بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس الوحي، وهذه المرة نلتقي بكم عبر البث المباشر، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيدنا إلى مجالس العلم وإلى محاضنه، وألا يحرمنا من بركاتها وخيراتها.
بركات التدارس وحلقات التعلم فهي زاد المؤمن إلى الله سبحانه وتعالى ومن مثبتات الإيمان. ولكن مع ذلك يبقى الإنسان محاولاً سائراً مهما كانت الظروف ومهما كانت الأوضاع ومهما كانت العثرات في الطريق، لابد وأن نبقى في مسيرنا إلى الله سبحانه وتعالى نتحلق حول كتاب الله حتى ولو كان عبر البث المباشر. نتحلق حول كتاب الله سبحانه وتعالى ونتعلم ونتدارس، ويبقى هذا العلم قائماً ببركة الثبات على دين الله سبحانه وتعالى وبركة المداومة والاستمرار وعدم اليأس والإحباط وعدم التململ، وأن يبقى الإنسان مرابطاً على ثغر العلم محتسباً عند الله سبحانه وتعالى كل ما يصيبه فيه، فهذا والله نعمة.
فالحمد لله أولاً وآخراً ظاهراً وباطناً. ما زلنا نعيش في رحاب سورة الأنعام، وفي مجلسنا الثالث سورة الأنعام التي كما قلنا تتمحور حول أربعة أمور. والامر الأول هو الحديث عن الألوهية؛ تعريف العباد بمولاهم وتعبيدهم لله سبحانه وتعالى، بأن تعرفك على الله وتبين لك استحقاقه للعبادة المطلقة والخضوع المطلق، وأن تبذل له حبك ورجاءك وخوفك، وأن تبذل له صلاتك وزكاتك وصيامك.
حتى تحكيم الشريعة والمناهج الأرضية أن تكون بحكم الله سبحانه وتعالى وليس بأهواء البشر. كل هذه المعاني داخلة تحت مفهوم العبودية التي يستحقها الله سبحانه وتعالى؛ باختصار أن تخرج من هواك إلى عبادة مولاك سبحانه وتعالى في كل شأن من شؤون حياتك. بدأت سورة الأنعام بذكر ماذا؟ بذكر الهيمنة المطلقة لله سبحانه وتعالى على الكون عموماً والإحاطة التامة به: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظَّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: 1].
ثم ذكر بعد ذلك الهيمنة على حياة الإنسان من أولها إلى آخرها إلى منتهاها في الدار الآخرة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: 2]. ثم ذكر الهيمنة أيضاً على أعمال الإنسان وسلوكياته وأنه العلي مع دنوه، كما قال الحافظ الحكمي في سلم الوصول: هو علي في السماوات ومع ذلك يعلم كل شيء، يعلم أعمالنا السرية وأعمالنا الجهرية وحصائد الأعمال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: 2].
بعد هذه المقدمة التي تثبت أن المستحق للخضوع المطلق والعبودية المطلقة، الذي يستحق أن تكدح له طوال عمرك، وأن تسخر حياتك من أجله، وأن تفكر فيه ليلاً ونهاراً هو الله سبحانه. هذه هي المدخل، هو الذي يستحق كل شيء من أعمالنا وعرقنا وتعبنا ونومنا ويقظتنا أن تكون مسخرة لطاعته وعبوديته سبحانه. أخبرك عن أول صنف من المعترضين على هذا المبدأ، وهم عوام أهل الباطل الذين تأتيهم الآيات البينات الواضحات من ربهم سبحانه وتعالى لتوجههم ولتنبههم على هذه القاعدة العظيمة، قاعدة الألوهية والخضوع المطلق، لكنهم يتعاملون مع هذه الآيات بماذا؟ بالإعراض. هذا صنف وهو الأغلب: ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: 4]. والإعراض يولد قلنا ماذا في المجلس الماضي؟ تكذيباً، والتكذيب يولد في أقصى درجاته الاستهزاء.
ولذلك الله سبحانه وتعالى توعدهم ونبههم أن ينظروا في مصارع الأمم السابقة: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَم نُمَكِّن لَّكُمْ﴾ [الأنعام: 6]. أخبر أن الماضين مكنوا، وأن الله سبحانه قد يمكن للدولة الكافرة ويمكن لأهل الباطل عندما يأخذون بأسباب التقدم، لكن هذه المكنة مكنة ظاهرية في الدنيا، وما أهونها على الله إذا أراد أن يهلكهم: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأنعام: 6]. هذه المكنة ماذا كانت نتيجتها لما لم تبنى على الخضوع لرب السماوات والأرض؟ ما أهون الخلق على الله. ولذلك أبو الدرداء لما راى فتح قبرص وراى رجال قبرص من الصليبيين والنساء يفزعون ويهربون بكى. فقيل له: يا أبا الدرداء تبكي في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ قال: أبكي على هؤلاء كيف كانوا في دنياهم وامتعتهم وحياتهم، ثم كيف صاروا على الله بسبب كفرهم: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِم قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: 6]. بقي الإله سبحانه وتعالى لا يفنى، وبقيت الأرض وبقي الزمان، وهلك الأقوام، وجاء جيل آخر محا ذلك الجيل السابق بكل مكنته وما أهونه!
ثم بعد ذلك يخبر الله سبحانه وتعالى نبيه عليه الصلاة والسلام ألا ينصاع وراء دعوات المشركين المتكررة بطلب الآيات واقتراح الأفكار: ﴿وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الأنعام: 90-92]. اقترحوا كثيراً من الآيات. فالله يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: هل ترى هؤلاء الذين يقترحون الآيات ويوهمونك أنهم إذا جاءتهم آية تخضع لها الرقاب سيؤمنون بها؟ ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: 7].
لو هذا القرآن الذي هو معجزة ذهنية ذوقية لغوية، لو هذا الكتاب راوه ينزل من السماء أمام ناظرهم ولمسوه بأيديهم لئلا يتوهموا أنه حلم أو سحر، كان هذا يعني تأكد أنت لست في حلم وأنت ترى هذا الكتاب ينزل، لبقي هؤلاء مصرين على هذا، ليش؟ لقالوا هذا لسحر. يعني هنا اللمس بالأيدي هدفه ايش؟ أنه متأكد مش سحر، هيك تمسكه بيدك، ليس وهماً، ما خضع بصرك لما نزل الكتاب أمام ناظريك مع أنك لمسته بيدك. لكن في هناك نفوس، هذا هو المقصود، هناك نفوس بشرية طبيعتها معانده؛ لا تريد، هي لا تريد الخير، لا تريد الهدى. الله سبحانه وتعالى يعلمنا في سورة الأنعام أنكم ستواجهون هذا النوع من البشر، ليس كل البشر يبحث عن الهدى بل أكثرهم يضل ويتبع هواه.
وبالتالي لما تاتيهم الآيات والدلائل هل تظن أن كل الناس فعلاً هو جاد في البحث عن الهداية؟ هل كل الناس يتعامل مع دلائل الوحدانية بكل المعيارية والموضوعية؟ كلا، أكثر الناس يحاول أن يصرف النظر عنها ويعرض. وإذا حاولت أنت أن تحاوره وأن تناقشه وأن تلزمه، يحاول يخلط الأوراق، ويفتعل لك إشكالات: طيب افعل كذا حتى أقتنع، طيب اعمل كذا حتى أشود هل فعلاً؟ الله يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: استرح، فهؤلاء قوم معاندون، أنت لا تفتقر للآيات ولا تفتقر للدلائل وحجتك واضحة باهرة بدليل أنهم لم يستطيعوا أن يأتوا بسورة. فالكلام واضح، لكن يجب أن نعرف نفوس أهل الباطل، وهذا من مقاصد سورة الأنعام كما قلنا؛ معرفة نفسيات المشركين وأهل الباطل عموماً حتى من أهل البدع وأهل الفجور والمعاصي.
ولذلك كان من الآيات التي اقترحوها أن ينزل ملك، قالوا: لماذا ياتينا رسول بشري؟ لماذا لا ينزل ملك نتفاهم معه ليكون هذا أدعى لأن نقبل؟ فالله يقول سبحانه وتعالى الإجابة الرسمية أن الآيات لا تنزل بالاقتراحات، وإن كانت السورة لم تصرح بها لكن صرح بها في مكان آخر: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: 51] هذا يكفي. والذي يحب أن يؤمن بناءً على الكتاب مرحباً به، والذي هو مصر على عناده لا نحتاجه. ثم أخبر أنه لو نزل ملك ستحدث إشكاليتين بالنسبة لهم؛ أن هذا الملك لو نزل، نزوله لن يكون نتيجة لصالحكم. هل تعرفون ذلك يا كفار قريش؟ لماذا لن يكون لصالحنا؟ لأن طبيعتكم في الحقيقه هي طبيعة عنادية؛ أنت لست إنساناً باحثاً عن الهدى، لأنك لو كنت باحثاً عن الهدى لكفتك معجزة القرآن فهي باهرة. لما تشوف رجل تاتيه أنت بأدلة باهره ومع ذلك ما زال يطالب بأدلة أخرى مباشرة، أنا ايش باخذ عنه انطباع؟ أنه مش جاد ولا يملك الجدية، لأنه ما اتيتك به في كامل الوضوح في كامل الجلاء ما في ثغرات حتى تقول لا بدي شيء أوضح، ما هو في كامل الوضوح. ساعتها بعرف أنه هاي الشخصية اللي بتعامل معها من شخصيات أهل الباطل هي شخصية عنادية.
بالتالي الله عز وجل يقول لكفار قريش: أنتم شخصيات عنادية ونفوس طاغية، لمصلحتكم ألا ينزل الملك، لأنه لو نزل هذه معجزة حسية، والمعجزات الحسية من الحجم الكبير إذا نزلت ولم يؤمن بها يكون الهلاك. ولذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾ أو عفواً في الآية السابقة: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ﴾ [الأنعام: 8]. وهناك كما قلنا دلالة اقتضاء صحيح؛ التقدير: ولو أنزلنا ملكاً فكذبتم به، لإنهاءكم ثم لا ينظَرون، لأن لا ننتظر دقيقة واحدة عليكم.
الإشكال الثاني أنه لو جعلناه ملكاً ما راح تستطيعوا تتفاهموا معه؛ الطبيعة الملائكية بصورتها الملائكية البشر لا يمكن أن يتفاهموا مع هذه الطبيعه. أنت هذا الجنس مختلف تماماً عن جنسكم، كيف تتعامل مع طبيعة تختلف عن طبيعة تكوينك؟ فسنحتاج فسيحول إلى صورة رجل، فإذا حول إلى صورة رجل عدنا إلى المربع الأول: آه، طب جبتوا لنا إياه رجل، لا نحن بدنا إياه ملك! فإذا نزل ملكاً لن تحسنوا التعامل معه بصورته الملائكية، فسنجعله رجلاً من طبيعتكم، فسنصبح نحن كأننا لبسنا عليكم كما أنتم لبستم على أنفسكم ابتداءً مع أننا اتيناكم برسول منكم من طينتكم واضح وأدلته واضحة. أنتم اخترتم التلبيس على أنفسكم، فلماذا ننزل ملكاً على صورة رجل فنكون نحن لبسنا عليكم فعدنا لمربع التلبيس؟
طيب إذاً، سبحانه وتعالى يخبر بعد كل هذه النقاش، يقول: ولقد استهزئ، نعم يا محمد صلى الله عليه وسلم وكل الدعاة، عليكم أن تترقبوا وأن تتصوروا هذه الدعوات محفوفة بالمستهزئين والمتربصين والمناكفين والذين يحاولون إسقاطها. فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: 10].
