دخولتسجيل الدخول

مجالس الوحيين | تفسير وتدبر سورة الأنعام المجلس الخامس [من الآية 38 إلى الآية 53 ]

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. حياكم الله الإخوة والأخوات في مجلس جديد، نتاكد من جودة الصوت. حياكم الله.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. فاللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس الوحيين، حيث نعيش في ظلال الكتاب والسنة.

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الذين يمسكون بالكتاب ومن أهله، فاستمسك بالذي أوحي إليك. وأنصحكم نصيحة أيها الأحبة، أيها الإخوة والأخوات، في مثل هذه الأزمنة والفترات، ألا تبرحوا أماكنكم؛ الزموا ثغور العلم، والزموا ثغور التعلم، واستمروا في سماع المحاضرات وتدوينها ونشرها؛ سواء كان الحضور وجاهياً أو عبر الشاشات، فإنكم ترادون لأمر عظيم. وإن القادم سيكون شرساً صعباً يحتاج إلى ثبات على الحفاظ على الهوية، وعلى العقيدة الصحيحة، وعلى التمسك بدين الله سبحانه وتعالى، حتى لا تنطمس الأفكار، وحتى لا تشوه العقائد، وحتى لا تنحرف البوصلة. كونوا متجذرين في سماعكم، في حضوركم، في انتباهكم، في تفاعلكم، كونوا عارفين بماذا يراد لكم، كونوا متيقظين منتبهين، فإن القادم صعب، ولا تظنوا أن ما بعد غزة سيكون أسهل مما قبلها.

لا والله، إنني فيما أتقد والله أعلم أن القادم سيكون صعباً في التضييق على الكلمة، وعلى الرسالة، وعلى الدعوة، وكل الأماكن التي لا يحبذونها ستجدون تضييقاً ومحاولة للإغلاق، ومحاولة للابعاد، ومحاولة للإشغال، فلا مناص من الثبات، وأن تكونوا حاضرين بأيديكم مصاحفكم، كتاب الله سبحانه وتعالى، سنة النبي صلى الله عليه وسلم، دفاتركم، أقلامكم. اثبتوا وانشروا وحافظوا على هذا العلم في بيوتكم، في مراكزكم، في مساجدكم، في أي مكان يطاله صوتكم؛ لأنذركم به ومن بلغ. هكذا علمتنا سورة الأنعام، وهكذا علمنا كتاب ربنا سبحانه وتعالى؛ لا مناص ولا بديل من أن نبقى هنا، من أن نبقى حاضرين مهما يراد لنا، أن نحافظ على صوت هذا الدين الصحيح بإذن الله ليصل إلى الأجيال القادمة. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يمكن لدينه، ويثبتنا على نشره وعلى تعلمه وتعليمه والعمل به، وألا يحرمنا من هذا الشرف بذنوبنا وخطايانا وتقصيرنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أيها الكرام، ما زلنا نعيش في ظلال سورة الأنعام، وقد انتهى بنا الحديث إلى قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ۚ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّهَ آيَةً وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 37]، وهذه ختمنا بها أظن المجلس الماضي، وهي في سياق إحدى المشاكل الفكرية المستعصية التي كانت عند كفار قريش وتوجد عند غيرهم في مواجهة الحق، وهي أنهم لا يريدون أي دليل بل يريدون دليلاً معجزا خارجاً عن السنن الكونية، خارقاً للعاده حتى يؤمنوا، وليسوا حتى في هذه الحاله بصادقين، وإنما هم معاندون. وهنا سبحان الله يبهرني القرآن في إعطائه للنبي صلى الله عليه وسلم ولكل من يحمل الدعوة من بعده إعطاء قاعدة مهمة جداً، وهو أن الإسلام والقران هو لا يريد فقط الغاية، وهي أنه الشخص يسلم بأي شكل كان، ولو كان هذا هو الهدف والغايه في النظر الإلهي لاستجاب الله سبحانه وتعالى لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم بأن يأتي قومه بآية حسية رغبة في حصول النتائج وانتهى الأمر، ولكن الله سبحانه وتعالى يريد المؤمن صاحب المنهج القويم في الإيمان.

القرآن الكريم أيها الكرام لا يصنعك فقط مؤمناً، بل يصنع منك شخصية تعرف كيف تستدل على الإيمان. هؤلاء الكفار الذين أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن، والذي وصفه الله: أولم يكفيهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم؟ رغم كل الآيات الواضحة الجلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى إعجاز الكلام الذي أتى به، وعلى إعجاز التشريع الموجود ضمن هذا الكلام، كل هذه الآيات التي تدل على وجود الله سبحانه وعلى وحدانيته، وعلى صدق نبيه، وعلى الدار الآخرة، وعلى صحة الإسلام عموماً، كل هذا لم يقنعهم، ولذلك اخذوا يطالبون النبي صلى الله عليه وسلم في بمطلع سورة الأنعام، هذا كان النقاش الأكثر حضوراً، يطالبونه ويقترحون عليه انزال آيات من نمط آخر. فكان الله سبحانه وتعالى يقول لنبيه: نحن لا نريد هذا النوع من الناس الذي هو لا يريد أن يصل للحقيقه إلا إذا كان الدليل خارقاً للعاده، لأنه هذا النوع لو تنزلاً آمن، ترى هذا إيمان هش، لأنه لم يقنع بكل الأدلة الصحيحة الموصلة إلى الحق، بل هو لا يريد إلا دليلاً من نمط غريب معجز، ما سوى ذلك من الأدلة الصحيحة الظاهرة البينة لا يراها مقنعة.

هذه الشخصية لو أسلمت على هذه الطريقه ستكون متعبة في الصف الإسلامي، أنه هذه ليست شخصية سوية، ليست نفس قويمة، ليس الإنسان الذي يركن عليه في بناء الإيمان، ثم بناء المجتمع المسلم، ثم بناء الحضارة، وأن يدعو إلى الله، وأن يجاهد في سبيله. ذاك الإنسان الذي يراد له أن يكون فرداً من أفراد هذا الدين، هو الذي يفكر بطريقة صحيحة، ويستدل بالأدلة الموجودة التي فيها الكفاية والغناء، أما تلك النوعية الأخرى المعايدة التي لا تريد الأدلة الخارقة للسنن، هذه ليس كنزاً وليس شيئاً ثرياً للإسلام أن يضمها إلى صفه. وهذا كان خطاب الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِي نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بآية﴾. أما سبحانه لا يريد أن يجعل تدينهم ودخولهم في هذا الدين بناء على رغبتهم وأهوائهم، بل بناء على ما يقتضيه النظر والعقل الصحيح، هذا الذي يؤمن بناء على حرص على الهدايه، وحرص على الوصول إلى الحقيقه، وينظر بالأدلة نظراً موضوعياً، فإذا قادته إلى شيء تبعها. هذا النموذج هو الذي نريده، لأنه هو الذي سيخدمنا، وهو الذي ستستمر عليه الدعوة وتنهض عليه، وهو الذي سيكون معيارياً موضوعياً، ولا يأخذ الأمور دائماً بالمعجزات والكرامات والاشياء الخارقة للعاده حتى يصح تدينه وعلاقته مع الله سبحانه.

ولذلك لاحظوا استفاضة سورة الأنعام في مطلعها في معالجه هذه القضية، قضية طلب طلب المشركين من النبي صلى الله عليه وسلم تغيير نمطه الدعوي، اللي سميناه في الدرس الماضي تغيير الخطاب؛ أنه نحن القرآن لسنا مقتنعين به كفاية، نريد شيء أكثر إبهاراً، أكثر لمعاناً، شيء حسي بين يدينا نراه، وليسوا بصادقين طبعا، لكن هو حالة العناد. فالله عز وجل يقول لهم: وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه، وهذا دلاله على أنه تكرر منهم هذا الطلب. فالله عز وجل قال له: قل لهم إجابة عن هذه عن هذا الطلب إن الله قادر على أن ينزل آية، لكن ما هو التقدير؟ كما قلنا في الدرس الماضي: لكنه لن يفعل ذلك. الله عاجز أن يفعل ذلك؟ هو ليس عاجزاً، قادر أن ينزل آية حسية تبهركم، لكنه التقدير: لكنه لن يفعل ذلك لأنه لا يريد هذا النمط من التدين، لا يريد هذا النمط من المنضمين إلى هذا الدين، بل نريد الصادقين الباحثين عن الحق بموضوعية، هؤلاء من سيخدمون.

ولذلك قال سبحانه: ولكن أكثرهم لا يعلمون. كما قلنا، هؤلاء هم العامة، العامة هم الذين كانوا يظنون أنه عدم اتيان النبي صلى الله عليه وسلم بمعجزة خارقة بناء على طلبنا هو دليل على عجزه. هكذا كانوا فعلاً لا يعلمون أوجه الاستدلال الصحيح وطرق التفكير القويم، ولكن هناك قليل منهم وهم الطبقة المثقفة المتعلمة، ما خلينا نسميها دائماً الأسياد، هم الذين يعرفون أن محمداً صلى الله عليه وسلم أتى من الأدلة ما فيه كفاية وانه قامت حجته، ولكنهم يصرون على محاربته حرصاً على سيادتهم لئلا تزول: وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم. شوف مشكلة أبو جهل وين كانت لما اقترح هذا الموضوع؛ إذا أنت مش مشكلتك أن الحق الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم والأدلة ليست كافيه، هي كافيه، لكن أنت مشكلتك لماذا هو دون غيره يخص بانزال هذا الكتاب؟

فلذلك الله سبحانه وتعالى حتى يلجم هؤلاء الأكثر، وحتى يكشف لهم الحقيقه، مش قلنا: ولكن أكثرهم لا يعلمون، اللي هم السواد الأعظم من أهل الباطل من عوامهم الذين يظنون أن عدم استجابة طلباتهم في انزال الآيات دليل على ماذا؟ على عدم صدق النبي صلى الله عليه وسلم؛ فيقول سبحانه: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: 38]. كأن هذه الآية أيها الكرام هكذا استشعرها أنها تاتي لإجابة أو للإجابة عن سؤال مضمن عند هؤلاء العامة الطغام من الكفار والمعاندين عموماً، وهو: لماذا لا يستجيب الله سبحانه وتعالى لنا وينزل آية حسية تبهرنا وينتهي الأمر؟ لماذا لا يستجيب الله سبحانه وتعالى لنا؟ أليس الله عز وجل حريص على هدايتنا؟ أليس حريص على مصالح البشر وأن ياتيهم بما يققنعهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور؟ هكذا، هذه كانت أسئلة ربما تجول في خاطر هؤلاء الأكثر الذين لا يعلمون.

فتأتي الإجابة: الله سبحانه وتعالى لم يهمل مصالح المخلوقات ولم يهمل مصالح البشر تحديدا، والدليل على أنه سبحانه وتعالى لم يهمل مصالح البشر وانه انزل لهم ما فيه الكفاية والغناء، هو أنكم إذا نظرتم وطوفتم النظر في كل دابة في الأرض من ذوات الأربعة، أو طائر في السماء يطير بجناحيه، ستجدون هذه الدواب وهذه الطيور سبحانه وتعالى رعى مصالحها ورعى شؤونها وتكفل لها بأقواتها وأنفاسها وأماكن معيشتها؛ فما هي إلا أمم أمثالكم، يعني كما أنتم ترزقون وتعيشون وتوفر لكم الأمطار ويخرج لكم من الأرض وسخرت لكم البحار، كذلك الله سبحانه وتعالى رعى كل الدواب فألهمها رشدها وطعامها وشرابها، وكيف تغدو بطاناً وتروح خماصاً. كيف تغدو خماصاً وتروح بطاناً؟ وعلمهم وأرشدهم طرق التزاوج والتناكح والتناسل واكتثار العدد، الله سبحانه وتعالى رعى مصالح البهائم والحيوانات، رعى مصالح الطيور في السماء. ألا يرعى مصالحكم يا بني البشر؟

هل تظنون أن الله سبحانه وتعالى قصر في حقكم وفرط في أمركم لما لم يستجب لاقتراحاتكم؟ شوفوا الكلام، هل تظنون أن الله سبحانه لم يرعى مصالحكم تمام الرعايه لما لم يستجب لطلباتكم في انزال الآيات؟ حاشاه سبحانه وتعالى، فانتم اذا نظرتم في المخلوقات من دواب وطيور ستجدونها أمماً أمثالكم مرزوقة موجهة ملهمه، تعرف كيف تتعايش؛ من الذي علمها، من الذي أرشدها إلى مصالحها، من الذي دبر لها شؤونها؟ ما فرطنا في الكتاب من شيء. وكلمة الكتاب هنا لها تفسيران؛ التفسير الأشهر عند أهل العلم أنه اللوح المحفوظ، وسيكون ربط هذه الجمله بما سبق أننا ما قصرنا في الكتاب، يعني في اللوح المحفوظ من شيء من أمر المخلوقات جميعاً. وأنت يا أيها الإنسان لأنك أكرم المخلوقات على الله سبحانه وتعالى فيقول سبحانه: ما فرطنا في الكتاب، كل ما يحتاجه هؤلاء البشر والدواب والحيوانات من امور معاشهم ورزقهم وحياتهم كلها قدرت وكتبت سابقاً وانتهى منها. أفتظنون أنه سبحانه وتعالى لا يرعى مصالحكم باستجابه مقترحاتكم؟ أنا بيهمني تعرف السياق ما الذي يراد به إذاً.

ما فرطنا في الكتاب من شيء، فكتبنا في اللوح المحفوظ أرزاقكم وآجالكم وأعمالكم ومعايشكم وكيف ستكون حياة، ودبرت تدبيراً على كامل الإتقان، حاشاه سبحانه أن يكون عدم استجابته لاقتراحاتكم تقصيراً منه في مصالح البشر. ثم هذه البهائم وهذه الطيور لم يرعى الله عز وجل مصالحها فقط في الدنيا بل حتى في الآخرة فقال: ثم إلى ربهم يحشرون، وهذا تمام الرعايه كما جاء في الحديث: حتى يقتص للشاه الجماء من الشاه القرناء يوم القيامة. حتى البهائم سيقتص بعضها من بعض، كما أنكم تحشرون إلى الله حتى توافى الحسنات والسيئات وحتى يقتص من بعضكم بعض، كذلك من تمام الرعايه أن هذه البهائم وهذه الدواب وهذه الطيور أيضاً إلى ربهم يحشرون. فهذا كأنه نوع إجابة لما يمكن أن يجول في خاطر هؤلاء المعاندين من أن الله سبحانه وتعالى لم يرعنا تمام الرعايه، أو لماذا يقصر إذا كان محمد صلى الله عليه وسلم صادق في دعواه لماذا يقصر في أمرنا فلا يرسل لنا الآيات المقترحة؟ لا، هذا ليس تقصيراً ولا إهمالاً، بل الأصلح لكم كما مر معنا أن يستجيب الله لاقتراحاتكم؟ الأصلح لهؤلاء ألا يستجيب الله لاقتراحاتهم، لأنه لو استجاب لاقتراحاتهم فكفروا هلكوا ثم لا ينظرون، مش هيك مر معنا في الصفحة الأولى من سورة الأنعام: لقضي الأمر ثم لا ينظرون، وبعض الآيات قد يكون فيها ولبسنا عليهم ما يلبسون.

ستجدون أن استجابة الله لاقتراحاتكم ترى ليست هي المراعي لمصالحكم، بل العكس؛ من قمة رعايه الله لمصالح البشر ألا يستجيب لتفاهتهم ولا لمعاندتهم ولا لمكابرتهم ولا لاقتراحاتهم، بل يمهلهم ويعطيهم الفرص تلو الفرص لينظروا في الأدلة الصحيحة نظراً قويماً لمن كتب له ذلك ومن لم يكتب له ذلك فلا يؤسف عليه. إذا فهمنا ما ارتباط هذه الآية بالتي قبلها: وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم. المراد بالمثلية هنا: أمثالكم، يعني رعيت مصالحكم كما رعيت مصالحكم، ودبر أمرهم كما دبر أمركم. أفيَدبِّر الله شأن الدواب والطيور ويغفل عن تدبير ورعايه مصالح البشر وهم أكرم الخلق على الله سبحانه، فاسجد الملائكة لسيدنا آدم، حاشاه سبحانه! ما فرطنا في الكتاب من شيء، كل شيء لمصالحكم وامركم وحياتكم دون في اللوح المحفوظ قبل أن تخلقوا، تريدون تدبيراً أعظم من هذا ورعاية للمصالح أعلى من هذا؟ ثم هذه المخلوقات كلها ستحشر إلى الله كما تحشرون أنتم. وهناك تفسير آخر للكتاب وهو أن المراد بالكتاب القرآن.

التفسير بناء على هذا كما قلنا في البداية: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: 38] رعى الله مصالحها وشؤونها، ثم أتى بجملة معترضة فقال: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38]، يدل على وحدانية الله وصدق نبيه والدار الآخرة إلا وبيناه.

يعني إذا قرر أنهم أمثالكم، ولم يفرط في مصالحهم، إذا عليكم أن تنظروا في القرآن لتجدوا أنه سبحانه أقام في القرآن من الأدلة الباهرة والحجج الواضحة على صدق توحيده وصدق دعوة نبيه وصدق الدار الآخرة ما فيه الغناية والكفاية. إذاً: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، المراد: البعض يقول لك: ما فرطنا في القرآن من شيء، تجد البعض يقول لك: طب القرآن يا شيخ لا نجد فيه قواعد الفيزياء والكيمياء، لا نجد فيه مسائل الرياضيات والأحياء. لا، ما هو أنت هذا عام أريد به الخصوص، ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ المراد من شيء يدل على التوحيد، ويدل على قضايا العقيدة، ويجيب عن الأسئلة الوجودية الكبرى، القرآن لم يفرط فيها أبداً.

فالقرآن لم يأت ليكون كتاب معادلات فيزيائية أو رياضيات ولا مستودعاً لمعلومات فلكية، وإنما أتى لهداية البشر إلى خالقهم سبحانه وتعالى، فإذا هدوا إلى خالقهم هدوا كيف يفعلون في دنياهم ويديرون شؤونها. فإذاً على التفسير الثاني: ما فرطنا في القرآن من شيء تحتاجونه لتستدلوا على صدق الدعوة إلا وبيّن وفيه الكفاية. فإذا أنتم ما زلتم مصرين على فكرة اقتراح الآيات فالمشكلة عندكم، وإياكم ها، إياكم أن تتهموا ربكم سبحانه عز شأنه أنه قصر في رعاية أموركم وأنه لم يعني يراعينا فيستجيب لطلباتنا التي اقترحناها، عندكم ما فيه الكفاية. ولذلك ماذا جاءت الآية التي بعدها: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: 39].

فسبحانه لما قال: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، إذا حملنا الكتاب على أنه القرآن، ما فرطنا في القرآن من أدلة التوحيد وصدق الدعوة والأسئلة الوجودية إلا وأجبنا عليها. فالذين يصرون على التكذيب بهذه الآيات القرآنية، وأضف عليها الآيات الكونية أيضاً، يتعاملون معها إما بالصمم وإما بالبكم. والصمم هذا شأن العامة الذي مر معنا في سوره الأنعام في مطلعها أنهم ماذا: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: 4]. فالذين هذا الصنف من الكفار الذين أعرضوا ولا يريدون استماع هذه الآيات أصلاً فتكذيبهم، إيش قال بعده: فقد كذبوا بالحق لما جاء. فتكذيبهم كان ناتجاً عن عدم إعطائهم لأنفسهم فرصة للاستماع، وبالتالي شبههم الله بالصمم الذين لا ينتفعون بالسمع للهدايه والوصول إلى الله، وهو كالاصم.

وبكم، البكم هؤلاء الصنف الثاني اللي ربنا قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام: 25]، ويرى كل آية لا يؤمن بها. الذين أعطوا لأنفسهم فرصة للاستماع وعرفوا حق ما في هذه الآيات ودلائلها، لكنهم كتموا هذا الحق عن مين؟ عن أتباعهم فسماهم الله أنهم بكم، والبكم هو من هو الأبكم هو الذي لا يتكلم. فهذا هو صنف ثاني من الكفار، الأصم هذا صنف، والأبكم هذا صنف. الأصم هو المعرض اللي من بداية السورة ما بده يسمع، والأبكم هذا اللي سمع وعرف لكنه لا يريد أن يعترف فيريد أن يكتم الحقيقة التي وصل إليها عن أتباعه، فالله عز وجل يتواعد كلا الطائفتين من الكفار.

يتوعد عامتهم الذين لم يعطوا لأنفسهم فرصة للاستماع، ويتوعد أسيادهم الذين كتموا الحقائق والذين كذبوا. ماذا يقول؟ هؤلاء الذين كذبوا بالآيات الواضحات اللي فيها الكفاية والغناية وشغلهم الشاغل اقتراح الآيات واقتراح الآيات، ترى هؤلاء يصم عوامهم، بكم علماؤهم، في الظلمات، وكأنهم يعيشون في سواد وظلمه، ظلمة الباطل وظلمه القلب وظلمه الحيرة وظلمه الابتعاد عن دين الله، وسماها ظلمات، لتعرف أن الكافر والفاجر والبعيد عن الله سبحانه، والذي لا يستجيب لآياته، لا يمكن أن يكون مطمئناً ولا سعيدا سعادة حقيقية تامة في القلب، وإنما قد يلتذ جسده، قد تتلذذ جوارحه، لكنه يبقى في وحشة القلب ووحشة النفس ووحشة البعد عن الله سبحانه وتعالى.

فالله يقول: هؤلاء الذين كذبوا بالآيات الواردة في القرآن صم وبكم في الظلمات. وحتى لا يبقى النبي صلى الله عليه وسلم في حزنه الكبير وتأسفه العظيم على قومه، الله سبحانه وتعالى يقول له: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: 39]. يعني في النهاية محمد صلى الله عليه وسلم، ويا أيها الدعاة، ولاحظ استحضار القدر في هذه النقطه، هذا الذي أجده رائعاً في القرآن، أنه في سياقات معينة يستحضر القدر فيه، وفي سياقات أخرى تستحضر الإرادة الحرة للإنسان. هنا في هذا المقام لأنه يخاطب الداعية والمصلح الذي هو متأسف حزين على عدم استجابة دعوته، ولعله قد يأتيه خاطر: لماذا لا أطلب من ربي خطابات دعوية أخرى واستجابة لمقترحات هؤلاء؟ فالله يقول له يا محمد صلى الله عليه وسلم: ارجع اربط هذه الآية بالاية السابقة في ختام الصفحة: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: 35] الموضوع انتهى.

هؤلاء أُعطوا من الأدلة ما فيه الكفاية، وأنت أتيتهم بأدلة واضحة بينة جلية بالحق الأبلج، ما بعد ذلك إنما عليك البلاغ، ﴿وَمَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فلا تأسفن على شيء لم يقدر، دائماً لما الإنسان تأسف على شيء تقول له: خلص يا أخي هذا قضاء القدر. وإن كان في سياقات أخرى استُحضِر مفهوم الإرادة وأنه هذا لما أكون أخاطب الكافر، لما قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: 148] سياتي معنا، قال الله عز وجل لهم: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام: 148]، أنت في اللحظة التي قررت فيها الشرك هل كان هذا بناء عن علم حقيقي بما كتب لك؟ لا، أنت اخترته بإرادتك.

فهذا خطاب لمن يحتج بالقدر على شركه، أن نقول: لا تحتج بالقدر لا على شرك ولا على كفرك ولا على معصيتك؛ لأنك لما اتخذت قرار المعصية أو قرار الشرك لم تتخذه بناء على علم مسبق بما كتب، وإنما بناء على إرادة منحتها. أما في مقام الداعي المصلح الذي تأسف على وجود أهل الباطل وتكاثرهم، نعم يخاطب بالقدر أنه أنت فعلت ما عليه، وهو فعل ما عليه، فعل السبب المطلوب منه، أما النتائج بعد ذلك فهي بمشيئة الله، فهناك أناس خلقهم الله للجنه وبعملها يعملون، وهناك أناس خلقهم الله للنار وبعملها يعملون. وقف عند هذه النقطه ولا تقحم نفسك فيما هو أبعد من ذلك، لماذا اختار الله هؤلاء وهؤلاء؟ لأنه بسابق علمه عرف أن هذه القلوب نقية تصلح للجنة، وأن تلك القلوب لا يصلحها إلا النار. انتهى هنا مساحة العقل البشري في التفكير في مساحة القدر مع إيماننا باسم الله الحكيم العدل، وأنه لا يمكن سبحانه أن تكون تعذب شخصاً أو اخترت له العذاب فقط اختياراً بدون حكمه وعدل أو أدخل رجلاً الجنة بدون فضل وكرم، هذه عقائد نقف عندها، ويقف الكلام في باب القدر هنا.

ثم بعد ذلك يقول سبحانه وتعالى لهؤلاء الذين يريدون الآيات، ماذا يقول لهم؟ لاحظ كم هذه القضية إخواني أخذت من مساحة سورة الأنعام، سبحان الله! كيف القرآن يعلم الدعاة أنه أنت لا تصل فقط إلى أن تجعل الشخص يسلم، بل نريد أن يكون يسلم على منهج عقلي قوي. أعود فأقول إنه بعض الدعاة اليوم هو هدفه التجميع، هدفه أنه المهم أن يقول لا إله إلا الله، جيد نحن نريد أن يقول لا إله إلا الله، لكن أيضاً أنا اريد أن يقولها بناء على بصيرة وعلى فهم وعلى وعي؛ لأن هذا هو الذي يثبت ويرسخ، وليس على محاجة ومعاندة واقترحات ومتطلبات هو يريدها، لأنه كما قلت لن يخدمك هذا النوع من البشر. فالاسلام يصنع العقل ويهتم بالاستدلال ويقول لك: استدل بشكل صحيح، إذا استدلت بشكل صحيح ستصل للحق، خاصة لما تكون الأدلة كلها متوفرة وبأعلى درجات التوفر.

فهنا سبحانه وتعالى يقول لهؤلاء الذين يطالبون بالأدلة والبراهين ويطالبون النبي صلى الله عليه وسلم بإنزال آية من ربه، قل -شاف كلمة قل ما أكثرها في سورة الأنعام- قل لهم في سياق مناقشتك لهذه الفكره: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 40-41]. سياقنا جميل، الله سبحانه وتعالى يقول لهم أو يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: قل لهم أرأيتكم. لأن أرأيتكم ذكر المبرد لها معنيان: المعنى الأول: هل رايت نفسك إن اتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة؟ إذا هي اختصار لأيش؟ أرأيتكم هل رايت نفسك وأنت تمر بهذه الحالة؟ كيف أقول لك: تخيل نفسك وأنت في هذا الظرف. فكلمة أرأيتكم تعطي هذا المعنى، هل رأيت نفسك في يوم من الأيام إذا جاءك عذاب الله أو جاءتك الساعة من ستدعو في تلك اللحظة؟

المعنى الثاني وهو الأشهر أيضاً، اخبروني أرأيتكم، وهذه قد يستغربها البعض، فسرها بعض اللغويين بمعنى ايش؟ اخبروني أن اتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون. إذاً أرأيتكم لها معنيان: هل رأيت نفسك إن حصل معك كذا وكذا كيف ستتصرف؟ أو بمعنى اخبروني إن حصل معكم كذا وكذا كيف تتصرفون؟

طيب، ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ إذا نزل عليكم عذاب من الله وأنتم في الدنيا أو أتتكم الساعة يوم القيامة بما فيه من الأهوال والشدائد، يا ترى أغير الله تدعون إن كنتم صادقين؟ إذا الآن بدكم تصدقوا،ها؛ لأنه أحيانا هو ممكن يعني يقول لك: آه أنا أدعو غير الله، بتعرف بعض الناس في في ساعات الجدال ما بيكون صادق وبيحاول يغطي ولا يتكلم بالحقيقة. فأجيبونا: أغير الله تدعون؟ هل ستدعون غير الله سبحانه وتلتجئون إلى غيره إن كنتم صادقين؟ إذا أنتم رح تصدقوا وتخبرونا بالحقيقة.

ثم سبحانه وتعالى لم ينتظر منهم الإجابة؛ لأنه يعرف أحوالهم في أماكن كثيرة ومواقف كثيرة مروا بها فقال: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾، بل إياه هذا أسلوب حصر. يعني بل إياه تدعون، يعني تدعونه ولا تدعون سواه، ويمن عليكم فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون. طبعا هذا الكلام موجه ابتداء لكفار قريش، وهذا صنف من الكفار، هذا صنف من الكفار فعلاً كانوا إذا مروا بالبلاء تذكروا الله ونسوا أصنامهم، وهذا مر مع هذا ياتي في سورة يونس أيضاً: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [يونس: 22-23].

فسبحانه وتعالى يريد أن يقول لكفار قريش: ترى هذه آية من أعظم الآيات على وجود الله وعلى وحدانيته يا من تقترحون انزال الآيات، ترى أنتم أصلاً في أنفسكم آية، ما هو الآية؟ الآية هي العلامة والدليل على الشيء. أعطيكم علامة ودليل على توحيد الله من واقع حياتكم الملموس، أنظروا إلى أنفسكم، اخبروني هل رأيت نفسك إذا كنت في ساعة عذاب أو بلاء، أو تخيل نفسك إذا جاءت الساعة بكل ما فيها من الأهوال؟ نحن نعلم أنكم ما زلتم غير مصدقين بها، ما عندنا مشكلة، لكن خلونا أن نتناقش، تخيل أنك جاءتك الساعة بأهوالها أو جاءك بلاء دنيوي بأهواله يا أيها القرشي الكافر، إلى الآن أغير الله ستدعو؟ اخبرني بمصداقية.

كفار قريش إخواني هكذا هم كانوا يعرفون حالهم، هم كانوا يعرفون أنهم عندما يقعون في البلاء الشديد وعندما تحيط بهم الدنيا كانوا يتركون أصنامهم على جنب ولا يدعون إلا الله، هكذا كان حالهم. فالله سبحانه وتعالى يقيم لهم دليلاً، قال: بدل ما تشتغلوا في اقتراح الآيات، ترى أنتم في أنفسكم آية وعلامة، لماذا تفعلون هذا الفعل لولا أنكم في داخلكم مقتنعون أنه لا ينفع ولا يضر إلا الله سبحانه وتعالى؟

ولاحظ دائماً القرآن يتكلم عن الأمور الحساسة في حياة الإنسان، موضوع النفع والضر والبأساء والضراء وموضوع جلب المصالح ودفع المفاسد هو أهم موضوع في حياة الإنسان، لذلك نقاشات القرآن وأمثلة القرآن واستدلالات القرآن تاتي من خلال واقع الإنسان الملموس، أنه هذا هو الشيء العملي في حياته، مش أجيب له دليل تراجيدي على طريقة المتكلمين، على طريقة أفلاطون وأرسطو والجوهر والحدث، هذا أنت ضيعت العامة، هذا العام ما يحتاج لهي الأدلة، أعطه دليلاً من واقع حياته الملموس ومن بلائه المتكرر، أنك يا أيها الإنسان كثيراً ما مررت ببلاء ومحصت في اختبار وألمت بك الخطوب فتركت كل ما تدعو والتجأت إلى الله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [الزمر: 8] نسي توحيده وجعل لله أنداداً ليضل عن سبيله، فعاد لعبادة الدنيا و و.

ولاحظوا كثير من الناس يكون في حالة من الغفلة الشديدة عن الله، عبد للدينار والدرهم وللشهوة، فإذا مر به مرض خطير كالسرطان عفانا الله وإياكم، أو جاءته يعني حرب شرسه أو أحيط به، فتجده يدعو الله وبشدة وألحاح ويقبل: يا رب آخر مرة وما راح أعيدها، و و. ثم إذا كشف الله عنه البلاء ورفع عنه الأواء إذا به يعود إلى غيه وشركه: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [يونس: 23]. هذه الحالة هذه دليل على أنك تعلم وجود الله، وأنه هو الوحيد القادر على النفع والضر، وبالتالي هو الوحيد الذي ينبغي أن تتضرع له وتخضع إليه، لكنك معاند، ترى الموضوع لا يحتاج إلى دليل أكبر من ذلك.

فلا تقترحوا علينا آيات أخرى، هذا واقعكم الذي يشهد على صدق هذه الدعوات، لكنكم الآن في حالة من الرخاء فلا تريدون تذكر هذه الوقائع التي تمرون بها.

ثم قال سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم مسلياً له كما قال بعض المفسرين: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَت قلوبهم وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 42-43]. هنا قال المفسرون هذا كلام عن صنف آخر من المشركين السابقين قبل كفار قريش، وكانوا أشد عناداً وعتواً من كفار قريش. يعني البعض يقول كفار قريش على كفرهم كانوا إذا مروا في ساعة البلاء والأواء ينسون ما يشركون، لاحظ كلمة حتى ينسون، وتنسون اللي هو كأنه لا يخطر في ذهنك اللات والعزة ومناة الثالثة الأخرى التي تذبح لها وتتقرب لها وتفعل كل شيء من أجلها، لا تأتي في ذهنك عندما يحاط بك ولا تذكر إلا الله لأنك في داخلك مقتنع تماماً أنه هو سبحانه الذي ينفع.

المهم كفار قريش يقولون ما كانوا وصلوا إلى أعلى درجات العناد إلى هذه اللحظة، ولذلك الله عز وجل يقول لنبيه -كأنها كما قلنا نوع من التعزية يا محمد صلى الله عليه وسلم-: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك، إيش أرسلنا؟ هناك شيء محذوف في السياق، ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلاً فخالفهم أقوامهم، هذا كله يفهم ضمناً. هذه كلها أشياء محذوفة دلالة اقتضاء تفهم ضمناً، ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك أرسلنا إيه؟ رسلاً، طب ماذا حصل معهم؟ تم معاندتهم، لكنه عناد أشد من العناد ترى الذي تتعرض له. كيف ذلك؟ قال سبحانه: فأخذناهم بالبأساء والضراء، البأساء إخواني قالوا هي هو الفقر والمشاكل المالية، والضراء والضراء هو عذاب البدن والمشاكل البدنية.

فيقول سبحانه عن سنة له متكررة يجب أن ننتبه لها، يقول سبحانه: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلاً وتم مخالفتهم، فارسلنا على هؤلاء المخالفين -فارسلنا على هؤلاء المخالفين- بلاءات مالية نعم ورحمة الله وبلاءات بدنية، الهدف لعلهم يتضرعون، الهدف لعلهم يتذللون لله، والتضرع هو التذلل والخضوع. فالله سبحانه وتعالى يخبر أن من سنته أنه يرسل على المخالفين والمعاندين رسلاً -عفواً- بلاءات بدنية ومالية، الغاية منها والهدف منها إيه؟ لعله يتذكر، لعله ينتبه، لعله يستيقظ من غفلته.

لكن للاسف كان هؤلاء القوم كانوا أشد عناداً من قومك، هذا صنف من الكفار كان حتى في ساعة البلاء وعند الشدائد لا يتذكر الله، بل يبقى مستمراً على تفسير الأمور بناحية مادية. بتعرفوا اليوم الكفار في الغرب لما تجي تتكلم عن الزلازل والمحن والشدائد كيف يتم تفسيرها؟ أنه هذه مشكلة مادية، يتجنبون أي تفسير متعلق بقضايا إيمانية دينية، بقول لك لا هذه مشكلة تحرك صفائح فقط، الصفيحة هذه طلعت على الصفيحة هذه، صار فيضان، غضب الطبيعة، هذا زلزال بسبب أشياء معينة وتفسيرات مادية. طب يا رجل، طب أعطي لها تفسيراً إيمانيا، لعل لعل الله يريد أن ينبهك، لعل الله يريد أن يوقظك يا أخي! لما أصبت بهذا المرض يا أخي هذا المرض مجموعة من البكتيريا أو الفيروسات سببت مرض معين أو تشوه في الخلايا يعمل مرض سرطان، إيش علاقة الإله في الموضوع؟ شوف كيف الفكر الملحد أو البعيد عن الله سبحانه وتعالى، اللي هذا طبعا هذه الدرجة كان كفار قريش ما وصلوا لها، لسه ما وصلوا لها، لذلك الله لما تكلم عنهم لا، كانوا في لحظة الباساء والضراء لما تحيط بهم كان لسه عندهم فيهم شوية خير، فكانوا بلاء تدعون.

أما هؤلاء يقول الله لنبيه: ترى هناك رسل من قبلك تعاملوا مع أقوام أشد عناد من قومك، أشد عناد منهم، وتفسيراتهم للبأساء والضراء دائماً تفسيرات مادية محسوسة، لا يقبلون أن يفسروها تفسيرات دينية أنه والله هذا البلاء بسبب ذنبي. بتعرف للاسف اليوم في ظاهرة حتى عند بعض المسلمين، أنه تجي تقول يا اخي لعل الله ابتلاك بهذا المرض أو بهذا السجن أو بهذا الفقر بسبب ايش ذنبين ارتكبتهم؟ لا يا شيخ ما بدنا نحن نضلنا نربط الأمور بناحية دينية، هذا البلاء يعني شيء طبيعي يعني أنا فصلت من وظيفتي وبالتالي بدي أبحث عن وظيفة أخرى شيء طبيعي، افتقر فترة معينة إلى أن أجد أو هذا المرض الذي بتريد به يعني ليش دائما أنتم كمشايخ ودعاة بتحبوا تفسروا الأمور تفسيرات دينية؟ لا، هذا جزء من منظومة القرآن، أن القرآن يريد دنا أن نفسر هذه الظواهر التي تحصل معنا ومع البشر بتفسيرات دينية.

نعم الأمور المادية، حركة الصفائح والزلازل والفيروسات والبكتيريات هي أسباب يسلطها الله لإنشاء مسبباتها، لكن هذه الأسباب تسليطها لإنشاء مسبباتها من الأمراض والزلازل والمحن والشرور إنما هو سبحانه يخبرنا إنما يكون بسبب الذنوب والمعاصي، بسبب الطغيان والكفر، بسبب الابتعاد، اجعل هذه الأسباب تنتج مسبباتها. فهكذا القرآن يعيد حتى تفسيرك للأشياء التي تراها من حولك، الإنسان الذي لا يتعامل مع القرآن يبقى يفسر الدنيا تفسيراً مادياً، حتى نحن بأنفسنا أحياناً سبحان الله تمر بنا، بتذكروا قصة أصحاب الغار الثلاث، أنه تمر بنا صخرات في الحياة وهموم نبقى نحن نتعامل معها تعامل حسي مادي، أنه في والله ورقة معطله لازم إذا أفكار بفلان كيف بدي أجيبها منه؟ في فلان عنده مش مشكلة متعسكرة مع دكتور خليني أعرف مين المدخل له؟ عندي شيء معين بضلنا نفقر في عالم المحسوس ولا نقرا باب الغيب وباب الدين أنه لعل الله يا أخي فشلني في هذا الاختبار لعلي أستيقظ من غفلتي، لعل الله أمرضني هذا لعلني أتوب قبل موتي.

