دخولتسجيل الدخول

مجالس الوحيين | تفسير وتدبر سورة الأنعام المجلس الرابع [من الآية 29 إلى الآية 37 ]

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد من مجالس الوحيين، حيث نعيش في أفيَاء الكتاب والسنة. نعود إلى المركزية إلى كتاب ربنا عز وجل، نعيش في أفيائه نعيش في ظلاله، نستخلص قواعده، نستخلص كلياته ونستهدي به، ونرسم به خارطة الطريق إلى ربنا سبحانه وتعالى؛ فنعم الأنيس كلام الله عز وجل، من تمسك بكتاب الله عز وجل هُدي، ومن أعرض عنه ضُل، وهذه قاعدة.

هذه ليست مجرد وعظ أو ليس مجرد فكرة إيمانية روحانية يتكلم بها، بل هي حقيقة؛ كلما تمسكّت بها عبد الله وكلما أقبلت على كتاب الله عز وجل تستهدي به وتبحث عن النور في ثناياه، كلما أضاءت لك الحياة وفهمت مراد الله عز وجل فازددت ثباتاً في خضم الفتن. ونعود فنقول أيها الكرام أيضاً أن الذي وهذه فكرة ذكرتها في المجلس الأول عندما كنا نتكلم في المجالس الوجاهية، وأعيدها مرة أخرى: لن تذوق طعم القرآن حقاً إلا إذا عشت قضية الإسلام حقاً.

لن تشعر بقيمة هذا الكلام وبذوق معانيه إلا إذا كنت منتمياً لهذا الدين تتحرك من أجله وتعيش من أجله وتدعو له، وتفني حياتك في سبيل رفعته. هؤلاء الذين يجعلون قضية الإسلام هي قضيتهم الأولى في حياتهم، هم الذين سيعرفون مراد الله عز وجل، وسيجدون كلام الله حقاً وصدقاً في واقع الحياة، في جِدالاتهم وممارساتهم ومواجهاتهم لأهل الباطل؛ هذا هو السبيل الأصيل لمن أراد أن يفهم ويعيش ويتذوق مراد الله عز وجل حقاً.

فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المنتمين لهذا الدين المجاهدين في سبيله الثابتين على ثغوره، ونعوذ به من الحول بعد الكَوْن إنه ولي ذلك والقادر عليه. ما زلنا أيها الكرام نعيش في أفيَاء سورة الأنعام، هذه السورة العظيمة التي تتحدث عن مجموعة من الكليات المركزية في حياة كل إنسان وفي حياة كل مسلم موحد، حيث تثبت هذه السورة ابتداءً معاني توحيد الألوهية، فتعرف العبد بربه وتعبده له سبحانه وتعالى من خلال إقرار معالم الربوبية والتصرف والتدبير لله في هذا الكون.

هذه المعالم التي تستلزم منك أن تخضع لهذا الإله في السلوك والقلب والتشريع وفي كل مناهج الحياة، ثم تريك هذه الآية سبيل المجرمين كيف يفكرون كيف يتعاملون مع الحق ويواجهونه، ما هي أحوالهم وأنماطهم وأشكالهم، وما هي أنظارهم لهذه الحياة الدنيا ولما هو قادم. كذلك تخبر المؤمنين بكيفية مواجهة أهل الباطل، وما هو دور الداعي الذي يحمل هم هذا الدين؟ كيف يتعامل مع واقع الاستضعاف الذي يمر به ومع طول أمد الاستبداد وسيطره الظالمين على الواقع؟

هذه من أهم الأمور التي يجب أن نتعلمها في أزمنة الاستضعاف، كما هو حالنا في هذا الزمان، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفرج عنا هذه الكروب. إلى غير ذلك من المواضيع الأساسية المترابطة التي تمر بنا كامواج كما قلنا، ونجد سورة الأنعام تنقولنا من طيف إلى طيف ومن صورة إلى صورة بصورة متدافعه كان هناك تلاطماً في الأمواج يصنع صورة جميلة تتذوق بها معاني كلام ربك عز وجل. في ظلال هذه السورة وصلنا أيها الكرام في سورة الأنعام إلى الصفحة الرابعة وإلى قوله سبحانه وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَقَالُوا.

هكذا سورة الأنعام في صفحاتها تذكر قولا من أقوال الكافرين أو موقفا من مواقفهم ثم الرد بالاستدلال العلمي والعقلي وأحيانا الرد الوجداني الروحاني، لتتقلب هذه الصورة بين كلامهم وبين الرد عليهم، بين مواقفهم وبين النهايات والمالات حتى تشهد الحق أمامك واضحاً بأدلته وصورته، وهكذا القرآن يخاطب العقل والوجدان معه. هنا قول جديد من أقوال الكافرين وموقف يعتبر من المواقف المركزية لأهل الباطل قديماً وحديثاً، وهو ما نظرة أهل الباطل الكفار والمنافقون والفجار من هذه الأمة، ما نظرتهم إلى الحياة الدنيا؟ وقضية مفهوم الحياة الدنيا من أهم المفاهيم التي جاء القرآن ليصوبها وليبين منزلتها.

دعونا نرى كيف ينظر أهل الباطل إلى طبيعة الحياة الدنيا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: 29]. إذاً قُصارى ما عند أهل الباطل أن الدنيا هي كل شيء، فيعظمونها ويعيشون من أجلها ويتفانون على لذاتها المادية وعلى إشباع شهواتهم؛ لأنهم في منظورهم: ما هي إلا حياتنا الدنيا. ولاحظوا التعبير القراني أولاً: استعمال أسلوب الحصر، أنْ -طبعا هنا هي أن النافية بمعنى ما، يعني ما هي إلا حياتنا الدنيا- استعملوا أسلوب الحصر ليخبروا أن كل القضية لهذا الوجود الانساني إنما هي الدنيا فقط.

وللاحظوا استعمال ضمير الشأن الذي هو (هي)، الضمير (هي) هذا لا يعود على شيء سابق، بل يعود على شيء لاحق على الدنيا نفسها، وهذا الضمير الذي اسمه ضمير الشأن يقولون في علم البلاغة لا يستعمل إلا فيما تعتقد فخامته ومنزلته وتراه شيئاً عظيماً، مثلا في سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]، (هو) أيضاً هذا ضمير الشأن والقِصة يعني الشأن العظيم أن الله أحد، فهنا عندنا نفس القضية؛ عظموا الدنيا في قلوبهم فاستعملوا ضمير التعظيم فقالوا: إن الشأن شان كل الشان، وأن القضية كل القضية الحياة الدنيا فقط لا غير.

لاحظ كيف أُشربوا حب الحياة الدنيا فأصبحوا لا يرون إلا هي، ويؤكدون: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: 29]، لا يوجد شيء بعد ذلك. فهذا الصنف الذي تشرب الحياة الدنيا ويعيش من أجلها ولا يرى إلا هي، لاحظ (إن هي إلا) يعني لا يوجد إلا هذا الموضوع، بالتالي هذا كيف تعلقه بالدنيا ومقاتلته عليها؟ كيف إنماكه في الشهوات والملذات والنساء والحرام؟ هو لا يرى إلا دنيا فيريد أن يسارع في التناول منها، وإذا مرض وشعر بدنو أجله خاف وفزع؛ لأنه لا يعتقد أن هناك شيئاً بعد الحياة الدنيا.

هذا حال الكفار وحال المنافقين وحال الفجار والعصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أيضاً، لذلك عندما ترى حال كثير ممن يحيط بك، ممكن يكون من أقاربك، ممكن يكون في الجامعات وفي الأماكن والأسواق وما شابه ذلك، كيف يتقاتلون على الدنيا وكيف ينهمكون فيها ويختصمون فيها، يشبعون شهوات الفرج والبطن، وإذا قيل لهم الدار الآخرة أشار بيده وكأنه لا يؤمن بها؛ حتى ولو كان يؤمن بها نظرياً، لكن عملياً وسلوكياً لا أجد أي مظهر لاعتقاد أن هناك دار آخرة، من ممارسة عبادات، من تخفف قليل من الدنيا، من حساب للقاء الله عز وجل فيتعفف عن مكاسب الحرام والممارسات المحرمة.

فالله عز وجل يخبرنا أن أحد مرتكزات الباطل هي حصر قضية الوجود الإنساني في الدنيا لا غير: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: 29]. فالمستوى الأخلاقي يتدنى، المستوى القيمي والسلوكي يتدنى، الطموحات كلها تتدنى؛ لماذا؟ لأنه لا يلحظ وجود يوم آخر، كل شيء سينزل سيصبح كالبهيمة: ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ [محمد: 12]، كل هذا من آثار حصر قضية الجنس البشري في الحياة الدنيا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: 29] هكذا اعتقدوا.

لاحظ الذي لا يؤمن بالبعث يوم القيامة كيف الله سبحانه وتعالى ياخذه في هذه الرحلة ليريه هذا الموقف يوم القيامة، وهذا ما سيأتي في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: 30]. هذا ليس استدلالاً على وجود يوم القيامة، وإنما هو مخاطبة وجدانية رادعة زاجرة لعل هذه القلوب تتحرك وجدانياً؛ لأنها إذا لم تتحرك عقلياً فعلى الأقل تتحرك وجدانياً وتحسب وتنذر. وإلا فيوم القيامة يدل عليه العقل ويدل عليه النقل، وهو من أمور الغيب التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر عنها الكتاب والسنة ولا مناص من الإيمان به: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54]، كما قلنا في الصفحة الثانية: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: 87].

من رحمة الله وجود الدار الآخرة، فوجود الدار الآخرة ثابت عقلاً ونقلاً، لكن هناك أناس ربما تهتز قناعتهم بالدار الآخرة بالدلائل العقلية فيحتاجون إلى أدلة وجدانية؛ فسبحانه وتعالى يخبرك بهذه الانتقالة السريعة إلى الدار الآخرة: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: 30]. لاحظ هذا المشهد؛ هؤلاء الذين كانوا يرون كل القضية في الحياة الدنيا، بغتة فجاه إذا هم أمام الله سبحانه وتعالى واقفون بين يدي الرب: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 30].

طبعاً هنا جواب الشرط محذوف: ولو ترى إذ وقفوا على ربهم -يعني لو رايت هذا المشهد لهؤلاء المعاندين الكافرين بالدار الآخرة، لو تراهم وهم قد وقفوا بين يدي ربهم لرايت مشهداً عظيماً، فزع هؤلاء وخاف هؤلاء وذل هؤلاء ومستحيون من مخاطبة الرب سبحانه وتعالى بعد أن أصبحوا أمام الحقيقة التي جحدوها-. فجواب الشرط: ولو ترى إذ وقفوا على ربهم، لو أنك رايتها ورايت هذا المشهد لرايت مشهداً في قمة الذل هؤلاء وفي قمة الخزي بعد أن لاحظوا أنهم كانوا يخادعون أنفسهم.

بعد إذا أن قدرنا جواب الشرط: ولو ترى إذ وقفوا على ربهم، فرأيت شيئاً عظيماً، ثم بعد ذلك محادثة حصلت بينهم وبين ربهم، قال لهم ربهم: ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 30] هذه الدار الآخرة التي كنتم لا ترونها وتقولون في الدنيا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: 29]، أليست الآن حقيقتة ترونها وتعيشونها؟ ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ [الأنعام: 30] قالوا: بلى ونقسم بربنا أنها حق. طب لماذا أحرجتم أنفسكم؟ ولماذا وضعتم أنفسكم في هذا الموقف الذليل بهذا العناد الدنيوي؟ ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: 30].

يوم القيامة من كفر لا مرحمة له: ﴿فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون﴾، أعطيناكم فرصة لتؤمنوا بهذه الحقيقة، وجاءتكم الرسل وقامت عليكم الحجج وفزعناكم وقرأ عليكم القرآن، كل هذه الروافع والزواجر لم تفعل في قلوبكم شيئاً، إذاً الآن جاء وقت العذاب. عشتم الدنيا فقط من أجل شهواتكم لذاتكم، لم تعرفوا الله سبحانه ولم تقدموا له شيئاً، حاربتم أهل الإيمان استهزأتم بهم ضيقّتم عليهم، كل شيء فعلتموه من أجل بقاء دنياكم، الآن نقول لكم وبصورة واضحة جلية: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: 30]. لم يظلمهم الله عز وجل بل بسبب كفركم جاء الحكم العدل.