طيب، بدكم دليل؟ يلا ما هو الدليل على أنه فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون؟ شوف هيك الآيات، أنا أحب ترابط الآيات أفهموا، يعني ما هو الدليل على أنه حاق بالذين سخروا واستهزؤوا من السابقين ما كانوا به يستهزئون؟ ايش الدليل؟ قل سيروا في الأرض. سلام ورحمة الله. قل سيروا في الأرض، ثم انظروا، وأنتم يعني وأنتم رايحين؛ لأنه هو الله عز وجل يعلم أن كفار قريش لا ينصاعون لحكم القرآن، فيقول: مش أنتم بتسيروا في الأرض بتتاجروا باتجاه اليمن وباتجاه الشام، وأنتم تسيرون في الأرض، انظروا مصارع قوم عاد في جنوب الحجاز ومصارع قوم ثمود ومصارع قوم لوط، وأنتم رايحين جايين سيراً، ثم انظروا يعني أحياء. شوف القرآن واضح: إذا أنت لست مصدقاً أنه حاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون، سيروا في الأرض ورح تنظر في مصارع أمم وبيوت خوت وأناس انتهت، أنت تعلم قصصها وأخبارها.
طيب، انتهى مشهد التخويف هنا، عدنا إلى مشهد تقرير الألوهية من خلال الربوبية، فذكر قضية الملك لله سبحانه وتعالى: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُل لِّلَّهِ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 12]. ثم قال في التي تريها -طبعا عرفنا كتب على نفسه الرحمة أنه ملك يقوم على الرحمة، وأن ملك الله لا يقوم على الظلم والاستبداد كما يكون في حال ملوك الأرض-. ثم ذكر معلماً آخر من معالم الربوبية التي تقودك إلى الألوهية: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ [الأنعام: 14]، معقول ألجا وأعتمد وأستند على غير الله؟ وهذا الولي، الولي أنت تستند إليه وتتوكل عليه وتقضي به الحوائج وتتطلب منه، هل أتعبد وأخضع لغير الله وهو الذي فطر السماوات والأرض؟ الفطر هو أن تخلق الشيء بلا مثال سابق ولا نموذج يحتذى، اخترعه وابتداه سبحانه وتعالى بقوته وعلمه، وهو في نفس الوقت يطعم ولا يطعم، هو الرزاق يطعم ولا يحتاج إلى أن يرزق، إذاً هو في كامل الاستغناء ونحن في كامل الافتقار إليه.
شوف، وهو يطعم ولا يطعم هذه المقابلة هي تريد أن تقول: هو في كامل الاستغناء عنك وأنت في كامل الاحتياج إليه، بعد كل هذا اتخذ له شريكاً واتخذ له نظيراً ونداً وأناعي له لا يمتلك ولا يفعل كل هذه الأمور؟ مسكين هذا الإنسان الذي يغفل عن كل هذه الدلائل الواضحة!
ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أن يقول ما دمتم أمام هذه الدلائل الواضحة تصرون على العناد، فالآن شوف هذه ميزة القرآن في الطرح العقدي أنه يجمع بين الخطاب العقلاني والخطاب الوجداني، فهو أولاً أعطاهم خطاب عقلاني، بعدين أعطاهم خطاب إيماني وجداني: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَومٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: 15]. هذا الآن هنا يخاطب أحاسيسهم ومشاعرهم؛ ترى إصراركم على ما أنتم عليه يعني النار، وأنا محمد صلى الله عليه وسلم أخاف منها. هذه النار التي من يصرف عنها فقط من يزحزع عنها فقد رحم، بغض النظر بعد ذلك أين المأل، مجرد ألا تدخل النار فأنت في أوسع الرحمات وذلك الفوز المبين.
شوف، جعل مجرد الخروج من النار والصرف عنها فوزاً ونجاحاً عظيماً؛ أنك تزحزع عن نار جهنم، معاناته الذي لن يموت على التوحيد سيخلد في نار جهنم، وما أعظمها من خسارة وما أسوأ من مصير الخلود الأبدي في دار الجحيم! كل حياتنا التي نمر بها بكل ما فيها من عقبات وتحديات وصعوبات لا تسوى غمسة في نار جهنم صحيح. مهما كان بلائك وتعبك هي الدنيا بتنتهي؛ الظالم يزول والمستبد يموت، والحياه متقلبه، ولا حزن يدوم ولا سرور، ولا بؤس عليك ولا رخاء، أما نار جهنم هي الحزن المستدام والعذاب الأليم والأبد الأبادي الذي لا نهاية له. مسكين من يفرط!
ثم بعد ذلك هنا وصلنا الآن سنبدا مجلس اليوم، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾. لاحظ كيف أن الخطاب القراني يركز في تثبيت معاني الألوهية على.
الاحتياجات البشرية، يعني أنت كإنسان بشري ماذا تحتاج؟ تحتاج مثلاً قبل قليل ذكرنا الرزق صح، مين اللي يرزقك سبحانه يطعم ولا يُطعم؟ أنت كإنسان بشري تحتاج إلى أن تذهب عنك المضار وتأتي بالمنافع في كل جوانب حياتك، صحيح المادية والأمنية وما شابه ذلك. طيب مين اللي بيمنحك الأمن والنفع والذي يبعد عنك الضر؟ بس ما في داعي لقياس منطقي فلسفي نروح نجيبه من أفلاطون وأرسطو حتى نقنعك أنه فيه، ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾، ولاحظ الاختيارات القرآنية، المس، ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ﴾ أدنى مسيس، ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ﴾.
وهذا يدل على أنه مجرد أن يصيبك ضر فلا كاشف له إلا هو. يعني أنت لا تلتجئ إلى الله في البلاءات الضخمة فقط، حتى أدنى بلاء أنت تحتاج هو أن يرفعه، ولن تستطيع أن تدبر نفسك بدونه سبحانه، صحيح مجرد أن يمسك مجرد أنفلونزا، صداع، أم أي خوف يسير وظيفة عمل، لا تظن أنه بعض الناس يظن الله يلتجئ إليه في الأشياء الدسمة ها، في الأشياء الخفيفه بدبر حالي، أنت تحتاج إلى الله في كل عين تطرف، ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾، هو المهيمن سبحانه، ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾.
﴿وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فهو الذي سيمنحك إياه، ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، يعني إذا مسك الخير فهو القدير على أن يمسك به وبغيره مما صغر أو كبر من أشكال الخير، ولا يعجزه شيء أن يعطيك إياه من آمالك وطموحاتك من الخير. هذا خطاب عقلي وجداني أنه يعطيك الذي يكشف الضر ويأتي بالنفع هو سبحانه وتعالى. ما دمت تعلم أنه هو الذي يجلب النفع ويدفع الضر، إذا هو الذي يجب أن تخضع له سبحانه خضوعا تاما، وهو الذي يجب أن تتلقى منه التشريعات والأوامر، ولا يجوز ومن أعظم الظلم أن تذهب إلى غيره لتتلقى التشريعات الأرضية والقوانين الحياتية. من أعظم الظلم أن تجعل له شريكا من البشر أو الحجر أو الشجر أو النجوم أو الكواكب، أو من أعظم الظلم أن تعلم أن بيده مقاليد النفع والضر ثم تصرف جزء سانتي من العبادة إلى غيره ممن لا يستطيع أن يجلب لنفسه ضرا ولا نفعا، ظلم كبير، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13].
طيب، ثم ختم هذا المشهد بقوله ليعطيك مشهد السيطرة التامة، وهذه الآية ستتكرر مرتين في سورة الأنعام. سورة الأنعام تريدك أن تشاهد معالم الهيمنة الإلهية على الوجود، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: 18، 61]، خلاص يعني هذه جمعت كل شيء. القاهر، اسم الله القهار، هو القاهر، كل الهيمنة والسيطرة والتدبير كله للقاهر سبحانه وتعالى في أموركم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والحياتية والصحية، كل شيء من امور حياتك الذي قهره وهيمن عليه هو الرب سبحانه، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾. ولاحظ مشهد السيطرة أن كل العباد دونه وهو فوقهم، وسبحانه فوق العباد ذاتا فوق السماء السابعة وفوقهم قهرا وعلوا ومنزلة بجميع أشكال العلو، العلو بالذات والعلو القهري والعلو في المنزلة كلها لله سبحانه وتعالى.
لاحظ مشهد فوق عباده الكل تحته، لا أحد ينافسه ولا أحد يشاركه ولا أحد يعاونه، كلكم تحته وهو فوقكم. قهركم في حتى أنفاسكم، دائما كلمة القاهر حتى النفس الذي يخرج منك باذنه، بدك قهر أعظم من هيك؟ النفس الذي يخرج منك باذنه، أنت ما بتقدر تتنفس نفس واحد لو لم يأذن به الله. عين تطرف باذنه، لا يمكن أن تطرف عين بدون أذنه، بدك قهر أعظم منها؟ نحن ما بنتكلم لسه فيما سوى ذلك من طعامك وشرابك وصحتك وتعليمك ودراستك، بنتكلم عن الأنفاس والخطرات. أفكارك، أفكارك اللي بتفكر فيها، كل فكرة وكل خطرة دخلت باذنه سواء كانت خيرة أو سيئة، هذا القهر بكل أشكاله. هو الذي يملك الأطراف، ويملك الخطرات، ويملك الأنفاس، بعد ذلك تعبد غيره؟ كأن سورة الأنعام تقول: معقول؟ معقول إنسان يفكر بمنطقية ومعيارية يرى كل هذه القهرطلة إلى السماء التي تراها أمامك والارض التي تشاهدها، كل معالم هذا الوجود تشهد لله سبحانه وتعالى بأنه فقط هو وحده المستحق للخضوع التام وأن يذهب البشر إليه طالبين منه الخير والهدى في حياتهم وما بعد حياتهم. لذلك قال: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 18].
لماذا ختم بالحكيم الخبير؟ لأن كلمة القاهر قد تشعر بالاستبداد عند البعض، صحيح أن القهر ممكن يخلي الانسان البشري لما يقهر غيره ممكن يتصرف تصرفات فيها طيشان فيها استبداد، لكن قهره مشوب بالحكمة، قهره لا يكون فيه أفعال كما يفعل القاهرون من جبابرة الأرض، يتصرفون تصرفات الظلمة والطائشة والتي لا حكمة فيها، لانه الانسان إذا شعر بالقوة يفقد الحكمة أحيانا ويصبح يتصرف تصرفات غير منطقية. لا، سبحانه وإن كان قاهرا فوق عباده لكن في نفس الوقت حكيم، والحكيم هو الذي يضع الشيء في مكانه. خبير، الخبرة، تمام؟
متى تقول عن شخص خبير مثلا من البشر؟ لما يكون فقط درس يعني ولديه تجربة طويلة. الإنسان البشري ما تقول والله هذا دكتور خبير عنده تجربه طويلة ومعرفة واطلاع صح؟ تقول خبير، فما بالك سبحانه وتعالى الذي ليس حاله كحال البشر، الذي خلق البشر ويعرف بواطنهم وأسرارهم وطريقة تفكيرهم بل هو الذي خلقها وأوجدها؟ هو ليس كحالنا نحن بنتعلم مشان نصير خبراء، لا هو خلقك ويعلم أنت كيف تفكر لأن هو الذي خلقك خلق طريقة تفكيرك وخلق طريقة نظرتك للأشياء وطريقة عمل عقلك وطريق واليته في التفكير والنظر وأودع فيه القوانين والعلوم الضرورية والنظرية، خبرة.
فاذا قهر مع حكمه مع خبره، كل هذا بعد ذلك تعرض عنه؟ ماذا تريد أعظم من هذا الإله؟ قهر تام لك في كل شيء كما قلنا، حكمه في اختياراته لك، خبرة بكل احتياجاتك وأنماطك وتفكيراتك وما شابه ذلك كل شيء له. لذلك جاءت البدايه في مطلع الصفحة الثالثة: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ [الأنعام: 19]. قيل في الروايات أن كفار قريش قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: من يشهد لك بما تقوله؟ من يشهد لك بصحة ما تقوله من دعوة التوحيد لله وعدم عبادة الأصنام ومن دعوة وجود اليوم الآخر وكل الحق الذي جئت به، من يشهد لك به؟ فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: ما أعظم شيء يشهد؟ من هو أعظم شاهد؟ من أعظم شاهد تريدونه؟
طبعا هم كفار قريش يعلمون أن الله أعظم شيء وإن كانوا يشركون به، لكن لم يجعلهم هم يجيبوا، بل هو أجاب عليه الصلاة والسلام وقال: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾. ايش أكبر شيء بدكم اياه يشهد لي؟ أي شيء ما من هو أكبر شيء يمكن أن يشهد لي؟ لا تدع لهم مساحة، قل الله. الله هو أعظم شاهد. وهذه الآية استدل بها أكثر أهل العلم على أن الله سبحانه وتعالى يصح أن نقول أنه شيء، لأن هو ايش قال؟ قل أي شيء، فكان الجواب هذا الشيء الذي هو أعظم شهادة هو الله. إذا هل يصح من الناحية اللغوية والشرعية أن نقول الله شيء؟ الشيء كل ما هو موجود والله موجود سبحانه.
وإن كان هذا ليس اسم من أسمائه الحسنى، يعني هل نقول إن الشيء اسم من أسماء الله الحسنى؟ لا، لكن يصح أن يخبر عنه إخبارا بأنه شيء، لأن أسماء الله الحسنى يجب أن تكون تدل على الكمالات، وأما هذا يدل على مطلق الوجود. طيب، فاذا النبي عليه الصلاة والسلام الآن أمام كفار قريش يقول لهم: تريدون من يشهد لي؟ أي شيء أكبر شهادة؟ وقل الله، وقبل أن تجيبوا أنا أجيبكم: قل الله هو أعظم من يشهد، وهو من يشهد لي بما أتيت به من دعوة التوحيد ومن الكلام عن اليوم الآخر وأن هناك حساب وعقاب وعن ضرورة التزامكم بأحكام الشريعة، كل هذا الحق الذي أتيت به أعظم من يشهد لي وأعظم الوجود هو الله سبحانه وتعالى. قل الله، ثم قال: شهيد، ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 19]. شهيد خبر لمبتدا محذوف التقدير هو شهيد بيني وبينكم.
تمام، إذا قل أي شيء أكبر شهادة؟ قل الله، ثم شهيد بيني وبينكم، أي هو شهيد بيني وبينكم. طبعا هناك قراءة أخرى من يريد أن يقرأ قل الله شهيد بيني وبينكم بتجعل لفظ الجلالة مبتدأ وشهيد خبر، هذا أيضا تخريج جائز، والبعض يقول قل الله لا خليها هيك فخمه، قل أي شيء أكبر شهادة؟ الله. أكبر شهادة ثم تقول وهو شهيد بيني وبينكم على صحة ما أقوله. طيب ما هو الدليل على أنه شهيد؟ ايش؟ كيف شهد الله لنبيه؟ وأنا بدي أيك تفهم الآية، أنت بتقول يعني هو يقول لكفار قريش الله سبحانه وتعالى هو الذي يشهد لي بصحة ما قلته، طب أين شهد لك؟ كيف شهد الله لنبيه؟
هنا ذكر المفسرون عدة أمور، منهم من قال بالقرآن، ولذلك شو جاءت الجمله التي بعدها: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ﴾ [الأنعام: 19]. هذا القرآن هو شهد لي من خلال هذا القرآن المبهر المعجز الذي اتحداكم به وأنتم لم تستطيعوا أن تأتوا بمثله، هذا شهادة من الله لي بأنني أقول الحق. تحديتكم به بسورة بعشر سور بمثله ولم تأتوا بشيء من ذلك، هذا أكبر شاهد أنني رسول، وإذا كنت رسولا منه إذا كل ما أقوله سيكون حقا. لذلك جاء بعد ذلك: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ﴾ من جانب هذا الإله ليكون هو الشاهد هي الورقة التي تثبت أنني أتكلم بالحق.
البعض المفسرين قال إن شهادة الله لنبيه عليه الصلاة والسلام من خلال الفطرة، أن الفطرة التي أوجدكم عليها تشهد له بالوحدانية. وإن كنت يعني أميل للاختيار الأول وهو أن المراد بالشهادة الله لنبيه عليه الصلاة والسلام هو تأييده له بالمعجزات وأعظمها هي القرآن. لذلك قال: هذه الشهادة متضمنة لي في القرآن الذي تحديتكم به، ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ﴾ لأخوفكم به، ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: 19] ولأخوف به أيضا من ايش؟ قال: ومن بلغ. ولذلك كل من بلغه القرآن بلاغا يمكنه أن يفهمه ولم يؤمن فقد كفر، قامت عليه الحجة الرسالية خلاص.
لأنه قال: ﴿لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، مش يعني هذا فيه بيان أن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام ليست محصوره في زمنه وفي وفي العرب، لا هي رسالة عالمية، لأنه بعض الناس بقول لك ايش الدليل من القران انه مخاطب به العرب والعجم؟ مش كنا في رسالة بولس الانطاكي أنه قال هذا القرآن ليس فقط لمن أخاطبهم من العرب، كل من بلغه القرآن وكان بإمكانه أن يسمع ويفهم ثم لم يأخذ به ويعمل بمقتضاه فقد قامت عليه الحجة وسيُحاسب على خياراته.
إذا لأنذركم به ولينذر به من بلغ، إذا الموضوع مش محصور في ذات النبي عليه الصلاة والسلام وليس محصور في زمنه ولا مكانه، بل هي رسالة القرآن سيبقى إلى يوم القيامة صحيح، وهذه دلالة على أن القرآن سيبقى محفوظ لن يبدل، ليه؟ ما دام هو رسالة الله التي كل من بلغت ستقوم به الحجة إذا هذا دلالة انه لن يشوه سيبقى محفوظا ليبقى حجة على البشر في كل زمان وفي كل مكان. فكل من بلغه بغض النظر من النبي عليه الصلاة والسلام أو بلغه من العلماء أو من الدعاة أو المصلحين من كل شخص بلغه القرآن بغض النظر من أي طريقة بلغك وفي أي زمان كنت وفي أي مكان كنت، قامت عليك الحجة، انتهى.
﴿لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، ثم عاد مستنكرا عليهم في هذا الاستفهام فقال: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مع اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 19]. أنكم لتشهدون أن مع الله آليه أخرى تستحق الخضوع وأن يؤخذ منها الأحكام والتشريعات وأن يذبح لها وينذر لها ويستغاث بها ويلتجئ إليها وأن تخاف وترهب وما زلتم مصرين على وضع قوانين بشرية وضعية؟ ما زلتم مصرين أن تعتمدوا على غير الله وتلتجؤوا إلى غير الله بعد كل هذا الاستعراض؟ ﴿قُل لَّا أَشْهَدُ﴾ [الأنعام: 19]. قل أنكم لتشهدون أن مع الله آليه أخرى؟ إذا كان في إصرار فانا واضح قل لا أشهَد، أنا لا أشهد.
لا أشهد قلبيا وعمليا، وهذا معناها أيها الكرام، هذه الآيات نزلت في مكة صحيح في خضم المواجهة وفي زمن الاستضعاف، لكن المبدأ يبقى واضح، المبدأ يبقى واضح أن المسألة الوحيد المسألة ايش أقول الوحيد؟ المسألة الأساسية التي لا يجوز المساومة عليها في أي مفاوضات مع الباطل ومع المشركين ومع الكفار، مسألة التوحيد. أنا لا يمكن أن أقول في يوم من الأيام من باب السياسة أو من باب الحنكة أو من باب يعني خلينا نعمل مصالحة أنه يلا مش مشكله ما هو الأديان السماوية الثلاث كلها خير وبركة، إيه يعني هذول يعني هذه تعددية فكرية وكل إنسان يعبد ما يرى والكل في النهاية يصل إلى الله، ما هو ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ﴾ كل فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، نحن نفسر القرآن على هوانا؟ لا. النبي عليه الصلاة والسلام في ساعات الشدة أمر بوضوح المبدأ، نعم أنا ممكن من حيث التطبيق مش قادر أطبق كل مقتضيات توحيد الألوهيّة، ربما مش قادر مثلا أحكم الناس الآن بشريعة الله ضمن بيئة معينة مش قادر، لا، بس لكن يجب أن...
تبقى واضحة أن الله هو الذي يجب أن يشرع، وهو الذي يجب أن يحكم. كوني الآن كتطبيق مش قادر، لا أملك الأدوات، لا أملك الاستطاعة البشرية، هذا لا يعفيني من وضوح الفكرة. لا يعفيني من وضوح الفكرة، فيجب أن يفهم الناس ويبقى من الناس من ينبه الناس أن الله مادامه هو المعبود إذا هو المشرع. وأنا أركز من المشرع؛ لأن سورة الأنعام إحدى المرتكزات الأساسية في معاني الألوهية، أن من معاني الألوهية العظمى التشريع، وأنت تعبد الله بما شرع وليس بهواك. من عبوديتك لله، من خضوعك لله أن تعبده، أن يكون هو المشرع وأنت المتلقي منه فقط لا غير سبحانه وتعالى. فإذا قيل لا أشهد، لا يجوز في يوم من الأيام أن تعلن من باب المناورة والمصالحة قبولك بالشرك كفكرة، لا يجوز إلا إذا أكرهت كبشر، يعني إذا أكرهت وضعوك على النار وزي- ما صار مع سيدنا عمار-: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّوا بِالْإِيمَانِ﴾. لكن من باب السياسة أو الحنكة أو تظن هذا من باب الذكاء أن تساوم على مبدأ التوحيد لله سبحانه، فهذا أكبر خسران وأكبر فشل في الدعوات. ممتاز، لذلك أحياناً كان للأسف في المراحل الماضية بعض مثلاً الإسلاميين، كان لما مثلاً يريد أن يرشح نفسه أو شيء، بصير يحاول ايش رايك في الدين النصراني، في اليهودي؟ لا، الخلاف بيننا وبين الأديان الأخرى هو خلاف، لا، فما في داعي يعني تطلع على الإعلام إذا بدك توصل للحكم بهي الطريقة، صحيح. ما في داعي أنك تحاول، وهذا ذكاء له؟ مش ذكاء هذا، هنا أنت تضيع. فرق بين الذكاء بمعنى أنا ما عندي قدرة على تطبيق كل مقتضيات الشريعة أطبقها بحسب الاستطاعة، وبين أن أتكلم بما يناقض التوحيد.
الكلام بما يناقض التوحيد هذا ليس من الوسائل المشروعة للوصول في المشروع الإسلامي، وليس من مقتضيات السياسة الشرعية؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام في أحلى لحظات مكة كان مطالباً أن يقول: ﴿قُل لَّا أَشْهَدُ﴾ لا أقبل هذه في مساومات. قبلتني، ما قبلتني أنت أيها الطرف الآخر بيجعلك، لكن أنا عندي مبدأ واضح. طيب قل لا أشهد، طيب بماذا تشهد إذا كنت لا تشهد لهم بشركهم؟ إذاً بماذا تشهد؟ بتوحيدي لربي: ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾. إذاً فالشهادة هذه الشهادة التي أدلي بها وأرجو أن أموت عليها وأن ألقى الله عليها: إنما هو إله واحد، لا مساومة على هذه العقيدة. وليس فقط أقول إنه إله واحد، بل لابد وأن أتبرأ من كل المشركين ومن كل ما يشرك بالله، وأنني بريء مما تشركون.
إذا كان بعض السلف يقول ينبغي على من شهد أن لا إله إلا الله، يسن له أن يزيد: وأنني بريء مما تشركون؛ من باب أن يؤكد أنني لست فقط أعلن مبدأ التوحيد، وإن كان مبدأ التوحيد هو يتضمن ضمنياً نفي الشرك، ولكن لا، تكلم بها بلسانك وأعلنها مدوية لهذا الوجود: وأنني بريء مما تشركون، اللي هي ملة إبراهيم عليه السلام. ايش قال سيدنا إبراهيم؟ ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ أي في ذرية إبراهيم إلى يوم القيامة.
