؟ الآن الفعل جعل في اللغة العربية إذا أخذ مفعول به واحد يكون أيضًا معناه خلق وأنشأ. الفعل جعل في اللغة العربية أقول إيه مثلًا: جعلت هاتفًا أو جعلت كأسًا، يعني إيش؟ أنشأت وصنعت وأوجدت. الفعل جعل إذا نصب مفعول به واحد ما معناه؟ خلق وأنشأ وأوجد.
أما إذا جاء جعل ينصب مفعولين فيكون بمعنى صير. جعلت الطين خزفًا، جعلت الماء ثلجًا، بمعنى إيش؟ صيرت. وكذلك يأتي بمعنى اعتقد إذا نصب مفعولين يأتي بمعنى اعتقد، ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: 19]. شو يعني جعلوا هنا؟ اعتقدوا. الفعل جعل إذا نصب مفعول به واحد بيكون بمعنى إيه؟ خلق وأنشأ، وإذا نصب مفعولين يكون بمعنى صير أو اعتقد. طيب، هنا جعلت نصبت مفعول به واحد ولا اثنين؟ واحد، هي طلع عليها الآية أمامك: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: 1]. هسه النور معطوفة عليها، إذًا هي نصبت مفعول به واحد، جعل الله الظلمات، إذًا إيش معنى جعل؟ خلق وأنشأ.
طيب، لماذا ما قال ما دامت هي جعل هنا بمعنى خلق وأنشأ؟ لماذا ما قال الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض والظلمات والنور؟ يعني إذًا لماذا دخلت جعل هنا؟ مع إنه خلق موجودة قبلها، شو فائدة إدخال جعل مع أنها بمعنى خلق في الجملة؟ هي كأنه معنى الآية: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وخلق الظلمات والنور، لكن لما جاء للظلمات والنور ما قال خلق قال إيش؟ جعل. فهمتوا السؤال؟
هنا علماء التفسير، ومن تذوق البلاغة البيانية، قالوا إن في استعمال العرب الخلق أنسب للأمور الحسية العينية، فالسماوات والأرض هذه أمور حسية عينية لها أعيان محسوسة، فهذه الأنسب لها الخلق. وأما الظلمات والنور فهذه صفات وأعراض، تمام؟ فهذه قالوا الأنسب لها عند العرب التعبير عن خلقها بماذا؟ جعل. فقالوا إذًا الخلق أنسب للأمور العينية، والجعل أنسب للأمور المعنوية. يعني مثلًا أنت الآن كعين، زيد أو خالد أو عثمان، هذا عين. ممتاز؟ وفي صفات، صفاته إنه شجاع كريم، مش عندك صفات تحكي؟ تمام، أشياء كثيرة.
فالآن أقول خلق الله عثمان، أتكلم عنه كإيش؟ كعين. وجعله شجاعًا أو جعل فيه الشجاعة والمروءة. شو يعني جعل فيه شجاعة؟ برضه خلق، بس قالوا في استعمالات العرب الخلق أنسب للأعيان، والجعل أنسب أن تجعله مع الصفات والأعراض. فهمنا؟ فلما كانت الظلام والنور هي أعراض في هذا الكون، صفات، والسماوات والأرض هي الأعيان، يعني كأنه عندك سماوات وأرض هي عثمان هذه في المثال المذكور، وفيها صفة الظلمة والنور.
من الذي خلق المحسوسات العينية والصفات المعنوية في هذا الكون؟ الله. وهذه كما قلت لك هذه كاميرا بعيدة، كأنك بتشاهد الكون الآن من فوق هيك أنت في الآية هي من فوق، تعطيك إحاطة الإله لهذا الكون، إنه هذا الكون بسماواته وأرضه وما فيه من ظاهرة الظلمات والنور، من هذه الكاميرا البعيدة كل هذا صنعه رجل؟ بشر؟ يذهب يقضي حاجته في دورة المياه؟ صنعه صنم؟ صنعه المسيح عيسى ابن Mريم وأمه الصديقة فكان يأكلان الطعام؟ لا لا، مسكين أنت، اللي أوجد هذا المشهد العظيم السماوات والأرض وما فيها من الظلمات والنور هو الله.
وأنتم تقرون بذلك يا مشركين، وأنتم تقرون بذلك، حتى اليهود والنصارى هم مقرون بذلك، لكنهم أقحموا عبادة المسيح وعبادة العزير وما شابه، حتى اليهود والنصارى الديانات الأكثر انتشارًا اليوم في العالم هي في مبادئها أن الله هو الخالق، الله هو الخالق لهذه الأمور. لذلك جاء التعجب والاستبعاد والهجنة بقوله ثم. يعني كيف آجي أقول لك يا أخي درستك وتعبت عليك وكذا وعلمتك سنين ثم رحت عند غيري؟ آه. شو معنى هي ثم؟ يعني هي ثم بيسموها كما قال الرازي: استبعادية. يعني يا أخي يستبعد منك هذا التصرف، عشان هيك جاب لك ثم هنا، ثم مش ترتيب زمني، لا لا، هنا المراد بها استهجان صدور مثل هذا التصرف، إنه كيف بعد إقرارك بهذه المشهدية العظيمة للوجود الإلهي والخلق الإلهي ثم الذين كفروا بربهم يعدلون.
ما معنى يعدلون؟ يعني يسوون به غيره في الخضوع والانقياد والتعبد، بروح على صنم، اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ولا بروح على طاغية من طغاة الأرض يعبده، ولا يذهب إلى أي لذة من لذات الدنيا. بعض الناس يعبد النساء يا إخواني، والله بعض الناس عبد لشهوته، عبد لفرجه، هكذا بعض الناس، هل تفكر العبودية هي فقط عبودية الأصنام؟ لا ترى العبوديات أشكال، كل واحد عنده عبودية، تعس عبد الدينار، مش هيك قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ هناك من يعبد الدينار والدرهم ويخضع له، تخضع لدينار ودرهم. هل هذا الدينار والدرهم، أو هذه المشاهد التي تشاهدها، أو هذه المرأة التي عشقتها حتى عبدتها وخضعت لها، هل هذه صنعت شيئًا في هذا الوجود؟ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، يسوون به غيره في الخضوع والانقياد والتشريع والتعبد وما شابه ذلك من الانحرافات في مقامات الألوهية.
بعد ذلك، بعد الكاميرا الواسعة العريضة، كأن الكاميرا الآن عم تعمل زوم، عم تنزل للإنسان بالتحديد، ها، نزلنا للإنسان. ولماذا الكلام عن الإنسان؟ باعتباره محل الاختبار والمخاطب الأول بهذا القرآن، وإن كان الجن مخاطبون به، لكن أنت مخاطب به ابتداءً بنزول أو بمجيء الرسول البشرية منك، فنزلت الكاميرا داخل هذا الكون وغاصت لتأتي على الإنسان. وانظر إحاطة الله، كما أن الله أحاط بالكون كذلك أحاط بك أنت أيها الإنسان يا محطة الابتلاء، هو الذي أيضًا خلقكم من طين.
لماذا ذكر الطين هنا؟ والمراد خلقكم أي خلق أبانا آدم، أراد البيان أصل الخلقة، خلق أبانا آدم من طين، وكأنه يريك، يرك أن تشاهد تلك القبضة من الطين المظلمة القاسية التي لا حياة فيها، كيف أصبحت بخلق الله وإرادة الله ذاك الإنسان القويم الذي خلق في أحسن تقويم، بكل خلاياه وعظامه وأعصابه وجسده وشحمه ولحمه. تخيل ذاك الطين القاسي المظلم، قبضة طين، كيف تصبح إنسان معقد في خلقته كهذا الإنسان الذي ترونه أمامكم؟ من الذي فعل ذلك؟ الله سبحانه وتعالى.
هو لذلك ذكر الطين هنا بالتحديد حتى ينقلك من مشهدية الشيء الجماد، كيف تنبعث فيه الحياة؟ من الذي يبعث الحياة في الجمادات؟ ومن الذي جعل الطين الذي لا حياة فيه كائنًا كاملًا متزنًا، له أفكار، وهموم، ومشاريع، وبدرس في الجامعة، وبتروج، وبجيب أولاد؟ مين اللي صنع هذا؟ يجب أن يتفكر الإنسان، ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21]. يجب تتفكر، فعلًا كيف أصبح الطين حياة؟ فمن الذي فعل هذا؟ هو الذي خلقكم من طين، ذكر البداية. قال: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً﴾ [الأنعام: 2]. والقضاء هنا بمعنى الاستيفاء وليس بمعنى التقدير، والله أعلم، اختلف المفسرون فيها.