كثير من الناس تحاول الابتعاد عن هذه التفسيرات الدينية الغيبية، وهذه مشكلة القرآن ينبهنا إليها، لابد أن تكون التفسيرات الدينية للبأساء والضراء حاضرة. فهؤلاء القوم المعاندون اللي كانوا في الأمم السابقة كان الله ياخذهم ويتناولهم بالبأساء والضراء بشكل متكرر لعلهم يتضرعون، وهنا بتذكر مثال قوم فرعون: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا﴾ [الأعراف: 133]. تخيل كل هذه الآية كل هذه البلاءات الضفادع والدم والقمل وزال قوم فرعون يستهزئون بموسى: يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك، فلما يكشف يرجعون يعودون إلى طه. فهؤلاء رفضوا الخضوع لعلهم يتضرعون في ساعة البلاء، في ساعة الشدة، وهنا التضرع المطلوب على الأقل في ساعة الشدة تضرعوا. ترى كفار قريش في ساعة الشدة بلاء تدعون، أما أنتم حتى في ساعة الشدة عناد مستميت، نسأل الله العافيه.

قال فلولا، وهذا كأنه يلومهم، فلولا هنا للوم، فلا، إذ جاءهم باسنا تضرعوا، وهذا حصل وانتهى فهو هنا ليس له الحث المستقبلي هذا، اللوم على الماضي، يعني لماذا لما كان يأتيهم باسنا ما كانوا يتضرعوا ولا يخضعوا ولا يعترفوا للإله؟ يعني قمة العناد وقمة الاعتداد بالنفس والمادية المقيته: فلولا إذ جاءهم باسنا تضرعوا. طب إذا طب ما المشكلة إذا ربنا عز وجل يعطيك المشكلة؟ كما قلنا هذه من مقاصد سورة الأنعام أن تخبرك عن نفسيات الكافرين والمشركين وكيف يتعاملون مع الأمور أنه هي نفسية أخرى غير نفسية كفار قريش، هؤلاء وصلت القسوة إلى قلوبهم إلى أعلى درجاتها، ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون.

يعني التصرفات التي كانوا يعملونها في ساعة البلاء الشيطان كان يزينها لهم أن هذا هو التفكير الصحيح، أحسنت أن هذا المرض هو نتيجة البكتيريا والفيروسات وما شابه ذلك، الشيطان يزين لهم أن هي طريقة التفكير الصحيحة وانه ربط الأمور الحياتية المادية بأمور دين دينية غيبية هذا نوع من هرطقة المشايخ ورجال الدين هيك بسمونا، طبعا نحن ما في عندنا شيء اسمه رجال الدين في الإسلام، نحن عندنا أهل علم هكذا سماهم الله بس هم بيسموهم رجال الدين أي تقط مشايخ ورجال دين وكذا، وانتم إياكم أنكم تمشوا وراء هذه الطريقة في التفكير، دائما نحن لازم نطور معلوماتنا إذا مات شخص بسبب مرض معين نطور أبحاثنا الطبية، دائما الأمور ترتهن بأبحاث طبية جيولوجية، أخذ احتياطات تطوير العمران حتى نقي أنفسنا من الزلازل، تحسين جودة الحياة، هكذا هو قوله تعالى: وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون.

ما كانوا يعملون يعني الخطوات التي كانوا يعملونها في ساعة البأساء والضراء في سعيهم لإزالتها هذه من الشيطان، وإلا لو استيقظوا وانتبهوا لعرفوا لا أن هناك إله، وهذا ولماذا قلنا هذا فيه تسليه للنبي عليه الصلاه والسلام؟ كأنه يقول له: ترى كفار قريش فيهم خير أكثر من هؤلاء، احتمالية إسلامهم وإمكانية دخولهم في هذا الدين أقرب لأنهم لم يصلوا بعد إلى هي الدرجة. يعني كفار قريش كان إذا جاءهم الباساء والضراء على الأقل يدعون الله في ساعة البأساء، بعدين يعودون إلى اللات والعزة في ساعة الرخاء، أما يا محمد صلى الله عليه وسلم ترى هناك رسل من قبلك واجهوا أقوام تماماً تماماً قست قلوبهم، والشيطان لعب بهم حتى في ساعة الشدة كما يلعب بهم في ساعة الرخاء.

ثم يخبرنا الله ما هي سنته في هذا النوع من الأقوام. إخواني هذا النوع من الأقوام وهذا النوع من البشر، وقد يكون بعض المحسوبين على الإسلام منهم، كيف يتعامل الله معه؟ شوف المرحلة الأولى: ربنا عز وجل يوصل الهدى إليك من خلال درس، دين، شيخ، قرآن، يرسل رسل قديماً، المهم يصل إليك الحق بطريقة من الطرق، فانت تعاند ولا تريد الاستجابة له. بتجيك آية تقول لك ضرورة أن تترك الربا، بتجيك آية تقول لك ضرورة أن تلبسي الحجاب، وأعطوك الأدلة وما شابه ذلك، فأنت تبقي في مرحلة العناد وأنه أنا ما بدي أقتنع والمخالفة. فالله سبحانه وتعالى يتعاهدك أولاً بالبلاء بالبأساء والضراء لعلك تستيقظ وتفسر الأمور وتنتبه اه أنه لعل هذا بسبب عنادي واستكباري وعدم خضوعي للأدلة بعد أن وضحت.

فإذا جاءك البلاء واستمررت على طريقة التفكير السقيمة العقيمة بأن تفسر البلاءات تفسيراً مادياً محسوساً هنا يبدا الاستدراج، يبدا إيه الاستدراج، وهذه أخطر المراحل؛ لأنه هنا أنت مستدرج وتظن أنك منعم. قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [الأنعام: 44]. وهذا يدل إخواننا على أن الله سبحانه يتعاهدنا بالبلاء لننتذكره، هذا يعطيك أنت كمؤمن نوع من الأريحية في مواجهة البلاء والبأساء والضراء، إذا كنت فقير، إذا كنت مريض، إذا كنت في مشاكل، ترى تعاهد الله لك بالبلاء ترى هي نعمة، نعمة لأن الله يريدك أن تتذكر، يريدك أن تتضرع، يريدك أن تقف بين يديه وتدعو، يريدك أن تطيل السجود له.

نحن إخواننا حتى نكون منصفين مع أنفسنا نحن في ساعة الرخاء نحن يضعف تذكرنا لله ونغرق في غفلتنا ولهونا وطعامنا وشرابنا ومتعتنا بكافه أشكالها. مثل الواحد فينا بيتذكر ربنا سبحانه وتعالى -للأسف طبعا مش كلنا أنا بعمم، لكن أقول كثير منا أهل الإسلام- لما يجي هيك بلاء بتشوف حالك سكرت معك الدنيا في شيء من الأشياء أو في مشكلة من المشاكل أو في طريق من الطرق، امتحان، دراسة، زواج، تبدأ تشعر أنه ها بدات إيمانياتك تعلى شوي وبلشت تروح على المسجد وبيصير يصلي الفجر وفي الصف الأول وبيحافظ على قيام الليل وبيصير يقرا قرآن وبيصير يدعو، بمجرد أن تزول المحنة وترفع يعود إلى غفلته.

ترى هذا نموذج سيء بس يبقى أفضل من النموذج الذي حتى في ساعة البلاء والمحد لا يتذكر، صح؟ يعني النموذج الذي يذكر الله فقط في ساعة الشدة نموذج سيء، لكن ما هو أسوأ من الذي حتى في ساعة الشدة هو لا يريد أن يتذكر الله؟ هذا والعياذ بالله طمس على قلبه تماماً. فالله يقول سبحانه عن هذا النوع المطموس على قلبه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 44]. تمام، هنا نسوا هو نسيان التغافل والإعراض، نسوا ما ذكرهم الله به وما تعاهدهم به، فتحنا عليهم أبواب كل شيء.

شوف هذا يعني نفتح عليك الدنيا فيأتيك من مالها وطعامها وشرابها ومسكنها وزخرفها يأتيك من كل شيء. انظر الحالة الأوروبية اليوم، فتحنا عليهم أبواب كل شيء، التقدم، التكنولوجيا، الحضارة، فهنا يبدا الاستدراج، هو يظن -ها كان في مرحلة باساء وضراء لم يتضرع ومع ذلك ربنا عز وجل استدرجه كشف عنه الباساء والضراء- فصار يقول: إيش شايفين شو قلت لكم؟ الموضوع ما له دخل برجال الدين يا جماعة، الموضوع ما له دخل بالتدين والقضايا الغيبية، هي الباساء والضراء هي مشكلة تتعلق بالمناخ أو مشكلة تتعلق بفيروسات، لما طورنا الطب ولما حسنا أمورنا انتهت. شوف المسكين كيف من كيف أتي؟ فتحنا عليهم أبواب كل شيء، تقدم في كل ما تريده من الأمور الاجتماعية والاقتصادية والصحية ووو، حتى إذا فرحوا بما أوتوا إذا هم في قمة الفرح والبطر والاستكبار والعتو.

حتى إذا فرحوا وهذا فرح البطر أو الاستكبار والإعراض: ﴿أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 44-45]، يأتيهم الهلاك في لحظة لم يحتسبونها، فتباد حضارتهم وخضراؤهم، فاهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين، مش هيك قال في الصفحة الأولى؟ هذه سنن إخواني وهذا بده ينتبه، كما أنها تكون على المجتمعات والشعوب تكون أيضاً على الأفراد، أن ربنا سبحانه وتعالى بيتعاهدك بالبلاء، بيتعاهدك بايش؟ بالبلاء، فاذا راك في ساعة البلاء معرِضاً لست ملتفتاً، ما تق لست مقبلا عليه عند سبحانه وتعالى إيه ممكن يرفع عنك البلاء فعلا، ويفتح لك كل شيء.

وهنا يقول العلماء هذا هو الاستدراج الرهيب، هذه أخوف المراحل، أنه إذا ما ك- إذا كان الله ما زال يتعهدك بالبلاء أنت لسه فيك خير، لكن إذا رايت الله لا يتعاهدك بالبلاء هذا مخيف. لا أقول دائما هو لكن أقول هو إيش؟ مخيف؛ لأنه تخشى أن تكون ممن فتحنا عليهم أبواب.

بعض الناس يظن أن تيسير الدنيا تماما له من علامات الرضا الإلهي. قال العلماء: إذا رأيت الله يعطيك وأنت مصر على معصيته فاعلم أنك مستدرج. هذه القاعدة حتى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَابَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذۡنَاهُم بَغۡتَةٗ﴾ [الأنعام: 44]. جاءهم العذاب في لحظة لم يتوقعوها.

قال: ﴿فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ﴾ والمبلس هو الآيس القانط. قنطوه من النجاة، أبلسوا من ماذا؟ قنطوا من النجاة. الآن جاءهم العذاب بغتة، ريح فيها عذاب أليم. فلما رأوها بكل طغيانها، هذه الريح تأتي، أصيبوا بإحباط وأدركوا أنه لا مفر ولا منجا من عذاب الله. ومن هنا سمي إبليس إبليسا، لماذا إبليس سمي إبليس؟ لأنه خلص يئس من أن يرحمه الله، لأن الله عز وجل خلص توعد: لأن جهنم منك. فلما يئس وقنط من رحمة الله له، طبعا هو إبليس بدل ما يقول: يا رب سامحني، قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمْ أَجۡمَعِينَ﴾ [ص: 82]. ادع ربنا يسامحك، ليش ما سجدت لآدم؟ عشان تعرف في نفوس هكذا، في بعض النفوس بدل ما يقول: يا رب سامحني، قال: فبعزتك لأغوينهم أجمعين، فقنط تماما من رحمة الله وطرد منه، لعنه الله لعنا كاملا.

فإذا المبلس هو الآيس اليائس. فهنا سبحانه وتعالى يمتدح نفسه فيقول: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: 45]. الدابر هو آخر الشيء، والدابر هو ايش؟ من الدبر وهو آخر الشيء، وهذه عبارة تستعملها العرب للدلالة على الاستئصال. فلما اقول لك: قطعت دابرهم، كانني اقول: أهلكتهم إلى آخرهم، كانني اقول: ايش أهلكتهم حتى آخر واحد فيهم. هذا معنى فقطع دابر القوم، يعني استؤصلوا استئصالا فلم يبق منهم أحد بهذا العذاب الذي جاءهم بغتة.

والحمد لله رب العالمين. يحمد الله هنا في أي مقام؟ في مقام ماذا؟ اهلاكه للطغاه المعاندين المستبدين وتطهير الأرض منهم. هؤلاء لا يستحقون الحياة، خلاص أنا أرسلت لك رسل وخالفتهم، بعدين ابتليتك بالبأساء والضراء لعلك تضرع، بقيت معاندا ثم بعد ذلك فتحت عليك أبواب كل شيء فاستدرجتك به. وحتى النعماء الأصل أن البعض مثلا ممكن البعض يتذكر الله في حال النعم، لا لا هذا في كامل غفلته وثقته بنا. انظروا إسرائيل اليوم، الصهيونية العالمية، أمريكا، الدول الأوروبية وصلوا في اعتقاد إلى مثل هذه المراحل، مراحل أنه ما بدهم يفسروا حتى أحوال العالم السيئة بتفسيرات دينية. فهؤلاء والعياذ بالله أخذناهم بغتة فاذا هم مبلسون.

وهنا يحمد الله، فقطع، استؤصلوا عن بكرة أبيهم. والحمد لله، يثنى على الله أنه طهر الأرض من هؤلاء الأنجاس الأرجاس الذين لا يرجون لله وقارا. فهذا موطن الحمد لله، فهلاك الكافرين يحمد عليه ربنا سبحانه. هذه فائدة أننا إذا رأينا كافرا هلك نحمد الله سبحانه وتعالى على ذلك. اليوم بعض أدعياء الدين الانسانوي لما يموت بعض الفاجرين والكافرين ويعذب الله الطغاة والمستبدين، بيجي يقول لك: يا اخي أنتم لماذا بتدعوا عليهم؟ يا اخي ليش ما تكونوا أنتم ناس رحيمين؟ ليش ما تظهروا لهؤلاء الكفار أنكم بتحبوا لهم النجاة والخير؟ الله عز وجل يثني على نفسه أنه أهلك الطغاة والمستبدين وأهلك الأمم الكافرة والفاجرة، أنت بدك تكون أرحم من الخلق بالخالق؟ هذا لا يمكن، فيحمد الله على هلاك الكافرين والمستبدين والمعاندين والمحاربين لدين الله سبحانه وتعالى والمصرين على عدم الخضوع للباساء والضراء والفهم منها بعد ذلك سبحانه وتعالى.

يعيد الكلام مع كفار قريش بعد أن أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم ترى النوع الذي أنت تتعامل معه مازال لم يصل بعده إلى هذه الدرجة من العناد التام. فيرجيه ويوأمله باسلامهم، وهذا وقع فعليا في فتح مكة أن كثيرا من عتاة مكة أسلم، وأبو سفيان بن حرب أسلم، وخالد بن الوليد أسلم، وكثير من العتاة أسلموا، وهذا يدل على أنه فعلا ما كانوا هم وصلوا إلى أعلى الدرجات التي من أجلها يستحقون الاستئصال. فقطع الدابر هذا يكون خلاص لما يكون هذا القوم، هذه القرية وصلت إلى أنها لا تتذكر الله لا في الباساء ولا في الضراء.

أما الإنسان اللي بيتذكر ربنا في، كما قلنا، في الضراء والباساء، يعني طبعا هو مشرك إذا كان يعبد غير الله في الرخاء، مشرك وكافر، بس أنت بدك تفهم أنه حتى الكفر درجات أو دركات. حتى الكفر دركات، وحتى مشاكل ونفسيات الكفار وطريقة تعاملهم مع الحقائق دركات، مش صنف واحد. ولذلك سياتي معنا في الصفحة التي تليها: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: 55]. يعني من مقاصد سورة الأنعام التعرف على نفسيات المشركين المختلفة وطبائعهم، مع أنه هذا مشرك وهذا مشرك وهذا، إذا مات بيروح على النار وهذا بيروح على النار، لكن الدركة التي سيكون فيها هذا ليست الدركة التي سيكون فيها ذاك.

المهم، يعود الكلام الكرام مع كفار قريش، يقول سبحانه وتعالى لهم: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٍ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: 46]. قل: أرايتم؟ قلنا: أرايتم هذه تاتي معنا ايش؟ إما أخبروني، أو هل رايتم أنفسكم؟ أرايتم أو أرايتكم، هذه تاتي بمعنيين. أرايتم يعني أخبروني، خلينا ناتي على هذا المعنى. إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم.

هنا اختلف المفسرون: هل المراد بالأخذ الحسي أنه فعلا الله ياخذ سمعهم فيصبحوا أصماء وعميان ويختم على قلوبهم تماما، فيصبح خلاص لا عقل لهم كالمجانين؟ أم المراد الأخذ المعنوي بأن تتغير الفطرة ولا تتفاعل الحواس والعقول في التفكير بأدلة الله سبحانه وتعالى والاستيقاظ والتنبه، لأن الباساء والضراء دليل على وجود الله؟

أعيد: بعض المفسرين يقول: إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم، قال: لا، هذا كلام عن أخذ حقيقي حسي، أنه يصير هذا الكافر أصم وأعمى ومجنون، فالله يقول له: من يرد لك سمعك وبصرك وعقلك؟ لكن المعنى الثاني، وأنا أميل إليه حقيقة، أن المراد ليس الأخذ الحسي وإنما المراد الأخذ الفطري. يعني أرأيت إذا عطل الله سبحانه وتعالى قدراتك عن الاستجابة للحق؟ لأنه السمع والبصر والقلوب، وعادة التعبير بالختم على القلوب مش في سياق الجنون الحسي، عادة تعبير الختم على القلوب دلالة ايش؟ أن هذا الإنسان ما عاد يسمع ويستجيب للقوارع والزواجر ولا تؤثر فيه.

فهنا والله أعلم، المعنى الثاني أميل إليه، أن المراد: أرأيت إن أخذ الله فائدة سمعكم فما عدتم تسمعون الحق كما ينبغي، وأبصاركم فاذا رأيتم من القوارع والزواجر وأن يروا كل آية لا يؤمنوا بها كما مر معنا في الصفحة الثالثة، وختم على قلوبكم فما عادت تنتفع بشيء مما تسمعه من الكتاب والسنة أو مما تراه، خلاص قست القلوب.

﴿مَنْ إِلَهٍ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ مين؟ شوفوا هذه الآية ترى عظيمة إخواني ولها دلالات عميقة في النفس البشرية. من يرد لك حواس استجابتك الفطرية بعد أن سحبت منك؟ مش في سورة الأنفال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]. إذا الله حال بينك وبين قلبك، حال بينك ولما لشده عنادك ومراوغتك الكبيرة ولكثرة يعني استهزائك واستخفافك، إذا الله سبحانه وتعالى حرمك من الانتفاع بحواسك وأبطل هذه الاستجابة وجعلك إنسانا ترى القوارع والزواجر والآيات والدروس والمشايخ وكذا، وأنت أنت رايت غزة في آلامها وجراحها، رايت نكبات المسلمين بكل ما فيها، سمعت المواعظ والمشايخ والدعاة والمصلحين، كل هذا لم يحرك فيك ولم تتحسن. هذا مخيف، هذا يعطي إشارة أنه في نوع من الحيلولة بينك وبين قلبك، أن الله سبحانه وتعالى جعلك كالميت.

مش قلنا في الصفحة الماضية: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَالْمَوْتَىٰ﴾ [الأنعام: 36]، مين الموتى؟ قلنا وموتى القلوب اللي هي، الموت هو في جسده حي، لكن في مضمونه ميت. فالله سبحانه وتعالى يقول لهم: يا ترى إذا سحب الله منكم اليقظات والانتباهات، من إله غير الله يأتيكم به؟ من إله غير الله يأتيكم به؟

إخواني، هنا هو يحذر كفار قريش من ايش؟ يحذرهم من ايش؟ من أن يصبح حالهم كحال الكفار المعاندين الذين وصفهم سابقا. الكفار المعاندون سابقا، لما كانت تاتيهم الباساء والضراء، هل كانوا يستيقظون منها فيتذكرون الله فيها؟ لا صحيح، بل كانوا دائما ايش؟ يفسرون كما قلنا تفسيرات مادية ولا يتضرعون.

فالله يقول لكفار قريش، يعني أنتم يا كفار قريش كانه لا زال عندكم شيء يسير من الاستجابة واليقظة، بس في أي حالة؟ في حالة الكرب، إياه تدعون. ترى يا كفار قريش هو يخاطب نوع من الكفار ليأمن النوع أنتم ما زال عندكم شيء من الاستجابة بس في لحظة الشدة، لكن في لحظة الرخاء تعودون إلى شرككم. يا ترى لو أن الله سبحانه حرمكم الاستجابه تماما وأبطل قدراتكم على الاستجابة حتى في ساعة الشدة، هنا سيصبح حالهم كحال مين؟ الكفار السابقين. فيصبح حتى الزواجر والقوارع والباساء والضراء لا يذكرون الله فيها ولا يدعونه سبحانه وتعالى فيها، بل تصبحون حالكم كحالهم، لا تفكرون إلا بالتفسيرات الحسية والمادية للبلاءات. من يعيد لكم يقظتكم؟

وهذه فيها نوع من الحصار النفسي لهؤلاء. أحيانا مثلا أنا في أشياء شيء تخاطب الوجدان: إذا أنا حلت بينك وبين استجابتك التي أنت تفعلها في ساعة الشدة وأصبح حالك حال هؤلاء، من سيعيد لك قلبك إلا هو سبحانه وتعالى؟

وهذه الآية حقيقه أيها الكرام يجب أن ننتبه لها، لأنه يمكن أن نتلبس بها نحن فنسقطها على واقعنا. شوف الله سبحانه وتعالى يعطيك مرة ومرتين وثلاثة وأربعة وخَمْسَة وستة وسبعة ويصبر عليك أن تتذكره في الشدة وتنساه في الرخاء، لكن الأمر لن يدوم على هذا. في لحظة معينة، إذا راك الله انسانا فقط تتذكره في حال الشدة وفي حال الرخاء معرض عنه تماما ومشركا به، في لحظة معينة يحول بينك وبين قلبك فلا تتذكر الله حتى في الشدة، ليقع عليك ما وقع على سنن الأمم الماضين، بأن تفتح عليك أبواب كل شيء ولما يفتح عليك النعم برضه، لأنه اخذ الله سمعك وبصرك وختم على قلبك، أنت مش فاهم أنك مستدرج، ما عدت مستيقظا لما يحاك ويراد بك، فتاخذك بغتة وأنت لا تشعر، ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.

فهنا في تهديد لكفار قريش: احذروا أن يصبح حالكم كحال السابقين. أنتم لسه فيكم، ها، على شرككم وكفركم وطغيانكم، لسه أنتم فيكم إياه تدعون في ساعة الشدة، لكن هذا الأمر لن يبقى على هذا، يعني ما رح ينفع نستمر على هي الطريقة. الموضوع ليس لعبا، أنه في الشدة نذكرك، في الرخاء نكفر بك، في الشدة نذكرك، لا، ما هو إذا ستستمرون على هذا أنسيكم ذكري حتى في الشدة.

وما أعظم البلاء الذي يكون على هذا النمط إخواني! أحيانا نحن نبتلى في الحياة ببلاءات ولكن لا نعرف أنها بلاء أو لا نحس أنها بلاء، عندما نبتلى بعدم تأثرنا بالقران، عندما نبتلى بعدم عدم محافظتنا على أورادنا وأذكار الصباح والمساء، عندما نبتلى على عدم محافظتنا للفجر في وقتها، عندما نبتلى ايش أيضا، عدم قيام الليل وأن الله لا يعيننا عليه. للإسف نحن لا نعتقد أن هذا بلاء صحيح، ونعتقد أن مثل هذه الأمور هي مجرد أمور طبيعية يعني.

ولكن الله سبحانه وتعالى ينبهنا أن أعظم البلاء الذي تحتاج أن يعيدك الله عز وجل إلى ما هو أفضل من ياتيك بحال أفضل هو البلاء بلاء الغفلات. فهنا أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم، شو هو البلاء هنا؟ هذا مش قلت هو أنا اخترت أنه بلاء معنوي، اللي هو بلاء الغفلة التامة، ترى هذا إخواني اعظم أنواع البلاء. ترى أن تبتلى في مالك دنيا، أن تبتلى في جسدك دنيا، لكن أن تبتلى في قلبك وإيمانك وأن يحول الله بينك وبين اليقظة هذه مصيبة. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوقظنا.

الله عز وجل القرآن إخواني ينبهنا على قضايا، لا تجعل دائما مصيبتك هي مصيبة الباساء والضراء، في مصيبة أعظم من الباساء والضراء. الباساء والضراء هذه رسائل من الله قد تكون فيها مصلحتك وخيرك أنك تستيقظ وتنتبه. المخيف ليس كما قلت أن تفقد مالا أو صحة، المخيف أن تفقد الإحساس بالإيمان، وأن تفقد خوفك من الله، وأن تفقد يقظتك وعلاقتك معه، فتجد قلبك موحشا في علاقتك مع سيدك وخالقك ومولاك.

إذا أردت تدعو القلب لا يستجيب، إذا أردت تسجد سجدة سريعة كأن رأسك وجبهتك لا تريد أن تخضع في الأرض، إذا أردت أن تذكر ذكر سريع وكأنك تريد أن تنتهي، ترى هذا البلاء! إذا أردت البلاء حقا هو أن ياخذ الله سمعك بصرك ويختم على قلبك. يا ترى من سيرد لك هذه الأمور؟

هنا أعطاهم شيئا آخر لا يمكن أن يفسر وأن يرد بشكل محسوس صح؟ يعني بدك تحكي لي راح آخذ دواء من الصيدلية، هاي ما بترجع، ما بتيقظك من غفلتك، ربما بعض البلاءات الدنيوية الباساء والضراء ممكن تأخذ أشياء طبية نفسية تمشيك، لكن الغفلة هذه بالله عليك من سيوقظك عنها؟

طبعا هذا الكلام يوجه لكفار قريش اللي كما قلت ما زال عندهم شيء من الفهم لهذا الخطاب لأنهم يذكرون الله في الضراء، ما زال عندهم فهم، كأني بقول لك قبل ما يفوت الأوان عم بعطيك التحذير الأخير يا كفار قريش قبل أن يفوت الأوان، أنتم لسه ما وصلتم إلى أعلى أعلى درجات الطغيان، لكن استمراركم على هذه الطريقة يمكن أن يوصلكم، فاسلب منكم اليقظة وأجعلكم في بحر الغفلات، ولن تجدوا أحدا يرجع هذه اليقظة إليكم إلا هو، فتموتون كما مات من قبلكم وتهلكون كما هلك من قبلكم.

ويقطع دابركم كما قطع دابر من قبلكم، فهذا انتبه له؛ لأنه ليس خطاب فقط لكفار قريش، بل هو لي ولك ولنا جميعاً. إن الله سبحانه يمهلنا ويصبرنا ويرى كيف نتعامل معه؛ أننا في ساعة نكون على حال، في ساعة الرخاء نكون على حال مختلف تماماً في كثير منا، ويصبر ويصبر، ولكن في لحظة معينة إذا جاء خلاص قرار الاستئصال يحرمك اليقظة ويبتليك بالنعم. يحرمك اليقظة ويبتليك بالنعم، فتحنا عليه باب كل شيء، فكلما ازدادت النعم أنت خلاص أنت مش شاعر بشيء، وأنت أنا منعم بيت وسكن وزوجة جميلة وأثاث وكذا، فأنت بالنسبة لك مسلوب اليقظة.

مختوم على قلبك، لا تفسر الأمور إلا تفسيراً مادياً بيولوجياً داروينياً: أخذناهم بغتة. ولن يكترث الله بك عندئذ، لن يكترث الله بك ولتهلك مع الهالكين، أسأل الله السلامة والعافية.

ثم يقول لهم: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾، لاحظ هنا عم يحذرهم من إيش بالتالي؟ من مصير السابقين، وهو في الجم في الآية السابقة في آخر الصفحة: اخذناهم ضغطة. فهو الآن عم يعطيهم إيش راح يصير معكم يا كفار قريش في حال استمررتم على هذي الطريقة، إنه بس تذكروا الله في الشدة لا، أولاً: أسلوبكم اليقظة فتصبحوا في قس قلوبكم وزين لهم الشيطان، يصبح حالكم كحال الأمم السابقة، ثم بعد ذلك ما ذكر تفصيل فتحنا عليهم أبواب كل شيء؛ إنه فهم سابقاً ذكر ما هو مخيف، ثم قال: قل أخبروني، أرايتكم، أخبروني عندئذ بعد أن أسلوبكم الفطرة والاستجابة ثم تفتح الدنيا وتستدرج و و، أخبروني إن شئت أن أتيكم بالعذاب بغتة، بل يمكن أن يكون أو جهرة حتى. والفرق هنا: الجهرة جاءت مقابلة للبغتة، والبغتة هو أن يأتيك الله بعذاب على حين غرة وأنت يعني لم تره ولم ترى لم ترى على علاماته ودلائله السابقة، فجأة تجد حادث السير، فجأة تجد كذا.

أو جهرة، الجهرة قالوا لا، أن يأتيك الله بالعذاب وقد رايت دلائله قبل ذلك، أن تبتلى بمرض ثم شوي شوي يبدا ينتشر و وثم تهلك. فالجهر هنا قال العلماء: يعني العذاب الذي تقدمت دلائله وعلاماته، والبغته هو العذاب الذي جاء على حين غرة فلم تتقدم دلائله ولا علاماته. وهناك أن الله يقول: يعني أنا لا أعبأ بكم، جاءكم العذاب عندئذ بغتة أو جهرة، فعندئذ هل يهلك إلا القوم الظالمون؟ هل يهلك إلا القوم الظالمون؟

طبعا هنا ما جواب الشرط؟ طبعا في الجملة في الآية السابقة: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٍ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾، ولا جواب الشرط محذوف؟ القرطبي يقول: جواب الشرط محذوف؛ قل أرايتم ان اخذ الله سمعكم وابصاركم وختم على قلوبكم تمام، وتقدر جواب شرط يتلائم مع السياق ثم تاتي بهذا الاستفهام التقريري: ﴿مَنْ إِلَهٍ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾. وفي الآية الثانية كذلك: قل أرايتكم إن آتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة، قدر جواب شرط مناسب: فلن تستطيعوا رده مثلاً؛ إن آتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة خلص هذا عذاب استئصاري أصبح مثلكم مثل الأمم السابقة، فلن تستطيعوا رده.

عندئذ يأتي هذا التذيل والتوبيخ: هل يهلك إلا القوم الظالمون؟ فهل يهلك إلا القوم الظالمون؟ يعني ما أذهب إليه أن ليست هي جواب الشرط تمام، هي ليست جواب الشرط، هي ماذا؟ هي ختامية، هي خلص جواب الشرط محذوف: إن آتاكم عذاب الله بغرة، يلا خبرني، إن آتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة فلن تستطيعوا رده، هكذا يعني البعض.

ثم يقول: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: 47]. وكأن الآية هنا تتوعدهم بأنه هل يهلك الله إلا الظالم؟ هنا اختلف المفسرون؛ البعض قال: هل يهلك إلا القوم الظالمون؟ هل المعنى إذا أن الصالح داخل القرية الظالمة يعده الله بالنجاة؟ لأنه يقول: هل يهلك إلا القوم الظالمون؟ قد يفهم منها إذا أن الصالحين الذين يعيشون بين الظالمين استضعافاً وظ مش قادرين يهاجروا هؤلاء ينجيهم الله، هكذا قال بعضهم.

الرازي يقول: لا، هل يهلك إلا القوم الظالمون هي تدل على أن كلمة يهلك هنا المراد العذاب، ولما ينزل الهلاك والعقاب الله سبحانه وتعالى هو قد يشمل الجميع، قد يأتي على المؤمن والكافر، ولكن فعليا فعليا من المقصود به؟ الكافر، واما المؤمن فيكون هذا البلاء كفارة لخطاياه، ولذلك جاء في الحديث: أنهلك وفينا الصالحون؟ ماذا قال؟ نعم إذا كثر الخبث. فالصالح قد يهلك مع الظالمين، ولكن هذا الهلاك لا يسمى هلاكاً من الناحية الإيمانية، وإنما يسمى أنه ايش خلص بلائك ونصيبك أنك قتلت معهم، ولكن كما جاء في حديث رياض الصالحين يبعثون على نياتهم، مش هيك مر معنا في حديث رياض الصالحين يبعثون على نياتهم؟ أنت كنت مستضعف مش قادر إلا المستضعفين فهؤلاء الله يسامحهم، وإن كان العذاب قد يهلكهم أيضا لكنه يكون كفارة إن شاء الله لهم ورفعة في درجاتهم، ومصيرهم سيكون مصير القوم.

وأما الذين هلكوا فعلا لأنه هذا هلاك الدنيا والاخره، الصالح إذا هلك هو هلك في الدنيا فكان الهلاك ليس تاما في حقه لأنه يوم القيامه ينجو، وأما الهلاك التام الذي يتوعد الله به هو هلاك الدنيا والآخرة، وهذا هلاك الظالمين: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾.

وللاحظ: فقطع دابر القوم الذين ظلموا، أنه ليش هول ظالمين؟ لأن الله تعاهدهم بالبلاء وتوعدهم بالبأساء والضراء ومش راضي يستيقظ، فأنت ظالم أنت مش راضي تنتبه للآيات وللدلائل ولإرشادات وطريق ومناراتها، أنت ظلمت نفسك، أنت ظلمت نفسك وظلمت ربك سبحانه وتعالى لما ادعيت له شريكاً، فعندئذ استحق ودفع ثمن تقصيرك.

فإذاً هذه فيها رسالة واضحة لكفار قريش: انتبهوا قبل أن تصلوا إلى حال هؤلاء المكذبين. بعد ذلك، الآن هذا كله ضمن سياق اقتراحهم الآيات، ركز ما زلنا في قضية: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾، فالله عز وجل أراهم أصلاً آية في أنفسهم؛ كيف أنتم تتذكروا الله أصلاً في الشدة؟ هي هي أكبر آية على صدق الدعوة، ثم حذرهم من أنه بس انتبهوا ترى ما يصيبكم كما أصاب الأمم السابقين الذين وصلوا إلى أعلى درجات العناد.

ثم عاد بعد ذلك في سياق السورة ليقول للنبي صلى الله عليه وسلم في النهاية: في النهاية يا محمد عليه الصلاة والسلام ويا أيها الدعاة، أنتم وظيفتكم إيش؟ البلاغ مش وظيفتكم الاستجابة لاقتراحات أهل الباطل في تغيير الخطاب الدعوي والديني وتتلاعبوا به وتتغيروا شكله، لأنه هم لا يعني حابين يكون الشيخ مثلاً بدون لحية، خلص بدكم الشيخ بدون لحية نعطيكم الشيخ بدون لحية، طيب حابين مثلاً لا نحن يكون مثلاً نمط الدعوة أنا بدي أقضي هي الدعوة فقط يعني كمصباح السحري، أنتم إيش بدكم إياه ونحن جاهزون؟ هي الدعوة هذه طريقها أحببتم أحببتم، و﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أن يُضِلَّهُ﴾ [الأنعام: 125] على صراط المستقيم.

وهذا في النهاية مبدأ يجب أن يصل إليه الداعية: سيبقى هناك نفوس معانده انتهى انتهى خلاص، ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [الأنعام: 48]. هذا الحصر هو حصر نسبي التقدير: ولم نرسلهم لتلبيه طلبات المشركين، ها وما وما نرسل المرسلين إلا لتكون وظيفتهم تبشير الطائعين وإنذار المعاندين.

فإذاً ليس من وظيفتهم الاستجابة لاقتراحات المشركين: لولا نزل آية، وافجر لنا من الأرض ينبوع، واحنا بدنا طريقة ثانية في الدعوة، لا، الدعوة ستبقى كما هي ودين الله واضح والحقائق واضحة.

ولذلك أنا أعتقد أن من أكبر إشكالات الفكر الكلامي للمتكلمين من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة وغيرهم، أنهم أيضاً صنعوا خطاباً جديداً وطريقة أخرى في بناء العقائد ليست هي الطريقة الواضحة السهلة الفطرية التي أمرنا الله باتباعها. القرآن فيه كفاية، فيه كفاية مش فقط في الباب والمقاصد بل حتى في الوسائل والأدلة، القرآن هو الذي يعلمك طريقة الاستدلال الصحيح، فلماذا نذهب إلى أدلة اليونان وطريقة الإغريق لنبحث ونعلم المسلمين دينهم من خلال طرق أخرى موهنة للمسائل مضعفة للعقول وأكثرها مليئة بالشبهات وعراقير الطريق؟ والله أنت بتناقش فيلسوف غربي ماشي في مساحة لاستخدام الأدلة الفلسفية الزائدة إذا كنت تناقش في ساحة معينة، ولكن في سياق التأصيل لقضايا الإيمان تستغرب أنك تجد متنا عقدي يعلم للمبتدئين لا تذكر فيه الآيات إلا على وجه البركة، وكل ما يذكر هو الحادث والجوهر والعرض والقسم الأول والمنطق الأرسطي! يا أخي إيش بدها الناس في المنطق الأرسطي والسطح الأوسط والعروض؟ هذه أمور معلومة ضمناً بخطاب القرآن السلس السهل وبأدلته الواضحة التي كما قلت تمس حوائج الناس.

فيقول سبحانه: إذاً ليس وظيفة المرسلين الخضوع للضغوطات -خليني اسميها- ما تخضعوا للضغوطات النفسية في طريق الدعوة إلى الله، أنتم أوصلوا الرسالة مبشرين ومنذرين، فمن آمن وأصلح -اللي بده يصير إنسان سوي ويستفيد ويستثمر من هذه الأدلة ويصلح حياته على ضوئها- فهؤلاء سعدوا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. لا خوف على المستقبل ولا حزن على الماضي، إنه الخوف دائماً بيكون على إيش؟ من القادم، والحزن يكون على الفائت، فهو لا يخاف على مستقبله ولا يحزن على ماضيه؛ لأنه في رعاية الله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: 62]. مطمئن بربه، ساكن لقضائه وقدره، عارف أين بوصلته، مع مين حياته، عارف أين دعاؤه والتجاؤه.

قال: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، ولاحظ التركيز على التكذيب بالآيات، هو كل سياقنا أنه هم مش راضيين يصدقوا بايات القرآن ومش شايفين فيها الكفاية ومصرين على اقتراح آيات أخرى، فبقول لهم: واللي بده يبقى مصر على التكذيب بالآيات مع ما فيها من الكفاية والجلاء والوضوح يمسهم العذاب بسبب إيش؟ بما كانوا يفسقون؛ لأنه هذا فاسق، والفاسق هو الخارج عن الشيء، الخارج عن السكة كما يقول: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، فكذلك الفسوق هو الخروج، هذا الإنسان خارج عن إيش؟ خارج عن أشياء كثيرة، من أبرزها: خارج عن المنهج القويم في الاستدلال.

مين قال إن الأدلة حتى تكون مقنعة لازم تكون معجزات؟ وهذا سؤال علمي معرفي؛ من الذي افترض أن أدلة الحق لازم تكون معجزة؟ هم لا بدهم معجزة، ليش ما تكون أدلة الحق أدلة عادية؟ البعر تدل على البعير والأثر يدل على المسير، ليش ما تكون أدلة عادية؟ فليش أنت لا بدك تضلك تعاندني وتماحكني وترهقني نفسياً، اللي بدك نوع معين من الأدلة؟ هذا يدل على أن أنت نفسية غير سوية، أنت لست موضوعي، أنت فاسق، أنت خارج عن المنهج البشري السوي في الاستدلال بالاشياء والوصول إليها، فهذا اعظم فسوق في هذا المقام وفي هذا السياق: أن تترك كل الآيات التي هي في دلالتها على التوحيد وقضايا الوجود الكبرى في قمة الوضوح، ويطلب ويقترح: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ.. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الإسراء: 90-92]. حافظ على خطابك الدعوي.

طيب، قل لا اقول لكم -الان طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أي في ختام هذا الفقرة أو خلينا نقول المقطع-: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ﴾. في النهاية أنا لا اقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم اني ملك. وهسا هم هذا كلهم هذا ختام التعليق على موضوع اقتراح الآيات؛ أنه قل لهم في النهاية أنني أنا كمحمد صلى الله عليه وسلم أو أنا كداعية إلى الله، أنا ليس بيدي خزائن الله أروح اجيب آيات منها وأقدمها لحضراتكم، أفتح خزائن الله في ملكوتي اجيب الآيات.

ولا أعلم الغيب حتى تسالوني -قالوا عن امور مستقبلية- طيب اخبرنا اين فلان ومتى سياتي فلان، أنا مش وظيفتي برضه أكون كالك الكهنة الذين تطلبون منهم اخبار المستقبل. ولا أقول لكم اني ملك؛ لأنه هم أولا أول اقتراح لهم إيش كانوا في أول السورة؟ بدهم ملك ينزل عليه: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 7]. قال: أنا في النهاية نعم أقر بوضوح أنني لست ملكاً، أنا إنسان من جنسكم آكل وأشرب وأمه صديقة كان ياكلان الطعام، فلا تطلبوا مني سقف ومواضيع واقتراحات وأشياء هي ليست من صلب عملي، أنا عملي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني.

﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾، أنا ما حكي أنني أنا بيدي خزائن الله أتخير من الآيات ما شئت، ولست مسؤولاً عن الأخبار عن الغيوب المستقبلية حتى يصير أيضاً تماحك: أخبرنا عن كذا وعن كذا وعن قوم مضوا وعن قوم أتوا. وهذا إخواني ضبط للدعوة وعدم استنزاف لطاقات الدعاة، هذا في ضبط أنه أنا لم أنصب نفسي لأمور أعلى مما هي مطلوبة مني، أنا داعية، أنا مصحح لعقيدتي وعقيدت الناس لننجو ولنصل إلى الله. ثم لذلك ماذا قال بعد ذلك؟ ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾، وحي ينزل علي وأبلغه لكم.

ثم ختم فقال: قل لهم: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [الأنعام: 50]. الإنسان الذي يقدر أن يرى الحقائق في الآيات والسنة النبوية ويوظفها في حياته ويستدل بها، هذا بصير؛ هل يستوي مع انسان أعمى يرى الحقائق أمامه ولكنه يتصنع أنه لا يراها، هذا أعمى هذا في حكم العميان؟ فهنا العمى والبصر هو العمى المعنوي عمى القلب والبصيره وبصر بصر القلب؛ هل يستوي الأعمى من عميت بصيرته عن رؤية الدلائل الواضحة مع البصير الذي تبصر بها فعرف بها المطلوب واستدل على المقصود؟

أفلا تتفكرون؟ وين الدماغ؟ وين التفكير؟ الأدلة كثيرة والبراهين كلها تحتاج إلى أدنى درجات من إعمال الذهن لتكون كافية في دلالتها على الحق، أفلا تتفكرون؟ زجر وتوبيخ على عدم استعمال.

الطاقة الذهنية. ثم قال: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ﴾ بعد أن انتهى من المقطع السابق الذي يحذرهم فيه وينبههم فيه من قضية اقتراح الآيات. ولاحظ كم هذا المقطع أخذ مساحة من سورة الأنعام، لأنه كانت هي إحدى المشكلات، وهي مشكلة الخطاب، وهذه مشكلة يجب أن تعالج في سورة قرآنية؛ لأنها مشكلة متكررة في كل زمان ومكان يواجهها الدعاة إلى الله والذين ينزلون إلى سوق الإصلاح، وهي كيف نحافظ على صلابة الخطاب الدعوي وألا يتزحزح وألا يتغير مع طلبات أهل الباطل وما يقصدونه ويقترحونه علينا؟ نحن لا نأخذ الطريقة المناسبة في الدعوة منهم، وإنما نأخذها من صلب ديننا. فلذلك قال سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: 51].

هنا الله عز وجل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم إن هذا القرآن بما فيه من الآيات هو من سيجيب كما يقولون، هو من سيتاثر به، من سينتفع به بالتاكيد، ليس الذين ما تأتيهم من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين، وليس الذين ومنهم من يستمع اليك، ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤوك يجادلونه. وليس هذا الصنف الذي جاي يسمع من أجل أن يجد عثرة أو يماحك. طيب، مين الذي بدو ينتفع؟ هنا ذكر صنفا آخر، وهذا الصنف اختلف: هل هو كلام عن صنف آخر من الكفار لكنه صنف باحث عن الحقيقة وفعلا التخويف يؤثر فيه؟ أو هو كلام عن المؤمنين فقط الذين يخشون أن يحشروا إلى ربهم؟ أو هو كلام لا عن عموم الكافرين والمؤمنين الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم؟ أنا أميل إلى العموم؛ أن الله يقول سبحانه: وانذر بهذا القرآن، هذا القرآن من سيجانتفع به؟ انذر به واستدل باياته ووظف آياته لهؤلاء الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم.

وهؤلاء الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم قد يكون بعضهم ما زال على الكفر، لكنه كافر يبحث عن الحقيقة. الكافر الذي يبحث عن الحقيقة والهدى هو الآن كافر، لكنه فعلا يريد الوصول، وإذا خُوف بدار آخرة وخُوف بلقاء الله يخاف، ليس شخصا معاندا. باختصار، هذا هو الذي في العادة ينتفع بالقران، هذا الذي إذا خُوِّف خاف، وإذا نُبِّه انتبه، وإذا أُقِيظ استيقظ، هذا هو أكثر من ينتفع بالقران حقيقة ويستهدي به. واما الصنفا الاول والثاني فهؤلاء القرآن حجة عليهم لا لهم، قامت عليهم الحجة. لكن هذا لا، في كافر، إخواني، أنت بتتعامل معه تشعر أنه هو مش معرض، وليس أيضا في نفس الوقت جاي يماحك، هو جاي يبحث عن حقيقة، فهؤلاء سبحان الله إذا قرأوا القرآن جادين في الوصول، إذا قرأوه والقرآن وهو يقرعهم وهو يخوفهم من لقاء الله وهو ينبههم لأن طبيعته طبيعة هادئة مش معاندة، سرعان ما تجد القرآن فعل مفعوله فيه. لذلك قال: هذا الكتاب الذي بين يديك يا محمد عليه الصلاه والسلام، من سينتفع به؟ كل من يخاف أن يحشر إلى ربه، سواء كان كافرا لم يسلم بعد لكن عنده نبتة خير ومصداقية وموضوعية، أو مؤمنا يدخل في حالة من الغفلات وهو موقن بلقاء الله فينتفع بالقران أن يجدد له تذكره بلقاء ربه. فهؤلاء من ينتفعون بالقران، وذلك في بداية سورة البقرة لما ربنا وصف القران قال: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]. مين المتقي؟ شخصية اتقائية، في شخصية هي بتخاف الغلط، في شخصية هي فعلا بتحاول إنه ما بدي أكون أنا في الاصطفاف في الغير صحيح، حتى لو هو في المكان الغلط هو يرجو ويتمنى أن يصل إلى الحق حيث ما كان، يدور معه حيث ما انتهى إليه. فهؤلاء سبحان الله يجدون في القرآن بغيتهم وطمأنينتهم، فلذلك يقول عنهم: ﴿هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: 51] يعتقدون شفاعته.

تمام؟ وهذا يدل على أن هؤلاء كما قلت فيهم خير، بالتالي هم لا يعتقدون.. هؤلاء يخافون أن يحشروا إلى ربهم بدليل -ما هو الدليل على وجود الخوف من الله؟- يخافون أن يحشروا إلى ربهم، ما هو الدليل على أنهم يخافون من الله ومن الحشر إليه؟ هو أنهم لم يتخذوا وليا يستندون إليه من الأصنام أو البشر أو الأحجار، ولم يتخذوا شفيعا يطلبون شفاعته عند الله يوم القيامة ولا يطلبون الشفاعة منه. وهنا أعُود فأقول: بعض الكفار قد يكون فعلا هو الآن في حيرة ولم يصل بعد إلى الحقيقة، يعني هو مش مقتنع بعبادة أصنام أو مش مقتنع بما عليه قومه، ولا يريد إلا الوصول إلى شيء، هو الآن لم يدخل في الإسلام بعد، لكنه باحث، فهو لم يتخذ من دون الله وليا ولا شفيعا. الولي هو الناصر المعين، والشفيع هو الذي يتوسط لك، لم يتخذ هذا ولا هذا، وإذا كان مؤمنا فهو من باب أولى أنه لم يتخذ من دون الله وليا ولا شفيعا. هؤلاء هم الصادقون وهم المنتفعون حقا بالقرآن، لذلك قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 51]. لاحظ أيضا أعاد الأمر لأيش؟ للتقوى، لأنه هؤلاء لما يسمعون القران، حين يسمعون القرآن ويسمعون زواجره وقوارعه وحلاله وحرامه، لأن نفوسهم فيها قابلية الخير يخافون، وهم مش مصممين على اتخاذ ولي وشفيع من دون الله، هذا يجعلهم أكثر قابلية للاتقاء من الأخطاء والابتعاد عن الطرق الخاطئة في التفكير والزلل وأقرب إلى الهداية منهم إلى طرق الخطل، ولذلك سينتفعون به.

هذا الصنف كانوا يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ربما هذا الصنف من الكفار اللي كان ها كما قلت فيهم شيء من اليقظة وما كانوا معرضين ولا معاندين كانوا يأتون أحيانا ليسمعوا ويحاولوا أن يجلسوا بين يديه عليه الصلاه والسلام لينظروا، لكن كان هناك حاجز نفسي أحيانا يمنعهم من الجلوس بين يديه، ما هو؟ أنهم كانوا يرون أكثر من حوله من المستضعفين، فكانوا يقولون يا محمد صلى الله عليه وسلم ابعد هؤلاء المستضعفين بلال وعمار حتى نحن نجلس وفعلا نحاول نسمع منك. ها، برجع بقول، هؤلاء فيهم نبتة خير، ويعني شخص بيسمع بيسمع بعطيك مساحة بيسمع وبيحاول يحلل، لكن سبحان الله، شوف القران كيف بيعلمنا وين ممكن يصير الإخفاق عند هؤلاء، أين يمكن يحصل الإخفاق؟ في الكبر على الآخرين. لا، حتى إذا أنت خايف أن تحشر إلى ربك وبدك تسمع القران، ما تجيني بنفسية المتكبر واللي يرى نفسه أعلى من الناس، لا، بتجلس مثلك مثل الناس. ولاحظ أن القرآن يريد النفوس السوية، يريد من أن يكون الملتحقون بهذه الدعوة أي حاجة؟ لا، يريد النفس السوية هي التي تلتحق بالدعوة.

لذلك حتى سبحان الله أحيانا في حياتنا العملية تجد بعض الناس في الطبقات المترفة في بلادنا هو في خير ماشي مترف فيه خير وربما فعلا حابب يسمع منك كشيخ أو كدكتور شريعة أو شيء، حابب يسمع، لكن أحيانا ياتي فيرى بعض الشباب اللي هيك وضعهم رث أو الشباب الطيبين اللي مش دكاترة ولا معاهم سيارات فارهة ولا شيء فبيجي بيدخل بينقبض صدره، بيقول لك خلاص يعني أنا، يعني أنا فعلا هو فعلا كان البداية بدو ينتفع ممكن، بس شو اللي صده عن حضور والجلوس؟ شعوره بالكبر على الناس: ﴿لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَن كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِّن كِبْرٍ﴾. نحن مش محتاجينك عفوا.

ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام في إحدى المفاوضات جاءه بعض رجالات قريش قالوا: اجعل لنا يوما بعيدا عن هؤلاء حتى نسمع منك ونشوف ونقرر ونحلل، فالله نهاه عن ذلك. النبي عليه الصلاة والسلام جاء في بعض الروايات أنه من باب المصلحة الدعوية قدرها هكذا أنه في مشكلة أنه أخلّ بلال وعبد الله بن مسعود يأتوا في يوم وأخلي يوم لأعيان كفار قريش، فالله سبحانه قال له: لا، بدهم يجلسوا مع هؤلاء، ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه. هؤلاء أحسن ناس، بلال وصهيب وعمار وعبد الله بن مسعود، هذول الناس اللي نفسيتهم سوية وقلوبهم طيبة ولا يرون أنفسهم أعلى من الناس، هؤلاء الذين يستحقون أن تلازمهم وألا تطردهم وألا تقوم عنهم، هؤلاء الملازمون للدعاء والعبادة والصدق. إنسان صادق حتى ولو ما كان غني وما كان معه بيت فاره ولا سيارة ولا شيء، هذا الذي تقوم عليه الدعوات. دعك من هذا المترف الذي لا يريد يسمع إلا إذا كان مستقل، حتى لو فيه خير، هذا الخير بده يعالجه هو ابتداء أنه اطرد الكبر من نفسك، ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين.

ما من حسابهم، هنا يمكن أن نرجع الضمير إلى من؟ أنه أنت مش مسؤول عن هؤلاء اللي شايفين حالهم، أنت مش راح تحاسب عنهم يوم القيامة حتى تحرص على ماذا؟ أن تصنع لهم يوما خاصا بهم بعيدا عن هؤلاء. ما عليك من حسابهم من شيء، أنت يوم القيامة ربنا عز وجل لن يحملك مسؤولية لماذا عتاولة قريش لم يسلموا، أنت مش مسؤول عنهم وما من حسابك عليهم، وبرضه هم لن يحملوا شيئا من حسابك، الكل سياتي يوم القيامة فردا، والمسؤولية ذاتية. فما دمت أنت يا محمد صلى الله عليه وسلم لا تتحمل حسابهم يوم القيامة ولا هم متحملين حسابك، لا تخضع لطلباتهم.

وهذه أيضا قضية أخرى ينبه فيها النبي صلى الله عليه وسلم للمرة الثانية في السورة، ينبه على عدم الخضوع أو الاستجابة لمقترحات المشركين. القضية الأولى ايش هي كانت؟ وقالوا لولا نزل عليه آية من ربي، حاولوا يضغطوا في هذا الاتجاه، فالله سبحانه قالوا: لا، مش مطلوب منك، ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾. النقطة الثانية اللي حاول يضغط فيها بعضهم اللي ممكن في خياله جاي يسمع نقطة أنه نحن ما بنجلس مع الناس المستضعفة، بدنا نجلس في مجلس خاص فينا كطبقة مترفة، أجاء القرآن يقول للنبي عليه الصلاة والسلام أيضا هذا المقترح مرفوض، يجلس في مجلسك مع الناس إذا هم نفوس سوية يبحثون عن الحق سيؤمنوا، لا علاقة أنه في المجلس ابن مسعود ولا بلال، الحق يبقى حق. أما اللي داخل على الإسلام بنفسية غير سوية بيخدمني في هي المرحلة، خاصة إخواني هذه المرحلة الأولى نحن بنتكلم سورة الأنعام، سورة ايش؟ مكية، السورة المكية بدها تشكل القاعدة الصلبة، أنا القاعدة الصلبة ما بيخدمني فيها النطيطة والموقوذة والمتردية، ما بيخدمني فيها إلا إنسان سوي يشيل الإسلام على ظهره.

الآن في مرحلة متقدمة لاحقة النبي عليه الصلاة والسلام سيؤلف بعض القلوب بالمال، صح صار في المدينة في آخر شيء يؤلف بعض الأعراب بالمال وهذا يعني بيثبته خلال أمور لوجستية وهذا بحب الفخر، لكن هذه الطبقة النبي صلى الله عليه وسلم يعرف أنها طبقة ثانوية في المجتمع المسلم بعد أن تم تشكيل الطبقة الأساسية. فالطبقة الثانوية لو أنه أنا خليت شخص يعني يسلم من خلال المال وشخص يسلم من خلال موقف معين لوجستي أو من خلال يعني بس أنا عارف أنه لم يسلم وهو في كامل قوته النفسية والإيمانية، هذول كطبقة ثانية بيمشوا الحال، بيمشي. بس الطبقة الأولى التي ستنهض عليها الدعوة ابتداء القاعدة الصلبة لا يصلح فيها النفوس المشوهة، نحن بدنا نشكل الآن القاعدة الأولى في سواء في مكة، هذه القاعدة بدها تفتح فارس والروم، فدائما أي تجمع إيماني ديني يجب أن ينهض على قاعدة قوية. فاحذر وأنت تشكل القاعدة الأساسية، هذه إخواني احفظوها في حياتكم وأزعم أنها والله من أعظم القواعد التي ابتليت بها الجماعات الإسلامية اليوم، احذر وأنت تشكل القاعدة الصلبة التي ستقيم عليها المجتمع أن تدخل النفوس المشوهة معهم. أنا بشكل قاعدة صلبة، هم خاصتي وحشمي والناس اللي حوالي وفزعتي، هذول الناس اللي بدي يخوضوا معي البحر ما بينفع يكون فيهم نفس مشوهة، بتعبني هذا اللي جاي يسلم باقتراح الآيات واللي جاي يسلم بس بشرط أني ما أجلس مع المستضعفين، هذا ما بيخدمني كقاعدة صلبة، هذا خليه بعدين بيسلم يوم فتح مكة يدبر حاله بطريقة أخرى، لكن أنا الآن: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَّا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 52].

طبعا البعض يفسر فما عليك من حسابهم أن الضمير كما قلنا ممكن يفسر أنه يعود على عتاولة قريش اللي طلبوا هذا الطلب، ويمكن يعود أيضا على مين؟ على الصحابة المستضعفين، يعني أنت يا محمد عليه الصلاة والسلام مش مسؤول عن حساب هؤلاء الصحابة وهؤلاء ليسوا مسؤولين عن حسابك، فأنت مطلوب أنك تلازمهم وتبقى معهم ولا تطردهم. حقهم في النهاية أنهم يحصل منك وينتفع منك أعلى درجات الانتفاع حتى يزيدوا من حسناتهم يوم القيامة، فإذا طردتهم لاحظ ماذا قال له، لاحظ التنبيه: فتكون من الظالمين. بالنسبة لاقتراح الآيات ايش قال له؟ فلا تكونن من الجاهلين. وهنا بالنسبة لاقتراح المشركين أنه نحن بدنا مجلس خاص فينا ايش قال له؟ إذا طردتهم أنت بتكون ظلمت، وهو حاشاه صلى الله عليه وسلم أنه ظلم، لكن هو ينبهه حتى لا يقع أو لا مثلا يمكن من باب حرصه صلى الله عليه وسلم على دعوة هؤلاء أنه يمكن يفكر بهذه الطريقة قال له: لا، الطريقة في التفكير ظلم. ثم سنختم بهذه الآية، قال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: 53]. طيب، ما هو الحل؟ مش هيك نحن رح نخسر هؤلاء؟ فربنا أعطاك سنة من سننه، قال: هي سنة الله أن يفتن الكبراء الأثرياء المترفين بوجود

المستضعفين الفقراء في سياق الدعوات هذه فتنة، إن أنت كشخص ثري أو معك مال بتيجي على درس دين، تشوف في شباب بهيئة رثة وأموال متواضعة، بتجلس معهم؛ هذا اختبار لنفسك، اختبار نفسية بسميه، إذا أنت ما عندك نفسية تجلس معهم، نحن مش بحاجة لك الآن، خلي القاعدة الصلبة تتشكل عند نفوس قوية.

فيقول: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا﴾ [الأنعام: 53] يعني اختبرنا بعضهم ببعض، اختبرنا الفقراء بالأغنياء من حيث إيش؟ إن الأغنياء سيتسلطون عليهم ويستهزئون بهم، وأنت كفقير بدك تصبر؛ وابتلينا الأغنياء بالفقراء أنه سيكون وجود الفقراء حاجز نفسي يمنع الأغنياء من السماع ومحاولة الاستفاده، وهذا ابتلاء، بدك هي الحياة الدنيا كذا ستبتلى، ولاحظ قال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَرْضٍ لِيَقُولُوا﴾ [الأنعام: 53] لاحظ التعليل، والكلام هنا ابتداء أن الله فتن الاغنياء واختبرهم، فتنة بمعنى الاختبار بوجود المستضعفين والفقراء في مجالس الدعاء والمصلحين.

قال ليقولوا: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا؟ شوف نفسية الشايف حاله، يعني هذول المستضعفين هذول بيفهموا أكثر منا؟ اه شايف هيك؟ هذا هي نفسية الثري الدارس في جامعات كبرى في أمريكا وكذا، إنه يعني معقول هذول المشايخ المطاوعة فاهمين الدين أكثر منا؟ نحن درسنا في جامعات عالمية كبرى، والله إخواني أنني أجلس أحياناً مع ناس دارسين في جامعات كبرى، والله أتفه من هيك ناس ما رايت، أتفه من هيك ناس في كلامه ونظرته للحياة وأسلوبه، تقول هذا شو، إيش تعمل في جامعات أمريكية؟ تظن أن قيمتك العلمية بحسب شهادتك الدنيوية ولا بحسب فكرك وطريقه نظرتك للحياة وتوازناتك؟

فهذا اللي يرى نفسه أعلى لا حاجة لنا به، قال ليقولوا، وهذه اللام قد تكون لام العاقبة، يعني فتنا بعضهم ببعض، اختبرنا الأغنياء بوجود الفقراء والمستضعفين في مجالس العلماء والمربين؛ ليكون عاقبة هذه الفتنة أن يقول الأغنياء المترفون عن الفقراء المستضعفين: هؤلاء معقول ربنا أنعم عليهم بالدين وما انعم علينا؟ أكيد هذول مش فاهمين وطريقهم غلط، فبروح هو إيش؟ بيترك التدين وبيترك حضور المجالس، ويبقى في طرفه؛ لأنه فقط إيش العقب اللي كان بينك وبين الإيمان؟ الكبر، والمتكبر لا حاجة إليه.

فالله أجاب: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمِ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: 53] الله لا، أليس الله هو الأعلم بالنفوس السوية التي تشكر الله قلباً ولساناً وعملاً؟ هؤلاء المستضعفون اللي أنتم بتشوفوهم طبقة ثانية أو مشايخ مطاوعة، هؤلاء نفوسهم سوية، فربنا بحبهم، ربنا عز وجل حبك، حب الله ليس متوقف على دراستك الجامعية ولا على منصبك الدنيوي ولا على نسبك ولا دارك ولا أموالك ولا ثروتك، حب الله متوقف على أن الله لا ينظر، كما قلنا في رياض الصالحين، إلى صوركم وأجسادكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم، بده يشوف أنت شو قلبك، أنت نفس سوية ولا لا؟

فلذا قال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمِ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: 53] نعم، قد يكون، بلى، قد يكون هؤلاء نعم المستضعفون الفقراء أهدى قلباً وعقلاً وذهناً منك يا أيها المترف الذي حرمت الهداية بسبب كبرك.

ثم بعد ذلك سنكمل في الدراسة القادمة، يبقى إن شاء الله من هذا المقطع، ونصلي المغرب، ونعود إلى الدرس الثاني في رياض الصالحين، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.