دخولتسجيل الدخول

مجالس الوحيين | تدبر سورة الأنعام ( اية 158 - للختام | المجلس الثامن عشر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن نهج نهجه واكتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

حييكم الله أيها الكرام في مجلس الختام من التعليق أو من تدبر سورة الأنعام، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حسن الختام دوماً، والحمد لله الذي أعاننا على الوصول إلى الختام. نعمة التدبر نعمة عظيمة، أعيد هذا المعنى في كل مجلس، نعمة التدبر وفهم معاني كلام الله سبحانه وتعالى وإسقاطها على واقع الحياة، وفهم رسائل الله عز وجل من هذا الكتاب العظيم. هذه نعمة من وفق لها فقد وفق إلى خير كثير.

ونعود ونذكر أن هذه مجالس الصحابة، وعلى هذا تربى السلف الصالح رضوان الله عليهم؛ فما كانوا يثيرون الكلام وقراءة الكتب ومطالعه الثقافات، وإنما كانوا ينكبون على معاني هذا الكتاب يستثيرونها في حياتهم، وفي واقعهم، وفي حياة أمتهم، وبهذا خرج لنا جيل صلب قوي تلقى الرسالات الإلهية وبدا يفعلها عملياً في واقع الحياة ففعلوا ما فعلوا. فالقضية ليست القضية المعرفية والثقافية، وما أريد أن تعرفه ليس هو كثرة القراءة، وإنما هو عمق المعنى ورسوخ المعنى ومدى قدرتك على إسقاطه في الحياة.

هكذا يولد النجاح، ليست القراءة الكثيرة الكثيرة الكثيرة ستصنع منك شخصاً ناجحاً أو أمة عظيمة، بل القراءة الصحيحة ولما ينبغي أن يقرأ ولما يستحق أن يتدبر ولما ينبغي أن يعمل به، هذا الذي صنع منا جيلاً قوياً قادراً على مواجهة تشعبات الحياة وفتنها وأحوالها وأخبارك. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يصرف قلوبنا إلى تدبر كلامه وإلى أحياء مجالس التدبر والاستهداء وإلى الفهم، كم من إنسان يقرأ لكنه لا يفهم! وكم من إنسان قرأ القرآن مرات ومرات ومرات وختم الختمات تلو الختمات وما زال القرآن مستعجماً في ذهنه لا يستطيع أن يربط بين آياته ولا يستطيع أن يسقطه في واقع الحياة!

فأن يرزقك الله فهم المعنى وأن يشرح على قلبك ويفك هذه الأقفال هذه نعمة عظيمة، لو جلست تدعو الله سبحانه وتعالى طوال عمرك أن يفتح على قلبك لتستشرح معاني هذا الكلام تفهم مراميه والله لا تظن أن الموضوع لا يستحق لهذا البذل، بل أنت تحتاج أن تبذل كثيراً كثيراً وتسال الله سبحانه وتعالى أن يشرح صدرك، ولو جلست طول عمرك فهذا أقل ما يمكن أن تفعله بتجاه هذا الكتاب العظيم.

في ختام هذه الصفحة أو في ختام هذه السورة، كأن هذه الصفحة الختاميه أتت لتغلق الملفات التي فتحت في هذه السورة، وهكذا طبيعة الكلام البليغ كالخطب والمجادلات والمناقشات والمناظرات أن الكلام يتشعب في قضايا تصب طبعاً في خدمة الفكرة العامة، ثم يأتي فيختم بخلاصات مهمة أساسية هي النتائج التي ينبغي السير عليها، وهذا ما ستجده واضحاً بيناً في ختام هذه السورة أنها تقدم لك الخلاصات والنتائج بشكل جميل وواضح ومركز حتى تعمل عليها في حياتك.

الآية الأخيرة التي علقنا عليها في المجلس الماضي قوله تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ ۚ فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن ربِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ۗ سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: 157]. ثم تأتي هذه الآية في مطلع الصفحة الأخيرة متممة لتلك الآية: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهِمْ خَيْرًا ۗ قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ [الأنعام: 158].

في ختام الآية السابقة الله سبحانه وتعالى أطلق وعيداً لمن ياخذ الناس بعيدا عن كلام الله سبحانه وتعالى، ولمن يواجه هذا الكلام ويقف في الصف الآخر يتوعده: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ قلنا ما معنى يصدفون؟ يعني يعرضون ويجعلون الناس أيضاً يعرضون، يعني هم لم يكتفوا بالإعراض بأنفسهم بل هم يصدون الناس عن الانتفاع بكلام الله سبحانه وتعالى، يواجهون القرآن ويقفون في الصف الآخر المقابل له ليشوهوا معانيه، ليضيقوا الخناق على أهله، ليمنعوا من نشره في المحافل والمجالس.

فالله سبحانه وتعالى يتوعد هؤلاء الذين ياخذون الناس بعيداً عن كلام الله سبحانه وتعالى بكافه أشكال الصدف التي يمكن أن تاتي على ذهنك قديماً وحديثاً، أن هذا الصدف عن آيات الله سبحانه له أشكاله وأنماطه وأحواله؛ فهناك صدف عن المعاني بتشويهها، وهناك صدف عن الألفاظ بالتضييق على معلم القرآن وعلى أهل القرآن وعلى مجالس القرآن. فالصدف له أشكاله، الله يتوعد: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ بسبب هذا الفعل القبيح وهو أنك تأخذ الناس بعيداً عن كلام ربهم سبحانه وتعالى.

فتأتي مطلع هذه الصفحة تقول: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. هنا هذا الاستفهام أيها الكرام: هل ينظرون؟ استفهام قالوا: أما مقصده الوعيد وأما مقصده التهكم؛ إما أن يكون المقصد منه الوعيد وإما أن يكون المقصد منه التهكم بهذه الحالة الكفرية.

مقصده الوعيد إذا بنينا هذه الجملة على الجملة الختامية: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾، فالله سبحانه وتعالى يتوعدهم: هل تنتظر يا أيها الذي تصدف عن آياتي إلا أن أتيك بملائكة شداد، أو يأتي ربك فيحاسبك حساباً شديداً، أو يأتي بعض آيات ربك العظام المهولة التي لا قوة لك على مواجهتها؟ وقد تكون هذه الآيات في تفسير بعضهم هي نفس العذاب الذي يستأصل الله به القرى الكافرة، فهنا يكون الاستفهام توعدياً.

انظر كيف سيكون التركيب: سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون، هل تنتظر إلا أن يأتيك ملائكة من الله غلاظ شداد، أو يأتيك ربك وهذا إتيان بذاته بعيداً عن تأويل أصحاب الفرق الكلامية، للإتيان إتيان أمر، إتيان ذات الله سبحانه وتعالى والله كما وصف نفسه ولا ندخل في الكيف، أو يأتي ربك فتقف بين يديه يوم القيامة فيعاتبك ويخزيك، أو يأتي بعض آيات ربك من عذاب الاستئصال أو غيرها من أشراط الساعة كما سياتي في الاحتمالات التي تدخل في معنى الآيات هنا، فإذاً السياق يكون سياق توعد.

كأنه مثلاً عندك شخص أمامك يفعل أشياء كثيرة منكرة وأنت تحاول أن تهديه وترفق به وهو مصر على أعراضه ومصر على مواجهتك ومحاربتك، أنت توعدته ابتداءً ثم توعدت وعيداً آخر فقلت له: أنت لا تنتظر إلا أن يحصل لك هذا وهذا، أنا عارف أنت لا تتعلم حتى يحصل لك هذا وهذا، عبارة تهديد.

قالوا: ويمكن أن يكون الاستفهام ليس للتهديد بهذه الأمور وإنما التهكم بهم، وهذا بناءً على ماذا؟ بناءً على المقطع الذي قبل الختام في الآية السابقة لما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ هؤلاء المشركون من بداية السورة وهم لا يرون القرآن شيئاً كبيراً، ويطالبون النبي عليه الصلاة والسلام بآيات مذهلة، من بداية السورة كانت هذه الأجواء العامة، ولم يجدوا في أنفسهم مقنعاً مع أنهم يعلمون أنه معجز وأن الله تحداهم به ولم يستطيعوا مواجهته، لكن نفوسهم المريضة والقلوب العاصية التي لا تريد أصلاً السير إلى الحق ولا البحث عنه، وإنما تريد مجرد المماراة والمماحكة والجدل.

فالله سبحانه وتعالى يقول: إذا كان هذا الكتاب لا تجدون فيه مقنعاً لكم ماذا تنتظرون؟ تريدي آيات أعلى من هذا الكتاب؟ هذا الكتاب الذي لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله؟ هذا الكتاب الذي يقول فيه ربنا في سورة الرعد: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: 31] والجواب لكان هذا القرآن، هذا الكتاب بكل ما فيه من معاني الجلال والتعظيم والتفخيم وكل ما فيه من العبر والقصص والإعجاز إذا هذا الكتاب لم يقنعكم ولم ياخذ بأيديكم إلى الهدى وما زلتم تقترحون الآيات تلو الآيات؟

فيقول متهكماً بهم أنهم صدفوا الناس عن هذه الآيات وأعرضوا عنها بأنفسهم وبالناس، وكأنكم تتشوفون وتتطلعون وتنتظرون آيات أكبر من هذه الآيات حتى نرضيكم بها ونرضي كبريائكم؟ تريدون أن أنزل لكم الملائكة جميعاً بين أيديكم؟ أليس في بداية السورة قالوا: ﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ﴾ [الأنعام: 8]؟ كانوا يريدون ملائكة تاتي هي التي تدعوهم، يعني ليسوا مقتنعين أن يكون الرسول بشرياً.

هل تنتظرون يعني أن أنزل إليكم الملائكة حتى يقتنع تقتنع قلوبكم المريضة؟ أو ما رايكم أن يأتي الرب بذاته يتحدث معكم وليدعوكم وليطالبكم بأن تؤمنوا به؟ أو يأتي بعض آيات الله العظيمة المرعبة حتى تأخذ بأيديكم؟ ماذا تنتظرون؟ طبعاً هذا يكون استفهام تهكمي بهذه الطريقة على هي العقلية التي جاءها ألف دليل وهي تطلب ما هو أعلى منه ولا تريد أن تنصاع للحق، فهذا محتمل وهذا محتمل.

طبعاً هنا ينظرون بمعنى ينتظرون، ونظر في اللغة إخواني تأتي نظرة بصرية وتاتي نظر بمعنى انتظر. النظرة البصرية تتعدى بـ (إلى)، تقول: نظرت إلى اللوح، نظرت إلى الحائط، نظرت إليك. ولكن النظرة الثانية وهي النظرة التي بمعنى انتظر أي متعدية بنفسها، انتظر محمد خالداً، فهنا قالوا ينظرون بمعنى ماذا؟ نظر البصرية ولا نظر بمعنى انتظر؟ لا، هذه نظر بمعنى انتظر، والتقدير المعنى: هل ينتظرون إلا أن تاتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك؟

الآن من حيث الواقع، هم لا ينتظرون شيئاً صحيح، نحن قلنا هذا أما وعيد وأما ماذا؟ تهكم. فهم من حيث الواقع هم لا ينتظرون شيئاً تماماً، لكن كما يقول الطاهر بن عاشور ولكنهم صمموا على الكفر واستبطنوا العناد، فإن التقدير فإن فرض لهم انتظار، لو فرضت في ذهنك لهم انتظار، فانما هو انتظار ما سيحل بهم من عذاب الآخرة أو عذاب الدنيا أو ما هو برزخ بينهما.

إذاً هو فعلياً هم لا ينتظرون شيئاً أصلاً، هي كما قال لك: فلا انتظار لهم ولكنهم صمموا على الكفر وفي داخلهم أبو جهل وزبانيته وما أكثرهم في كل زمان ومكان هم مصممون على العناد وعلى مواجهة الحق، قال: فان فرض كتقدير، فان فرض لكم انتظار، إذا فرضنا تنزل لكم انتظار فإنما هو انتظار ما سيحل بهم من عذاب الآخرة.

ما بقي إذا قلنا السياق وعيد، أنت لا تنتظر إلا أن يحصل لك هذا الأمر، أن يحل بك عذاب الآخرة أو عذاب الدنيا أو ما هو برزخ بينهما، فيكون الآن هو سيدرس الطاهر بن عاشور آية الحصر الموجودة في الآية: ﴿هل ينظرون إلا أن تاتيهم الملائكة﴾ يعني أنت لا تنتظر إلا هذه الأشياء، لكن هو في الواقع نحن قلنا أصلاً هم لا ينتظرون شيئاً.

فكيف يكون معنى الحصر: هل ينظرون طبعاً ينظرون اللي هو أنا أقرأ المعنى الآن هل ينظرون إلا هذه الأمور الثلاث؟ هو يحصر انتظارهم في هذه الأمور الثلاث مع أننا قلنا هم في الواقع هم لا ينتظرون شيئاً، بدك تتكلم لا ينتظر شيء؟ فيقول: فيكون الاستثناء هنا وأسلوب الحصر تأكيداً لشيء بما يشبه ضده. ما معنى التاكيد لشيء بما يشبه ضده؟ هو في الحقيقة تأكيد لأنهم لا ينتظرون تماماً، ولكن السياق يوحي إليك أنهم ينتظرون.

لكن السياق يوحي إليك أنهم كأنهم ينتظرون أشياء، لكن هذا كيف يقولون المدح بما يشبه الذم أو الذم بما يشبه المدح؟ هذا نفس الشيء، هو السياق يشعر في الظاهر إذا أردت تأخذها ظاهرياً تشعر أنهم كأنهم ينتظرون شيئاً، لكن السياق في الواقع وفي المضمون هو يقول لكم لا ينتظرون شيئاً، ولكن المراد: أنتم لا ينتظرون شيئاً ولكن سيجيئكم ما لا تنتظرونه، وهو إتيان الملائكة أو الرب أو بعض آيات الرب.

بس هذا طبعاً على أي معنى؟ على المعنى الوعيدي ولا التهكمي؟ هذا هو على المعنى الوعيدي، على المعنى الوعيدي هم لا ينتظرون شيئاً صحيح، ولكن كأنه يقول: أنا أعلم أنكم لا تنتظرون شيئاً، ولكن سياتيكم ما لا تنتظرونه، ولكن سياتيهم ما لا تنتظرونه نعم. قضية أنهم سياتيهم ما لا تنتظرونه أتى بها بصيغة استثنائية حصرية، لأول وهلة تظن أنهم ينتظرون هذه الأمور لكنهم لا ينتظرونها، لكن ستاتيهم وعيداً وتخويفاً لهم.

والكفار يدركون هذه الطريقة في الوعيد، لما يكون أنت خلينا نرجع على الأسلوب الأول أنا أسلوب وعيدي: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ يعني أنت مصر على الصدف ها؟ إذاً أنت لا تنتظر إلا واحد أو اثنين أو ثلاثة، أنا عارف لا تنتظر إلا واحد أو اثنين أو ثلاثة. هسه الآن في العقل الباطن أنت عارف أن هو لا ينتظر هي الأشياء، وأسلوب الحصر هنا إنما هو كما قال لك أسلوب يعني وعيدي كأنك تقول له ستاتيك هذه الأشياء وإن كنت لا تنتظرها، فالسياق أتى بهم في ثوب من ينتظر، ولكنه في الواقع هو لا ينتظر، لكنني أتوعدك بهذه الأمور، فلأنني أتوعدك بمجيء الملائكة أو مجيء الرب أو مجيء بعض آيات الرب المرعبة، أخرجت الوعيد بقدوم هذه الأشياء في صورة كأنك منتظر مترقب، وإن كنت في الواقع هو لا ينتظر ولا يترقب، وهذا أسلوب بلاغي عالي في كتاب الله سبحانه وتعالى إظهار من لا يترقب.

الشيء ولا ينتظره في صورة من ينتظره، بل في صورة من لا ينتظر إلا هذه الأمور. شوف كيف التدرج! بل أخرجتك في صورة من لا ينتظر إلا هذه الأمور. وإنما يريد الرب سبحانه وتعالى بإظهار هذه الصورة التوعد الشديد، أنت خلاص ما عاد تنتظر إلا هذه الأمور، أنا عارفك ما عاد تنتظر إلا هذه الأمور.

هذا وعيد بقدومها إذا بقي الحال على ما هو عليه من العناد واستبطال الكفر، أما كما قلت إذا كان السياق تهكمياً فهذا سينبني على فكرة أخرى، وهي فكرة ماذا؟ أنه هم لم يقنعوا بالقران، إذن فيقول: كان يقول لك يعني ايش رايك يعني ما الذي سيقنع؟ يعني في سياق الناس تقول يعني ما هل تنتظر يعني يأتيك شيء أكثر من ذلك؟ وتريد شيئاً مذهلاً أكثر؟ إذا كان القران لم يقنعك، لم يقنعك شيء، وإنما أنت ملاعب عابث.

يقول سبحانه وتعالى بعد ذلك -طبعا كما قلت- إتيان الملائكة في سياق الوعيد، والإتيان بالعذاب، وإتيان الرب، والوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، أو يأتي بعض آيات ربك؛ هذا قد يكون في القبر، وقد يكون في أشراط الساعة كما فسرها بعضهم، وقد يكون بعذاب ينزله الله بهم مرة واحدة دون الحاجة إلى الملائكة. يعني قد لا ت... يعني الله عز وجل قادر أن ينزل بهم عذاباً يبقى إيه ولو لم يكن هناك ملك ينزله عليهم، فآيات ربك معنى محتمل لأشراط الساعة، أو عذاب استئصالي لا حاجة حتى للملائكة أن هي التي تاتي به «كن فيكون»، أو قالوا: آيات ربك قد يكون شيئاً من عذابات الآخرة. فهذا كله من المعاني التي ذكرت.

قال: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: 158]. لاحظ أن الآية كأنها عادت فاستثنت الاحتمال الأول والاحتمال الثاني: إتيان الملائكة أو إتيان الله سبحانه وتعالى بذاته، وركزت على الاحتمال الثالث، وهو: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها. ما المراد هنا ببعض آيات ربك؟

ورد في بعض الأحاديث والآثار أن المراد بهذه الآيات البعضية -بعض آيات ربك- هو طلوع الشمس من مغربها، وهذا مفسر من النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث صحيحة. وقال: وحينئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل وكسبت في إيمانها خيراً.

لكن هنا يأتي سؤال في سياق التدبر، وهو: هل هذه السورة حصرية؟ أنه هل بعض آيات ربك هو فقط طلوع الشمس من مغربها؟ أم يمكن أيضاً أن تشمل مثلاً سورة نزول العذاب الاستئصالي بهم؟ لأن الله عز وجل يقول: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: 98] في سورة يونس؛ أن الأصل أيضاً إذا نزل العذاب بالقرى الكاذبة، خلاص إذا نزل العذاب انتهى، لا مجال للتوبة بهم. ممتاز.

فقال بعضهم: يصلح أيضاً أن يدخل تحت بعض آيات ربك العذاب الاستئصالي. فبعض آيات ربك إذاً يصلح أن تفسر بالعذاب الاستئصالي، لأنه إذا جاء لا ينفع نفس الإيمان. وخلاص، ورفع العذاب الاستئصالي عن قوم يونس كان حالة استثنائية، الله عز وجل لشيء علمه بهم، والا فالأصل أن العذاب الاستئصالي إذا وقع لا ينفع نفس إيمانه، وهو آية من آيات الله على قهره وجبروته عز وجل. ويصلح أيضاً -وهذا ما دام الحديث دل عليه فلا ينبغي أن يدخل- أن بعض آيات ربك أيضاً هو طلوع الشمس من مغربها. فباختصار؛ هناك آيات لله إذا وقعت وحصلت أغلق باب التوبة، فعندئذ لا ينفع.

والنفع هنا عند الله سبحانه وتعالى -يعني- ذهب الانتفاع، لا ينفع نفساً إيمانها، لا ينفع حصول الإيمان لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً. الحقيقة هذه الآية عندما تأملتها أجد فيها إشارة إلى معنى عقدي. هذا التنويع بـ (أو) هنا؛ الله سبحانه وتعالى تكلم عن نفس؛ النفس الأولى: نفس لم تكن آمنت قبل مجيء الآية، مثلاً كل نفس لم تكن مؤمنة قبل طلوع الشمس من مغربها إذا أرادت أن تؤمن بعد طلوع الشمس بمغربها نقول فات الأوان، صحيح؟ لم تكن آمنت من قبل. فهذا الكلام، النفس الأولى هي نفس كافرة، لم تؤمن من قبل أصلاً وتريد أن تؤمن الآن بعد نزول العذاب أو بعد طلوع الشمس من مغربها، يقول الله عز وجل لها: لا ينفع ذلك.

النفس الثانية: قال: أو كسبت في إيمانها خيراً. حقيقة هذه (أو كسبت في إيمانها خيراً) عندما تقرأ في -يعني- تفاسير مثلاً من ينحى منحى الإرجاء، ستشكل عليه الآية هذه، لأن ظاهرها في الحقيقة والذي ينبغي أن يؤخذ به أنها تدل على أن من آمن ولكنه لم يقم بجنس العمل، لم يعمل عملاً صالحاً من أعمال الإسلام، أن هذا أيضاً لن ينتفع بايمانه عند الله سبحانه وأنه ليس مسلماً وأنه كافر.

فأنت عندك حالتان: شخص أصلاً هو كافر ولم يقم بالإيمان ابتداء، فهذا لن ينتفع. وشخص آمن بلسانه تماماً، وأظهر دخوله في الإسلام، ولكنه لم يكسب في إيمانه خيراً. هذا على ماذا يدل؟ يدل على أن -طبعاً لم يكسب خيراً، خيره هنا إيه نكرة في سياق النفي- أو لم يكسب خيراً، فخيراً نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، يعني لم يفعل أي خير. فهذا يدل على معتقد أهل السنة والجماعة، وهو أن العمل داخل في مسمى الإيمان، وأن مجرد الإيمان اللساني، أنك مجرد تعلن دخولك في الإيمان لكن لا تتبع ذلك بأي عمل من خصائص الإسلام، فلا يقوم بمباني الإسلام الأربعة، لم يصلى لله صلاة ولا زكاة ولا صوم ولا حج ولم يفعل شيئاً من خصائص الإسلام الواجبة، أن مثل هذا أيضاً ليس مسلماً انتهى وإن كان هو يظهر الإيمان.

«أو كسبت في إيمانها»: أنت آمنت بس ما عملت خير، فبعد طلوع الشمس من مغربها أو إتيان العذاب لن تنتفع بأي عمل صالح ستفعله بعد ذلك. إذاً، هذا فيه إشارة ظاهرة إلى أن الله سبحانه وتعالى لا يعده مؤمناً من لم يقم بأي عمل من أعمال الخير، فقط آمن في الظاهر ولم يتبع ذلك بما يسمى عند علماء الحديث تارك جنس العمل.

فكيف يأتي المرجئ ويقول إن الأعمال الظاهرة ليست داخلة في مسمى الإيمان؟ تعرفوا، البعض يقول لك: إذا الإنسان آمن في قلبه حتى لو ما عمل أي شيء قد يكون إيمانه مثل إيمان جبريل! غريب بعض القران مرج... سبحان الله! إيمان جبريل لأن العمل هو شيء كمالي أو شيء. يا شيخ لو ما أعمل أي عمل، أي عمل ظاهر، لم يصلي لله صلاة ولم يزكي زكاة ولم يصوم صوماً ولم يحج حجاً، أنا كلامي عن تارك جنس العمل، أنا ما بتكلم عن مقصر، عن واحد مثلاً بصلي بس بيزكي، لا، ركزوا معي، أنا بتكلم عن شخص لا يقوم بأي عمل من مباني الإسلام الأربع؛ من الصلاة والزكاة والصيام والحج وما يتعلق بها، طبعاً هنا لا يدخل -كما قال علماء العقائد- الأعمال الإنسانية العامة.

بس يا شيخ بجوز مثلاً بر والديه، بجوز ساعد واحد؟ بقول: هذه ليست من خصائص الإسلام، ممكن يعملها الكفار اليوم في جمعيات يهودية ونصرانية وصلبية، يعملوا أعمال إنسانية وحيوية وحقوق إنسان وكذا، وإن كان أغلبها دجل بس يعني يوجد. لكن نحن نتكلم عن خصائص الإسلام؛ الذي لم يكسب في إيمانه خيراً انتهى أمره، مثله مثل الكافر.

الآن هذا المعنى لما تاتي مثلاً إلى تفسير التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور، تأتي تفسير مفاتيح الغيب للرازي -عفوًا- تفسير الرازي مفاتيح الغيب، تجد أن هذا المعنى الذي أقوله لكم الآن لن تجده في تلك الكتب، لماذا؟ بل بالعكس، يعني الطاهر بن عاشور دافع عن طرد هذا المعنى الذي أقوله لكم الآن رحمه الله عليه فيقول... ولانه -شوف ماذا يقول الطاهر بن عاشور- ولانه لو كان كذلك وسلمناه، لما اقتضى أكثر من أن الذي لم يفعل شيئاً من الخير عدا أنه آمن لا ينفعه إيمانه، وذلك إيجاد لقسم لم يقل به أحد من علماء الإسلام!

استغربت صراحة يعني الطاهر بن عاشور أنا خلص أغفر الله للجميع لكن يقول إن هذه الآية يقول هو يرى الطاهر بن عاشور أن جملة أو كسبت في إيمانها خيراً يجب أن تبقى على ظاهرها، ويرى أن هي كسبت في... لا، تبقى على ظاهرها؟ قال: لأنها لو أبقيت على ظاهرها، لعلى ماذا دلت؟ لو لو بقيت على ظاهرها لاقتضى أكثر من أن الذي لم يفعل شيئاً من الخير عدا أنه آمن لا ينفعه إيمانه. قال: وذلك إيجاد لقسم لم يقل به أحد من علماء الإسلام.

وهذه نقطة الخلاف بيننا وبينهم؛ أن الأشعرية مرجئة في باب الإيمان، فيرون أن الإنسان فقط إذا آمن بلسانه خلص يعني يعتبر مؤمناً في الدنيا وفي الآخرة حتى ولو لم يأتي ولم يفعل بشيء من أفعل... الخير في حياته. وهذا نقطة نقاشية بيننا وبينهم، أن هذا الكلام غير صحيح، وقوله إنه لم يقل به أحد من علماء الإسلام هذا كلام غير صحيح، بل هذه عقيدة السلف.

لكن أنا أدرك أن... تقول لي يا شيخ طيب رجل بحجم الطاهر بن عاشور -وحقيقة هنا أسجل كلمة تزكية لتفسير الطاهر بن عاشور- حقيقة بعيد عن الأخطاء التي ترد، وأنا أعرف يعني أسبابها والخلاف العقدي الذي حصل في الأمة منذ القدم خلاف فاستقر، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لكل من أخطأ، الفكرة أن تفسير الطاهر بن عاشور حقيقةً بعيداً عن الأخطاء العقدية من التفاسير المتفوقة جداً والمتميزة، بل في اعتقادي أنه فاق كثيراً من تفاسير المتقدمين.

طريقته في فهم النص ومساحات البلاغة التي فيه، حقيقة يعني يقرا في تفسير الواحدي ويقرا في تفسير ابن الجوزي ويقرا في تفاسير كثيرة، بل حتى في تفسير الرازي؛ أخي الطاهر بن عاشور عليه رحمه الله يستنبط ويدرك وينتبه لبعض القضايا البلاغية التي بها يستقيم المعنى وتكون ذات ثمرة رائعة، لا تجدها موجودة على الأقل فيما وقفت عليه من كثير من تفاسير المتقدمين. طبعاً التفاسير أتكلم أنا، التفاسير التي تعتمد على الناحية التحليلية البلاغية؛ هي الآن في تفاسير المأثور هذه جليلة عظيمة، تفسير ابن جرير الطبري التي تعتمد على النقل عن السلف هذه منحى مختلف، لكن أنا أتكلم عن التفاسير يعني بسمو تفسير بالراي، التي تقدم رأي المفسر في فهم النص وطريقة التعامل معه، لو يعني فتشت في كثير من التفاسير حقيقة تجد الطاهر بن عاشور دقيق ومنتبه لقضايا بلاغية، وأظن أحد أسباب ذلك أيضاً وتوفيقه في هذا أنه لم يصب جل اهتمامه لمناقشه قضايا عقدية معينة حصل ذهنه فيها، يعني لما تنظر في مفاتيح الغيب الرازي ولا تنظر في تفسير البيضاوي أو حتى النسفي أحياناً، تشعر أن هناك قضايا فكرية عقدية كانت شاغلة لذهنه، يريد أن يعني يصبغ تفسيره بالرد على القدرية -عادة ما تجد الرازي تجد التفسير منهمك فيه جداً في الرد على القدرية وأحياناً شيء من الفلاسفة وأحياناً المجسمة بسميهم- فتجد أن هناك فكرة معينة طاغية، وإن كان في فوائد لا يقل من شأنها حقيقة، ولكن أنا أقصد تجاية إخ... أكلت التفسير بسميها، اخذت الحجم المساحة الأكبر.

والبعض تجده يهتم فقط برؤوس رؤوس المعاني، ولا يهتم بنقد الآراء الصحيحة من الآراء السقيمة، أو الآراء المنتجة من الآراء البعيدة. لا، الطاهر بن عاشور حقيقة دقيق جداً ويهتم بنقد حتى الآراء التفسير بالرأي الذي يرى أنه مثلاً هذا التفسير للايه ليس ذا معنى كبير، هذا التفسير بعيد متكلف، هذا التفسير آه والله قريب وفيه من البلاغة، ثم الرجل متمكن متضلع في البلاغة، فتجد لما يذكر المعنى البلاغي يسقط مباشرة على الآية تمكن من البلاغة مع عدم طغيان فكرة معينة يريد أن يسبغ بها تفسيره، وإنما يهتم بالناحية اللغوية البيانية، جعل للتفسير قيمة عليا حقيقة لا تجدها في كلام غيره.

فلذلك يعني ابن جرير الطبري من حيث المنثور والطاهر بن عاشور من حيث المعقول يتشكل لك لوحة جميلة رائعة. طبعاً هذا لا يعني أننا نقلل مثل «بحر المحيط» لأبي حيان، أو «السمين الحلبي» أو غيرهم، لا، كلهم عندهم فوائد، لكن أنا أقصد للمعاني؛ يعني بعض علماء التفسير كما قلنا يطبع تفسيره بمسائل نحوية وصرفية وكذا وكذا، وبعضهم لا، هنا الطاهر بن عاشور يهتم بابراز المعنى، يتطرق لقضايا نحوية وصرفية، لكن المهم عند الطاهر بن عاشور المعنى البلاغي، وحقيقة المعنى البلاغي هو سر القرآن، فلذلك تجد أن تفسيره يلامس القلب ويؤخذ منه معاني وأفكار، وفيه نقد كما قلت يعني كبير جداً للتفاسير المتقدمة في آرائها، فلذلك يعني يعني لا تبتعد عنه.

لكن ما المشكلة؟ المربع الذي نحن فيه الآن؛ أن الطالب الذي لم يضبط عقيدة أهل الحديث سيقع في مطبات مع ابن عاشور عليه رحمه الله في هذه القضايا في أكثر من مسائل، في مسائل الأسماء والصفات؛ يعني مثلاً ابن عاشور لما ياتي أو يأتي ربك في الآية التي تنحن فيها، لابد يدخل في قضايا مجازية بالنسبة له، لأنه صار على طريقة «ياتي أمر ربك» وكذا، وسبحان الله لما يدخل ابن عاشور في التأويلات البعيدة عن الظاهر، ينزل مستوى الكلام، يعني تجد خلص يصير على طريقة القوم أنه مش يعني أي تصريفه للنص المهم أن يحمل على ظاهره، فتجد أن مستوى التفسير يتدنى في هذه النقطة، وأنه المعنى ليس ذا بالذي ذكرته.

ونفس الشيء فعله في قضية ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: 158]؛ ذكر أن المراد كسبت في إيمانها خيراً يعني التوبة، قال معنى كسبت...

في إيمانها خيراً هي التوبة، وانه الإنسان إذا كان عنده مثلاً ما عنده من الذنوب والمعاصي قبل طلوع الشمس من مغربها ولم يتب منها، فبمجرد طلوع الشمس من مغربها أغلق باب التوبة حتى لو كان مؤمناً، فحص حصر هي الجملة أو كسبت في إيمانها خيراً في من في المؤمنين أصحاب الفجور والمعاصي الذين لم يتوبوا قبل طلوع الشمس من مغربها، فهذا إذا طلعت الشمس من مغربها فجاء ليتوب لا تنفعك توبتك، كما أن الكافر إذا جاء أن يتوب ويسلم لا ينفع إسلامه، بس طبعاً بالتالي الفاجر الذي لم يتب هو في وجهة نظر ابن عاشور مؤمن.

تمام يعني إيمانه نافع يوم القيامة بس شو مشكلته؟ أنه توبته من فجوره خلص لن تقبل، بالتالي يوم القيامة يعامل معاملة أهل الكبائر أنه أتى الله بكبائره التي لم يتب منها، ويعني مؤمن أتى بكبائره أو مسلم أتى بكبائره وإن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة.

فإذاً جملة أو كسبت في إيمانها خيراً أصبحت محصورة في فكرة قضية التوبة، مع أنه النص أعم من ذلك بكثير يعني النص لم يتكلم عن التوبة قال أو كسبت في إيمانها خيراً، شوف الإطلاق.

طيب أنا عارف لأنه هو يقر أنه المشكلة ما هي أنه هو لا يرى أن تارك جنس العمل لا ينتفع بايمانه، لا يرى أن لا ينتفع بإيمانه يرى أنه لا ينتفع على طريقة المرجئة بس لا تقبل توبته بعد طلوع الشمس من مغربها، ولذلك هنا في سياق آخر ماذا يقول؟ والاشتغال بتبيين ما يستفاد من نظم الآية من ضبط الحد الذي ينتهي عنده الانتفاع بتحصيل الإيمان.

الحد يعني اللي هو زي طلوع الشمس المغربية، والاشتغال بتبيين ما يستفاد من نظم الآية من ضبط الحد الذي ينتهي عنده الانتفاع بتحصيل الإيمان وتحصيل أعمال الخير بالنسبة للثانية هي تحصيل الإيمان بالنسبة لم تكن آمنت من قبل وتحصيل أعمال الخير قال أجدى من الخوض في لوازم معانيها من اعتبار الأعمال جزءاً من الإيمان.

احنا يعني خلص لا تخوض كثير في أخذ لوازم هذه الآية إذا أنت منتبه أن لازم هذه الآية اعتبار أعمال الجوارح جزءاً من الإيمان، فهو يرى أنه ما في داعي تشغل نفسك في لوازمها، خلص الاشتغال بتبيين ما يستفاد من نظم الآية اشتغل بنظم الآية فقط لا تروح على اللوازم، هي اللوازم ليست مقصودة، أيش الددل على عدم قصدها؟ ما ثبت في كتب العقائد من أن العمل غير داخل في مسمى الإيمان، فهو يريد أنه لا تنظر إلى اللوازم وتغافل عنها، خلص واشتغل فقط بنظم الآية، الظاهر أنه إذا طلعت الشمس من مغربها من كان كافراً لا ينفع إيمانه، واللي كان فاجراً لا تنفع توبته، أنت وقف عند هذا الحد.

دون فقال هذا أجدى، أجدى من الخوض في لوازم معانيها من اعتبار الأعمال جزءاً من الإيمان، لا سيما ما في أصل المعنى من الاحتمال المسقط للاستدلال.

ما معنى ذلك؟ أنه هو يقول لك أو كسبت في إيمانها خيراً أنت لا تستطيع أنك تلزمني أن المراد بها ترك جنس العمل، ليش ما يكون المراد بها ايش كما قال هو أن المراد أو كسب خيراً عدم التوبة بس؟ تمام أنا شوف أنا لا أنفي، أنا لا أقول أن المعنى الذي أقوله أن الآية تدل على أن تارك جنس العمل الكافر هو المعنى النصي الذي لا يمكن فهم النص إلا به، أنا لا أزعم ذلك، لكن أقول هو المعنى الظاهر المتبادر من الآية، والذي يمكن أن أجعله أحد أدلتي الظاهرة ولا أقول النصية على أن تارك جنس العمل ليس مؤمناً، تارك جنس العمل، لكن هو يريد أن يجعل مجرد دخول الاحتمال مسقطاً للاستدلال.

طيب هذا نص في النهاية، أعطيني المعنى الذي تراه مناسباً، حمل المعنى فقط على صورة واحدة صورة التوبة، قال فالعزم على الخير هو التوبة أي العزم على اكتساب، كيف وقع في الكلام إيجاز حذف اعتماداً على القرينة الواضحة.

فأقول يعني أنت برضه يعني أذبت المعنى يعني أذبت الجملة، أصبحت الجملة محصورة ضيقة في محاملها، لأنه هو القضية الآن هي ليست قضية الآن ماذا أعتقد أنا وماذا تعتقد أنت، القضية أن نصل لمراد الله، يعني هذا الذي ينبغي أن يشغلنا، هذه الآية ماذا مراد الله؟ طبعاً أنت عندك اعتقاد وأنا عندي اعتقاد، لكن في النهاية في النهاية هذه الله أراد أن يوصل بها معنى، أعطني ما هو المعنى اللائق بجمالية هذه الآية؟ ليست الفكرة فقط أنك تحط أي معنى ويمشي الحال، ما هو هي مش قضية تعبئة فراغ إخواني، التفسير والتدبر هو ليس تعبئة فراغ، وإنما هو ماذا؟ السعي الدؤوب والاجتهاد العالي لفهم رسائل الله في القرآن.

وهذه المشاكل لما صارت خلافات عقدية فكان بعض أهل البدع لما يرى الآية لا تمشي مع معتقده يلوي أعناقها ويعبئ الفراغ من عنده، من عنده طبعاً هو يجتهد، نحن نحسن بالعلماء أنه يجتهد بس يكون الاجتهاد يا اخي بعيد متكلف، وأنا عارف اللي يوصلك لهذه النقطة أنه الآية لا تسير مع طريقتك العقدية في التفكير، لكن في النهاية المعنى الذي قدمته لا يتناسب مع عموم الآية وضخامتها، فاذاً ما أقوله والله أعلم يوم يأتي بعض آايات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، الذي يؤكد المعنى الذي يراه أهل الحديث ما هو؟ أن الله قال لا ينفع نفساً إيمانها لم تكتسب في إيمانها خيراً، فالمنفي عنه ما هو؟ الانتفاع بالإيمان، ها هي معطوفة كلاهما معطوف: لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت أو كسبت في إيمانها خيراً، لا ينفع نفساً إيمانها اللاحق هيك بدي أقول لك، لا ينفع نفساً إيمانها اللاحق للآية إذا لم تكن آمنت من قبل الآية، أو كسبت في إيمانها السابق خيراً، فإذا لم تكتسب في إيمانها السابق لنزول الآية خيراً فلن ينفعها هذا الإيمان الذي عندها، إذاً الآية تفيد عدم جدوى هذا الإيمان عند الله سبحانه وتعالى، ومحاولة صرف القضية إلى معاني جزئية وأن المراد بها فقط عدم قبول التوبة هذا سيجعل أنه في إشكال أن إيمانه ينفعه.

انت الإشكال على تفسير الطاهر ما هو؟ أنه إذا قلنا المراد أو كسبت في إيمان خيراً هي التوبة، إذاً سيصبح التركيب هكذا عند الطاهر: لا ينفع نفساً إيمانها لم تكسب في إيمانها خيراً، لا ينفع نفساً إيمانها إذا كانت لم تكسب في إيمانها خيراً يعني ايش؟ توبة، طيب هذا الذي تقول أنت أنه لن تنفعه توبته، الله عز وجل لم يقل إنه لن تنفعه توبته وسينفعه إيمانه، قال لن ينفعه إيمانه أصلاً، المنفي في أصل الآية ما هو؟ الإيمان، لا ينفع الإيمان، أنت على كلامك سينفع الإيمان أنك تقول أن الفاجر المسلم إذا طلعت شمس من مغربها لا تصلح توبته بس إيمانه نافع عند الله، بقول لك آه نعم إيمانه نافع، طب والله الله عز وجل هنا لا يتكلم عن انتفاع التوبة وعدم انتفاعه، هو الآية تتكلم عن عدم الانتفاع بالإيمان، فالتقسيم لتلك السورتين صورة لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً هي تتكلم عن شخصين لن ينفعهم الإيمان، لن ينفع، لا ينفع نفساً إيمانها.

كان السؤال من هي الأنفس التي لن ينفعها إيمانها؟ أحد نفس، إما نفس لم تكن آمنت من قبل أو نفس آمنت لكنها لم تقم بجنس العمل، لم تكتسب في إيمانها خيراً، فهؤلاء لن ينتفعوا بايمانهم، وهذا أصل على إطلاقه، الأصل أنه على إطلاقه، فإذا جعلت الحالة الثانية تتكلم عن مؤمن لكن لن تنفعه فقط توبته بس إيمانه سينفعه وأنه يوم القيامة يعامل معاملة ايش؟ مجرد فاعل الكبيرة أنه يعذب في النار ثم يدخل الجنة أو أنه يدخل الجنة ويعفو الله عنه، إذاً هنا صار إيمانه نافعاً، فكيف الآية تنفي أن ينتفع بإيمانه؟ باختصار ذلك التفسير الآخر لا يتماشى مع نظم الآية لأن الآية تنفي أصل الانتفاع بالإيمان وذكرت له صورتين، الصورة الأولى لعدم الانتفاع بالإيمان أن تكون آمنت من قبل طلوع الشمس بمغربها أو لم تكن فعلت خيراً من الأعمال فتركت جنس العمل، فهنا إيمانك لن ينفعك وهذا يؤكد كما قلنا عقيدة أهل الحديث.

طيب، الآن خلصنا الجدال العقدي نرجع لموضوعنا.

هذا فيه إتمام للوعيد لهؤلاء الكفار، هو شوف هو وعيد وفي نفس الوقت تنبيه أنه يا جماعة قبل فوات الأوان ما زال ربكم يذكركم، في لحظة معينة سيغلق الباب، البدار البدار، والمسارعة المسارعة، في لحظة معينة لحظة مجيء الآيات، سواء كانت الآيات هي العذابات الاستئصاليه أو كانت الآيات هي طلوع الشمس مغربها، إذا أتت هذه الآيات فاتكم القطار كما يقولون وخرجتم عن حيز الانتفاع، لا لا تقولوا يلا الآن بدنا نؤمن ذهب المجال، تمام؟ أو حتى إذا كان مؤمناً ولم يقم بأي عمل، بأي عمل ترى بادر بادر، فهذا دعوة للكافرين وللإنسان الذي دخل في الإيمان لكنه يسير على خطى الكافرين فلا يصلي ولا يزكي ولا يصوم ولا يحج ولا يفعل شيئاً، فكان الله يقول: حالك حال الكافر ترى أنت مثلك مثله لا ينفعك إيمانك عند الله، لأن الإيمان قول وعمل، الإيمان ليس فقط شعارات، ليس مجرد كلام يرمى هكذا في الهواء، الإيمان شيء وقر في القلب ولا بد أن يترجم ذلك ولو بأدنى الأعمال، نحن نطالبك بأقل القليل على الأقل الذي يظهر انتماءك لهذا الدين، وإلا شخص يقول أنا مؤمن ولا يفعل أي شيء من أشياء الإيمان هذا لا يمكن أن يكون مؤمناً.

طبعاً المرجئة يستدلون على أمثال هؤلاء يدخلون الجنة بحديث البطاقة وحديث الرجل الذي توضع سجلات أعماله فلا يرى له خير قط أو لم يعمل خيراً قط، فيقول هناك أحاديث عن النبي عليه الصلاه والسلام تدل على أن هناك أناساً يدخلون الجنة وأنه لم يعمل خيراً قط، نقول يا أيها الكرام هذه من عبارات العرب التي يراد بها التكثير، والمعنى أنه لم يفعل شيئاً ذا بال حقيقي محرز زي ما بنقول، وليس المراد بالنفي هنا نفي الكلية التامة أنه لم يركع ركعة ولم يسجد سجدة.

طيب ايش دليلكم أن هذا هو المراد؟ أعطيك ايش دليل هذا الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً ثم كمل المئة، ممتاز، ولما ذهب إلى العالم وقال له توبة لك لكن اترك أرض قومك فإنها أرض سوء، فالرجل بدأ يعمل وأخذ في طريق الهجرة، الهجرة الهجرة لله ورسوله، عمل صالح ولا مش عمل صالح؟ عمل صالح، ثم مات في الطريق فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فماذا قالت ملائكة العذاب؟ لم يعمل خيراً قط.

لو أردت أنك تاخذها بلغة المنطق بكليتها تماماً تكون خاطئة، ليه؟ لأنه الهجرة ما هي جزء من العمل؟ هذه من خصائص يعني هذه هجرة إلى الله ورسوله مش هجرة يعني مشان يعني ياخذ لقي عمل في دولة أخرى، هجرة إلى الله ورسوله، كيف قالت ملائكة العذاب لم يعمل خيراً قط مع أنه في عمل الآن على الأقل واحد هو عمله ايش هو الهجرة وهم شايفينه أمامهم؟

فاذاً هنا بدنا نفهم الكلام وفق قواعد اللغة وبيانها أن المراد لم يعمل خيراً قط يعني لم يعمل شيئاً ذا بال، وليس المراد النفي المطلق المطلق المطلق، ولذلك نحن نقول من عمل من خصائص الإسلام ولو عمل يسير يسير لا يستطيع أحد أن، الآن ضع خلاف تارك السر على جنب الآن بس في هذه المسالة بس بشكل عام نحن نقول أخي، من عمل عملاً ولو يسيراً من خصائص الإسلام ولو مرة واحدة في عمره خلص خرج من هي الآية أنه كسب خيراً، فالآية تحمل على عمومها أننا نتكلم عن شخص لم يعمل خيراً قط قط بالمعنى التام الكامل، وأن الله ينفي أنه ينتفع بإيمانه، وأما هذا الرجل المهاجر الذي مات وقالت ملائكة الرحمة لم يعمل خيراً قط انتفع ولا ما انتفع؟ انتفع بإيمانه.

فهو غير داخل، انتفع يعني الآن هذا مات واحتضر والغرغرة، وبعد الغرغرة هي أيضاً من الآيات من الساعة يعني مش يقول إذا غرغر الإنسان خلص أيضاً انقطع العمل، إذا هو غرغر ومع ذلك جاءت ملائكة العذاب بعد أن غرغر ومات ماذا قالت؟ لم يعمل خيراً قط، طيب انتفع بإيمانه ولا لا؟ انتفع بإيمانه، فإذاً هو لا يمكن يكون داخل في هذه الآية مما يدل على أن صورة واحدة من صور جنس العمل تفعلنا، صورة واحدة تعتبر أنت انتفعت بإيمانك، والآية هنا تنفي الانتفاع بالإيمان، فإذا أردت أن تحافظ على مبنى الآية وعلى نظمها ونفي في مطلق الانتفاع بالإيمان لا ينفع نفساً إيمانها وتدخل الصورتين، الفهم السليم الذي هو بعيد عن التكلف أن تبقى على ظاهر الآية، وهو أن من لم يكسب في إيمانه أي صورة من صور جنس العمل فهذا لا ينتفع بإيمانه.

ثم جاء الوعيد: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [الأنعام: 158]. ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [الأنعام: 158].

وهذا قد يميل بكفة أن الآية سياقها وعيدي أكثر من كون سياقها ماذا؟ تهكمي، لأنها انتهت بالوعيد: قل انتظروا إنا منتظرون، وإن كان ممكن حتى يقول انتظروا إنا منتظرون تحمل على السياق التهكمي، إذا قلنا أن مراد التهكم اه أنتم بدكم آيات أكثر أنه يجي ربنا عز وجل بذاته يدعوكم أو تاتي الملائكة تدعوكم أو تاتيكم آيات على أمزجتكم خلص استنى احكي له خلص استنى، إن شاء قل انتظروا إنا منتظرون، وكأنك تتهكم به، لن يحصل هذا أصل على هذا السياق، لكن قد يكون السياق الوعيدي أكثر حضوراً في ذهنك هنا أنه أنا عارف أنتم لا تنتظرون إلا مجيء الملائكة مثلاً لتقبض أرواحكم وتنتزعها.

إنزاعاً، أو لتأتيكم بعذاب الله، أو أن يأتي ربك؛ إذل الله أن تقف بين يديه يوم القيامة فيذلك، أو تأتي بعض آيات ربك العظيمة: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾، انتظروا إنا منتظرون.

فهذه الآية -كما قلت- هي تخويف ووعيد وتنبيه في نفس الوقت للإنسان أنه يصلح أوراقه قبل مجيء آيات الله سبحانه وتعالى الكونية العظمى. ثم بدأت الآية الآن بالختام؛ يعني هذه الآية الأولى هي تتمة للآيات السابقة، الآن بدأ الختام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُم يُنَبِّئُهم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.

إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً: طوائف وجماعات في العقائد، ﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ يعني أنت بريء من صنيعهم. هذه الآية ابتداءً على سياق السورة هي تتكلم عن ماذا؟ عن العرب واليهود والنصارى الذين كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم؛ اليهود كانوا ينتسبون إلى إبراهيم، النصارى ينتسبون إليه، العرب يقولون: نحن على ملة إبراهيم، لكن في الواقع هو دين إبراهيم الأصل دين واحد، لكن أنتم فرقتموه أدياناً وصوراً وأشكالاً، بل حتى في داخل جزيرة العرب هذا يعبد اللات، وذاك يعبد العزى، وذاك يعبد مناة الثالثة الأخرى، وقبائل تميم تعبد صنماً آخر وهذا يعبد، فرقوا دينهم، أليس أنتم تزعمون أنه دين واحد وأنه ملة إبراهيم، لكنكم فرقتموه بصور وأشكال وبدع اخترعتموها من بنات أفكاركم؟ هؤلاء نعم الذين فرقوا دينهم وأصبحوا شيعاً وطوائف وجماعات. افترقت اليهود على فرق، وافترقت النصارى على فرق، وافترق العرب أيضاً على أنماط وأصنام وأشكال، هؤلاء أصبحوا شيعاً وجماعات وكل جماعة تتشيع لطائفتها وتنصرها؛ يقول: أنت بريء من كل هذه الانحرافات التي حصلت في ملة إبراهيم، أنت يا محمد صلى الله عليه وسلم بريء من كل هذه الانحرافات التي حصلت في ملة إبراهيم ﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ بل أنت على الصراط المستقيم الذي سيذكره في الآية التي بعدها: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. أنا بريء من كل هذه الاختلافات والافتراقات والتشوهات التي تعرضت لها ملة إبراهيم مع مرور القرون والازمان.

ولكن هذه الآية نرى أن علماء الإسلام الكبار كابن تيمية وغيرهم أيضاً يسلطونها على ماذا؟ على الخلافات بين أهل القبلة، فالذين فرقوا دين محمد صلى الله عليه وسلم إلى صور وأشكال وأنماط في باب التوحيد، وفي باب الأسماء والصفات، وفي باب القضاء والقدر، وفي باب، وابتدعوا بدعاً مخالفة لما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، أيضاً تسقط عليهم هذه الآية: ﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾. طب رح تقول لي: طب برضه يا شيخ حتى الناس الذين بقولون إنهم على طريقة السلف وهم فرقة، فهم داخلين أنهم فرقوا، فهم جماعة وهؤلاء جماعة، يعني ليش هذه الجماعه أنت تعتبرها هي التي لا لم تفرق والجماعة الأخرى هي التي فرقت؟ نقول: المعيار في النهاية هو ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه؛ من كان على ما كان عليه صلى الله عليه وسلم فهو لم يفرق، وإنما الذي فرق من ابتدع اصولاً عقدية أخذها من منطق اليونان أو من كلام الفرس أو من فلاسفة الهند أو من أهوائه وأزجته أو من عقله وبنات أفكاره وأصل دين الله عليها، فهذا الذي يصدق عليه أنه فرق دين الله، هو الذي فعل فعل التفرقه، أما الذي بقي متمسكاً بهدي السلف الصالح فلم يغادر عتبات الكتاب والسنة وبقي يعود إلى كلام الأوائل في فهمه، فهذا لم يفرق دين الله، فإنما ينسب التفريق إلى من ابتدع وليس إلى من اتبع.

صحيح، إلى من تنسب التفريق؟ هل أنسب إلى من اتبع وسار على حذو النبي صلى الله عليه وسلم وعلى غرزه أم أنسبه إلى من اخترع وابتدع وأنشأ؟ بالتأكيد من كان على مثل ما عليه صلى الله عليه وسلم هو لم يفرق، وإنما الذي فرق من اخترع، فهؤلاء تسقط عليهم الآية: الذين فرقوا دين محمد صلى الله عليه وسلم وأصبحوا جبرية وقدرية، وأصبحوا أي معطلة ومجسمة، وأصبحوا ما بين النواصب والروافض، وأصبحوا ما بين كل هؤلاء: ﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾، لست منهم ولا تنتمي إليهم، ولا يعني هذا بالضرورة التكفير، ولكنه يعني انه ليس نهجك على نهجهم ولهم منتسبون إليك ولست أنت منتسباً إليهم. ولذلك لما يأتون إلى الحوض يوم القيامة والملائكة تصرفهم عن الحوض فيناديهم النبي عليه الصلاة والسلام: أصحابي أصحابي، قال: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك.

تمام، فالنبي عليه الصلاة والسلام عندئذ يعلن براءته ممن أحدث بعده، وإن كان هذا كما قلنا لا يقتضي بالضرورة أنهم كفار خالدون في نار جهنم، لكن يقتضي وجود منهج صحيح ومنهج محمد عليه الصلاة والسلام على المسلم أن يتحرى الوصول إليه ويجتهد غاية الاجتهاد لفهمه وهناك مناهج الزيغ والضلال التي ستقع في هذه الأمة، لذلك قال بعد ذلك: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، وهذا فيه دلالة وإشارة إلى ماذا؟ أن هذه الفرق -سواء الفرق المشركية أو الفرق البدعية بكلا التفسيرين لأن كله داخل في عموم الآية- أن هذه الفرق الكافرة أو الفرق المبتدعة لست أنا من ساحاسبهم، وإنما حسابهم إلى الله سبحانه وتعالى، ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون. طبعا كثير من المفسرين قالوا هذه الآية نزلت في سياق مكة، ممتاز، خلونا نحمل الآية الآن على تفسيرها الأساسي أنها تتكلم عن فرق المشركين الذين شوهوا معالم ملة إبراهيم؛ في سياق مكة كان النبي عليه الصلاة والسلام مأموراً بعدم المواجهة وعدم الاقتتال، فهنا قالوا: إنما قال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ أي في الدنيا؛ في الدنيا إلى هذه اللحظة أنا لست موكلاً بقتالكم، أمركم إلى الله هو الذي ينزل بكم في الدنيا ما ينزل، ثم هذه يوم القيامة ينبئهم بما كانوا يفعلون.

طبعا هنا يقول: الانباء قد يكون انباء بالأخبار باعتبار أنه سبحانه سيقف مع كل شخص يوم القيامة وقفة ليس بينه وبين الله ترجمان فيخبره الله عز وجل بكل ما فعل، وقالوا: وقد يكون الأنباء هنا هو العذاب نفسه الذي سيحل بهم يوم القيامة، أن هذا العذاب الذي سيحل بكم هو الذي سيكون فيه نبأ ما كنتم عليه من الضلال، كيف أقول لك؟ يعني سياتيك النبا إن شاء الله، فلما أنزل بك العقاب أقول لك: هذا العقاب هو نبأ ما كنت تفعل. فالأنباء هنا هو حقيقة في الإخبار المباشر، ولكنه يجوز أن يكون المراد بالأنباء العذاب، وأنه سماه أنباء باعتبار أن وقوع العذاب بهم يوم القيامة سيكون مؤكداً لهم ومعلماً لهم بضلال سعيهم في الحياة الدنيا. إذاً: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ هذا تفويض في الدنيا باعتبار أنه لم يؤمر بالقتال بعد في مكة، لأنه بعد ذلك سيؤمر بالقتال لهم ومواجهتهم، ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون أنه يوم القيامة ستجدون نبأ كل ما فعلتموه من هذه التفرقة والتشويه والتحريف لمعالم ملة إبراهيم؛ سيجد عمرو بن لحي الخزاعي عاقبة ما فعل بادخال الأصنام إلى جزيرة العرب، وسيجد كل من بلغته معالم إبراهيم ملة إبراهيم، سيجد أن نكوسه عن معالم ملة إبراهيم واتباعه لأهواء قومه أن ثمنه باهظ عند الله سبحانه وتعالى.

بعد هذا الوعيد كما نعلم أن عادة القرآن بعد سياقات الترعيب يأتي سياق فيه شيء من الترغيب والتحفيز؛ لأنه بعض النفوس قد يكون عنده نوع من العناد، لكن لما تعطيه شيء من التحفيز وفتح باب الخير قد ينشط للتوبة، فالله عز وجل يقول لهم في المقابل: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. الله سبحانه وتعالى رحيم بكم يا أيها البشر على عنادكم، لكنه يفتح لكم باب الإصلاح؛ يعني حتى لو تبّت الآن في مجال للإصلاح؟ نعم، تب الآن، اصلح، اترك عنادك وستجد رباً رحيماً جواداً كريماً يقول لك: آت بحسنة، حسنة واحدة، والحسنة هنا ليست فقط مجرد كلمة التوحيد كما ذكر بعض المفسرين، إنما الحسنة على عمومها؛ أي حسنة من الحسنات من جاء بالحسنة فالله عز وجل يضاعفها له ماذا؟ عشر أمثالها، وفي نصوص أخرى ما يدل على أنه ماذا؟ عشر أمثالها وبعضها يضاعف إلى سبعمائة، يضاعف إلى أضعاف كثيرة، لكن القاعدة الأصلية كيف نقول؟ الأصل أن الحسنة عند الله بعشر أمثالها.

هنا يعني دقيقة لغوية، وهو أن المثل مذكر أو مؤنث؟ مذكر، أمثال جمع مثل، والمثل مذكر، فكان ينبغي أن تكون عشرة أمثالها؛ باعتبار أن العشرة تخالف، مثل التسعة، العشرة المفردة تخالف، فالأصل أن يقال: عشرة أمثالها، لأن المثل مذكر. لكن قالوا هنا: أمثال وصف لمحذوف، التقدير: عشر حسنات أمثالها، والحسنات مفردها حسنة، فجاء تذكير العشر باعتبار الموصوف المعدود عشر حسنات أمثالها، تمام، فهناك موصوف معدود بناءً عليه جاء التذكير.

ثم قال: ﴿وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ في المقابل من رحمة الله وعدله قال: ﴿فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، ولاحظ هنا جاء بالسيئة باسلوب الحصر، لكن في الحسنه جاء باسلوب؛ لأنه الحسنه كان فيها باب كرم وجود فقال: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. وحتى يظهر منته في باب السيئة أتى بها بصيغة الحصر فقال: والذي يعمل سيئة لا أحاسبه إلا عليها. لماذا لم يقل: من جاء بالحسنة فليس له إلا عشر أمثالها؟ لماذا ما وحد الأسلوب؟ ها! من جاء بالحسنة فلا يجزى إلا عشر أمثالها؛ أولاً قالوا: لأنه سبحانه لا يريد أصلاً في من باب الكرم، والكريم لا يحصر كرمه، أنا ممكن أقول لك: عشر أمثالها، بس لو أنا قلت لك: فلا يجزى إلا عشر أمثالها، أنا حصرت الكرم في عشر أمثالها، بس هو سبحانه في حسنات إلى سبعمائة ضعف، فلو أتى بأسلوب الحصر كأنه يحصر كرمه، وفي باب الوعد والكرم بالعكس خلِ مجالاً أيضاً لأنك تزيد في كرمك، فهو سبحانه أتى بها بصيغة الأخبار حتى إذا أكرم بما فوق العشر لا يكون هذا خلفاً، بل يكون كرم؛ أنا قلت لك: إذا عملت حسنة بعطيك عشرة، بعدين لما عملت أعطيتك عشرين، هل أنا بكون أخلفت هنا؟

لا بالعكس، تقول: هذا كرم على كرم، هو أعطاني عشرة وعدني بعشرة، والآن أعطاني عشرين. فأسلوب الحصر لا يناسب أبداً باب الكرم والعطاء، لكن في باب العقوبة بالعكس، أسلوب الحصر مناسب لإظهار العدل في حصر العقوبة، فقال: ساحصر عقوبتك في السيئة أنك لا تجزى إلا مثلها. جاء في حديث الموازين أن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك في الأربعين النووية أنه من عمل سيئة فإنما تكتب له سيئة واحدة. وكذلك أتم الجملة قال: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، يعني هذا تقرير أنه: ومن جاء بالسيئة لن تجزى إلا مثلها ولن تجد ربك ظالماً فيعطيك أو يحاسبك على سيئات أنت لم تفعلها، أو يحملك أوزاراً لا ليس لك علاقه بانتاجها وتبعيتها ليست متعلقة بك، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لن تظلم عند الله سبحانه وتعالى، حتى ولو كنت مشركاً لن يظلمك ربك، حتى ولو كنت فاجراً لن يظلمك ربك، ستجد العدل الإلهي حاضراً.

﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مَّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. هنا الله عز وجل يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم كأنه نوع إغلاق ملفات الجدال التي حصلت في هذه السورة من أول السورة، وهم يطالبون بآيات، والنبي عليه الصلاة والسلام يواجه: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾، ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلَا بَعْنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ لِذَلِكَ الذَّبْلِ قُدِّسَ﴾، ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ عِلْمٌ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ إلى غير ذلك عرفت؟ فهنا الله سبحانه وتعالى يعني بعد مناقشات طويلة مع هؤلاء الفاجرين العابدين المتهكمين بمقام النبوة وبدعوة الأنبياء والرسل، الله سبحانه وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: أعلنها صراحة لهم: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.

وهذا هو الصراط المستقيم الذي ذكر في الصفحة الماضية، وأن هذا صراط مستقيم، وقلنا: الصراط هو الطريق الواسع، وأن وصفه بأنه مستقيم هو تأكيد لعدم وجود أي مفسدة أو اعوجاج أو إشكال في هذا الطريق الواسع. فالصراط هو الطريق الواسع، وإنما سمي صراطاً لأنه لوسعته -كأنه يبلع السائر فيه- يقول لك: فلان ضايع في هالطريق، مش بيكون واحد طريق واسع واسع بتكون فلان ضايع فيه كأنه الطريق بلعه؛ فطريق الله طريق واسع، هو في نفس الوقت مستقيم، ما في أي مفاسد، ما في أي عوجاج. هذا الصراط المستقيم: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا﴾.

طبعا قالوا: ديناً إعرابها بدل أو عطف بيان من محل صراط؛ لأنه هي إلى صراط الجار والمجرور هنا في حكم المفعول به، في حكم المفعول به يعني هداني صراطاً مستقيماً، بس هو ما قال هداني صراطاً، يجوز أقول: هديته الطريق، قال: هديته إلى الصراط، فالجار والمجرور هنا في حكم المفعول به من حيث المحلية، فبالتالي جاء البدل أو عطف بيان ديناً باعتبار المحل، وإن كان صراط من حيث اللفظ مجرور بحرف الجر، لكن من حيث المحل جاء البدل أو عطف البيان باعتبار المحل منصوباً، ديناً.

تمام، هذا الصراط المستقيم الآن بيان له وتفسير، عطف بيان أو بدليه؛ ما هذا الصراط المستقيم تفصيلياً؟ هو دين، شرعة إلهية يدين بها الناس لربهم سبحانه وتعالى، هذا الدين: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾. الآن كلمة قيماً لو أرادنا أن ننظر ما نوعها من المشتقات؟ هناك قولان؛ هناك من يقول: قيماً هي صيغة مبالغة من قائم، ديناً قيماً، قيم قيماً، قال بعضهم: هي صيغة مبالغة قيم على وزن فعل. عفواً، أريد أن أقرأ القراءة الثانية هي التي ستاتي، عفواً مش هذه القراءة، هناك قراءتان للكلمة: هناك قراءة نافع وابن كثير المكي وأبي عمرو.

وأبو جعفر ويعقوب: دينا قيما. على قيما نعم، قيم هي تكون صيغة مبالغة فيعل، طبعا هي على وزن فيعل صيغة مبالغة من ماذا؟ من قائم. وهي على هذا المعنى على هذه القراءة دينا قيما، القيم هنا ما على ماذا تدل؟ البعض يقول: قيم مبالغة من قائم، والقيام هنا ليس القيام الحسي، وإنما المراد القيم يعني المستقيم العدل الذي لا عوجاج فيه.

لكن هذا التفسير للقيم بأنه المعتدل الذي لا عوجاج فيه، قالوا يعني هنا ابن عاشور عجبني، قال: سيكون فيها نوع من التكرار لمعنى مستقيم، يعني صراط مستقيم، طب المستقيم هو اللي ما فيه عوجاج، فإذا قلنا قيما بمعنى مستقيما لا عوجاج فيه، صار في تكرار في المعاني، والأصل أن نجعل قيم تفيد معنى جديدا، فيرى الطاهر بن عاشور، قال: والأحسن أن نجعل القيم هنا مرادفا للقيوم بمعنى القيام للشيء بكفايته وما يحتاج إليه وبما فيه صلاحه.

بالتالي معنى قيما يرى ابن عاشور الأفضل أن لا نقول قيم بمعنى معتدل، بل نقول قيما أي قيوم أي يقوم بمصالح الناس في دنياهم وأخرتهم، هذا معنى آخر، فهنا لا نتكلم عن أنه معتدل، هذا حق، لكنه ثبت بكلمة مستقيم خلاص، الآن خلِ قيم تعطيك معنى جدا، أن هذا دين قيم أي يقوم حياة الناس في الدنيا والآخرة ويجلب لهم الكفاية والصلاح، فهذا من أعظم أوصاف الدين أنه يعطي للناس احتياجاتهم النفسية والجسدية والمجتمعية والدولية، فلا تجد وجها من أوجه الخير إلا والاسلام قد كفاك به.

هنا قيما من يصلح أمور دنياكم وأخرتكم. على القراءة الثانية الآن القراءة الأخرى قراءة الكوفيين دينا قيما، هنا قيم ستكون مصدر بمعنى القيم مثل الشبع قيم، قيم زي شبع وحول، فشبع وحول هذه كلها مصادر، فهذا نوع من أنواع المصادر، فيكون قيما بمعنى قياما. طيب كيف الشيخ بده يكون المعنى هنا دينا قياما؟ قال: هنا لابد من تقدير شيء محذوف، كيف تقول دينا عدلا؟ الوصف بالمصدر نقول دين عدل، ايش يعني؟ أي ذا عدل، يقدر كلمة ذا مقدرة دائما إذا وصف بالمصدر، طبعا هذا مبالغة يكون فيها أنك جعلت الدين عدل، نفس الشيء جعلت الدين هو نفس القيام.

طبعا القيام بماذا؟ هو نفسه الذي كان القيام بالكفاية لما يحتاجه الناس، يعني دين كفاية، يقول لك هذا دين، ما جعلته اسم فاعل دينا كافيا، هذا على المعنى الأول قيما، لكن لما أقول هنا دينا قيما يعني دينا كفاية زي ما قلت دينا عدلا، جعلت الدين هو العدل كأنه بذاته، ونفس الشيء هنا جعلت الدين هو الكفاية، وهذا من المبالغة في أنه يعطي الكفاية التامة لمصالح الدنيا والآخرة والتقدير دينا قيما أي دينا ذا قيم يعني ذا قيام، شو يعني قيم أو قيام؟ أنه قيم هي نفسها قيام كمعنى كمصدر، القيام هنا يفسر بنفس ما فسرنا به الكفاية والصلاح، يعني دينا ذا صلاح، دينا ذا كفاية، فأنت لا تحتاج إلى غيره، وهذا معنى عظيم إخواني وصف الدين بأنه فيه الكفاية وأنه يقوم بمصالح الناس في كل أمور دنياهم وأخرتهم.

هذا يعني أننا في باب العقائد والأفكار والفلسفات لا نحتاج إلى استيراد أفكار المشارقة والمغاربة، فالدين قيم، يعني الدين ذا كفاية في بناء الرؤى، طبعا أنا أتكلم عن القضايا العقدية والفكرية، الآن الأمور الصناعية الحياتية نستفيد ما عندنا مشكلة، هي دنيا الأمور الصناعية التكنولوجيا، لكن أتكلم في بناء فلسفة التفكير والعقائد ومنظومة الحياة، الدين كافي تماما لهذا الإشباع، فلماذا تستوردون عقائد أخرى؟ وكان هذا فيه ذنب لمن فرقوا دينهم وكانوا شيعا، ملة إبراهيم الأصيلة العتيقة كافية، لماذا يبتدع الإنسان؟ ما هم الذين فرقوا دينهم؟ من أين لبسهم الشيطان؟ من قضية أنه جيبوا أشياء جديدة، خليكم يعني أكثر وأكثر تنتموا، الدين كافي بذاته فلا حاجة لأي زيادة أو ابتداع أو اختراع، فقد تكفل هذا الدين بكل مصالحكم بس اتبع وافهم تعلم، فهذا معنى عظيم جدا وصف الدين بأنه قيم، أو على القراءة الأخرى وصفه بأنه قيم؛ لأن في النهاية المؤدى واحد وهو أن هذا الدين كاف بكل ما تحتاجه، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: أنا لا احتاج أن استورد أي فكرة منكم يا أيها المشركين، فالدين مكتمل وهو كافي في كل المناحي والزوايا، وهذا الدين هو نفسه القيم الذي أدعو إليه ونفسه ملة إبراهيم التي تنتسبون إليها زورا وبهتانا وأنا انتسب إليها محمد صلى الله عليه وسلم حقا وصدقا.

فكان لابد من ذكر ملة إبراهيم هنا؛ لأن الكل ينتسب إليها، اليهود ينتسبون إليها، النصارى ينتسبون إليها، ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما، وكفار جزيرة العرب ينتسبون إليها، إبراهيم الذي عليه السلام الذي تناوشته الأفكار أنا أحق من يحمل لواء دينه ودعوته، وهنا يعني معنى جيد ذكره نقدر عن راغب الأصفهاني في معنى الملة، دينا وصفه بأنه قيم أو قيما ثم ذكر بدلا آخر، كما أن دين بدل فملة بدل، ملة بدل من الدين صح، دينا قيما أو قيما، هذا الدين هو ملة إبراهيم دينا ملة.

هل لفظ الملة مرادف لفظ الدين؟ الراغب الأصفهاني ماذا يقول؟ الملة كالدين، يعني معنى الملة هي نفس معنى الدين، لكن قال: والفرق بينها وبين الدين أن الملة لا تضاف إلا إلى النبي الذي تسند إليه، يعني في السياق الاستعمالي الملة شوف الدين يجوز إطلاق دين هكذا، يستعمل كلمة الدين يجوز دينا هي زي هنا دينا قيما دون أن تضاف إلى الله أو إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الملة قالوا في سياقها الاستعمالي لا تستعمل تقول ملة وتسكت أو ملة قيمة، الملة لا ينبغي أن تضاف هي أول شيء، وتضاف ليس إلى الله قال، بل تضاف إلى النبي الذي يبلغها، لماذا؟ لأنها أصلها من أملت الكتاب إذا لقنته، وليملل الذي عليه الحق في سورة آية الدين وليتق الله ربه، فالملة أصلها وجذرها مأخذو من الإملال وهو التلقين.

هذا أصلها وجذرها، فبالتالي يقول الطاهر عفوا يقول الراغب الأصفهاني: والفرق بينها وبين الدين أن الملة لا تضاف إلا إلى النبي الذي تسند إليه، نحو ملة إبراهيم، ملة محمد صلى الله عليه وسلم، مش بقول الملة المحمدية، أو يقول مثلا الكفار هذه ملة آبائنا يضيفونها إلى آبائهم، تضاف إلى الشخص ولا توجد مضافة إلى الله ولا إلى آحاد الأمة، ما بصير تضيفها إلى واحد منا ليه؟ لأنه لسنا نحن الذين أوحيت إلينا، يجب تضاف إلى النبي بالتحديد، ولا تضاف إلى فرد من أفراد أمة الإسلام، ولا تستعمل إلا جملة الشريعة دون آحادها، فلا يقال مثلا الصلاة ملة الله، أو الصلاة ملة محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما تقول الإسلام ملة محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يعني أجزاء الشريعة كالصلاة والزكاة لا يجوز الإخبار عنها بأنها ملة في الاستعمال، فلا تقول الصلاة ملة محمد صلى الله عليه وسلم، بس بصير تحكي مثلا الحج دين محمد صلى الله عليه وسلم أو دين الله بصير تحكي، فالدين يجوز أن تخبر به عن جزئية من الجزئيات، أما الملة بسياقها الاستعمالي الملة لا تخبر بها عن جزئية من الجزئيات، وإنما تخبر بها عن جملة الشريعة، ولا تضاف إلا إلى النبي، فلا تضاف إلى الله، وإنما تضاف إلى من أوحى إليه الله باعتبار أن أصل معنى الملة ما هو؟ الإملال بمعنى التلقين، فأن أقول لقنت زيدا صح، فزيد هو الممل عليه هو الملقن، فهي فهذا هو تلقين زيد باعتبار أن التلقين وقع عليك يا زيد، ولا ينظر إلى الملقن أنه هو الله هو الذي لقنه عن طريق جبريل، وإنما تضاف إلى من لقن، تضاف إلى من لقن.

لذلك قال: فالصلاه ذلك أنه يراعى في لفظ الملة أنها مملولة من الله يعني تلقين من الله فهي تضاف للذي أملت عليه، وهذا كلام الراغب الأصفهاني عموما يعني بس تعرفوا الراغب الأصفهاني له كتاب المفردات وهو مهتم جدا بتحرير الدلالات والاستعمالات، فأضاف الدين القيم والدين القيم أنه ملة إبراهيم، قال: ملة إبراهيم حنيفا، والحنيف هو الذي يتجنب الضلال ويتجنب الباطل، فحنيفا هي حال من إبراهيم عليه السلام، حال من إبراهيم، وهذا كانه شرح تفصيلي من النبي صلى الله عليه وسلم لطبيعة الصراط المستقيم، قل: أعطيكم الشرح الكامل إن هداني ربي إلى صراط يعني إلى طريق واسع لا عوجاج فيه ولا فساد مستقيم، وهذا الطريق الواسع هو الدين القيم الذي فيه كفاية لأمر دينكم وأخرتكم، وهو ملة إبراهيم التي تنتسبون إليها زورا وأنا أشرحها لكم حقا، إبراهيم الذي كان مجانبا للباطل وللشرك، لذلك قال: وما كان من المشركين؛ لأنه كان حنيفا، ودلالة أنه حنيف أنه كان مجانبا للشرك تمام مجانبة، محذر منه تمام التحذير، فلا يمكن أن تكونوا في شرككم وفي عبادتكم لأصنامكم ممثلين لملة إبراهيم، حاشاه إبراهيم عليه السلام، أنه كان يدعو إلى الشرك أو يحفز إليه، بل إنما هجر أباه بسبب شركه، قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤ منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والببغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده، فإبراهيم كان من أكبر المحذرين من الشرك عليه الصلاة والسلام.

فبعد أن أعلن أولا ما هي الخطى والدين الذي سيسير عليه، أخبر بعد ذلك عن منهج الحياة الذي سيسلكه من الناحية العملية، قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له. وكأن هذه تفريع عن الأولى لما قال في الأولى دينا قياما ملة إبراهيم حنيفا، وهو أن أن هذا الدين هذا شرح لهذا الدين، هذا الدين هو ليس فقط أعمال قلبية كما قلنا قبل قليل، بل هو شرائع وأعمال ظاهرية أيضا يجب أن توجه إلى الله سبحانه وتعالى في كل تفاصيلها.

قال: قل إن صلاتي الصلاة المعلومة، ونسكي، والنسك هو كل ما يتعبد به الرب سبحانه وتعالى وإن كان جرى العرف أنه يستعمل في الذبيحة بحد ذاتها، لكن قالوا أصل النسك هو كل ما يتعبد به الرب سبحانه وتعالى يسمى نسكا، وغلب في العرف اطلاقه على الذبح وتسمى الذبيحة نسيكة الذبح لله، لكن هو أعم من ذلك، قل إن صلاتي ونسكي يعني هذا مقتضيات ولوازم القيم أنه لا شرك فيه، أن هذا يقتضي أن أعمال الظاهرة التي هي ترجمة لهذا الدين القيم في الحياة يجب أن تكون لله سبحانه وتعالى، قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، ومحياي ومماتي هنا المحيا والممات لله.

طب كيف يكون المحيا؟ الآن أنت الآن في سياق ذكر أعمال أنت ستقوم بها، صحيح الصلاة هذا عمل يقوم به الإنسان فتقول هذا لله مفهوم، والنسك أيضا عمل يقوم به الإنسان لله، طب المحيا هل هو عمل يقوم به الإنسان ولا زمان يعيش فيه الإنسان؟ تمام، يعني كيف يكون محياك لله؟ كيف يكون محياك لله والمحيا هو الزمان؟ هنا قالوا: لابد وأن يقدر شيء مضاف، يعني والاعمال التي ساعملها في حياتي عموما، إذا قلنا أن الصلاة هي العبادة المعلومة وأن النسك هو الذبح، فسيكون ومحياي يعني أعمال الحياة التي ساقوم بها من أجل الحياة لله، وهذا يشمل كل ما تقوم به من عمل في حياتك، فبييعك وشرائك وعملك ووظيفتك، أعمال الحياة، في أعمال للموت تجهزها وفي أعمال تقضي بها أمور الحياة زي السعي في الرزق، السعي للزواج، الدراسة الجامعية، أي العلاقات الاجتماعية، فالمسلم عنده منظومة متكاملة أنه يرى أن ظلال العبودية لله يجب أن تكون حاضرة في كل خطوة وفي كل قرار من قرارات الحياة، أي مشروع اقتصادي، أي مشروع زواجي، أي مشروع علاقات، أي صداقة، أي مجلس لي فيها نية، لذلك كان السلف يحثون على النية، لا تعمل عمل إلا ولك فيه نية لله سبحانه، هذه شمولية الإسلام أنه يحول كل الأعمال الحياتية إلى عبادات يتقرب بها إلى الله، وكذلك ومماتي، وهذه أغرب، كيف يكون ممات الإنسان لله؟ يعني كيف يكون مماتك لله؟ قالوا: أن يحرص على أن يموت في سبيل الله وأن يحرص على أن يموت على طاعة لله، يعني أن تحرص على أن تكون الميتة التي ستموتها على طاعة، هذا أيضا مما ينبغي أن يبذل من أجله ويصرف له الجهد والطاقة.

طب كيف بالتالي؟ طب أنا لحظة الموت لا أعرف ما هي؟ قالوا: بأن يبذل وسعه على أن لا يضيع ساعة من عمره في غير طاعة؛ لأنك إذا فعلت ذلك فإنك ستموت على طاعة، أن يحرص على أن يطلب الموت مظانه في سبيل، فهذا ممن جعل مماته أي طريقة موته لله سبحانه وتعالى، وعموما من عاش على شيء كما قالوا مات عليه، من عاش محبا لله ورسوله محبا للقران محبا للإسلام منتميا له، فإن الله عز وجل لعله ييسر له ميتة، فتكون نيتك وأنت حي أنه بدي أجمع ميتتي برضه لله، فأفكّر كيف أطلب الموت مظانه، كيف أموت ميتة ترضي ربي سبحانه وتعالى عني؟ فهذا يقتضي أن تعبئ كل ساعات العمر بالطاعة وتحرص على ترك المعاصي؛ لأني خايف إذا فعلت معصية تقبض عليها، فهنا لن تكون ميتتي لله، فحتى لا حتى أجعل ميتتي لله هذا يستلزم أن أحرص على ألا يكون ساعة من عمري في غير طاعة، هكذا أنت في نيتك مشروع أنه أنا بدي أموت على طاعة الله سبحانه وتعالى، فكان النبي عليه الصلاة والسلام حصر إذا الصلاة أمور عبادية صحيح والنسك قالوا الطعام والشراب ومحياي المعاملات ومماتي الختام شمل الحياة كلها؛ لأن الحياة مش عندنا في الفقه قسم عبادات قسم معاملات بالمعنى العام للمعاملات وبعدين قسم الممات وما بعد ذلك من الوصية والجنازة وما.

شابه ذلك تماماً. وعندك أطعمة وأشربة. فقالوا كأنه شمل الحياة كلها؛ لما قال صلاتي، يعني العبادات الخاصة، ونسكي، الذبائح والأطعمة، ومحياي، كل معاملات الحياة زواج معاملات إقامة شرع الله استخلاف في الأرض، ومماتي، إلى اللحظة الأخيرة عندي مشروع حتى في الموت أفكر يعني أنا لا أفكر فقط كيف الحياة ستنجز لله، بل أفكر أيضاً كيف أنجز حتى ميتتي لله.

هذه فخامة القرآن في الشمولية، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: 162-163]. وهذا تخليص للإنسان، تخليص لأعماله أن يكون شيء منها صرفاً لغير الله سبحانه وتعالى. أنا حريص أنه كل خطوة من خطوات الحياة ألا أجعل لأحد من البشر فيها نصيب؛ هذا مشروع يعاش، يعاش من أجله. هذا مشروع يعاش من أجله، هكذا هو المسلم. هو مشروعه كيف أخلص كل حياتي عبادة ومعاملة وسلوكاً ومماتاً، كيف أخلصها من الشرك وأجعلها خالصة لله عز وجل؟ من أجل هذا قام سوق الحياة، ومن أجل هذا وجد الإنسان ليعبد الله عز وجل بهذا المفهوم الشامل للعبودية.

قال: «وبذلك أمرت». يعني أنه لما قال صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله، كأنه كأنه نوع من الاستدراك حتى لا يظن أن هذا مجرد قرار شخصي منه صلى الله عليه وسلم، بل هو أيضاً أنت مأمور بهذا. يعني هذا ليس قراراً شخصياً أو اجتهاداً أنه فلان اختار أن تكون صلاته تزكِ حياة فلان لا رغبة له في ذلك، لا، هو كما انه ينبغي أن يكون رغبة لأنها حق الله، كذلك عليك أن تعلم أن هذا أيضاً مطلب من الله، أن تكون صلاتك ونسكك ومحياك ومماتك لله، هذا أيضاً مطلب من الله وليس مجرد رغبة ومحبة شخصية واختيار شخصي. هكذا أمر الله أن تكون الأمور.

إذن، هَداني ربي ابتدأ بالهداية ثم ذكر بماذا أمره ربه. هداه إلى صراط مستقيم وأمره أن يدع صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين لا شريك له، لا شريك له. ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ فهو ليس مجرد رغبات كما قلت أن تكون حياته ومماته لله، بل هو أمر إلهي يسعى في تحقيقه. قال: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾.

الآن مثلاً هذه من الأمور التي يظهر فيها حسن صنيع الطاهر بن عاشور. يقول: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ عندما تقرا في بعض التفاسير القديمة تجدهم يقولون: هذا إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أول مسلم من هذه الأمة. لكن الطاهر يقول: يعني هذا ليس معنى كثيراً، يعني ذا بال؛ لأنه هذا معلوم، يعني هو كيف أقول لك، يعني هذا معلوم ما دام هو أول من أوحي إليه، إذن ضمنياً هو أول من سيكون مسلما لله سبحانه وتعالى في هذه الأمة. فيقول الطاهر ابن عاشور: هذا المعنى حاصل في الأذهان، ليس من شأنه أن يخبر عنه. طب إذا قال: ما المراد بـ «أنا أول المسلمين»؟

يقول الطاهر: قال هذا خبر مستعمل في معناه الكناي، وهو ما يسمى لازم المعنى، يعني قبول الإسلام والثبات عليه والاطغتباط به، هذا معنى «وأنا أول المسلمين»؛ لأن من أحب شيئاً أسرع إليه فجاءه أول الناس. قال: وليس المراد معناه الصريح وهو «أنا أول مسلم» لققلة جدوى الخبر بذلك؛ لأن كل داع إلى شيء فهو أول أصحابه لا محالة، فماذا يفيد ذلك الأعداء والاتباع أن يقول لهم: أنا أول شخص مسلم؟ فإن اريد بالمسلمين الذين اتبعوا حقيقة الإسلام بمعنى اسلام الوجه إلى الله لم يستقم، لأن إبراهيم أصلاً كان مسلما قبل محمد صلى الله عليه وسلم من حيث الواقع. فلا بد إذن أن ينظر إلى المعنى بطريقة أخرى، وهي أن قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ بمعنى ماذا؟ يعني وأنا مقبل على هذا الطريق بالكلية، مصر على الثبات عليه. هذا هو اللازم.

قال لك: الخبر مستعمل في معناه الكناي وهو ماذا؟ أنا مقبل على الإسلام ثابت عليه مغتبط به مسرور به. كيف أجي أقول لك يعني واحد مثلاً شيخ أو الوالد أو كذا يجي يقول: من يعمل عمل هذا الشيء؟ تجي تقول: أنا أول من سيكون. ليس مرادك بالأولوية مجرد الإخبار، لا، أنت مرادك أن يكون مراده إظهار شدة الإقبال عليه واهتمامه به واحتفائه، فالأولوية هنا ليست مقصودة بذاتها، وإنما المقصود منها لوازمها وهو: أنا مقبل على الإسلام محتفٍ به مسرور به مغتبط به. فهذا معنى الأولوية هنا، أنه أي يبادر إلى الشيء. المبادرة إلى الشيء ماذا تعني؟ أنك مسرور به، صح، حريص عليه. فالأول بقول لك: أنا أول واحد بدي أعمل هذه الشغلة، إذا أنت ما يدل هذا على ماذا؟ على أنك مهتم صحيح. أنا أول واحد بدي أعمله، لماذا كان الصف الأول في المسجد هو أفضل الصفوف ولو عرفوا ما فيه لاستهموا عليه؟

إن الصف الأول يعطي مؤشراً على الاهتمام بالصلاة والاحتفاء بها ومراعاة شأنها، بخلاف الذي يكون دائماً في الصف الأخير أنت تأخذ انطباعاً أنه ايش؟ مش مهتم كثير. هيك الحياة شئنا وأبينا، اللي دائماً في الصف الأخير خير انطباع ما هو ليس مهتماً، بخلاف الذي يكون دائماً ملازماً للصف الأول يعطيك انطباعاً أنه مهتم، فلذلك دائماً الأولوية هنا لوازمها وانطباعاتها الاهتمام والفرح. قال: وهذا هو المراد. فهو صلى الله عليه وسلم لم يأتِ فقط ليعطيك خبر أنه أول مسلم، قال: هذا معلوم لنا، يعني لا، هو يريد يقول لك: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ يعني وأنا حريص مهتم محتفٍ أن أثبت على هذا الطريق وأن أكون من الصامدين عليه، فعبر عن هذا الاحتفاء والصمود والثبات بالأولوية، وهذا معنى جميل.

طيب، ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾. قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء؟ طب سؤال، هل كفار قريش طلبوا من النبي عليه الصلاة والسلام أن يتخذ رباً سوى الله ولا طلبوا منه أن يتخذ إلهاً سوى الله؟ الرب هو المدبر الخالق الرازق الذي يدير شؤون عباده. طب كفار قريش في الجملة كانوا يرون أن الله هو الرب، لما كان يسألون النبي عليه الصلاة والسلام من إذا ما عن من الذي خلقكم ولا أنتم من خلق السماوات والأرض؟ يقولون الله. من الذي يرزقكم؟ الله. من الذي يعطيكم؟ من الذي؟ الله. ولكن يعبدون الأصنام لتقربهم إلى الله.

إذن سؤال: هل هناك من كان يطلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يتخذ رباً سوى الله ولا كانوا يطلبون منه أن يتخذ إلهاً وآلهة يتعبدها حتى يتقرب بها إلى الله كما يزعمون؟ ما طالبوه أو طلبوا منه أن يتخذ رباً. طب لماذا يقول لهم: قل أغير الله أبغي ربا، بدكم إياني أبغي ربا سوى الله؟ هذا يؤكد على قاعدة دائماً يذكرها علماء أهل السنة والجماعة، وهي ماذا؟ أن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية. فإنتم لما تطالبوني بالاشتراك، كأنكم في الواقع تطالبونني بأن أبغي رباً مع الله أو سوى الله؛ لأنه بمجرد أنك تقول لي: اعبد صنماً أو اعبد اعبد شجرة واعبد شيئاً من أي معبود، فأنتم ضمناً تعتقدون أن هذا المعبود له أثر في الربوبية. فكأنهم لما يدعونه إلى الشرك بالألوهية، إذن أنتم ضمناً يستلزم كلامكم أن هناك من ينبغي أن أتخذه مربوباً ومعقولاً أبغي وأبحث رباً؟

﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وأنتم تعلمون ذلك، ها هم يعلمون هذه القاعدة، ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ هذا في أذهان الكفار أنهم يقرون بذلك الجملة أن الله هو الخالق الرازق المعطي لكل المخلوقات. أنتم بتقرون أن الله رب كل شيء، فكيف لأنه هو لا يؤمن بهذه الجمله أصلاً لا يناسب أن تقول له ذلك؛ لأنه بيقول لك: اثبت لي أنه رب كل شيء. فانت لما تقول له وهو رب كل شيء، بدكم إياني أتخذ رباً هو كأنه يعلمهم أنه إذا أنتم أشركتم بالله في العبادة في الصلاة في النسك في المحيا، ترى أنتم كأنكم تقولون: أبحث عن رب آخر، لأنه لا يكون معبوداً إلا من يكون مربوباً، لا يصلح. لماذا أتجه إلى عبادة شيء هو ليس رباً ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا يملك لي إدارة لحياتي ولا تدبيراً لشأني، لماذا أعبده؟ فهو يبين لهم خطأهم الاستراتيجي الكبير في حياتهم، أنهم لا يفهمون ولا يعقلون ولا يتبصرون أن شركهم في مقامات توحيد الألوهية يستلزم أنكم تدعون الناس إلى البحث عن رب مع الله وسوى الله يرزق ويعطي ويمنح. فلذلك هذا كأنه نوع تنبيه لما هم متغافلون أو متجاهلون به، أن هذه الدعوة تستلزم هذه الدعوة.

فختم قال: ﴿وَلَا تَكْسَبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ ولا تزر وازرة وزر أخرى. وكانه يريد أن يقول لهم ماذا في النهاية؟ أنا بينت لكم كل هذه القضايا، كما قلت لكم في بداية السورة: قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم. أقول لكم في ختام السورة: أنتم كأنكم تقولون لي: أبحث عن رب جديد أو رب مع الله، هذه خلاصه ما تريدون الوصول إليه بقولكم: اعبد أصنامنا وعظم آلهتنا، أنتم خلاصة ما تدعونني إليه أن أتخذ رباً؛ لأنه لا يمكن ولا يتصور في العقل السليم وفي المنطق الاستدلالي أن أعبد شيئاً سوى الله إلا وأنا أعتقد فيه شيئاً من الربوبية. هذه خلاصة ما ترادونه أو ما يستلزم من أقوالكم خليني أقول على الأقل.

في النهاية أقول لكم: لا يمكن أن أفعله، وأنا لا أتحمل ذنوبكم وخطاياكم. يعني لا تظنوا أنني أن حرصي الشديد على دعوتكم لأنني أخاف أن أتحمل أوزاركم، ﴿وَلَا تَكْسَبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾. كل أخطائكم العقدية وانحرافاتكم الفكرية وضلالاتكم أنتم من ستتحملونها. هذا سياق ﴿وَلَا تَكْسَبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ هنا وكأنه يريد أن يقول لهم: أنا لست خائفاً أن أتحمل أوزاركم أو أن آخذ آثامكم عندما دعوتكم. ترى في النهاية أعمالكم أنتم ستُحصى لكم ثم تحاسبون عليها أنتم، ﴿وَلَا تَكْسَبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾.

فهو إذن كما يقول: هذه فيها متاركة للمشركين، بأن عنادهم لا يضره صلى الله عليه وسلم، فإن ما اقترفوه من الشرك لا يناله منه شيء، فإنما كسب كل نفس عليها هي بتكلو بتحمل أخطائه، واحد يتحمل نتائج عمله، وتحصدون أعمالكم يوم القيامة، ﴿وَلَا تَزِرُ وِزْرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وهذا تمام في المتاركة. قالوا ماذا يعني؟ مش فقط لا تكسب كل نفس إلا عليها، بل ما حدا حتى بيشيل عنك، هي شغلتين: أنه كل نفس لا تكسب إثماً إلا عليها، ولا تكسب إثماً للأخرين، فالغلط اللي بتعمله أنت بتتحمله ولا يذهب إلى غيرك، وفي نفس الوقت لا تأتي نفس لتحمل أوزار نفس، فأنت غلطك أنت بتتحمله، ولا تزر يعني ولا تحمل وازرة، حاملة أي نفس حاملة وزر نفس أخرى.

فهو متاركة من الجهتين، فكما أن ما تكسبه النفوس لا يتعدى شيء منها إلى غيرها، كذلك لا تحمل نفس عن نفس شيئاً، فكلا الأمرين منته تماماً. نعيدها حتى تعرف الفرق بين الجملتين: الجملة الأولى تركز على ماذا؟ أن ما تكسبه النفس، يعني أنتم لما تعاندوا لا تظنوا أن كل ما تكسبونه أنتم رح تضروني فيه ويتعدى إثم كسبكم إلي. وكذلك في نفس الوقت أنا لا أخاف أنكم تحملوني يوم القيامة أوزاركم أو أن أتحملها، فكل نفس لا تكسب إلا عليها، ويوم القيامة لا يحمل الله نفساً أوزار نفس أخرى.

ثم ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ونفس الفكرة التنبئ هنا قد يكون بالاخبار أنكم تخفون بين يدي خسركم، أو بالعذاب الذي سينزل بكم، فإنه هذا العذاب سيكون فيه إخبار بلسان الحال وليس بلسان المقال. إخبار بلسان الحال أنه ما كنتم تختلفون وتفرقون به دين الله سبحانه، قول هذا الجواب. الجواب ما سترنا، ما ستسمع.

ثم ختمت بمفهوم عام لكل البشرية من أمة الإجابة والدعوة إليهما، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ أنتم في النهاية يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم والأمة هنا بمعنى العام من استجاب ومن لم يستجب، أنتم في النهاية حقبة زمنية من حقب التاريخ البشري والانساني، خلفتم أمماً قد سبقت، وهذا معنى الخلائف هنا: أن البشر يخلف بعضهم بعضاً، فإنتم خلفتم أمماً قد سبقت من قوم نوح وقوم إبراهيم وقوم عاد وثمود والأمم.

﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ أنتم أمة وجيل من أجيال البشرية، وهذا الجيل مثل أي جيل الناس فيه متفاوتون في قدراتهم في عقولهم في أعمالهم في مكتسباتهم، هذا معنى ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ فهناك الذكي وهناك البليد وهناك الغني وهناك الفقير وهناك القوي وهناك الضعيف. جيل أمة من الأمم، وهذا كما مر معنا في طريق الهجرتين، هذا التنوع في الخلق يحصل فيه ماذا؟ ظهور آثار أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته، ويظهر فيه الصراعات، فالغني مبتلى بالضعيف الضعيف أو عفوا الغني مبتلى بالفقير، والفقير مبتلى بالغني، والقوي مبتلى بالضعيف والضعيف مبتلى بالقوي، الملوك مبتلون بالمواطن بالرعية والرعية تبتلى بالملوك، هذه سنة البلاء. إذن قال هي هكذا سنة الله، أنتم جيل لن يحصل معكم إلا ما حصل مع من قبلكم، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾.

طيب، لماذا رفع بعضكم فوق بعض درجات؟ قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ كل منكم مبتلى بما بين يديه، فالغني مبتلى بما بين يديه، والفقير مبتلى بحاله، والقوي مبتلى بما بين يديه، والضعيف مبتلى بحاله، وسنة الله في البلاء لينظر كيف تعملون. ثم ما دام أنتم خلفاء، إذن عليكم أن تعتبروا أنه ما دام نحن حللنا مكان أقوام قد مضوا، إذن مصيرنا كمصيرهم سنمضي، هي هكذا في النهاية، إذن مصيرنا كمصيرهم سيخلفنا أناس وستبقى الأمم إلى أن تقوم الساعة. وفي النهاية

الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني. إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم.

هنا كلمة السريعة، إشارة إلى ماذا؟ قال: استعيرت السرعة للدلالة على الحزم في تنفيذ الأمر وعدم التردد فيه. ليس المراد بالسرعة هنا فقط الإخبار أن أمور الحساب سريعة، لا، هو يرى أنه في معنى بلاغي أعمق هو الذي يجب أن تنتبه إليه، وهو أن السرعة استعيرت للإشارة إلى ماذا؟ حزم الأمور وبتها وعدم التردد فيها، فيقول: واستعيرت السرعة لعدم التردد ولاظهار تمام القدرة؛ لأنه الضعيف هو الذي يتلكأ وشوي يأخذ الموضوع معه فترة وممكن ومش ممكن، لكن الله عز وجل أمره تام لا تردد فيه، لا تلكؤ فيه؛ لأن شأن المتردد أو العاجز عن الشيء أن يتريث ويحسب حساب: طب لو حاسبتهم شو ممكن يصير؟ وينظر في عواقب الأمور، أما سبحانه وتعالى الموضوع عنده سريع الإجازة.

فالتركيز ليس على السرعة، لا تخلي تفكيرك في الآية منصب على السرعة، خلي تفكيرك منصب إلى لوازم السرعة، أن هذه السرعة تدل على ماذا؟ حزم، عدم تردد، عدم خوف من العواقب؛ يعني لا تظنوا أن الله خائف من حسابكم، لا تظنوا أن الله عز وجل سيحسب حساب لمواضيعكم وأموركم وانه لا هذول الجماعة طب يلا بدنا نمشيهم، لا لا، الأمور ليست هكذا. طلع القضية أسهل جداً جداً جداً، إن ذلك على الله يسير، ترى موضوع حسابكم سريع يعني ما يأخذ وقت ولا يعجز الرب.

في الإشارة إلى أنه لا تظنوا أنفسكم شيئاً كبيراً أيها البشر؛ نحن الواحد فينا اليوم انظر إلى جبروت طغاة العالم من الصهيونية والماسونية ومن أذنابهم واتباعهم، تجلس مع الشخص في يوم يظن أنه هو الذي الله عز وجل -كأنه والعياذ بالله- يظن أن الله عز وجل يخشى من عقابه فلذلك أطال عمره، أو يتريث في أمره لأن له مكانة. لا، ترى مسكين أنت مسكين، ترى أنت مجرد حقبة من الحقب، كلكم على عتاولتكم، التحالفات الكبرى والدول المهاجمة للإسلام وكل هذا، يقول الله عز وجل: ترى أنتم خلاء الأرض، ما موضوعكم، ليس موضوعاً عويصاً ولا عميقاً، ولا تظنوا أن هذه المدة الطويلة من استكباركم وتعجيلكم فيكم ترا ماشي ورفع بعض الدرجات، أنتم الآن أقوياء أيها الجبابره وفي ضعاف من المستضعفين من المسلمين يسامون سوء العذاب، كل واحد يبتلى بما عنده.

لكن اعلموا أن الله سريع العقاب، حزم عزم عدم وجود أي تردد ولا أي تريث ولا تخوف من أمركم، وفي النهاية: وإنه لغفور رحيم، في نفس الوقت الذي يصلح ويسير أمور حياته كما يريد الله سبحانه وتعالى، فالله يتجاوز عن أخطائه ويبقي القرآناً نفساً لمن يريد الإصلاح؛ لأن رحمة الله سبقت غضبه، الله عز وجل يحب العذر ويحب إقبالنا، حتى عتاة الفجار ما زال الله سبحانه يترفق بكم ويخبركم أن هناك فسحة للتوبة.

وانه لغفور، ولاحظوا اللام هنا لم توجد في الأولى، ما قال إن ربك لسرع، قالوا وزيادة التأكيد هنا لأن مقام الرحمة والمغفرة أحب إلى الله من مقام العقاب إن رحمتي، فلذلك أتى باللام تأكيداً أعلى من تأكيد سرعة العقاب حتى يخبرك أن الرحمة أسرع لكن لمن أخذ أسبابها.

هكذا أيها الكرام، انتهت سورة الأنعام بكل ما فيها من المعاني العظيمة في تأسيس العقائد، وفي تأسيس الجدل والحوار مع الكافرين، وفي بيان أهم الانحرافات التي كانت موجودة في ذاك الزمان وتتكرر أشكالها في كل زمان ومكان مع تغير الأشخاص والرسوم. تعلمنا في سورة الأنعام أيضاً كيف ينبغي أن يتعامل المؤمن مع الكافرين في زمن الاستضعاف، وكيف ينبغي أن تكون هوية المسلم وعزة المسلم بدينه، وأنني لا أضعف أمام مطالباتهم لي بالحجج والبراهين الكاذبة، ولا أتزعزع ولا حتى أقبل الجلوس معهم في مجالسهم، أبقى محافظاً على هويتي وتمايزي.

نعم، قد أكون في لحظة معينة أنا محتاج أن أقول: إنما أمرهم إلى الله، لا أقدر على المواجهة، صحيح كما جاء في الآية قبل قليل معنا: إنما أمرهم إلى الله، أنا مش قادر لكم مادياً، لكنني لا أصور بالارتباك الفكري ولا الثقافي ولا أزمة المشهد المعرفي، أوراقي واضحة، أفكاري واضحة، هويتي ودعوتي واضحة لا أساوم عليها، معالم الدين أبقى محافظاً عليها، أي لا أقبل المساومات ولا أنصاف الحلول، لا أسقط أمام كما قلت المطالبات والدعوات والمجازفات.

هكذا يبقى المسلم إلى أن يصل إلى الله سبحانه وتعالى، أنه يعرف في النهاية أن قصة الحياة أهون من ذلك، وأن هذا العمر اليسير سينتهي قريبة، وأننا جميعاً بعضنا مبتلى ببعض؛ فالكافر مبتلى بالمؤمن والمؤمن مبتلى بالكافر ليقضي الله أمراً كان مفعولاً. فهم الإنسان لهذا المشهد يجعلك تعرف -أو اسميها إجابة فطرية- لماذا أنا موجود؟ لأنه كثير من الناس ما زال اليوم في هذه الحياة لا يعرف لماذا هو موجود وما هي الغاية من أنه يحيا ويسعى وياكل ويتنفس ويتزوج ويشرب ويسعى ويهتدئ، هو ما زال يعيش في أوهام مادية وفي ظل خلاص إنما حياتنا الدنيا نموت ونحيا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر.

بعض الناس يعيش هذا ضمنياً وإن كان لا يبوح به لسانياً، لكن هو هكذا يعيش حياته، لا، تأتي سورة الأنعام لتخبرك أن الأمر أعظم من ذلك، لكن لن تشعر بهذه المعاني في سورة الأنعام دائماً إلا إذا دخلت في معركة الإسلام وقررت أن تكون جندياً من جنود هذا الدين. لا يشعر أحد بمعاني القرآن حق الشعور على الأقل ولا ينسجم مع هذه المعاني إلا إذا احتك بهذه المعاني وبدأ يشعر أنه في حق وباطل. ترى اخواني في ناس اليوم كلمة حق وباطل ليس في مفاهيمه، ولا يعرف أن كما أن الأبدان تبتلى أن القلوب تبتلى.

أكثر الناس يظن أن البلاء هو بلاء الأبدان أو بلاء الأموال، ولكن لا يعرف أيضاً أن القلوب تبتلى، وأن الله يبتلي قلبك بما تراه من المشاهد ليرى موقف القلب من حال المسلمين ومن قضايا الإسلام ومن علاقته بالله ومن علاقته بالنبي عليه الصلاة والسلام ومن أشياء أشياء كثيرة وطريقة نظرة القلب للحياة الدنيا؛ فالقلوب تبتلى. بعض الناس لا يملك هذه المفاهيم أصلاً، هو بعض الناس إذا قلت له عن أمراض القلوب ربما هذا المفهوم لم يسمعه إلا من عشرات السنوات، لو سالته: هل تعرف أن قلبك مريض؟ فيش يعني قلبي مريض؟ يعدمون ظاهراً من الحياة الدنيا فقط، هو يفكر مال، أهواء، سوشيال ميديا، علاقات محرمة، هو ما وقف وقفة في الحياة يعرف أين يذهب قلبي والى اين ينتهي أمره وهل انا في من الآفات والعيوب القلبية وهل انا مهزوز النفس وهل انا هش الإيمان؟ لم يسأل نفسه كل هذه التساؤلات.

هذه وظيفة القرآن أن يعيد التيار الكهربائي للجسم من جديد، وأن يعيد تفهيمك لماذا أنت وما رسالتك وما موقفك من الباطل وكيف ينبغي أن تكون اصطفافاتك وحواراتك ومناقشاتك واعتزازك بهويتك. هذا هو المعنى الذي يستحق، هي المعنى تستحق أن يبذل الوقت لفهمها ومعايشتها وإسقاطها على الواقع وتدبرها وفهم ماذا يريد الله مني تجاهها. كل معاني الدنيا الأخرى هذه تحصيل حاصل، زواجك، مالك، تخصصك، كله اسعى وحصل لكن لا تجعل أكثر اهتمامك وجهدك ووقتك منصب هناك، اجعله هنا منصباً؛ لأنه هذا هو الذي يعطيك معنى الحياة الحقيقي.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا لما تعلمناه من هذه السورة، وأن يرزقنا العمل بكل هذه المعاني، وأن لا يحرمنا بركة العمل بذنوبنا ومعاصينا وخطايانا وتقصيرنا، وأن يفتح لنا باب التدبر لكثير من الآيات والسور ويكشف عنا مغاليقها، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.