لكن لماذا لم أجعل قضى بمعنى قدر؟ لأن القدر سابق على الخلق، صحيح؟ هو الذي خلقكم من طين ثم قضى. لو كانت قضى بمعنى قدر، هل القدر يكون بعد الخلق؟ ولا أصلًا قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقها بـ 50 ألف سنة؟ التقدير سابق على الخلق، فلا بد إذاً أن يفسر القضاء هنا بمعنى آخر. طب ما هو المعنى الأنسب لتفسير قضاء هنا؟ قالوا: استوفى. فيكون هو الذي خلقكم من طين ثم استوفى أجل كل واحد منكم على حدة، فهذا بيعيش 60 سنة، وهذا بيعيش 50، وهذا بيعيش 40، وهذا بيعيش، وهكذا مشي، كل واحد له عمره الذي سيستوفيه. إذاً ثم قضى أجلاً.
قال: ﴿وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ﴾ [الأنعام: 2]. هذا ايش الأجل الثاني؟ يوم القيامة. وهناك أجل آخر مسمى توقيته عنده، لأنه هو الوحيد الذي يعرف سبحانه وتعالى، ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: 34]. فإذاً لكل واحد أجله الخاص، ثم هناك أجل عام تشترك فيه البشرية، علمه عند ربي، لا يجليها لوقتها إلا هو. لاحظ إذاً هنا الإحاطة العمرية، من المحيط بعمرك؟ من الـ مش بعمرك أنت بل بالبشرية من بدايتها من لدن آدم، من لما ابتدأ خلق الطين إلى أن يستوفي أجل كل منا، إلى أن يأتي يوم القيامة، من المحيط عمرياً بهذا الكائن الذي اسمه الإنسان، من بدايته إلى نهايته؟ الله.
إذاً في الآية الأولى إحاطة كونية، الآية الثانية نزلت الكاميرا زي ما تحكي لتعمل إحاطة بالجنس البشري من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة فيدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. هذه الإحاطة ليست إلا له، ثم يتعجب منهم ويستبعد منهم ويستنكر منهم هذا الإصرار على الشك والامتراء في الخضوع. قال: ﴿ثُمَّ أَنتُم تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: 2]. بعد كل هذه الحقائق ما زلتم في الشك هل الله يستحق أن نعبده وحده؟ أم نعبد هل أم نشرك معه سواه؟ في أحد بيشك في هذه القضية؟ كأنه هناك نشاز في حالة الكفر والشرك في البشرية، أنه حالة الشرك والكفر في البشرية حالة من النشاز والاغتراب، ما تقتضي أن تستوجب وتستبعد، وهذا بيخليك أنت كمؤمن عندك نوع من العزة بعقيدتك، أنه أنا أعتز بالإسلام، الإسلام اللي أعطاني الحقيقة واضحة جلية ومنسجمة، أن من يخلق هو الذي يعبد، من يوجد هو الذي يخضع له.
يعني هذه قضية واضحة، كيف يا يعبد من لم يخلق؟ كيف يشرع من لم يصنع؟ وهذه كلها ستأتي معنا بعدين. كيف يشرع من لم يصنع؟ كيف يبتغى حكماً من لم يكن موجداً مصنعاً للبشر ولنفوسهم ولطبائعهم؟ وهكذا سورة الأنعام عم تستثير فيك قضايا الخضوع والاهتمامات والانقياد وضرورة السمع والطاعة لمن خلق، لمن أوجد، لأنه في بعض الناس أيضاً تعبد هواها، صحيح؟ ماشي في بعض الناس ما بتعبد صنم، لكن ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: 43]. طيب.
ثم قال في المقطع الثالث: ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 3]. إذاً هذه الـ هذه الـ الآية الثالثة نختم بها اليوم إن شاء الله. هذه الآية الثالثة هناك طريقتان في تفسيرها، ولك أكثر لكن سأقتصر على طريقتين. الطريقة الأولى ابن جرير الطبري، وأظن ابن جرير كلمة معروفة لديكم إمام المفسرين. يقول هذه الآية: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: 3]. فماذا يرى ابن جرير؟ أن معنى الآية أن الدلالة على الإحاطة بالسر والجهر للإنسان.
يعني هو في الآية الثانية عمل إحاطة عمرية صح؟ الآن في هذه الثالثة أيضاً إحاطة، يريد الله أن يخبرك أنه وإن كان على فوق سبع سماوات على عرشه ولكنه مطلع على كل واحد منكم في الأرض في سركم وجهركم وما تكسبون، وما تكسبون يعني حصائد الأعمال، يعني وما ستحصدون من أعمالكم السرية وأعمالكم الجهرية. شوف إحاطة بالعمل تماماً. إذاً إحاطة كونية ركز، إحاطة عمرية، إحاطة بالعمل البشري.
فيقول: الله وإن كان في السماوات، وهذا يدل على أن ابن جرير يثبت علو الله سبحانه وتعالى فوق سبع سماوات، لأنه معنى في بمعنى على السماوات، أو تفسر السماوات بمعنى العلو، هناك طريقتان للسلف. فابن جرير يقول: الله جل جلاله وهو على عرشه بائن عن خلقه، ولكنه وفي الأرض يعلم سركم وجهركم، وأنتم في الأرض وهو فوق سبع سماوات، ومع ذلك هو العلي مع دنوه، وهو فوق سبع سماوات مع علمه، فليس سبحانه كحالنا. هل كونه فوق السماوات العلى جعله جاهلاً بأعمالنا في السر؟ حاشاه سبحانه وتعالى.
فيقول ابن جرير: وهو الله الذي هو في السماوات، ولكنه مع ذلك في الأرض يعلم ما تسرون، يعني ما تفعلون في الخلوات، وأنت جالس ماسك الجوال في غرفة، وبتتطلع على الأفلام والقصص وهذه ومفكر ما حدا شايفك، الله من فوق سبع سماوات يراك. وأنت تتكلم مع فتاة في منطقة في الجامعة، خلوت عن الناس لكنك لن تخلو عن الله، وكلما فعلت شيئاً ظننت أنك خلوت، فاعلم أن عليك رقيب يعلم سركم، وبدأ بالسر لأنه أخفى، ومن باب أولى يعلم جهركم، الأفعال التي تفعلونها جهاراً نهاراً أمام الناس، ويعلم ما تكسبون. والآن في خلاف فيها لكن أنا هنا طريقتي لن يعني أجعلك تتشتت في المعاني، سأعطيك معنىً واحداً، إلا يعني لن أذكر الخلاف إلا إذا كان بالنسبة لي مهم. قالوا: ويعلم ما تكسبون، ما معنى ويعلم ما تكسبون؟ حصائد الأعمال.
بس الآن أنت ممكن تحكي: ويعلم ما تكسبون؛ يعني أعمالكم. بس بقولك: إحنا ذكرنا الأعمال في السر والجهر، فقال: يعلم سركم وجهركم. وأقولك: أنا بعرف سرك وجهرك، بعرف اللي رح تكسبه من وراء هذا العمل، كيف أقولك؟ أنا بعرف عملك وبعرف هذا العمل إيش رح تكسب من وراه، حصائد الأعمال. فالله ليس فقط يعرف أعمالنا، بل يعرف ما سنكسبه، يعني ما سنحصده من هذه الأعمال وهي العواقب.
يعني إيش يعني حصائد الأعمال؟ يعني العواقب، أو سيعلم ما سنحصده، ما سنكسبه منها في الدنيا وفي الآخرة، بدك إحاطة أكثر من هذه الإحاطة؟ فإذاً سورة الأنعام ابتدأت بهذه بهذا التعظيم للإحاطة الإلهية، ليأتي بعد ذلك التفاصيل الجزئية. كل ما سيأتي بعد ذلك في سورة الأنعام هي تفاصيل لهذه الإحاطة الكلية التي ابتدأت بها السورة؛ إحاطة بالكون، إحاطة بعمر التاريخ البشري كاملاً، إحاطة بالأعمال البشرية كاملاً وعواقبها وحصائدها.
إذاً هذا بيعطيك شعور بتعظيم الله سبحانه وتعالى وإجلاله، لأن من كان يملك كل هذه الإحاطات، إذاً أنا كإنسان بعيش في الألفين وخمسة وعشرين وعمري ستين سنة، في كل هذا الكون عبارة عن إيش أنا وإياكم؟ إحنا نملة صغيرة في حركة كون هائل، الله سبحانه وتعالى خالق له ومالك له كما سيأتي في الصفحة الثانية. فيعرف الإنسان حجمه، ويعرف الإنسان قدره، ويخضع لهذا الإله ولشرعه. يعني هذا المكتسب الذي سنسقطه على واقعنا الحياتي، بدنا نحاول أنه نسقط الآيات على واقعنا، أنه هذا الشعور وهذه العقائد التي تزرعها سورة الأنعام في مطلعها تجعلني أعرف حجمي الطبيعي، وأنه أنا لا أسمح لأي إنسان أن يستهزئ بالإله، لا أسمح لأي شخص حتى من عائلتي وأفراد أسرتي أن يتجاوز أحكام وتشريعات الإله. هل تعرف من الله؟
إذا أردت أن تعرف من الله اقرأ أول سورة الأنعام: الذي خلق السماوات والأرض. يعني هذا تعريف، مش قلتلك؟ تعرفك بربك، وجعل الظلمات والنور. وهو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده، وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم برضه عواقب أعمالكم. هذا هو الله الذي آمرك أن تخضع له وأن تخضع لشرعه، وألا تحكم على قلبك وحياتك وأفعalak وأوضاعك الاجتماعية والبشرية والإنسانية سواه. هذا هو الله اللي بحكي عنه، أنا ما بحكي عن علاقة بمفكر أو عالم أو شيء، أنا أتكلم عمن يفعل هذه الأمور سبحانه وتعالى.
ختاماً التفسير الثاني لقوله: وهو الله في السماوات، هي القراءة الثانية عند أهل العلم: وهو الله في السماوات وفي الأرض، نقطة. تقف على كلمة وفي الأرض، ثم: يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون، جملة أخرى. هنا ما معنى الآية ستصبح؟ وهو الله في السماوات وفي الأرض، هذه الآية ترى تشكل على كثير من الناس، يعني الله في كل مكان يا شيخ كما تقول الجهمية؟ والجهمية إيش يقولوا؟ الله في كل مكان، بيستدلوا بهذه الآية.
طيب بقولك: وهو الله في السماوات وفي الأرض، إذاً شو معناها؟ أنه الله في كل مكان، وهيك بتكون كل عقيدة السلف اللي أنتم بتتنطنوا فيها، أن الله فوق السماوات طلعت كلياتها خرابيط وكلام فارغ. أي آية بتقولك الله في السماوات وفي الأرض، آه هنا المشكلة للشاب اللي بياخذ عقيدته من اليوتيوب، واللي بياخذ عقيدته من جماعة أبو هانطش وجماعة أبو هذا اللي بيطلعوا لك. تمام لا، وهو الله في السماوات وفي الأرض، هنا الله معناها المعبود. ومعنى الآية: وهو المعبود في السماوات والمعبود في الأرض.
فتعبده يعبده أهل السماوات من الأجرام السماوية والملائكة وكل من يسكن السماء، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: 31]. ومعبود في الأرض تعبده الجبال والبحار والأنهار والحيتان في الماء والنمل و و و. وهذا فيها طبعًا بالتالي إيش؟ إشارة إلى أن من لا يعبده هو نشاز عن قانون الكون، لأنه وهو المعبود في السماوات وفي الأرض. فالكون كله لما أقر لله بالربوبية أقر له بالعبودية، وعلى التفسير الثاني كم بيكون الكلام فخم. لما الكون أقر أن الله هو خالقه أقر أن الله هو الذي يستحق العبودية، فكلهم عبدوه. وهذه الشرذمة من المشركين والمستبدين ولو كثرت هي نشاز عن قانون الكون، لأنها لم تخضع لما يقتضيه المنطق السوي والفطرة السوية.
المنطق يقتضي من خلق هو الذي يعبد، ومن أوجد هو الذي يشرع، من يريد يخرج عن هذه السكة هو نشاز عن قانون الكون وعمن عبدته السماوات والأراضين وخضعت له. فهكذا معنى الآية: وهو الله في السماوات وفي الأرض. ونقتصر على هذا، وصلى اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل