دخولتسجيل الدخول

مجالس الوحيين | تفسير وتدبر سورة الأنعام المجلس الثاني [من الآية 4 إلى الآية 16]

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس الوحيين، في هذه العودة الميمونة إلى كتاب ربنا سبحانه وتعالى، وإلى سنة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. في هذه الوجبة الأسبوعية التي هي أقل القليل الذي يمكن أن تقدمه يا أيها المؤمن لتثبت ولتبرهن انتماءك لهذا الوحي الإلهي.

لا أقل من جلسة أسبوعية تفتح فيها أبواب التدبر والتعقل والتفهم لمعاني كلام الله سبحانه وتعالى، وتحاول أن تصل في تدبرك إلى أقصى مساحة ممكنة، وإلى أقصى تصور يمكن أن تبلغه بعقلك في فهمك لكتاب الله سبحانه، وفي إسقاطك له على واقع الحياة، على سلوكياتك وأعمالك ومجالك واختياراتك، وعلى ما تراه من حولك من فتن وأزمات وصراعات ومحن. فمن أجل هذا أنزل القرآن، والقرآن أيها الكرام كما قلنا لابد لمن أراد أن يفهماه أن يأخذه على مكث: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾. هكذا قال ربنا، إن طبيعة القرآن لا تؤخذ مرة واحدة.

ولذلك تميز الصحابة في فهمهم للقرآن؛ إحدى أسبابه أو أحد أسبابه ما هو؟ أنهم اخذوا القرآن رويدا رويدا على شكل وجبات؛ يعني يعيش مع مجموعة من الآيات خلال فترة معينة. كما قال عثمان: كنا نأخذ العشر آيات فلا نتجاوزها حتى نتعلم ما فيها من الحلال والحرام والإيمان والعمل. لما كانوا يأخذون القرآن على شكل وجبات متقطعة، كان يظهر أثر هذا في حياتهم.

لذلك القرآن يختلف عن التوراة والإنجيل، التوراة والإنجيل نزلت دفعة واحدة، أما القرآن لا، ما نزل دفعة واحدة؛ نزل ليكون كتاباً عملياً واقعياً يعيش معك في ثنايا الحياة. سبحان الله، الشيء لما يعطى دفعة واحدة مهما كان بريقه جميلا، بعد فترة تجد انك ماذا؟ خلص تعرض عنها، اليس كذلك؟ يعني لو كان أعظم كتاب وأجمل كتاب قرأته في حياتك أعطيك إياه مرة واحدة تقرأه في ليلة واحدة وتنهيه؛ يوضع على الرف.

بخلاف لما أعطيك إياه هذا الكتاب على شكل صفحات، أعطيك الصفحة الأولى منه تجلس معها تشوقك للصفحة الثانية، ثم بعد أسبوع أعطيك الصفحة الثالثة، تبدأ تشعر أن بريق القرآن لا يخففت في حياته لأنه أنا مش عم باخذه عبارة عن حفظته أتلوه في ليلة واحدة وانتهيت، لا، أنا أتعامل مع القرآن على شكل وجبات ومقاطع، وكل وجبة تاخذ وقتها الكافي من العيش معها وتكرارها، ويمكن أعود إليها مرة أخرى وأتأمل فيها.

فهنا تبدأ تشعر أن القرآن فعلا له قيمة في الحياة، وليس مجرد يعني كتاب بركة بقراه في رمضان بعمل لي كم ختمة، والله آياته جميلة، وكم آية هيك شاعرية بتعيش معي وبس. أنه أنا فعليا أنا لا أعرف أن أسقط القرآن على واقع الحياة، هذا يحتاج إلى جهد وبذل وإلى مدارسة. وجزء من الاشياء التي في اعتقادي يجب على كل مسلم يتعلمها مهما كان تخصصه، أن يتعلم ويجلس في مجالس القرآن ليتعلم كيف يفهم القرآن.

يعني كيف أفهم القرآن؟ هو أصلا جزء منه تعلم، ليس فقط تفتح كتاب تفسير تظن أنك فهمت القرآن، كلا؛ أن تجلس مع طلبة العلم والمشايخ والدعاة والمصلحين تحاول أن تفهم كيف ينظر للنص القراني، كيف يتم إسقاطه، هذا من مكتسبات هذه المجالس ومن أجلها عقد.

فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعينني وإياكم على اجتناء هذه الثمار، وأن يفتح القلوب والعقول لتدبر معاني هذا الكتاب: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]. في قلوب مقفلة، الله سبحانه وتعالى ختم عليها وطبع عليها، فمهما جاءت الآيات لا تدخل، لا تصنع أي تجاوب في حياة الإنسان صلاحاً وانسناً وراحة وبركة. وفي قلوب جاهزة للتلقي، فهذه القلوب هي التي تسعد وتلتذ بكلام الله سبحانه. وكما قال عثمان: لو صفت قلوبنا لما شبعت من كلام ربنا.

دائماً تذكر جيل الصحابة أن جيل الصحابة ما كان عندهم مكتبات، صحيح! ما كان عندهم معرض كتاب ويروح يذهب وبده يشتري كتب ويحط رزمة ورا رزمة. ما هو الكتاب الذي جلس الصحابه عليه خمسين سنة؟ هو الوحيد اللي بيقرأوه القرآن، يعني ذاك الجيل ما كان بين أيديهم أي كتاب ثقافي تربوي إصلاحي، كانوا فقط الكتاب الوحيد اللي في بيت كل واحد منهم هي مجموعة من الصحف فيها القرآن، ويأتي يجلس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم يتعلم ما فيها من المعاني، ويبدا يعمل ويتعلم من الأحاديث وحرروا فارس والروم.

بعض الناس يتوهم أن تحرير أراضي المسلمين وعودة الأمة إلى عزتها كل ما نقرا كتب أكثر وأكثر رح نعرف، لا لا، القضية مش كذا! كل ما عدنا إلى القرآن والسنة أكثر وأكثر وتربينا عليها وصنعنا قلوبنا وأجيالنا عندئذ أتكلم عن قادة وفاتحين. وطبعا هذا لا يعني الإنسان لا يقرا ولا يثقف، اقرأ، لكن ليكن أهم شيء تقرأه وأكثر شيء تقرأه وتعيده وتكرره هو القرآن.

حتى لا نطيل، ندخل في وجبة اليوم بإذن الله. نحن في الدرس الماضي بدانا في الآيات الثلاث الأُول من سورة الأنعام، بعد أن تحدثنا عن أهمية هذه السورة ومواضيعها الأساسية الأربع. قلنا: أول موضوع أساسي في سورة الأنعام ما هو؟

تحقيق معاني توحيد الألوهية من خلال تعريف البشر بمعبودهم وتعبيدهم لهذا الإاله العظيم، وهذا هو المعلم البارز.

ثانياً: مناقشة أهل الباطل في تصميمهم على باطلهم، وبيان نفوس أهل الباطل وكيفية تعاملهم مع الوحي الإلهي وتلقيهم لهذه الآيات والبراهين أهل الباطل قديما وحديثا.

ثالثاً: كيف يتعامل المؤمن المستضعف مع أهل الباطل الذين تكون لهم الجولة أحيانا على المسلمين. لما تكون أنت مسلم مستضعف تعيش في مجتمع أو نظام أو بيئة غير متدينة قد تحارب التدين، قد تجبرك على أمور لا ترتضيها ديانة، كيف أتعامل وما هو الموقف الذي يجب أن أتحذه حيال هؤلاء بالتفصيل سورة الأنعام تركز أيضا على هذا المعنى.

بقي معنا رابعاً؟ تنبيه الكافرين والمشركين أن حالة الهيمنة التي هم عليها على أهل الإيمان لن تستمر وأنها لا بد زائلة، وأنها هي جولة من جولات الحياة وستزول، هيمنتهم عما قريب. هذا تهديد ووعيد وفي نفس الوقت تطمين للمؤمن أنه لا يهولنك ما ترى من سطوة أهل الباطل، وأن أهل الإيمان ليس لهم كلمة في واقعك المعاصر، لا، قريبا ستزول هذه السطوة.

طبعا كلمة قريب في التاريخ البشري ليست سنة وسنتين؛ يعني هذه نحن المشكلة بنعاني فيها مع كثير من الإخوة اللي بدهم يدرسوا التاريخ، لما نقول قريبا ستزول هو مفكر أنه بكره، لا، يعني قريبا في تاريخ الأمم والشعوب ممكن تكون مئة سنة، مئتا سنة، هذا قريب وكل آتٍ قريب، فلا تستعجل الأمور أنه طب متى يا شيخ متى؟ لا، هي القريب لا تعني دائما الشهر والشهرين والسنة والسنتين. في تاريخ الأمم سيدنا نوح جلس ألف سنة إلا خمسين عاماً ثم أهلك قومه وهذا قريب كان ألف سنة.

فبالتالي دائما المؤمن الذي يتعامل مع القرآن يبدا يفهم ويرتاح أن هو ليس متشنجاً، ليس خائفاً، ليس مرتبكاً من الواقع، لأنني أنا أهتم بما يحصل الآن حصل مثله وأصعب في العقود مع الانبياء ومع في تاريخ التاريخ البشرية، فانا لست مرتبكاً من الواقع المعاصر، هي سنة من سنن الحياة وأنا أعيش ضمن هذه الفترة الزمنية، وعلي أن أقدم أفضل ما يمكن أن أقدمه خلال هذه الفترة الزمنية التي منحتها في هذا الوجود.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظَّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1]. وقلنا: ثم هذه ما مفادها هنا؟ كلمة ثم بالتحديد للاستبعاد والتعجب، هذه ثم تعطيك معنى الاستبعاد؛ يعني بعد كل هذا، إله خلق السماوات والأرض وخلق الظلمات والنور، بعد كل هذا تشركون به سواه؟

طبعا كلمة الظلمات والنور؛ أحد الإخوة سأل: لماذا جمعت الظلمات وأفردت النور؟ لماذا ما قال الظلمات والانوار؟ أو أفرد الاثنين فقال: وجعل الظلمة والنور؟ لماذا قال ظلمات ونور؟ الآن هناك عدة توجهات ذكرها المفسرون؛ منها:

إذا قلنا أن معنى الظلمه والنور هنا مناهج أهل الباطل ومنهج أهل الحق، وهذا قول في الآية ذكره الواحدي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه معنى وجعل الظلمات والنور، وهذا معنى جميل؛ إحدى المعاني المذكورة أن الله خلق مناهج أهل الباطل وخلق المنهج الحق. وهذا أيضا يزيدك طمانينة أن مناهج أهل الباطل من العلمانية والليبرالية والنسوية وغيرها، من الذي أذن لها أن توجد؟ الله!

نعم، يعني أنت ترى هذا الكافر يتكلم بها، وذاك الضال يتكلم بها، وذاك الفاسد يتكلم بها، لكن تذكر أنه في النهاية الذي أوجد هذه المناهج على تعددها وكثرتها هو الله سبحانه وتعالى ليبتلي بها البشر. فهو الذي خلق الظلمات بكل مناهج أهل الباطل، وخلق منهج الإسلام وأوجد منهج الإسلام الصحيح، حتى ينظر إلى أين ستسير أنت أيها الإنسان في هذه الحياة. كما خلق الكافر والمسلم خلق الحق والباطل لتكون: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].

فهذا معنى يطمئنك، ما دام الله هو الذي أوجد الباطل بمعنى أذن له أن يوجد ليبتلي به، إذاً هو سبحانه وتعالى يعلم أمره وشأنه، وما تضخمه وإلى أين سينتهي هذا الباطل هو الذي أوجده. فعلى هذا المعنى نعم تكون الظلمات بالجمع؛ لأن مناهج الباطل كثيرة، والنور بالافراد؛ لأن منهج الحق واحد لا سواه.

هذا معنى. إذا قلنا لا، الظلمات على معناها الأصلي الظلمات الكونية والنور هو النور الكوني الذي نراه في النهار، فلماذا جمعت الظلمات وأفردت النور؟ سهيل؛ يعني خلينا نقول الظلمات في الكون أكثر من النور، فإذا أنت قالوا دخلت في طبقات السماوات أو نزلت في باطن الأرض ستجد أن مساحة الظلمات أكثر من مساحة النور، فالظلمات كثيرة فجمعت للدلالة على كثرتها في هذا الوجود مقارنة بقله النور، هذا معنى ذكره بعضهم.

وهناك من ذكر أن هذا من باب التشريف، وهذا ذكره ابن كثير، أن من التشريف أن الشيء الأشرف يفرد والشيء الأقل شرفا يجمع، ومثل عليه بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: 48]. لماذا جمع الشمال شمائل وأفرد اليمين؟ أيهما أشرف اليمين ولا الشمال؟ اليمين. فيقول من عادة العرب أن الشيء الشريف يأتي به بصيغة المفرد والشيء الغير محبوب يؤتى به بصيغة الجمع، فيمين وشمائل ونور وظلمات، الأشرف يفرد والأقل شرفا أو المكروه يبعد عفوا يجمع، فلذلك جمع الظلمات وأفرد النور لأن النور شيء محبوب للنفس مرغوب لها فلذلك شرفه.

طب لماذا قدم الظلمات على النور؟ لماذا ما دام النور أشرف يا شيخ، لماذا ما ابتدا به؟ مش عاده يبتدا بما هو أشرف؟ لماذا ما قال وجعل النور والظلمات؟ لماذا قال وجعل الظلمات؟ ابتدا بالأقل ثم انتقل للأعلى وجعل الظلمات والنور. قالوا: لأنه من حيث الوجود الكوني أيهما أسبق؟ النور ولا الظلمة؟ الظلمة أسبق على النور من حيث الوجود الكوني، وجاء في هذا الحديث أن الكون خلق في ظلمة، فلأن الظلمة هي الأسبق وجوداً قدمت في الذكر هنا. الظلمة سبقت النور في هذا الوجود الكوني الذي تشاهدونه. هذا فقط يعني مرور على كلمة الظلمات والنور وما فيها من اللفتات.

ثم الآية الثانية قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: 2]. وقلنا هذه الآية عملت كاميرا أصغر شوي على الوجود الإنساني بالتحديد، كون الإنسان هو قصة القرآن عليه وهو الحكاية تدور حوله. فأعطاك أنه أيضا أحاطة ثانية؛ الإحاطة الأولى كانت إحاطة كونية، الإحاطة في هذه الآية إحاطة بالعمر الإنساني، إحاطة عمرية بحياتك يا أيها الإنسان من لما خلقت من طين من لدن سيدنا آدم إلى أن يموت كل واحد منكم باجله إلى أن يأتي الأجل المسمى وهو يوم القيامة. إحاطة كونية شاملة عفواً، إحاطة عمرية شاملة.

ثم بعد ذلك نفس الشيء: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾. ثم التي للاستبعاد والاستنكار والتعجب، ومع ذلك يبقى هناك من يمتري بألوهية الله سبحانه وتعالى ومن يخضع لغيره.

ثم قال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: 3]. وقلنا هذه أيضا بتعطي إاحاطة في ايش؟ إحاطة بالأعمال البشرية تمام.

فيقول سبحانه، الان قلنا هناك في طريقتين في قراءة هذه الآية؛ أما أن تقف: وهو الله في السماوات، ثم تكمل: وفي الأرض يعلم سركم وجهركم. أو الطريقة الأكثر عليها أن تقول: وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون.

قلنا ما معنى ويعلم ما تكسبون؟ حصائد الأعمال؛ يعني النتائج التي ستحصلها، لأنه أنا بقول لك أنا بعرف شغلك وبعرف اللي رح تكسبه من هذا الشغل ها، أنا بعرف شو شغلك وبعرف هذا الشغل شو رح تكسب منه. فيقول سبحانه: هو يعلم سركم يعني أعمالكم الباطنية، وجهركم أعمالكم الظاهرية، ويعلم اللي رح تكسبوه من هذه الأعمال وحصائدها في الدنيا شو رح تكسب.

ماذا ستكسب منها؟ ومع كل هذه الإحاطة الكونية والعمرية وبحياة وبأعمال الإنسان بعد ذلك، نشرح في مجلس اليوم. يقول سبحانه وتعالى في المقطع الثامن من هذه السورة مبينا لحال صنف من أهل الباطل وهم الصنف الأكثر، عوام أهل الباطل. عوام أهل الباطل هم السواد الأعظم فيهم أهل الباطل. طبعا لما أقول اخواني أهل الباطل، حتى نسقط الآية على واقعنا المعاصر، هذا بيشمل الكفار، بيشمل أهل البدع والأهواء، بيشمل الفجار والفسقة والمذنبين حتى ولو لم يكونوا كفاراً. كيف يتعامل أهل الباطل، عوامهم وغالبيتهم وسوادهم الأعظم، كيف يتعاملون مع هذه البراهين الواضحة والآيات الجلية؟ لما أقول لك هناك رب خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ورب محيط بعمرك، ورب محيط بعملك، الأصل هذا يخليك ايش؟ تجبل، تخضع، تذعن لأوامر هذا الرب ولتشريعاته ولأحكامه، وأكون متمسكاً بشريعته وبالأحكام الإلهية قدر المستطاع، ما أكون ذلك المتمرد المجادل اللي ربنا بيقول له: لا تحط مالك إبان ربوي في بنوك ربوية، إلا مصر يحط ماله في بنك ربوي! الاخت المتبرجة اللي ربنا يأمرها بالحجاب في القرآن وهي مصرة أنها ما بدها تلبس الحجاب! الكثير من المعاصي والذنوب. الأخ اللي بيسمع ربنا بيأمره بغض البصر وهو مصر: لا، أنا بدي أضل أطلع على الأفلام، المسلسلات، على الأشياء.

طيب، هو أنت الآن عم تقرأ سورة الأنعام؟ سورة الأنعام عم تحدثك عن إله عظيم ورب مهيمن على كل شيء. الآن طبيعة هذه الهيمنة تقتضي منك تخضع، إذا أنت والدك أحياناً بتخضع له وهو مش ماسك شيء! تمام؟ مسؤول العمل عندك في الشركة أو في... بتقضاع له وهو بشر ضعيف مسكين دوبه مسيطر على حاله! الإله الذي هيمن على هذا الوجود أليس هو الأحق أن يخضع له الخضوع التام بأحكامه وتشريعاته، وأن يحرص الإنسان على أن يفعل ما يريده الله منه ولا يتمرد عليه؟ هنا ربنا سبحانه وتعالى يعطيك النموذج البشري السائد عند أكثر أهل الباطل، فيقول: ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاؤُا مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: 4-5].

منهج أهل الباطل في هذا المقطع يقوم على ثلاثية؛ ثلاثية الإعراض يتبعها التكذيب، يتبعها الاستهزاء بالحق. هذه ثلاثية الله سبحانه وتعالى ذكرها عن أهل الباطل: إعراض ﴿كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾، نتج عن الإعراض ايش؟ تكذيب ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾، طيب نتج عن التكذيب ايش؟ ﴿أَنبَاؤُا مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. إذاً هي ثلاث أمور ستجدها عند أهل الباطل خاصة هذا الصنف. هذا الصنف من هو يا إخواني؟ هذا الصنف هو الإنسان اللي بتحاول أنت تعطيه الأدلة والبراهين على أي حكم شرعي، هو ما بده يسمع! يعني مش بعطي لنفسه مساحة أنه يسمع ويشوف ويقلب النظر في الأدلة، بعدين يعطي رأيه أنه خلص تمام كلامك صح أو كلامك مش مقنع، لا، هو من البدايه معرض. مهما أتيته من آية أو دليل: يا فلان تعال بدي أناقشك في الربا أنه حرام؟ لا لا، خلص، يعني هذا الموضوع لا تفتحه معي، أنا ما بدي أسمع هذا الموضوع. يا اختي الكريمة تعالي موضوع الحجاب واللباس الشرعي؟ والله هذا الموضوع ما بدي حدا يفتحه معي، خليني أنا شوي بس اقتنع شخصياً! هذا ما نسميه الإعراض.

اللي كل ها شوف التعبير حتى القراني الذي يدل على الاستمرارية في حياة هذا الشخص: ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾، يعني هذه آيات مش مجرد استنباطات بشرية أو اجتهاد، لا، آيات الله، براهين الله. براهين الله أتَى بها، في هناك برهان أعلى من برهان ودليل يأتي به الله. يعني أنا ممكن أجيلك دليل بس يكون دليل غلط صح أو في عليه علامات استفهام أو دليل مش كامل، لا، القرآن هو أدلة وآيات يأتي بها الله، هذا لا يمكن أن يكون فيه نقص. فربنا يقول عن هذا الصنف من أهل الباطل: وما تأتيهم من آية، أي آية من آيات الله، من أدلة الله تخبرهم أن هذا حرام، هذا حلال، هذا يجب تفعله، هذا يجب تتركه، كيف يتعامل هذا الشخص مع آيات الله أدلة الكتاب والسنة؟ بالاعراض. وهذه مشكلة. طبعا بعد صفحتين سيأتي معنا قصة صنف آخر اللي منهم ﴿مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾، هذا صنف ثاني من أهل الباطل اللي بعطي لنفسه مساحة يسمع، لكنه ايش مش مجاوبة معه الآيات، مش عم بيقتنع، هذا نجي عليه بعدين.

لا، هنا نحن نتكلم عن أول صنف لأنه الصنف الشائع اليوم، إذا بتنظر في الحياة الغربية المادية أو حتى يعني ليس الغرب بمعناه الكامل بيشبه حتى الشرق المادي الضائع البعيد عن الله سبحانه، تجد أن أكثر الناس المقيمين في بلاد الكفار هم أناس معرضون عن التفكر في دلائل الوجود. هو مش أنه عم بينظر وبحاول يعطي نفسه مساحة من الجدية والاهتمام في التفكير بعدين اقتنع أن الإسلام غلط، لا، هو من البداية معرض، هو لا يعطي لنفسه مساحة أن ينظر في الأدلة ثم بعد ذلك يتخذ القرار، هو ما بده يشوف أصلاً، هو غرقان في شهواته ملذاته وحياته المادية. وهذا مش موجود فقط في الغرب، بل حتى في بلادنا وكثير من بلاد المسلمين، بل حتى ممكن يكون ناس من أقاربك من أعمامك وعماتك وأخوالك وخالاتك اللي بتيجي بتشوف عنده منكر معين، بتيجي بتقول له: تعال يا إخي بدي أكلمك بالدليل، بآيات قرانية تخبرك أن اللي بتعمله حرام. يعني خلينا نبتعد عن هذا، ما في داعي، نحن أمورنا طيبة وإن شاء الله يعني كل واحد يفعل ما يراه مناسباً. هذا هو الإعراض.

وما تأتيهم أي دليل بتجدر تعرضه عليه هو معرض، لا يريد أن يتحسن، ما بسميه لا يملك إرادة للإصلاح، هو في نفسه لا يملك إرادة ولا جدية ولا اهتمام أن يصبح أفضل في علاقته مع الله وأنه يصلح أخطاءه. وأي محاوله منك لتبرهن له على سلوكياته الخاطئة وأفعاله غير الموافقة للشريعة هو مش مستعد يسمع أصلاً، مش مستعد أن يعطيك مساحة لتناقشه، وهذا مشكلة. وهذا كما قلت هم الأكثر من هذا الصنف، فيقول سبحانه عن هؤلاء: وما تأتيهم من أي دليل، أي من آيات الله -لاحظ حتى نسبتها إلى الله هي نسبة التشريف: آيات ربهم- يعني هي مش آيات علماء ولا مصلحين ولا دعاة، آيات الله اللي هي آيات تخضع لها النفوس والقلوب، مع ذلك ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾. ثم قال: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾، فقد كذبوا بالحق لما جاءهم. هذه الفاء تسمى الفاء الفصيحة، تسمى فاء ايش؟ الفصيحة، تفصح عن شرط مقدر. تقدير الآية: فما داموا أعرضوا فقد كذبوا. الإعراض يولد ماذا؟ التكذيب. لما أنت ما بدك تسمع الحق أنت أصلاً ما بدك تسمع، ما بدك تتناقش، فرح تكذب الحق.

تيجي على فتاة، كما قلت، إنسان مرابي ما بده يسمع أصلاً آيات تحريم الربا، إذاً هو سيكذب بما تقوله أن الربا حرام، لأنه هو مش معطيك مساحة أصلاً انك تعرض عليه الأدلة على الحرمة. تاتي لفتاة تقنعها أن الحجاب واجب، تقول لك: لا لا، أنا ما بدي أسمع أصلاً. إذاً أعرضت وما سمعت، هذا بالتاكيد سيولد تكذيباً، هي لن تؤمن أن الحجاب واجب، ستبقى تكذب بهذه القضية ليه؟ لأنه هي معرضة، هي مش معطية نفسها مساحة تسمع. فإذاً يقول سبحانه: إذا كانوا قد أعرضوا فقد كذبوا. هذا تقديره: إذا كانوا قد أعرضوا ورفضوا الاستماع والانصات للحق، فقد كذبوا. هذه فائدة إخواننا: أن الإنسان مهما كان عندك أخطاء أو ذنوب أو معاصي، حاول دوماً تسمع، اجلس مع المشايخ، اجلس مع أهل العلم، حاول؛ لأنه فتح مجال الاستماع والإنصات ممكن يغير كثير من قناعاتك بالباطل الذي عندك.

وكذلك أهل البدع وأهل الأهواء، أهل البدع وأهل الأهواء من أكثر الناس اللي بتصمم أنها تضلها تسمع لجماعتها، فإذا أردت أن تقول له: طيب تعال أناقشك في بعض بدعك في بعض إشكالاتك العقدية، لا خلص، أنا مشايخي حكوا لي كذا. طب نتحاور نحن وإياك نحاول نتفاهم مع بعض، لا خلص أنا سمعت وما بدي أسمع أي شيء من غير الطبقة اللي بأسْمَع منها. وبالتالي شيء طبيعي أن يكذب بالحق الذي أملكه؛ لأنه هو مش عم بيعطي لنفسه فرصة. فقال سبحانه: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾. إذاً هذه الفاء فاء الفصيحة التي تفصح عن شرط مقدر، هكذا تقول: إذا كانوا قد أعرضوا فقد كذبوا. كذبوا بماذا؟ بالحق. وكلمة الحق تشمل كل الشريعة الإلهية، كل الشريعة الإلهية بما فيها من عقائد وفقه وكتاب وسنة والكلام عن اليوم الآخر وما شابه ذلك.

فقد كذبوا بالحق لما جاءهم. هنا ما دام كذبوا بالحق لما جاءهم، أي بالتالي لا بد من الوعيد! ما دمت أنت مش معطي لنفسك مساحة انك تتعلم، بدك تضل تتعامل مع الدين والشريعة بالإعراض، هذا الإعراض جعلك مكذباً، وهذا التكذيب ستدفع ثمنه. فقال سبحانه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاؤُا مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. ما دمت معرض -طبعا هنا الكلام ابتداءً عن الكفار الذين كانوا يكذبون النبي عليه الصلاة والسلام بصدق القرآن وبأنه في يوم آخر وبانه في عذاب رح ينزل عليهم إذا ما صدقوا- فيقول لهم سبحانه متوعداً: فسوف ياتيهم. وهذه الفاء هنا تفريعية، يسمى فسوف، يعني ما دمت كذبتم يتفرع عن هذا: سوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون.

الان هنا السؤال العلمي: هو سوف يأتيهم النبأ ولا حقيقة النبا في الخارج؟ يعني الآن الأنباء جاءتهم في القرآن، فكيف يقول فسوف ياتيهم الأنباء ما هي الأنباء جاءتهم؟ هنا إخواني المراد: سوف يأتيهم حقيقة الأنباء. هم كذبوا بأنه في ايش؟ في يوم آخر. لما أقول لك: سوف يأتيك نبأ اليوم الآخر، ما معنى سوف يأتيك نبأه؟ سوف يأتيك واقعه، سيقع وتشاهده. فسوف يأتيهم إذاً أنباء، يعني سوف يأتيهم حقيقة الأنباء في الخارج ستنزل عليهم. هم كذبوا بأن الله مثلاً سيعذبهم، خلص رح يجيك النبأ، أقول لك رح يجيك النبأ، المراد النبأ ايش؟ الواقع الذي كذبت به سوف يأتيك. وسوف هنا تدل على أمرين: على التأكيد، تفيد تأكيد وقوع هذه الأنباء التي استهزؤوا فيها، سواء من إهلاك الله للكافرين، سواء من نصرة الله للمؤمنين، سواء من اليوم الآخر. كل هذه الأنباء اللي أنتم ما صدقتوها وتعاملتم معها بالإعراض ثم بالتكذيب، سوف ياتيكم مصدقها وسترونها أمامكم.

لكن ايش قال؟ سوف. سوف تدل على تأكيد حصول هذا مع ايش؟ أنه ليس الآن، الآن. ولذلك الله عز وجل يملي للظالم صحيح: ﴿وَنَمُدُّهُمْ﴾، هم في طغيانهم. من سنن الله في الكون التي يجب كلنا نفهمها ونعقلها أن الله سبحانه يملي للظالمين؛ لأنه بعض الناس بقول لك: يا شيخ هذول كفار ليش ربنا ما قضى عليهم؟ لا، هذه من سنن الله اللي لن يستشعرها إلا من يقرا القرآن، يفهم أن من مرادات الله في الوجود الإنساني أنه يعطي للكافرين فرصة ويعطيهم مساحة عمرية، أنه في النهاية هذا الكافر إذا مات على كفره انتهى، خالد مخلد في نار جهنم. فمن رحمة الله أنه بيعطي مساحة للكافر لعله لعله... الدنيا بالنسبة للأخره لا تزن عند الله شيئاً، وبالتالي لو خلى الكافر يعيش اثني عشر ألف سنة، هذا لا شيء مقابل الخلود الأبدي في جهنم. فمن رحمة الله، وستاتي معنا في الصفحة القادمة: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، من رحمة الله بالوجود البشري أنه إذا شافك على كفر أو على نفاق أو على باطل أنه بيعطيك مساحة، يعطيك ﴿وَنَمُدُّهُمْ﴾ لعلك تستيقظ، لعلك تنتبه، لعله... لأنه إذا انتهيت كافراً فإن الخلود الأبدي في نار جهنم اللانهائي (الانفينتي) هذا خلود لانهائي لا يقارن بالدنيا، هذا ينتظرك.

فلذلك لا تحزن يا أيها المؤمن إذا رايت الكافرين طال وجودهم، إذا رايت الظلمة والفاسدين والدول الاستعمارية والصليبية واليهودية والماسونية طال أمدها، هذا جزء من سنة الله في الوجود أنه ليس الآن سينزل العذاب والعقاب، لا، سيعطى هؤلاء مساحة ﴿وَنَمُدُّهُمْ﴾، لكن لما يأتي الحق والعذاب الذي سينزل سيستأصلهم استئصالاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُمْ﴾، راح فيها، خلص انتهى. كلمة انتهى، مش انتهى يعني بس خلص تبخر، انتهى يعني خلود في نار جهنم لا ينتهي أبد الآباد، هي مجرد التفكير فيها مخيف ومرعب.

طيب قال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاؤُهُ﴾ وعرفنا ما معنى الأنباء يعني حقائق الأنباء، وقائع الأنباء على الواقع الخارجي سوف ياتيهم. ولاحظ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. طيب لماذا هذا؟ ما ختم الآية: فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يكذبون؟ يعني هي الآية ابتدأت ايش؟ أنت كذبت رح يجيك نبأ اللي كذبت فيه، هيك أنا بتوقع يكون نهاية الآية: أنت كذبت بهذا الحق رح يجيك نبأ الذي به كذبت. لا، هو ما قال سوف يأتيك نبأ الذي به كذبت، قال: سوف ياتيك نبأ الذي به استهزأت! لماذا انتقل للاستهزاء ولم يقتصر على التكذيب فقط؟ أبو الفلس... أحسنت! أنه هنا هؤلاء، في ناس إخواني في واقعنا ربما حتى أنت ممكن تعيش معهم في عائلة بعضكم، أن هو مش بيقتصر فقط أن يكذب بالدين أو يكذب بالشريعة أو ببعض أحكام الشريعة، يصل به الحال إلى الاستهزاء بها، صحيح!

يعني تجد بعض النساء للاسف هي مش واصلة لمرحلة أنه هي ما بدها تلبس الحجاب، لا، هي واصلة مرحلة أنها بتستهزئ بالمحجبات! صح؟ في واحد مثلاً ما بده يطلق اللحية، هو مش واصل لمرحلة أنه هو لا يؤمن بشرعيتها وخلص، لا، هو يستهزئ باللي بربي لحيته! هذه أعلى أعلى درجات التمادي والطغيان، أنه أنت ما اقتصرت

أنْتَ لَحَالِكَ مَا بَدْكَ تَلْتَزِمَ، يَا أَخِي أَنْتَ مَا بَدْكَ تَلْتَزِمَ؛ خَلَصَ قِفْ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ. أَعْرَضْتَ، أَفْهِمْنَا الْإِعْرَاضَ وَلَا التَّكْذِيبَ، فَهِمْنَا لَا، هُمْ وَصَلُوا إِلَى التَّمَادِي وَالتَّمَاهِي مَعَ الْبَاطِلِ تَبَعَهُمْ أَنْ يَسْتَهْزِئُوا بِثَوَابِتِ الْإِسْلَامِ وَبِقَوَاعِدِ الْمِلَّةِ وَبِأَهْلِ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ. تُلَاقِي حَالَكَ فِي جَلْسَةٍ، تُلَاقِي هَذَا زُتَّ لَهُ كَلِمَةَ اسْتِهْزَاءٍ بِالْمَشَايِخِ، هَذَا زُتَّ لَهُ كَلِمَةَ اسْتِهْزَاءٍ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، هَذَا مِشْ مُقْتَنِعٌ بِالْحِجَابِ، هَذَا مِشْ مُقْتَنِعٌ بِالنِّظَامِ الْإِسْلَامِيِّ، هَذَا مِشْ مُقْتَنِعٌ؛ أَيُّ شَيْءٍ يَجِدُ نَفْسَهُ مُكَذِّبًا بِهِ يَسْتَهْزِئُ بِهِ. فَاللَّهُ يَقُولُ لِهَؤُلَاءِ وَيُرِيكَ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ وَصَلَ بِهِ الْحَالُ إِلَى التَّمَادِي: سَوْفَ يَأْتِيكَ أَنْبَاءُ مَا كُنْتَ بِهِ تَسْتَهْزِئُ. مَعَ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا كُنْتَ تَجْلِسُ مَعَ الْمَشَايِخِ كُنْتَ تَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَتَقُولُ: هَذَا مِشْ رَحْ يَصِيرُ، وَهَذَا أَنْتُمْ خَرْبَطَاتٌ؛ هَذَا الَّذِي كُنْتَ تَسْتَهْزِئُ بِهِ اسْتَنَّ شُوَيَّ سَتَرَاهُ عِيَانًا أَمَامَ عَيْنَيْكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ. فَهَذِهِ الْآيَةُ تُبَيِّنُ لَكَ طَبِيعَةَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ الْبَشَرِ، الْمُعْرِضِ الْمُكَذِّبِ الْمُتَمَادِي.

ثُمَّ تَأْتِي الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا لِتُحَاوِلَ أَنْ تُوقِظَهُمْ، تَعْمَلَ انْعَاشًا لِهَؤُلَاءِ إِذَا كَانَ يَقْبَلُ الِانْعَاشَ؛ فَيَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ﴾ هَؤُلَاءِ الْمُعْرِضُونَ الْمُكَذِّبُونَ الْمُسْتَهْزِئُونَ، أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ. ثُمَّ مَاذَا كَانَتِ النَّتِيجَةُ بَعْدَ كُلِّ هَذَا التَّمْكِينِ وَالْبُنْيَانِ وَالْحَضَارَةِ؟ بِكُلِّ بَسَاطَةٍ: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: 6]. جِيلٌ كَامِلٌ انْمَسَحَ وَأَتَيْنَا بِجِيلٍ آخَرَ، وَبَقِيَتِ الْأَرْضُ وَالْإِلَهُ إِلَهٌ وَالْكَوْنُ كَوْنٌ وَزَالَ هَذَا الْجِيلُ. هَذِهِ صُورَةُ أَهْلِ الْبَاطِلِ الَّذِي رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَانَ يَعِظُ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَنَْتَبِهُوا لَهَا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهِيَ وَاعِظٌ لِكُلِّ مُشْرِكٍ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَوَاعِظٌ لِكُلِّ مُبْتَدِعٍ وَلِكُلِّ فَاجِرٍ وَلِكُلِّ عَاصِي.

اعْتَبِرْ بِمَا صَنَعَ اللَّهُ بِمَنْ قَبْلَكَ؛ أَكْثَرُ النَّاسِ مَا بِتَعَلَّمُ إِلَّا مِنْ كِيسِهِ، مِشْ هَيْكَ نَحْنُ نَحْكِي؟ أَكْثَرُ النَّاسِ مَا بِدَهُ يَتَعَلَّمُ مِنْ تَجَارِبِ الْمَاضِينَ، يَبْقَى مُغْلِقًا عَيْنَيْهِ وَيَقُولُ لَكَ: أَنَا الَّذِي رَحْ تَزْبُطُ مَعِي، أَنَا الَّذِي رَحْ أَقْضِيهَا بِالشَّهَوَاتِ وَالْمَعَاصِي وَرَبُّنَا مَارَحْ يُعَاقِبُنِي، مَعَ أَنَّهُ شَافَ كَثِيرَ نَاسٍ أَصْحَابَ فُجُورٍ وَمَعَاصِي كَيْفَ كَانَتْ خَاتِمَتُهُمْ وَكَيْفَ كَانَتْ نِهَايَتُهُمْ وَكَيْفَ أَنَّ اللَّهَ أَهْلَكَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، أَفْقَرَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، قَطَعَ شَمْلَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ. كُلُّ وَاحِدٍ فِيكُمْ عِنْدَهُ قِصَّةٌ وَعِنْدَهُ عِبْرَةٌ وَيَعْرِفُ أَهْلَ مَعَاصِي وَذُنُوبٍ وَفُجُورٍ كَيْفَ كَانُوا فِي خَيْرٍ؛ فَبِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ اللَّهُ مَحَقَ الْبَرَكَةَ مِنْ حَيَاتِهِمْ وَجَلَبَ عَلَيْهِمُ الْفِرَاقَ وَالْهَلَاكَ وَمَحَقَ الرِّزْقَ وَالْبَرَكَاتِ. فَهَذِهِ الْآيَةُ تَبْصِرَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا، أَسْقِطْهَا عَلَى نَفْسِكَ وَعَلَى حَالِكَ وَعَلَى كُلِّ مَنْ يَعِيشُ حَوْلَكَ. ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ كَمْ هَذِهِ كَمْ تُفِيدُ التَّكْثِيرَ؛ كَثِيرٌ هُمُ الَّذِينَ هَلَكُوا وَقَلِيلٌ هُمُ الَّذِينَ نَجَوْا.

كَمْ أَهْلَكْنَا كَثِيرٌ هُمُ الَّذِينَ هَلَكُوا عَبْرَ تَارِيخِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَقَلِيلٌ هُمُ الَّذِينَ نَجَوْا. كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِنْ قَبْلِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ كَانُوا مُخَاطَبِينَ ابْتِدَاءً مِنْ قَرْنٍ، الْقَرْنُ هُوَ الْجِيلُ مِنَ الزَّمَانِ. هَذِهِ الْأُمَمُ الَّتِي أَهْلَكَهَا اللَّهُ هِيَ مَا كَانَتْ أُمَمًا ضَعِيفَةً، مَا كَانَتْ أُمَمًا صَغِيرَةَ الْأَجْسَادِ مَعَ أُمُورِهِمُ الْمَالِيَّةِ مَحْدُودَةٍ؛ لِذَلِكَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ قَدَرَ عَلَى إِهْلَاكِهَا، بَلْ كَانُوا فِي قِمَّةِ التَّمْكِينِ الْمَادِّيِّ؛ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ يَا كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَيَا أَيُّهَا الْعُتَاةُ.

هَلِ اللَّهُ يُمَكِّنُ لِلدَّوْلَةِ الْكَافِرَةِ؟ سُؤَالٌ؛ هَلِ اللَّهُ يُمَكِّنُ لِلْكُفَّارِ؟ كُفَّارٌ يَا شَيْخُ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ حَقَّ الْعِبَادَةِ؟ نَعَمْ، هَذَا بِدَكَ تَفْهَمَهُ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ سَقَطَتْ فِي مُتَابَعَةِ الْغَرْبِ وَاللَّهَثِ وَرَاءَ الثَّقَافَةِ الْغَرْبِيَّةِ؛ يَقُولُ لَكَ: شُوفْ يَا شَيْخُ مُتَمَكِّنِينَ، كَيْفَ الْيَوْمَ صَنَعُوا التَّكْنُولُوجْيَا وَالطَّيَّارَاتِ وَكَذَا وَكَذَا وَكَذَا، وَنَحْنُ الْمُسْلِمُونَ مَا زِلْنَا سَيَّارَةً مَا بِنْعَرْفُ نَعْمَلُهَا، أَشْيَاءَ يَسِيرَةً مَا بِنْعَرْفُ نَخْتَرِعُهَا، شُوفِ الْقَوْمَ وَيْنَ بَلَغُوا فِي التَّكْنُولُوجْيَا! هَسَّاةَ أَنَا مَا بِدِي أُبَرِّرَ تَقْصِيرَ الْمُسْلِمِينَ، نَحْنُ قَصَّرْنَا حَقًّا، لَكِنَّ تَمْكِينَ الْكَافِرِينَ هُوَ لَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَسِيرِهِمْ، وَرَبُّنَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ يُمَكِّنُ لِلدُّوَلِ الْكَافِرَةِ إِذَا أَخَذَتْ هَذِهِ الدُّوَلُ الْكَافِرَةُ بِأَسْبَابِ التَّمْكِينِ، إِذَا وَاللَّهُ الْجَمَاعَةُ فَتَحُوا مَحَلَّاتِ الْأَبْحَاثِ وَتَعَلَّمُوا فِي الْجَامِعَاتِ وَقَوَّوْا عُلُومَهُمْ بَتَمَكَّنُوا دُنْيَوِيًّا، وَهَذَا نَصُّ الْقُرْآنِ: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. إِذًا هُنَاكَ تَمْكِينٌ لِلْكُفَّارِ يَحْصُلُ إِذَا أَخَذُوا بِالْأَسْبَابِ الْمَادِّيَّةِ يَحْصُلُ؛ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ.

مِنْ يَقْرَأْ آيَةً عَنْ قَوْمِ عَادٍ كَيْفَ كَانَتْ أَجْسَادُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ؟ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ فِيهِمْ مِثْلَ جِذْعِ النَّخْلَةِ طُولًا؛ لِأَنَّ رَبَّنَا أَخْبَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا: ﴿كَأَعْجَازِ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: 7]. إِذًا هُمْ كَانَتْ أَجْسَادُهُمْ طَوِيلَةً وَبُنْيَانُهُمْ، وَقَوْمُ ثَمُودَ الَّذِينَ كَانُوا بَنَوْا مَدِينَةً كَامِلَةً نَحَتُوهَا فِي الْجِبَالِ؛ حَتَّى الْيَوْمِ تَنْزِلُ عَلَى الْبَتْرَاءِ الْأَنْبَاطُ، هَذِهِ مَدِينَةٌ كَيْفَ بُنِيَتْ؟ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ أَجْسَادُهُمْ لَيْسَتْ كَأَجْسَادِنَا، وَقُدُرَاتُهُمْ عَلَى الْإِنْتَاجِ وَالْحَرَكَةِ وَالصِّنَاعَةِ صَحِيحٌ مِشْ تَكْنُولُوجْيَا مَا اكْتَشَفُوهَا، لَكِنْ أَجْسَادُهُمْ وَبِنْيَتُهُمْ وَقُدْرَتُهُمْ وَذَكَاؤُهُمْ وَمَهَارَاتُهُمْ مُتَقَدِّمَةٌ، قَالَ: مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ. أَصْلًا أَنْتُمْ يَا كُفَّارَ قُرَيْشٍ!

وَأَعْطَاهُمْ تَفَاصِيلَ هَذَا التَّمْكِينِ أَيْضًا، قَالَ: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ﴾، وَالْمُرَادُ بِإِرْسَالِ السَّمَاءِ؛ السَّمَاءُ هُنَا بِمَعْنَى الْمَطَرِ. كَلِمَةُ السَّمَاءِ فِي الْقُرْآنِ تَأْتِي بِمَعَانِي؛ السَّمَاءُ تَأْتِي بِمَعْنَى هَذَا الْبِنَاءِ الَّذِي نُشَاهِدُهُ السَّقْفِ الَّذِي تَرَاهُ وَلَوْنُهُ أَزْرَقُ، تَأْتِي السَّمَاءُ بِمَعْنَى السَّحَابِ فِي الْقُرْآنِ، تَأْتِي السَّمَاءُ بِمَعْنَى الْعُلُوِّ، وَتَأْتِي السَّمَاءُ أَيْضًا بِمَعْنَى الْمَطَرِ، وَهَذِهِ رُبَّمَا مَعَانٍ أَرْبَعَةٌ أَصْبَحَتْ. فَهُنَا لَمَّا قَالَ: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ﴾؛ إِنَّ الشَّابَّ لَمَّا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ يَقُولُ لَكَ: كَيْفَ رَبُّنَا أَرْسَلَ السَّمَاءَ؟ مَهْيَ السَّمَاءُ مَوْجُودَةٌ، فَكَيْفَ أُرْسِلَتِ السَّمَاءُ؟ هَلِ السَّمَاءُ تُرْسَلُ؟ لَا، السَّمَاءُ هُنَا مَعْنَاهَا مَاذَا؟ الْمَطَرُ، هَذِهِ إِحْدَى مَعَانِي كَلِمَةِ السَّمَاءِ وَإِنْ كَانَ مَعْنًى مَجَازِيًّا. قَالَ: وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ؛ وَأَرْسَلْنَا الْمَطَرَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا. الْمِدْرَارُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ غَزِيرًا كَثِيفًا مُتَوَاصِلًا، وَهَذِهِ كِنَايَةٌ مَاذَا؟ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَيْضًا رَزَقَهُمْ.

لَاحِظْ إِذًا؛ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَتَّى يَرْزُقَ الدَّوْلَةَ الْكَافِرَةَ، يَرْزُقُ الدَّوْلَةَ الْكَافِرَةَ! وَهَذَا جُزْءٌ مِنْ مَنْظُومَةِ الْبَلَاءِ، أَنْتَ كَإِنْسَانٍ مُؤْمِنٍ بُدَّ لَمَّا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ تَفْهَمَ مَاذَا يَفْعَلُ اللَّهُ فِي هَذَا الْوُجُودِ؟ هَذِهِ فَائِدَةُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ؛ مَاذَا يَفْعَلُ اللَّهُ فِي هَذَا الْوُجُودِ مِنْ أَفْعَالَ لِأُصْبِحَ أَفْهَمَهَا فَلَا أَرْتَبِكَ. يَقُولُ سُبْحَانَهُ: وَأَنَا أَرْسَلْتُ الْمَطَرَ مِدْرَارًا مُتَوَاصِلًا؛ فَمَا عِنْدَهُمْ قَحْطٌ مَثَلًا، مَا كَانَ عِنْدَهُمْ قَحْطٌ، مَا كَانَ عِنْدَهُمْ قِلَّةٌ فِي الْمَزْرُوعَاتِ، لَا؛ الْأَمْطَارُ وَفِيرَةٌ وَالسُّدُودُ مُعَبَّاةٌ، وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ﴾، وَهَذَا يَدُلُّ إِخْوَانِي عَلَى أَنَّ الْمَاءَ عُنْصُرٌ مُهِمٌّ لِقِيَامِ الْحَضَارَاتِ.

لَاحِظْ أَنَّهُ لَمَّا رَكَّزَ فِي التَّمْكِينِ رَكَّزَ عَلَى إِيشِ؟ الْمِيَاهِ، سَوَاءٌ مِنَ السَّمَاءِ أَوْ مِنَ الْأَرْضِ. هَذَا يَدُلُّ أَنَّ الدُّوَلَ الَّتِي لَا تَمْلِكُ مِيَاهًا حَتَّى الْيَوْمِ فِي التَّصْنِيفَاتِ الْمُعَاصِرَةِ؛ الدُّوَلُ الَّتِي لَا تَمْلِكُ مِيَاهًا مُتَوَرِّطَةٌ اقْتِصَادِيًّا؛ لِأَنَّكَ عَصَبُ الْحَيَاةِ الْمَاءُ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30]. فَلَمَّا رَبُّنَا سُبْحَانَهُ تَكَلَّمَ عَنِ التَّمْكِينِ تَكَلَّمَ عَنْ أَهَمِّ أَدَاةٍ مِنْ أَدَوَاتِ التَّمْكِينِ، أَنْ تَكُونَ الدَّوْلَةُ تَمْلِكُ كَمِّيَّةَ مِيَاهٍ كَافِيَةً لِقِيَامِ الصِّنَاعَاتِ وَقِيَامِ الدُّوَلِ وَقِيَامِ الْحَضَارَاتِ. عَادَةً حَتَّى فِي الْعَرَبِ قَدِيمًا؛ الْعَرَبُ مَا كَانَتْ تَسْتَوْطِنُ فِي مَكَانٍ لَا مَاءَ فِيهِ، مَكَانٌ مَا فِيهِ مَاءٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ حَيَاةٌ.

وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ، أَيْ مِنْ تَحْتِ الْمُرَادِ قُصُورِهِمْ بُيُوتِهِمْ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ. بَعْدَ كُلِّ هَذَا؛ بَعْدَ شُوفِ الْآيَةِ وَصَلَتْ بِكَ إِلَى أَعْلَى دَرَجَاتِ الشُّعُورِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةَ مُرَفَّهُونَ وَالْأُمُورُ تَمَامٌ مَعَهُمْ فِي الْحَيَاةِ، شَايِفْ كُلَّ هَذَا الْبِنَاءِ الْحَضَارِيِّ؟ كُلُّ هِيَ الْحَضَارَةُ الْغَرْبِيَّةُ الَّتِي أَنْتَ شَايِفُهَا الْيَوْمَ وَمُبْهَرٌ بِهَا وَالْحَضَارَةُ السُّوفِييتِيَّةُ وَأَنْتَ مُبْهَرٌ بِهَا، فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾. مَا أَهْوَنَ الْخَلْقَ عَلَى اللَّهِ إِذَا عَصَوْهُ! مَا أَهْوَنَ الْخَلْقَ عَلَى اللَّهِ إِذَا عَصَوْهُ! فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ قَوْمُ عَادٍ قَوْمُ ثَمُودَ كُلُّ هَذِهِ الْمُدُنُ الَّتِي بَنَوْهَا؛ كَمْ جَلَسَ جِبْرِيلُ فَتْرَةً زَمَنِيَّةً لِيُهْلِكَهَا؟ لَحْظَةٌ إِخْوَانُ! جَاءَ فِي ثَمُودَ إِيشِ قَالَ؟ صَيْحَةً وَاحِدَةً، يَعْنِي نَحْكِي عَنْ ثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ كُلُّ هَذِهِ الْحَضَارَةِ زَالَتْ. تَخَيَّلْ حَضَارَةٌ كَمْ جَلَسُوا يُقِيمُونَ هَذِهِ الْحَضَارَةَ مِئَاتِ السَّنَوَاتِ زَالَتْ فِي ثَانِيَةٍ، حَتَّى تَعْرِفَ أَنَّهُمْ مَهْمَا تَمَكَّنَ الْبَاطِلُ مَهْمَا طَالَ أَمْرُهُمْ؛ أَنَا وَاثِقٌ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَادِرٌ أَنْ يُهْلِكَ الْيَهُودَ وَأَعْوَانَهُمْ فِي لَحْظَةٍ، أَنَا لَسْتُ قَلِقًا أَنَا لَسْتُ خَائِفًا؛ لِأَنَّ مَنْ صَنَعَ هَذَا بِقَوْمِ نُوحٍ طُوفَانٌ خِلَالَ سَاعَاتٍ كَانُوا كُلُّهُمْ غَرْقَى، بَعْدَ أَلْفِ سَنَةٍ مِنَ التَّمْكِينِ لَهُمْ خِلَالَ سَاعَاتٍ انْتَهَتْ مَسِيرَةُ أَلْفِ سَنَةٍ لِقَوْمِ نُوحٍ، خِلَالَ سَاعَةٍ انْتَهَتْ كُلُّ مَسِيرَةِ قَوْمِ ثَمُودَ بِكُلِّ الْمُدُنِ الَّتِي بَنَوْهَا وَالْحَضَارَةِ الَّتِي رَفَعُوهَا، وَقُسْ عَلَى ذَلِكَ عَادٌ وَكُلُّ الظَّالِمِينَ وَالْمُسْتَبِدِّينَ عَبْرَ تَارِيخِ الْبَشَرِيَّةِ.

وَقُسْ عَلَى ذَلِكَ أَنْتَ، مُمْكِنٌ تَكُونُ أَيْضًا بَانِيًا مَشَارِيعَ حَيَاتِكَ عَلَى غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ، بَانِيًا حَيَاتِكَ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَبَانِيًا وَمُخَطِّطًا وَبَدْكَ تَدْرُسْ فِي أُورُبَّا وَضَالِعٌ وَعَامِلٌ وَزَوَاجٌ وَيَعْنِي عَامِلٌ كُلَّ التَّخْطِيطَاتِ، وَتَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ غَافِلٌ عَنْ مَعَاصِيكَ وَغَافِلٌ عَنِ اسْتِهْتَارِكَ وَغَافِلٌ عَنْ ذُنُوبِ الْخَلَوَاتِ وَغَافِلٌ عَنْ كُلِّ بُعْدِكَ عَنْهُ، لَحْظَةً تَجِدُ كُلَّ أَحْلَامِكَ الَّتِي أَنْتَ بَنَيْتَهَا سَيَّارَةً وَمَرْأَةً وَحَيَاةً جَمِيلَةً وَبِدِي أَطْلَعَ وَأَبْنِي قَصْرًا، فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ يُهْلِكُ اللَّهُ لَكَ كُلَّ أُمُورِكَ بِسَبَبِ مَاذَا؟ الذُّنُوبِ. فَمَنْ قَالَ إِنَّ الذُّنُوبَ لَيْسَتْ سَبَبًا فِي الْفِيضَانَاتِ وَالزَّلَازِلِ وَالْمِحَنِ وَلَيْسَتْ سَبَبًا فِي شَقَاءِ حَيَاةِ الْإِنْسَانِ، هَذَا مَا عَرَفَ اللَّهَ!

لِأسَفِ نَحْنُ مَعَ الْحَيَاةِ الْمَادِّيَّةِ الْيَوْمَ نُحِبُّ نُفَسِّرُ أَيَّ زِلْزَالٍ أَوْ فِيضَانٍ أَوْ انْتِكَاسَةٍ فِي حَيَاتِنَا أَنَّهُ إِيشِ؟ أَنْتُمُ الْمَشَايخُ مَا تَعْرِفُونَ تُفَسِّرُونَ هَذِهِ الْأُمُورَ إِلَّا بِالدِّينِ، يَا أَخِي هَذِهِ عَوَامِلُ بِيُولُوجِيَّةٌ أَوْ عَوَامِلُ مَادِّيَّةٌ، هِيَ صَفَائِحُ أَرْضِيَّةٌ صَفِيحَةٌ شَالَتْ عَنْ صَفِيحَةٍ صَارَتْ زِلْزَالًا، يَعْنِي أَنْتُم هَذَا الْعَقْلُ الْمَادِّيُّ الْبَشَرِيُّ لِلْغَرْبِ -وَلِلأسَفِ- تَطَبَّعَ فِيهِ حَتَّى دَكَاتِرَةُ الْجَامِعَاتِ عِنْدِنَا وَأَصْحَابُ التَّخَصُّصَاتِ الْعِلْمِيَّةِ، أَنَّهُ لَا يُفَسِّرُ الظَّوَاهِرَ الْكَوْنِيَّةَ إِلَّا بِتَفْسِيرٍ مَادِّيٍّ بَحْتٍ، تَقُولُ لَهُ: يَا أَخِي هَذِهِ الْأُمُورُ وَاللَّهُ رَبُّنَا قَالَ: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾، مِشْ أَنَا الَّذِي وَضَعْتُ الذُّنُوبَ سَبَبًا لِلْإِهْلَاكِ، مِشْ أَنَا يَعْنِي مِشْ اقْتِرَاحِ شَيْخٍ، هَذَا مِنَ اللَّهِ. رَبُّنَا يَقُولُ إِنَّنِي أُهْلِكُ الْبَشَرَ بِسَبَبِ الذُّنُوبِ، بَدْكَ تَعْتَقِبُ عَلَى الْإِلَهِ سُبْحَانَهُ عَزَّ وَجَلَّ؟ رَبُّنَا يَقُولُ إِنَّ الْهَلَاكَ يَكُونُ بِسَبَبِ الذُّنُوبِ، نَعَمْ هُنَاكَ أَسْبَابٌ أُخْرَى، لَكِنَّ أَحَدَ أَسْبَابِ الْإِهْلَاكِ الذُّنُوبُ.

فَهَذَا تَنْتَبِهُ لَهُ أَنْتَ فِي حَيَاتِكَ، أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ حَضَارَةٌ كَامِلَةٌ انْتَهَتْ فِي دَقِيقَةٍ؛ فَأَنَا كَإِنْسَانٍ كَمْ رَاحْ آخُذُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى يُنْهُوَا أَمْرِي وَوُجُودِي؟ مَا رَاحْ تَأْخُذُ شَيْئًا أَنْتَ، فَخَافْ! لَزِمَ تَخَافْ! وَاللَّهُ يُرِيدُكَ أَنْ تَخَافَ؛ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وَلَا تَظُنَّ فِي لَحْظَةٍ أَنَّكَ امْتَلَكْتَ الْوُجُودَ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ أَوْ امْتَلَكْتَ مَجْرَيَاتِ الْحَيَاةِ، أَنْتَ لَا تَمْلِكُ شَيْئًا.

يَعِيشُ الْإِنْسَانُ إِخْوَانِي فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، هَذِهِ الْحَقِيقَةُ، يَعِيشُ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخَطِّطَ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَفِي الْوَاقِعِ الْأَقْدَارُ تَسِيرُ بِيَدِ اللَّهِ وَأَنْتَ لَا تَمْلِكُ تَنْفِيذَ قَرَارٍ مِنْ قَرَارَاتِكَ إِذَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ. مِسْكِينٌ وَاللَّهِ هَذَا الْإِنْسَانُ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ هُوَ الْمُسَيْطِرُ عَلَى الْمَشْهَدِ، هُوَ الْمُهَيْمِنُ عَلَى الْمَشْهَدِ، فَإِذَا بِهِ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا! يَجِدُ نَفْسَهُ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ مُنْتَهِيًا.

وَقَضِيَّةُ دَائِمًا الْإِنْسَانِ الْكَافِرِ الْمُسْتَبِدِّ؛ كَيْفَ دَائِمًا يَبْحَثُ عَنِ الْخُلُودِ وَعَنِ الدَّيْمُومَةِ ثُمَّ فَجْأَةً يَنْتَهِي كُلُّ شَيْءٍ. قَبْلَ هَيْكَ خَطَرَ بِبَالِي قِصَّةٌ نُشِرَتْ عَلَى الْأَخْبَارِ قَبْلَ فَتْرَةٍ، هُنَاكَ مُكَالَمَةٌ أَوْ حَدِيثٌ دَارَ بَيْنَ الرَّئِيسِ الرُّوسِيِّ هَذَا بُوتِين وَالرَّئِيسِ الصِّينِيِّ فِي آخِرِ زِيَارَةٍ بَيْنَهُمْ كَانَتْ، شَيْءٌ مُسَرَّبٌ، كَانُوا يَحْكُونَ مَعَ بَعْضٍ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ بَسِ الْمِيكْرُوفُونُ كَانَ عَالِيًا، جَابُوهَا عَلَى قَنَاةِ الْجَزِيرَةِ، شُو الَّذِي كَانَ الْكَلَامُ الدَّائِرُ بَيْنَهُمْ؟ الرَّئِيسُ الرُّوسِيُّ عَمَّ يَحْكِي بِحْكِي مَعَ الرَّئِيسِ الصِّينِيِّ أَنَّهُ فِي طَرِيقَةٍ لِإِطَالَةِ الْأَعْمَارِ، عَمَّ يَبْحَثُوا إِيَّاهُ كَيْفَ يَصْنَعُونَ أَدْوِيَةً لِإِطَالَةِ عُمْرِ الْكَائِنِ الْحَيِّ، بُوتِينُ عَمَّ يُفَكِّرُ بِالْخُلُودِ! فَكَّرَ أَنَّ إِيشِ أَنَا مَعْقُولُ بَدِي أَخْلُصُ بُكْرَةَ بَعْدَ كُلِّ هِيَ الْحَضَارَةِ الَّتِي بَنَيْتُهَا وَالدَّوْلَةِ الرُّوسِيَّةِ، مَعْقُولُ بُكْرَةَ بَدْنَا نَمُوتُ؟! وَهَذَا الرَّئِيسُ الصِّينِيُّ فَعَمَّ يَحْكُونَ مَعَ بَعْضٍ أَنَّ فِي أَدْوِيَةً جَدِيدَةً اخْتَرَعُوهَا لِلْخُلُودِ. وَأَنَا سَمِعْتُكَ، وَهَذِهِ سُبْحَانَ اللَّهَ سَرَّبَهَا اللَّهُ لِتَعْرِفَ مَا الَّذِي يَشْغَلُ رُؤُوسَ الزُّعَمَاءِ، مَا الَّذِي يَشْغَلُ رُؤُوسَهُمْ؟ هُمْ عَارِفُونَ أَنَّ الْمَوْتَ جَايٍ، وَهَذَا الْبُوتِينُ قَدِّيشْ صَارَ عُمْرُهُ؟ هُوَ كَبِيرُ تَمَامٍ، كَمْ يَعْنِي سَبْعُونَ هُوَ عَاضِحٌ بَدَأَ يَشْعُرُ أَنَّ الْجَسَدَ يَفْنَى، مَعَ أَنَّهُ رَجُلٌ قَوِيٌّ، لَكِنْ بَدَأَ يَشْعُرُ أَنَّ إِيشِ؟ أَنَّهُ مَا مِنْ بُنْيَانٍ إِلَّا وَيُهْدَمُ؛ الْإِنْسَانُ بُنْيَانٌ يُهْدَمُ، وَهَذَا الرَّئِيسُ الصِّينِيُّ بَانٍ الَّذِي بَنَى، لَكِنْ بَدَأَ يَشْعُرُ أَنَّ أَعْصَابَهُ جَسَدَهُ هُوَ أَمَامَكَ يَجُوزُ وَاقِفٌ عَلَى التَّلَفِزْيُونِ، بَسْ هُوَ أَبْصَرُ وَيْنَ يَرُوحُ يَتَعَالَجُ بَعْدَ التَّلَفِزْيُونِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَمْرَاضِ الَّتِي فِي جَسَدِهِ، عَمَّ يُفَكِّرُ فِي الْخُلُودِ! وَهَذَا هُوَ دَائِمًا الْعَقْلُ الْمَادِّيُّ الَّذِي لَا يُفَكِّرُ إِلَّا بِدُنْيَاهُ، هَذَا أَقْصَى مَا يَبْحَثُ عَنْهُ هُوَ أَنْ يُطِيلَ عُمْرَهُ إِلَى أَعْلَى فَتْرَةٍ مُمْكِنَةٍ.

فَاللَّهُ يَعْنِي سُبْحَانَهُ يَقُولُ: كَمْ أَهْلَكْنَا شُو بُوتِين كُلُّ هَذِهِ الْأَشْكَالِ، هَذِهِ كَمْ سَتَأْخُذُ؟ يَعْنِي أَنْتَ حِقْبَةٌ زَمَنِيَّةٌ سَبْعُونَ ثَمَانُونَ سَنَةً يَلَّا رُوحْ وَيَجِي غَيْرُكَ. لَاحِظْ إِيشِ قَالَ: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾؛ يَعْنِي هُوَ يُرِيدُ سُبْحَانَهُ أَنْ تَرَى كَمِ الْمَشْهَدَ سَرِيعٌ؛ جِيلٌ رَاحَ وَاجَا جِيلٌ جَدِيدٌ انْتَهَتْ، ﴿وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾. مَا أَهْوَنَهُمْ عَلَى اللَّهِ كُلُّهُمْ! هَذِهِ الْحَضَارَةُ الْغَرْبِيَّةُ وَالسُّوفِييتِيَّةُ وَالصِّينِيَّةُ كُلُّ هَؤُلَاءِ مَا أَهْوَنَهُمْ عَلَى اللَّهِ الَّذِي يُهْلِكُهُمْ بِلَحْظَةٍ وَيَجْعَلُهُمْ يَقْتَتِلُونَ وَيَجْعَلُ كَيْدَهُمْ بَأْسًا وَبَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدًا ثُمَّ يَفْنَى هَؤُلَاءِ لِتَأْتِيَ حَضَارَةٌ أُخْرَى وَبَلَاءٌ جَدِيدٌ عَلَى تَارِيخِ الْبَشَرِيَّةِ.

فَأَنْتَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ كَمَا قُلْتُ أَنْتَ عِبَارَةٌ عَنْ عُمْرٍ قَصِيرٍ فِي عَالَمٍ طَوِيلِ الْأَمَدِ إِلَى إِلَهٍ سَيَنْتَهِي وَثُمَّ نَنْتَقِلُ إِلَى اللَّهِ؛ فَإِيَّاكَ أَنَّكَ تَشُوفُ نَفْسَكَ شَيْئًا كَبِيرًا! هَذِهِ إِسْقَاطَاتُ الْآيَةِ، إِيَّاكَ يَا أَيُّهَا الْقَارِئُ لِكِتَابِ اللَّهِ أَنْ تَرَى نَفْسَكَ شَيْئًا كَبِيرًا؛ اخْضَعْ لِلْإِلَهِ وَافْعَلْ مَا يُرِيدُهُ مِنْكَ، وَلَا تَخْرُجْ عَنْ شَرْعِهِ وَلَا تَسْتَعْبِدِ الْبَشَرَ وَكُنْ وَاثِقًا أَنَّكَ سَتَزُولُ عَمَّا قَرِيبٍ، وَكُنْ وَاثِقًا أَنَّ الذُّنُوبَ لَهَا ضَرَائِبُهَا وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.

ثُمَّ يَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ﴾

﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [الأنعام: 7]. عادت الآورة لتكلمنا عن طريقة تفكير هذا النمط من الكفار. وقلنا من مقاصد سورة الأنعام الحديث عن نفسيات المشركين، كيف بيفكروا هذول الجماعة؟ بدي أدخل جوا عقلهم، كيف بيفكروا هذول؟ تتكلم عن قضية الإعراض أولاً، وكيف أن الإعراض سبب تكذيب واستهزاء.

هنا رجع يقول لك إن هذه النفسية المعرضة التي ما بدها أصلاً، لا تملك جدية، وغير جادة في البحث عن الحق. هذا لو نزل القرآن عليهم في قرطاس -يعني في أوراق، القرطاس هي الأوراق- لو نزلنا عليك يا محمد صلى الله عليه وسلم كتاباً هم يرونه وهو ينزل في قرطاس، في أوراق، قال: فلمسوه بأيديهم. لماذا قال: فلمسوه بأيديهم؟ يعني هي دلالة الموثوقية التامة، أنهم مشاكين بايديهم، عم بحسوا. كيف بدي أقول لك؟ رح أعطيك شغلة بايدك تلمسها، شو يعني بايدك تلمسها؟ دلالة أنه أنت وصلت إلى أعلى درجات الموثوقية بصحتها. لو رأوا قرآناً ينزل على شكل قرطاس من السماء، وحتى وهم برضه ما يشكوا، قلنا لهم تفضلوا امسكوها بايديكم.

شوف الفكر المادي الذي لا يؤمن إلا بالماديات؛ لازم يلمس بايده، بده يشوفها بعينه! ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾. إذاً هذا بيعطيك انطباعاً أن هؤلاء الجماعة ليسوا جادين في البحث عن الحقيقة. بدي أفهمكم قضية: نعم، هناك صنف من البشر هو لا يريد الحق. بدك تفهم لأنه في بعض الناس بتحاول تصور لك أن كل الناس تبحث عن الحقيقة وكذا، بس في ناس بتقتنع، وناس ما بتقتنع. لا، هذا غير صحيح، هناك صنف من البشر هو لا يريد البحث عن الحقيقة أصلاً، والله لو رأى الحقيقة أمامه تتجلى. ألا عنزة ولو طارت، بتعرفوا المثل هذا عندنا، يعني يا اخي أنت شفتها هيك لمستها بايدك؟ لا، لسه مش مقتنع يا رجل! ربما حتى أنت تجادلهم في الجامعات، الأماكن العامة، تعطيه أدلة الكتاب وأدلة السنة على المسألة، لا بس مو افرض هيك، افرض! طيب ما طيب ممكن هو هو مش جاد، هو مش عم يبحث عن دين، هو بده يعمل أي احتمال الهدف منه ماذا؟ أن لا يصدق بالحق لأنه يريد شهوته، ويريد أن يستمر مع هواه. أي إنسان يغلب شهوته وهواه ولا يريد أن يأتي دين أو شرع يقيده، شو ما جبت له آيات وبراهين واضحة تسطع أمامه لدرجة أن يلمسها في إيده، يطلع لك: ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾.

هي الفكرة أنت خذها وطورها في واقعك المعاصر، أنه كيف أن هناك أناساً لو رأوا الحقائق والوقائع تتجلى أمامهم تشهدهم على الله وأنه حق، والإله الذي يعبد، وصدق الإسلام وبراهين الإسلام الواضحة، هو ما بده! هو ما بده! فمثل هذا أنا ما بضيع وقتي معه. لا يا شيخ هو في خير، بس أنه لا، هو واصل لمرحله أنه ما بده! فمثل هؤلاء الذين أمر الإسلام بمجالدتهم، أنه نحن دعوناك وأقمنا البراهين وسعينا بس أنت مصر على هذه الحالة. لذلك إياك تشك في لحظة من اللحظات أن براهين الإسلام ضعيفة، الإسلام قوي متين، في براهين صدقه وادلته ومعجزاته كله قوي. لكن في ناس بدها تستفيد وتسمع، وفي طبيعة من البشر شر ما بدها تسمع، سواء في العقيدة أو حتى في الأحكام الفقهية الجزئيه.

فربنا سبحانه وتعالى يريك بشاعة هؤلاء كيف يفكرون، أنه هؤلاء ربنا بيقول لك لا يريدون الجدية ولا يبحثون عنها، فلو أتيتهم بأعلى درجات البراهين لدرجة أنهم يلمسونها لن يصدقوا بها. الآن يعني هو هذا كما يقول، فرضاً الآن معجزة النبي صلى الله عليه وسلم الكبرى ما هي؟ القرآن. هل القرآن بطبيعته معجزة حسية ولا عقلية؟ عقلية، صحيح. أن تعرف أن هذا الكلام معجز هذا شيء مش ببصرك أو بايدك بتلمسه، هذا شيء بإدراكك للغة بتفهمه. لذلك أكثركم ما بيفهموا، تمام؟ لأنه أنت مش بتعرف في اللغة، تمام؟ فالقرآن هو معجزة عقلية، فكانت الآية ايش تقول؟ لو أعطيناهم حتى معجزة حسية لن يؤمنوا.

لا تظن أن مشكلة المشركين، لماذا كفار قريش ما امنوا؟ اه والله لأن المعجزة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم معجزة عقلية، بخلاف معجزات الأنبياء السابقين كانت مثلاً موسى العصا بتصير حية، صالح ناقة طلعت من الصخر، هي معجزات حسية. فممكن البعض يقول لك لا ما هو لو جاءتهم معجزة حسية لكان آمنوا. فربنا بقول لك لو جبت لهم معجزة حسية ولمسوها بايديهم ما رح يؤمنوا. فالمشكلة ليست أن القرآن معجزته عقلية؛ هم آمنوا بمعجزة القرآن بمعنى هم يدركون سطوة القرآن على نفوسهم، هم لا يريدون! ما في صدق في البحث عن الحق، والذي لا يملك صدقاً في البحث عن الحق يبقى تائماً حائراً مكذباً، ويحاول أن يتمصص الادله والبراهين اللي بتحاول تقنعه من خلالها، فيقول سبحانه: ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾، مع أنه هم شافوه بعينيهم ولمسوه بايديهم!

حاولوا يجدوا تصريفاً؛ فلذلك لما اجتمع الوليد بن المغيرة برجالات قريش وقالوا له: ماذا نقول عن القرآن برايك؟ فصاروا يقترحون، البعض قال: نقول شعراً. فقال الوليد: لا يصلح، فقد عرفنا الشعر وبحوره وأوزانه، فوالله ما هو بالشعر. نقول كهانة؟ قال: والله عرفنا محمد صلى الله عليه وسلم وما هو بالكاهن. قال: نقول سحر؟ قال: والله ما هو بالسحر، فقد عرفنا السحر وشكله، والله ما قالوا بسحر، إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن عليه لمغرقاً. فلما أنهى طب، قالوا: نقول يا أبا الوليد يعني ايش نحكي؟ يعني أنت سكرتها في وجهنا! حاول يفكر الوليد بن المغيرة، فماذا قال؟ أقرب شيء أن تقولوا سحر، مع أنه أنا مش مقتنع، بس أقرب شيء حتى نعمل يعني دعاية أن نقول إنه سحر، مع أنه هو نفسه يعرف إنه مش سحر، ولكن يعني بعض الناس الساذجة يمكن ينطلي عليهم هذا.

فربنا سبحانه وتعالى يخبرك أن كثيراً من نفوس أهل الباطل لو رات الحق يتجلى أمامها لن تأخذ به، وهذا بخليك خلص تعرف أن في نفسية في البشر هيك. حتى أنا في حياتي الدعوية سواء في الجامعة في سوق العمل في كذا، ممكن أصطدم بناس أعطيه قال الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا، بس ما هو في احتمال في الآية آخر ذكر، طب ما هو وبيصير أعطيك كلام. لذلك ليش بعض هؤلاء عاده بتلاقيهم من اتباع عدنان إبراهيم وشحرور هاي الاشكال والانماط؟ ليه؟ لأنه هذول هذا النمط هو اللي حاول يهدم النصوص ويعطيك احتمالات بعيدة لها وتفسيرات ما حدا قالها من السلف ولا الخلف.

فبتجي أصحاب النفوس الضعيفة بيجي بيقول لك: بس ما هو أنا سمعت من عدنان إبراهيم إنه حكى هيك، لا أنا سمعت من شحرور، سمعت من أبصر من فلان أو من علتان، هو يجد مطية في هؤلاء، هو يعرف أن هؤلاء لا يتكلمون بدين وحق، وانه هؤلاء بتلاقي أخرته واحد فيهم مأجور ولا تمشي وراءه من أنظمة أو ما شابه ذلك، لكن هو خلاص هو هواه عند هؤلاء لأنهم يجدون له مخرجا للتملص من النص! هاي هي الفكرة أنه هو يجد أن عدنان إبراهيم أو غيره من هاي الأشكال يجد له مخرج وبلزقها بظهره وبيمشي. فعلاً: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: 13] هؤلاء الفاسدين، لكن هي فكرة أنك بتحاول تجد القول اللي بيعمل لك مخرج، التفسير اللي بيطلعك من كل ورطة، الحكم الشرعي اللي أنت شايفه ورطة.

فَهَكَذَا حَالُ الْفَاسِدِ الَّذِي لَا يُرِيدُ أَنْ يَنْصَاعَ إِلَى الْحَقِّ. كَانَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ كَثِيرًا مَا -مِنْ أَسَالِيبِهِمْ فِي اللَّعِبِ وَالِاسْتِهْزَاءِ- يَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تُنْزِلَ عَلَيْنَا إِيش؟ فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ الصَّفْحَةِ قَبْلِ الْأَخِيرَةِ مَاذَا قَالُوا؟ ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زخرف أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: 92-93]. وَهُنَا رَبُّنَا شُقَالَ؟ هَايَا عَلَى الْكِتَابِ الَّذِي نَقْرَؤُهُ، قَالَ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾، وَقَرَأُوا تَرَى مَا رَحْ يُؤْمِنُوا!

فَهَذِهِ الْآيَةُ هِيَ إِجَابَةٌ عَنْ اقْتِرَاحَاتِ الْمُشْرِكِينَ الْوَارِدَةِ فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ أَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْمُوعَةً مِنَ الْآيَاتِ. طَبْعًا هُمْ طَلَبُوهَا جَادِّينَ وَلَا مُسْتَهْزِئِينَ؟ مُسْتَهْزِئِينَ! وَلَا هِيَ لَحَالَهَا، يَعْنِي تَعْرِفُونَ حَتَّى لَوْ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَوْ لَمْ يَأْتِهِمْ بِمُعْجِزَةِ الْقُرْآنِ، فَقَطْ مَنْ يَعْرِفُ أَخْلَاقَهُ وَآدَابَهُ وَهَدْيَهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، قَبْلَ الْبِعْثَةِ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ مِنَ الشَّرَائِعِ لَعَرَفَ أَنَّهُ حَقٌّ، مِشْ مُحْتَاجٌ لِمُعْجِزَةٍ، لَكِنْ هِيَ الْمُعْجِزَةُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَكَ بِشَيْءٍ مُبْهِرٍ حَتَّى الَّذِي عَيْنَيْهِ عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ يَفْتَحُ!

إِذَا مَا فَتَحُوا مَعَ الْقُرْآنِ، هَذُولِ مَا رَحْ يَفْتَحُوا، لَنْ تَفْتَحَ عُقُولُهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ كَانُوا كَمَا قُلْتُ يَقْتَرِحُونَ الْآيَاتِ، يَقْتَرِحُونَ: اعْمَلْ لَنَا هَيْكَ، خَلِّ لَنَا جَبَلَ أَبِي قُبَيْسٍ ذَهَبًا، خَلِّينَا كَذَا. طَبْعًا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَخْبَرَ نَبِيَّهُ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُوَ مَا أَتَى لِتَحْقِيقِ الْأُمْنِيَاتِ وَكُلُّ وَاحِدٍ بِدْهُ شَغْلَةٍ، أَنْتَ شُو؟ شُو الْمُعْجِزَةُ الَّتِي تُرِيدُهَا؟ خَلَاصٌ أَنَا أَعْمَلُ لَكَ إِيَّاهَا، أَنْتَ شُو الْمُعْجِزَةُ الَّتِي تَرْغَبُ فِيهَا؟ الْأَنْبِيَاءُ لَمْ يَأْتُوا لِتَحْقِيقِ أُمْنِيَاتِ الْمُشْرِكِينَ مَاذَا يُرِيدُونَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَيَقْتَرِحُونَهَا. لَا تَقْتَرِحِ الْآيَاتِ عَلَى اللَّهِ! ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: 51] خَلَاصٌ هَذَا الْقُرْآنُ مَوْجُودٌ، وَهُنَاكَ أَيْضًا مُعْجِزَاتٌ أُخْرَى ظَهَرَتْ تَبَعًا لَهُ، لَكِنْ يَكْفِي مُعْجِزَةُ الْقُرْآنِ! حَابَّ تُؤْمِنُ بِتَكْسَبُ حَالَكَ، حَابَّ تَبْقَى مَعَ زُمْرَةِ الْبَاطِلِ خَسِرْتَ حَالَكَ إِيش أُسَوِّي؟

لِذَلِكَ سَيَأْتِي فِي الصَّفْحَةِ الَّتِي بَعْدَهَا: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 12]. شُو يَعْنِي إِيش نُسَوِّي لَهُمْ؟ فِي نَاسٍ خَلَاصٌ هُوَ بِدْهُ يَخْسَرُ حَالَهُ مَاذَا أَفْعَلُ لَهُ؟ بِدْهُ يَرُوحَ عَلَى جَهَنَّمَ، نَحْنُ حَاوَلْنَا نُقْنِعُكَ وَأَتَيْنَاكَ بِالْبَرَاهِينِ وَتَكَلَّمَ مَعَكَ أَهْلُ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، أَنْتَ مُصِرٌّ أَنَّكَ تَخْسَرُ نَفْسَكَ! إِذًا تَتَّخِذُ الْمَسَارَ الَّذِي تُرِيدُ. فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: 8] هِيَ مِنَ الِاقْتِرَاحَاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوهَا أَنَّهُ: لِمَاذَا لَا يَنْزِلُ مَلَكٌ نُشَاهِدُهُ وَنَتَعَامَلُ مَعَهُ وَيَكُونُ مَعَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟

يَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام: 8]. لَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا، طَبْعًا الْإِجَابَةُ الْأُولَى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾، يَعْنِي يَا رَيْتَ يَنْزِلُ مَعَكَ. الْإِجَابَةُ الرَّسْمِيَّةُ الْأُولَى: أَنَّ نُزُولَ الْمُعْجِزَاتِ لَيْسَ عَلَى اقْتِرَاحَاتِكُمْ، هَذِهِ الْإِجَابَةُ الْأُولَى. لَكِنْ هُوَ تَنَزُّلًا مَعَهُمْ، تَنَزُّلًا مَعَهُمْ يَقُولُ لَهُمْ: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾. مَا مَعْنَى هُنَا؟ فِي شَيْءٍ مُقَدَّرٌ فِي السِّيَاقِ، هَذَا يُسَمُّونَهُ الْقُرْآنَ فِي كَلِمَاتٍ مَحْذُوفَةٍ يَفْهَمُهَا الْقَارِئُ مِنَ السِّيَاقِ، اسْمُهَا دَلَالَةُ الْحَذْفِ، التَّقْدِيرُ: وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا فَكَذَّبُوا بِهِ -هَذَا التَّقْدِيرُ- لَقُضِيَ الْأَمْرُ، يَعْنِي لَأَهْلَكْنَاهُمْ، ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ، مَا نَسْتَنَّا عَلَيْهِمْ ثَانِيَةً!

إِذًا فِي هُنَاكَ كَلِمَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِهَا نَفْهَمُ الْمَعْنَى؛ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا -مِشْ أَنْتُمْ تَقْتَرِحُونَ يَنْزِلُ مَلَكٌ؟- لَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا فَكَذَّبْتُمْ بِهِ (وَبَعْدَيْنِ أَصْرَرْتُمْ عَلَى التَّكْذِيبِ) رَحْ نُنْهِيكُمْ تَمَامًا وَلَنْ نَنْتَظِرَ بِكُمْ لَحْظَةً وَاحِدَةً. الْآيَاتُ الْحِسِّيَّةُ الْبَاهِرَةُ سُنَّةُ اللَّهِ فِي الْوُجُودِ أَنَّ الْآيَاتِ الْحِسِّيَّةَ الْبَاهِرَةَ إِذَا نَزَلَتْ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنْ بِهَا الْقَوْمُ مُبَاشَرَةً يَحُلُّ الْعَذَابُ! فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ: عَدَمُ اسْتِجَابَةٍ لِهَذَا الِاقْتِرَاحِ تَرَى خَيْرٌ لَكُمْ، لَوْ اسْتَجَبْنَا لِاقْتِرَاحِكُمْ بِإِنْزَالِ مَلَكٍ وَنَزَلَ مَلَكٌ وَكَذَبْتُمْ مَا رَحْ نَنْتَظِرَ عَلَيْكُمْ، خَلِّيكُمْ عَلَى مَعْجِزَةِ الْقُرْآنِ لِأَنَّهَا مَعْجِزَةٌ عَقْلِيَّةٌ نَحْنُ سَنَنْتَظِرُ بِكُمْ وَنَتَانَى بِكُمْ وَلَنْ نُسَارِعَ فِي إِهْلَاكِكُمْ.

أَمَّا نُزُولُ آيَةٍ حِسِّيَّةٍ ضَخْمَةٍ بِحَجْمِ إِنْزَالِ مَلَكٍ (يَعْنِي إِنْزَالَ جِبْرِيلَ عَلَى صُورَتِهِ) هَذَا خَلَاصٌ، مَا بِتْعْطِيكُمْ أَيَّ مَجَالٍ، يَا تُؤْمِنُ يَا تَهْلِكُ! مَنْ يُعْطِينِي نَمُوذَجًا عَلَى هَذَا فِي آيَاتٍ قُرْآنِيَّةٍ سَابِقَةٍ رَبُّنَا قَالَ أَنَّهُ إِذَا أُنْزِلَتْ هَذَا وَمَا آمَنْتَ رَحْ أُهْلِكُكَ؟ أَحْسَنْتَ، الْمَائِدَةُ، لَمَّا الْحَوَارِيُّونَ طَلَبُوا الْمَائِدَةَ مِنْ سَيِّدِنَا عِيسَى نَعَمْ. مَاذَا قَالَ اللَّهُ؟ قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: 115].

يَعْنِي أَنْتُمْ فِي أَمَانٍ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْمَائِدَةُ، إِذَا مُصِرُّونَ، مُصِرُّونَ تَشُوفُوا الْمَائِدَةَ تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، سَاعَتَهَا هَذِهِ مَعْجِزَةٌ حِسِّيَّةٌ ضَخْمَةٌ إِذَا نَزَلَتْ وَوَاحِدٌ فِيكُمْ فَكَّرَ أَنْ يَكْفُرَ رَحْ أُعَذِّبُهُ عَذَابًا مَا حَدَا شَافَهُ. فَهُنَا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِكُفَّارِ قُرَيْشٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَجِيبُ لِاقْتِرَاحَاتِهِمْ، لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَجَابَ لِاقْتِرَاحٍ وَاحِدٍ مِنَ الْآيَاتِ الْحِسِّيَّةِ الضَّخْمَةِ وَأَصَرُّوا بَعْدَهَا عَلَى التَّكْذِيبِ لِأَنَّ وُجُودَهُمْ هَذَا مَعْنَى الْآيَةِ: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا﴾ لِيَرَوْهُ بِأَعْيُهِمْ بَعْدَيْنِ كَذَبْتُمْ وَأَصَرَرْتُمْ ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ يَعْنِي هَلَكْتُمْ ﴿ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾.

هِيَ "ثُمَّ" هَذِهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ هِيَ لَيْسَتْ لِلتَّرْتِيبِ الزَّمَنِيِّ، مَعْنَاهَا الْوُصُولُ إِلَى أَقْصَى دَرَجَاتِ الْمَوْضُوعِ. قَالَ: ﴿ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ شُو يَعْنِي لَا يُنْظَرُونَ؟ مَا بَسْتَنَّا عَلَيْكَ ثَانِيَةً. طَبْ لِمَاذَا جَعَلَ هَذَا أَقْصَى شَيْءٍ؟ أَلَيْسَ إِهْلَاكٌ هُوَ أَقْسَى مِنْ عَدَمِ الْإِنْذَارِ؟ وَلَا عَدَمُ الْإِنْذَارِ أَقْسَى مِنَ الْهَلَاكِ؟ أُقَرِّبُ لَكَ إِيَّاهَا: أَحْيَانًا مَوْتُ الْفَجْأَةِ مَوْتُ الْفَجْأَةِ أَصْعَبُ شَيْءٍ فِي أَنَّهُ إِيش؟ أَنَّهُ اجَا فَجْأَةً، صَحْ؟ الْمَوْتُ بِحَدِّ ذَاتِهِ مُؤْلِمٌ، صَحْ؟ الْمَوْتُ مُؤْلِمٌ، بَسِ الْأَصْعَبُ مِنْ أَنَّهُ مُؤْلِمٌ أَنَّهُ اجَا إِيش؟ مِشْ مُنْتَبِهٌ! بِخِلَافِ الْمَوْتِ الَّذِي يَجِيكَ وَأَنْتَ عَلَى سَرِيرِ مُسْتَشْفَى وَعَارِفٌ أَنَّ أُمُورَكَ مُنْتَهِيَةٌ، يَعْنِي عَلَى الْأَقَلِّ يَصِيرُ عَائِلَتُكَ أَنْتَ نَفْسِيًّا تَتَقَبَّلُ الْمَوْضُوعَ أَكْثَرَ وَأَكْثَرَ.

فَيَقُولُ: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾، وَالْأَقْسَى مِنْ قَضَائِهِ أَنَّهُ سَيُقْضَى فِي آنِيَّةٍ وَصُورَةٍ مُبَاغِتَةٍ، فَمِشْ مَجَالٌ وَاحِدٌ فِيكُمْ يَضْبُطُ أُمُورَهُ أَوْ يُصْلِحُ أَوْضَاعَهُ. يَعْنِي مَا هُوَ أَقْسَى مِنْ قَضَائِهِ عَلَيْهِمْ أَنَّكَ لَنْ تُنْتَظَرَ، يَعْنِي مَا رَحْ نَعْطِيكَ أَصْلًا فُرْصَةً تَتَنَفَّسُ! ﴿ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾. فَكَمَا يَقُولُ الرَّازِيُّ: هَذَا أَعْلَى، هَذَا أَعْلَى مِنَ الْهَلَاكِ وَمِنْ قَضَاءِ الْأَمْرِ أَنَّهُ

جاءهم بغتة في لحظة ما كانوا يتوقعونها ويتصورونها، ولم يعطوا أي مهلة للانتظار. هذا أقصى من العذاب نفسه؛ أنه لم تمهل أصلاً لتفكر، إذا لقضي الأمر. ثم لا ينظرون، هذه ثم دلالة المبالغة فيما هو أهوى أو فيما هو أصعب من قضاء الأمر هو عدم الإنظار. ثم قال في الصفحة التي تليها المشكلة الثانية، إذا المشكلة الأولى: لو نزل ملك وكذبتم لهلكتم، فمن رحمتنا بكم أنه ما نزلنا عليكم ملك؛ هاه أول شيء.

ثانياً: ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً، وللبسنا عليهم ما يلبسون. لماذا؟ لو جعل ملكاً، لو جعلناه ملكاً، لو جعلنا الرسول المرسل إليكم من جنس الملائكة، فإنه لن يأتي على صورة الملائكة، بل لجعلناه ماذا؟ رجلاً. لماذا؟ أحسنت، لأن البشر يعني بطبيعتهم لا يستحملون التعامل مع جنس الملائكة. النبي عليه الصلاة والسلام وهو أعظم بشر كم مرة رأى جبريل؟ بس مرتين على صورته الحقيقية. أقصد كم مرة راه على صورته الحقيقية بستمائة جناح؟ مرتين. هذول المرتين ربنا أعان جسد النبي عليه الصلاة والسلام حتى يستحمل فيهم رؤية جبريل. الجسد البشري لا يستحمل رؤية الملائكة، فلذلك حتى النبي عليه الصلاة والسلام سيد البشر لم ير جبريل الذي كان يجيب الوحي على صورته الحقيقية إلا مرتين، مرة في الأرض ومرة في السماء السابعة أصلاً بعيداً عن عالم الأرض. الله سبحانه أعطى جسده القوة ليستحمل هذا المشهد، بل لما رآه ابتداءً في الأرض وهو نازل من غار حراء رאה قد أطبق بجناحيه ما بين الخافقين، نزل مباشرة إلى خديجة وقال ايش: دثروني دثروني والله شفت شيئاً مرعباً.

بالتالي أنتم يا بشر لن تتحملوا أن يكون الرسول الذي ياتيكم على صورته الملائكة ما بتتحمل؛ فلو قررنا أن يكون الرسول ملائكياً سيجعل رجلاً، سيجعل على صورة الرجل، وإذا جعلناه على صورة رجل رجعنا لنفس الدائرة، وستقولون ايش: طيب، لا ما هو ليش ما أجá على صورة الملائكة؟ خبرناكم أنه ملك بس رح نعطيكم إياه على صورة رجل حتى تستحملوه، فرح تيجي تقولوا ايش؟ أي لا ما هو ليش ما أجá على صورته الملائكية؟ ورجعنا لنفس الدائرة، دائرة التلبيس والتشكيك، لذلك قال: وللبسنا. واللبس هنا بمعنى ماذا؟ التخليط. اللبس هو يقول والله هذا الموضوع أصبح ملبساً، شو يعني ملبس؟ غير واضح. فاللبس هنا بمعنى التخليط وعدم الوضوح. وللبسنا عليهم، خلطنا وعادت الرؤية غير واضحة، وللبسنا عليهم ما يلبسون هم على أنفسهم. لماذا قال وللبسنا عليهم؟ نسب اللبس له سبحانه، ثم قال ما يلبسون، فجعل اللبس الثاني عليهم.

قال: وللبسنا نحن، هذا الكلام عن الإله، وللبسنا عليهم ما يلبسون على أنفسهم. الآن شوف: لو نزل الرسول من الملائكة، لو كان الرسول ملائكياً ثم الله سبحانه وتعالى صيره رجلاً على صورة بشرية، هنا صار في الظاهر منشأ اللبس، نشأ من وين؟ من مصدره أنه لم يأت الملك بصورته الحقيقية، جاء على صورة البشرية، فهنا اللبس نسبه إلى نفسه، صحيح، يعني نحن اللي رح نكون في الظاهر لبسنا عليكم كما أنتم في موضوع محمد صلى الله عليه وسلم لبستم على أنفسكم مع أننا لم نلبس عليكم فيه شيئاً، وهو بشر وعلى صورته البشرية. يعني موضوع هل محمد صلى الله عليه وسلم في لبس أو لا؟ هل الله سبحانه وتعالى أعمى حقيقته عليهم؟ ولا هو محمد صلى الله عليه وسلم بصورته البشرية جاءهم رسول؟ إذاً مين السبب باللبس في الحالة الثانية؟ هم. فقال: ما تلبسون. هناك في محمد صلى الله عليه وسلم أنتم اللي ضحكتوا على حالكم، أنتم اللي شوشتوا الرؤية على أنفسكم، ما حدا شوش الرؤية عليكم. بس لو نزلنا ملكاً من السماء ولأنكم لن تستحملوا رؤيته ملكاً حولناه رجلاً، صار التلبيس لا سينسب إلينا أنه أنت يا رب -حاشاه سبحانه بس من باب أن تفهم- ستقولون معترضين على الرب: يا رب أنت لبست علينا هذا الملك لأنك أتيت به على صورة صورة ايش؟ رجل.

فالله يقول: إذاً أيضاً مش لصالحكم ياتيكم ملك؛ لأنه لو جاء ملك أنتم ما رح تستحملوا، رح نخليه رجل، ولا اصبحنا نحن ملبسين عليكم زي ما أنتم بتلبسوا على أنفسكم في محمد صلى الله عليه وسلم. ولك، وللبسنا علي وللبسنا عليهم ما يلبسون. فعنا لنفس القضية بس الفرق رح يكون أنه في قضية محمد صلى الله عليه وسلم أنتم من عندكم لبستوا على أنفسكم ولا قضيتكم واضحة، أما في قضية الملك سيكون اللبس أنه أصبح على صورة رجل، وهنا سينسب أن الله هو لبس علينا، لماذا لم يأت به على حقيقته؟ أما محمد صلى الله عليه وسلم أمره واضح كالشمس في رابعة السماء، ما في أي لبس وأي شك، رجل ولد بينكم، تعرفون أصله وجنسه وآباءه وأجداده، وتعرفون أخلاقه وسمته وانه صادق أمين، ومع كل ذلك أصررتم أن تلبسوا على أنفسكم فيه! فلماذا نفعل آية وننزل ملكاً ويبقى التلبيس حاضراً؟ لا فائدة من هذه الآية التي تقترحونها.

ولاحظ هنا دائماً أهل الباطل كيف بيكونوا؟ بس بيشتغلوا في الأمور غير المنتجة. بدل ما يروح يبحثوا عن الحقيقة، متكئون على أريكتهم: طيب ليش ما تعملوا أنتم كذا؟ طيب ليش ما تسووا أنتم كذا؟ بس يعني حاول يقترح أساليب وأدوات بقصد الاستهزاء والتهكم وحصر الداعيه تمام، حاول يحصرك ويثقل عليك ويصعب مهمة الدعوة عليك. هكذا أهل الباطل قديماً وحديثاً.

ثم قال سبحانه مطمئناً للنبي صلى الله عليه وسلم ولكل الدعاة الذين يسيرون على طريقته: يقول ولقد استهزئ برسل من قبلك. قضية الاستهزاء بأهل الخير والصلاح هذا مش شيء جديد، هذا هذه سنة في الوجود، وهذا بالتالي بيخليك تطمئن أنت كشاب مسلم في جامعة، أو أنت رجل في عملك، أو أنت في بيتك أو أسرتك غير الملتزمة، قضية أن أحداً يستهزئ بما عندك من الحق والدين هذا ما بيخليك أخي ليش في ناس هيك سيئين؟ بعض الشباب نفسيته هيك شوي حساس، لما يسمع واحداً يعترض عليه بصير عنده كآبة نفسية، بقول لك: بطلت أدعو إلى الله، يا أخي ليه يا أخي بيستهزئوا فيي؟ يا أخي أجمد لي شوي يعني. ولقد استهزئ برسل من قبلك، يعني ارفع معنوياتك ولا تتصور أن كل الناس رح تخضع لحضرتك. يعني إذا لم تخضع لمحمد صلى الله عليه وسلم كل البشرية وكان هناك مشرك، من أنا وانت حتى كل الناس يعني تسمع آرائنا وأفكارنا وتعجب بكلامنا؟ أو واحد وضع لك أنت مثلاً داعي أو شيخ، واحد وضع لك تعليق: أنتم تافهون يا أيها الدعاة، بتعرف بعض أنتم يا أيها الرجعيون، بصير واحد عنده كآبة نفسية: بطلت أدرس دين، يا أخي ليش؟ وأخي والله في واحد جرح مشاعري.

لا، لذلك الدعوة إلى الله بدها رجال، الدعوة إلى الله بدها رجال، بدها رجل حاله ما هي كل كلمة أو استهزاء أو عبث بيخليك تضعضع وتغير طريقك وتغير مبادئك، وخليني أشوف لشغلة ثانية أو حتى أطل أدعو إلى الله. ممكن بعض الشباب ما يغير ما بده، بس خلص يترك عائلته: خلص ما بدي أنصحهم. ليش يا أخي؟ كل ما أحكي بيستهزئوا. أخي مش مشكلة، بصبر. ولقد استهزئ برسل وهم أسرع الناس، فنحن أولى يعني أن نصبر. ولقد استهزئ برسل من قبلك. والله عز وجل أخبر أين العاقبة؟ قال: فحاق بالذين. حاق يعني أحاط، وهذه الهلاك كلمة دائماً حاق تدل على هلاك، فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون. ما هنا يعني العذاب الذي كانوا يستهزئون به، وهم ايش كانوا يقولوا للصصحابة؟ وأرونا الكيف ستهلكوننا؟ كيف ستبيحوننا؟

كان كثير من القرآن المكي يتوعد كفار قريش. سورة القمر وفي غيرها كان هناك وعد تمام، كفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر؟ أم يقولون نحن جميع منتصر، سيهزم الجمع ويولون الدبر. كفار قريش لما نزلت سورة القمر كانوا يستهزئوا بالصحابة بهذه الآية ويقولون: يلا ورجونا سيهزم الجمع ويولون الدبر، هي أنتم مستضعفين ومهاجرين للحبشة شيء، وين سيهزم الجمع ويولون الدبر؟ هسه الشاب اللي مش واثق من عقيدته تهتز، بصير يقول لك: يا أخي والله، خاصة لما يشوف أن البلاء يزداد وسجون وعذاب وقتل، بقول لك: وين وكان حقاً علينا نصر المؤمنين؟ ما نحن شايفين اليهود إلا يزدادون طغياناً على طغيانهم، ما حدا قادر يحكي معهم! فبيصير عنده نوع من الاهتزاز ماشي، وكان حقاً علينا نصر المؤمنين، وعد ما في قناعة في الداخل، وهذه جريمة، أن تسيء الظن بالله جريمة، أن تسيء الظن بالله. أصبر، فاصبر إن وعد الله حق، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون.

يقول سبحانه: فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا، العذاب اللي كانوا يستهزئون به ويقولون مش شايفينه لا نراه، هو نفسه هذا العذاب اجاهم ولما جاءهم سترونه رايتموه عياناً: إنهم يرونه بعيداً ونراه قريبا. طيب والدليل بدكم دليل على ذلك يا كفار قريش قبل أن يفوت الأوان؟ قل سيروا في الأرض. بدكم دليل؟ سيروا، مش أنتم بتتاجروا رحلة الشتاء والصيف؟ رحلة الشتاء والصيف كانت قريش تمر فيها على ديار قوم عاد، إن ديار قوم عاد كانت في اليمن، كانوا لما يذهبوا إلى تجارة اليمن يمرون على ديار قوم عاد ويرونها مدمرة، ولما كانوا يذهبوا في رحلة الصيف إلى الشام كانوا يمرون أولاً على ديار قوم ثمود، لأن قوم ثمود مدينتهم المدمرة هي منطقة العلا اليوم شمال المدينة المنورة منطقة العلا، وكانوا يمرون على ديار قوم لوط وكفار قريش كانوا يعرفون وين قوم لوط في الشام -نحن اليوم ضيعنا هي المعلومة بس هم كانوا يعرفونها تماماً، نحن اليوم جغرافياً ما بنعرف وين قوم لوط بالتحديد، قوم شمال البحر الميت، جنوب البحر الميت، شرق البحر الميت ما عندي معلومة، لذلك أنا ما بحرم البحر الميت لأنني ما بعرف وين هم بالضبط، والتحريم يحتاج إلى دليل تمام- لكن كفار قريش يعرفونهم، لذلك قال سبحانه: وإنكم لتمرون عليهم مصبحين. ربنا يقول لكفار قريش: وأنتم في التجارة كنتم تمرون على ديار قوم لوط، هذا يدل أن قريش كانت تعرف أين هي بالضبط قرية قوم لوط، فهذا أكبر دليل يعني على أن العذاب ينزل؛ لأنه لما تدخل أنت قرية وتراها مدمرة وتكون سمعت من الآثار أنها دمرت لأنهم لم يردوا على نبيهم، شو بتاخذ من هي نتيجة؟ إنه هيهم هؤلاء جماعة ما ردوا على نبيهم هيهم مدمرين، يعني أمام عيني، مش قصة أسمعها وتحكى لي، أراها أمام عيني.

ولذلك حتى أنت اليوم لما تنزل على البترة أو تنزل على كل هي المناطق شوف كيف القوم الكافرين هلكوا وانتهوا في النهاية، ما حدا بقي، لا الأنباط ولا غيرهم، ما حدا بقي على وجه الأرض، جيل انتهى واليوم جيل جديد وقصة جديدة من قصص البشرية هذه. ما تروح بس أووه شوف السياحة وشوف لا لا، أنت ما تروحها ببعد سياحي، روحها وأنت في طريق ببعد اعتبار وتبصر، وأما ديار القوم أما مناطق العذاب -يعني البترة ما ثبت أنها منطقة عذاب، لكن ديار قوم ثمود، ديار قوم عاد هي مناطق عذاب- هذه لا يجوز دخولها أصلاً، وإذا اضطريت تمر فيها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تمر إلا وأنت باكي وتستعجل بالخروج. ولذلك في الحج نحن امبارح شرحنا قلنا ما بين مزدلفه ومنى في وادي اسمه وادي محسر، هذا يمر عليه الحجاج السنة، إذا مررت به أن تركد؛ لأنه هذه منطقة اللي ربنا عذب فيها أبرهة أصحاب الفيل، منطقة بين مزدلفه ومنى فيها جاءت الطير الأبابيل، فمناطق العذاب للأسف اليوم بعملوا فيها حفلات ومهرجانات. وهيك النبي صلى الله عليه وسلم دخلها وهو باكي ويأمر أن لا تدخل إلا على وجه العجلة وسرعة الخروج، وربنا يقول: قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين.

في نوع إخواني من الاستشعار والاستبصار لازم يكون في حياة المسلم أنه يعتبر بالمشاهد الحياتية، لما تشوف رجل كان على ثراء وكذا وبسبب معرفتك أنه فاجر ربنا أهلكه أو فرق شمله، اعتبر يا أخي. هناك آيات في القرآن وبراهين، وهناك آيات في الكون يشاهدها الإنسان، لازم يعتبر بها ويحتكم إليها. قل سيروا في الأرض ثم انظروا، في بعض الآيات فانظروا وفي بعض السور ثم انظروا، ثم تعطي ماذا؟ أريحية في الوقت، صحيح يعني في سورة النمل: قل سيروا في الأرض فانظروا بالفاء، والفاء تدل على التعقيب والنتيجة، وثم لا تعطيك الأريحية، وهذا يدل على تنوع أن الله سبحانه وتعالى في القرآن أحياناً يريد منا أن نسير في الأرض بهدف الاعتبار بأقوام الكاذبين، يعني أنه أنت تخرج رحلة فقط، هدف الرحلة ايش هو؟ الاعتبار. إذا كان أنت خرجت فقط هدفك الاعتبار فهنا تاتي فانظروا؛ لأنه يقول سيروا فانظروا، هدف السير النظر، وهذه الفاء تفيد أيضاً الإيماء، الهدف أن هذه الرحلة أنا طلعتها ايش هي؟ أنا بس طالع من أجل أنظر وأعتبر.

في آيات أخرى يقول سبحانه: سيروا ثم انظروا، زي هي الآية، هذا يدل على أن ايش؟ أنه أنت سير في الأرض في تجارتك، في أعمالك، لأي سفرة، وأثناء سفرك وأثناء مسيرك حاول انك ايش تراقب وتشاهد، فثم بتعطيك مساحة أنك أنت سير لأهدافك الشخصية، يعني بدك تروح تجارة، دراسة، لأي شيء سير في الأرض، وأثناء ما مسيرك اعتبر، بخلاف سيروا فانظروا، لا هذيك الرحلة من أساسها للاعتبار، أنت طالع تعتبر من البداية، أما هنا الله يقول لكفار قريش لأن كفار قريش هم أصلاً لا ينصاعون لأحكام.

القران وربنا بقول لهم انتم رايحين في رحله الشتاء ورحله الصيف سيروا روحوا تاجروا وانتم بتتاجروا وانتم رايحين انظروا شوف لعل هذا يوقذ ما في قلوبكم ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين.

هنا انتهى المقطع من سورة الأنعام وهو كما قلنا مقطع دخول في حوارية مع أول شيء كيف العقل المشرك يفكر بالأعراض ثم التكذيب ثم الاستهزاء ثم مخاطبة هذا العقل المشرك والعقل الفاسد والباطل حتى لو كان للعصى أنه اعتبر وأفهم سنن الله في الكون أني أنا ماكن لك الآن لا يعني انك ستستمر على هذا صح وهذا معنى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ﴾ [الأنعام: 6] في حالة آنية لن تستمر على ما هي عليه واقتراحك الآن آيات من رحمة الله أنه سبحانه وتعالى أنا أرحم بكم لما لا ألبي طلباتكم ورغباتكم بس يعني تكون معلومة عندكم أنه أنا عم برحم فيكم لما لا أُلبّي طلباتكم واستهزاءاتكم.

ثم يأامر التي تقودك الرب فلا بد أن الذي يخضع له في التشريع وأن تحكم الأرض بشرعه وأن يتعبد الناس بأمره وأن تخرجوا أنتم كأفراد أو مجتمعات أو دول عن حكم الله سبحانه وتعالى وتشريعاته.

في الصفحة الماضية أثارت سورة الأنعام قضية الخلق، الخلق للكون الخلق للإنسان والاحاطة بأعمال الإنسان، هنا تم إثارة الموضوع من جهة أخرى وهي جمالية القرآن التنوع في طريقة تقرير معاني الألوهية من خلال الربوبية، فيقول قل لهؤلاء لاحظت كلمة قل في السورة ستجد أن كلمة قل في السورة تكررت عشرات المرات لأن السورة هي في جدال في حالة جدال مع أهل الباطل قل لمن ما في السماوات والأرض هذا السؤال عن ماذا؟ عن الخلق ولا عن الملك؟ عن الملك، انتقلنا لبعد آخر الآن الصفحة السابقة كنا نتكلم عن الخلق وهنا نتكلم عن الملك والملك أيضاً من معاني الربوبية.

من الذي يملك ما في السماوات والأرض؟ من؟ لا تنتظر منهم جواب قل الله، قل أنت جاوبهم قل الله وهم بالطبع كانوا يقرون بهذا فكفار قريش كما قلنا كانوا مقرين بالربوبية لله في الجمله بالطبع لكنهم وين كانت مشكلتهم؟ في الألوهية أنه مش راضيين يعبد الله وحده مصرين أنه يعبدوا معه آلهة أخرى، طيب مش أنتم مقرين أن الذي يملك ما في السماوات والأرض هو الله؟ وهذا سؤال الهدف منه ايش؟ استفزاز العقل أنه فكر لمن ما في السماوات والأرض قل لله، طيب لماذا إذا تعبد غيره إذا أنت تقر أنه المالك لكل ذرة في الوجود لماذا تخضع لغيره في التشريع والامر والنهي؟ ليش بتعبد هواك؟ ليش بتعبد المستبدين والظالمين وتخضع لهم ولاملاءاتهم؟ ما هو كل ما في السماوات والأرض لله.

ثم أخبر سبحانه أن ملكه يقوم على الرحمة لأنه في هناك ملك يقوم على الجبروت صحيح واما ملك الله للسماوات والأرض ملك يقوم على الرحمة فقال: ﴿كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 12] وهذا جاء في الحديث أن الله كتب كتاباً وهو عنده فوق العرش أن رحمتي سبقت غضبي، هذا شيء ألزم الله به نفسه ونحن لا نلزمه به صحيح، هو له أن يلزم نفسه بما شاء جل في علاه فهو تفضلاً وتكرماً أراد أن يكون ملكه لما في السماوات والأرض ملك يقوم على الرحمة واللطف والرافة بكم وليس على العذاب والتنكير والجبروت كما يفعل ملوك الأرض، ملك يقوم على الخير وان يفعل للبشرية ما فيه خيرهم وصلاحهم لكن هناك من يعبد مالك الوجود وهناك من هو مصر أن تبقى حياته في نكد وفي ظلمة وفي ضنك وفي بعداً عن الإله، كتب سبحانه تفضلاً ألزم نفسه أن تكون رحمته تسبق غضبه وأن يكون ملكه يقوم على الرأفة بالبشر ومن رحمته التي تكذبون بها يوم القيامة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه.

لماذا هذا يوم القيامة إخواني رحمه؟ يقول كتب على نفسه الرحمة بعدين مباشرة الجملة اللي بعدها ليجمعنكم هي لام القسم يعني والله ليجمعنكم إلى يوم القيامة، كفار قريش كانوا يكذبون بيوم القيامة باليوم الآخر فيقول ومن رحمته وهذا تقرير لقضية الدار الآخرة أنكم ستجمعون إلى يوم القيامة لا ريب فيه، لماذا وجود اليوم الآخر رحمه إخواني؟ نعم أحسنت أنه لو بده ينتهي المشهد في الحياة الدنيا أن المظلوم يموت مظلوم والظالم يموت على فراش في مستشفى في واشنطن ماخذ كل أريحيته، الناس بتقول لك يا أخي هذ المظلومين مساكين أهل الغزة ماتوا في القصف وتحت الدمار وهؤلاء الجبابرة يموت ويرتاح لا، هذا من رحمه الله أن يأتي يوم يختص فيه وانه هذا الظالم اللي مات على فراشه واللي بيموت في أي دولة مهاجر إليها لمستشفى وتحت المكيفات لا بده يلقى العذاب الشديد المرير يوم القيامة، لن ينتهي المشهد هكذا فمن رحمة الله بالمظلومين والمكلومين خاصة المظلوم لما يموت هو استراح بس بظل أهله شاعرين بمرارة انه ابننا مات مظلوم أو زوجها مات مظلوم تبقى تشعر بحرقة الألم فقدت أبنائها في قصف فقدت أبنائها في كذا، ما الذي يبررد على قلب الأم المكلومة اللي بتفقد عشرة من أبنائها؟ شو اللي بيبرر على قلبك؟ من رحمة الله أنه في يوم قيامة لا والله لاأخذها شغلة شغلة من شعرات هؤلاء المشركين واليهود والنصارى وكل من قتل وساهم في قتل المسلمين، اللي بيبرد على قلبك وهي رحمة أنك تؤمن أنه في دار آخرة يقتص فيها من المظلوم للظالم ولم ينتهي المشهد هكذا هذا الجزئية.

ثانياً من رحمة الله بوجود الدار الآخرة إخواني أن وجود الدار الآخرة يساعد على ضبط أعمال البشر في الدنيا، صحيح يعني تخيلوا لو في دار آخرة رح نصير مجموعة غابة حيوانات، يعني شو اللي أنت بصبرك وانك بتضحك زي ما بيضحك زملائك في العمل وبيسرقوا وبخليك تحضر الدوام من أوله وبتحاول تلف؟ شو اللي بخلينا منضبطين صراحة؟ الدار الآخرة، لذلك فيما يروى أن عمر قال ولولا يوم القيامة لكان غير ذلك، يعني عمر بيقول لهم أنتم شايفين أن عمر بشدة منضبط أنا شو اللي بخليني منضبط وماشي على كتاب الله؟ أنه في حساب بقول لهم لو في يوم قيامة ق ما شفتو عمر بهي الطريقه يعني لفعلت وفعلت ففعلياً وجود الدار الآخرة أيضاً رحمة لنا في الدنيا أن إيمانك باليوم الآخر كمجتمع مسلم بخلي الواحد فينا منضبط، هذا ما بيعتدي على جاره وهذا بغض بصره عن عورة جاره وهذا حافظ على حرمة المسلمين وهذا يحفظ عمله وهذا بيغيب لأنه عارفين أنه في حساب، لو ما في حساب فرطت الدنيا، فاذا يوم القيامة هو رحمة من هاتين الجهتين ومن جهات أخرى أيضاً يمكن أنك تستنبطها لكن أنا اقتصرت على هذين أنه لما قال كتب على نفسه الرحمة ومن جملة الرحمات أنه يجمعكم إلى يوم القيامة لا يمكن أن تتم الرحمة إلا بيوم القيامة ولذلك الله لما خلق الرحمة خلقها مئة قسم انزل منها جزءاً على الأرض وأبقى تسعة وتسعين جزءاً منها ليوم القيامة، فيوم القيامة أصلاً هو أيضاً من مواطن الرحمات تسعة وتسعين جزء من الرحمات مدخرة ليوم القيامة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه.

لكن للأسف شو قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 12] شوف هذا التعبير القراني المبهر بقول لك اللي خسر نفسه هو اللي ما راح يؤمن، شو معنى أنك تخسر نفسك؟ نعم مرهونه، طيب لا أنا بدي أياك بس هيك شوية أنا بدي أنقلك في فهم الآية لبعد معين، أحياناً نحن في واقعنا المعاصر بنقول والله فلان ضيع حاله صحيح فلان ضيع حاله، افهم الآية بهي الطريقة فلان خسر نفسه شو بقول لك والله فلان ضيع حاله؟ شو ضيع حاله؟ خرب حاله ولا كان بامكانه أن ينجح وهي بتقول لك الذين خسروا أنفسهم اللي ضيع حاله هو الشخص الذي لن يؤمن، بدك تضيع حالك؟ لا تؤمن، بدك تكسبها؟ بدك تكسب نفسك؟ آمن، فهذا التعبير جميل أنه تعطيك أن الناس الذين لن يؤمنوا مع وجود كل هذه الدلائل والبراهين هم الناس اللي ضيعوا حالهم اللي خسروا أنفسهم، ففقط هكذا كيف واحد بيخسر حاله؟ بيعيش بس من أجل شهواته بيعيش بس من أجل أن يصير عنده مال وسيارة ورصيد بنكي وكذا، مش عم بفكر بالدار الآخرة هذا اللي عم بيخسر حاله، اللي خسر نفسه هو الذي لن يؤمن بكل هذه المشاهد فكأن الآية بتقول لك أنت حابب تخسر نفسك ولا حابب تكسبها؟ إذا كسبت نفسك رح تؤمن تؤمن بالله بشرع الله وتنقاد لأمره أما إذا أنت مصر أنك تخسر نفسك باصرارك على شهواتك وغيك وأنك تمشي مع هواك وتتعبده إذا عارفين نحن النتيجة اللي خسروا أنفسهم هم الذين لن يؤمنوا فهم لا خلص خسران هذا ضيع حاله وأتبع هواه ومنكب على وجهه لا يريد أن يفعل أدوات الاستجابه للشريعة.

هناك واحد لا، حاول يبحث عن الهدى مفعل السمع البصر يحضر مجالس عم حاول يعني يفعل شيء لعل وعسى يصلح أمره، في واحد ولا منتبه لشيء عايش كما قال سبحانه يتمتعون وياكلون كما تاكل الانعام هي حياته باختصار وظيفه مصاري متعة مع شباب سياحة أكل شرب ضحك أعراس حفلات وبعدين اه هذه هو هذا هو الإنسان الذي يذهب إلى عدم الإيمان هذا هو الذي كسر نفسه لأنه بس بفكر في بعد دنيوي صغير يقضي فيه شهوته ووطره وثم بعد ذلك ينتهي كما ينتهي حال الكفار خسروا الدنيا والآخرة، فلذلك احذر انك تخسر نفسك هي رسالة الآية الكريمة في واقعك احذر أن تخسر نفسك حاول أن تكون شيئاً مفيداً وأن تكون لحياتك معنا حتى تستطيع أن ترى هذا الجمال ومعاني الإيمان وتتذوق حلاوته، اللي خسروا أنفسهم هم الذين لا يؤمنون.

ثم أعاد الكرة مرة أخرى لموضوع الملك فقال قال أولاً له ما في السماوات والأرض تكلم عن إحاطة في الملك ثم قال وله ما في داخل هذا الملك وقال وله ما سكن في الليل والنهار، سكن يعني استقر السكون هنا ليس مقابل الحركة والله أعلم، هناك قولان للمفسرين القول الأول أن السكون مقابل الحركة والقول الثاني أن السكون بمعنى الاستقرار السكن مش بقول لك أنت وين ساكن؟ شو يعني سكنك؟ يعني المكان المستقر فيه فيقول سبحانه وله كل ما سكن كل شيء استقر داخل السماء الليل والنهار، طبعا هنا علق الأمر بالليل والنهار يعني كل شيء طلع عليه النهار وغرب عليه الليل فالله سبحانه وتعالى مالك له وله كل ما سكن كله مني طبعا وله كل ما سكن في الليل والنهار فكل ما أشرقت عليه الشمس وأظلمت عليه هو ملك للإله وهو السميع لكل هذا الوجود ماذا يقولون وماذا يفعلون وماذا يهمسون العليم بأحوال هذا الوجود الساكن.

يعني كل هؤلاء ممكن واحد يقول طب كل شيء سكن في السماوات والأرض وفي الليل والنهار ملك لله طب هل الله سبحانه مهيمن على هذا الوجود مسيطر عليه ولا لعل وعسى ياتيك خاطر شيطاني يقول لك بسبب كثره هؤلاء فقد سبحانه وتعالى السيطرة عليهم حاشاه، فلذلك ختم باسم السميع والعليم ليخبرك مع أنه يملك كل هذا الوجود لكنه سميع بكل ما يصدر منهم عليم بكل أخبارهم وأحوالهم وسياتي الكلام عن السمع والعلم أكثر وأكثر في ثنايا السورة لأن العلم هي اعظم صفات الله سبحانه وتعالى أو من اعظم صفاته أنه يعلم كل شيء في الظلمات وفي البحار وفي الجبال وفي السماء وفي كل ما سكن علمه عند الله ولو كانت ذرة رمل أو ورقة شجرة، سبحانه علم الله شيء مرعب ومذهل مجرد التفكير تتخيل ما مساحه العلم الإلهي ولن تحيط بها يجعلك تخضع لهذا الإله العظيم وتعرف كم البشر عاجز هذا البشر أو الطاغي أو المستبد اللي ما بيعرف ورا الباب هذا كيف يخضع له؟ اللي لا يقدر أن يعرف ماذا خلف الباب مقارنة بالإله الذي يعرف ما فوق السماوات وتحت الأراضين لا مقارنة ومع ذلك يبقى البشر قاصراً.

فلما قال لهم ذلك أراد أن يأخذهم إلى الألوهية وهكذا طريقه السورة إذا أقررتم أن الملك التام المحيط لله قل لهم قل أغير الله اتخذ ولياً؟ بدكم بعد كل هذا أن اتخذ ولياً أتبعه وأخضع له والجا إليه وأسند ظهري إليه غيره سبحانه بعد كل هذا الإقرار والاعتراف بالملك التام أغير الله اتخذ ولياً؟ مش معقول أن اتخذ غير الله ولياً واللآية لله هذا أحد معاني الألوهية، دائماً عليك أن تعرف وين معاني القرآن التي تركز على جانب الربوبية الخلق الملك الرزق وين المعاني التي تركز على معاني الألوهية، والألوهية هي المعاني التي أنت بتقدمها للإله حتى تفرق بشكل واضح.

الربوبية هي المعاني التي يعطونا الله إياها والألوهية بالعكس المعاني التي نحن لازم نقدمها للإله، الربوبية أنه خلقك أنه ملكك أنه يطعمك الألوهية أنه شو راح تقدم أنت مقابل هذا؟ بدي أقدم العبودية الخضوع الولاية له وأن تكون كما في آخر السورة ومحياي ومماتي لله رب العالمين هذا قمة الألوهية، قل أغير الله اتخذ ولياً؟ ثم عاد فذكر ولياً فاطر السماوات والأرض، عاد فوصف الله بالربوبية أغير الله اتخذ ولياً وهو الفاطر؟ والفطر هو الإبداع في الشيء أن تكون أول من فعل الشيء وأوجده تمام، أول من فعل الشيء وأوجده وفيها أيضاً معنى الفطرة كلمة فاطر فيها أيضاً معنى الفطرة التي فطر عليها فهو هو الأول في خلق الشيء وأوجده ولم يسبقه سابق إليه، فيقول اتخذ ولياً اعتصم إليه سوى الله مع أن الله هو الفاطر هو المبدئ المبدئ لوجود السماوات والأرض وهو أيضاً في نفس الوقت يطعم يرزق.

موضوع الرزق الآن هو يطعم ولا يطعم، لا يحتاج منكم إلى شيء، أنا أغنى الشركاء عن الشرك سبحانه، وكلكم جائع إلا من أطعمته، كلكم جائع إلا من أطعمته، فهو سبحانه وتعالى يطعم ولا يطعم، بخلاف الجبابرة الذين تعبدونهم من البشر، هم وإن كانوا في الظاهر ممكن يفتح لك يعطيك الراتب بالشهر لكنه زيك هو يطعم ويطعم، لكن الله يطعم ولا يطعم، لا يحتاج إلى عون سبحانه.

إذا أقررت بهذا، وإذا أقروا لك بهذا أن الله هو الذي يطعم ولا يطعم، فقل لهم بوضوح أمام أهل الباطل قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم، لأنه هو أول المسلمين في هذه الأمة صلى الله عليه وسلم، وأول المسلمين في هذه الأمة، قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم، وهذا معناه الوضوح في الرسالة يا إخواني، أنه العقيدة ما فيها مجال للمواربة، فليس فيها أنصاف الحلول أنه بعدين بفتح موضوع الإسلام معهم، لا، ما هو هذه رسالة بدها تكون واضحة، فمجال إني أخبئ موضوع الإسلام في أشياء نعم، في الشريعة كتطبيقات تقبل التأجيل كأحكام كحدود كـ، لكن كعقيدة ولا إله إلا الله، هذه ما في مجال أن تقبل المساومة عليها، فقل لكفار قريش ولكل مستبد في كل وقت وحين: إني أمرت، إذاً هو صلى الله عليه وسلم يخبر أن هناك من أمرني، فهو خاضع لهذا الإاله عليه الصلاة والسلام.

أمرت أن أكون أول من أسلم، أسلم، استسلم، خضع، سلم كل شيء للإله الذي يطعم ولا يطعم، ثم نقطة يقول ولا تكونن، هنا ألتفات نسميه التفات، ثم التفتت الآية إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تكونن من المشركين، وهذا وإن كان موجهاً له في الخطاب لكنه موجه إلينا من باب أولى وأحرى، إذا كان الله يخاطب نبيه: احذر أن تشرك بالله شيئاً، فإذاً هذا مخاطب نحن به من باب أولى، احذروا أن تزل أقدامكم فتشركوا بأهوائكم، ببشركم، بأصنامكم، بأي معبود، بدنانيركم، بدنياكم، أن تجعلوها شريكة لله.

هذه يا إخوان القرآن وظيفته أن يعيد ترتيب الأولويات في حياتك، اليوم الدعوات القومية والوطنية والإقليمية تربو في نفوس حتى كثير من المسلمين للأسف عن الدعوة لتوحيد الله سبحانه وتعالى، قضية التوحيد والعقيدة أصبحت تغطى أنه هي قضية شخصية، وأنه أهم شيء إنا نحافظ على الرابطة القومية والوطنية والولاء تحت منظومات أخرى ليست لا إله إلا الله محمد رسول الله، هنا بيجي القرآن بقول لك: أول شيء بتركز عليه قبل ما تفكر في أرض أو وطن أو أي مصلحة قومية: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله تعني أننا جميعاً أخوة تحت مفهوم الدين العريض، مشرقي، مغربي، عربي، عجمي، من أي مكان كان تجمعنا لا إله إلا الله، هون القرآن بسلط لك الموضوع على هي القضية: إياك أن تعبد راية أو أن تخضع لصنم أو أن تخضع لفكره أو لقومية، لا تعبد إلا الله.

هذا الخضوع الموضوع التام والاستسلام التام تخلص من كل عبوديات البشر وأفكار البشر والخضوع لقوانينهم وأفكارهم، اخضع للإله فقط، ولا تكونن من المشركين، فأنت إذا خضعت لقانون غير قانون الإله فقد أشركت، وهذا معنى لا تكونن من المشركين، إياك أن تخضع لغير التوحيد ولغير مصدريته من الإله سبحانه وتعالى.

ثم يقول سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم، وهي جمالية القرآن لما يعطي الأدلة مع الإيمانيات والروحانيات في نفس الوقت: قل إني قل لهم، قل هؤلاء الظالمين: أنا محمد صلى الله عليه وسلم أخاف إن عصيت ربي، إذا كان عليه الصلاة والسلام يخاف، يخاف قال: إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم، هذا العذاب فقط من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه، يعني جهنم فقط أن تصرف عنها حتى لو ما دخلت الجنة، بس تصرف عن عذاب جهنم ولو لم تدخل الجنة، من يصرف عن هذا العذاب رحمه، خلص دخلت الجنة، هي خير غير مجرد أن من زحزح عن النار، أول شيء أن تزحزح عن النار هي خطوة النجاح الأولى، بعدين خطوة النجاح الثانية أن أدخل الجنة، فمجرد أن تصرف عن النار هذه رحمه وذلك الفوز المبين.

نقف عند هذا القدر اليوم وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.

خمس دقائق إخواني راحة نعود.