ثم يقول سبحانه وتعالى مخبراً عن حال هؤلاء الحسرة التي هم فيها، يقول سبحانه: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 31]. هنا سؤال، ولاحظوا هذا المعنى الجميل في الآية، لما نقول: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 31] أكثرنا يذهب ذهنه إلى أن الخسارة على مستوى يوم القيامة؛ صحيح أنه خسروا يوم القيامة عندما يشاهدون الحقائق وتظهر الفضائح. لكن حقيقة الآية جاءت عامة لتشمل أن الخسران في الدنيا قبل الآخرة.

خسر الذين كذبوا بلقاء الله في الدنيا قبل أن يخسروا في الآخرة، ماذا خسروا؟ كل من لا يؤمن بالدار الآخرة كما قلنا قبل قليل هو متشبث بدنياه، فسيخسر القيم، سيخسر الأخلاق، سيخسر اللذات الحقيقية التي يعاش من أجلها. الذين لا يؤمنون بالدار الآخرة هؤلاء يتعاملون فقط مع نوع واحد من اللذات أو نوعين بالكثير؛ اللذات الحسية طعام، شراب، شهوة الفرج، النكاح، الجماع هذا يفكرون فيه. ولذات نفسية وهي لذة الشهرة حب التسيد أي الفخر، لكن اللذات الأعلى ودائماً نقول اللذات ثلاث أقسام: لذات حسية، لذات نفسية، لذات معرفية إيمانية.

الذين لا يعرفون إلا الحياة الدنيا ولا يؤمنون إلا بها وكفروا بالدار الآخرة، خسروا في هذه الحياة الدنيا الوصول إلى قمة اللذات وأعلاها، وهي لذة معرفة الله، ولذة الحياة من أجل الله، ولذة خدمة الجناب الإلهي ولذة التقرب إلى الله سبحانه وتعالى وذكره: (إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة) ألم يقل هكذا علماؤنا؟ هؤلاء حرموا أنفسهم من جنة الدنيا.

إخواني لما نتكلم عن الخسارة في هذه الآية: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 31] إياك أن تحصر الخسارة فقط في الدار الآخرة -يعني هم كسبوا الدنيا وخسروا الآخرة- لا والله لم يكسبوا حتى الدنيا. طب كيف لم يكسبوا الدنيا؟ طب ما هو يا شيخ كانوا ياكلوا ويشربوا ويطلعوا رحلات سياحية ويعيشوا حياتهم وبيوت فارهة وسيارات متقدمة وعلاقات محرمة وزنا وفواحش -يعني كل هذه الأمور يعني هم كسبوا الدنيا بس خسروا الآخرة- لماذا لا نقول هكذا؟ لا نقول هم خسروا الدنيا؛ خسروا الدنيا لأنك مسكين إذا ظننت أن السعادة في الدنيا إنما هي في لذات الحس، لذات الحس هي نوع من اللذات، لكن هناك اللذات المعرفية الإيمانية والله أنها أعلى بكثير.

وهذا إنما يدرك بالذوق لا بالوصف، ولذلك كان يقول إبراهيم بن أدهم: (لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه -يعني من السعادة والطمانينة ولذه الحياة- لجالدونا عليها). لو يعلم الملوك وأبناء الملوك اللذة التي يعيشها المتعبد لله سبحانه والسكينة التي في قلبه والطمانينة والهدوء وراحه البال، لجالدنا الملوك ارباب الدنيا على هذه اللذات. لذلك افهم جيدا ضعف يقينك بالدار الآخرة أو إغفالك لها وعدم اهتمامك بشأنها خسارته ليس فقط في الدار...

خسارته حتى في المستوى الدنيوي؛ خسرت الحياة الطيبة، خسرت الطمأنينة، خسرت السعادة، خسرت الوصول إلى لذة التعرف على الله. أنت طبعا ستقول لي: إيش هذه لذة التعرف على الله؟ أعود فأقول: هذا أمر يدرك بالذوق لا بالوصف، ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: «الإيمان له حلاوة، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما»، لذة محبة الله ومحبه رسوله، هذه لن تحصلها إذا لم تؤمن بالدار الآخرة.

فلذلك هذا مفهوم كبير ويجب أن ننتبه له، لأنه هذا المفهوم أيضا يصدق علينا عندما نغفل عن الدار الآخرة وعن ذكرها، تبدأ الحياة تتكدر، وتبدأ النفوس تتشوه، وتبدأ النفوس يعني لا تشعر بالراحة والططمأنينة، يفزعها أحداث الحياة الدنيا، تقنط من رحمة الله، تفزع من أحوالها وكروبها ودمائها وفقدها. الإيمان بالله والدار الآخرة هو ربح على المستوى الدنيوي قبل أن يكون ربحا على المستوى الأخروي، فهذا معنى عظيم، ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 31].

وللاحظ الإطلاق، ما قال: قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله يوم القيامة، أطلق حتى يجعلك تحمل الخسران على الدارين؛ خسروا في الدنيا قيمهم، أخلاقهم، اللذات الحقيقية التي يعاش من أجلها، خسروا معنى الحياة. اليوم الإنسان الأوروبي ما حياته؟ هيك فقط خذ جولة ربما على اليوتيوب سريعا، أنظر لحياة الإنسان الأوروبي، ربي الذي هو ملحد، ولو يعني يقول لك إنه نصراني أو يهودي، لكنه في الباطن ملحد، غير مهتم أصلا بملف الدار الآخرة، كيف حياة القوم بالله عليكم؟ خسرت قيمهم، أخلاقهم، مقاطعهم العامة، إما في شهوة بطونهم، وإما في شهوة فروجهم.

وإذا تكلموا عن التكنولوجيا والتقدم، هم يأخذون بهذه الأسباب طلبا للبقاء، لأنه هم بالنسبة لهم ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: 29]، فهم يطورون أبحاثهم التكنولوجية والصحية والطبية والاجتماعية، لأنهم يرون الدنيا كل شيء، فهم يتحاكمون إليها، متعطشون عليها، فيأخذون بأسباب بقائها، وأخذهم بأسباب بقائها نعم يؤدي إلى تقدم، يؤدي إلى تمكين، لكنه على مستوى القيم والاخلاق والسلوك والنفوس، نفوس هشّة، متعبة، منهكة، متقاتلة على الدنيا، فزعة عند فواتها، فنسأل الله السلامة والعافية.

فعلا قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله، ويا أيها المؤمن الموحد، المؤمن بلقاء الله، أنت تكسب الدنيا، تنضبط اخلاقياتك، تنضبط سلوكياتك، تحسب حساب في أي كلمة تقولها وفي أي فعل، أنه هناك لقاء، هناك يوم قيامة، هناك حساب، هناك ساعة سأت، بالتالي تحاول أن تكون منضبطا، هادئا، تعيش من أجل مشاريع نافعة، لأنك تعلم أن هذا المشروع النافع الذي أعيش من أجله ساحصل عليه ثواب عظيم.

بخلاف ذلك الذي لا يرجو جزاء ولا شكورا، لماذا يعيش من أجل غايات كبيرة؟ لا يوجد جزاء، لا يوجد ثواب مقابل هذا، ربما إذا فعل شيء، أقصى ما يبحث عنه اللذه النفسية وهو أن يمدح في الدنيا، أن يقال: شوف والله فلان إنساني، شوف إنسان كريم، هذا أقصى ما يمكن أن يجعله يعيش من أجل عمل شريف، أن يبحث عن مجد، أو يعني يشعر أنه في هناك قيمة نفسية له في الحياة الدنيا. أما المؤمن لا، استثماره للدار الآخرة، أنت تعيش لحياة عظيمة، فتقدم في الحياة الدنيا أموراً عظيمة، ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 31] مفهوم عظيم.

ثم بعد ذلك يعطيك المفاجأة، حتى إذا جاءتهم الساعة بغته. دائما كيف الانتقال من مشهد الدنيا إلى مشهد الآخرة؟ إذا هم خسروا في الدنيا، ويوم القيامة، ها ويوم القيامة، ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: 31]، ولماذا قال بغتة؟ لأنهم أصلا ما كانوا يؤمنون بوجودها، فبالنسبة لهم وجود يوم القيامة شيء مفاجئ على خلاف المتوقع، بخلاف المؤمن، فلما تأتيه الساعة هو ليس متفاجئ أنه في شيء يوم قيامة، لأنه هو مؤمن في هذه القضية في الحياة الدنيا، فيقولون: حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة، على حين غفلة وما كان حسب لها حساب، يستيقظ، يحشر، رأى المشهد المهيب، قالوا هنا تسكب الدموع وهنا تاتي الحسرات، ﴿قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام: 31].

جاءت الحسرات في يوم ولا تحين مناص، في يوم لا تنفع فيه ماذا تفعل لك هذه الحسرات وماذا ستقدم لك؟ هل ستعيدك إلى الحياة الدنيا مرة أخرى؟ لن تعاد، ﴿قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام: 31]، الضمير في فيها يعود على ماذا؟ المفسرين قال: يعود على الحياة الدنيا، يعني يا حسرتنا على تفريطنا في الحياة الدنيا حيث لم نفعل الأعمال الصالحة، ولم نبذل الأمور الجيدة، ولم نجعل الدنيا مزرعة للآخرة.

القول الثاني: أن الضمير في فيها يعود على الدار الآخرة، يعني يا حسرتنا على ما فرطنا في الدار الآخرة، كيف يكون المعنى؟ يعني يا حسرتنا على تفريطنا في العمل للدار الآخرة، والسعي من أجلها، وتذكرها، والتنبه لها قبل قدومها، كنا مفرطين في يوم القيامة، كذبنا به، لم نسعى من أجله ولم، فإذا عندك احتمالان، إما أن تعيد الضمير على الدنيا باعتباره الظرف المكاني الذي كانوا فيه ولم يفعلوا ما يلزم: فرطنا لما كنا في الدنيا، أو يعاد الضمير على يوم القيامة باعتباره الشيء الذي كان ينبغي ينبغي أن يذكر فرطنا فيه، يعني فرطنا في تذكره والإعداد له والتنبه لقدومه.

طبعا كما قلنا جاءت الحسرات والدمعات في وقت لا نفع فيه، انتهى كل شيء، هي فرصة واحدة أنت ضيعتها ستدفع الثمن، ولاحظ هذا المشهد ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: 31]. الوزر في الأصل هو الثقل، وهنا شبه معاصيهم وأخطائهم وكفرهم وجحودهم وكل ما صدر منهم شبهه بأنه ماذا؟ بأنه أوزار على سبيل الاستعارة.

فيقول سبحانه: وهم يحملون معاصيهم وكفرهم وظلمهم على ظهورهم يوم القيامة، هنا هل هو حمل حقيقي؟ يعني هل يوم القيامة الكافر شايل أعماله على ظهره حقيقة حقيقة؟ ممكن، لكن كثير من المفسرين يقول هنا هذا استعارة وأسلوب مجازي ومعنى وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم، أي أنهم جاؤوا إلى يوم القيامة وهم معبئون محملون بالذنوب والمعاصي، كيف تقول والله فلان جاي حامل أخطاءه معه؟ إيش قصدك حامل أخطاءه معه؟ هو لا يعني يحملها حسياً، المراد أنه شايلها معاه وقد أثقلت كاهله.

لاحظ: يحملون أوزارهم على ظهورهم، كأن هذه المعاصي والسيئات أصبحت ثقلاً تثقل هذا الكاهل، لكن هذا الكافر سيحمل هذا الثقل وسيحاسب عليه، فهذه صورة كئيبة لهؤلاء، صورة كئيبة للحسرات يوم لا تنفع الحسرات، ولذلك الإنسان المحمل بما يثقل كاهله وبما سيحاسب عليه حسابا عسيرا، لذلك قال سبحانه: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: 31].

يعني ألا ساء هذا الذي يثقل كاهلهم كأنهم جمعوه في الحياة الدنيا، هذا الوزر الذي أثقل كاهلهم في الدار الآخرة جمعوه في الحياة الدنيا ظانين أنهم سيسعدون به ويهنؤون به، إذا بهم يجدون هذه المعاصي والشهوات والملذات الحسية التي عاشوا من أجلها يجدونها أوزاراً ثقيلة، فبئس هذا الوزر المحمول على ذلك الكاهل.

ولحظ لماذا قال: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: 31]؟ وكأنهم يومياً، في كل يوم بيعيشوا هذا الكافر في الدنيا يقضي شهوة بطنه وفرجه وفي كل يوم يظن أنه يصعد، هو يزر، هو عم يأتي بحمل جديد، هو يظن أنه في سعادة، وهو يزر، ويزرون فعل مضارع يدل على التجدد، فكل يوم أنت تزر شيئا، تزر شيئا، تزر شيئا في الوقت الذي تظن فيه أنك تسعد فيه، فنسأل الله السلامة والعافية.

يعني فقط لما تنظر لمظاهرهم ومقاطعهم وطبيعة حياتهم، هم يظنون أنفسهم في سعداء على شواطئ البحار وعلى جامعاتهم وحياتهم ومطاعمهم، والله يقول: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: 31] ما تحملونه وما تثقلون به كاهلكم.

ثم سبحانه وتعالى يجيبهم، هم ماذا قالوا في تعريفهم للكون؟ قالوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: 29] صحيح، يعني ما الشان العظيم إلا الحياة الدنيا، فياتيهم الجواب: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الأنعام: 32]. شوف الجمال في الأسلوب القرآني، هم قالوا إن الشان كل الشان الحياة الدنيا، فياتيهم الجواب من الله: وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو، هذا تعريفه الصحيح، انتم عرفتم الكون بانه ما هو إلا الدنيا ونحن نعرف لكم الدنيا حقيقة وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو هذا هو تعريفها، ليست إلا ذاك الشيء.

لاحظ هنا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: 29] بالنسبة للكفار هي كل شيء، وفي ميزان الله هذه الحياة الدنيا التي هي في أعينكم كل شيء ما هي في عند الله سبحانه وتعالى إلا لعب ولهو.

طيب هنا سياتي سؤال: طيب أليست الحياة الدنيا أيضا هي مزرعة الآخرة عند أهل الإيمان، فلماذا جعل الله تعريف الحياة الدنيا هنا أنها مجرد لعب؟ أسلوب الحصر في مقابل أسلوب الحصر اللي استعملوه، هم قالوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: 29]، فالله سبحانه وتعالى أجابهم باسلوب الحصر: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الأنعام: 32]. هل الحياة الدنيا فعلا هي فقط لعب ولهو؟ أم هنا الكلام: ما هي إلا لعب ولهو لحالكم وأمثالكم أيها الكفار والمنافقون وأيها الفجار؟

هذا قول ذهب إليه بعض المفسرين: أن حصر الحياة الدنيا أنها مجرد لعب ولهو إنما هو لمن حاله حال هؤلاء المكذبين، سواء من كان كافرا أصليا أو من أهل الاسلام لكنه فاجر غفلة، فبالنسبة لهؤلاء ايش الحياة الدنيا بالنسبة لهم؟ لعب ولهو؛ يأكل يشرب شهوة بطنه وفرجه، ما عنده أي هدف، أي نظرة استراتيجية، أي مشروع يعمله، ففعلا هي الحياة له مجرد لعب ولهو.

القول الثاني: من يقول لا، يقول هنا وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو هذا على وجه العموم، أن هي بطبيعتها مجرد لعب ولهو مقارنة بالدار الآخرة، فهو أراد أن يخبر عن طبيعة اللذات الدنيوية الحسية في مقابل اللذات الحسية في الدار الآخرة، فأتي اقول لك ترى يعني حتى أقرّب لك الصورة، لأنه هي أكمل الآية يتضح لك: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 32].

فكان الآية تقول ماذا؟ فاللذات الحسية التي تتناولونها في الحياة الدنيا، سواء كنتم من أهل الإيمان أو من أهل الكفر، هي مجرد لعب مقارنة باللذات التي تنتظركم في الدار الآخرة، حتى لو كنت تتعاطى اللذات بصورة مباحة، كل لذات الحياة الدنيا، طعامنا، شرابنا، لهونا، مجالسنا، كل شيء تستانس به حسيا، مقارنة باللذات الحسية يوم القيامة مجرد لعب.

كيف تأتي شخص مثلا يدرس دراسة كبيرة وينجز إنجازات كبيرة، ثم يأتي شاب مبتدئ، فتجد الشخص المتقدم اللي حقق إنجازات كبيرة إيش يقول للشاب المبتدئ؟ هذا شغلك كله لعب، هو مش غلطان الشاب بس بقول له أنت لستاتك يعني بقول لك لسه بنلعب معك، لسه أنت ما دخلت في الدسام، ما شفت حاجة، يعني أنت تظن أنك أكلت شيئا، هذا مجرد أكل بسيط، أكل الحياة الدنيا، ولو أكلت في أفخم المطاعم، تظن أنك يعني عاشرت النساء أو شيء، ترى هذه كلها لذات ممزوجة بمكرهات النفوس.

كل طعام وشراب تأكله مصيره إما أن يخرج على صورة الغائط، وينتفع منه شيء من البدن ويتحول إلى دماء، وأحيانا قد يضرك ويسبب أمراض، ويسبب سمنة، ويسبب أمراض وكوليسترول وضغط وسكري هذا. طيب ناتي إلى شهوة الفرج، أي امرأة تتزوجها فانه سيخرج منها ويخرج منك، وكل طرف يتاذى به من الاخر من المكروهات والمستكرهات، فما هذه اللذات التي أنت تراها كل شيء؟

الله يقول لك هذه اللذات التي أنت تراها كل شيء هي في الميزان الإلهي مجرد لعب ولهو مقارنة باللذات الكاملة التامة التي تحصلها يوم القيامة، من المطعومات والمشروبات والمنكوحات الأشجار والبساتين، أنت مسكين إذا كنت ترى أنه ما هو الشان إلا الحياة الدنيا، فوالله ما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو في لذاتها الحسية.

وهنا في مفاتيح الغيب يقول الرازي يعني فوائد جميلة في لماذا جعل الحياة الدنيا لعب ولهو للجميع، يعني لأهل الإيمان ولأهل الكفر؟ لماذا وصفها في هذا المقام بأنها لعب ولهو؟ فيقول: واعلم أن تسمية هذه الحياة باللعب واللهو فيه وجوه.

الأول، لاحظ لعده نقاط سميت الحياة الدنيا لعب ولهو للجميع: أولا، أن مده اللهو واللعب قليلة سريعة الانقضاء والزوال، وهكذا مدة الحياة الدنيا، هذه أول قضية، أنه أي لذة أنت تتعاطاها في الحياة الدنيا كم تجلس فيها؟ ربع ساعة، نصف ساعة، يعني أجمل طعام تأكله، أنت لا تستطيع أن تأكلها عن أكثر من نصف ساعة أخي ثم تنتهي، أجمل منكوح تدخل معه في علاقة، كم اللذة التي تجلسها؟ ربع ساعة، ساعتين، ثم كله سريع الانقضاء، فالحياة الدنيا لعب ولهو من جهة سرعة انقضاء لذاتها الحسية وأنها لا تدوم لأحد، فضلا عما يشوب هذه اللذات كما قلت من مستكرهات النفوس.

ثانيا، قال: إن اللعب واللهو لابد وأن ينساقا في أكثر الأمر إلى شيء من المكاره، أنه ما من لذة في الحياة الدنيا إلا وهي تسوقك إلى شيء من المكروهات، فالطعام والشراب يسوقك إلى الغائط، والمنكوحات بعد ذلك أيضا تسوقك إلى خروج شيء منك ومنها، وتجد رائحة وتجد منك ويخرج، ثم بعد ذلك هذا قد ياتي بولد والولد يحتاج إلى رعاية وما شابه ذلك، وقد يحصل شيء عندك يعيق العلاقة الزوجية، وتجد أن أنت في معركة ودوامة: فقط أريد أن أحصل ما يمكن تحصيله من هذه اللذة، مع أنها ما أكثر أن تشابه بالمكروهات.

ثالثا، قال: إن اللعب واللهو إنما يحصل عند الاغترار بظواهر الأمور، وأما عند التامل والكشف عن حقائق الأمور لا يبقى اللعب واللهو أصلا، وكذلك اللهو واللعب فإنهما لا يصلحان إلا للصبيان والجهال المغفلين، أما العقلاء والحصفاء فقل ما يحصل لهم خوض في اللعب واللهو، فكذلك الالتذاذ بطيبات الدنيا والانتفاع بخيرات الدنيا لا يحصل هذا الانغماس فيها إلا للمغفلين الجاهلين بحقائق الأمور، وأما الحكماء المحققون.

فإنهم يعلمون أن كل هذه الخيرات الحسية هي غرور، وأن الإنسان إنما يأخذ من الطعام والشراب ما يبقي حياته، ويأخذ من النكاح ما يستعين به على تحصيل ما هو أنفع. فيقول إذاً: وما الحياة الدنيا ها في لذاتها الحسية التي يتتابع إليها الناس إلا لعب ولهو.

فلا تنغمسوا فيها، ولا تظنوا أن هذه اللذات هي كل شيء، هي نزر يسير وجزء لا يذكر في مقابل اللذات الحسية والجمال الحسّي في الدار الآخرة. ولذلك أتبعها بقوله: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ [الأنعام: 32] في لذاتها للذين يتقون، الذين اتقوا في الحياة الدنيا الشخصية التي كانت تتقي، تخاف الله وتخاف لقاء الله؛ هذه ستسعد في الدار الآخرة وستجد اللذات الكاملة.

أيضا هنا يقود الرازي تبعا أن خيرات الدنيا -لماذا قالوا: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 32]- يقول: ولما بين الله سبحانه وتعالى ذلك قال بعده: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، وصف الآخرة بكونها خيراً ويدل على أن الأمر كذلك حصول التفاوت بين أحوال الدنيا وأحوال الآخرة.

يعني ما الدليل على أن الدار الآخرة في لذاتها الحسية أعلى من الدنيا في لذاتها الحسية؟ عدة أمور؛ أولا أن خيرات الدنيا خسيسة وخيرات الآخرة شريفة، بيان ذلك من وجوه.

أولا أن خيرات الدنيا ليست إلا قضاء الشهوتين، يعني يا شهوة باطن يا شهوة فرج، وهي أو وهو في نهاية الخساسة بدليل أن الحيوانات حتى الخسيسة تشارك الإنسان في قضاء الشهوتين، بل ربما كان أمر تلك الحيوانات في قضاء الشهوتين أكمل من أمر الإنسان.

فإن الجمل أكثر والديك والعصفور أكثر جماعا، والذئب أقوى على الفساد والتمزيق، والعقرب أقوى على الإيلام، ومما يدل على خساستها أنها لو كانت شريفة لكان الاكثار من الجماع والأكل مما يوجب زيادة الشرف، فكان يجب أن يكون الإنسان الذي وقف كل عمره على الأكل والجماع هو أشرف الناس وهو أعلى الناس، ومعلوم بالبادية أنه ليس الامر كذلك، بل مثل هذا الانسان يكون ممقوتا مستقدرا مستحقرا بل يوصف بأنه بهيمة أو كلب.

ومما يدل على ذلك أن الناس لا يفتخرون بهذه الأحوال بل يخفونها، فالإنسان يخفي جماعه ويخفي معاشرته ولا يهتم بإظهار الطعام والشراب، ولذلك كان العقلاء عند الاشتغال بالوقائع يختفون.

طيب، الوجه الثاني في بيان أن خيرات الآخرة أفضل من خيرات الدنيا هو أن نقول: هب أن هذين النوعين تشارك في الفضل والمنقبة، إلا أن الوصول في الخيرات الموعودة في غد القيامة معلوم قطعا، واما الوصول إلى الخيرات الموعودة في غد الدنيا فغير معلوم، يعني أنت أي مشروع طعام وشراب أو مشروع معاشرة زوجية أو شيء هل أنت ضامن أنها ستحصل لك اللذة أم يمكن؟

تقول أنت تريد علاقة بامرأة فإذا بها تنقلب نكدا، وتريد طعاما معينا فإذا به ينقلب مغصة، أما في لذات الآخرة فأي طعام لا يكون إلا لذة وجزاء، وأي وقاع مع الحور العين أو لا يكون إلا جمالا وبهاء، وبالتالي أنت في لذات الدنيا لا تضمن الحصول عليها، وأما لذات الآخرة فأنت تضمن الحصول عليها بلا ريبة ولا شك.

يقول أيضا ومن أوجه المقارنة الوجه الثالث: هب أنه وجد الإنسان بعد هذا اليوم يوما أخرى في الدنيا، إلا أنه لا يدري هل يمكنه الانتفاع بما جمعه من الأموال والطيبات واللذات أم لا؟ أما كل ما جمعه من موجبات السعادات من الأعمال الصالحات فانه يعلم قطعا أنه سينتفع به في الدار الآخرة، إلى غير ذلك من الأوجه التي ذكرها.

إذا لما بدك تقارن بين الدنيا والآخرة، فعلا الدنيا لعب مقارنة بالدار الآخرة بكل لذاتها ومتعها، أنت لا تتكلم عن شيء يستحق. وهذا الشعور طبعا ما فائدة هذا؟ أن المؤمن الذي يقرأ سورة الأنعام، هذه سورة تعيد لك ترتيب أولوياتك.

إذا أنا عرفت أن هذه الدنيا لعب ولهو، عش من أجل غاية شريفة، لا تعش من أجل لذة حسية، حصل من اللذات الحسية ما يقوى به عودك، ما تستمر به حياتك، ما تستتب به الأمور اللوجستيه كما يقولون، لكن لا تكن غاية ما عندك هي لذة حسية.

اجعل الغاية التي تعيش من أجلها اللذة المعرفية، أن تعرف الله وأن تعبد الله، وأن تعيش من أجل الإسلام، وأن يكون لحياتك معنى وهدف تلقى الله عز وجل يوم القيامة محبورا مسرورا به، ثم يوم القيامة تستوفي اللذات الحسية على أكمل أحوالها وأشكالها، ولم يفوتك من الدنيا شيء كبير، فذاك الكافر حصل من اللذات الحسية دعه حصل أكثر منك لكن هي لعب ولهو، لكنه فاته اللذة الكاملة التامة التي لهذه اللذات الحسية يوم القيامة، وقص على ذلك.

إذا: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: 32] وهذا استنكار وتوبيخ على عدم استعمال العقل، يعني بمجرد أن تفكر بعقلك في لذات الحياة الدنيا ستعرف كم هي دنيئة، فهو يقول لهم فكروا بعقولكم.

هل هناك لذة في الدنيا دامت؟ هل هناك لذة في الدنيا لم يشبهها قبح؟ هل هناك لذة في الدنيا كاملة؟ والله ما من لذة في الدنيا يسعى الإنسان للوصول إليها إلا وهو يكابد قبل الوصول إليها، ويكابد في اثنائها، ويكابد بعد الانتهاء منها، فالدنيا جبلت على كبد، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]، أنت في الحياة الدنيا في داخل الكبد وهذه اللذات التي تحيط بك هي لذات مشوبه بالكبد ولا بد، أفلا تعقلون؟

وهذه دعوة لي ولكم ولكل مسلم، أنه إذا رايت نفسك تقاتل على الدنيا ومنهمك فيها، اعمل نقطة نظام، ارجع لسورة الأنعام، فإن سورة الأنعام ستوقذك، ستنبهك، ستقول لك: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الأنعام: 32]، استيقظ يا ابن آدم قبل أن يفوت الأوان، وانتبه لآخرتك واعمل لها، فإن دار الآخرة لهي الحيوان هي الحياة الكاملة، كما قال سبحانه وتعالى في سورة العنكبوت.

انتهى هذا المقطع من حوار الكافرين، ثم هنا إلتفات للدعاة والمصلحين يقول سبحانه وتعالى لسيد الدعاة ولمن يحمل راية الدعوة من بعده: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: 33].

قد نعلم انه ليحزنك الذي يقولون، هذه قد تففيد التحقيق والتاكيد، يعني نحن نعلم علما حقا يقينا، اياك أن تشك أننا لسنا مضطرين، إياك أن تشك قد نعلم أنه لا يحزنك كالذي يقولون، وهذه العبارة قد نعلم فيها من تسليه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وطمانته له الشيء الكثير أنه حزنك يا محمد صلى الله عليه وسلم وحزنكم يا أيها الدعاة يعلمه الله.

مطلع على العقبات التي تواجهونها في طريقه، مطلع على ما تواجهونه من سعاية وأذى وتضييق وتشريد وقتل ودماء إلى غير ذلك، مطلع على الحزن الألم والفقد والجراح التي يبتلى بها الدعاة والمصلحون والموجهون.

وهذا بحد ذاته مطمئن أن هذه المشاعر التي تكتنف الدعاة والمصلحين في اثناء مسيرهم إلى الله لم يغب عنها الله عز وجل ولن تضيع سدى، بل هو محيط بها تماما، وهذا بحد ذاته أول طرق الراحه أن تعلم أن سيدك الذي تعمل من أجله من أجل لرضا مطلع تماما، قد نعلم مطلع تماما على حزني وآلامي ونكباتي وجراحي وانا أخوض طريق الدعوه إليه فالحمد لله.

إن من عرف الله اطمان وشعر بالسعادة عند هذه الآية، قد نعلم أنه ليحزن الدعاة إلى الله يحزنون.

طب على ماذا يحزنون؟ قال: يحزنك الذي يقولون، ولاحظ دائما قاعدة الحذف في القرآن كيف تساعدك على توظيف معاني كثيرة، نحن نعلم أنك تحزن للذي يقولونه، هذا الحزن على الذي يقولونه نحمله على امرين، يمكن أنت أن تعطي معاني أخرى، لكن هنا ما يهمني يهمني أمران.

أولا: حزنه على الذي يقولون فيه حيث قالوا عنه إنه ساحر وإنه كاذب إلى غير ذلك من الأوصاف الشريعة التي رموا بها الجناب الشريف للنبي صلى الله عليه وسلم، فكان يحزن صلى الله عليه وسلم عندما يقولون ذلك عنه.

لأن هو كان صادقا أمينا ويدعى بأعلى المواصفات قبل البعثة، إذا به يوصف بعد البعثة بأنه ساحر مجنون غير صادق ويبقى بأقباح الأوصاف، وأنك لم تأتنا بشيء حقا، وكل كلامك لا منطق له إلى غير ذلك مما كانوا يقولون فيه، فكان يحزن صلى الله عليه وسلم لهذه الاتهامات التي توكل إليه.

ثانيا وهو الأعظم: أنه كان يحزن الذي يقولون من قولهم إن ما تقوله يا محوله يا محمد صلى الله عليه وسلم ليس حقا ولا واقعا ولا صدقا، فهو يحزن لأنهم يكذبون وأن هذا التكذيب سيكون ثمنه باهظ عليهم، وهذا لأنه صلى الله عليه وسلم جمع الخصال الشريفه، وهكذا ينبغي الدعاة أن يكون حزينا متاسفا على تكذيب المسلمين على تكذيب عفوا أقوامه له، لأنه يعرف أن ضريبة هذا التكذيب جهنم.

فالنبي عليه الصلاة والسلام إذا كان حزينا خلينا نقول من جهتين، ولماذا أن ركزت على هاتين الجهتين؟ لأن الآيات القادمه ستجيب عن هذا وعن هذا، ستجيبه عن حزنه بسبب ما يصفونه به، وستجيبه عن حزنه بسبب ما يقولونه من عدم صدق الكتاب وعدم وجود اليوم الآخر وعدم توحيد الله، كل هذا الذي يقولونه من أقوال الكفر والبهدان ستجيبه عن هاتين الجزئيتين.

تبدأ الإجابة الأولى: إذا قد نعلم أنه لا يحزنك الذي يقولون فيك من اتهامات، والذي يقولون تجاه الحق الذي جئت به من التكذيب.

فبدأ بالإجابة عن القضية الأولى فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33]، فبالنسبة لحزنك الأول قال: فانهم قال يعني عدة خيارات ذكرها أو احتمالات ذكرها الطاهر بن عاشور رحمه الله عليه في الفاء هنا، قال يجوز أن تكون الفاء الفصيحه والتقدير: فان كنت تحزن على قولهم فيك واتهامهم لك.

لانه فاء الفصيحه قلنا هي التي تفصح عن شرط محذوف، يعني فان كنت حزينا لما يقولونه فيك فاعلم أنهم لا يكذبونك في بواطنهم، بل هم في بواطنهم يعلمون صدقك، فقوله: فانهم لا يكذبونك أي في الباطن لأنهم في الظاهر كذبوه، فالمراد: فانهم لا يكذبونك من حيث الباطن الداخلي هم يعرفون صدقك يا محمد صلى الله عليه وسلم ويعرفون أن كل ما جئت به يمثل الحقيقة، وأن أدلتك مقنعة لا يحتاج إلى أكثر منها ولا إلى اقتراح آيات أخرى.

طب لماذا لا يؤمنون ولماذا يتظاهرون بالتكذيب ويسصفوني بأني شاعر ساحر إلى غير ذلك من الأوصاف؟ قال: ولكن الظلم هؤلاء ظلمه فلذلك ما قال: ولكنهم بايات الله يجحدون، لا أظهر في موضع وضع الإضمار ما قال ولكنهم؛ لأنه هو قال: فانهم استعمل الضمير ابتداء فانهم لا يكذبونك، كان الأصل أن يقال ايش: ولكنهم بايات الله يجحدون، لكن ايش قال لا أحب الله سبحانه أو أراد الله عز وجل أن يظهر وصفهم، فما استعمل الضمير في الكناية عنهم بل استعمل اسما ظاهرا يصف حالهم بأنهم ظلم.

أنت لما تكون عارف الباطن أن هذا الشخص صادق وتصرف الظاهر على تكذيبه هذا ظلم، لأنك تضع الشيء في غير محله وهذا تعريف الظلم، فقال: ولكن الظالمين وهذا فيه بيان لعله تصرفهم ظلم، هم قوم يريدون الظلم ولا يريدون أن يتعاملوا مع المواضيع بنقاش عقلاني معرفي، فبسبب ظلمهم بايات الله جحدوا.

والجحود في اللغة هو أن تنفي شيء في الظاهر وأنت تقر به في الباطن هذا الأصل في الجحود، قال سبحانه عن قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: 14]، فالجحود هو أن تنفي شيئا في الظاهر مع إقرارك به في الباطن.

وهكذا كان حال هؤلاء أنهم حتى في واقعنا المعاصر لما أنت كداعية -طبعا هذا الكلام بدك تسقط على نفسك حتى تستثير القرآن- لما أنت تمارس الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وتواجه أهل الباطل ستجدهم يستخفون بك أنك رجعي وغير متحضر وشيخ من القرن القديم، الحياة طورت وما زال المشايخ بقولوا كتاب وسنة.

ستجدهم يقولون عنك انك هش درويش مغفل ساذج بسيط ما بتعرف الا كتاب وسنة، الدنيا تقدمت، فرح تحزن والحزن وارد وهي مشاعر وأحاسيس، وأنت تناقش هؤلاء الفاسدين، حتى هؤلاء تجدهم أصحاب الطبقات المترفة تاتي تناقش خشهم -يعني ما تصوركم من الحياة وما فهمكم- تجدهم سذج، لكن يحاولون في الظاهر التشويش عليك.

أنت اللي ما تفهم ترى أنت كلامك سطحي، أنت اللي لا تملك عمق، مع أنهم في الباطن والله إذا كنت عاقلا يعرفون أن ما تقوله أن ما تقوله هو الحق، يعرفون أن الحياة الدنيا فعلا لعب ولهو، يعرفون أن اللذات سريعة الانقضاء، لكن يحاولون تشويه هذه الحقائق وإظهار أنه أنت الذي لا تستوعب أنت المحدود أنت اللي أفقك.

لكنهم يرون أخلاقك وسلوكياتك وورعك وآدابك، فوالله انك لتجل في قلوبهم ويحترمونك، حتى أهل الباطل يحترمون المؤمن الصلب في عقيدته، يعرفون أن هذا الرجل يملك حق ويملك دين ويدافع عن عقيدة ومبدا وأنهم هم يتتايعون على شهوات وملذات ويتصنعون بأنهم يسبونك ويسخرون منك، لكنهم في الباطن من حيث الادله والمعايير أنت تملك الادله القويه وهم لا يملكون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون.

إذا فانهم لا يكذبونك، ولكن بسبب ظلمهم لأنفسهم وللاخرين جحدوا بايات الله، جحدوا بالقران وبكل آية ومعجزه ودلاله اتاهم الله أو بعث الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم بها.

طيب ثم قال للنبي نبيه صلى الله عليه وسلم مصبرا له: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ [الأنعام: 34]، لست بدعا من الرسل يا محمد صلى الله عليه وسلم ولست أول من يؤذى في طريق الدعوة إلى الله، ولقد كذبت رسل من قبلك، ودائما الإنسان إذا شعر أن هناك من ابتلي قبله بهذا البلاء يهون عليه اليس كذلك؟

إذا دخلت غرفة سجن فوجدت بعض الناس يعلقون على الجدر الدران والحيطان وأنهم قد خرجوا في اليوم الفلاني، فإنك ما الذي يهون عليك؟

الجلوس في هذه الغرفة، معرفتك أن هناك من كان في هذا المكان من أوذي قبلي، فيقول: لست بدعاً من المؤمنين، استعمل ما استعمله من قبلي دائماً. سبحان الله، وجود من يشاركك في البلاء يهون عليك، وجود من يشاركك في البلاء أو من سبقك في هذا الطريق يهون عليك، وهذا ما أراد الله سبحانه وتعالى أن يخبر به النبي عليه الصلاة والسلام: ولقد كذبت رسل من قبلك. فأنت لست أول من يؤذى يا أيها الداعية، وهذا بالتالي يتطلب منك قوة الشكيمة، وأن ترفع الهمة ولا تصاب بالإحباط واليأس والقنوط والإنعزال النفسي والاكتئاب.

وهكذا كان صلى الله عليه وسلم دائماً قوياً ثابتاً، يعطي من حوله القوة والعزيمة، ويرفع معنويات الصحابة عندما يأتونه يشكون إليه. كما جاء خباب: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟ فأعطاهم ما يثبتهم. هكذا ينبغي أن يكون الداعية مصدر إشعاع وإلهام لمن حوله، يعطيهم القوة، أما إذا كان الداعية نفسه هو الذي يصاب بالإحباط واليأس، وهو يصبح يبكي على نفسه وعلى دهره وما أصابه من النكبات، هذا ما يصلح أن يحمل الراية، لا يصلح أن يحمل الدعوة. الدعوة تحتاج إلى الرجال أبناء الرجال، وهكذا تقام الدعوات: ولقد كذبت رسل من قبلك. ما في مجال إلا الصبر والاحتساب.

هذه هي موطن الفرس كما يقول: فصبروا. هذه هي موطن الفرس كما يقول. صبروا على قضيتين، قال: فصبروا على ما كذبوا. صبروا على كل أشكال التكذيب، ولم يصابوا بالإحباط بسبب كثرة من كذب بهم وكفر بدعوتهم. وصبروا أيضاً على ماذا؟ على الأذى الذي كان يصيبهم في هذه الدعوات. الأذى قد يكون: لنرجمنك لنخرجنك، مش هكذا قالوا؟ لنرجمنك قيلت لنوح، ولنخرجن قيلت لوط، وأقبلوا إليه يزفون، قال: أتعبدون ما تنحتون؟ قالوا ابنوا له بنياناً فالقوه في الجحيم، قيلت لسيدنا إبراهيم عليه السلام وموسى عليه السلام، وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال: يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، إلى غير ذلك. فكلها نكبات، وكلها أذى، وكلها طريق، من قال لك إنه مفروش بالورود؟ لكن لا مناص لمن يريد أن يحمل هم هذا الدين إلا أن يصبر ولا يستعجل النتائج.

فالله عز وجل يقول لنبيه ولكل داعٍ ولكل من يبحث عن صلاح هذه الأمة وقيام الحضارة الإسلامية مرة أخرى: لا نملك إلا الصبر. فصبروا على ما كذبوا وأوذوا. تصبر على ما يكذبونك، وتصبر على ما يؤذونك، يضيقون عليك، يغلقون الابواب في وجهك، يضعون العثرات في الطريق والاشواك، ما عندك مجال بدك تصبر ويجب أن تبقى وتدا ثابتاً إذا اردت فعلا أن تكون داعية إلى الله سبحانه وتعالى. فإن الدعاة إلى الله لا يستسلمون أمام العقبات والاشكالات والتحديات. وإلا إذا كان الداعي يستسلم، ماذا تقول للعامي ولمن لم يسلك هذا الطريق؟

فلذلك، كما قلت لكم، هذا القرآن لمن يعيش قضية الإسلام يستانس به، أما الشاب اللي ما هو عايش قضية الإسلام سيمر على كثير من الآيات يشعر أنه غير مخاطب بها، لماذا؟ فيقول لك: أنا أصلاً لا أعدو إلى الله، أنا يعني لا أعمل مشروع إسلامي إصلاحي، لست جزءاً من هذه الأمة ومن انتماءاتها، أنا شاب مباريات، أفلام، مسلسلات، وأكل وشرب، وهدفي أتخصص في الجامعة وأجيب شهادة وأتزوج، والاسلام هيني بصلي يا شيخ، أمور طيبة. هسه اللي عايش الإسلام فقط بهي القضية بالنسبة للقران يعني بيتكلم عن قوم، آه جزاهم الله خير الصحابة الله يكرمهم، جزاهم الله خير المشايخ الدعاة يستفيدون من هي الآيات، أما أنا يعني توظيفها في حياتي صعب.

وها عرفتم لماذا لا نذوق كثير منا، لماذا لا يذوق القرآن؟ أنه لا يعتبر نفسه جزءاً من أمة، ولا يعتبر نفسه حامل هم دعوته إلى الله سبحانه. طبعا بعض الناس بقول لك الداعي إلى الله، ويظن الداعي هو اللي بيطلع على السوشيال ميديا لا. أنت تدعو إلى الله في حيك، في مسجدك، في بيئتك، في جامعتك، في مكان عملك، أنت داعية في أي مكان أقامك الله سبحانه وتعالى، عليك أن تمارس هذا الدور. فصبروا على ما كذبوا وأوذوا، وهذا امتداح وتشريف، الله يحب هذا الصبر ويكره الاستعجال: خلق الإنسان من عجل. ذكرت على وجه المدح أو الذم؟ على رأي كثير من المفسرين على وجه الذم. الله عز وجل كان يقول لنا ينهانا عن الاستعجال: فاصبر. فاصبر ولا يستخفنك الذين لا يوقنون.

قال: فصبروا على ما كذبوا وأوذوا. هكذا الدعوات وهكذا طريقها، ولو استمر سنوات وعقود، تصبر وتثبت وتبقى وتتجذر. قال: حتى أتاهم نصرنا. والله ليأتين النصر، وليأتين الفرج بعد الكرب. هذه سنة الله، متى؟ هذا أمر الله. متى يأتي في حال الدنيا النصر؟ هذا وعد، لأنه قال بعدها: ولا مبدل لكلمات الله. ما هي كلمات الله هنا؟ وعوده أن من صبر على التكذيب والأذى لابد وأن تنتصر دعوته، سواء كان باقي هو على قيد الحياة: فاما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فالينا يرجعون. لا مبدل لكلمات الله، سينصر الله هذا الدين، سينصره.

فما يحصل الآن في غزة، وما يحصل في كثير من المناطق، وما ترونه من عربدة بني صهيون، وما ترونه من الاستعلاء الكبير الذي هم فيه مع أمريكا وغيرهم من دول العالم، هذا نعم مرحلة من المراحل التي تمر بها التاريخ الإنساني، ويحتاج إلى صبر ولو طال الأمد مئة سنة مئتين، نصبر ونثبت والرايات تتعاقبها الأجيال. ولا مبدل لكلمات الله، هذا يقين صدق لا نشك فيه، سينتصر هذا الدين وسيعود للسيادة، وستزول هذه الحقبة من حقب هيمنة الكفار على أمة محمد صلى الله عليه وسلم. متى؟ لا تقل لي متى، اقول لك ماذا أعددت لها؟ وهذا أتذكر حديث الرجل الذي جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام: متى الساعة؟ ماذا قال له؟ قال: ماذا أعددت لها؟

وهذا هو السؤال لكثير من الشباب المندفع المتحمس، والناس الشعراء باليأس والاحباط: متى يا شيخ سننتصر؟ أقول لك: ماذا أعددت لها؟ ماذا أعددت للانتصار؟ ربيت نفسك، ربيت أولادك، كنت ناصحاً لأهل مسجدك ولحيك، كنت محافظاً على صلواتك وقيامك، كنت محافظاً على قرآنك؟ هل أنت بعيد عن المعاصي والذنوب؟ هل أنت مستيقظ القلب منتبه الخاطر قليل الغفلات كثير الاقبال على الله؟ هل تحضر مجالس؟ يعني خليني أسألك مئة سؤال، ثم قل لي: متى نصر الله؟ إلا إن نصر الله قريب، لكن ماذا أعددت له؟

هنا الله سبحانه وتعالى إذاً يضع سنة كونية أن عاقبة الصبر هي النصر: فصبروا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله. ثم قال سبحانه وتعالى: ولقد جاءك من نبأ المرسلين. يلا دقيقه حتى نفصل هذا الجوال، ما أفصل، أي جاءك من أخبارهم، كيف أن الله سبحانه وتعالى أعقبهم نصر؟ كيف أن الله نصر هوداً على قومه؟ ونصر صالحاً على قومه؟ ونصر شعيباً على قومه؟ ونصر إبراهيم على قومه؟ ولقد جاءك القصص تحكي وترسم أن هذه سنة إلهية. كم قصة في القرآن تتكلم عن عاقبة خير للدعوات؟ كلها عاقبة خير للدعوات، حياة الأنبياء: ولقد جاءك من نبأ المرسلين. أن الله مكن لدعوتهم. كان في أذى؟ كان في صبر؟ نوح عليه السلام ربنا مكن له، نعم، بعد ألف سنة، لا تقول لي متى نوح؟ بعد ألف سنة إلا خمسين عاماً. فلان بعد مئة، فلان بعد خمسين، فلان بعد مئتين. هذا أمر الله وشأنه، المهم فصبروا على ما كذبوا وأوذوا.

ثم سبحانه وتعالى أجاب عن الحزن الثاني للنبي صلى الله عليه وسلم. نحن قلنا الحزن الأول كان ما سببه؟ ما يصيبه هو وما يؤذى به من الكلمات التي كانت تجرح مشاعره عليه الصلاة والسلام، كيف يكذب؟ طبعا ليس مراده صلى الله عليه وسلم ذاته من أجل ذاته لأبيه وأمه عليه الصلاة والسلام، لكن الإنسان الطبيعي لما يكون في كامل الصدق والنصيحه ويقال له بعد ذلك أنه ساحر أو شاعر يتضايق، فيقوله الله ترى هؤلاء لا يكذبونك في حيث الباطن. ثم هذا كله تكميلا للجواب الأول، هم لا يكذبونك من حيث الباطن، لكنهم هم بسبب ظلمهم يجحدون في الظاهر.

ثم يا محمد صلى الله عليه وسلم عليك أن تصبر، ترى كذبت رسل من قبلك وسمعوا من الكلام ما سمعته، فصبروا على ما كذبوا وأوذوا، وهذا الأذى يشمل ذواتهم ضربهم، سبهم، شتمهم، فصبروا حتى أتاهم نصرنا وسياتي النصر وهذا ما وقع له صلى الله عليه وسلم. هذه كانت تتنزل في مكة لياتي بعد ذلك السور التي تثبت أنه انتصر في بدر وأحد والخندق وما شابه ذلك، فهذا الوعد إذاً فعلاً لا مبدل لكلمات الله. نحن بالنسبة لنا اليوم بعد أن انقضى جيل النبي صلى الله عليه وسلم نعرف أن الله صدق رسوله صحيح ونصر دعوته. يعني لما كان يقول له في مكة: لا مبدل لكلمات الله، لم يكن النصر قد جاء بعد. نحن اليوم بعد 1400 سنة نعرف صدق هذه الآيات وأن الله صدق رسوله. هذا الإسلام الذي نستظل به اليوم في الأردن ويستظل به العالم في، لا مبدل لكلمات الله، واقعاً عن حق صدق، قيلت قبل أن يحصل هذا ووقع.

ولقد جاءك من نبأ المرسلين. الآن الإجابة عن سبب الحزن الثاني، قلنا سبب الحزن الثاني ما هو؟ عدم إيمانهم. كان حزيناً على أنهم لا يريدون الإيمان ومصرون على موقف التكذيب لهذه الحقائق. والنبي عليه الصلاة والسلام من صفاته أنه كان حريصاً عليكم، حريصاً. لعلك باخع نفسك، كان يعني الله كان يقول: تخفف يا محمد على نفسك عليه الصلاة والسلام، لا تهلك نفسك أسفاً وحزناً على عدم إسلام قومك. فلذلك كان ورد في أسباب النزول أن كفار قريش ما زالوا يقترحون على النبي صلى الله عليه وسلم إنزال الآيات الحسية، كما قلنا في بداية السورة، ما زال النقاش هنا: يا محمد صلى الله عليه وسلم هذا القرآن وحده لا نعتقد أنه معجزة ولا نثق بذلك، نريد آية حسية تنزل من السماء أو تخرج من الأرض حتى نقتنع بمصداقيتك وإلا فأنت بالنسبة لنا غير مصدق.

فالنبي عليه الصلاة والسلام كأنه وقع في نفسه أن يطلب من الله هذه الآيات. فالله سبحانه وتعالى يقول له: وإن كان كبر عليك أعراضهم. يعني إذا كان سبب حزنك، ها، إذا كان سبب حزنك أنه صعب عليك أعراضهم عن هذه الدعوة وعدم إيمانهم بها، إذا كان هو هذا الذي صعب عليك فشعرت بالحزن والأسى، فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض، تنزل في عمق الأرض، أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية فافعل. هنا اختلف المفسرون، ما هي الرسالة الإالهية للنبي صلى الله عليه وسلم وللدعاة عموماً؟

البعض يقول هذا كأنه نوع تنبيه وتأديب من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، حيث أن النبي عليه الصلاة والسلام من حرصه وحبه لإسلام قومه، لما اقترحوا إنزال الآيات، أراد أن يطلب من الله أن ينزل آيات حتى يسلم هؤلاء ولا يبقوا على موقفهم. فالله سبحانه وتعالى قال له تنبيهاً: افعل ما تشأ يا محمد صلى الله عليه وسلم، إذا استطعت أن تبتغي نفقاً داخل الأرض في أعماق وباطنها أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية فافعل، فإن الله سبحانه وتعالى لا يرضى ذلك. إذا أنت تريد تأتيهم بآية فافعل، كأنها نوع ماذا؟ تأنيب وتنبيه أنه أنت افعل ذلك. أما إرادة الله سبحانه وتعالى لا تريد أن يصبح الكفار يقترحون والله سبحانه وتعالى ينزل ليجيبهم على مقترحاتهم، هذه ليست علاقة عبد بإله.

فهذا الدين ليس لتلبية الأمنيات ولا لتلبية المقترحات، وليس كلما جاءك مشرك: أفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أنزل علينا من السماء، ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كذا. الدين ليس لتلبية الأمنيات: أولم يكفيهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم. القرآن وحده فيه الكفاية، وإذا شاء الله بإرادته هو دون اقتراح أحد أن ينزل الآيات والمعجزات كانشقاق القمر يفعل ذلك بإرادته، دون أن يكون طريق الدعوة هو طريق ايش؟ اقتراح ونحن نلبي اقتراح ونحن نلبي.

وهذا منهج أن بعض الدعاة، حتى في واقعنا المعاصر، لما يجد أن الحديث والدندنة حول معاني الكتاب والسنة ما عادت تجلب الجماهير، يريد أن يغير أسلوب الدعوة شكلياً يعني كمنهج. يقول لك: يا شيخ، الكتاب والسنة يعني في الواقع المعاصر معانيه لا تفلح في دعوة الناس ولا في الإقبال بها، خلينا نعمل مناهج جديدة في الدعوة إلى الله. طيب تفضل، ما هي المناهج الجديدة؟ ما هي الطرق الجديدة التي تريد أن تدعو بها؟ والله يا شيخ، ما هو أهل الباطل في زماننا، يعني لما نجيء نقول لهم كتاب وسنة بقولوا هذا شيخ وهذا رجعي، وهؤلاء أقوام، يعني خلينا نعمل منهج جديد في الدعوة.

طيب ما هو تفضل أقترح علينا حتى يعني نرى هل ستاتي بشيء أفضل من الكتاب والسنة؟ يعني ما هو المنهج الجديد؟ إيه بقول لك مثلاً: ليش ما يصيروا المشايخ مثلاً يغيروا شكلهم تمام؟ يصيروا يلبسوا زي الكفار ويحلقوا لحاهم مثلاً، ونصير نحن ندخل مع الكفار نشاركهم في حفلاتهم، حتى يصير مثلاً، حتى المشايخ الله يجزاهم الخير يعني يصيروا يشوفوا مسلسلات مع بعض، ننزل نعمل على السينما حتى نحن ايش؟ نحبب الناس، نشعر الناس أننا مع بعض وعادي، مثلاً الشباب والبنات نعمل اختلاط، نعيش الإنسانية المعاصرة. هكذا بصير الناس تتقبلنا أكثر وأكثر.

فكره البحث عن التقبل صح. اليوم كثير من الشباب اللي بيمارسوا الدعوة إلى الله أو النساء يتفسخ من الأحكام الشرعية وتنهار عنده منظومة الأحكام، وحتى يعني لأسف بعض المؤلفين من الدعاة يصبح استحضاره للكتاب والسنة في مؤلفاته الدعوية محدوداً. يقول لك:

ليش ما نصير نحن نجيب كلام مثلا أفلاطون وكانط ونيتشه وهؤلاء حتى نورجي الغلط، نحن مهتمين بتراث كانت ونيتشه وهؤلاء؟ لا نقف يعني منه على مسافة واحدة، فبالتالي بصير هو يتلذذ في محاضراته الدعوية والفكرية والجماهيرية بل حتى مقاطعه على السوشيال ميديا وعلى منصة إكس كما يقولون يتلذذ بماذا؟ أني خليني أروح على بطون الكتب الأوروبية أشوف مقولة لحكيم فيلسوف أذكرها، آه شوف والله فلان مطلع مثقف.

وهو يا شيخ أنا إذا قلت قال صلى الله عليه وسلم والله الناس رح تقفز، ما حدا رح يقرأ. إذا قلت قال الله الناس أصلاً في الكتب الشرعية لما تأتي قال الله بيقفزوا عنها، ما عادت ذات وزن أو ذا، هذا كل هذا الخطاب خطير، معناته أنت بدات تفقد وقودك وبدات تفقد توازناتك وأصبح ضغط أهل الباطل لك تتزحزح عن منصة الإسلام بوصلته الكتاب والسنة.

لا أنا لا أقبل، ومطلوب أن نسهل الكتاب والسنة للناس، أن نعيد طرحه طبعاً بلغة تتناسب يعني بكلام ربما يتناسب مع مشاكلهم المعاصرة استثارته بطريقة صحيحة يتناسب مع إشكالاتهم وواقعهم كما نفعل في مجالس الوحيين تسهيله وضع كتب التفسير ترتيب كل هذا التسهيل والتذييل لمعاني الكتاب والسنة لابد منه بما يتلائم مع واقعنا المعاصر.

أما أن نعرض عن الكتاب والسنة بحثاً عن منهج جديد ونصبح نظهر للغرب أننا مهتمون بتراثه وأفكارهم وفلاسفتهم ومنظوماتهم العقلية، وتجد الرجل يعني يتفاخر أنه أنا داع لاني دارس طبعاً في جامعة السوربون أو الجامعات الغربية علم اجتماع أو علم سياسة، هو يشعر بلذه الثقافة الغالبة وبأن هكذا سيصبح له جمهور، وأما اعتصام بالكتاب والسنة والجلوس على معانيها وتنقيحها وتنقيبها لا بالنسبة له ليس شيئاً ذا بال وذا أهمية.

هنا تنتكس الدعوات ويفقد قد النصر، ولا تسألني لماذا تأخر النصر بعد ذلك؟ الله عز وجل كما يذكر البعض وإن كان الطاهر بن عاشور يعني يقول يعني لا يظهر له ذلك ويقول لا هنا ليس تنبيه من الله للنبي صلى الله عليه وسلم ألا يعني يتاثر بدعوتهم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما تروي بعض أسباب النزول أنه لما أكثروا عليه من اقتراح الآيات تأثر من جهة أنه حريص على أن يسلموا، فأراد أن يطلب من الله أنه يا الله نريد آيات حتى يسلموا، فأراد الله أن يخبره أن ما معك يا محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن كاف لإقامة الحجة والادله، فلا تستجب لضغطهم، فلا تستجب لضغطهم ولا تجعل كثرة سؤالهم واقتراحهم الآيات مع شفقتك عليهم من حيث حرصك على إسلامهم تجعلك تحاول البحث عن أساليب أخرى.

﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ﴾ [الأنعام: 35].

لكن الله لا يريد ذلك، يريد أن يبقى الكتاب والسنة التي توحى إليك هي موطن توجيههم، إن أرادوا أن يسمعوا مرحبا بهم، وإن أصروا على عنادهم فلا أسف عليهم.

ثم يقول الله عز وجل لنبيه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ﴾، والمقصد هنا إخبار النبي عليه الصلاة والسلام حتى يطمئن أيضاً، ترى يا محمد عليه الصلاة والسلام مهما فعلت لو أتيتهم بأعظم الآيات الحسية وأجلاها، هناك سنة ماضية وهناك قدر سابق أن الله شاء أن يكون الناس مؤمن وكافر، يعني هذه هي لسه قضية أخرى، مشيئة الله أن ينقسم الناس في البشرية إلى مؤمن وكافر.

طب لماذا شاء الله من الأزل أن ينقسم الناس إلى مؤمن وكافر؟ هناك حكم إلهية كثيرة، يراد أن تقام أن يقام سوق الجهاد وأن يوجد تسلط للكفار على المؤمنين، وأن يكون هناك منافسة بين الباطل والحق، وأهل الحق يجاهدون ويدافعون ويثبتون، هناك قدر سابق مهما فعلت مهما حاولت مهما أعطوك اقتراحات وأنت تريد أن تلبيها لن يسلموا جميعاً، لذلك قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ﴾، يعني هذه فيها إشارة أنه ممكن بعضهم يسلم، لكن أن تصل يا محمد صلى الله عليه وسلم يا أيها الداعية أن كل الناس تؤمن بدعوتك وكل الناس تخضع لك وكل الناس تقول لك وتبصم لك لن يحصل، لن يحصل.

فليكن اهتمامك بتثبيت دعائم الحق أكثر من الاتمام بماذا؟ بتكثير الجماهير، وهذا الذي يحصل مع البعض، لماذا البعض يترنح في طريق الدعوة إلى الله ويغير مناهج الدعوة؟ لأنه يريد ماذا؟ يريد أن يكثر العدد على حساب النوعية، لا نحن نريد النوعية الصحيحة فقط لا غير، وهذه النوعية الصحيحة هي التي ستتربى على معاني الكتاب والسنة فقط لا غير، هذا الذي نريده، وسيبقى الناس منقسمون إلى مؤمن وكافر، فما دام هناك مشيئة أزلية وقدر إلهي سابق بهذا الانقسام البشري فلا ينبغي إذاً أن تحمل نفسك فوق طاقتك، ولا ينبغي أن تحاول الاستجابة لطلبات هؤلاء.

﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، شوف الختام: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: 35]. يطرح بعض المفسرون سؤالاً: لماذا الله قال لنوح: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: 46]، بينما العبارة التي وجهت في السياق للنبي صلى الله عليه وسلم كانت أشد فقال: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾؟

صح، سيدنا نوح لما طلب من الله أن ينجي ابنه قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: 45-46]، يعني أنهاك أن تكون من الجاهلين.

والآن أي العبارتين تشعر أنها يعني أعلى وأقوى في في لهجتها؟ إني أعظك أن تكون من الجاهلين، أو عبارة: فلا تكونن من الجاهلين؟ قالوا العبارة التي وجهت هنا أشد.

طب لماذا العبارة التي وجهت جهت هنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أشد؟ قالوا: أولاً لعلو المنزله، فلما يكون هناك شخص أقرب إليك فإنك تشدد عليه حرصاً عليه، هذه أولاً قرب منزلة النبي عليه الصلاة والسلام فهو أقرب الأنبياء إلى الله. ثانياً طبيعة الموضوع الذي ناقش فيه نوح يختلف عن طبيعة الموضوع الذي ناقش فيه النبي عليه الصلاة والسلام، سيدنا نوح ناقش الموضوع ابنه فقط.

لكن هنا النبي عليه الصلاة والسلام كان يخشى أن يتاثر بماذا؟ ولولا أن ثبتناك، مش هيك ربنا قال: ﴿وَلَقَدْ كِتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 74]. كان يخشى أن يتأثر بكثرة اقتراحات المشركين عليه فيصبح يذهب إلى ربه يطلب منه يا رب أريد الآية الفلانية والآية الفلانية والآية الفلانية، كان يخشى عليه في موضوع محوري وخطير وهو موضوع منهج الدعوة، ركزوا في هذا إخواني هي معلومة مهمة جداً في هذا السياق.

كان يخشى أن يتأثر في موضوع ماذا؟ منهج الدعوة ومنهج الدعوة ومادة الدعوة هي مادة الوحي في كل زمان ومكان إلى يومنا هذا، لا كتب الفلسفة ولا جامعات الغرب ولا أي اقتراح يقترحه علينا أهل الفساد والباطل. نحن متجذرون في تعلقنا بالكتاب والسنة، ويجب أن يبقى هذا التجذر ويجب أن تبقى هذه الدعوة قائمة على معاني الكتاب والسنة واستثارتها وإسقاطها في واقعنا المعاصر.

فهنا الخطاب الذي موجه للدعاة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في موضوع خطير وهو موضوع ما هو المنهج الدعوي والخطاب الدعوي الذي يجب المحافظة عليه؟ الخطاب الدعوي هو: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: 51]، الاكتفاء والاستغناء بالقران والسنة، وتطوير أساليبنا في طرحهما وأنزالهما وإسقاطهما واستثارتهما.

أما محاولة تغيير الخطاب واستجلاب خطابات أخرى بديلة ووضع الكتاب والسنة على الرف، هذا من أسباب التخلف والضعة وليس من أسباب الرفع والعزة، ولن تقوم لهذا الدين قائمة إذا اختار الدعاة في جيل ما أو في محلة ما الاستغناء عن الكتاب والسنة والاتيان بمنهج آخر، لذلك كانت اللهجة عالية: فلا تكونن من الجاهلين.

طبعاً نحن نجزم أن النبي عليه الصلاه والسلام والعياذ بالله أن يققال أنه جهل، ولكن هو نوع ماذا؟ تنبيه قبل أن يقع المشكلة، يعني قبل أن تقع في الخطأ أقول لك ايش طاحر أن تجهل ها، مش بيجيك طالب تقول له ايش دير بالك تنسى هذا الموضوع، هو لسه ما نسيه بس أنت ايش بتقول له دير بالك تنسى، نفس الشيء هو لم يسقط في الجهل حاشاه صلى الله عليه وسلم مقامه الشريف، لكن هو إعطاء للدرس حتى لا يقع، ولولا أن ثبتناك فكان مطلوب هذه الهزة حتى يثبت.

وحتى لا يحصل تأثر ولا أي نوع استجابة لمقترحات هؤلاء القوم في طلب الآيات، فلا تكونن من الجاهلين. محاولة ها ايش إذاً ما هو الجاهلون إخواني ترى هذه معلومة مهمة هنا، ما هو الجهل هنا؟ محاورة البحث عن مناهج أخرى في الخطابات الدعوية استجابة لضغوط المشركين وأهل الباطل هذا من الجهل.

هذه قضية مهمة هنا وأعتقد أنها مفصل من مفاصل سورة الأنعام، توجيه رسالة واضحة إلى الدعاة: أحذر من هذا الزلل وأحذر من هذا الخلل، كثير من دعاتنا اليوم للأسف سقطوا فيه، كثير من المشايخ الذين نحسن الظن بهم سقطوا فيه جهلاً وعدم يعني قدرة على الثبات والرسوخ أمام الباطل ورغبة في ماذا؟ ركز ما الذي يجعل الداعية يغير خطابه الدعوي لخطابات أخرى بعيدة عن الكتاب والسنة؟ رغبة في سرعة حصول النتائج، فالله قال في الآية السابقة: فاصبروا، فاصبروا على ما كذب أوذوا، ما في مجال إلا الصبر، واستعجالك لتحصيل النتائج اللي بخليك تحاول البحث عن طرق أخرى وسائل أخرى هذا لن يكون في صالحك إخواني.

هذه فكرة مهمة أنه بعض الناس يغير الخطاب الدعوي ظاناً أنه سيزيد عدد المستجيبين للدعوة، فالله يقول لك هذا خطا كبير مفصلي إياك أن تسقط فيه، وطبيعة هذا الجمهور الذي ستستجلبه من خلال تغيير خطابك الدعوي هو جمهور هش لا يوثق به، هذا بنقوله للمشايخ والدعاة أنه تكبير قاعدتك على السوشيال ميديا وتكبير عدد المتابعين من خلال تغيير منهج الكتاب والسنة ووضعها على الرف هذا الجمهور الذي أتيت به هذا جمهور السوشيال ميديا فقط وليس جمهور الدين، ليس من يركن عليهم أن نبني الأمة على أي أفكارهم وعقولهم وأجسادهم وجهادهم، لا يوثق بهؤلاء، هذا جيل هش قابل للزوال في أي لحظة، فضروري جداً المحافظة على نقاء الدعوة، لذلك ماذا قال بعد ذلك النبي؟

الآن النبي عليه الصلاة والسلام زي ما قلنا هو حزين على ماذا؟ أنه هؤلاء مش عم يستجيبوا مش راضين يستجيبوا، فالله يقول له: اثبت، اثبت على خطابك الدعوي: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام: 36].

إنما أدوات حصر، إنما سيستجيب، طبعا يستجيب الألف والسين والتاء هنا كان نوع التأكيد وليس للطلب، إنما يستجيب يعني يجيب، إنما يستجيب بمعنى ايش يجيب؟ يعني إنما يجيبك إلى ما تدعوه إليه الذين يسمعون.

ما المراد بالسمع هنا؟ الكل يسمع إخواني، الكفار يسمعون، فليس المراد بالسمع وجود الحاسة، لا، يسمعون يعني يفهمون ويعقلون سماع استجابة، وكان المراد بالمعنى الدعوي أنما يستجيب الذين حواسهم تعمل بالشكل الصحيح متيقظون، ما زالت الفطرة عندهم مستيقظة، أدواتهم سمعهم وأبصارهم وقلوبهم وعقولهم ما زالت فعالة شغالة ما ختم على قلوبهم وأبصارهم.

في الصفحة السابقة تكلم عن الكفار بأنهم ماذا؟ ﴿عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام: 25]، وأن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، تعطلت حواسهم عن إدراك الإيمان، فيقول له سبحانه من سيستجيب لك؟ هم الذين لم تتعطل حواسهم عن الفهم والتعقل، ويتعاملون مع هذه القضايا بعقلانية وفهم وجدية، هؤلاء راح يستفيدوا، هؤلاء الذين يطمع لهم وهؤلاء سيجدون الكفاية في الكتاب والسنة.

الذين يسمعون سيجدون الكفاية في الكتاب والسنة، لن يقترحوا عليك أنزال الآيات؛ لأنهم عقلانيون موضوعيون باحثون عن الحق، فهؤلاء الذين يعملون عقولهم وأسماعهم وأبصارهم ويوظفونها بالشكل الصحيح سيستجيبون لا محالة.

وأما الموتى والموت هنا هو موت القلب وليس موت الجسد هذا ركزوا فيه، والموتى يعني من تعطلت حواسهم وعقولهم شبههم الله بالموتى، هذا ميت حتى ولو تراه يأكل ويشرب، هو في النهاية ميت القلب؛ لأن الحياة الحقيقية التي تستحق أن تسمى حياة هي حياة القلوب، فمن مات قلبه وعاش فقط لجسده فهذا ميت هكذا سماه الله.

﴿وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾، إذا بعثهم الله أكثر المفسرين يبعثهم الله يعني يوم القيامة، وذهب بعضهم إلى أن المراد: والموتى يبعثهم الله يعني بيعيش في الحياة الدنيا ما يعيش، يبعثه الله في الدنيا يعني الله أعيشه في الدنيا ما يعيش 60 70 سنة ثم إليه يرجعون، وهذا فيه تهديد لهؤلاء.

إذاً إنما يستجيب من استيقظ قلبه وعقله وسمعه وبصره ففكر وخضع واستجاب لما تقتضيه الأدلة، وأما من كان ميت الحواس ميت القلب موتى فهذا يبعثهم الله عن المعنى الثاني يعني بيعيش ما يعيش في الدنيا ثم سيرجع إلى الله حيث الحساب العسير.

وبالتالي أنا كداعي إلى الله وأنت كداعي إلى الله وأنت كداعية إلى الله أنت لن تستطيع أن تهدي الناس جميعاً هذه بدك تفهمها، فالمطلوب منك أنه لا تضيع وقتك في البحث عن مناهج أخرى وأساليب غير أساليب الكتاب والسنة، أعكف على الكتاب والسنة بسطها، سهلها، علمها، أرشدها، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وانتهى، لا أحيي نفسي فوق طاقتي ولا أحمل مشاعري وأحاسيسي فوق طاقتي وعلي أن أرضى بحكم الله الكوني القدري، سيبقى الناس ما بين مؤمن وكافر خلاص انتهت القضية.

بالتالي من خلال هذه الأيات من آيات رقم 33 إلى آية رقم 36 نستطيع نقول هذه الآية وردت فيها مجموعة من المثبتات للداعي، نستخلص منها كفكرة خمس مثبتات يجب أن يستصحبها الداعي إلى الله معه. القضية الأولى، أول مثبت من المثبتات: معرفة الداعية أن أهل الباطل يعلمون صدقه وقوة حجاجه وأدلته، وإن كانوا يتصنعون في الظاهر الازدراء بك والتقليل من شأنك.

أول شيء يثبتك: ومن أين أخذنا هذه الفائدة؟ ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام: 33]. إيقان الداعية بأن من يواجههم من أهل الباطل ويناظرهم مفلسون في حجاجهم، وأنهم يعلمون أنك تتكلم بعقلانية وموضوعية؛ لكن القضية هي مواربة وتصنع.

هذا بحد ذاته بالنسبة لك شعور مطمئن. الله يقول لك: ترى هم يعرفون لكنهم لا يريدون؛ بالتالي أنا ثابت وراسخ ولست متزعزعاً لأنني ما شككت في نفسي لحظة واحدة.

ثانياً: من المثبتات الصبر، ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام: 34]. أنت بدك تعرف طبيعة هذا الطريق؛ هو طريق يقوم على الصبر. من لا يريد أن يصبر لا يدخل في ميدان الدعوة. هكذا هو الطريق، افهم طبيعته، فصبروا.

ثالثاً: من المثبتات الاعتبار بما حصل مع الدعاة السابقين؛ فإن التاسي بالكرام كرام من صنع الكرام. من أين أخذنا هذا؟ ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام: 34]، وأيضاً ختم: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: 34]. فاطلاعك على أحوال الدعاة السابقين وما حصل معهم من اللواء والبلاء، ثم كيف أن الله سبحانه وتعالى كلل حياتهم إما بالشهادة أو الانتصار، هذا بحد ذاته أيضاً شكل من أشكال التثبيت.

ولماذا قص الله علينا القصص في القرآن؟ أليس لنثبت به فؤادك؟ ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: 120]. إذاً، النظر في قصص الثابتين من السابقين يزيدك يا أيها المسلم ثباتاً على المبدأ والعقيدة التي تعيش من أجلها.

رابعاً: إدراك المؤمن الداعية أن الله فرغ من شأن خلقه، وفرغ من تقديرهم لهم، وأنهم سينقسمون إلى مؤمن وكافر، أيضاً يثبتك على طريقك؛ أنه مش دائماً الغلط منك، لا أنت تتكلم بالشكل الصحيح لكن هي سنة الله أن هناك مؤمن وهناك كافر، فبالتالي ماذا أعل؟ هذا شيء فرغ منه في القدر.

إذاً، من مثبتات الداعية إدراكُه لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: 35]. هذا يقدر من المثبتات الإيمان بالقضاء والقدر السابق بإرادة الله الكونية أن الناس سيبقى منهم الكافر؛ بالتالي لا أحمل نفسي فوق طاقتي، ولا أعتبر نفسي مسؤولاً عن بقاء بعض الكافرين في هذا الكوكب. هكذا أراد الله سبحانه وتعالى لحكمة شاء عز وجل، المهم أن أبقى ثابتاً على مبادئ الدعوة.

خامساً وأخيراً في هذه النقطة: ثقة الداعية بأدلته، وأنها كافيه شافيه وهو يستغني بها. هذه قضية مهمة جداً؛ ثقة الداعية بما لديه وألا يبحث عن مناهج أخرى ولا يتطلب من الله أشياء أخر. اسلك على ما سلك عليه سلفك الصالح، الكتاب والسنة. وأين موطن الشاهد على هذه الفكرة؟ الثقة بما لديك؛ ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَاتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: 35].

وكان هذا قالوا فيه تأنيب، طبعا هذه فيها وجه ثاني أيضاً ربما ما ذكرت، إن قلت فيها وجهين: الوجه الثاني ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾. الطاهر بن عاشور وبعض المفسرين قبله يقولون: هذا ليس تأنيباً، وإنما إخبار عن حقيقة؛ وأنه يقول له: مهما فعلت من أجل هدايتهم، فإن هؤلاء الذين تعاملهم قوم بهت لن يسمعوا ولن يستجيبوا.

هؤلاء الذين يقترحون عليك الآيات مع وجود أدلة الكتاب والسنة الواضحة ومعجزة القرآن الجرية، هؤلاء ليسوا معياريين وليسوا موضوعيين؛ فلو أتيتهم بأعلى معجزة من باطن الأرض أو من أعلى السماء فافعل، فإنهم لن يستجيبوا وسيقترحون غير ذلك آيات وآيات وآيات وآيات؛ لأنه ذاك الذي يقترح الآيات مع وجود الآيات الباهرة في في القرآن ومعجزته، هل هذا باحث عن العلم بمعيارية؟ هذا فقط يحاول أن يتملص من الهدى من خلال اقتراح شيء يحاول أن يحرجك به.

هذا ليس باحثاً، ليس جاداً، لا يملك إرادة حقيقية؛ فلو سلكت وابتغيت نفقاً في الأرض تبحث فيه عن آية تأتيهم بها، أو طلبت سلماً ودرجاً تصعد به إلى السماء لتاتيهم بآية فأتيتم بآية، سيبقون على عنادهم. فارح نفسك وارح قلبك، ولا تأسف على مثل هذا الصنف.

فإذاً، على التفسير الثاني أو التوجيه الثاني هو لا يعني، كما يقول، يعني خلينا نقول عبارة دقيقة: لا يعاتبه على أنه يريد اقتراح الآيات -يعني هم يقترحوا الآيات فهو أراد أن يطلب من الله، هو لا يعاتبه على ذلك كما يقول بعضهم- بل هو أراد أن يخبره عن حقيقة وجودية أن هؤلاء لن يؤمنوا، لأنهم لو كانوا باحثين عن الحق لو وجدوه في القرآن واضحاً جلياً؛ تكفي معجزة القرآن فضلاً أيضاً عن العلامات الأخرى التي تدل على صدقك.

أنت لست مجهولاً لهم، وليس الكلام الذي تقوله بعيداً عن الحقائق ولا توجد عليه الأدلة الكافية، فالجاد سيجد الحق، فبالتالي لا تأسف على هؤلاء. هذه طريقة أخرى في تفسير هذا النص.

لذلك ماذا قال بعد ذلك؟ وقالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الأنعام: 37]. أه، هنا صرح بما كانه مضمون السابق؛ أنه كان صلى الله عليه وسلم طرح عليه من كفار قريش أن يأتي بالآيات.

فيقول سبحانه وتعالى على ألسنتهم ماذا كانوا يقولون للنبي عليه الصلاة والسلام بشكل متكرر؟ هذه كانت إحدى واضح أساليبهم الأساسية في التشويش: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 37].

طيب، الآن في الصفحات في الصفحة الأولى هم ماذا قالوا؟ لولا أنزل عليه ملك، في آخر آخر آية في الصفحة الأولى آية ثمانية، اقترحوا لولا أنزل عليه ملك، اقترحوا شيئاً معيناً هناك. أخبرنا الله لماذا لا يريد انزال الملائكة عليهم كما طلبوا لأمرين؛ لأنه لو أنزل ملك ولم يؤمنوا على صورتهم الملائكوية سيتم استئصالهم، فأخبر أن عدم استجابته لهم ما سببه؟ رأفة بهم، يعطيهم مجال ومساحة، خلهم ياخذوا وقت ومساحة -يعني لم يستجب لهم رأفة بهم-.

هنا يخبر عن علة أخرى لماذا لا يستجيب لاقتراح الآيات سبحانه فقال: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾. هنا تكلموا عن أي آية، أي آية. هناك: لولا أنزل عليه ملك، أرادوا شيئاً معيناً، هنا الكلام على وجه العموم: لولا نزل على محمد صلى الله عليه وسلم أي آية حسية.

فيقول سبحانه: قل لهم ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ [الأنعام: 37]. طيب، ما هو الجواب هنا؟ يعني كيف أجابهم هنا؟ هل كانوا هم شاكين في قدرة الله؟ هل كفار قريش كانوا شاكين في قدرة الله؟ لا، هم يعلمون أن الله قدير، كفار قريش كان عندهم ذلك.

إذاً، ما معنى ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾؟ أه قال المفسرون: هذه فيها كناية على ماذا؟ أنني قادر ولكنني لن أفعله؛ وهو يقول لهم: قل لهم، الله قادر على أن ينزل آية، وأنتم تعرفون أنه قادر، ولكنه لا يريد أن يفعل ذلك؛ لأنه لا ينزل الآيات بناء على اقتراحاتكم، وإنما ينزل الآيات على ما يراه هو سبحانه وتعالى؛ إن شاء أنزلها نزلها، وإن شاء أباها. فقد جاءكم من الآيات ما فيه كفاية للمسترشد وللمستهدي.

فإذاً، معنى أن الله قادر على أن ينزل آية، هذه جملة هم يقرون بها: أن الله قادر، وأنتم تعلمون ذلك، ولكن، طب ما معنى ذلك؟ بقول لك: أنا قادر أن أنزل آية، لكنني لا أريد ذلك. هذا ما يراد ضمنياً، لأنه أصبح الموضوع الآن قائم على الاستهزاء وليس على الاستهداء، قائم على التعجيز وليس على الترشيد؛ وبالتالي سبحانه وتعالى لا يخضع لرغبات العباد.

إذاً، هو قادر على أن ينزل آية ولن يفعل ذلك على طلباتكم، إذا هو شاء أن ينزلها ينزلها، هو سبحانه أراهم معجزة انشقاق القمر، أراهم بعض المعجزات الأخرى؛ لكن أن تكون المعجزه بناء على الاقتراح، هذا ليس بصحيح، هذا ليس بصحيح لأن هذا الكافر سيستمرئ هذه القضية كما فعل بنو إسرائيل. بنو إسرائيل أصبحوا يقترحون على موسى: لماذا لا يفعل الله لنا وأريد كذا، ادعو لنا ربك، ادع لنا ربك، ادعو لنا ربك. لا، هنا أصبح الدين مبني على إيش؟ على أنه النبي عليه الصلاة والسلام سيصبح وسيط مفاوضات بين البشر وبين الله سبحانه، يأتي: لا ادعو لنا ربك، على نمط بني إسرائيل، وياتي الله يستجيب، ثم ادعو لنا ربك. وهذا النموذج الله سبحانه وتعالى حذر من نموذج بني إسرائيل، نحن مش نموذج اقتراحات، وهذا دين وهناك إله، والإله سبحانه وتعالى لا يستهزأ به ولا يعبث معه؛ فلذلك كان لابد من الحسم: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 37].

لماذا قال أكثرهم وليس كلهم؟ لأن الآن الأكثرية تدل على أن البعض يعلم. طيب، هذا سينبري على تفسيرنا، ما معنى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾؟ يقولون: المراد بنفي العلم هنا أن عوام المشركين، السواد الاعظم منهم، كانوا يعتقدون فعلا جهلاً منهم أنه إذا النبي عليه الصلاة والسلام قلنا له جيب هي الآية وما جابها، إذاً هو أكيد ليس بصادق وعاجز؛ فجعلوا تلبية النبي صلى الله عليه وسلم للمقترحات هو دليل الصدق.

عتاولة المشركين، الفئة المثقفة منهم، كانوا يعرفون لأن هذا ليس كلاماً صحيحاً، ويعرفون أن النبي عليه الصلاة والسلام قامت الأدلة التي تدل على صدقه وانتهت -يعني لا يحتاج إلى شيء آخر يدل على صدقه-. فلاحظ دائماً في الكفار تجد العامل مسكين ذهنه الجاهل، وهم السواد الأعظم، وتجد المثقف اللي بيعرف، كله في بيئة الكفار.

فعوام الكفار، حتى يعني عفواً، شوف على السوشيال ميديا كيف أن أكثر الناس استدلالاتهم جاهلة، يعني ما هي، ما عندهم معايير علمية. لما ياتيك قرآن بكل هذا الانبهار والعجز عن الاتيان بمثله وأنت لا تستطيع تأتي بمثله، ثم تعتقد أنه ما زال هناك شكوك حول النبي عليه الصلاة والسلام وانه إذا لم يلبي طلبه بالاتيان بهذه الآية هذا دليل على عدم مصداقيته؟ وانه مين قال لك أن هذا دليل علمي على عدم مصداقيته؟ ما هو أتاك بمعجزه وانتهت. هل إذا لم آتي بمعجزه ثانيه وثالثه ورابعه هذا دليل على عجز وضعفي؟

أه، فلما ربنا قال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، هو يشير إلى أن السواد الأعظم من أهل الباطل لا يعرفون أوجه الاستدلال الصحيح؛ فيطلبون الآيات ويقترحونها ظناً منهم أن هذا هو المسلك الصحيح لإثبات صدق النبي عليه الصلاة والسلام. ولكن الواقع أن معجزة واحدة تكفي لإثبات صدقه، وهذا عقلاء الكفار كانوا يعرفونه؛ فعتسبة بن ربيعة كان يعرف أن المعجزة قامت وانتهت، ويعرف أن النبي عليه الصلاة والسلام لا تعوزه الأدلة.

لكن عوام القريشيين أي نعم كانوا يتاثرون بالحالة الاعلامية التي يصنعها العتاولة، ففعلاً يقع في ذهنهم فعلاً أنه أه والله لسه ما قام الدليل الواضح، هي مشايخنا واسيادنا طلبوا منه أن ياتي بايات ما أتا بها؛ أه إذاً هذا دليل على عجزه. لا يا جماعه، ليس دليلاً على عجزه، ترى أنتم ما تعرفون، أكثركم لا يعرف أوجه الاستدلال، فالمعجزة الواحدة تكفي وهي الدليل الكافي، وعقلاؤكم يدركون ذلك ولكن أكثركم جاهل بطرق التفكير.

وهذا أيضاً بيعطي أريحية للداعية إلى الله أن يفهم أن عوام اهل الباطل هم جهال بأساليب الاستدلال ولا يعرفون إقامة الحجاج؛ وبالتالي لا يشكي عليك أن أغلبهم يكذبك -طبعا أكثرهم لا يعلمون ما بيعرفوا طرق الاستدلال على المسائل وكيفية المناهج الصحيحة في إقامة الحق- فتكذيبهم متوقع من هذا الجهل، لكن عقلائهم يعرفون أوجه الاستدلال، واقتراحهم الآيات هو فقط عناد وتلاعب.

نقفل اليوم عند هذا القدر، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.