طيب، الآن انتقالة سريعة لنوع من الكفار، هم أهل الكتاب، وإن كانت هي السورة مدنية لكن كفار قريش كانوا كثيراً ما يلجؤون إلى أهل الكتاب ليسألوهم عن النبي عليه الصلاة والسلام وهل هو صادق وهل ما جاء به حق؟ فهذا الكتاب دائماً، خاص اليهود هنا بالتحديد، كانوا مدلسين، ويخفون الحقيقة، يخفون حقيقة أنه رسول عليه الصلاة والسلام ويخفون حقيقة أن ما جاء به حق. فهنا كما قال بعضهم في سبب النزول أن كفار قريش ذهبوا إلى اليهود فسألوهم عن النبي عليه الصلاة والسلام وعن مصداقيته فيما يقول وفيما يخبر به عن ربه وعن نفسه، فجحدوا وكانوا يقولون للكفار: أنتم أهدى منهم سبيلاً، وهذا رجل غير صادق وليس هو النبي الذي وعدنا به. فالله سبحانه وتعالى يخبر عن هؤلاء أهل الكتاب فيقول: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾؛ يعني يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم ويعرفون الحق الذي جاء به. وهنا دائما تعجبني ضمائر القرآن وعموميات القرآن، يعني في الآية السابقة لما قال: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾. طيب، على ايش شهيد بيني وبينكم؟ على كل قضية أتى بها النبي عليه الصلاة والسلام، ما حصرك في قضية معينة. القرآن دائما يتعامل مع العموميات، هو شهيد بيني وبينكم على كل ما أخبرتكم به، على أنه واحد، وعلى وجود يوم القيامة، وعلى أنني رسول، ودائماً القرآن بيعتمد على العموميات حتى أنت تدخل فيها كل المعاني الممكنة، ومن هنا يأتي اختلاف التنوع بين المفسرين.
مثلا هنا أيضا: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ الضمير يعرفونه يعود على ماذا؟ تستطيع أن ترجعه على النبي عليه الصلاة والسلام، وتستطيع أن ترجعه على الحق الذي جاء به أيضا من معاني التوحيد ومن معاني يوم القيامة. فالكفار من أهل الكتاب يعرفونه صلى الله عليه وسلم بصفاته، ويعرفون الحق الذي جاء به من التوحيد ويوم القيامة وكل ما سيخبركم به هم يعرفونه؛ لأنه وارد في التوراة والإنجيل غير المحرفة.
يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. روي أن أحد الصحابه سأل عبد الله بن سلام: كيف عرفت النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: عرفناه كما نعرف أبناءنا، بل أعظم مما نعرف أبناءنا، فإنني لا أعرف ماذا صنعت النساء، يعني حتى أبني ممكن أنا أشك في أنه أبني احتمال أن المرأة وإلا ممكن تكون ضيعت، أما أن محمدا صلى الله عليه وسلم من الله هذا ما شككت فيه يوما قط، يعني لا يقبل التشكيك عندي، قضية أصبحت بديهية. جميل جواب عبد الله بن سلام، أعرفه أكثر مما أعرف أبنائي. ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَ﴾ الحق ويعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم الذي جاء بالحق كما يعرفون أبناءهم لا يشكون في ذلك.
لماذا لم ينصاعوا؟ لأنه في ناس مصرين أنهم يخسروا أنفسهم، في ناس مصرين أن يدمروا حواسهم وفطرهم: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوهُمْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، هي الحقيقة فقط بدك تفهموها يا أهل القرآن أنه برجع بقول في ناس ما بدها الهدى يا جماعة. هي مرت معنا في الصفحة السابقة وتكرر هنا: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ اللي بتعرف قلتها بالدرس الماضي في ناس هو واحد خسران نفسه، ضيع حاله، اللي مضيع حاله ومغلق أدوات الاستقبال عنده، ما بده يفهم، ما بده ينصاع للهدى، بده فقط يلبي شهواته وأغراضه، وبده يتعامل مع الموضوع بعناد، هذا ما رح يؤمن. القرآن أيضا هو يفهمنا نحن أيضا أنه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونوَا مُؤْمِنِينَ﴾، يعني في ناس خلص ما في حدا معها إلا المواجهة، بحاوره مرة ومرتين وثلاث وأربعة وبقيم عليه الأدلة، طيب مش راضي يؤمن يا شيخ؟ ما هو في ناس ما رح تؤمن، في ناس أغلقت أدوات الاستقبال، أغلقت سمعها وأبصارها وعقلها عن الحق والهدى، ما بدها تفهم، ما بدها تتفكر وتنظر وتقارن وهو لا يبحث عن الهدى، هذا ما رح يؤمن. فربنا عز وجل كأنه يقول لك اللي خسر حاله وضيع نفسه وناوي يروح على جهنم، هذا ما رح يؤمن، ماذا نفعله؟ هو الذي اختار هذا المسار واختار هذا الطريق، وهؤلاء الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون.
الان ستبين لك هذه الآية القادمة ما طبيعتهم وأنهم من أظلم الناس، قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾. هل تريد أظلم؟ أظلم من شخص ارتكب إحدى هاتين الخطيئتين: افترى على الله كذباً؛ نسب واختلق شيئاً من الشركيات أو الكفريات أو حتى البدع والأهواء ونسبها إلى الدين ونسبها إلى الله، وهذه أكبر جريمة من الثاني اللي هو الذي يخترع عقيدة شركية أو غير شركية وبيجي بقول لك هي من الدين. افترى على الله كذباً. ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً، بيجي بقول لك الاستغاثة بالاموات هي من دين الاسلام، افترى على الله كذباً. الاستغاثة بالمقبورين ودعاء الأموات وطلب الحوائج منهم، هل هذه من الدين؟ هي جريمة أن تجعل الاستغاثة بالأموات وبالمقبورين ديانة. شرعنة الاختلاط، بيجي بقول لك يا اخي الاختلاط من الدين، وهذول المشايخ اللي بقول لك أن الرجال في الأمام والنساء في الخلف هذول متفلسفين متعقدين. يشرع لك الاختلاط المحرم في الجامعات وفي أماكن العمل التي على النظام الغربي المعاصر، وياتي يستدل بأهوائه باختلاط الصحابه في غزوة بدر، يأتي لحالات اضطرارية محدودة مفهوم سياقها اختلاط طارئ، ويقيس عليها الاختلاط الدائم المنتظم الذي تأتي النساء عاريات والشباب في قمة الشهوات ويفعلون الحرام، وياتي يشرع الله كذلك. هؤلاء كلهم داخلين في هذا: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. تأتي لقضية مثل هذا الرجل الذي خرج في مصر يقول لك الفوائد الربوية حلال أفتى وهذا الدين لا يمانعها، افترى على الله كذباً.
اللي بيقول لك الحجاب مش واجب، افترى على الله كذباً. أنت بتخترق قضية وبتكذب وبتنسبها للدين، يعني لسه على الأقل أنك تعمل المعصية وأنت عارف أنها معصية أهون من أنك ايش تعملها وتنسبها إلى الدين. لذلك الله عز وجل ماذا قال في سورة الأعراف: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ فاجاب عن الثاني يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قضية أنك لقيت أبوك عليها ممكن هي بيرجع لك، فالله لم يجب على الأولى لكن أجابهم عن ايش؟ عن الثانية: كيف تقولون الله أمرنا بالفحشاء؟ كيف يشرعن الفحشاء؟ كيف يشرعن الاختلاط؟ كيف يشرعن الشذوذ؟ كيف يشرعن كل شكل من أشكال الباطل المعاصر؟ كيف يشرعن حرية المرأة السافرة التي تتكلمون عنها؟ كيف تشرع هذه؟ كيف يسبق عليها لباس الدين وتقول الله أمرنا بها؟ ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ هكذا يجاب الجميع: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. هذا من اعظم الظلم وهذه خطيرة، وهذه عادة صنيعة اليهود هم الذين كانوا يفترون الأكاذيب ويخترقونها وينسبونها إلى أديانهم وإلى أنبيائهم وإلى وإلى كذا ولا يكون شيء من ذلك وقع، قال: أو كذب، كذب بآياته.
هنا البعض قال ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا هي لأهل الكتاب، أو كذب بآياته هي للمشركين، يعني هي الآية قسمين في العتاولة مرتد البشر هم الذين يختلقون الانحرافات البشرية وينسبونها إلى الله وإلى الدين، وفي الطائفة الثانية اللي هم مغفلين مشركين زي كفار مكة أنهم ما كانوا أهل كتاب فكانوا بسموهم مغفلين المشركين، هو بس ماش على الشرك دروشة وآباء وتقاليد مش يعني مبرمج على شكل دراسة، لأن أهل الكتاب شركهم يقوم على كتبهم وانحرافاتهم وما وضعه أحبارهم ورهبانهم، أما كفار قريش كانوا يعترفون من أنفسهم أنهم درجة ثانية في الشرك ويعتقدون أن اليهود والنصارى أعلى منهم بسبب وجود كتب سماوية لهم. فالله سبحانه وتعالى يقول، ويجوز أن تقول يعني كلاهما أيضاً مقبول، لأنه أيضاً ومن أظلم من افترى على الله كذباً تصلح أن تقال على بعض المشركين، وسياتي معنا في آخر السورة: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ لما جعلوا الأنعام لها طقوس وأشياء ونسبوها إلى الدين وأن هذا دين إبراهيم، فلذلك خليها على عمومها، كل من اخترع شيئاً بعقله ونسبه إلى دين الله فقد افترى على الله كذباً، وهذه الآية اسقاطاتها في واقعك كما تكون في الشركيات والكفريات تكون في البدع والأهواء، بيجي بيعمل لك بدعة اعتزالية، بدعة ممكن في عند التصوف بدعة كذا، وبقول لك هيك الدين بحكي، الدين بحكي اعمل كذا مع الأولياء، الدين بحكي روح أتمسح بالقبور. الدين يا اخي قديش ما حكي هيك، أنت كيف نسبت هذا للدين؟ طبعا، لكنه يعتمد على المتشابهات من النصوص يلوي أعناقها لتوافق الأهواء.
إذاً، ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً. ثم الحالة الثانية أو العكس هذا: أو كذب بآياته، اللي هو تاتيه آيات الله ودلائل الله وشرع الله فيكذب ويعرض. إذاً الصنف الأول، هو لماذا الصنف الأول أسوأ من الثاني وإن كان كلاهما جريمة؟ الصنف الأول هو ما اكتفى بالتكذيب بالآيات، لا، هو اخترع ديناً واختراع أشياء ونسبها إلى الله، الثاني هم السواد الأعظم اللي ايش ما بيخترع بس ايش معرض بس بيكذب بآيات الله، ما بده يؤمن وما بده كذا بدون ما تاتي فكرة الاختراع عنده والافتراء، فهذا مجرم أيضاً ولكنه ذكر ثانية لأنه أقل خطراً من الأول.
إذاً جريمتان عظيمتان: أن تفتري دينا من هواك وتنسبه إلى الله، وأن تاتيك أدلة الله وآيات الله وبراهين الله ثم تكذب بها وتعرض عنها. لذلك من يمارس هذا الظلم العظيم، لأنه ما هو الظلم إخواني؟ ما تعريف الظلم؟ الظلم هو وضع الشيء في غير مكانه. أي شيء وضع في غير مكانه فقد ظلم. لما أنت تخترع دين وتنسب إلى الله وهو مش لله، هذا ظلم، وضعت شيء في غير مكانه. لما الله سبحانه يعطيك أدلة وبراهين واضحة وتصر على الإعراض عنها والتكذيب بها والقول أنها لا تطابق الواقع، هذا ظلمه، أنك تراها واضحة جلية فانت تمارس الظلم من خلال هاتين الممارستين، لذلك قال سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. بدنا نتفق على هذا أن من ظلم لن يفلح، لن يفلح على المستوى الدنيوي، سياتي الله سبحانه بنيانهم من القواعد وخر عليهم السقف من فوقهم، لا يفلح الظالمون في الدنيا ولا يفلحون.
الظالمون أيضا يوم القيامة؛ فقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾. أراد هكذا طريقة القرآن الجميلة أنه أخذك الآن من الدنيا وهم يفترون الكذب أو يكذبون بالآيات، خليني أورجيك إياهم وهم في الدار الآخرة.
انتقل: كيف لن يفلحوا حتى في الدار الآخرة؟ ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ يعني واذكر يوم نحشرهم جميعاً، واذكر يوم نحشرهم جميعاً. هذه إحدى الإعرابات لـ(ويوم)، متعلقة بفعل محذوف تقديره اذكر؛ واذكر يوم نحشرهم جميعاً، أو يمكن تقدر شيء، فإنه لا يفلح الظالمون في الدنيا، ويوم نحشرهم أيضاً لن يفلحوا. يمكن يقدر شيء من هذا: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ تزعمون أنهم رح يفزعوا لكم، ورح يشفعوا لكم، ويقربوكم من الله ذو الفلاح؟
تزعمون، تزعمون إيش؟ أطلقها: كل شيء زعمتموه في آلهتكم انكشف لكم عواره، أنه غير حقيقي. تزعموا شو كنتم تزعموا؟ انهم رح يشفعوا لكم؟ يلا خلينا نشوف أنهم أولياؤكم، خلينا نشوف أنهم سيقربوكم من الله زلفاً، خلونا نشوف! لا يوجد شيء من ذلك حصل.
إذاً شوف المشهد الآن، ولاحظ هنا المخاطبة الوجدانية الآن؛ لاحظ هنا مخاطبة وجدانية، أن الله سبحانه يريد أن ينقلك من صفحة الدنيا هيك فجأة تلاقي حالك صفحة الآخرة. هؤلاء الذين أصروا على هذا الموقف على هذا الظلم، ربنا بده يورجيك إياهم وهم إيه حشروا جميعاً، ولا واحد استطاع يهرب، جميعاً كلهم أجوا، ما في حدا هرب. ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ واختاروا هذا المسار: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ تزعمون، كل ما زعمتموهم فيهم هون عشانك ما ذكر شيء معين؛ تزعمون أنهم يشفعون لكم ويعطونكم وما شابه ذلك.
وطبعاً ويجوز أن يكون فعلاً لازماً هنا، وأن يكون التقدير: أين شركاؤكم الذين زعمتم، بس يعني أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون تمام؟ أو تزعمونهم بدون إضافة شيء معين، تزعمونهم بدون تقدير تزعمون أنهم شفعاء أو شرkاء خلص. قلت تزعم أن هذا شريك، وينه؟ أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون؟ فماذا كانت الإجابة؟
قال: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. طيب، هاي خلينا نركز فيها؛ لأنهم ذكروا فيها ثلاث معاني في تفسيرها. كلمة الفتنة أيها الكرام تأتي بمعنى الاختبار، وتاتي بمعنى المحبة. بتقول: والله أنا فتنته، ايش يعني؟ اختبرته، وتأتي بمعنى: والله أنا مفتون بهي الشغلة، ايش يعني مفتون؟ بحبها.
فالفتنة تأتي بمعنى الاختبار والابتلاء، وتاتي بمعنى ماذا؟ المحبة والتعلق. بناءً على هذا خلونا نفسر ماذا يمكن أن يفهم من معاني هذه الآية؟ يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ إذا قلنا الفتنة هنا بمعنى السؤال، إذا كانت الفتنة هنا بمعنى السؤال سنقدر كلمة محذوفه في السياق، وهي كلمة: ثم لم تكن جواب فتنتهم، يعني جواب جواب سؤالهم، مش ربنا سالهم: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون؟ لم يكن جواب سؤال. الفتنة هنا إذاً هي السؤال الذي سُئلُوه يوم القيامة، وهو سؤال: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون؟ هذا السؤال هو الفتنة؛ لأن الفتنة معنى السؤال والاختبار.
ماذا كان جواب هذا الاختبار؟ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ يعني لم يكن جواب هذا السؤال منهم إلا أن قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ تبرأوا من شركهم، وأنهم قالوا: احنا ما كنا مشركين في الدنيا. مين اللي قال إنه احنا كنا ندعو للشرك، وأننا نعبد معك سواك حاشاك حاشاك؟ تبرأوا من كل ما كانوا يفعلونه وهم كاذبون. هم كانوا مشركين، لكن في هذه اللحظة في هذه اللحظة حاولوا أن يدلسوا، وأن يتهربوا، وأن يعتذروا، وأنه لا نحن ما كنا مشركين.
طيب التفسير الثاني: إذا قلنا الفتنة بمعنى المحبة، يكون التقدير: ثم لم تكن عاقبة محبتهم لأصنامهم إلا أن تبرأوا منها يوم القيامة. وهذا معنى ذكره الزجاج رحمه الله عليه، أقرأ لكم إياه سريعاً من مفاتيح الغيب؛ قال الزجاج: تأويل هذه الآية حسن في اللغة، لا يعرفه إلا من عرف معاني الكلام وتصرف العرب في ذلك، وهذا يدل إخواني، كلما كان الشخص أفهم لأسنان العرب يعرف العرب كيف بتكيف تفهم القرآن بمعاني غريب والله أول مرة بيخطر ببالي هذا المعنى للآية. فيقول: وذلك أن الله سبحانه بين كون المشركين مفتونين بشركهم، متهالكين على حبه -كفار قريش كانوا بحبوا اللات والعزى ومتعلقين فيها وعاملين لها حفلات- مفتونين في محبتها للأصنام.
صحيح، متعلقين أشد أنواع التعلق بها، فأعلم سبحانه في هذه الآية أنه لم يكن افتتانهم بشركهم واقامتهم عليه إلا أن كانت نتيجته أن تبرأوا منه وتباعدوا عنه؛ يعني هذا اللي حصلته من هذا الحب! كيف أجي أقول لك: أنت تكون متعلق في الدنيا بشغلة تمام، وبعدين ألاقيك فجأة بعد ما شفت عاقبتها تبرأ منها؟ أنت يا شيخ عثمان كنت بدك تتزوج من واحدة ومفتون فيها ومتعلق فيها ممتاز، وبعد ما مثلاً ارتبطت بها أو كذا شفت الويل منها ومقستك في هذه الحياة؛ فواحد سالك: أنت متزوج فلانة؟ قلت: وينها يا زلمة، أنا أصلاً ما تزوجتها، أنا أصلاً ما بعرفها! بقول لك: إيه هي آخرة محبتك لها أنك تبرأت منها!
ها هذه عاقبة محبتك لها أنك تبرأت منها! يقول لك: هذه آخرة الحب، ها هذه آخرة الحب، آخرة التعلق أن أعلنت البراءة منها ورفعت إيدك عن الموضوع، قلت: لا أنا مش معاهم. تمام؟ هذا زي الواحد يكون مع جماعة تمام، كل واحد الأجهزة الأمنية: تعال يا حبيبي وين جماعتك اللي كنت ماشي معه؟ آه ماشي مع الشيوخ، لا والله يا شيخ ما بعرفهم، والله ما بعرف والله كنت ماشي في الطريق بالغلط، لقيت حالي حاضر عند الشيخ وماشي الحال؛ فيقول لك: والله ربنا ما كنت مع الجماعة، أنا والله ما طلعت.
يقول لك: هاي آخرة الشوكولاتة اللي كنا نحطها يشتري، هي اخرتها والحب وكذا أعلنت البراءة، بس مع أول حال! كفار قريش كانوا مفتونين بالأصنام متعلقين، قاتلوا من أجلها قاتلوا من أجلها، فتقول لهم طبعاً هنا أيضاً في كلمة محذوفه حتى على التفسير الثاني؛ ايش التقدير؟ ثم لم تكن عاقبة حبهم -الفتنة هنا معنى الحب- ثم لم تكن عاقبة حبهم إلا أن تبرأوا منها. هي عاقبة الحب أن تبرأتم وقلتم: والله ربنا ما كنا مشركين.
حتى يريك الله سبحانه دائماً أنهم لا يملكون المبادئ، وأنه كيف ستنهار هذه المبادئ أمام يوم القيامة أنه أعلنتم رفعتم الراية؟ مش هؤلاء اللي كنتوا تحكموا أنهم رح يشفعوا لكم اليوم ورح ينصروكم؟ الآن الآن هي أنتم عم تعلنوا براءتكم منهم، أنه نحن أصلاً لا ما كنا مشركين، وما كان عنا لا لات ولا عزا ولا شيء، ونحن كنا موحدين يا رب. هذه النتيجة النهائية التي سيلقونها؛ هذه نتيجة الحب أو نتيجة الاختبار، إذاً أنت أمام هذه التفسير -طبعاً هناك تفسير ثالث يعني ما كنت يعني لا أرجع كثيراً، ذكره البعض أن المعنى: وما كان فتنتهم في الدنيا؛ يعني اللي فتنهم في الدنيا عن الإسلام ظنهم أن ما يفعلونه ليس شركاً، هذه بتفسير آخر تماماً أنه هذا الكلام مش يوم القيامة لا هذا الكلام في الدنيا- أنه لم تكن اللي فتنته عن الإسلام، يقول لك: هذا الشخص شو اللي ضيعه؟ إنه ما كان عارف إن اللي بيعمله باطل، لم تكن فتنتهم عن الدين، اللي ما في شيء فتنهم إلا أن قالوا: والله ربنا ما كنا مشركين، نحن ما كنا مشركين، ما كنا نعتقد أن ما نفعله شرك.
نعم، لا ما هو بالشيخ ما هو آه، انظر كيف كذبوا على أنفسهم يعني ضحكتوا على حالكم أنتم؟ لا أنتم كنتم مشركين، حتى لو ما كنتوا متصورين هذا تماماً، بس هذا شرك وجاءكم محمد صلى الله عليه وسلم وبين لكم أنه شرك، ليش أصررتم علي؟ يعني حتى لو ابتداء ما كنتوا عارفين، مش أجاكم محمد صلى الله عليه وسلم وبين لكم ذلك؟ إصراركم أنكم لا تمارسون شيئاً هذا لا ينفعكم. لكن الحقيقة أنا هذا الثالث ليش ما حبيت أذكره؟ أجده يعني من ناحية تذوقية بيانية بعيدة شوي، وانه الكلام هنا كله عن مشهد يوم القيامة وانه هذه هي يعني ما سيجيبون به التبرؤ أمام الله من معبوداتهم.
فخلونا المعنى الثالث على جنب، خلونا نركز على المعنى الأول أو المعنى الثاني، أما ثم لم تكن إجابة سؤالهم إلا أن قالوا: والله رب، أو ثم لم تكن عاقبة حبهم إلا أن تبرأوا من معبوداتهم وأصنامهم.
فربنا سبحانه وتعالى بيقول لك: انظر كيف كذبوا على أنفسهم! بأي وقاحة وبأي جرأة تأتي يوم القيامة وتقول: أنا ما كنت مشرك، أنا ما كنت مع أهل الباطل، أنا ما كنت بمشي معهم، طب ما هو ربنا شايفك وأنت عارف نفسك أنك كنت ماشي مع أهل الباطل، وأنك تمارس الشرك والضلال وما شابه ذلك! انظر كيف كذبوا على أنفسهم، بيضحكوا على حالهم يعني! بيقول: كذب على نفسه؛ يعني عم بيضحك حاله، كيف ما كنت مشرك وكل اللي فعلتموه وبدر والأسحاق وكل هذه المعارك والمطاحنات مع من كانت ولاجل من كانت؟ تضحك حالك، تضحك على حالك!
انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون. هم كذبوا على أنفسهم أيضاً من معاني كذبوا على أنفسهم لما أقنعوا حالهم أن هذه الأصنام رح تشفعنا عند الله، كذبوا على أنفسهم لما أقنعوا حالهم أن الأصنام ستقربهم من الله زلفاً، كذبوا على أنفسهم في هذه الادعاءات. أنت كونك كذبت على نفسك إذاً ضحكت على حالك لما أقنعت نفسك أن اللات والعزى رح تنفعك، أو أن المسؤول الفلاني رح ينفعك، أو أن هذا التشريع الأرضي رح ينفعك، أو أن هذا وهذا سينفعك أنت كذبت على نفسك، وضل يعني ضاع وتبدد.
﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ كل اللي افتروه واختلقوه وأقنعوا أنفسهم فيه: أن الأصنام رح تشفعنا، الأصنام رح تساعدنا، هذول الجماعة، هذول رؤسائنا، هذول كذا رح يخدمونا؛ كل ما افتروا ضل عنهم وتبدد، كيف يقول لك: تبخر في عرسات القيامة؟ وضل عنهم، شو يعني وضل عنهم؟ تبدد تبخر، ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ كل يعني ولاحظوا العموميات، كل ما كانوا يفترونه ويدعونه أنهم سيكونون يوم القيامة بخير وعافية إن جاء، وأن أصنامهم تنصرهم وتعجلهم، وكل هذه السيناريوهات اللي اقترحوها، وكل هذه حتى العبادات الشركية التي فعلوها والقوانين الوضعية التي وضعوها كلها ضلت، ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
لاحظ كيف ابتدأ المقطع: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ ثم ايش ختم؟ ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. هذا اللي افتريته تبدد وتبخر وخذلك وأنت في أحوج الساعات له. هذا كله خطاب إيماني يبني الإيمان في نفس الإنسان، أنه لماذا أضع نفسي في هذا الموقف؟ ليش أحط حالي في في موقف أكذب فيه على نفسي، وأخترع أشياء يوم القيامة رح أعلن البراءة منها؟
وشوفوا كفار قريش كانوا يعرفون صدق النبي عليه الصلاة والسلام، كفار قريش كانوا يعرفون أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يكن يكذب، لكن عناد واستكبار، لذلك هذا الصنف هو الذي يعذب عند الله، هذا الصنف هو اللي بتتكلم عنه الآيات: انسان ما كان جاهل بالحقيقة، انسان كان اتضحت له الدلائل. ليش أنا التفسير الثالث استبعدته؟ لأنه الله سبحانه وتعالى يعذبك لما تكون الحجة قامت عليك ووضحت، بعد ذلك أنت معاند أنت مستكبر، أو أنت ما بدك تسمع ملتهي عنها معرض عنها كفر اعراض كفر عناد. المهم هؤلاء من يستحقون العذاب، فلذلك يقول سبحانه: انظر كيف كذب ضحك على حاله وبقي مصر أنه على دعوة صحيحة، ولكن هو في باطن وفي قراره نفسه يعلم أنه لا يملك الأدلة، وأن أمامه مبهر ولكنه اتباعاً للآباء للتقاليد للعادات الاجتماعية للشايخ للطرق لكذا بقي مصراً على باطله.
بسم الله، الحمد لله.
ستأخذنا سورة الأنعام لصنف آخر من المشركين؛ سورة الأنعام من وظائفها الأساسية أنه المسلم في زمن الاستضعاف يعرف مين اللي رح يشوفه في الحياة: رح أشوف المشرك المعرض وأهل الباطل المعرض اللي أصلاً هو مش مسمع القرآن، ما بده يسمع، ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ ما بده يسمع أصلاً.
هنا الآن نتكلم لا عن صنف ثاني من أهل الباطل اللي رح نواجههم في حياتنا؛ هو صنف بيجي بيحضر، بيجي بيسمع، لكنه يسمع من أجل البحث عن فجوات، ويسمع من أجل أنه يحاول يصيد أخطاء لك وعثرات مشان ينقلب عليك، ولا يأتي يسمع منك باحثاً عن الهدى. وكل من أقبل على الهدى على الكتاب والسنة ليس بقصد الانتفاع والبحث عن الحقيقة، وإنما وإنما لي لبس على الناس؛ فهؤلاء لا ينتفعون به الوحي.
لذلك هل الوحي يكون لبعض الناس ضلالاً؟ هل الوحي الذي أنزل من أجل الهدى يكون لبعض الناس ضلالاً؟ نعم، ما ما هو الدليل؟ ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ مش هيك ربنا قال عن الأمثله التي يأتي بها في القرآن في سورة البقرة؟ ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾. في نوعيات بتيجي تسمع القرآن والسنة مش من أجل البحث عن الهدى ومحاولة الوقوف على الدلائل، من أجل البحث عن ثغرات فيما تظن، أو طرح إشكاليات على النصوص. بيجي بيفتح البخاري ومسلم بده يشوف حديث فيه شبهة، زي إسلام بحيرة أو جماعة هؤلاء، خليني أشوف حديث عليه شبهة بجيب لهم إياه وبعمل عليه قصة: شايفين البخاري جاب لكم حديث في شبهة، معقول النبي عليه الصلاه والسلام فعل معقول وكذا وحديث وكذا؟ ويصير يعمل لك قصة.
لذلك هؤلاء أنت ممكن تقول: طيب ليش يا اخي، يا اخي والله قراها على البخاري، ليش ما
اهتدى لأنه لم يأتي للبخاري ومسلم ليهتدي به، وإنما أتى باحثاً عن قضية يلبس بها على أهل الإسلام، زي المستشرقين اللي قرأوا القرآن والسنة من أجل دراسة الإسلام ليهدموا. هكذا ظنوا. أنت بتقول يا شيخ قرأوا القرآن والسنة وقرأوا كتب التفسير، يا أخي معقول ما اهتدوا؟ آه، معقول، لأنه هو بدك تفهم قضية: الله بيساعدك إذا راك مقبلاً باحثاً عن الهدى فتنتفع بالكتاب والسنة وتجد فيه النجاة والخير والشفاء. إذا راك الله مقبلاً متعلماً مسترشداً تنتفع به، وأما إذا راك آتياً مستهزئاً عابثاً تريد خلط الأوراق والتلبيس على الناس لا يزيُدك الكتاب والسنة إلا شقاءً. ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82]. هي بتأكد أن القرآن يكون سبباً في ضلال آخرين، اللي هم الظالمين. ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾. إذاً القرآن نزل ليكون شفاءً بس لمين؟ للشخصيات المقبلة للإيمان. ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ هَٰذَا الْقُرْآنِ الظَّالِمِينَ إِلَّا﴾ ابتعاداً وشروداً وانطراداً عن الخير.
سبحان الله، وهذا سبحان الله أيضاً من أشكال إعجاز القرآن، كيف أن القرآن الذي فيه كل الشفاء والبلسم والهدى والنور هو هو نفسه يكون هلاكاً وشقاءً على قوم آخرين. القرآن عظيم. عظيم بدك تجي على القرآن تبحث عن شبهة؟ بتقدر تجي باية تلبس فيها على الناس وتعمل شبهة منها، بتقدر صح. بتقدر تجي على القرآن وتأخذ آية مثلاً، الذين مثلاً يجوزون الاستغاثه بالقبر، ماذا يقولون؟ نستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۡا أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 64]. بيجي بيقول لك هاي الآية تدل على جواز الاستغاثة بالنبي عليه الصلاة والسلام. كذلك: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: 35] بس هذه مقام آخر، بس قضية هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۡا أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ﴾. فقالوا هذا معناته يجوز أن نذهب إلى القبر فنستغيث بالنبي عليه الصلاة والسلام. هاي جاؤوك يا أخي هذه بتتكلم عن حال حياة الله يرحم والديك، تتكلم عن حالة وفاته. كما يقول الشاطبي في الاعتصام: ما من صاحب بدعة إلا وسيجد آية يلبس بها بدعته من خلال ايش؟ أنه هو أتى للآية ليس بحثاً عن معناها وهو مراد الله، أتى بالآية ليجعل معناها كما يريد هو أن يفهمها وليس كما يريد الله أن يكون معناها. هذه قضية بس هيك مناقشة في طريقة أهل الباطل.
أشوف هؤلاء الصنف من أهل الباطل، قال: ﴿وَمِنْهُم﴾، هاي من تبعيضية، يعني من بعض أهل الباطل، هذا الصنف الآن بدنا نتكلم عنه. ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾. إذاً الصنف الأول كان معارضاً، لا الصنف الثاني استمع. الصنف الأول في الصفحة الأولى كان معارضاً، كانوا عنها معرضين، صح في آية أربعة. هذا الصنف لا، هذا الصنف جلس واستمع، ما أعرض راح ما بده يسمع، لا، جلس واستمع، بس بأي قلب استمع وبأي أذن استمع وبأي عين نظر؟ قال: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ لكنه لم يكن استماعاً للبحث عن الهدى، هذا هو التقدير، كان استماعاً للتصيد وللبحث عن فجوات، فماذا كانت النتيجة؟ أن الله حرمهم من الانتفاع بالقران. خير واحد يكون جالس في مجلس علم، وهو في معه شباب وطلاب علم طلاب العلم والصالحين والناس الأفاضل عم تستفيد وبتنتفع من كلام الشيخ وهو مش عم بيستفيد ومش عم بينتفع ولا يجد في قلبه الرشاقة الإيمانية ولا الهدى، بل بالعكس مستثقل متعب وينتظر أن ينتهي المجلس. بقول لك: أنا مش منتفع مش شاعر. طب الشيخ بتكلم باللغة العربية، ايش مشكلتك؟ لماذا زملاؤك ينتفعون ويهتدون ويستبصرون وأنت لا تنتفع؟
لأن هناك قاعدة: من أتى إلى مجلس علم، وهذه الآية تدل عليها: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ بيجلس بيسمع، بيجلس بحضر، ممكن يكون ابن عمك، خالك أو كذا بيقعد معك وأنت بتصير تحكي معه وبيسمع، بس بأي قلب يسمع وبأي أذن يسمع وبأي عين يبصر؟ بعين اللي بس بده إيَاك تخلص كلام مشان ينتقدك، مشان عشان يقول لك لا، هو أنت مش فاهم. بس بده يبحث عن مشكلة وعن خطأ وعن خلل، هو مش عم بيعطي نفسه فرصة أنه يبحث عن الهدى ضمن كلامك، هو من البداية ما جلس للاهتداء والاستهداء، ولذلك يعاقبه الله فيحرمه من الانتفاع، فلذلك ايش قال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾. أكنةً يعني أغلفةً. جعل الله على قلوبهم أكنةً أن يفقهوه. أن يفقهوه، ما هو التقدير؟ أي لكي لا يفقهوه، بتكون لام قبلها ولا بعدها لالا. وجعلنا على قلوبهم أكنة لالا يفقهوه. طب هنا ممكن بعض أصحاب المذاهب في القضاء والقدر، المذاهب الفاسدة، يقول لك: طب هذول يعني مش هيك ربنا ظلمهم؟ يعني ربنا جعل على قلوبهم أكنة حتى ما يفقهوا القرآن ولا يفقهوا الحديث ولا يفقهوا الكلام؟ طيب لماذا يحاسبهم الله إذا كان هو جعل على قلوبهم أغلفة تمنع؟ طبعا شوف ايش وظيفة هاي الأكنة: أن تمنع نفاذ الحق إلى هذه القلوب. فالحق مش عم بيدخل لقلبه، مش عم بينتفع فيه. طب بقول لك بعض الناس ممكن يعترض ويقول: طب مش هذا ظلم أن الله يجعل أغلفة على قلوبهم حتى لا يفقهوا القرآن؟ لماذا الله ما يرفع هذه الأكنة حتى يحاولوا أن يفهموا؟ فهمتم السؤال في القضاء والقدر؟ ما هي الإجابة؟
نعم، أحسنت، إنه إياك تفهم الآية أن الله سبحانه وتعالى أراد فقط أن يفهموا بدون سبب بدر منهم. لا، هُم.. لذلك قلنا في شيء مقدر في السياق: ومنهم من يستمع إليك استماع العابث اللاهي الباحث عن خطأ المجادل، فكان نتيجة ذلك أن جعل الله: أنت جاي تلعب، ساعاقبك فأحرمك من الانتفاع، وليس أنه هو من البداية خلقهم كذلك على قلوبهم أكنة دون أي شيء صدر منهم. دون أي شيء صدر منهم؟ هو صدرت منهم أشياء فعوقبوا هذا العقاب. طب لا بيجي النقاش الفلسفي: طيب الأشياء اللي صدرت منهم مش هي بقضاء؟ لا، هنا خلص وقف، وقف أنه في مساحة في القدر نقف عندها، ولو أردت أن تبحث في باطن القضاء والقدر في ليش هذول طب مش هذول كان.. كما لذلك أنا أعجبني قول بعض المفسرين: القرآن طرح القضاء والقدر بطريقة فطرية، نفهم أن السبب يولد مسبب، أنت غلطت في عقاب، إذا بدك تضلّك طب ما هو مين اللي قدر أني أخطئ هنا؟ أنت بتبلشت تحاول تبحث في جذور في عالم الملكوت أنت لا تعنيك، أنت لا تعنيك لأنه نحن بيعنينا كل إنسان أُعطي إرادة حرة وأُعطي اختيار، صحيح ربنا أطاك اختيار ولا لا؟ أغالط نفسي؟ ما أنا بفكر وبمشي وهينا عم بشرب وهينا بنعطي درس وكذا، وبعد شوي بتخطط، أنا عندي إرادة حرة، ربنا بخاطبك في القرآن بناء على هي المعقولية: أنت أخطأت ستدفع الثمن. قضية مين اللي قدر الخطأ؟
ربنا سيعاتب المشركين على هي الطريقة في التفكير في آخر سورة الأنعام، سيقول الذين أشركوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 148]. قل: ﴿هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام: 148]. أنت لما صدر منك الخطأ كنت عارف أنه مكتوب عليك في اللحظة اللي قررت فيها تعصي؟ أنت رحت على القدر شفت: آه أنا مكتوب علي أعصي، يلا خليني أعصي؟ لا، أنت عصيت وأنت تشعر بأنك تملك الإرادة والاختيار. ممتاز، أي نقاش شوفوا في بناء الإيمان، أي نقاش ما بعد هذا هو نقاش فلسفي راح يتعب أمامك، ولذلك القرآن فطري، القرآن ما بتعب المسلم أنه يفكر: طب أنا الخطأ اللي صدر مني مين؟ خلص ربنا بعطيك عموميات أن كل شيء خلقناه بقدر، خلص، من العموميات بفهم أن كل ما في هذا الوجود بقدر، لكن ما بعد ذلك لما نأتي إلى فلسفة الثواب والعقاب، نأتي إلى ما نجده في الواقع: أنت أخطأت بتدفع الثمن، ابنك أخطأ أنت بتعاقبه، واحد سرق من بيتك يعاقب، على صحيح ولا لا؟ نتعامل وفق الأمور المعروفة المعهودة، هذا الخطاب مريح وينهي الوسوسة القضاء والقدر التي يعاني منها بعض الناس: طب أنا مجبور مخير؟ ولا يعني خلص: ﴿اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ﴾. وهكذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الإيمان، لا تضلك تناقش النقاش الفلسفي هو أنا طب هذا خطائي مين قدره؟ مش حتنتفع، خليك الآن في الشيء العملي. الشيء العملي: لا تخطا أنت، نفسُك شاعر أنك تملك إرادة، آه، وأنا هيني بقول لك: أنا شاعر أني أملك إرادة، ما بغالط نفسي، ممتاز، إذن بدي أعمل بناء على هي الإرادة وأطور نفسي حتى أصبح أفضل.
إذن ومنهم: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾. نكتب عند هذه: عقوبة لشيء صدر منهم. ما هو الشيء الذي صدر منهم؟ أنه لما جلسوا للاستماع لم يجلسوا جلوس المتعلم، بل جلوس المتصيد. ﴿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ وأغلفة ﴿أَن يَفْقَهُوهُ﴾. حرموا الانتفاع، ونسأل الله أن لا يحرمنا من الانتفاع بذنوبنا. كم من قلب حُرِم الانتفاع بالقرآن بسبب المعصية؟ ترى قضية أن يجعل الله على قلبك غلافاً فلا تنتفع بالقرآن هذه أسبابها كثيرة، ومنها المعاصي والذنوب. ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]. المعاصي والذنوب تجعل على قلبك نكت سوداء حتى يصبح قلبك مغطى تماماً، فتاتي مادة الوحي الإيلاهي فلا تجد مكاناً مش قادرة تدخل، فأنت فعليا أصبحت لا تتلذذ بمعاني القرآن. يعني أحيانا فعلا هذا نسأله في دواخيرنا: لماذا السلف كانوا يتلذذون بالمعنى القرآني عندما يظفرون به ونحن ربما نسمع معنى ومعنيين وثلاثة وأربعة ولا نشعر باللذة بالمعنى بل بعضنا قد ينظر للمعنى أنه بسيط، يعني ما قد لا يضر يعني.. يظن أنه المعنى بده يكون.. أه شي المعاني العظيمة بالنسبة له أنه معلومة عن وكالة ناسا ولا ولا معلومة عن شيء في الفلك ولا معلومة، أما قضية مثلاً معاني التوحيد وهذه معاني واضحة لا مسكين أنت معناته. ابحث عن قلب آخر إذا وجدت أنفس.. أن الله سبحانه لا يفتح بصيرتك لتبصر عمق الآيات وعمق المعاني فاعلم أن هناك أكنة على القلوب لالا تفقه، استغفر، تب، ارجع إلى الله، اخبت لعل الله أن يزيل هذا ال.. هذه الأكنة عن قلبك لت.. لتبصر عمق المعاني وما فيها من الجمال والشهادة لله عز وجل بالوحدانية.
إذاً: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. والوقر هو الثقل، الوقر ما هو الثقل؟ البعض عبر عنه بالصمم، والبعض يفسر أنه يعبر عنه ماذا؟ بالثقل، لأنه أصل الوقر هو الشيء الثقيل، تمام، الشيء الثقيل، فبالتالي كأنه يقول لك: فلان أذنه ثقيلة، هيك العرب تحكي: أذنه ثقيلة، يعني مش.. مش عم بينتفع، مش عم بيستفيد. قال: ﴿وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾. مشكلة في ايش؟ في البصر، باختصار تعطّلت حواس الإدراك، الله سبحانه عطل حواس الإدراك فما عدت تنتفع بها. وهذا يشبه قوله تعالى في مطلع سورة.. سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: 6-7]. عفواً، وعلى.. وعلى أبصارهم. ش.. نفس المعنى هنا: وجعلنا على قوم.. قلب أكنة أن يفقهوا وفي آذانهم وقراً وإن يروا كل آية لا يؤمنوا به. نفسه، لأنه إخواني البصر، السمع، القلب، القلب هو العقل، أن العقل في القلب وله ارتباط بالدماغ لكن أساس مكان العقل القلب، فلذلك ذكر القلب. فالله سبحانه وتعالى عطل حواس الإدراك لديهم، هو عنده قلب لكنه لا ينتفع به، عنده سمع لكن لا ينتفع به، عنده بصر لكن لا ينتفع به. ليش؟ لماذا الله عطل حواس الإدراك لديك؟ لأنك أنت غير جاد، لا تستحق هذه الأدوات، لا تستحق الانتفاع منها، تمتع بها كما تتمتع الأنعام لكن يوم القيامة ستدفع الثمن.
طيب، التأكيد على أن هؤلاء كانوا غير جادين من أول الجلسة، من أول ما حضر المجلس معنا، وغير جاد، عم بينتظر غلط من الشيخ، وهذه فائدة في حياتكم، حتى في غير سياقه هذا: لما تجلس في حلقه مشايخ، ببحثوا دروس علم، إذا جالس أنت بس مشان تتصيد له، بعض الشباب مثلاً بيكون من جماعة أخرى بيجي بيحضر مشان يتصيد للشيخ غلط ومع أنه الشيخ بيكون تكلم بكثير من الكلام المفيد لم ينتفع به الجالس. ليه؟ أنه هو بس جاي يبحث عن غلط ساقوله حتى يروح على شيخه يقول لك: آه غلط وحكى شغلة. يحرم من كل النثر، احذر أن تجلس في مجالس أهل العلم تتصيد الأخطاء وتبحث عن الهفوات، اجلس منتف.. حتى لو بيغلط الشيخ في بعض الأمور اجلس مستفيداً حتى لا تحرم، حتى لا تحرم.
طيب التأكيد أن هؤلاء ما كانوا جادين. قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾. يعني بعد ما خلص المجلس كأنهم اجوا على النبي عليه الصلاة والسلام: نحن سمعنا ماذا قلت، والآن يلا جاء وقت الجدال والمناظرة، بدنا نناقشك في الكلام اللي حكيته. ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾. آه، إذا أنتم من أول جايين جالسّين حتى تجادلوني بعد الدرس مش جايين مشان تنتفعوا. حتى إذا جاؤوك، ليش جاؤوك؟ جاؤوك يجادلونكَ. وهذه يجادلونك جملة حالية: جاؤوك حالة كونهم يعني يج.. مجادلين لك يعني جاؤوك مجيء المجادلين وليس مجيء المستفيدين. جاؤوك يجادلونك. الآن أراد أن يبين شو طبيعة هذا الجدال. يقول الذين كفروا: ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: 25]. هذا الكتاب الذي تقراه هذا مجرد أساطير الأولين. هذا.. هذا تفسير الجدال، ما هو الجدال؟ يقولون لك: هذا الكلام الذي تتلوه وتقراه علينا هو مجرد كلام يشبه القصص والخرافات التي كنا نتناقلها عن الأمم السابقة. فالأساطير الأولين هي قصص والحكايات الأمم، فكلامك عن قوم عاد وقوم ثمود وقصة يوسف وكذا هي مثلها مثل القصص التي نتناقلها.
معقول القرآن مثل القصص التي تتناقلون في بلاغته وبيانه وإعجازه ومع معالمه والأشياء التي يبثها، أليس هذه مخادعة، أليس هذا تزييف؟
هم يعرفون كذبهم، لكن هو محاولة لتشويه الحق ليقولوا هؤلاء السنة والكهنة، كهنة الكفر ليخرجوا من المجلس، إيش يقولون للمستضعفين اللي ممكن لسه مترددين ترى نحن جلسنا معهم وحقيقة ما في في كلامه شيء مقنع بتعرف ما في في كلامه شيء مقنع قصص وحكايات قصة يوسف، قصة عاد، قصة يعني مجرد أساطير الأولين، هم هيك بدهم يطلعوا، هم جلسوا متعمدين أن يخرجوا من المجلس ليشوهوا على المستضعفين من الكفار أنه ترى ما عندهم سالفة والكلام اللي يقولونه مجرد قصص وحكايا وكلام عام وت وفي تعرف اليوم لما يكون رجل من أهل العلم الثق الثقيليين بيتكلم بكلام علمي يفند فيه أهل الباطل ويكبتهم ويكشف عوارهم، فطبعا بعض أهل الباطل شو بيجي بيقول لي خليني أجلس معه وأعمل حالي أني حضرت عنده مشان لما أطلع من أقول للناس إيش ترى أنا والله حضرت عند الشيخ إبراهيم ما استفدت منه.
شوف هذه الطريقة في الدعاية، أنا حضرت عنده ما استفدت منه ترى عنده مشاكل في كذا، هو بس هدفه لما أجى يحضر مش جاي يسمع كلامي لا هو جاي حتى يخرج ويقول أنا أصلا درست عنده وما انتفعت منه، هي اللي كان يفعلونه هؤلاء يحضرون مجلس النبي عليه الصلاة والسلام حتى يخرجوا ويقولوا نحن سمعنا كلامه وأساطير يعني ما في شيء يعني يستحق، فهنا ضعاف العقول ينظرون لمشاكل كهنتهم أنهم إيش يعني أبو جهل مفكر أبو جهل عقلية، عتبة بن ربيعة عقلية يعني ما دام جلسوا ما اقتنعوا معناتها أكيد محمد عليه الصلاة والسلام ما عنده شيء يعني يستحق ذا بال، لذلك هذه الحيلة أيضا كان يفعلها اليهود أهل الكتاب.
نعم، الآن لما تلبسون العقب وتكتبون العقب وأنتم تعلمون، ﴿وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّن أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: 72]، هي طريقة شيطانية يهودية مشركية، قضية أنه يجلس عندك بس مشان إيش يعمل حاله أنه صرت من طلابك أنه يلا هنا عم بسمع حتى يخرج من عندك ليقول أنا جلست وهذا وما استفدت أو وجدت أنه في عنده مشاكل أو وجدت عنده، وهذا الذي يريده باختصار يريد أن يخرج ليعطي دعاية في الأسواق وفي الأماكن العامة أيها المشايخ أنهم أنهم لم ينتفعوا من كلامك وأنه لا يوجد شيء ذا بال من وراء هذه الرسالة، أن هذا إلا أساطير الأولين ولذلك ماذا جاءت الآية بعدها، ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26]، إذا هذا هو المقصد.
إذا هم جاؤوا يجادلون يقولوا ترى كل ما قاله محمد صلى الله عليه وسلم مجرد حكايات وأساطير وأباطيل، الهدف وهم ينهون عنه، ها لماذا قالوا وأخرجوا هي الدعاية لبروباجندا في داخل مكة أنه هي أساطير ما عندهم شيء، هدفهم أن ينهوا اتباعهم عن الاستجابة لرسالة الإسلام، هدفهم أن ينهوا اتباعهم عن الاستماع للقرآن، وهم ينهون عنه، هذا هو المقصد الحقيقي الذي يقف وراء كل هذه اللعبة، لعبة الاستماع والتصنع أننا مستمعون لكننا غير مستفيدين سامحنا لن ننجلس معك مرة أخرى، الهدف نهي الناس عن الجلوس مع النبي عليه الصلاة والسلام أو نهي الناس عن الإنصات للقرآن، فهم ينهون عنه اتباعهم ويناون عنه بأنفسهم، فهم ينهون الناس ويناون يعني يناى بنفسه عن القرآن، يبتعد عن القرآن، هو لا يريد ينتفع ولا بده أيضا إيش تنتفع، هذه الفرق بين الفريق الثاني والفريق الأول، الفريق الأول اللي ذكرناه في الصفحة الأولى هو بس كان إيش يناى بنفسه، صح؟
كانوا عنه معرضين، هذا الفريق لا هذول كهنة الكفر وأذكياء الكفار هؤلاء بقول لك لا أ مش لحالي رح أنقى عنه، برضه ما بدي الناس تتبع الحق، فهو حريص أن ينهى عنه كما هو حريص أن يناى عنه، شوفوا هو حريص أن ينهى عنه كما هو حريص أن يناى عنه، ما بده يضله يعني هو فقط من لا يتبع القرآن، هو يريد شوفوا هؤلاء اللي هم أسياد الكفر، هؤلاء أسياد الكفار، هو لا يريد أيضا للناس أن تنتفع بالقرآن، لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه، ومساكين هؤلاء يقول سبحانه، ﴿وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: 26]، مسكين يعني أنت ضحيت بذلت حياتك وجهدك لتكون رأس في الباطل، مسكين هذا الذي يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم، مسخر كل حياته أن يكون خادم للباطل ناصرا له، يتامر على المسلمين وعلى المشروع الاسلامي وعلى الأفكار الصحيحة ويشوه المناهج ويشتغل ويغير يغير ويلبس وشغال وشغال وشغال وشغال ينهون عنه ويناون عنه، لا هو بده ينتفع بمعاني الوحي ولا يريد للأجيال أن تنتفع.
وإن يهلكون إلا أنفسهم، كان الله يقول شايف كل كيدك هذا ترى أنت بس تضيع حالك هل تظن أنك ستهلك المشروع الإسلامي؟ انتصر النبي عليه الصلاة والسلام وكل هؤلاء الذين كانوا يجلسون يستمعون إليه في مكة مشان يشوه مشروع مشروع الإسلامي، ماذا حصل فيهم بعد عشر سنوات فقط؟ انتهوا تماما ودخلت مكة في الفتح الإسلامي وجاء الإسلام وانتشر و و، إذا مين اللي خسر حقيقة؟ أبو جهل هو اللي خسر، الأخنس بن شريق هو اللي خسر، عتبه بن ربيعة هو اللي خسر، كسبوا شيء الآن؟ ها هم الآن في قبورهم ينتظرون الحساب، والله مسكين هذا الإنسان الذي يجلس طوال عمره يخدم الباطل، مسكين، ﴿وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: 26]، هو فقد فقد الاحساس بذاته خسر نفسه وما يشعرون، لا يشعر أنه هو عم بضيع، أنه عم بخسر، أنا عم بهدم نفسي، لا هو في سكرة الشهوات وفي العاطفة نصرة الباطل وربما الإغراءات المادية فقد إحساسه بأنه في الاستفاف الخاطئ وانه في عم بيهلك عم بغرق، لا هو نشوة وسكرة الباطل غشت عليه فما عاد يشعر، فما عاد يشعر أنه يغرق.
لذلك مباشرة بعد هذا المجلس، نفس الشيء هي جمالية القرآن بعطيك مشهد الدنيا فتح لك صفحة في الآخرة، هو نفسه خلينا نشوفه يوم القيامة زي قبل شوي لما شفناهم يوم القيامة لما تبراوا من أين شركاؤكم، نجي على هذا اللي كان يجلس مشان يشوه الإسلام، قال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام: 27]، هنا يبدا الخطاب الوجداني، خليني أعطيكم خطاب وجداني تروا فيه هؤلاء كان صفحة من صفحات القيامة فتحت أمام ناظركم وهم يقפים أمام جهنم، ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: 27]، اللحظة الأخيرة قبل إلقائهم فقالوا شوف الندم، الندم يا ليتنا نرد أصبح يريد أن يرجع، يا ريت لنا فرصة أخرى العمر فرصة واحدة وأنت ضيعتها، يا ريتنا نرد ولا نكذب بايات ربنا، هو مش بده يرد هو عارف ليش بده يرد، يا ريتنا نرجع حتى ما نكذب بايات ربنا ونكون من المؤمنين، نرجع نفتح صفحة جديدة مع الله سبحانه وتعالى، ﴿بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُمْ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: 28]، ما هو كانوا يحكوا عنها أساطير الأولين صح يقول أن هذا إلا أساطير الأولين هم نفسهم اللي قالوا عن القرآن في الدنيا أن هذا إلا أساطير الأولين، قبل آيتين بالضبط شو صاروا يحكوا يوم القيامة يا ليتنا نرد ولا نكذب بايات ربنا، هسه صارت آيات ربكم في الدنيا شو كانت أساطير الأولين، الآن أمام مشهد النار وأمام انكشاف الحقائق أصبحت أساطير الأولين آيات، طيب من أول ما نحن قلنا لكم أنها آيات ربكم لماذا أخزلت نفسك أو عرضتها لهذا المشهد؟ فبدهم نرد ردا لا تكذيب فيه، ورد يكون معه الإيمان والصدق.
لكن الله سبحانه يعرف نفوسهم وانه في إنسان نفسيته هي نفسية سيئة لو رفعت عنه العقاب يعود إلى نفس الحالة من التكذيب صحيح ولا لا؟ في نفوس بشرية غير سوية، أعطيني أعطيكم مثال في الحياة الدنيا، في إنسان كثير بنعرفهم بيوقع في مطبات في الحياة بسبب معاصيه وأخطائه ربنا بيبتليه ببلاء شديد، يا رب بس يا رب اشفنى من هذا البلاء والله رح أصير أصلي في المسجد وكذا وكذا وأصير إنسان صالح ومحترم، ربنا ما بيكشف عن العذاب بيرجع زي ما هو، بيرجع زي ما هو، بيرجع بجوز شهر شهرين حاول يصلي في المسجد بعدين يعود إلى همالته، ثم بيرجع يبتلى ببلاء يا رب يا رب هي آخر مرة صدقا يا رب إذا شفيتني وكذا أني رح أكون إنسان وبرجع لحاله، لذلك قوم فرعون ماذا قالوا لموسى؟ ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: 134]، فلما كشفنا عنهم، يعني قوم فرعون ربنا أرسى عليهم الضفاضع والجراد والقمل فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفاضع والدم بدكم من هيك بلاءات أكثر من هيك بلاء بعد بلاء، بلاء بعد بلاء وكل شوي بيروحوا على موسى، يا موسى ادعو لنا يا رب خلص آخر مرة آخر مرة ورح نؤمن، يرتفع عنهم، يا اخي أنت كنت تاكل ضفاضع أنت بتعرف أنت كنت تشرب دم، إيش اللي بخلي بمجرد أن يرفع عنك البلاء ترجع بكل جراءة ووقاحة لتمارس المعاصي والذنوب، كم مرة الله رفع عني وعنكم البلاء أو رفع عن شخص عاصي البلاء وكان وعد الله أن خلص هي آخر مرة آخر مرة وبيجع بيعمل معاصي وذنوب تمام.
ذلك بعض الشباب كان يسجن يقول يا شيخ أنا باذن الله بس نطلع من السجن باذن الله رح نصير شباب اسم خلص بيكون تعب واستوى وشايف أن السجن قصة حفلة بيقول يا رب بس ارفع عني السجن رح أصير إنسان سوي كنت بعمل كم معصية، برجع بيطلع من برجع زي ما هو زي ما هو شهرين ثلاث أربع يعني إيمانياته بتكون عالية بيرجع بينتكس بعدين برجع مرة ثانية ربنا بررجع بيعاقبه مرة ثانية بالسجن، طيب بتقول غريب ليش هيك الإنسان هذا؟ يعني أنتم شفتوا أن ربنا ابتلاك ليش بترجع يعني بعد ما ربنا كشف عنا العذاب أنا مؤمنون، لماذا عدت إلى حالك السيء مع أنك رايت العذاب الأدنى؟ رايت العذاب الأدنى لماذا ترجع؟ لأن اخواني بدكم تعرفوا هناك نفوس بشرية غير سوية، نفوس بشرية هي تخضع في لحظة البلاء وتخضع في لحظة المشهد المفزع، لكن إذا رفيع عنها المشهد المفزع أعطيها شهر شهرين ثلاث تعود إلى طغيانها لأنها هكذا غير سوية هو ما بده يفكر بالطريقة الصحيحة.
وربنا عز وجل أخبرنا فاخبرنا أن هؤلاء كاذبون اللي قالوا يا ليتنا نرد بس يا رب رجعنا وما رح نكذب ونكون مؤمنين، قال: ﴿بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ [الأنعام: 28]، إيش يعني اللي صار؟ لما شافوا النار فعليا هو بدا لهم أمام أعينهم الأشياء اللي كانوا عارفين في داخلهم أن محمد صلى الله عليه وسلم صادق فيها بس مش راضيين يعترفوا أمام اتباعهم، لأنه هؤلاء أسياد، أن الكلام كان عن الأسياد كهنة الكفار، هؤلاء كانوا عارفين لما جلسوا مع النبي صلى الله عليه وسلم واستمعوا له عارفين أنه كان يتكلم الحقائق بس ما أظهروا هذا أمام اتباعهم لأن لا يخسروهم، لكنهم شاهدوها عيانا أمام ناظريهم في نار جهنم الحقيقة والواقع أن هؤلاء شاهدوا ما كانوا يخفونه في أنفسهم، كانوا يعرفون صدق النبي عليه الصلاة والسلام ويعرفون في صدق ما أخبر به على الدار الآخرة ولكنهم كتموا ذلك عن اتباعهم، الآن ظهرت لهم الحقائق.
ولذلك أحد التفاسير، الآن بدا للاتباع يقول بعض المفسرين، بل بدأ الآن للاتباع ما كان يخفيه عنهم الأسياد، هذا أحد التفاسير، أي ظهر للاتباع أن الأسياد كانوا يخدعونهم ولا يعطونهم الحقيقة، والبعض قال لا بل بدا لهم ما كانوا يخفونه من قبل يبقى برجع بقول أن آيات القرآن تعتمد على العموميات، فانت هون ممكن يعني في مفاتيح الغيب ذكر أربع خمس احتمالات تدخل تحت بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل، إيش اللي بدا وإيش اللي كانوا يخفوه؟ تقدر تفهمها على أكثر من وجه، أنا أعطيتك وجه واحد ولك مساحة أن تفكر بطريقة أخرى ضمن كلام المفسرين طبعا، بل بدا لهم الأمور التي كانوا يعرفونها في أنفسهم وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم وعلوها.
ثم يقول: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: 28]، ليه معقول واحد بيشوف نار جهنم بعدين ربنا ما يعطيه فرصة أخرى في الدنيا ممكن يرجع يكفر يا شيخ عمر؟ أي نعم، لأنه في نفوس بشرية هي نفوس غير سوية، تعودت على الطغيان، تعودت على الاستبداد، تعودت على أن يداس عليها لا تعرف الشرف ولا تعرف القيم ولا تعرف الأخلاق بمجرد بس ترفع زي نفوس اليهود بينزل عليهم عذاب يتضرعوا ويلجاوا كذا ويا رب بس ارفع عنهم العذاب بيرجع بيطغوا، هي هكذا النفوس وربنا بده يعطيك في نفوس هكذا هي، ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُمْ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: 28]، كاذبون في ماذا؟ في قولهم أننا لن نكذب بايات ربنا ونكون من المؤمنين، كاذبون في قولهم أننا إذا رجعنا لن نكذب لا لا رح تكذبوا مرة أخرى لأنكم نفوس غير سوية.
نقف اليوم عند هذا المقدار، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل