دخولتسجيل الدخول

مجالس الوحيين | تفسير وتدبر سورة الأنعام | المجلس السابع عشر [من الآية 150 إلى الآية 157]

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين. اللهم اجعلنا من أهل القرآن، من أهلك وخاصتك يا أكرم الأكرمين، اللهم اقبل بقلوبنا إلى كتابك واجعلنا نعيش على موائده، ونعوذ بك أن تصرفنا عن تدبر معانيه.

أيها الأحبة، إن ابتعاد القلب عن معاني القرآن مؤلم، وكلما عاش الإنسان دهرا وحياته بعيدا عن فتح كتاب ربه سبحانه وتعالى، ليس فقط للتلاوة -وهذا كلام أقوله حتى لأحبابي من طلاب العلم ولعموم المسلمين، الذين ربما يحرص أحدهم على تلاوة القرآن أن يكون له ورد من القراءة كيفما كان، ولكنه يضعف عن تدبر معانيه، وتشغله الحياة عن إعطاء وقت من يومه ومن دهره للإقبال على التفكر والتأمل واستخراج واستنباط الرسائل الإلهية من كلام الله عز وجل-.

إن صلاح القلب وغذاءه ومادة انتفاعه في هذه الحياة الدنيا على قدر نيله من معاني كلام ربه سبحانه، وهذه حقيقة يا إخوان، هذه ليست مجرد أقول وعظ أو كلام جميل يوضع في بوست أو منشور، أو كلام هكذا يرمى في الخطب والمواعظ، هذا كلام حتى الإنسان يجده من نفسه؛ كلما كنت مقبلا على تدبر معاني كتاب الله عز وجل تجد في القلب من الانشراح والسرور والسعادة ما لا تجده عندما تكون منشغلا بأمور دنياك، منكبا على حياتك، أو حتى منكبا على القراءة العامة والتحليلات العويصة والمعاني العميقة، ويضعف وردك من تدبر كلام الله عز وجل.

ولذلك ينبغي على طالب العلم خصوصا وعلى كل مسلم عموما أن يكون له اتصال مستدام بكلام ربه عز وجل، ولا يعتبر هذه الأمور من القضايا الثانوية أو الهامشية أو مجرد قضية تزكويه هكذا عابرة في الحياة، هي القضية أو إحدى المشاكل الأساسية في موضوع تدبر القرآن أنه ما زال الشيطان يقنعنا أن هذه القضية وأن الالتفات إلى معاني كلام الله عز وجل هي تحصيل حاصل، أو خلينا نقول أمر هامشي، أو يعني لأن هذا المعنى الذي ستصل إليه لن يغير شيئا كبيرا في واقعك ولا في حياتك، ولن تجد له الأثر الضخم كما يصوره لك المشايخ والعلماء وما شابه، ستقرا معنى وسيسير هذا المعنى مثل مثل المعاني، وهذا اعتقد هو جزء من الإشكالية.

وأنك تقبل على القرآن وأنت لا تشعر ولا تؤمن ولا تثق بأن القرآن سيعطيك معاني صحيحة تستقيم معها الحياة وتنهض بها النفوس وتزكو بها، وعندما لا يجد الإنسان الأثر المباشر لمعاني القرآن في حياته يزداد اقتناعا بما يقنعه إبليس فيترك التدبر برأسه، ويظن أن قراءته في كتب الوعاظ أو الزهاد أو سماع محاضرات أهل العلم والدعاة والمصلحين التي فيها الوعظ والتزكية هذا هو الحل الوحيد، طبعا أكيد هذا فيه خير عظيم، لكن أنا أقصي كيف حبال إبليس ومصائده تحاول أن تصرف الإنسان قدر المستطاع عن أعظم كلام نزل في هذا الوجود، وهو كلام الله عز وجل، تصرفك وتحرمك من أن تفتح المصحف وتنظر في المعاني وتؤسس الأفكار وتقيم حياتك على هذه المعاني.

تدبر القرآن إخواني وإسقاطه على واقع الحياة، نعم أنا أدرك أنه فن ومهارة ويحتاج الإنسان المسلم إلى أن يسمع لأهل العلم المتقنين في هذا الباب حتى يعرف آليات الإسقاط وطرق التفهم، ولا يبقى فقط يتحدث عن القرآن، وهذه دائما ما أنبه عليها وأحذر منها لأنني أرى أننا في الواقع المعاصر استكثرنا منها وتقللنا مما ينبغي أن يكون، كثيرا ما تسمع المحاضرات والجلسات: مفاتيح تدبر القرآن، علمني كيف أتدبر القرآن، مغير الحياة، القرآن خارطة الطريق، بصير المصلحين، ممتاز، هذا كلام عن القرآن، لكن الخطوة التي ينبغي أن تؤخذ بعد ذلك أكثرهم لم يتخذها بعد، هذا الكلام الأصل أن يزكيك ويدفعك ويحفزك لأن تبدأ برحلة شيقة مع كلام الله عز وجل، متدبرا متأملا متصفحا، تعيش ما تسمعه من المشايخ أهل العلم عن القرآن، فتصبح في القرآن وفي واقع القرآن تبني حياتك ونظرتك للوجود للنفس لمعطيات الواقع.

ولذلك دائما ما أقول لإخواني: تجاوزوا مرحلة الحديث عن القرآن لنتحدث في القرآن، أنا لا أُريد أن نبقى فقط في نظريات، نريد أن ننزل إلى تطبيق وعمل، وفعلا حاول أن تأخذ وردا قرآنيا أسبوعيا يوميا على حسب طاقتك ويكون لك معالجة لهذا الورد فكرية سلوكية استنطاق له، ثم بعد ذلك إنزاله على واقع الحياة ومحاولة كيف يمكن خلال هذا الأسبوع أن أعيش مع هذا الورد مع هذا المقطع، ترى الصحابة هكذا عاشوا بدون أي مجاملات وبدون أي مقدمات، الصحابة كيف عاشوا؟ الصحابة عاشوا على كتاب واحد، على كتاب الله عز وجل، هذا الكتاب كانوا يأخذون منه قسطا كافيا، يسمعون شرحه أو تدبراته سواء مع النبي عليه الصلاة والسلام فيما بينهم، ثم بعد ذلك يسقطونه على واقع حياتهم.

ويبدا القرآن يعمل ويفعل أفاعيله في قلوبهم، فتجد مؤمنا شامخا قويا بعيدا عن الهشاشة النفسية والهزات العاطفية والضعف والشبهات وتغزوه الشهوات، تجد رجلا وتجد امرأة، تجد أناسا صالحين وفتيات صالحات يحملون هم دينهم وعقيدتهم مثل الغالي والنفيس، وفتحوا الأمصار والبلدان وقامت حضارة على أكتاف هؤلاء الأبطال، قال لأن المطلوب كان واضحا ولم يكن مجرد مادة نظرية، لا، كان شيء عملي، شيء واقع عملي، هم يعملون بالقران طوال السنوات، ولم ينصرفوا عن هذه المعاني ولم ينشغلوا بغيرها، فكان منبعا وحيدا فريدا إن كبت القلوب عليه فصلحت.

إذا، هذا القرآن قطعا يوجد فيه مادة الصلاح، قطعا، لأنه أنا عندي شاهد، جيل كامل قام ونهض وبنى وأسس وغير منظومة متكاملة من الفساد في الروم وفارس وفساد العرب في داخلهم من خلال هذا الكتاب الوحيد، طبعا مع الأخذ باعتبار سنة النبي عليه الصلاة والسلام شارحة له ومبينة ومقيدة لمطلقه وشارحة لعمومه ومخصصة له، بالتاكيد لا يمكن الانفكاك عن السنة، لكن أنا أتكلم عن المنطلق الذي ينبغي أن ينطلق منه المسلم في الحياة وأن تكون انطلاقة جادة، مادة فيها همة وبعيدة عن الكسل وبعيدة عن الانشغالات في حتى القراءات الثانوية بحيث تطغى على حالة الحالة القرآنية التي ينبغي أن تحكم حياتك.

صدقني أن الضعف الإيماني والهشاشة النفسية والشعور بعدم قدرة على الثبات أمام أمواج الفتن والشهوات والشبهات أحد أبرز أسبابها الأساسية هي ابتعاد الجيل عن كتاب الله عز وجل بالمعنى الصحيح، كيف ينبغي أن نتمثل القرآن حق تلاوته، وكيف ينبغي أن يكون التمسك بالقران حق التمسك، وكيف ينبغي أن يكون الجلوس مع القرآن والالتفاف حول مائدته حق الالتفاف، هذه معاني سامية وعظيمة ونحاول نحن بإذن الله من خلال مجالس الوحيين أن نعين أنفسنا أولا ثم نعين إخواننا على تحقيق هذه المقاصد الإلهية.

فإن هذه الحياة مع القرآن هي نعيم الله وهي راحه وسعاده، وإن الإنسان فعلا يا اخي لما تأتي تتدبر وتحاول أن تستخلص من آية معاني وتسقطها على الواقع -هذا المهم، إسقاطها على الواقع المعاصر بكل ما فيه من الأفكار والشهوات والشبهات والعلمانية والليبرالية والحركات والجماعات والنفوس والأخطاء والأسر- ما تراه من حولك هنا تجد عظمة القرآن وجمال القرآن وعدالة القرآن ورحمة القرآن والتحليل الدقيق لواقع النفوس، خاصة إذا كان الإنسان يتعامل بإنصاف؛ يعني أتى للقران ليستفيد وينتفع وليس بأحكام مسبقة يريد أن يصرف ويلوي أعناق النصوص تجاهها، جاء إلى القرآن نَهما عطشانا يريد أن ينهل من هذا المعين العذب، هنا سيجد في القرآن شيئا عظيما مدهشا يلبي ما عنده من الجوع النفسي والقلبي والاحتياجات الحياتية.

لأن هذا القرآن نزل من إله، كلام إله، وكلام الإله ليس كأي كلام، ووصف الإله وأخبار الإله وكلامه، وما الذي يخبرنا ويعلمنا به ربنا ليس كأي أخبار، وليس كأي إعلام، وليس كأي حديث يققال هكذا في المجالس؛ كلام المشايخ، كلام الدعاة، كلام أي إنسان، كلام يحتمل الصواب والخطا، يحتمل القصور، يحتمل المبالغة الإفراط والتفريط، لكن القرآن كلام مدهش يصف الأمر كما هو بدقة وبجمل محدودة ويعطيك في النهاية معاني عظيمة.

ومهما عدت لتنظر تجد أن المعاني ما تزال تتولد، وأن الأفكار ما تزال تخرج، وأن هذا المعنى الذي ظننته معنى فريدا للنص هناك معاني ولوازم تحيط به ضعفت في المرة الأولى من الانتباه لها، فإذا ربك ينعم عليك بأن تلتفت لها في مجلس آخر، هذه جمالية القرآن، فضلا أن هذه المعاني التي تعيد إمرارها على القلب لها دور في إسكانه كما ذكرنا في طريق الهجرتين، لها دور في إشباعه، لها دور في وضع الدواء على الداء، وضع الغذاء في مكانه الذي نزل من أجله، فاذا لم يؤخذ الغذاء والدواء في مكانه ترى مشكلة وسيبقى المرض يشتد في القلب، وستبقى المعاصي تغزوك.

حقيقة أعجب من حالنا كمجتمعات مسلمة؛ كيف تجد الإنسان عنده من الجلد أن يجلس على وسائل التواصل الاجتماعي أربع ساعات يقلب مقاطع ويقلب مناظر وتاتي عينه على الحلال والحرام ويسمع أقوال الناس ويريد أن يرى كل جديد، ثم إذا جاء إلى كلام ربه سبحانه وتعالى وجدت الملل يغزوه مباشرة ووجدته يفتر ويبدأ يتثائب ويبدأ يقرا بفتور ويقلب الصفحات باستثقال وكأن هذه المعاني ينبغي أن تجر جرا، وليس في هناك نوع من الشوق واللهفة والسعادة والسرور في مجالس التدبر.

أصبحت مجالس التدبر فعلا عند كثير من الناس مجرد كلام عام يعني، كأن هؤلاء قوم يعيشون في عالم آخر، أينكم عن الكلام في التفاصيل السياسة ودهاليز الحرب بين أمريكا وإيران؟ وأينكم عن دهاليز توصيف الإشكالات المعاصرة؟ والإنسان لما يقرأ القرآن يضيع وقته عند الناس وكانه عندما يبدأ يحلل المعاني ويستنبطها لقلبه كأنه يعيش في عالم منعزل؛ يا اخي أنت لا تعيش واقعك ولا كذا! طبعا أنا لا أدعو الإنسان أن يكون لا يعرف شيء من حوال المسلمين، لكن تجد أكثر الناس منكب على الأخبار وطلعة الأمور والاحداث وكل جديد وكل ترند يخرج وكل مقطع يوتيوب وكل شو تجد منكب ولهف يعرف ما الذي حصل، وينظر للقرآن وكأنه من بنيات الطريق التي لا ينبغي الانشغال بها إلا على قدر الملح على الطعام، أقول لك هذا القرآن وانتهت القضية.

هذا كله من صانع إليس ومن فعله بالقلوب أن يصرفها عن مادة صلاحها ونفعها، هذا الواقع وإن كنتم مقصرين لكن جيد على الأقل أن تصف الواقع كما هو، وألا تبقى تضع مجملات لنفسك وللناس؛ الواقع أن إبليس نجح بشكل كبير خلينا نقول في صرف الناس عن الوحي، حتى صرف كثير من أهل الالتزام، بل حتى من بعض المتصدرين صرفوا عن هذه المادة لتكون هذه المادة مادة هامشية لا تطرق إلا في شهر رمضان هيك مجالس عامة، أو في ساعات الصباح يكون مجلس وعظي كأنه وعظ هيك كلام عام، ثم بعد ذلك لما نبدأ يلا ندير الحياة القرآن آخر ما يتم استحضاره، آخر ما يتم استحضاره في إدارة مشاهد الحياة.

هنا يشعر الإنسان أن الأمة ما زالت تحتاج إلى إمضاج، وأننا والشباب من حولنا نحتاج إلى زيادة وعي بقيمه هذا الكلام العظيم الذي لا ينبغي أن تخلو منه أن يخلو منه برنامج أو أكاديمية أو برنامج إصلاحي أو مصليات في جامعات أو لا ينبغي أن يخلو الناس من هذه الورد العظيم من كتاب الله سبحانه، وينبغي أن يكون القرآن حالة حالة عامة وليست حالة استثنائية فقط يعيشها بعض الناس الموفقين الذين اخذ الله بقلوبهم من القرآن والسواد الأعظم من الشباب المسلم والشباب الإصلاحي.

وأعود فأقول بعض يحب أن يسمع عن القرآن لكن لا يريد أن يخوض التجربة، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا وأن يفقهنا وأن يعرفنا قدر كلامه، وأن يقبل بقلوبنا إليه وأن يحببه إلى نفوسنا وأن يجعله أشهى من الشهد والعسل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

كان آخر مجلس لنا في تدبر سورة الأنعام، هذه السورة العظيمة التي تتكلم عن معالم التوحيد وعن وسائل أهل الشرك في الاعتراض على توحيد الله سبحانه وتعالى، وطلب الآيات والمعجزات والامور الخارقة من النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف أن الله سبحانه وتعالى كان يوجه نبيه صلى الله عليه وسلم إلى ألا يضعف ولا يتنازل أمام هذا الكم الهائل من الاقتراحات التي كان يقترحها المشركون في إنزال الآيات.

وكان التأكيد القراني أن في مشاهد هذا الكون الفسيح في السماوات وفي الأرض وفي الجبال والبحار والنبات والذَّرَأ وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد وتدل على عظمة الله وحدانيته وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما دعا إليه من معالم التوحيد، فالامر لا يحتاج إلى مخارق، ومن يطلب الأمور الخارقة دوما هذا أصلا هو مستهتر عابث؛ من كان لديه ألف دليل على وجود الشيء وعلى مصداقيته ويقول أنا لا أؤمن به حتى يأتي الحادي عشر، نقول: لو جاء الحادي عشر لن تؤمن، لأنه من كان عنده ألف دليل ولم يؤمن بها، الألف وواحد ماذا سيفرق؟ يعني هذه النقطة القاصمة.

لكن هو نوع من استهلاك الوقت واستهلاك نفسية الداعية وصرفه عن مشاريعه الإصلاحية، أنا أبين الحق وأبين أدلته بالمقدار الذي أمرني الله سبحانه وتعالى، والادله والبركة كثيرة، ثم بعد ذلك دوري الإصلاحي أن أعمل على الفئة المؤمنة التي بين يدي وأنشغل بها وأبدا أبنيا هذه تصلح هذه الأمة وتنهض بها، ولذلك الله عز وجل لما عاتب نبيه صلى الله عليه وسلم في سورة عبس كان العتاب مع أن النبي عليه الصلاة...

والسلام كان في مهمة إصلاحية، ويريد أن يدعو عتاولة كفار قريش لهذا الدين. فلما جاءه ابن أم مكتوم فتشاغل عنه، ورأى أن الوقت ليس وقت الكلام الآن مع ابن مكتوم؛ هناك ما هو أولى. أراد الله سبحانه وتعالى أن يبين لنبيه صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء الذين أنت تجلس معهم هم أناس عندهم نوع من الكبر والاستغناء، فليسوا أهلاً لأن تشغل وقتك وتصرف جهدك، مقابل ذلك الشاب الصالح المؤمن الذي جاء يتزكى ويريد صلاح نفسه.

فجهد الداعية والمصلح ينبغي أن يصرف في إصلاح الثلة المؤمنة التي حوله وعصابة أهل الإيمان التي يريد أن ينهض بها لتبني جيلاً وأمة وتبني الحضارة. وهذه العصابة هي التي ستتحمل الرايات وتصر تجول بعدها بهذا الدين، وتفتح القلوب المقفلة والعقول الجامدة، وتبعد من يقف ويحول دون وصول هذا الضياء والخير إلى الجميع. هذه وظيفة الدعاة والمصلحين.

أما أنني أستهلك مع أناس يستهزئون ويتهكمون، ويقترحون الاقتراحات، ويبقى كل شخص في كل يوم يخرج لي بشبهة جديدة وإحداث جديد، وأبقى أنا منغمساً معهم، والشباب الصالح وأهل الخير والصلاح الذين يراد تزكيتهم وإصلاح نفوسهم لا أحد يلتفت لحالهم ولا أحد ينتبه إلى تلك القاعدة الصلبة التي ينبغي تشكيلها!

كثير من الناس يسألني السؤال: ماذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل في مكة في دار الأرقم بن أبي الأرقم؟ فأقول له: كان يعد ذلك الجيل الصالح وتلك القاعدة الصلبة التي أسقطت الحضارات العظمى في ذاك الوقت. وإعدادها يكون بالمعاني الصحيحة، وبالتوجيهات، وبالسلوكيات، والتربية العملية ومراقبة سلوكياتهم وأفعالهم. مع أنه كان يعيش معركة في مكة وكان متخفياً، لكن كان يدرك أنه ليس من صنعي أو من شأني أن أبقى مستهلكاً دوماً مع كفار قريش يستهلكونني في الحوارات والنقاشات والجدالات، كحال بعض الناس المتصدرين على السوشيال ميديا الذي هو منغمس دوماً في كثرة الأطروحات التي يطرحها أصحاب الشبهات والافكار.

وننسى أن عندنا جيل من الشباب المحب لله ورسوله الذي يحتاج من يتفرغ له ويصلح شأنه ويزكيه. هذه الشبهات لن تنتهي، وهذه الأفكار الفاسدة التي يولدها أهل الباطل في القلوب من الظلمات والخيالات والشبهات ما لا يمكن أن يكون له نهاية. طبعا لا إشكال في التصدي لها، لكن لا ينبغي أن تشغل هذه الشبهات الدعاة والشباب المهتم بالإصلاح عن بناء القاعدة الصلبة والالتفات إلى السواد الأعظم من الناس التي تنتظرهم وتترقب كلامهم وتزكية نفوسهم.

فإياك إياك أن تعرض عن هؤلاء الصالحين والشباب الصادقين وبناء أفكارهم ومشاريعهم وبناء قاعدتهم الصلبة من أجل أن تبقى منشغلاً في شبهات جانبية! أجب عن تلك الشبهات، والقرآن يعلمنا إجابة الشبهات، لكن أنا أجيب الشبهات ولا أجعلها تستنزفني، ولا أجعل نفسي عرضة لأهل الباطل يبقون يقترحون علي ويدعونني إلى مجالسهم في سياق تهكمي وفي سياقات استهزائية.

النبي عليه الصلاة والسلام هنا في سورة الأنعام الله عز وجل يبين له المفاصلات الواضحة: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ * إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام: 35-36]. يعلمه الله عز وجل كيف ينبغي أن يكون مسير الدعوة يا محمد صلى الله عليه وسلم، وكيف ينبغي أن يكون مسير الدعاة من بعدك بهذه الأمة، واين ينبغي أن يكون الاهتمام: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ * وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 53-54]. سورة الأنعام تتعلمك كيف تتصرف في أزمنة الاستضعاف: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 68-69].

تعلمك سورة الأنعام كيف تتصرف وكيف تتعامل وكيف ينبغي أن يكون نسقك الدعوي. أيضاً من المعالجات العظمى التي عالجتها في المجتمعات الجاهلية سورة الأنعام: قضية تغيير معالم الشرائع. فإن أحد أبرز سيئات الجاهليين أنهم كانوا يغيرون معالم ملة إبراهيم، فيحرمون ما أحل الله ويحلون ما حرم الله، والله عز وجل جعل ذلك شكل من أشكال الشرك: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121].

كيف كان الناس يعترضون على معالم ملة إبراهيم فيحرفونها بأهوائهم وأذواقهم؟ وهذا من أكبر مظاهر الشرك، ومن أكبر مظاهر التلاعب بالتوحيد وبالعقيدة الصحيحة التلاعب بتشريعات الإله سبحانه وتعالى. فان من مقتضيات توحيد الألوهية والربوبية أن تسلم، أن يسلم التشريع مطلقاً كاملاً لله سبحانه وتعالى، وأن يقف الإنسان عند هذا التشريع مقام العبد بين يدي مولاه، ليس مقترحاً ولا متجاسراً ولا متلاعباً ولا مبدلاً ولا مغيراً.

فكانت هذه المعالجة معالجة واضحة في سورة الأنعام أن من أبرز معالم شرك المشركين هو العبث بالشرائع: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمۡ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 144]. ولاحظ كيف أن الشرك وتدخل البشر في وضع التشريعات كيف يجعلهم ينحطون حتى في إشغال أنفسهم بتوافاه الأمور والتصرفات الرديئة: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: 138].

فتجد في الأوضاع الأرضية السفه، وتجد الحمق، وتجد أن البشر لما يبدأون يحكمون أنفسهم على أنفسهم ويضعون لأنفسهم، تجد الأهواء وصغارة العقل والسفه في تحليل المشاهد. بينما شرع الله سبحانه وتعالى تجده في تمام العدالة، وتمام الحكمة، وإشغال الناس بما ينفعهم، وكمال الطمانينة للبشرية والاستقامة، وعدم استغلال الأسياد لنفوذهم حتى يأخذوا رغباتهم وشهواتهم من المستضعفين الذين تحتهم. الرحمة، العدالة، الحكمة قائمة في هذه التشريعات الإلهية.

هنا أظن يعني كان وقوفنا الأخير في سورة الأنعام، ووصلنا إلى قوله سبحانه وتعالى في الآية 150. نحن كان بقي علينا يعني صفحتان ونصف تقريباً، فلستُ أدري إن شاء الله لإتمامها والانتقال إلى سورة الأخرى من سور هذا الكتاب العظيم. وصلنا إلى الآية 150 يقول سبحانه وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 150].

الله سبحانه وتعالى هنا يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم في مفاصلة واضحة مع الباطل: هلم، هلم اسم فعل أمر بمعنى ائتوا، أقبلوا. هلم شهدائكم الذين يشهدون معكم أن الله حرم هذه الأمور. الآن هذا يحتاج منك أن تتذكر ما مر في الصفحات السابقة لما قالوا: هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم، وأنعام حرمت ظهورها، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه. وقالوا: ما في بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا. ثم الصفحة التي تليها: ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين. قل آلذكرين حرم أم الأنثيين؟ حرموا بأهوائهم وأذواقهم انواعاً من الإبل أنواعاً من البقر. الإبل التي تولد عشرة هذا فحل خلص ما بصير أحد يركبه، ما بصير أحد ياكل من لحمه، التي تل توأم هذه ياكل منها فلان لا ياكل منها فلان. أصبحوا يحرمون من اللحوم الحلال التي أحلها الله الشيء الكثير بأذواقهم وأمزجتهم ورغباتهم.

فالله عز وجل يقول: وهذه الدعوة طبعا لكل زمان، وكل من حرم ما أحل الله أو أحل ما حرم الله، هي تقال كليهما لكل من يتلاعب بالشرائع الإلهية، هذا إسقاط للواقع: هلم شهدائكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا. وكذلك نقول: هلم شهدائكم الذين يشهدون أن الله أحل كذا. التحريم مثال، لكن في مقابلة في الواقع هناك تحليل برضه. فكل من حرم ما أحل الله أو أحل ما حرم الله، سنقول له: هذا الذي أنت فعلته هل تنسبه إلى الله؟ يعني أنت حرمت ما أحل الله، هل هذا التحريم أنت تقول إنه يرضي الله عز وجل أنه من شريعة الله؟ أو تحليل ما حرم الله، هذا تحليلك لكثير من المعاصي والذنوب وتشريعها على الناس من التفسخ والتبرج والربا وأكل أموال الناس بالباطل؟ يا أخي تعال قل لي: هل هذا أنت تقول إنه من الدين ولا ليس من الدين؟ إذا كنت تقول لا، يا اخي والله الدين يقبل والدين في سعة. هلم شهدائكم، أحضر لي البراهين والشهداء من أهل العلم ومن أهل الصدق ومن أهل المعرفة الذين يشهدون معك أن الله حرم هذا الشيء الذي أنت حرمته، أو أن الله أحل هذا الشيء الذي حضرتك أللته، إذا كنت تنسب إلى الله وتقول إن الدين يقبل وأن هذا من تغير الزمان والمكان وتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان لهم كثير من المنكرات كالفوائد الربوية والتبرج والسفور والاختلاط الفاحش وكثير من المنكرات التي يعيشها الناس في واقعهم اليوم. تجد للأسف يخرج لك بعض الناس وبعض من يتصدر على وسائل الإعلام ليقول لك: يا اخي الدين يقبل هذا، والدين في سعة، ودعكم من المتزمتين من رجال الدين الذين وتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والمصالح. يعني يعطيك مجموعة من الاستدلالات المريضة والعقيمة.

فالجواب واضح: هلم، أحضر لمن يشهد لك من أهل الخبرة الشرعية والمعرفة بالرسالات الإلهية، أحضر لي من يشهد لك أن الله حرم هذا أو أحل هذا. لأنه لو كان كلامه حقاً، ينبغي أن يكون هناك توافق عليه بين أهل الخبرة، بين أهل المعرفة؛ يعني لا يمكن أن يكون سراً عندك وحدك.

قال: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ يقول الطاهر بن عاشور: هذا على سبيل التفريع أو التنزل. فان شهدوا، يعني إذا فعلاً هو استطاع هذا الفاسد أن يحضر من يشهد له من زبانيته، فان شهدوا ذهب وكما ذهب فرعون فاتى بالسحرة حتى يبطل في ذهنه ووهمه أي ما يفعله سيدنا موسى. إن استطاع أن يأتي بمن يشهد له، أتى ببعض الشيوخ المتزلفين، أتى ببعض الأهواء ممن لهم طيالس، وشهدوا له: آه والله كلامك صحيح، هذا الشيء حرام. ويكون بعض اليوم تجد من يفتي الناس بحل الفوائد الربوية! راينا وسمعنا من يفتي للناس بأن التبرج وقضية أن المرأة تلبس حجاباً ولا تلبس قضية شخصية وأن ليس واجباً، تجد وإذا قلت له: من قال لك؟ يأتي يستطيع أن يوظف لك وياتي لك ببعض الفاسدين ممن انتسب أو نسب نفسه إلى حمل الشريعة والشريعة بريئة منه، ويشهدون معه.

فالله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم ولكل داعي ولكل مصلح: حتى لو استطاع ذاك الفاسد أن يأتي بمن يشهد له تنزلاً، إذا استطاع يذهب ويأتي بمن يشهد له: ﴿فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ لا تشهد معهم كأنها تقول لك: إياك أن تتزعزع عن الحق الذي معك. ممكن بعض ناس يأتي: آه والله جيب من يشهد لك، يروح يضبط له كم شخص ويأتي بهم، فتلاقي هذا الشاب الداعي المصلح ترنح أو ضعف أو بدات نفسه: أي والله يا اخي ها هي في ناس والله قالت إنه هذا دين، آه والله فيبدا يترنح ويبدا قد يضعف أمام سطوة الباطل، لأنه هنا أهل الباطل اتوا بمن يشهد لهم ويوافقهم من أهل الخبرة والحكمة فيما زعموا. هنا الله عز وجل يطالبك ما دمت متيقناً من عقيدتك وتربيت على موائد الكتاب والسنة، حتى لو استطاع الباطل أن يجمع زبانيته فلا تضعف ولا تستسلم ولا تصبح معهم، فلا تشهد معهم.

هنا طبعا بعض أهل العلم يقول قوله: فلا تشهد معهم هي كناية عن فلا تصدقهم. لأنه المتصور بالتاكيد أن النبي عليه الصلاة والسلام لن يشهد معهم، فكيف يقول فان شهدوا فلا تشهد معهم؟ قال المراد: فلا تشهد معهم كناية عن ماذا؟ عن اللازم، المراد به الملزوم. فلا تشهد معهم والمراد يعني لا تصدقهم، لأنه من صدقهم يلزمه أن يشهد معهم، فلما نفى اللازم أراد نفي الملزوم وهي التصديق. فإن شهدوا فلا تصدق، لا تضعف، لو استطاع الباطل أن يتكاثر وأن يتجمع ما دمت واثقاً بعقيدتك راسخاً فيها، ما دمت واضحاً في رسالتك مناصراً للكتاب والسنة فلا يهولنك اجتماع أهل الباطل وشهادة بعضهم لبعض. انظر كيف تثبيت للدعاة والمصلحين: فان شهدوا فلا تشهد معهم.

ولا تتبع، أيضاً تثبيت آخر: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 150]. الله عز وجل يخبرنا أن الذين يحرفون الشرائع الإلهية هم قوم اجتمعت فيهم ثلاث خصال: أنهم يكذبون بآيات الله ما عندهم تصديق حقيقي، وأنهم ماذا؟ ما عندهم مركزية الدار الآخرة، لو هو يعرف أنه سيقف بين يدي الله وأن الله سائله لما تجرأ ولما تجاسر. وأنهم يعدلون بربهم، حيث نصبوا أنفسهم أو أشخاصاً معينين يشرعون مع الله سبحانه وتعالى، فهم يعدلون بالرب سواه. وهم بربهم يعدلون، وأنت لما تضع شخص يحلل ويحرم كأنك تعدل بالإله سواه، وتجعل لله من ينافس على مقام التشريع ووضع القوانين والأنظمة.

فالله عز وجل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم -طبعا ولكل من يحمل لواء الإصلاح والدعوة-: احذر إذا رايت الباطل تجمع وتكاثر وكانت له قنواته ومشاهداته وزخارفه، إياك أن تضعف أمامه وتبدأ تتبع أهواءهم ورغباتهم وتصبح من زمرتهم. إنه بعض الناس فعلا يضعف لما يرى الباطل تكاثر فيقول: خلاص يا شيخ أنا أعيش معهم يعني أسير على قولهم لماذا أبقى منفرداً وحدي كالغريد الذي يعيشون؟ تأتي غربة المسلم مع تكاثر الباطل. لا، ولا تتبع أهواء الذين كذبوا باياتنا. كثير من الناس لما تبدأ بالالتزام.

وتبدأ تعود إلى شرع الله عز وجل. كثير من الإخوة والأخوات أجد أنه يواجه بيئة كبيرة من أهل الباطل حوله، من عائلته، من أسرته، من أصدقائه السابقين، ويقولون له: يا أخي، أنت ليش بطلت تحضر أعراس مختلطة؟ يا أخي، أنت لماذا بطلت تسمع المعازف والغناء؟ يا أخي، لماذا بطلت أحضر السينما؟ يا أخي، لماذا؟ وبيصيروا ايش يجيبوا له فتاوى من هنا وهناك، هذه الفتاوى الشاردة؛ أنه هي في شيء خفته، أنه هذا حلال، ويا اخي في مشايخ أنه كذا وفي وانه لا يعني لا تثبتها حالك. فيبدأ هو -خاصة إذا أتوا له بمن يشهد للباطل، إذا هم أتوا بمن يشهد لأنه هي شقة أنه الربا حلال، وفي شيخ بيحكي أنه أخذ القروض الربوية في دار الحرب جائز، وفي شيخ بيقول لك إنه بيصير مرات يعني ما في داعي انك تشدد على نفسك لو بنتك خرجت متبرجة في يوم العرس عادي وفي وفي- فاهمين أنه في، وأن الباطل يستطيع أن يحشد من ضعاف النفوس من يشهد لهم.

هنا يبدأ ذاك المسلم الملتزم الذي يريد التمسك بأمر دينه يبدأ -يعني على حسب جرعته الإيمانية- منهم من يلهث، يقول يعني: معقول أنا بدي التزم، بدي أترك كل هذه الأمور الخطأ، وأبدأ التمسك بشرع الله؟ طب يعني هي طلع في ناس بتفتي مع الطرف الآخر، وفي ناس تقف معه. فيبدأ فكرة اتباع أهواء هؤلاء تأتي إلى ذهنه من جديد، تبدأ تأتي إلى ذهنه من جديد فيضعف.

فالله عز وجل يخبرك: لا تضعف، لا تتبع هواه. ترى القضية رغبات ونزوات، ووجدوا من يزخرفها لهم ويفتي لهم باسم الدين بها، لكن اعلم تماماً أن هذه الأهواء إنما تصدر من قوم لا يؤمنون حقاً بآيات الله ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الأنعام: 150]. وهذا وصف آخر لهم: أنهم إيمانهم بالآخرة والوقوف بين يدي الله إيمان مهزوز ضعيف. تقنعني أن قوماً يؤمنون بلقاء الله في الدار الآخرة يرون السفور والتبرج شيء طبيعي؟ تقنعني أن إنسان يثق أنه يقف بين يدي الله يرى الربا وأكل الربا شيء طبيعي؟ هذا لا يمكن إلا من قلوب إيمانها باليوم الآخر هكذا، إيمانية أنا يعني عامة مجملة ليس إيماناً راسخاً حقيقياً مستحضراً لمشاهد هذا اليوم العظيم وما فيه من الأهوال. ﴿وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1]. يعني هؤلاء القوم، هؤلاء الذين يحرمون ما أحل الله ويحلون ما حرم الله برغباتهم وأهوائهم، هم جعلوا من يشارك الله عز وجل في منصب التشريع، وعدلوا بربهم إلهاً آخر، قد يكون هذا الإله هو نفسهم التي يحللون بها ويحرمون، هذه النفس البشرية، قد يكون شخص معين أعطوه صلاحية مطلقة ليحلل ويحرم على مزاجه وهواه، وهم يتبعونه. لكن بدك تعرف أن هؤلاء قوم يعدلون بالرب سواه.

إذاً هذا تثبيت من الله: قل يا محمد صلى الله عليه وسلم لهؤلاء الفاسدين المتلاعبين بالشرائع: ايتوا بشهدائهم الذين يشهدون. وإن استطاعوا أن يجمعوا من أصحاب اللحى وأصحاب النفوس الضعيفة من يشهد لهم، فهذا ليس دليلاً على مصداقيتهم. اثبت على موقفك، فمن تمسك بالوحي لو جاء كل أهل الأرض ليقنعوه بخلاف الوحي لا يقتنع؛ أنا عندي وحي من الإله، فلا تشهد معهم. ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 150].

في المقابل يقول الله عز وجل: قل لهم قولاً آخر. ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 151]. بدات هنا آيات الوصايا، وكأن سورة الأنعام أرادت أن تبين لهم: انظروا إلى تفاهة الأفكار التي أنتم منشغلون بها يا أيها الجاهليون، والأوضاع التي حللتموها وحرمتموها بأمزجتكم؛ هذه أنعام وحرث وهذه لا ياكلها وهذه يأكلها فلان، وفي المقابل ضيعتم من الحقوق والواجبات الحياتية والمجتمعية ما هو أهم بأن يصان ويلتفت له. وهكذا دائماً الأوضاع الأرضية تجدهم ينشغلون بتوافه الأمور وسفاسفها؛ تجد برنامج كامل يتكلم عن ماذا؟ عن تبرج المرأة وحريتها في أن تخرج بدون أي قيود، تجد حلقات وسلاسل في التشكيك في قضايا ومسلمات في الكتاب والسنة وفي أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، نقاشات فارغة كلام تافه، يثيرون قضايا تعدد الزوجات وقضايا وقضايا المساواة في الميراث، وتجده شغال في هذا الملف، والقضايا الاجتماعية المؤثرة في حياة الناس تجدهم بعيدون عنها كل البعد، عن معالجتها وتقديم حلول واقعية تصلح حياة الناس بها.

فالله عز وجل يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: قل تعالوا. يعني كأنه شخص بعيد وشغال في شيء تافه، تقول له ايش: تعال يا فلان، تعال أقول لك تعال. فهي قل تعالوا؛ إشارة إلى أنه: تعال أحكي لك ما هو الأهم، بدل من أن تغير شرائع الله ويكون همك في حياتك العبث بها. بعدُ، نبني أمة ونبني مجتمعاً صالحاً نقياً من خلال تأسيس وتركيز وصايا إلهية عظيمة بها صلاح الناس وقوام معاشهم. ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 151]. بدك تعرف ايش ربنا حرمه صح؟ تعال أقول لك إياه أنا. أنت عم بتحرم على مزاجك، تحرم أنعام وظهور وحيوانات وطعام وأشربة، تعال أقول لك الأشياء الجديره بالتحريم، والتي حرمها الله وأنت عم تلعب فيها.

ما هي؟ قال: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: 151]. وهذه دائماً تكون أم الوصايا، قبل الدخول أنه هنا الآية قالت: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّن إمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 151]. تجد أن كلها أمور تتعلق بإصلاح المجتمع، لكن اصلاح المجتمع أول خصله لصلاحه: التوحيد. أن تكون المرجعية والحاكمية وأس الفكر والانطلاق من توحيد الله سبحانه. لا يمكن أن يقوم مجتمع على الشرك، حتى ولو كان فيه شيء من العدل، سيبقى هذا المجتمع مشوهاً، لأن أساس الانطلاق في صلاح المجتمعات وصلاح النقاط الأساسية: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: 151]. أول نقطة لإصلاح المجتمع أن أصلح عقائده وتصوراته عن الإله، ألا تشركوا به شيئاً.

قال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: 151]. أي لابد من بعد ذلك من الاحسان للوالدين، فحرم الله عز وجل إذاً ماذا؟ العقوق. هو لاحظ بداية الآية: قل تعالوا أتلو ما حرم ربكم عليكم، ايش أول شيء ربنا حرم؟ ألا تشركوا به شيئاً، إذاً حرم الشرك. ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، هنا ما الذي حرمه هنا؟ سيفهم من اللازم أنه بالوالدين إحساناً، إذاً حرم العقوق. هذا حرم التقصير في حق الوالدين، وهذا كان منتشراً في الجاهلية ترى؛ يعني قضية احترام الوالد والوالدة عندما يكبر عمرهما والقيام بأمرهما، العقوق كان منتشرا في الجاهليين. كان الرجل يهتم بشهوته ولذته وخمره ومغامراته العاطفية وما شابه ذلك. فيقول الله عز وجل لهؤلاء الجاهليين: انشغالكم ببر آبائكم والاهتمام بهم هذا أولى، هذا أولى من انشغالكم بتحريم الأطعمة والأشربة على أمزجتكم وأهوائكم. نعم، كان عندهم الجاهليين الفزعة إذا واحد أبوه قتل أو كذا بتلاقي فزعة، بس قضية الاحترام والادبيات والأخلاقيات وطاعة الوالدين واستماع أمرهما في أمور الحياة هذه ما كانت ثقافه شائعة، قد توجد عند بعضهم حتى نكون دقيقين، لكن لم تكن هي الثقافة الشائعة وكان العقوق منتشراً، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يبين بعد تحقيق التوحيد: ابدأوا بإصلاح علاقاتكم الاجتماعية مع بعضكم البعض، وأول علاقة اجتماعية ينبغي أن يهتم بها ويحتفى بها -قبل الأب- عفواً، قبل الصداقات والزمالة أصلح علاقتك بوالديك، الأسرة. ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. تمام. يعني وكان التقدير: وأوصاكم بالوالدين إحساناً لهم. يعني حتى البعض يسأل من الناحية الإعرابية: وأوصيكم بالوالدين إحساناً، أوصيكم بالوالدين أن تحسنوا لهم إحساناً، فإحساناً مفعول مطلق، وأنه ينبغي أن يراعى هذا الجانب ويحرم العقوق.

ثم: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّن إمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: 151]. لاحظ الأسرة، كلما زلنا في الأسرة أن الأسرة الجاهلية حقيقة كانت أسرة هزيلة. البناء الأسري عند الجاهليين لم تكن أسرة مطمئنة أوتادها قائمة ثابتة راسخة، كان ما أسرع أن الرجل يعق والديه، ما أسرع أن الإنسان يئد بنته عند بعض القبائل، ما أسرع أنه الأب إذا خشي أنه لا ينفق على أولاده فيقتلهم خشية الإملاق، الزوجة التي كانت إذا مات عنها زوجها تجبر على الزواج من أخ الزوج أو من والد الزوج أو من شاب وما شابه ذلك. الأسرة كانت هزيلة ولم يكن عندهم أخلاقيات كبيرة في هذا الجانب، فالله سبحانه وتعالى أراد أن يبني لهم الأسرة من جديد؛ لأنه بناء مجتمع يبدأ ببناء أسر مطمئنة هادئة علاقات اجتماعية وطيدة. فحققوا التوحيد، بروا آبائكم، أي لا تقتلوا أولادكم.

قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّن إمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: 151] أي من الفقر. لا تقتل أولادكم من إملاق، لماذا؟ ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: 151] هذه جملة معترضة أتت في السياق: ولا تقتلوا أولادكم من إملاق. وكما قلت، كان الجاهليون عند بعضهم بمجرد أن يشعر أنه لا يقدر على الصرف على عائلته وأولاده، يخشى من العار خاصة إذا كانوا بنات بالتحديد، خاصة إذا كانوا بنات، وهذا كان أحد أسباب ترى واد البنات. بعضهم كان يعني لا يحب البنات كبنات، وبعضهم كان يحبها لكن يخشى أن يفتقر في المستقبل فينكشف عرضه، ويذهب يقتل ابنته باعتبار أنها لا تستطيع جلب المال، يقول لك: أنا أريح نفسي حتى لا ينكشف عريي. فيقول سبحانه: ولا تقتلوا أولادكم من إملاق. هي الأمور بدها إصلاح وبدها تحريم، هي الأمور بتستحق التحريم وليس الضأن والماعز وشغ يعني تشتغلون في توافه وتحرمون هذا وتحلون هذا. لاحظوا مشاكلكم الحقيقية التي دمرتكم من الداخل: انسان يقتل ابنه من أجل خوفه من الابناء! ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ﴾، يعني كما رزقك الله يا أيها الأب حتى عشت وكبرت وتزوجت، يرزق ابنك وابنتك، ترى تظن أنه أنت الذي كنت ترزقهم؟ الله هو الرزاق ذو القوة المتين. وهنا قوله: نحن، يعني على طريقة البلاغيين فيها إفادة الاختصاص، كما قال الجرجاني وغيره: نحن نرزقكم. هنا الاتيان بالجمله الاسمية التي خبرها جملة فعلية، الجملة الاسمية إذا كان الخبر جملة فعلية فيها وابتدأ بضمير أنا أو نحن -هذا مر معنا- أنه يفيد شيء من الاختصاص، أسلوب من أساليب الاختصاص: يعني نحن دون من سوانا من يرزق. وأنت كأب أنت تظن أنك أنت اللي كنت ترزق نفسك حتى كبرت أو والدك كان الذي يرزقك؟ نحن دون من سوانا، نحن من نرزقكم ونرزق أبنائكم، فليس لكم ولا يجوز لكم أن تنهوا حياة هؤلاء الابناء والبنات خشية من النفقة.

ثم الوصية التي بعدها قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: 151]. الفواحش الظاهرة التي كانوا يجاهرون بها من الزنا العلني والربا العلني وكل فاحشة علنية يجاهر بها صاحبها، وما بطن: الفواحش التي يسر بها الإنسان، كاتخاذ الأخدان والعشقات السريات الذين يقيمون معهم علاقات محرمة، أو السرقة والغصب وأكل أموال الناس بالخفية. فحرمهم الله من الفواحش سواء ما أعلنتم به أو ما فعلتموه على وجه السر. هذا الشيء الذي يستحق التحريم: تحرموا الزنا، تحرموا العري، الأفلام الاباحية، الصور التي لا ترضي الله عز وجل، انتهاك الأعراض. أما تاتي تشتغل لي بامور يعني هامشيه وتبدا تشغيل الناس بها وتعمل لي فيها راي عام والامور التي تدمر المجتمع والأخلاق والقيم وتشتغل.. لا تنشغل بها وتعتبرها حريات شخصية وأمور كل واحد يدبر فيها نفسه. تلك الأمور الخطيرة التي تحتاج إلى قوانين صارمة وتحريمات واضحة اصلاحاً للمجتمع وصيانة.

قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 151]. أيضاً من الأمور التي يجب الانتباه لها: حرمة النفوس وعصمة الدماء المسلمة، وأيضاً معصوم، أيضاً ولا تقتلوا النفس التي حرم الله مسيسها والاعتداء عليها إلا بالحق، إذا استحق القتل بأن تقام إذا كانت قتلت بالقصاص، أو إذا كان حد الزنا بالرجم حتى الموت، أو ارتدت، أو كانت في أباغي أو شيء مما أباح الإسلام فيه أن تمس النفوس، وما عدا ذلك الحفاظ على النفوس. والجاهليون كيف كان وضعهم مع النفوس؟ أسهل شيء كان عندهم القتل، أسهل شيء كان عندهم الغارات، أسهل شيء أنه رأس عشيرة يكون اليوم ملانة وزهقانة وعنده مشكلة، يأخذ قبيلته ويغير على قبيلة أخرى، تنتهك الأنفس والأعراض وتسبى النساء، ماذا؟ بدون أي سبب وبدون أي معنى وبدون.. ثم ياتي بعد ذلك يوهمك أنه هو الله الحريص بعد التشريع وأنه هو يريد أن يحرم الضأن! فالله عز وجل ينبه إلى ما هي الأمور الخطيرة والتي غزت مجتمعاتكم يا أيها الجاهليون وتغزو المجتمعات اليوم.

اليوم لو تصفحت مجتمعاتنا المعاصرة ستجد كثير من القضايا التي تفسد الشباب والنساء لا يتحدث عنها، وإنما تجد يتحدثون كما قلت لك في قضايا هامشية؛ فلان تزوج على فلانة وفلان وفلان مثلاً يعني مثلاً من بعض القضايا المالية التي تحصل أو بعض الإشكالات، وتجد تضخيم لها وتسليط الضوء عليها وتحليل للمشهد، وفلان فتح مطعم جديد -بغض النظر أنه تحريم وتحليل- عالم السوشيال ميديا أصبح يصنع رأي عام وحالات من الترندات وكذا على أمور تافهة تافهة: فلان سقط من كذا وكذا وأصبح ترند، فلان تكلم تكلم في كذا وكذا وصرخ في مجلس وأصبح قصة، فلان انتقد فلان في مجلس عام وأصبح بين مسؤولين اثنين مشكلة والعالم كلها بتحدث فيها! اصبحت القضايا التي تاخذ حيز من المجتمع هي القضايا التافهة، والقضايا التي ينبغي أن تناقش وأن يوجد لها حلول وينظر في أمرها ما حدا يتكلم عنها إلا تحلة القسم! وهذا اختلال في وضع المجتمعات والبشر. نحن استخلفنا في الأرض لنعمرها وفق منهج الله، فاذا كانت القضايا التي تشغلنا ليست هي القضايا التي يريد الله حقيقه أن تكون مكاناً انشغال الإنسان، إذاً في انحراف هائل في البوصلة.

فهذا الأسلوب القراني الجميل: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم، وعليكم تعالوا البلاوي التي عندكم كما يقول، والمصائب التي عندكم هي التي ينبغي أن تعالج، هذه التي حرمها الله حقاً وصدقاً. قال: ذلكم وصاكم به، هذا الذي يوصيكم الله بأن تراعوا أمر الله فيه، وتتقوا الله فيه، وتقفوا عند حدوده لعلكم تعقلون؛ لعل إنساناً عاقلاً يصحى وينتبه ويستيقظ! أي والله فعلاً، هذه القضايا هي التي يجب أن ننتبه لها ونلتفت لها وننشغل بإصلاحها في داخل مجتمعاتنا.

طيب، أيضاً ما زالت الوصايا قائمة: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده. شوف التركيز على المال وعدم المساس به إلا على وجه حق! طبعا هنا مال اليتيم هو نموذج من الأموال التي ينبغي الانتباه لها، وذكر اليتيم بالتحديد لأنه من أضعف الحلقات في المجتمع، وإلا الحرص على المال، سواء مال اليتيم ولا مال زوجتك ولا مال أي إنسان، أو الحرص على المال وحتى على مال الدولة وعلى غيره هذا مهم جداً، وألا يبذر هذا المال.

فذكر نموذج: ولا تقربوا مال اليتيم. يعني لاحظ التعبير القراني الجميل: لا تقربوا، مش قال: لا تأخذوه؛ لا تقربوا! إذا بدك تفكر تقربه، مجرد قربان فلا تقربه إلا بالطريقة الحسنى، وكان هناك حسن وأحسن، فهنا يقول لك: إلا بالتي هي أحسن، إذا اعتبرنا أفعل التفضيل على بابه؛ لأن البعض يرى أنه أحياناً أفعل التفضيل تخرج عن بابها، وأن المراد بالأحسن الحسن، ستجد بعض المفسرين: إلا بالتي هي أحسن، يعني: إلا بالذي هو حسن، وأن أفعل التفضيل ليست للتفضيل بين امرين، وهذا يوجد. وبعض المفسرين يقول: لا، إلا بالتي هي أحسن، وكأن هناك حسن وأحسن، وأنت المطلوب منك إذا أشرفت على مال يتيم، أو على مال امرأة، أو على مال ضعيف، أو على مال سفيه، أو على مال مؤسسة، أن يكون نظرك لهذا المال ليس أنه مال يمكن استغلاله والاستفاده منه للمصلحة الشخصية وانتهاز الفرصة، مادام الشب غشيم والولد ضعيف والمراه مسكينة والمؤسسة مش منتبهه، يلا آخذ وأضع في جيبي، كما هو حال كثير من الناس اليوم، المال العام وأموال الضعفاء وأموال المساكين، هؤلاء يجب أن تنمى أموالهم، وأن ينظر فيها لصالحهم، لا أن تكون سبيلاً للاستغلال وأكل أموال الناس بالباطل، هذا كان مشهوراً عند الجاهليين أيضاً.

قل هذا القضايا التي تستحق أن تتكلم فيها، وتكون قضية رأي عام ويناقش في إصلاحها، كيف نضبط أيدينا أن تمد إلى أموال الناس؟ أعوذ فأقول: أنت شغال وجعلوا لله ما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا: هذا لله بزعمهم، وهذا لشركائنا، فما كان لله فلا يصل، وما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم، معقول هذه قضية تشتغل بها أنت؟ شوف سفاسف العقول وتوافه العقول كيف تنسل! فالله عز وجل ينبه ويوصي بالقضايا المؤثرة، قال في كذا حتى يبلغ أشده. إذاً إلا بالتي هي أحسن باحسن الطرق وأكملها؛ إذا أردت أن تشرف على مال ليس لك عليك أن تنظر على أكمل الطرق في تنميته.

وحتى إخواننا أيضاً الذين يعملون في العمل الإسلامي والدعوي والاصلاحي وياخذون مثلاً تبرعات أو شيء، هذه أموال بين أيديكم ليست من أجل أن تكون في عشاء عمل وغداء عمل والسفر بها وكذا، بحجة أنه والله يا أخي نحن نعمل لهذا الدين، في أموال التبرعات والزكوات وأموال اللي تحتينا يعني نحن بناكل في مطعم فخم وبننزل بفندق فخم! أخي أنت استهلكت مال المؤسسات الإسلامية، واستهلكت مال التبرعات، واستهلكت كثيراً من المال ليس بالتي هي أحسن.

فشوف ربنا كيف بيوجهنا لإدارة المال، قال: حتى يبلغ أشده. تحافظ على ماله حتى يبلغ أشده، لأنه بعد أن يبلغ أشده ذهب حقك في الإشراف على هذا المال، فهنا لا يجوز أن تقربه أصلاً بشكل من الأشكال، يجب أن يسلم إلى اليتيم الذي أصبح مهيئاً وما عاد يتيماً، هو يشرف على إدارة ماله، ويشرف على تقويم نفسه، فهنا حتى يبلغ أشده إشارة إلى البلوغ والقوة اللي هي الرشد، أنه قد يبلغ بالغاً ولكن يكون سفيهاً والمال إنما يدفع: ﴿فَإِنْ ٱنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوۡا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6] مثلاً.

بعد ذلك قضية أخرى: وأوفوا الكيل والميزان بالقسط. قضايا البيع والشراء؛ أخبروني عن الغش في معاملاتكم! يا أيها المنشغلون بالترندات التافهة والأخبار الغير منتجة، أخبروني عن بيعكم وشرائكم هل أنتم تغشون في بيعكم وشرائكم؟ هل البيوع تسير وفق منهج الله عز وجل، أم هناك أكل لأموال الناس بالباطل من خلال تبخيس الموازين والتلاعب بها، ومن خلال العقود المحرمة، ومن خلال استغلال الضعفاء في العقود والشركات القوية تقهر الشركات الضعيفة؟ وأوفوا الكيل والميزان بالقسط بالعدل، ما أحد ياكل مال الآخر، خلوا أسواقكم أسواق صادقة أمينة.

البائع يخبر عن السلعة كما هي، يصفها كما هي، لا يغش، يخبر عن عيوبها، والمشتري لما يدفع الثمن يدفعه بحق دون تبخيص، دون شطط ولا وكس، ولا يغش في المال الذي يدفعه، وين مزور ولا في إشكالية. وأوفوا الكيل والميزان بالقسط، انظروا يعني جمالية القرآن لما يتكلم بأي للواقعية: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: 152]، حتى لا يظن أن الله عز وجل يكلفك أن تصل إلى تمام العدل المئة بالمئة الذي قد يشق على بعض النفوس، يقول لك: أنا أطالبك في تحقيقك للعدل في البيع والشراء والتجارة أن تسعى وتبذل جهدك أن تصل للعدالة، الآن حصل بعض التقصير غير المقصود الله عز وجل يسامحك.

وهذه لا نكلف نفساً إلا وسعها قد تعود إلى الجملة الأخيرة وقد تعود حتى إليها وإلى سابقتها، بل قال البعض: إلى كل الوصايا السابقة، تمام. فمثلاً ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن برضه كل رسول الله وسعها، قد أنت تترك الاحسن وتأخذ الحسن وتظن أنه الاحسن لجهلك أو لعدم معرفتك أو لعدم ضبطك تمام الضبط، فالله عز وجل يكلفك بأن تكون عندك نية صالحة لأن تكون قسط في البيع، يكون عندك قسط وعدل في البيع والشراء، يكون عندك نية صالحة في إصلاح مال اليتيم، لكن بعد ذلك إذا حصل شيء من الخطأ غير المقصود، إذا حصل شيء من الخلل بدون يسبق إصرار وترصد، يخبرك الله أنني لا أكلفك يا أيها الإنسان شيئاً يشق عليك مشقة زائدة وشيئاً فوق طاقتك: لا نكلف نفساً إلا وسعها. ما كان في وسعك أن تصلحه فأفسدته هذا الذي أنا أسألك عنه، أما الأخطاء غير المقصودة فهذا رحمة الله سبحانه وتعالى واسعة في العفو عنه.

ثم قال: وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى. من الأمور العظيمة التي ينبه عليها الوصايا التي يجب أن تشغل الإنسان أن يكون منصفاً في حكمه على الأشخاص والآراء والجماعات والطوائف، وفي تقييمه للناس من حوله وإذا قلتم، مقولة في شخص أو علقتم على موقف، أو علقت على جماعة، أو علقت على شيخ، أو اليوم هذا ما أكثر ما نحتاجه! وإذا قلتم فاعدلوا الإنصاف ولو كان ذا قربى، يعني حتى لو كان الشخص قريب لك وأخطأ احكي أنه أخطأ، ولو كان الشخص عدو لك وأصاب قل أصاب، هذا منقبة عظيمة اليوم تغيب عن حياة أكثر حتى بعض الملتزمين، يعني كثير من الملتزمين والمحافظين بل حتى من يدعي أنه من أهل الدعوة والإصلاح يغيب عنه العدل.

فلما يقيم جماعة إسلامية أو عمل إسلامي أو جهد إسلامي تجده يبخس حقه ويظلمه ويظهر ويتكلم فقط في العيوب، لكن لا ينظر إلى الإيجابيات والخيرات والأشياء الجيدة التي حصلت، أو العكس إذا كان من جماعته أو من طائفته يعني يرفع الأمر وكانه لا ظلم فيه أو خطأ فيه أو شيء، ويكون وقع فيه شيء من الأخطاء أثناء الممارسة، وهذه أيضاً حالة الجاهليين: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، إذا أخاه ظالم معه وإذا مظلوم معه معه! لا، أنصر أخا ظالماً بأن آخذ على يده فأمنعه من الظلم، فالله سبحانه وتعالى ينبه إلى قضية عظيمة، شوف سورة الأنعام يعني عظمة أن الله في القرآن يعلمنا الإنصاف: وإذا قلتم فاعدلوا.

يا أيها الشباب ويا أيها الشابات، يا أيها المصلحون أيتها المصلحات، هذه قضية عظيمة كلية من كليات القرآن، العدل في الحديث عن الآخرين. تجد شخصاً بينه وبينه خصومة في حقوي أو إسلامي أو جماعتي، أو مثلاً اخت مع اختها، أو جيران مع بعضهم البعض، تجدده يبخس الإنسان حقه تماماً وكانه لا خير فيه في يوم من الأيام، وللاسف أصبح بأس المسلمين بينهم شديد، وأنا هذا أنبه في النواحي الإصلاحية كثرة ما يحتاج الشباب إلى هذا، أن الشيطان يؤول لنا أننا نسقط الجماعة الأخرى أو الشيخ الفلاني أو نسقطهم بحجه أننا من باب الحفاظ على الدين، فينسف كل الخير الذي عند الآخرين وينسف كل الجهود! يا أخي فلان كشخص أو كجماعة أو كطائفة أو كمؤسسة بغض النظر صدر منه أخطاء، صدر منه إشكالات، وفي المقابل تصدر منه خيرات وتصدر منه نقاط إيجابية، وإذا قلتم فاعدلوا احكي والله فلان أحسن هنا وأساء هنا.

لا، بعض الناس فلسفته: يا عجل ما بدي أنا أذكر أنه محسن حتى لا يظن الناس فيه خيراً! هذا مش صحيح، إذا أنت تعلم أنه محسن في أماكن بين إحسانه، العدل المطلوب وأبيّن أنه فلان لا يتبع على خطأ والله عنده أخطاء واحد اثنين ثلاث ولا يجوز أن يتبع على خطأه، فهل تحذيري من خطأه وتحذيري من أن يتبع على خطأه يمنعني من أن أذكر إحسانه فيما أحسن فيه وأصاب؟ شرا؟ هذه قضية أنها تخالف هوى النفوس، القرآن ينبه عليها بوضوح، النفوس سامحوني متطرفه في هذا الجانب، النفوس تحب أن تحامي عن من هو في جماعتها وطائفتها وتحب أن تذم من هو في الطرف الآخر وتنتقص منه، فتجد الإنسان من صور عدم العدل إذا وصله أي معلومة عن الطرف الآخر دون أن يتثبت دون أن يتاكد مباشرة: ولا غني عن الشيخ الفلاني أو أنه قال وفعل، فتجد ينزل بهم، وهذه كثير ما تقع معي والله حتى بعض الشباب يقولون لي: والله يا شيخ بلغنا أنك قلت عن شخص كذا، أقول له: أنت هذا سمعته ولا بلغك؟ يقول: والله بلغني، واجد الكلام طارت به ركبان، لكن الكلام الذي صدر ما بيقول أبداً بهذه الصيغة ولا بهذا الأسلوب، لكن لأن الطرف الآخر يفجر يأخذ الكلمة لا يتاكد منك أنك قلته أو لا يتاكد من سياقها، لا يتاكد من طريقة سردها، يأخذها مجردة لأنه وجد بها مثلبة بك يمكن أن يشوهك فيستعملها وسيلة للتنكيل عنك، هذا الذي يحصل.

وأنت نفس الشيء قد تمارس مع تلك الجماعة، تأتي خبر عنها أو عن مشايخها أو طائفتها أو كذا، الخبر قبل أن ينضج وإذا به أنت تلوكه بلسانك وتبدأ تنشره هنا وهناك، وهذا خلاف ما يأمر الله به في كليات القرآن، وإذا قلتم فاعدلوا. وين العدل؟ طبعا المشكلة أنه أنت لما شخص يتكلم عنك ايش بتقول له؟ يا أخي ثبتت، يا اخي اعدل، يا أخي تثبت! بس أنت لما تكلمت عنه هو أنت ثبتت؟ نطالب الناس أن يتثبتوا فيما ينقل عنا ولكننا لا نتثبت فيما ينقل عنهم، وهذا كله من انحرافات النفوس ومن تطرفها، فلذلك الله عز وجل يقول: وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى، حتى على، لذلك في آية أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135]. حتى على نفسك إذا أخطأت احكي أني أخطأت، أو الوالدين والأقربين.

وبعهد الله أوفوا، وبعهد الله أوفوا. إذا عاهدت أي شخص على أي معاملة مسلم أو كافر عليك أن تفي بالعهد، ومش تاول لنفسك: والله هذا مش مسلم بالتالي بصير أنا أعاهده وأضحك عليه، والله لو تقرؤوا سيرة محمد صلى الله عليه وسلم وسيرة الصحابة في الوفاء بالعهود مع الكافرين ستجد عظمه الإسلام وجمالية الإسلام أنه ما عنا خيانه، نعم بيني وبينك إشكالات وحروب وكذا، ولكن لما أكون أنا معطيك عهد أنا رجل أمام كلمتي، مش بتاول والله لمصلحة الدعوة بخون العهد، لمصلحة كذا بعطيه عهد وبلعب عليه، وهذا كثير ما تجده اليوم عند بعض الشباب يظن أن هذه العهود مجانية وأن الإنسان يمكن أن يتلاعب بها وفي النهاية يضع مصلحة الدين ومصلحة الإسلام هي التي تبيح لي أني أنقض العهود وأتلاعب بها، أبداً لم يكن في يوم من الأيام طريقة عزة الإسلام أو الطريق إلى عز الإسلام وقوة الإسلام تمر عبر نقض العهود.

روي في الآثار أن معاوية بن أبي سفيان كان عقد عقداً مع رجل من رجالات الروم، وقبل أن ينقضي الكتاب أجله معاويه بدا يستعد وجهز جيشه يتحركوا ليكونوا قريباً من الثغر عشان اليوم اللي بتنتهي فيه العهد ينقض عليهم، إذا معاوية شو بيعمل؟ هو ما بده ينقض عليهم خلال مدة العهد الله يرضى عنه، لا هو ثابت، بس هو ايش عمل؟ جهز جيشه وتحرك وجهز المؤنة وكذا، وأراد أن يتحرك ليكون في ساعة انتهاء العهد مباشرة ينقض على الروم، فالصحابي -أظنه عمرو بن عبس- رضي الله عنه صرخ وقال: «وفاء لا غدر، وفاء لا غدر». عمرو بن عبس رأى أن تجهيزك للجيش ومشيك فيه ووقوفك على الثغر انتظاراً لساعة الصفر للعهد حتى تنقض ما هو برضه هذا من أشكال عدم الوفاء، ليه؟ لأنه رأى أن العدو مش متوقع أنك أنت قاعد لي على ساعة الصفر مشان تنقض عليه، واعتبر هذا من عدم الوفاء بالعهد، أنه من الوفاء بالعهد أنه أنا أتمم المدة بعدين أبلش اتحرك تجاهك لي وأحاربك، شوف وين!

الصحابة يرى القضية تصل إلى أنه ألا تفعل شيئاً عدوك لا يظن أنك تفعله، لأن طبيعة العهد تأبى ذلك، هيك عدوك فاهم الأمر بغض النظر عن الاجتهاد الذي حصل، لكن أنتم انظروا الصحابة الكرام إلى أين كان يصل مداهم في التفكير في قضية الوفاء بالعهود.

وكان النبي عليه الصلاة والسلام كثيراً ما يحزن لما يرى صحابياً حصل على عهد من مشرك، سواء عهد أنه الرجل قال آمنت فقتله الصحابي استعجالاً خوفاً من السيف، أو كما حصل مع خالد مع بني جذيمة أو غيرهم، يرى أنه إياك ثم إياك. هنا ذكرت قصة أيضاً، نعم، في غزوة بدر رجلين من الصحابة حذيفة بن اليمان -أظنه هو وصحابي آخر ترى- كانا في الطريق فقبل بدء غزوة بدر تسلط عليهم المشركون فأمسكوهما، أطلقوا سراحهما بشرط ألا تقاتلا مع محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة. تمام، فلما أطلقوا سراحهما هذان الرجلان ذهبا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أحدهما حذيفة بن اليمان، فأخبره الخبر أنه يا رسول الله نحن بدنا نشارك معك في غزوة بدر -طبعاً تخيل ظرف غزوة بدر، قلة في عدد المسلمين، أي عنصر مهم، مشركين فعلوا فينا الأفاعيل وخلونا نهاجر من أرضنا ومن ديارنا وأموالنا- يعني كل الظروف لو واحد ممكن قليل الديانة من المعاصرين ممكن ايش يعمل؟ أخي ترد أنت عاهدتدهم أنك ما تقاتل، تعال قاتل معنا، ليش؟ لنا تأويلاتنا، هؤلاء فعلوا وفعلوا.

يمكن للإنسان أن يؤول نفسه، لكن النبي عليه الصلاة والسلام لما جاؤوه حذيفة بن اليمان وقالوا يا رسول الله ترى أنا وصديقي عاهدناهم أنه ما نقاتل وإلا كان رح يقتلونا، فقال: «نفي بعهده ونستعين الله عليهم». نفي بعهد ونستعين الله عليهم، أنه خلص أنتم وعدتموها أنكم ما رح تقاتلوا في هاي الغزوة، خلص لا تشاركوا، نفي بالعهد في أمس الأوقات وفي أحلك اللحظات. النبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا وبعهد الله يوف، حتى تعرفوا تربية القرآن، كيف بتعلمك الاستقامة؟ أنه ما في شيء اسمه غدر يلا لمصلحة الإسلام، أو لف ودوران من أجل مصلحة الإسلام، لا ينتصر إلا بالوضوح. نعم، في خدعة أثناء الحرب ما عندنا مشكلة، بس الخدعة ما بتكون إني أنا أعطيك عهد بعدين أغدر، هذه مش خدعة، هذا لف ودوران اسمه، يعني هذا اسمه لعب بدين الله. خدعة إني أعمل طريقة معينة، حبولة معينة، يعني أطلع في وقت أنت لا تتوقع أني أخرج عليك فيه، ألتف من وراء جبل أنت لا تستطيعه، استعمل معاريض عامة هذه هي، أبعث عيوني جواسيس، أعمل مصائد، كمائن، هي الخدع، وليست الخدع هي الكذب والغدر والنكث بالعهود.

ولذلك وبعهد الله أوفوا، أي عهد بينك وبين زوجتك، بينك وبين أولادك، بينك وبين أصدقائك، أسرار بينك وبين أقارب، بينك وبين مجتمع، بينك وبين حتى كافر كما قلت، الله يلزمك بأن تفي بعهودك. ما بصير صديقك يأمنك على سر وتفشيه، ما بصير زوجتك يكون بينك وبينها أسرار وأخبار البيت تفشاها، ما بصير يكون صديق شيخ مركز أي شيء أنت عندك أسراره وأخباره وتستأمن عليها ثم تخون وتغدر. قال: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 152]. طبعاً هنا قال بعضهم لعلكم تذكرون أتى بالذكرى هنا باعتبار أن هذه الأمور كانوا يدركونهم قداستها، يعني الجاهليون كانوا يعرفون خطورة مال اليتيم في الأصل، ويعرفون أهمية العدل في البيع والشراء وأهمية العهد، لكن كانوا يقصرون في الوفاء بها، فالله عز وجل يقول لهم لعلكم تذكرون، يعني أنتم عارفين قيمة هالأمور بس بدنا نذكركم فيها مرة أخرى لكثره ما يقع التلاعب منكم تجاهها.

ثم قال في الوصية الثالثة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153]. جعل ختام الوصايا هنا الاتباع وعدم الابتداع وعدم السير أيضاً خلف الأهواء والرغبات والنزوات. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾، بعض أهل اللغة يرى أنه هنا حرف جر محذوف، التقدير: ولأن هذا صراط مستقيماً فاتبعوه، تمام، فالتقدير: لماذا يجب أن نتبع هذا الصراط؟ ماذا يجب أن نتبع؟ قال: لأنه صراط مستقيم، وأن ولأن هذا الصراط الذي أتيتكم به مستقيم ليس معوجاً مع رغبات النفوس وميولاتها، لأنه صراط مستقيم فيلزمكم أن تتبعوه. والصراط إخواني إنما يطلق على الطريق الواسع، قالوا: الطريق الواسع الذي يبتلع من يكون فيه، ولذلك سمي صراطاً لأن أصله من الابتلاع، أصل سرط، سرط كذلك بالسين يقرأ، يعني هذه من يقرأ بالسين وبالصاد وبمنتصف بينهما، وأن هذا صراط وسرط وسرط بمعنى ابتلع. فالطريق إذا كان واسعاً يسمى صراطاً، أما الضيق لا يسمى صراط، تمام.

وكان الله يخبر أن طريقه ليس طريقاً ضيقاً، الدين الحمد لله فيه سعة، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، وصراط طريق واسع يسع الجميع، ويسع جميع الحالات وجميع الظروف وجميع العادات، جميع الكل يستطيع أن يكون في هذا الطريق هو طريق واسع وهو مستقيم في نفس الوقت يوصل إلى النتيجة، مستقيم لا عوجاج فيه، فمن أراد غاية معينة فإنما يسلك لها طريقاً واسعاً مستقيماً.

في المقابل قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153]. ولا تتبعوا السبل اللي هي بنيات الطريق، الشوارع الضيقة يميناً وشمالاً، تحاول تصل إلى الله بطريق آخر غير طريقه، لا تحاول تدخل بنيات فتغرق فيها وتهلك، ما بتعرف ايش ستصادف فيها من الشهوات والشبهات. قال: ولا تتبعوا السبل التي تضعونها بأهوائكم ورغباتكم، فالدين إنما يقوم على الاتباع فاتبعوه، ولا تتبع السبل لا تحاول أن تبتدع، أن تخترع، أن تضع مناهج أخرى وتزعم أنها توصلك إلى الله، لن تصل إلى الله إلا بالسبيل والطريق الذي وضعه، لا يمكن. ولذلك لماذا شدد العلماء على ضرورة الاعتصام بالكتاب والسنة وحذروا من الابتداع؟ ولماذا النبي عليه الصلاة والسلام رسم لأصحابه طريقاً طويلاً ورسم خطوطاً، خطاً طويلاً ورسم خطوطاً إلى جانبه كما جاء في حديث ابن مسعود، وأخبرهم أن هذا هو طريق الله، وأخبرهم بأن هذه الطرق الجانبية هي سبل الشيطان، وعلى كل سبيل شيطان يدعو إليه؟ كل السبل ما سوى منهج الله وطريق الله هناك شياطين تقف عليها، حتى ولو ظهر لك أنها من سبل أهل الدين، هناك شيطان للبدعة جاهز، وهناك شيطان للمعاصي جاهز، وهناك شيطان للشبهات جاهز، لا تتبع السبل لأنها قاعدة مشروطة من ذهب إلى بنيات الطريق تفرق بكم، أي ستبعدكم عن سبيله.

لا يمكن أنك تسلك الطريقين مع بعض، قال: ولا تتبع السبل، لأنه من سلك هذه السبل -بعض الناس يظن ما هي رح ترجعني يا شيخ في النهاية على طريق الله- لا، الله يقول: من سلك طريقاً آخر غير طريقي، غير الوحي، غير الكتاب والسنة واتفقه منهما لن يصل، قال: فَتَفَرَّقَ بِكُمْ، أي ستتفرق وتبعدكم عن ماذا؟ عن سبيل الله سبحانه وتعالى. ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153]، ولاحظ هنا التقوى مناسبة أن يختم بها، أن تتقي اتباع السبل، أنه أنا عندي صراط مستقيم هو الذي يجب أن أتبعه، فقال لك: لا تتبع السبل الأخرى، فينبغي أن تتقي، أي أن تحذر وأن تجعل وقاية بينك وبين البدع، بينك وبين المعاصي، بينك وبين سبل أهل الباطل، اجعل وقاية حتى لا تضيع وتهلك حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى.

إذاً، هنا في هذه الكليات، هذه الآيات الثلاث من أعظم آيات الله سبحانه وتعالى، كليات عظيمة، الله عز وجل ركز لنا فيها ابتداءً على التوحيد وانتهى بالاتباع، ابتدأ بالتوحيد، توحيد الإخلاص، وانتهت بالاتباع. قل تعالوا ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً الإخلاص، وختم فاتبعوه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: 153]. والإنسان أصلاً إنما يقبل سعيه إذا حقق شيئين: الإخلاص والاتباع، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً صائباً، قال الفضيل بن عياض وغيره من السلف إنما قول الله من العمل ما كان خالصاً صائباً، لما ذكروا ذلك في تفسير: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، أي أصوبه وأخلصه. فابتدأ بالتوحيد وانتهى بالاتباع، وذكر بينهما مجموعة من الوصايا الاجتماعية التي بها يستقيم حال الناس.

ثم انتقل إلى مقطع ثالث، قال: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 154]. هذه "ثم" أي للترتيب الزماني وإلا للترتيب الإخباري، وكان هنا انتقالة إلى قضية أخرى ستعالج مع الجاهليين في ختام السورة، ثم يعني كأنه يقول: دعونا ننتقل لهذا الموضوع. كفار قريش والجاهليون من العرب كانوا يرون أن اليهود والنصارى أصحاب كتب سماوية، أليس كذلك؟ ويرون أن سبب تقدمهم العلمي، سبب تقدم اليهود والنصارى أهل الكتاب عليهم ما هو؟ أن لدى هؤلاء كتب سماوية فتقدموا علينا معرفياً، ونحن لا نملك تلك الكتب فلذلك لا نستطيع أن نجاريهم في مضمار العلوم والمعرفة. ولذلك كانوا إذا أصابهم شيء أو أرادوا أن يعرفوا، خاصة من اخبار الأمم الماضية أو أو، يذهبون إلى اليهود ويسالونهم ويستخبرونهم، ويرونهم أفضل حال منهم في العلم.

فالله سبحانه وتعالى أراد أن يرفع عن العرب أولاً هذه المنقصة التي يدعونها لأنفسهم، منقصة عدم وجود كتاب بيننا، ومنقصة أنه أهل الكتاب لازم نستفيد منهم لأنهم أعلم وأخبر لأنهم أصحاب كتب سماوية، فأخبرهم أنني أنزلت اليكم هذا الكتاب العظيم المبارك لتسودوا به الأمم: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10]. ارفعوا رؤوسكم يا أيها العرب، ولا تبقوا تعيشون على أذيال الأمم، اتيناكم بكتاب فيه رفعتكم وسيادتكم، ستسودون به وتقودون به أنتم وكل من لحق بكم من الأمم الأخرى، فهذا الكتاب ليس لعربي فقط بل لعربي وعجمي، لكن أول من خطب به العرب ونزل بلسان العرب ليرفع منهم كما سياتي معنا بعد قليل.

فالله عز وجل أخبر أنني سبحانه وتعالى يخبر عن نفسه: آتيت موسى كتاباً، نعم: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 154]. بنو إسرائيل جاءهم موسى بالكتاب -طبعاً وركز على موسى ولم يركز على عيسى هنا لأن التوراة هي أساس التشريع، والانجيل مكملة مصدق لما بينه من التوراه وليحل لكم بعض الذي يحرم عليكم- فكان التركيز على التوراة لأنها هي الأهم في هذا السياق، والعرب كانوا يرون التوراة واليهود شيء عظيم كما قلت لكم، فالله يقول للعرب الذين خطبوا ابتداء: نعم، لقد آتينا موسى الكتاب وهو التوراة، وهذا الكتاب جاء ايش؟ تماماً، أي مكملاً كاملاً، قال: تماماً على الذي أحسنه. تركيب شوي غريب عليكم صحيح، تماماً على الذي أحسنه، هسه الذي أحسنه يقولون اسم الموصول مع صلته في حكم المشتق، هكذا يقول علماء العربية، فالتقدير: ثم آتينا موسى كتاباً تماماً على المحسن، يعني التوراة هي جاءت مكملة لمن هي من ستكمل؟ من ستتم؟ هي ستكون مكملة ومتمة لمن احسن أخذها والعمل بها.

لو قلت لك القرآن مثلاً حتى تفهم المعنى أكثر، القرآن هو كتاب فيه تتميم للإنسان، لكن هل هو تتميم لأي إنسان؟ لا، القرآن يسعد به أقوام ويشقى به آخرون: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82]، يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً. فالقران نعم هو كتاب سعادة وكتاب إكمال واتمام للنفس البشرية، لكن لأي نفس بشرية؟ وهو شفاء وسعادة لأي إنسان؟ لمن احسن التعامل معه، سيجد فيه السعادة والراحة والطمانينة والرشاد والوضوح والإجابة عن الأسئلة الفطرية. فهكذا التوراة وهكذا كل الكتب الإلهية هي تأتي تماماً أي مكملة، تمام لمن قال هي تمام على المحسن، آتينا موسى الكتاب تماماً على المحسن أي إكمالاً للمحسن وإصلاحاً لشأنه، لكن الذي لم يحسن التعامل معها ولم يأخذ بها لا كانت عليه شقاء، فهذا فيه إشارة أن الكتب الإلهية إنما تنزل للاتمام والاكمال لمن احسن التعامل معها، وليس كل انسان سيستفيد منها. إذاً، آتينا موسى الكتاب تماماً على المحسنين وتفصيلا لكل شيء يحتاجه اليهود في تلك الحقبة، وكان فيه هدايات ورحمات، والهدف: ﴿لَّعَلَّهم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 154] وهذا من مقاصد الكتب السماوية، تذكير الناس بالآخرة وتنبيههم لطبيعة الوجود الإنساني أنه وجود مؤقت قريب الزوال، اصلح شأنك، اهتدي لربك، تمسك بشرع الله وتذكر أنك ستلقى الله عز وجل.

لكن ذكر التوراة هنا كان توطئة لذكر القرآن، قال: وهذا نفس الشيء وهذا الذي بين أيديكم يا كفار قريش ويا أيها الجاهليون ويا أيها المعارضون لدعوة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، وهذا الكتاب نفس الشيء الذي بين أيديكم كتاب انزلناه، أنزله الإله من فوق سبع سماوات هذه خصيصة له، منزل مبارك. في القرآن إخواني كتاب بركة، لكن بركته يا إخواني مش انك تيجي تقراه في الصباح خمس دقائق وانت رايح على الشغل ثم أخلاقك وسلوكياتك بعيدة عنه، بركته تكون بمعانيه وتبرها، نعم تلاوة فيها بركة والصلاة به فيها بركة، ولكن أعظم بركات القرآن إنما تكون بالعمل به وتصويب حياتنا على منهجه. وهذا كتاب انزلناه مبارك، ما هو المطلوب؟ فاتبعوه.

وكان هذا إعادة تقرير للجملة السابقة التي وردت في الآية مئة وثلاثة وخمسين لما قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: 153]. كان هناك نوع من المطالبة، يعني طب يا رب كيف بدنا نعرف صراطك المستقيم حتى نتبعه؟ فكان هذا أتى شارحاً: الصراط المستقيم هو في هذا الكتاب الذي أنزلته إليكم، فأنتم إذا اتبعتم هذا الكتاب الذي أنزلناه وهو مبارك أنتم اتبعتم الصراط المستقيم. وهذا كتاب انزلناه مبارك فاتبعوه، إذا اتبعتموه اتبعتم الصراط المستقيم، فاتبعوه واتقوا مخالفته، اتبعه واتق مخالفته، فاتبعوه واتقوا اتبع وحذاري وحذاري أن تخالفه لعلكم ترحمون، وتحصل لكم الرحمة بهذا الكتاب كما رحم من اتبع كتاب موسى، كما كان كتاب موسى فيه الرحمة فكان كتاب

موسى تماماً على الذي أحسن وتفصيلاً وهدىً ورحمةً، كذلك. ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: 155]. ولعل من الله جازمة. يقول علماء التفسير: لعل من الله جازمة، يعني لعلكم يعني مش أنه يعني معقول يا شيخ؟ إذا اتبع القرآن ربنا قال لعلكم يعني ممكن أنا أتبع القرآن بس ما أرحم؟ لا، هو جزماً من اتبع القرآن سيرحم، ولكن أن الله سبحانه وتعالى خاطب العرب بأسلوبها، وأن هذه الحروف تفيد الرجاء والأمل، فخاطبهم بما يعرفونه وإلا فهي من الله على الجزم والله لا يخلف وعده.

ثم هنا الله عز وجل كأنه يخبر كفار قريش عما كان يجول في أنفسهم وفي قلوبهم في نظرتهم لأهل الكتاب، فيقول: أنا أنزلت هذا الكتاب المبارك مباركاً عليكم أن تقولوا أن تقولوا هنا، كما قلنا لابد من تقدير حرف جر محذوف أو تقدير مضاف محذوف. البصريون يقولون: التقدير كراهية أن تقولوا، أو اجتنابا أن تقولوا إنما أنزل الكتاب، يعني هذا تعليل لماذا أنزلنا هذا الكتاب المبارك مباركاً، كراهية أن تقولوا: ﴿إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: 156]، أو تقولوا: لو أن أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم.

الكوفيون يقدرون حرف جر مع لا النافية، فيقولون: التقدير وهذا كتاب أنزلناه مبارك لئلا تقولوا إنما أنزل الكتاب، فهنا أن لابد وأن تقدر معها شيئاً محذوفاً به تفهم الجملة: وهذا كتاب أنزلناه مبارك كراهية أن تقولوا على طريقة البصريين تقدير مضاف، أو لئلا تقولوا على تقدير الكوفيين لحرف جر مع لا النافية حتى يعني كأنقول حتى لا تقولوا، أنزلت عليكم هذا الكتاب حتى لا تقولوا إنما أنزلت الكتب السماوية على طائفتين من قبلنا على اليهود والنصارى التوراة والإنجيل، وإن كنا عن دراستهم لغافلين، نحن لا نحسن دراسة تلك الكتب ولا قراءتها لأنها ليست عربية أصلاً هي لم تنزل باللغة العربية وإنما نزلت بلغة القوم بالعبرانية.

فإذا، شوف الله عز وجل يعلم في بواطن هؤلاء المشركين العرب أنه أنا أنزلت لكم كتاب حتى لا تأتوا يوم القيامة تقولوا وتحتجوا أنه الكتب إنما نزلت على طائفتين من قبلنا وهي الكتب ليست بلساننا فنحن لا نحسن قراءتها ولا دراستها ولا معرفة ما فيها فنحن غافلون عن تلك المدارسة، أو تقول أو لعلكم يعني تقولون: لو أن أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم، يعني أنه ممكن أنتم بعضكم يقول إنه نحن بس يا رب يعني لو ينزل علينا كتاب والله بنكون أحسن من اليهود والنصارى، فكان العرب كانت عندهم عقدة النقص كما قلت، وهذه عقدة النقص كانت تجعل بعضهم ايش يقول: نحن مش مش يعني يقول لك أنا مشكلتي بس ما ما أعطيت فرصة، لو أعطيت فرصة لكنت أحسن منهم، كيف بعض الناس بتلاقيه مثلاً عنده مشاكل ومتدني في دراسته وصاحبه شاطر، فصاحبه الشاطر مثلاً بتكون تهيأت له ظروف لم تتهيا لهذا الطالب التي درجاته متدنية فيقول: أنا لو أعطيت فرصة زي ما أُعطيها فلان لكان شفتم شو عملت في الامتحان، بس هذا فلان أبوه دكتور وامه دكتورة ومعاهم كذا وجابوا له أساتذة خصوصيين، أنا أبوي مش معطيني أساتذة خصوصيين، لو تهيأت لي الفرصة التي تهيأت له لأبدعت أكثر منه.

هكذا كان حال كفار قريش في بواطنهم يقولون: لو أن أنزل علينا الكتاب لو نحن أُعطينا كتاب سماوي لكنا أفضل حالاً من هؤلاء اليهود والنصارى، بس ما أُعطينا. طب هي جاءكم الكتاب فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة كما كانت التوراة هدى ورحمة، أرونا قدراتكم وافردوا لنا عضلاتكم وأثبتوا لنا أنكم ستكونون أهدى، لكن للأسف النفوس المريضة تبقى مريضة ولو أتيتها بألف حجة.

وكان هذا في ختام السورة تقريعاً لهم: لماذا يطالبون النبي عليه الصلاه والسلام من أول السورة بالآيات؟ طرقت من أول السورة وأعطينا آيات وأنزل، وقالوا: لولا نُزِّلت آية من ربه وتقترحوا طلب، تروا أنتم كانت في نفوسكم هذا الحديث يدور، كنتم تقولوا: لو أنه أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم كذا وكذا، لما جاءتكم الآيات وجاءكم كتاب معجز وتحديتم به وعجزتم عنها أصبحت تصدون عنه وتناون عنه وتنهون عنه، فمن أظلم؟ مين أظلم منكم يا أيها المعاندون من الجاهلية؟ مين أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها؟ الصدف هنا الذي يظهر أنه ليس صدف هو في ذاته بل صدف عنها أي جعل الناس تعرض عنها، اللي هو ما ورد في بداية السورة وهم ينهون عنه ويناون عنه، مين أظلم منكم إنه أنتم ما اكتفيتم فقط بالتكذيب الشخصي بل صار مشروعكم محاربة هذه الآيات وصرف الناس عنها؟

فهنا لا ساعتها سيقول الخطاب، سيكون خطاب تهديدي: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ۗ سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: 157]. شوف التركيز على كلمة يصدفون لأنه هي كلمة جوهرية هون، وهذا وعيد لكل من يصد الناس عن تعلم القرآن، ويمنع الناس من تعلم القرآن، ويحول بينهم ودون تعلم شرائع الله سبحانه وتعالى. سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا، كل من يمنع الناس من تعلم شرع الله سبحانه وتعالى وتعلم آيات الله سبحانه وتعالى ويصد الناس عنها تحريفا وتعطيلاً وإبطالاً وإشغالاً لهم، ويكون مشروعه في حياته هدم القرآن، هؤلاء ربنا يتوعدهم وعيد شديد مرعب إلى يوم القيامة، كل من يسير في هذا الركب سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون.

يعني ما اكتفى أنه قال سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب، لا، كرر السبب لأنك جعلت الناس تعرض عن كتاب الله، ويلك من الله يوم القيامة، الحقيقة هذا التهديد تقشعر منه الأبدان لو أن هناك من يفكر لو أن هناك من يعقل إلى يوم القيامة، في كل زمان ومكان هناك من جعل مشروعه الصدف أعراض الناس والأخذ بهم بعيداً عن كتاب الله عز وجل، من ضيق على الناس في هذه الأبواب ينتظره عند الله سوء العذاب.

في الدنيا كما قلت الحياة تمضي بكل ما فيها بكل صعوباتها وأشكالاتها وتحدياتها وعقباتها، لكن عند الله سبحانه وتعالى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، كل خاطرة في ذهنك وكل فكرة جاءت: كيف والله أمنع الناس من القرآن وكيف أحول بينهم وبين فهم معاني القرآن وكيف أضيق عليهم مجال القرآن في حياتهم؟ هؤلاء ينتظرهم سوء العذاب بما كانوا يصدفون.

فهنيئا لمن اعتبر واتعظ قبل فوات الاوان، وبئسا وبؤسا لمن كان يعيش في غيه وفي طغيانهم يعمهون، حتى يقفوا بين يدي الله سبحانه وتعالى، هؤلاء اللي ربنا عز وجل سيهددهم في الصفحة الأخيرة: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَاتِيَجُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ إلى آخر الصفحة، هذه أدعها لمجلس آخر، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.