السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
حياكم الله أيها الأكارم والكريمات في مجلس جديد من مجالس الوحيين، حيث نعيش في أفياء الكتاب والسنة، نتعلم من هذا المعين العذب وننهل منه، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعله لنا في الدنيا قائداً، وفي القبر شفيعاً، وإلى جنات النعيم رفيقاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ما زلنا نعيش في أفياء هذه السورة العظيمة، في تدبرها ومدارستها والانتباه إلى معانيها وإثارتها في واقع الحياة، وهي سورة الأنعام.
ولاحظوا طبعاً اسم السورة الأنعام؛ لأن هذه الأنعام هي التي كانت مكان العبث في التشريعات عند القرشيين. يعني اختيار اسم السورة الأنعام هو سؤال، لماذا سميت سورة الأنعام ما دامتها هي سورة تؤسس لمعاني التوحيد والعقيدة؟ لماذا ما سميت سورة التوحيد؟ لماذا ما سميت سورة العقيدة؟ لماذا ما سميت سورة المنهج، أو بأي اسم من الأسماء؟ وعادة، إذا تلاحظون، أكثر السور تسمى بالأشياء التي تذكر في مطلعها، صحيح البقرة مثلاً، سورة الناس، الفلق، عادة السور تسمى قل أيها الكافرون الكافرون، تسمى بما يذكر في أول صفحة أو صفحتين منها.
هنا سورة الأنعام، جاءت التسمية مما ذكر في آخرها، وقالوا هذه أنعام وحرث حجر، وجعلوا لله ماذا ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً. أخذ الاسم من المقاطع الأخيرة منها؛ لأن هذه المقاطع الأخيرة في الاعتقاد هي زبدة ما يراد إيصاله في معاني التوحيد هنا، أن من أعظم معاني التوحيد التي يجب أن ترسخ في نفس المستسلم لله سبحانه وتعالى عدم العبث بالتشريعات الإلهية. من أعظم معاني التوحيد التي يجب ترسيخها في كل موحد وفي كل إنسان منضم إلى هذا الدين العظيم، أن يعرف أن أحد الأسس التي يقوم عليها التوحيد هو أن توحد الله سبحانه وتعالى في التشريع، وأن يكون هو المصدر الوحيد الذي تؤخذ منه التشريعات، وألا تعارض بهواك ما يريده مولاك.
فلذلك كانت فكرة الأنعام هي فكرة أو رمزية النموذج القرشي الذي تم العبث به واستعماله وسيلة لماذا؟ للقفز عن ملة إبراهيم عليه السلام، ووضع تشريعات شخصية ذاتية تخالف ما يريده الله سبحانه وتعالى. فكان الإنسان كلما يتذكر هذه سورة الأنعام، الرمزية التي ستأتي في ذهنك ما هي؟ رمزية العبث بالتشريع، وأن هذا الأمر هو من أعظم نواقضه، ومن أعظم أشكال التشوهات التي يمكن أن تطرأ على حياة الأمة قديماً وحديثاً.
في الدرس الماضي، تكلمنا عن مجموعة من هذه التشوهات التي عرضت على المجتمع القرشي في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً﴾ [الأنعام: 136]، والآية التي بعد: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: 137]، وكذلك قولهم: ﴿هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: 138]، وكيف أن الله عز وجل في ختام المشهد بين الخسارات الكبيرة التي خسرها هؤلاء، أن خسر الذين قتلوا أولادهم، وصفهم بالسفه، بأنهم لا يتبعون منهجاً علمياً، وأنهم فقدوا الالتذاذ بما أحلهم الله له، وهذا نوع من العقوبات ترى أن تفقد الالتذاذ بما أحله الله لك نوع من العقوبات، وأنهم افتروا على الله، وأنهم ضلوا وما كانوا مهتدين. كل هذا في سطرين ونصف يصور لك حالة هؤلاء الذين يعرضون عن شريعة رب العالمين سبحانه وتعالى، ويركضون خلف أهوائهم وأفكارهم ومنتجاتهم الشخصية، تاركين كتاب الله عز وجل وسنة النبي عليه الصلاة والسلام وراء ظهورهم، فما أقبح ما فعلوا، وما أسوأ ما سيجنون في الدنيا والآخرة.
هنا بعد ذلك، الله سبحانه وتعالى يؤكد أنه هو الوحيد الصانع الفاعل في هذا الكون، وبالتالي هو الوحيد الذي له أحقية التحريم والتحليل في معطيات هذا الكون. الخالق هو المشرع الذي أوجد الأشياء، هو الذي يحرم منها ما يشاء ويحلل منها ما يشاء، فقال سبحانه وتعالى: اقرأ لنا الآية 141.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [الأنعام: 141-142].
اعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾. لاحظ وهو ليؤكد بعد تلك الجولة مع المشركين العابثين بما رزقهم الله إياه فحللوا منه ما شاءوا وحرموا منه ما شاءوا، يؤكد هنا أنه هو الخالق، وهو الذي أنشا، وهذا أسلوب حصر وهو أن يكون المبتدأ معرفة والخبر معرفة، فهو دون غيره هو الصانع والفاعل والخالق الوحيد. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾، وهذا من التنوع في خلقه سبحانه وتعالى؛ فمنها ما له يعني مثل الأعناب يصنع لها عريشة ويكون لها أجواؤها، ومنها غير معروشات أشجار متفرقة هنا وهناك. هذا التنوع في الخلق، ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ﴾ يعني أنشأ النخلة الشجر الطويل وأهمها النخل الذي كان يتعامل معه المشهور، والزرع والزرع هنا الأشجار القصيرة عموماً محاصيل القمح والشعير وما شابه ذلك، ﴿مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ﴾. والقدرة على التنوع هو دلالة على سعة القدرة، لما يقول لك مختلفاً أكله هذه النخلة طعمها كذا وهذه النخلة طعم آخر وهذا الزرع والله طعمه بنوعه كذا وهذا زرع القمح الآخر طعمه مختلف. ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾، وهنا متشابه غير متشابه، فسروها على أحد معنيين، أما أنها متشابهة من حيث الشكل قد تكون الثمرة متشابهات من حيث الشكل ولكنها مختلفات من حيث الطعم، فانت ممكن تاخذ حبة رمان وحبة رمان أخرى متشابهة من حيث الشكل وغير متشابهة من حيث الطعم والذوق، فهذا معنى أقول لك هو متشابه وغير متشابه. فمتشابه من جهة شكلاً، وغير متشابه من جهة الذوق.
وقد نقول متشابهاً وغير متشابه بمعنى آخر، متشابهاً أي أن بعضها يكون طعمه متشابهاً مع بعض، وبعضه يكون طعمه مختلفاً، يعني مجموعة من الثمار تكون متشابهة في الطعم ومجموعة أخرى لا تجدها مختلفة ومتنوعة في الطعم. فالله سبحانه دائماً يبين لك القدرة على فعل الأشياء المختلفة، القدرة على فعل الأشياء المختلفة، فهو قادر أن يجعل مجموعة من الثمار متشابهة في طعمها، ويجعل في المقابل نوعاً آخر من الأشجار مجموعة من الثمار مختلفة في طعومها. القدرة على صنع الأشياء المتعددة لا تكون إلا من قادر مريد، ولو كان هذا الكون كما يقول الملاحده نتيجة الصدفة، فالصدفة لا تولد مثل هذه الدقة، ليس لديها القدرة على توليد التنوعات والاختلافات والاشياء بهذا التناسق المتعدد. يعني تناسق مع تعدد، تنظيم مع تعدد، هذا لا يمكن أن يكون نتيجة الصدفة، الصدفة تصنع أشياء عابثة لا تصنع جنات معروشات قسم جنات غير معروشات قسم آخر، أشجار كل شجرة لها ثمرها تمام، النخل له ثمره والزروع له ثمره والزيتون والرمان، والله قسم والله مثلاً التمر تجد تمر الخلاص تمر السكري تمر كذا، والله في تمر سكري هذا طعمه معروف تمام، وكل ما هو من تمر السكري يكون متشابهاً في الطعم بس إذا جانا تمر السكري وتمر الخلاص أو تمر السكري وتمر العجوه لا هذيك نفس النخل يعني شجرة نخل لكن طعم آخر شكل آخر للحبة، ﴿مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾. هل عاقل، أقول عاقل يعتقد أن هذا كله يمكن أن يكون وليدة صدفة عابرة جاءت على هذا الكون فانتجت كل هذا التنوع بكل هذا الجمال بكل هذا الاختلاف؟ هذا لا يقوله إلا جاحد لعقله قبل أن يكون جاحداً لربه.
فلما أخبر أنه هو الذي أنشأ يريد أن يخبر أنه هو الذي يأمر، ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾. مين قادر لكم تحرموا جزء من الثمر وتقولوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا؟ فهمتم الآن كيف نحن ندلي بهذه الآية على ما قبلها أنهم ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ﴾، الحرث اللي هي المزروعات فقالوا هذا لله، وهذا الله عز وجل هو الذي يتحكم في هذه الأمور وهو الذي يضبطها. ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ لا تحرموا شيئاً أحله الله لكم، وليس لكم أحقية أن تحرموا شيئاً أحله الله لكم، وليس لكم أحقية أن تقولوا والله هذه النباتات نحن بدنا نحرمها على أنفسنا هي النباتات لا نحن شايفينها حلال. الذي له حق أن يحلل وأن يحرمه هو الله. ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾، وهذه كلوا فعل أمر لكن المراد به ماذا؟ الإباحة على طريقة الفقهاء، يعني في قرينة دلتنا أنها ليس للوجوب أو الندب، تمام يعني لو واحد ما أكل من الثمر بس مش لأنه مش عاجب له بنقول أنت آثم لأن ربنا قال لك كلوا، وفعل الأمر يدل على الوجوب فيجب الحكم الشرعي يجب أن تأكل من أشجار النخيل والرمان مرة واحدة في الحياة على الأقل؟ لا نقول كذلك، وإنما المراد كلوا هو ماذا؟ هو إباحة الأكل، يباح لكم أن تأكلوا من ثمره. فهمتم ليش يهمنا يباح لكم أن تأكلوا من ثمره؟ فإياكم ثم إياكم أن يمتنع أحد منكم عن هذا الأكل.
ولذلك عبر عن الإباحة بصيغة الأمر يدلل أن هذه الإباحة مطلوب وجودها، هذه الإباحة مطلوب وجودها، ويمنع منعاً باتاً أن يعبث بهذه الإباحة فتأتي إلى مجموعة وتقول والله هذه لشركائنا أو هذه لله أو هذه للرجال وليست للنساء وما شابه ذلك. ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، والذي له أحقية أن يمنعكم من بعض المحصول ليطيه لطائفة أخرى هو أيضاً الله، لأنه ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ رح أخذ منك من المحصول وأعطيه ليس للـ يعني شيء تقدمه على جبل تضعه للإله، لا حتى ما يأخذ الله من محصولكم يرده على فقرائكم، كما جاء في حديث معاذ: صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم. فالذي له أحقية أن يبيح لكم الأكل هو الله، والذي له أحقية أن يسحب من هذا المحصول أو أن يطلب منكم أن تخرجوا من هذا المحصول شيء وتمنعوا منه أنفسكم هو الله. فقال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وهذه الآية التي يستدل بها المذاهب الفقهية على وجوب الزكاة في الزروع والثمار، وهي وإن كانت مجمله هناك كما أقول هذا مجمل جاءت أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام وتفصل إليه الزكاة في الذرو في الزروع والثمار أنه ما كان ما سقي بالثواني أو النواضح نصف العشر، وفيما سقت السماء والعيون العشر، وشو طبيعة الأشجار والمزروعات اللي فيها أصلاً زكاة عند الحنابله كله مكيل المدخر عند البعض كله مقوس، وهكذا.
فبالتالي هذه مجمله لا الهدف منها الآن في هذا السياق، الهدف منها الآن نحن في مكة لسه نحن ما زلنا في مكة ولسه في المدينة، في المدينة فرضت فرضت الزكاة تفصيلياً، في مكة كان الهدف منها إخبارهم أنه ساطلب منكم أن تخرجوا حقاً من هذا المحصول وأعرفكم إلى أين ستضعونه. لكن هنا في الأنعام يهمني أن تعرفوا أنني أنا الله يتكلم عن نفسه أن أنا الله هو الذي له الأحقية أن يأخذ من هذا المحصول ويضع للفقراء فهذه قضية هيك إعادة التوازن للإنسان من هو الآمر والناهي من هو الخافض والرافع من الذي يعطي ويمنع الله سبحانه وتعالى هذه العقيدة.
ثم قال: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾، أيضاً نهاهم عن الإسراف في التناول أو التعاطي قال: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. لأنه حتى لا يؤخذ يعني هذا الخطاب القراني الذي دائماً يكون متوازناً، ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ فيظن البعض أنه القضية خلص ما دام الله يقول له كلوا من ثمره يلا كل اللي بدك إياه وعلى ما يجي أيدك، لا كل بتوازن، كل بهدوء، ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. وهذه الآية حقيقة شديدة على المبذرين في الطعام والشراب، أنه لا يحب المسرفين، الله لا يحب المسرف، فهل أنت مسرف سواء أنت أو أنت في حياتك الشخصية تأخذ مثلاً شويه وجبه طعام وتكب الباقي ولا بينزل له كميات كبيره من الرز والج في المناسبات الرسمية أو ثم بعد ذلك يلقيها يعني الناس تاكل 20% وتلقي 80% في المهملات أو ما شابه ذلك فهذه مشكله كل هذه حقيقة اشكالية. فالانسان يعلم أو مما يسجل الإنسان عن السرف هو أن يتذكر ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، أن الله لا يحبك إذا كنت مسرفاً، يعني مش والدك زعلان منك أو الشيخ أو المعلم أو مسؤول، الله لا يحبك إذا كنت مسرفاً. فالإنسان يتقي يقول أنا ما الذي يعني يجعل الإنسان يذهب بيديه ورجليه إلى عدم محبه الله له، مشكلة، مشان إيش؟ مشان لذة طعام أو شراب، مشان تاكل زياده أو تطلب زياده عن حاجتك ثم تلقي بالزائد في سلة المهملات تستجلب بغض الله لك، فالإنسان ينتبه ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
ثم قال سبحانه: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً﴾، ومن الأنعام هذه متعلق بالفعل أنشأ السابق يعني وإنشأ من الأنعام حمولة وفرشاً. أنتم بتلاحظوا أن كفار قريش بماذا كانوا يعبثون؟ بالمزروعات الحرث والأنعام، فهو الآن هنا في الآيتين المتلاحقتين تكلم عن الحرث والأنعام مين اللي خلق ومن الذي يامر، فقال وأيضاً ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ﴾ يعني وهو الذي أنشأ من الأنعام، والأنعام تطلق عادة على الإبل والبقر والغنم، هذا هو المصطلح الذي تستعمل له آيه بهيمة الأنعام عموماً قال ومن الأنعام بس هنا يعني يمكن حقيقة.
تعمم أكثر من ذلك؛ لأنه يمكن ندخل فيها الخيل، يمكن ندخل فيها ما هو أوسع ومن الأنعام حمولة وفرشًا. حمولة قالوا: هي التي تحملك في السفر، فخلق لكم من الأنعام حمولة؛ يعني ما يحملك في السفر الإبل والأحصنة وما شابه ذلك الكبيرة التي تستطيع أو يحسن السفر عليها.
قال: وفرشًا لا نختلفوا، ما معنى الفرش؟ قيل: يعني هي الحي الصغير، صغيرة التي تفرش على الأرض لتذبح، إشارة إلى الغنم والبقر الذي في العادة الإنسان يفرشه فيذبحه. وقيل: وفرشًا المراد البهائم التي تأخذون جلدها وصوفها فتصنعون منه الفرش والملابس وما شابه ذلك. وقيل: فرشًا هي عموما الحيوانات الصغيرة التي ليست كبيرة، البعض يقول: أصلا المراد بالفرش هنا الحيوانات الصغيرة تسمى فرش؛ لأنها كأنها قريبة من الأرض، مثل الفرش، فرش قريبة من الأرض وليست كالحمولة التي تكون كبيرة عالية عن الأرض حتى تستطيع ركوبها والسفر عليها.
فاذا هو امتمن سبحانه في سياق الامتنان أنه هو الذي خلق الكبير من الأنعام والصغير من الأنعام. كلوا مما رزقكم الله؛ يعني احذروا من أنه ايش تحرموا منها على أهوائكم، ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام، ما بينفع تقول ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، ليس لبشر أن يفعل ذلك، كلوا هذه وضعت لكم حتى تأكلوا منها.
يأتيك شخص عفن الدماغ اليوم بيطلع لك على قنوات بقول لك: ما بصير نحن نذبح الحيوانات وما بصيرها وما بصير، الذي خلقها هو الذي أعطانا هذا الأمر، قال: كلوا، تأتي أنت اعتراض على الله، شوف العقل البشري كم يكون هزيلا ضعيفا عندما يريد أن يتحدى ويقف أمام الأمر الإلهي، مساكين هؤلاء البشر حقيقة، نفسيات غريبه مشوهة مريضة تريد أن تمنع الناس مما فطرهم الله عليه.
الذي خلق وأوجد هو الذي أباح وأعطى، فعلى من تعترض، على من تعترض يا أيها الإنسان؟ كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان. ولاحظ أنه ولا تتبعوا خطوات الشيطان وردت أيضا في سورة البقرة في سياق يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان، كثيرا ما ترتبط خطوات الشيطان في قضية الطعام والشراب، وكأنه الشيطان تدريجيا بيسحب رجلك رجلك في هذا الموضوع.
فاولا يعني الشيطان له خطوات ليوصلك من حل الشيء إلى تحريمه، فهو أولا يبشع مثلا في أذهان بعض الناس، كيف تذبح الحيوانات؟ بقول لك: يا الله المسلمين في عيد الأضحى كيف بيذبحوا الحيوانات وكيف بتشوف الغنمة بتفْعْفِط قدامك وكذا، فأنت ابتداء ما بيكون عندك يعني بدك تحرم بس أنه ايش أول شيء يبشع المشهد في عينيك، ثم بعد ذلك يدخل خطرات يلقيها بين يديك أنه طيب لماذا نذبح والله في عيد الأضحى مليون خروف على مستوى الكوكب الأرض يعني مسلمين هؤلاء يعني مليون خروف إذا مش أكثر يذبح خلال موسم واحد، أليس هذا يعني كثير وفي إيلام وشعور السك؟ فهو الشيطان ما بيجيك ابتداء بقول خلي هي الشغله حرام، لا، أولا حاول أن يبشعها، حاول أن يصورها لك بطريقة معينة، ثم بعد ذلك خطوة بعد خطوة يوصلك إلى التحريم، فالله عز وجل ينبهك احذر من البدايات.
لذلك كثير من النساء مثلا لما تقتنع بفكرة مثلا لا تريد أن تترض على شرع الله عز وجل في أمر تعدد الزوجات، أو تريد أن تترض على شرع الله في أي حكم من الأحكام، بتيجيها قضية ايش؟ أولا بيجيها الشيطان على شكل الخطوات أنه بوجوهم مثلا شخص عدد فظ ظلم، أو شخص عدد وكيف حياته فوضوية، فبتصير هي تفكر أن التعدد مرتبط ذهنيا في عقلها بأيش؟ بصورة ذلك المعدد أو صورة ذلك المعدد اللي مثلا حياته فوضى أو ضيع عائلته، فبصير عندها شوي بذور الكره لهذا الحكم إلى أنه ترتقي لدرجة أنها تصبح تقول: والله لا هذا حكم تعدد الزوجات هذا ربنا أباه لمن؟ للزوج اللي زوجته عندها عقم، أو بصير هي تخصص من عندها تخصيص من أذواقهن، بعد ذلك ممكن توصل لدرجة أنه أصلا في الإسلام شيء اسمه تعدد الزوجات وهذا من شغل المشايخ والرجال الدين تاعونكم هيك بسموهم رجال دين، وانه انتم ما بصير واحن المرأة لها حق، فيبداوا بماذا؟ بمسلسل دائما الشيطان احذر من التصورات الأولى، يعني احذر أن يرتبط حكم معين، وهذا يسعى له الشيطان أن يربط حكم معين بصورة مستبشعة عندك حتى أنت تكره هذا الحكم.
فاذا بذر هذه البذور الأولى يبدا يتطور الأمر عندك أكثر حتى تصبح أنت تسعى أنه لازم أقنع نفسي وأقنع الآخرين أن هذا الحكم مش من الشريعة، فيأتي إلى آية قرآنية يغير معناها تماما ويغير كل مفهومها من أجل أن يلبي نهمه الداخلي أنه ايش أن هذا الحكم لازم أنا أشيله من شريعة رب العالمين، وأتي بحكم أكثر لباقة مع ما أحبه أنا وما أريده أنا، وهذا أكر على الإنسان يخرجه من أسوار الشريعة. الشريعة أتت لتخرجك من داعية هواك إلى طاعة مولاك، كما يقول الشاطبي: الشريعة ما أتت حتى تلبي لك أهواءك وأذواقك، الشريعة بنيت على أنك عبد وهو رب، خلقتني وأنا عبدك، هكذا هي خلقتني وأنا عبدك، فبالتالي العبد لا يعترض على مراد الرب وإنما يقول: سمعنا وأطعنا انتهينا.
إذن ولا تتبعوا خطوات الشيطان؛ لأن الله عز وجل يعلم طبيعة النفس الإنسانية ومتى تصل إلى هذه المرحلة. يعني شوف كفار قريش لما اقتنعوا بفكرة أنه في أنعام خلص نحرم ظهورها بعد ما تجيب عشر ظهور، يعني فكرة أنه هذا تعب حرام، يعني خلص بعد ما جاب عشر ظهور الفحل هذا خليه حام، ممنوع حدا يركب ظهره، من وين جبت أنت هذه القضية؟ يعني كلها أذواق أنه أنا حرام والله الفحل هذا اشتغل عشر سنوات وجاب لنا عشر ظهور، وبالتالي احنا لازم نريحه في آخر عمره، وبالتالي يحرم أن حد يركب عليه، هذه كلها خطوات الشيطان، يزين لك الشيء فيستحسن في ذوقك فتحب أن تجعله تشريعا، وهكذا يخبرنا سبحانه لكم عدو مبين، الشيطان عدو ليس عدوا خفيا بل عدو مبين.
يعني هل هو أبان عداوته أم أخفاها؟ هو يبين عداوته فقال سبحانه: إنه لكم عدو مبين. هو مبين لهذا هذه العداوة منذ أن حصل موقفه الأول مع سيدنا آدم: لأحتنكن ذريته، هو أعلنها، فبعزتك لأغوينهم أجمعين، فهو ما أخفى هذا الموضوع وخلاه مشروع سري، لا، هو مشروع علني للشيطان أنه بده يشتغل على البشر ويزخرف لهم الأهواء والأذواق حتى يحرفهم عن منهج الله سبحانه وتعالى.
وغريب أن البشر وإن كانوا سمعوا هذا الخطاب الشيطاني يعني وانه يريد أن يغويهم لكنهم أكثرهم يتباعونهم، كيف أنا أجي واحد يقول لك هذا صرح أنه بده عداوتك، خلص صرح، طيب اثبت لي يا شيخ هي النص قال كذا وكذا وكذا أنه هو بده يعاديك وبده يجرك للنار، مع ذلك بتحط أنت في أذن أصابعك في أذنيك وبتقول ايش؟ لا بدي اتبعه، يا ابن الحلال الرجل إبليس بقول لك لأغوينهم أجمعين تمام ولاحتنكن ذريته، تاتي أنت بعد ذلك تسلم زمام النفس وتعطي قيادها، هذا من السفه.
فالمؤمن اليقظ حقيقة نسال الله أن يجعلنا من اليقظين المنتبهين، المؤمن اليقظ يعني يحسب زلاته ويعتبرها يعني ها فلتات استطاعت الشيطان ياخذها مني في لحظات الغفلة: إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون، وأخوانهم، أما إخوان الشياطين الذين اخذوا إبليس وجنده وتواطأوا معه، طبعا هو مسكين هذا اللي يتواطأ مع إبليس، يتواطأ مع العدو، يتواطأ مع انسان يريد أن يقتله ويهلكه. شوف كيف لو واحد يتحالف اليوم في التحالفات الدولية مع عدوه ويحط إيده في إيد عدوه أنه أنا عارف المشكله أن أنا عارف أنك عدوي وعارف أنك تريد أن تجهز علي، ومع ذلك بحط إيدي في إيدك وبقول أنا معك السلام ورحمة الله، هل هناك حمق أكثر من هذا؟ أسأل الله السلامة والعافية.
طيب هذه الأنعام، الحموله والفرش، قال ثمانية أزواج، فثمانية تكون بدل من ماذا؟ حمولة وفرشة، لأنه قال وهو الذي أنشأ من الأنعام مش هيك التقدير؟ حمولة وفرشًا، هذه الحموله والفرش من ايش؟ من ثمانية أزواج، تمام؟ هي من ثمانية أزواج. قال: هذه الحموله والفرش ثمانية، فثمانية بدل، بدل من حمولة طبعا هي حمولة وما عطف عليها، حمولة وفرشًا، أبدل منها ماذا؟ ثمانية أزواج، فكانه يقول: وهو الذي أنشأ لكم من الأنعام حمولة وفرشًا، وهو الذي أنشأ لكم من الأنعام ثمانية أزواج، هيك اصبحت التقدير؛ لأن البدل على نية تكرار العامل، هيك بقولوا، البدل على نية تكرار العامل، فالعامل في حمولة هو الفعل أنشأ، فكذلك يكون هو العامل في في البدل، فالتقدير أنشأ ثمانية أزواج.
إيش هي الأزواج الثمانية؟ لذلك قلنا الأنعام في الأصل هي ماذا؟ هي بهيمة الأنعام المعروفة، لأنه الآن أبدل منها، وإن كانت نعم تشمل أحيانا في بعض السياقات يدخلون الخيل والبغال والحيوانات، لكن الأصل أنها الأزواج الثمانية هي التي يقال عنها بهيمة الأنعام، قال من ماذا؟ قال من الضأن اثنين ومن المعز اثنين، كم صرنا هيك يا شيخ محمد؟ تمام أربعة، صحيح؟
الضأن إيش هو يا إخوان؟ الضأن هو اللي له صوف، هذا الخروف اللي له صوف، تمام؟ هذا يسمى الضأن، والمعز معروف له شعر. فالغنم الغنم ينقسم إلى ضأن وماعز، الغنم صاحب الضأن هذا أبو الصوف، والغنم صاحب ال اسمه معز هذا أبو الشعر، فقال سبحانه: أنشأ ثمانية أزواج، إذا هذا التقدير من الضأن اثنين ذكر وأنثى ومن المعز اثنين، ذكر، ذكر الماعز شو بنسميه؟ تيس، صحيح ولا لا؟ وأنثى.
استفسار استنكاري، استفهام استنكاري، والله يقولوا لنا يا كفار قريش وجماعتكم، وكل من يحرم حل الله: قل الذكرين حرم أم الأنثيين؟ أنتم برأيكم ايش معيار التحريم؟ وأنت دائما لما تيجي لشخص يريد أن يحرم ما أحل الله، بتقول له أنت شو معايير التحريم عندك؟ هيك سؤال استفسار استنكاري: ايش معايير التحريم لما قلتم؟ وما في قالوا ما في بطون هذه الأنعام خالص لذكورنا ومحرم على أزواجنا وهذه أنعام حرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمه، وأنعام حرمت ظهورها، وبعدين ما البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فهمونا أنتم لما عم بتحرموا هي الأشياء وبتضعوا قوانينكم في منهج علمي ولا قضية كل واحد وما يشتهي، واللي أنا حابب اليوم أحرم هذا الضأن خلص أعتبره حرام، اليوم الثاني حابب أحرم أنا فقط الذكور من الضأن والمعز مش حابب أحرم الإناث؟ طيب ليه؟ ما الحكمة؟ هل تملك حكمة حقيقية لذلك؟
تجد أنك هو وأذواق، كل واحد يريد هواء معين، فيستنكر عليهم: قل الذكرين حرم أم الأنثيين، أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، تمام؟ أما أم المحرم هو ما في داخل أرحام أنثى الضأن وأنثى المعز؟ يعني خبرونا أنتم معايير التحريم هذه ومن الذي حرمها؟ مش أنتم بتقولوا أنكم على ملة إبراهيم؟ لأن هم طبعا كفار قريش ما كانوا يقولون أننا نتحدى الله، لا، كانوا يعتبرون أن ما يصنعونه هو جزء من ملة إبراهيم. وعمرو بن لحي وهو أول من أدخل عليهم عبادة الأصنام، هو ما قال لهم نريد أن نعبد شيئا سوى الله، لا، هو كان يقول لهم هذه نعبدها تقربنا إلى الله، زلفهم في كل الأحكام اللي سبقت في الدرس الماضي معنا: وهذه أنعام وحرث وحجر، وقالوا ما في بطون هذه الأنعام، هم يظنون أنه ايش يعني أننا بنقدر ندخلها في الدين ونعتبر أن الدين ما يتعارض مع هذه الأمور، بل بالعكس الدين هيك بده، مع أن الدين ما حكى هيك، وإنما هواك وذوقك.
فالله يقول: قل الذكرين حرم الله أم الأنثيين؟ ما هو اللي خلق هو الذي يشرع، فسؤال الله يقول: أنا أنشأت لكم ثمانية أزواج، هل أنا حرمت عليكم الذكرين أو الأنثيين أو ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين؟ من الذي حرم؟ إذا قلت أنا الذي حرمت وليس الله، طيب كيف تتدخل أنت؟ من أنت يا أيها الإنسان؟ الذي أنشأ الثمانية أزواج هو الله، فالذي له أحقية أن يحرم منها ويحلل هو الله، فكيف الله يخلق وأنت تحرم؟
يعني هذه غير منطقية، كيف الله يخلق وأنت تعطي نفسك حقية التحريم على مزاجك وعلى هواك؟ قل الذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين؟
ونفس الشيء قيس على أي شيء يحكم فيه البشر خلاف مراد الله سبحانه. لما الله عز وجل أراد خلق الذكر والأنثى، قالت امرأة عمران: وليس الذكر كالانثى، خلق الله الرجل له جسد ونفس وخصائص بيولوجية ونفسية تصلح لوظائف وأعمال وأمور ومهام، وخلص، وخلق المرأة بنفس وجسد وصفة بيولوجية ونفسية لها وظائف وأمور تصلح فيها في الحياة.
مين اللي له أحقية أن يقول: المرأة تيجي مكان الرجل تاخذ قوامة، والرجل يجي مكان المرأة يصير في يوم من الأيام وهو اللي يحمل ويررضع، يرضع يعني؟ في أحد له الأحقية؟ ومين اللي خلق، أنت ولا الله عز وجل؟ هو سؤال: من الذي خلق؟ إذا كان الذي خلق هو الله، ألا يعلم من خلق؟ هو يعلم تفاصيل ما خلق ويعلم بالتالي أن هذا المخلوق وهو الرجل يصلح له كذا وكذا وكذا وكذا، فقال: الرجال قوامون على النساء، أعطاه هذه الأحكام وأعطاه زمرة من الأحكام وأمره بالنفقة وأمره برعاية المرأة وأعطاه أحكام، وثم جاء المرأة فأعطاها أحكام: يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين، وقل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج، ولا تخضعن بالقول، هم الإله الذي.
خلق هذا الجسد وهذه النفس، هو يعلم ما الذي يصلح لها، فمن الذي يحرم، ومن الذي يحلل، ومن الذي يشرع لهذه النفوس ولهذه الأجساد؟ هل لأحد أحقية أن يتدخل فيضع شرعاً معارضاً ومنااكفاً لشرع رب العالمين بحجة أن هذه أجساد، واحنا البشر أدرى بما يصلح في واقعنا المعاصر؟!
كلا، والله الذي خلق هو معك أزلاً وأبداً، أنت كائن محدود على كوكب الأرض لا يزيد عمرك عن ستين أو سبعين سنة؛ فلا تتدخل في تشريعات الإله الذي يعلم الماضي والحاضر والمستقبل، والذي وسع علمه كل شيء، ويعرف ماذا يصلح لهذه البشرية وما الذي يجلب لها الشقاء والتعاسة.
فلماذا يعارض الإنسان ربه، ولماذا يحاد الله في تشريعاته؟ فيقول سبحانه وتعالى مستنكراً: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمْ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُوني بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأنعام: 143]. أعطوني نبأً، أعطوني علماً، في عندكم شيء من الله حرم هذه الأمور إن كنتم صادقين في نسبتكم هذه الأحكام إلى ملة إبراهيم؟! نبئوني بعلم، أعطيني علماً، ما بدي كلام جرايد زي ما بيقولوا. والله لا نحن نتوقع وأظن... لا، بدي علم، أعطوني نقلاً صحيحاً أن هذه من معالم ملة إبراهيم إن كنتم صادقين، وأن هذه لا تتعارض مع معالم ملة إبراهيم التي تنتسبون إليها وترفعون لوائها وتقولون: أنتم حراس بيته الحرام ورعاة ملة إبراهيم! مش هيك الشعارات والبروباجندا اللي طالعينها كفار قريش؟ نبئوني بعلم إن كنتم صادقين.
وأيضاً من الإابل اثنين ومن البقر اثنين، من الإبل ذكر وأنثى ومن البقر ذكر وأنثى، نفس الاستنكار ليزيد الاستبشاع: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا﴾ [الأنعام: 144]. وهذا كله استنكار مع استخفاف وتهكم بهم، أم كنتم شهداء يعني أنتم شهدتم ربنا أوصاكم أن تحرموا كذا وكذا؟! أعطونا متى كان هذا الشهود ومتى كان هذا اللقاء لما وصاكم الله بهذه التحريمات التي أتيتم بها من بنات عقولكم؟! أم كنتم شهداء وقت وصاكم الله بهذا؟ طبعا ربنا ما وصاهم بهذا، بس هو يتهكم ليخبر أن هؤلاء يضعون منظومة من التشريعات بأهوائهم وأذواقهم وينسبونها إلى شريعة الله.
هي الجريمة أنهم ينسبونها لملة إبراهيم كمان، يعني اليوم في ناس بتقول لك: يعني لا، نحن بدنا نضع شريعة، بس نحن نعتبر أن مش شريعة رب العالمين ونحن مناكفين لشريعة رب العالمين، هذا اعترف تماماً بجرمه. طبعا هو مش يعني ترى أبداً مش إنه راح يتسامح، هذه مصيبة، مصيبة أن الذين يحادون الله ورسوله كذبوا في الأذلين، لكن لا، بعض الناس بتكون الإتيكيت تاعته ألطف شوي، إنه هو بيجي بيحط أحكام من عنده بيقول: هاي ما بتتعارض مع الدين، بالعكس هيك الدين الإسلامي، وهذول بنخاف منهم من بني جلدتنا؛ يعيشون بيننا وياكلون طعامنا، ويقول لك بعد ذلك: لا، ما بيطلع لك على هذا من الدين، وأنه أكيد هيك الدين الإسلامي في الوقت المعاصر، ولازم نجدد الخطاب الاسلامي ولازم كذا، وأنتم مش فاهمين التدين تماماً.
كما سبحان الله في سورة الأعراف -لأن سورة الانعام والأعراف مشتبكة في كثير آيات-: ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: 28]. يا أخي، هسه وجدتم عليها آباءكم؟ ربنا لم يعطهم إجابة عنا لأنها يعني ما لناش علاقة في آبائكم، قل: إن الله لا يأمر بالفحشاء. وجدتم عليها آباءكم؟ برروا حالكم أنتم وآباءكم، لكن تقول: الله أمرنا فيها؟! هي جريمة أكبر، يعني الإنسان ممكن يعمل معصية، ولذلك دائماً بقول للإخوة: عندما تقوم بمعصية في حياتك -وهذه انتبهوا لها- اعترف أنها معصية، وإياك أن تشرعنها؛ لأنك إذا شرعنتها اصبحت في خطيئتين بدل خطيئة واحدة.
لما تكون أنت واقف الاختلاط المحرم تماماً في أماكن كثيرة، أو وقعت في علاقة محرمة مع امرأة، أو وقعت فيما وقعت فيه، على الأقل ايش؟ اعترف أنها معصية، إياك تجي تلبسها أنه ربنا عز وجل أمرنا بالحديث مع الجنس الآخر، ونتداول معه الأمور الاقتصادية وكذا، لأنه الجنس الآخر له كذا، ونحن لازم تكون البشرية والانسانية متكاتفة، بصير يشرع لك اياها ويبخر لك اياها ويجمل لك اياها. دائماً أحذر أن تشرعن الباطل، حتى ولو تلطخت به، حتى ولو سقطت فيه بالهوى والشيطان، إياك أن تشرعنه؛ لأنه هذه جريمة عظيمة جداً، كنت في جرم أصبحت في جرمين: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 169].
فهنا سبحانه وتعالى ماذا يقول: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا﴾ [الأنعام: 144]. فلاحظ ماذا قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 144]. شوف الآية، مين اظلم ممن يشرعن الباطل ويضع منظومة ليضل الناس بغير علم؟ هو لم يأت بأي منهج علمي. افتريت على الله كذباً فجراً فحرمت الحلال وأحليت الحرام وتنسب إلى الدين. وبرجع بقول: هسه انت عملت شي حرام دون أن تنسب إلى الدين هي جريمة، بس بتضلك لسه في منطقة أكثر أماناً هنا، إذا طبعا كنت معترفا أنه يا رب معصية بس مش قادر أتركها، يا رب خطأ بس مش قادر أتركه، لكن أن تشرعنه هذه مصيبة المصائب. فلذلك قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.
ما هو افتراء الكذب على الله هنا؟ التشريع، أن تاتي لشيء حلله الله تقول: ربنا حرمه، أو شيء حرمه الله تقول: ربنا حلاله، تقول أنت، تنسب هذا إلى الله، تفتري الكذب على الله عز وجل. قال والهدف طبعا، الله عز وجل يخبر ما هدف هؤلاء: ﴿لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾. إما أن نجعلها لام التعليل والمراد افترى على الله كذباً وعله ذلك أنه يريد أن يضل الناس ويحرفهم عن الخير والصواب والمنهج الرباني. فيقنع المرأة أنه: لا، الإحسان ما حكى لك أنه تجلسي وتربي أولادك وكذا وكذا، بالعكس، لا تردي على زوجك لما يقول لك عن تربية الابناء، اطلعي وعافسي في سوق العمل وطاحني الرجال، وكوني امرأة معهم رجلاً على رجل، وهكذا الاسلام يريد منك. ليضل الناس! هذه التوجيهات اللي أخذتها النساء، ماذا فعلت بنساء المسلمين اليوم؟ التفسخ، العري، الاختلاط، هدم البيوت، ضياع معاني الأسرة.
أصبح الإنسان بالكاد يصادف امرأة مسلمة واعية لقيمه التربية، منتبهه لوظيفه الأسرة، متبعلة لزوجها، راضية عن ربها، بتجلس مع النساء، ليش أقول بالكاد؟ ما جعل يعني في خير وبركة، بس يعني مش بتلك الكثافة الوافرة حتى في المتدينات؛ بتجلس مع بعض الأخوات، بتكون ممكن مركز قرآن وبتصلي وبصوم وامراه طيبة وحجاب، بتجلس تسمع الأفكار، الإشكالات، الخلافات الزوجية، بتكتشف أنه في فرعنة، لا في حدا مفهمها الدين غلط، في واحد مقنعها أنه الدين معناها ايش؟ أنه أنا أكون الأقوى، وأنا أكون المعافسة، وأنا أكون الرجل المنزل، وأن الزوج يسمع كلامي مشان أسمع كلامه، فأصبحت قضية طاعة الزوج لزوجته، مش طاعة المرأة لزوجها هذا مفهوم انعكس.
طيب مين اللي أقنعك أن هذا الكلام صح؟ ومن وين جيتي هاي الأفكار وهذه هي المدخلات اللي بتجي عن طريق من يبثونها لكم في الشاشات، اللي حاولوا يرجوك أن المرأة يجب كذا وكذا وكذا، وأصبحت المرأة كثير من النساء حساسات لمفهوم القوامة، طيب القوامة معناتها أنه أنا ما أثبت ذاتي وما أدرس، كأنه في حساسيه من المفاهيم الشرعية. القوامة مش معناتها ذل ولا عبودية ولا شيء، مين اللي أقنعك أنها تعني تعاسة وشقاء؟ لأنه هم صوروا لك اياها في التلفزيون وفي الأفلام أنه المرأة المطيعة لزوجها تعيسة وشقاء وكذا، بخلاف المرأة المتمردة المتفرعنة أنه هي المرأة هي السعيدة اللي زوجها بيلبي طلباتها بروح على الشغل بسرعة وبجيب لها ما بدها إياه، أنه هيك هي بتكون سعيدة، شوفي كيف! وانه بعطيك مساحة انك تطلعي وين ما بدك ترجعي وين ما بدك تقعدي في البيت وكذا. طيب، بعدين شو النتيجة النهائية اللي حصلناها؟ في تربية أطفال في الشوارع، أطفال يعني على شاشات السوشيال ميديا، مرضى نفسيين، كل ما نحصده اليوم هو حصاد 30-40 سنة من الضخ الإعلامي أن المرأة تعافس وأن المرأة تقاوم، وإياك أن تستسلمي، كأن المرأة يصورون لها أن الإسلام يريد أن يسجنك وأنت بدك تقاومي، كيف ما بدنا نقاوم؟ مشان السعودية، أنت بدك تقاومي مشان أنك تخرجي من عبودية ايش الإسلام؟ أنه الإسلام بده يعبدك للرجل، لا هذه مسكينة أنت اختي الكريمة.
الظريف سبحان الله، ما حصل هيك فيه يعني إصلاح زوجي، أحد الأخوات بتكون زوج... اه نسيت اجيب المي اه تفضل، أحد الأخوات بتقول يعني أنا أعمل معه، اه، يعني هي تعمل مع زوجها، فبتقول أنت مالك علي، اه، لأن بشتغل، ربنا بقول: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ﴾ [النساء: 34]. نعم، فما دام أنا يعني بنفق الآن، فانت الآن ما عادت لك سلطة، ما لك سلطة ارفع الراية. فهذه سبحان الله يعني كيف أحياناً المداخل، نعم أحسنت، هي فمن أظلم.
هؤلاء ظلم، بل هم ليسوا فقط ظلم، قال أظلم ظلم، يعني هؤلاء أعلى أنواع الظلم؛ أظلم الناس الذي يعبث بالشرائع الإلهية ويصول للناس خلاف الدين وخلاف كلام السلف والعلماء والأمة، بحجة حرية الرأي والعصر ومتطلباته واحتياجاته، اللي هو زخرف القول اللي حكينا عنه اللي بيحاول يلبس من خلاله عليك. فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل... فهذه اللام الأولى الاحتمال الأول أن تكون للتعليل. الاحتمال الثاني أن تكون للعاقبة، أن نقول: فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا فشرعن وألف وحكم باسم الدين، والعاقبة كانت أنه أضل الناس وعاقبة صنعه زي ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً﴾ [القصص: 8]. يعني كانت العاقبة، فبالنهاية من افترى على الله كذب، سواء هو كان معللا وهدفه الأساسي اضلال الناس أو ليس هدف اضلال الناس سيكون عاقبة ما تصنعه هو إضلال الناس، وهذا برضه بنحكيه لمين؟ لأنه هي العاقبة بتهمني مع بعض اللي بسميهم أنا الدعاة الجدد، هذول الافاضل اللي هو شب منيح، ومنيح وهو لا يريد أن يضل الناس، هو لا يريد أن ينتج أحكام يريد أن يضل الناس يظن أنه يحسن صنعه، بس بنقول والله يا اخي عاقبة صنعك ايه؟ أنك ستضل الناس، يعني أنت لا أنت لا تفتري الكذب بقصد إضلال الناس، ما عندك هذه سوء النية، لكن عاقبة ما تفعل أنت من خلال خطابك اللي هيك الفضفاض الزيادة، من خلال عدم وجود الوضوح والمفاصل في كلامك، عاقبته انك ستضل الناس بغير علم، أنت مش منتبه أنك عم بتضل الناس، فكلاهما مهم سواء التعليل أو العاقبة، نعم وإن كان الأول أسوأ الذي هدفه ابتداء ضلال الناس.
ممكن تتكلم عن معنى اللام الثاني؟ أحسنت، نعم العاقبة، أحسنت.
ثم قال سبحانه بعد أن بين أن هؤلاء هم أظلم الناس الذين يعبثون بالشرائع: يقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 144]. هؤلاء لا يوفقوا في حياتهم، هؤلاء أبعد الناس عن التوفيق والهداية والنور: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، عمره ما بتوفق في حياته. هذه الآيات إخواني عظيمة والناس اللي بيمارسوا هاي الممارسات لازم يسمعوا سورة الأنعام، يسمع أنه ما رح تتوفق في حياتك وشو ما كان منصبك وشو ما كان مسؤوليتك وين ما كان مكانك في الحياة ما بتوفق، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. أنت ظلمت نفسك وظلمت شريعة رب العالمين لما مسست إليها ومديت عقلك ويدك وتطاولت عليها، إياك.
فالان أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أن يقول علناً إنه هو عليه الصلاة والسلام لا يشرع من عنده، وهذا الرسول عليه الصلاة والسلام، في أحد في هذه الأمة أعلى من مقام النبوة؟ ما في أحد. قل لهم يا محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ﴾. أنا ما بحرم من عندي كما أنتم بتحرموا من عندكم، ولا أحرم أنا، أتبع ما يوحى إلي فقط: ﴿وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: 106]. فانا لا أجد فيما أحيى إلي -وركز كلمة أحيى هنا اللي هو أنا ايش المصدر اللي بتلقى منه؟ ما قال: أنا لا أجد في تصوراتي شيء يستحق التحريم إلا كذا وكذا، صما قال هيك-. أنا لا أجد في هواي، أو أنا لا أجد في أي حاجة مجتمعية... لا، لا ما جاب هاي العبارات اللي تستعمل عادة في الأروقة اليوم، مش في رأيي أو تصوري أو متطلبات الواقع، لا. قل: ﴿لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ هذا المصدر اللي بتلقى منه، هذا مصدر التلقي وليس الواقع بيفرض علي، وليس أذواق الناس ومتطلبات ورغبات السوق الاستهلاكية هي اللي بتفرض علي أحلل أو أحرم، إنما الذي يفرض علي الوحي: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾.
على الطاعم، أي انسان يريد أن ياكل ويشرب، لا أجد محرماً على طاعم، على انسان طاعم يريد أن يطعم ويأكل شيئاً: ﴿إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمْماً مَسْفُوحاً﴾ [الأنعام: 145]. وهذا كان في بداية أو في مرحلة مكة، أنه سياتي هناك كثير من المحرمات بعد هذه الآية هي ناسخة لمفهوم الآية وليس لمنطوقها، نعم وناسخة لمفهومها. ويقول: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمْماً مَسْفُوحاً﴾. ايش كان محرم في بداية الإسلام؟ اللي حرم الله في بداية الإسلام الميته، قال ميتة أو دماً مسفوحاً، الدم السائل، وأما الدم الذي يكون في عروق اللحم هذا ما في مشكلة، أنت لما تذبح خروف مش في دم وفي دم يضل في العروق؟ قصة دم في العروق هذا عفا الله عنه، الحمد لله لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
لكن الدم السائل ما بصير تشرب تحط دم، هيكصير تشرب لي فيه من دم الخروف ولا دم الأضاحي أو كذا ما يجوز؛ فالدم المسفوح حرام.
أو لحم خنزير فإنه رجس، اختلف هل الضمير يعود على لحم الخنزير أم يعود على رأي الجمهور على كل ما سبق؟ الرجس يعني النجس، والصحيح عند الجمهور أن الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير. بس هنا بيختلف الجمهور مع الحنفية في مسألة: هل يعود الضمير على آخر مذكور أم على جميع المذكور قبل السابق إذا كان يصلح طبعا أن يعود إليه؟ وهنا قالوا: يصلح أن يعود إليه، فبالتالي الميتة رجس والدم المسفوح رجس ولحم الخنزير رجس تمام، قال: فإنه رجس.
طيب الشيء الرابع المحرم ما هو؟ قال: أو فسقاً أُهِلَّ لغيرِ اللهِ بهِ. فجعل سبحانه وتعالى أي طعام يعني من بهيمة الأنعام ذبح لغير غير الله، أما إنه ذبح للصنم أو للشمس أو الكواكب أو لأسياد أو هذا، ولو ذكرت عليه اسم الله فما أُهل لغير الله به هذا يشمل ما قصد بذبحه غير الله، وما قصد به الله لكن ذكر عليه غير اسمه؛ يعني كمان ذبح لله بس يلا باسم الولي البدوي، بقول لك: أنا لله ذابحه بس ذكرت اسم الولي البدوي، فهذا أيضا مما أُهل لغير الله به.
الإهلال ما هو؟ هو رفع الصوت، صح؟ مش نحن بنقول الإهلال بالحج ما هو الإهلال؟ رفع الصوت بالتلبية. وهنا الإهلال رفع الصوت بالتسمية، مش أنت تقول بسم الله؟ هذا اسمه إهلال. فلما تقول أنت بسم الله أنت أهليت لله؛ إذا ذبحت لله ولكن قلت: باسم البدوي ولا باسم في سيدة نفيسة ولا اسم علي ولا الحسين، أنت أهليت لغير الله.
بهنا لم يكس باسم الولي زي ما أنت حكيت؟ قصدي يعني كيف كان لله وهو قال باسم الولي؟ لا مش هيك، هسه هو ممكن في قلبه بقول والله هي الذبيحة لله بس بدي من باب التبرك بدي أذكر عليه اسم الحسن والحسين ولا هذ كثير يفعلون الروافض وغيرهم، فنقول هذه أُهل لغير الله به.
وكذلك العكس، العكس تماماً لو ذكرت اسم الله، ذكرت اسم الله فقلت: بسم الله، لكن ذبحت لصاحب قبر أو لشجره أو لشمس أو لكوكب، هذا أيضا يندرج كما يقول تحت مفهوم أُهل لغير الله به. فما أُهل لغير الله به؛ الإهلال نعم هو الأصل رفع الصوت بالشيء، وهذا يشمل في صورته الأصلية أن يذبح الشيء فيذكر عليه سوى اسم الله، لكن يدخل فيه قالوا ما ذبح باسم الله ولكن قصد به غير الله فيندرج ضمنيا تحت هذا المفهوم، وسماه الله ماذا؟ فسقاً.
الفسق ما هو؟ هو الخروج عن الطاعة، فسمى هذا الطعام فسقاً، شوف التسمية البليغة! قال: ميتةً أو دماً مسفوحاً أو لحمَ خنزيرٍ، فسماها تلك باسمائها ثم حكم عليها بأنها ماذا؟ رجس. أما هنا ما سماه باسمه ثم حكم عليه أنه فسق، مباشرة جعله فسقاً، فهمتوا؟ أعيد. لما قال: ﴿إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ بعدين أعطاك حكمه أنه ايش؟ فإنه رجس نجاسة.
الرابع ما قال أو ما ذبح لغير الله فإنه فسق، مقار زي ما قال فإن لا، سماه مباشرة هو فسق، ما له اسم آخر غير كده، يعني كأنه يقول لك: أو فسقاً أهل لغير الله به. وهذا يؤكد أن هذا هو أشنعها، أنه جعلوا ماذا؟ هو فسق بكله، ما مش أن حكم عليه أو ذبيحة لغير الله فإنها فسق زي ما فعل في القسم الأول مباشرة قال فسقاً، أهل لغير به من المبالغة أن جعل اسمها فسقاً، خلص صار اسمها فسقاً بدون ما أقول أو ذبحت على غير اسم الله فإنها فسق.
طيب أو فسقاً، فهذه الأربعة هي التي نهي الصحابة عن ماذا؟ عنها في بداية البعثة أو في أمور البعثة عموماً. الآن هذا كان المحرم في مكة، لما ذهب إلى المدينه نعم بين جاءت السنة بتحريم أشياء أخرى، فكل ذي ناب من السباع حرم، وكل ذي مخلب بين الطيور حرم، الحمر الأهلية حرمت أكلها، حرمت أشياء أخر من بهيمة الأنعام في كثير من الأمور في سورة المائدة وفي حتى في السنة -يعني مش ضروري يكون شيء حرم لازم يذكر في القرآن- سنة النبي عليه الصلاة والسلام تحرم أيضاً.
فهذا نقول في فترة الأولى قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم لا أجد الآن فيما أوحي إلي محرماً إلا هذه الأربعة، فأنا لا أحرم بهواي ولا أحلل بهواي، حتى نضبط البوصلة من الذي له أحقية التحريم والتحليل.
ثم قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: 145]. وهذه هذا المقطع دائما يأتي ويبين قاعدة الدين، مثلا اليوم أكملت لكم دينكم، فم لا هي اليوم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر غير باغ ولا عاد نفس الشيء تجد أن هذا الاستثناء ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ ياتي دائما لبيان ايش قاعدة الشرع ولإخبار الناس.
هي الفكرة أن الشرع ليس جامداً، الشرع فيه مرونة، لكن المرونة تأتي في الأحوال الاستثنائية؛ لأنه ممكن الناس تقول لك: يا أخي الدين الإسلامي والشريعة الإسلامية جامدة. أقول لك: هذا افتراء، الشريعة الإسلامية تراعي الظروف. فلما قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3] أراد أن يبين اكتمال الدين، لماذا ختم ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾؟ يعني ايش علاقة هذا باكمال الدين؟ أن يبين أن من كمال الدين أنه جعل مساحات في الأحوال الاستثنائية وأمور يترخص فيها إذا قام سبب الرخصة، تقدر الضرورة بقدرها والحادثة بحادثتها، نعذرك بنسامحك، إذا زالت الضرورة والحاجة بترجع للحكم الأصلي، حتى لا ياتي مفتر ليقول إن هذا الدين شدد على الناس في أمورهم وأغلق منافسهم ورهقهم في تكاليفه، كلا والله.
فاليوم أكملت لكم دينكم، لكن إذا وقعت حاجة أو ضرورة تقتضي مخالفة ما ثبت ابتداء بسمح لك يا بني آدم، لكن تذكر أن هذا يبقى استثناء وليس أصلاً. نفس الشيء لما حرم عليهم هي الأربعة يريد أن يرى الكفار المرونة أنه هي الشريعة شريعة مرنة تراعي الظروف البشرية والإنسانية، فقال لهم: ومع تحريمنا لهذه الأربع فمن وقع في الضرورة، فمن اضطر، كان في صحراء ويموت ويخشى على نفسه الهلاك، أو في بحر ويخشى على نفسه الهلاك فوجد ميتة أو دماً مسفوحاً، كلُّ أحللنا لك بس من وين أخذ مصدر الحلية؟ برضه من الله وبرضه من الشريعة، فأنت تأخذ الأصل من الله وتأخذ الاستثناء من الله. الشريعة ما جاءت لتعقد حياتك ولا لتناقض أمورك، لكن جاءت لتضبط الميزان.
كثيرةً كذلك هي الأحكام التي نقيسها على هذا، تاتي مثلا قضية مثلا وجود المحرم مع المرأة في السفر، الأصل يجب وجود المحرم مع المرأة في السفر، هكذا قال فقهاؤنا في المذاهب الأربعة على اختلاف في التفاصيل. طيب بتيجي امرأة بتقول: طيب شيخ هيك صعبة علي وفي أحوال استثنائية. يا أخي الاستثناء له حكمه، مشكلة بعض المفتيين الله يسامحهم أو بعض المشايخ لما يطلع بصير يركز على ايش؟ على الاستثناء بيكبر لك إياه، طيب يا شيخ يعني أنتم بتضلكم بتحكوا المرأة تحتاج محرم، طيب افرض امرأة بدها دواء وكذا وحاجة صحية، يا أخي أنت ليش بتكلمني في الاستثناء؟ نحن بنخاطب المرأة بالحكم الأصلي أنه في الحالة الطبيعية لازم محرم، تيجي أنت تجعل لي الاستثناء أصل والأصل استثناء؟ مو هذا ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم، أن تاتي إلى الاستثناءات فتجعلها أصولاً؟
يعني زي واحد بتيجي يناقشك: يا أخي أنت ليش تحرم لحم الخنزير؟ يا أخي افرض واحد كان في صحراء! يا أخي أنا جبت سيرَة في الصحراء؟ بيجي يناقشك واحد في صحراء ما لقاش غير ميتة، يا أخي كل بس تضلك تتكلم عن ايش في القنوات الإعلامية: افرض واحد كان في صحراء؟ بتستضيف قناة العربي: افرض واحد كان في صحراء! يا أخي أنت على كل قناة إعلامية عم تذكر الاستثناء تمام وعم بتضخم لي إياه وعم بتحط عليه فوكس وإضاءات كذا، أنا عارف شو اللي بدك إياه، بدك تضخم الاستثناء حتى تشكك الناس في أصل الحكم.
تضخيم الاستثناءات هدفه أن يزعزع قناعة الناس في أصل الحكم، فلما أجي أنا أَبين لك الحالات الاستثنائية اللي المرأة تسافر فيها بدون محرم وأظلني أركز عليها وأركز عليها وأسلط الضوء وكل مقابلة المقابل يسألني عنها، شو يصير الجو العام للناس؟ أنه آه والله كلامه صحيح، افرض يا اخي! هو هذا ضحك عليكم الشيخ أو الرجل الذي أخرجوه، هذا بده بس يكبر الاستثناءات حتى يضرب بها أصل الحكم.
فلذلك سبحان الله صورة عظيمة من البداية ربنا قال لك يعني ما مش حاجة حتى يخرج هؤلاء ليعلمونا، الله بقول لك: أنا أطيك الأصل وأنا اللي بعطيك الاستثناء، فلا تضرب الأصل بالاستثناء. فما حدا يقول لي: طب إذا احتجنا خلص، هي أعطيتكم إياها، فمن اضطر بس ركز: غير باغ، ما بغى. قالوا: بأن يكون عاصٍ في سفره ولا عادٍ أن يتجاوز المسموح له في الأكل.
تمام يعني أنت في النهاية جوزنا لك في حال الاضطرار، لكن الضرورة تقدر بقدرها، فإذا انتهت الضرورة ما بصير تعتدي، فتاخذ قالوا أكثر من حاجتك. هسه اختلف الفقهاء هل حاجته سد الرمق ولا الشبع؟ مش مشكلة الآن الخلاف الفقهي هذا، لكن الكل متفق أنه إذا اخذت حاجتك وضرورتك فارتفعت الضرورة، أي شيء بعد ذلك يسمى ايش؟ اعتداء.
فقال هناك شرط أن الضرورات متى تبيح المحظورات ومتى يترخص فيها؟ إذا كنت لا تقصد البغي، أما شخص رايح يقتل واحد وهو في الطريق جاع كثيراً ولقى ميتة قال خليني أتقوى فيها، راح لأقول ما بتقدر، لأنه أنت أصلاً كل مشوارك غلط، كل مشوارك وسفرتك من الأردن لمكان آخر رايح تقتل شخص، فأنا ما ببيحلك في هذا الطريق أن تستحل تاخذ الاستثناء.
مشان نحن بنسميها عند الجمهور ايش؟ أن الرخص لا تستباح بالمعاصي؛ فالعاصي بسفره العاصي بسفره لا يأخذ الرخص والاستثناء، ليه؟ عدل نيتك وخلي سفراتك خير بعطيك الاستثناء. أما واحد راح يزني في دولة ولا راح يعمل حرام في دولة، بعطيه الرخص والاستثناءات عشان يتقوى فيها؟ ما بعطيه إياها.
فلذلك قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أولاً ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ أنه أنت كل حالة الاضطرار اللي فيها ليست بسبب بغي تريد إيقاعه من قتل أو زنا أو شرب، ثم قال: ﴿وَلَا عَادٍ﴾، ايش ولا عادٍ؟ وأنك لما الحالة اللي أنت فيها تقدر الضرورة بقدرها فلا تتجاوز القدر المسموح فيه من الميتة، لا تتجاوز القدر المسموح فيه من أكلك للدم أو كذا. فهذان شرطان: ألا يكون أصل السفر حراماً، وأنك إذا اضطررت فأخذت تاخذ على قدر ما يرفع الضرورة دون اعتداء، هذه ضوابطها: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: 145].
طبعا ومثل هذا هذا بعطيك قاعدة عامة في الشريعة، من هنا أخذت إحدى القواعد الفقهية الكبرى وهي قاعدة المشقة تجلب التيسير، من وين أخذها الفقهاء؟ من تتبع هذه الآيات، أنه هي إحدى القواعد العظمى وأحد الأفكار الأساسية التي بني عليها التشريع أنه لا يجوز أن يكون الحكم الشرعي يورث الناس مهالك وإشكالات لا حلول لها.
الشريعة بنيت على التيسير وإيجاد مخارج، لكن في هناك أصول وضوابط، وليس كل شخص على هواه يقول لك لا خلص هي مشقة يلا نجلب تيسير، إنه المشقات أيضاً من الذي يحدد ضوابط المشقة؟ وما الذي يعتبره الشارع مشقة وما الذي لا يعتبره؟ أيضاً علماء الشرع الذين فهموا الوحي ومقاصده ومراميه.
ثم قال سبحانه وتعالى بعد ذلك نموذج تذكيري، اليهود هم أكثر من عبث بالشرائع الإلهية، تمام؟ فحللوا وحرموا على أمزجتهم وأهوائهم. فيقول سبحانه: ماذا كانت عاقبة اليهود لما عبثوا بالشرائع كنموذج؟ فقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: 146].
طبعا اختلف المفسرون ما المراد بكل ما هي كل ذي ظفر التي حرمها الله على اليهود؟ البعض قال: أن الله حرم عليهم أي الإبل وشابه الإبل مما يكون حافره وخفه ليس منفرجا بل يكون ماذا؟ كتلة واحدة من هذه الحيوانات كالإبل ونحوها. البعض قال: لا، كل ظفر المراد بها حرمنا عليهم كل أشكال السباع وكل أشكال الطيور التي لها مخالب، وإن كنت هذا التفسير لا أميل إليه؛ لأنه هنا في نوع من العقوبة، وتحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخرب من الطير هذا محرم حتى في شريعتنا.
فالذي يظهر لي أنه شيء متعلق بالابل وما شابه ذلك، كل ظفر من الإبل قد يكون شيء من الإبل والخيل والنعام كقالوا أيضا من هذه الأمور، فالله تعالى أعلم ما هو الذي كل الذي ظفر الذي يحرم عليهم، لكن الأقرب أنه من جنس بهيمة الأنعام، من جنس بهيمة الأنعام، والخلاف سيبقى: ما معنى الظفر هنا؟ المراد الخف والحافر الذي ليس بمنشق، ولا المراد الظفر المخالب هنا صار النقاش.
ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما، حرم الله عليهم أيضا شحوم البقر والغنم، واستثنى استثناء لهم تخفيفاً عنهم الشحوم التي حملتها الظهور، قال: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: 146]، يعني ايش؟ يعني الشحم الملتصق بماذا؟ بجلد الظهر تمام. أنت الآن لما تذبح البقرة والغنم كان في شحم بيكون ماذا على جلده الظهر، هذا الشحم الملتصق بجلده الظهر ما حملت ظهور اللي بيكون في منطقة الظهر هذه بالنسبة للإبل بالنسبة للبقر والغنم، عفي عن أو الحوايا اللي هو ايش الحوايا؟
الشحم أيضاً الذي كان مختلطاً بالمصاِِر والكرشات وكذا، هذا عُفيت عنكم له أو ما اختلط بعظم، كذلك لما تمسك عظمة عليها شوية لحم وشويه دهن، هذه الكمية من الدهن المختلطة بالعظم عُفي عنها. ما سوى ذلك من شحوم اللُّيَّات وما شابه ذلك، هذه حُرِّمت عليهم، فاللية وما وكل لحم عليه لية دسمة، هذه كانوا ممنوعين تماماً من أكلها.
طيب، لماذا فعل الله بهم ذلك؟ قال: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: 146]. الآن الهدف والله أعلم ما أفهمه من هذه الآية أنه هي رسالة لكفار قريش؛ أنه شايفين هؤلاء بنو إسرائيل لما عبثوا بتشريعات الله، فكانوا يحرموا على أمزجتهم ويحللوا على أمزجتهم، ربنا عاقبهم. ربنا عاقبهم في الدنيا قبل الآخرة فضيق عليهم في مطاعمهم ومشاربهم. وهذه عقوبة ليست فقط في زمن الأنبياء، بل إلى يومنا هذا أن كل من عبث بالشرائع الإلهية يضيق الله عليه حياته.
في الزمن نعم، في زمن التشريعات الإلهية كان في إمكانية للتضييق من خلال أنه ينزل وحي يقول: حُرِّم عليهم كذا وكذا. اليوم بعد انتهاء الوحي مش راح ينزل، يعني لن ينزل جبريل على شخص فيقول له: حُرِّم على هؤلاء كذا وكذا جزاءً وفاقاً لأنه حرم، لكن ضيق الله حياته قدراً، فالتضييق يكون من خلال الشرع وقد يكون من خلال القدر. فالتضييق هنا على بني إسرائيل كان تضييقاً من خلال الشرع؛ أنه جعل من شريعتهم ألا يأكلوا الشحوم.
طيب، لماذا شدد عليهم في شريعتهم؟ قال: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: 146]. ولذلك كان من معالم ملة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم. كانت شريعتهم ثقيلة، لكن هذا الثقل لأنهم ثقلوا على أنفسهم وجادلوا أنبياءهم وعبثوا بشرائع الله فشدد الله عليهم. فشدد الله عليهم فحرم عليهم كل ذي ظفر، لذلك قال: كل ذي ظفر بده يكون شيء يؤكل ومن طبيعته أن يؤكل، لكن منعوا منه عقوبة. لذلك أنا استبعدت ما ذكره الرازي قضية التحريم كل ذي ناب من السباع وكذا، الذي يظهر -لأنه الله أعلم- شيء متعلق بالإبل والخيل وهذا الجنس.
ولذلك قال بعدين: البقر والغنم حرمنا عليهم الشحوم وضيقنا عليهم ما يأكلون، ذلك جزيناهم ببغيهم. البغي هنا تطاولهم على الشرائع، أنهم بغوا على شرائع موسى وشرائع الأنبياء. قال: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: 146].
هنا ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: 146] نحتاج أن نعرف متعلق الصدق، صادقون في ماذا؟ الاحتمال الأول: وإنا لصادقون أننا نجازي الناس ببغيهم على الشرائع؛ لأنه هي في هي الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا﴾ [النحل: 146]، هي لغة تهديد، هذا يسمى هو يهدد من يعبث بالشرائع أن يصيبهم ما أصاب بني إسرائيل عندما عبدوا بشرائعهم تمام. فبيقول: وإنا لصادقون، يعني كم تفكروا أنه هذا التهديد لمن يعبث بالشرائع أن نضيق عليه دنياه وآخرته، أنه هذا مجرد وعد لا ينفذ أو وعيد لا ينفذ. وإنا لصادقون، يعني صادقون فيما نوقعه بالوعيد على العابثين بالشرائع. هذا أحد المتعلقات.
يمكن أن يكون المتعلق: وإنا لصادقون فيما نخبر به عن بني إسرائيل في هذه الآية، أنه هي الآية التي أخبرناك فيها يا محمد صلى الله عليه وسلم أنت في مكة، نحن صادقون واذهب إلى بني إسرائيل فاسألوهم. وهذا أيضاً قوي المعنى، ليه؟ لانه ممكن كفار قريش الآن هم في مكة مع النبي عليه الصلاة والسلام فيقولوا: يا محمد صلى الله عليه وسلم من أين عرفت أن الله حرم عليهم الشحوم وانت أمي لا تقرا ولا تكتب ولم تختط؟ فهو يقول: وإنا لصادقون، روحوا اسألوا بني إسرائيل اسألوهم: هل حرمنا عليهم كل ذي ظفر وهل حرمنا عليهم الشحوم؟ حتى لا تقولوا أن محمداً صلى الله عليه وسلم يتقول من عنده قصص عن بني إسرائيل، هذا الخبر صادق روحوا اسألوه، فهذا محتمل آخر أن يكون ماذا متعلق للصدق.
فإن كذبوك، شوف هيك الختام مع البداية: وإنا لصادقون فان كذبوك. وهي فان كذبوك سواء كذبوك فيما أوعدت به من التهديد أن من يعبث بالشرائع يضيق الله عليه، فان كذبوك في هذا الوعيد أو كذبوك فيما أخبرت به عن بني إسرائيل وقالوا: هذه قصة أنت اختلقتها.
الآن خلص في شخص معين لمرحله معينة مع كثرة بتوعده، بتهدده، بتنبهه، بتوقذه، بس في النهاية خلص، يعني في النهاية أعطيتك مساحتك. قال: ﴿فَإِن كَذَبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: 147]. إياك أن تغتر بحلم الله، يعني لا تستخف بحلم الله. فقل رب يعني صح ربكم ذو رحمة واسعة، ورحمة سبقت غضبه، لكن أحذر من غضب الحليم؛ لانه البعض سيقول ما مورد الرحمة هنا؟ هي مورد الرحمة هنا هي لغة تهديد أيضاً، أنه لا تغتر بسعة رحمة الله يا أيها العاصي، لا تقول والله ربنا رحيم وهي أنا أخطأت مرة ومرتين وعصيت وعصيت وما زal الله يمهلني ويعطيني على معاصيه ولم يحرمني، ترى ربنا نعم ذو رحمة واسعة صحيح لا شك في هذا، ولكن ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين، فهو يريد أن يحذرهم من الاستخفاف برحمة الله وأن الله يمهل ويعطي، وما أحد أحب إليه العذر من الله، لكن إياك يا من تعبث بالشرائع أن تستهين وتقول: مشت ويلا هي زرقت وهي كذا، إذا الله عز وجل أخذ الظالم أخذة فلم يفلت.
آخر حرج المشركين في موضوع هذا التحريم والتحليل وفي عموم شركهم وتصرفاتهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 148]. الشماعة الأخيرة التي يتكئ عليها هؤلاء المفسدون العابثون بالشرائع بعد أن تواجههم بكل هذا الخطاب المليء بالعزة. أنت متخيل أن هذا الخطاب النبي صلى الله عليه وسلم في زمن الاستضعاف في مكة يخاطب به أهل الباطل؟ شوف الخطاب كله مليء بالعزة، الوحي اتباعه أحذر أن تحرمه لا تعبث بالشرائع، ما في وهن ما في مساومات على منتصف الطريق، ما في خرص يا جماعة عشان في زمن الاستضعاف شو رايكم نتنازل على نص الدين مشان يرضوا عنا؟ نص الدين لهم، ما هي الحياة كذا يعني بدها شويه تنازلات وبدها كذا. لا، هذا كله خطاب مليء بالعزه والفخر للمسلم؛ أنه نحن في زمن الاستضعاف في مكة نصرح لهم أن مصدر التلقي هو الله وأن الشريعة الإلهية لا مساومة عليها. وهذا يعطيك أن هذا هو الخطاب، قد لا استطيع أنا أن أطبُق الشريعة في الواقع تماماً لأني مستضعف، لكنني أعلن بها. وهنا فرق بين الإعلان الذي لابد وأن يبقى قائماً بالشريعه وبالانتماء لها وعدم المساومة عليها، هذا اسمه الإعلان، أنه أنا هذه النتيجة التي أريد الوصول إليها الآن.
في الواقع، معطيات الواقع، هل أنا أستطيع أن أنفذ كامل الشريعة؟ لا، هنا أنت تتعلق بقاعدة: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. فالامر هو أن نكون في كل أمورنا مع الوحي، لكن قد لا أستطيع في مرحلة معينة بسبب تسلط هذه قضية أخرى تعالج في أروقة السياسة الشرعية. لكن أنت هنا لابد أن يبقى الاعلان العام قائماً؛ أي بالانتماء لهذه الشريعة وعدم المساومة عليها.
فإذا جاء المشركون ماذا سيقول المشركون؟ سيقول الذين أشركوا كشماعة أخيرة كما قلنا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 148]. يعني كل ما فعلناه، كل ما فعلناه قدر. الاستدلال بالقدر، وهذه كان بسميها ابن تيمية وابن القيم: الحجة الإبليسية؛ أن الإنسان يفعل المعاصي والذنوب، فأنت أول شيء ايش بتُبلش تناقشه أنه يا اخي هذا اللي بتعمله حرام وما بصير كذا وكذا وكذا، فهو بصير أول شيء يحاول ايش يشرعنها: لا مش حرام وفي كذا وكذا وفي لي مخرج. فبعد ما تحشره في الزاويه وتثبت له: لا حرام وهي النص وهي الدليل وهي البرهان من الكتاب والسنة على تحريمه، شو بيعمل حتى يفر من لزاويه أخرى في الغرفة؟ ايش بقول لك؟ يا اخي ربنا كتبها علي، خلص ما بدك تناقشني، يعني قدر الله ما شاء بعمل هي المعاصي. والله لو ربنا عز وجل ما بدو إياني أفعل هي المعصية الزنا أو شرب الخمر أو الكلام مع النساء أو شيء لو ربنا ما بدو إياه نعملها لكان ايش ما عملتها. هذا هروب، بعد ما أثبت لهم أن الوحي بيقول هيك وهيك أن ما لك مجال إلا تتبع الوحي إذا كنت بتناقش واحد، أنت هنا حشرته في زاوية، فبده يكون ملاذه الأخير حتى يهرب منك في النقاش ما هو؟ أنه ربنا هو اللي شاء إني أعمل هذه المعصية. الاستدلال بالقدر على معصيته لله أو على فسقه أو على فجوره أو على ما يفعله.
شيخ هذه الآية بتتوافق مع كثير ناس بتخش في الخنزير بقول لك: لولا أن الله خلقه ليش يحرمه؟ أحسنت، برضه الاستدلال بالقدر أن ليش ربنا خلق هذا الشيء فلماذا يحرمه؟ أحسنت، تمام. بس السياق في الآية الكلام عن الفعل الشخصي، هو الكلام مش عن الذوات، كلام عن أفعالهم أنهم يقولون: ما فعلناه من الشرك وما فعلناه وما يفعله آباؤنا أيضاً من الشرك وما فعلناه من تحريم الأنعام والحرث وهذه لأزواجنا مش لأزواجنا، كل ما فعلناه كان بمشيئة الله.
ولو شاء الله عز وجل ايش كان منعنا منه، فاستدلوا بالمشيئة على الرضا الله. يعني ايش بقولوا؟ مش ربنا شاء أن نفعلّه إذا هذا دلالة على أنه ايش راضي عنه؟ أنه نحن كان نقاشنا الأول معهم ايش إخواني؟ أنتم اللي بتعملوه خلاف الشرع خلاف كذا، يا عمي ربنا عز وجل هو حقيقة التحريم. فهم الآن بدهم يفزعوا لجانب القدر فيقولون أنه: لو شاء الله ما أشركنا وما حرمنا، فما دام أنه شاء قدراً أننا أشركنا وحرمنا، إذا الاستدلال بالمشيئة القدرية على المشيئة الشرعية فقالوا هذا دليل على أنه رضي وأحبه.
ولذلك كانت هذه الآية تعتبر خطيرة في نقاش ابن تيمية مع بعض الطوائف التي تستدل بماذا؟ على أن كل ما شاء الله كونا وجوده فهو محبه ويرضى به، وهذه فكرة خطيرة جداً موجودة عند بعض الفرق الإسلامية أنها تعتقد أن أي شيء أراد الله وجوده كونا فهو أحبه ورضيه. فاليوم حربهم على غزه شاء الله وجودها كونا إذا الله أحبها ورضيها، شوف الفساد الكبير في العقائد! وكل معصية وجدت في الوجود كزنا فلان وشرب فلان للخمر ما دام الله شاء وجودها إذا هو أحبه ورضيه والعياذ بالله، هذه فكرة إبليسية خطيرة وتوجد للأسف في بعض معتقدات الفرق الإسلامية اليوم: الاستدلال بوقوع الشيء قدرا على محبة الله له ورضاه وأن الله راضي عنه. احذر من هذه الحجة، احتج بها أول من احتج بها المشركون هنا استدلوا أنه: لو شاء الله ما أشركنا، فلما أشركنا وآباؤنا وحرمنا إذا هذا دليل على أنه رضي وأحبه.
فكيف يكون النقاش مع من يستدل بالقدر على ما يفعله؟ يقول سبحانه: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: 148]. ترى يعني حجة قديمة قدم التاريخ يا كفار قريش! كيف تيجي واحد بيعطيك حجة أنت سامعها قبل 20 سنة ليش تقول له ايش يا زلمة هذه الحجة صار لها 30 40 سنة بتنحى فيها وكل اللي حكوها شايفهم في القبر قاعدين يعني في عذاب القبر مع منكر ونكير، شوف لك غيرها!
كذلك كذب الذين من قبلهم، نفس الحجة استعملوها، استدلوا على صحة ما فعلوا بالمشيئة الكونية. يعني هذا منهج مستمر لأهل الباطل الاستدلال على أنه ما فعلوه صح بأنه ايش؟ بأنه هذه ما دام الله شاء وقوعه إذا هو بحب الشيء ويحبه ولا ما شاء وقوعه. هم بفكروا أن ايشء الشيء اللي ربنا ما بحبه لازم لا يشاء وجوده كونا ولا قدرا! هي مغالطة ضخمة في باب القضاء والقدر. باب القضاء والقدر عقيدة أهل السنة أن الله يشاء وجود أمور لا يحبها ولا يرضاها، أن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر مع أنه أوجده كونا، صح لا يرضى عبادة الكفر ما بحبه ولا يرضى الكفر، ومن قال أن الله يرضى الكفر ويحبه فليراجع دينه. لكن هل شاء وجوده كونا؟ هل شاء وجود أبو جهل وأبو لهب ووجود الفاسدين قديماً وحديثاً؟ نعم، فنقول وجودهم لا يعني أن الله رضي عنهم وأحب أفعالهم، وإنما وجودهم لحكمة: ليميز الله الخبيث من الطيب، ولتكون معركة بين الحق والباطل إلى غير ذلك.
فيقول الله إذاً: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: 148] بنفس الفلسفة وبنفس الاحتجاج احتجت الأمم السابقة، احتجوا بالقدر على الرضا، حتى يعني وأنبياؤهم فهموهم وأقنعوهم أن هذا غلط الاحتجاج يا عمي ما بيزبط، ظلهم متمسكين بأرائهم حتى ذاقوا بأسنا حتى نزل بهم عذاب الله الشديد.
فالسؤال: ﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام: 148]. كيف عرفتوا أن الله عز وجل رضي عن هذا الشيء وأحبه بناء على فعلكم له؟ يعني هل عندكم علم مسبق بهذا فتخرجوه لنا؟ هذا هو السؤال، هل عندكم علم مسبق بأن الله رضي عن هذا الشيء وأحبه فلذلك أذن كونا بوجوده؟ عندكم علم؟ أعطونا، وين جبتوا أن وجود الشيء قدراً يدل على محبة الله له شرعاً؟ عندكم العلم؟ ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: 148]. كل هذا عبارة عن ظنون لا تقوم على أدلة وبراهين. والظن المذموم في القرآن هو الظن الذي يكون بدون أدلة، الظن الذي يتولد نتيجة الأدلة لا إشكال فيه، فجاء كثير من الأحكام الفقهية ظنية. لكن الظن الذي ينهى عنه القرآن ويدم أصحابه الظن الذي يقوم على الهوى؛ أنك هيك تفكر بشغلة بدون ما تمتلك أي معايير وأي قواعد.
وأي أدلة تسوقك إليها؟ قال: ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾، في هذا الكلام يعني الذي تقولونه الاستدلال بالمشيئة على المحبة وما أنتم إِلَّا تَخرُصُونَ، تكذبون، خرص كذب. ﴿قُلْ فَلِلَّهُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾. الله له الحجة عليكم، وليس لكم أن تحتجوا بمشيئة الله على رضاه. الله له الحجة البالغه، وهو أنه سبحانه وتعالى خلقكم بشرا، لكم سمع وبصر وعقل وقلب، وأنزل عليكم شرائع، وأعطاكم إرادة تفكرون من خلالها وتختارون من خلالها.
وأنتم في أي اختيار اخترتموه، سواء خيار الخير أو خيار الشر، أنت لم تفتح القدر لتعرف ما الذي شاء الله كونا، ولا أصلا أنت قرارك أن تعصي هو بناء على إرادتك؛ أنت رحت على صندوق القدر فتحته، أه، وجدت الله كاتب علي أني أعصي بعد ساعة رح أروح أعصي؟ لا، هو أنت بارادتك اخترت المعصية، فلما وقعت عرفنا أنه شاء وجودها كونا. ما في واحد لما يتخذ قرار أو شيء من خير أو شر بيكون عارف شو المكتوب، ومن ادعى علم الغيب فقد كفر. ما حدا بيعرف شو في القدر، أنت بتختار لأنه ربنا معطيك إرادة ومعطيك هذا، لكن بعد ما يقع الاختيار وتفعل، إيه والله بنعرف إذا الله كان في القديم قدر له أن يفعل ذلك. فيقول: ﴿قُلْ فَلِلَّهُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾.
تمام، قل فلله الحجه البالغة، هم كانهم يحتجون بماذا؟ قال: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. كانهم يقولون لو أننا نفعل فعلا، يعني كانه لأنه هنا في كانه نقاش ضمني، هم ماذا يقولون؟ يقولون كفار قريش -تخيلوا هيك كلام هذا كفار قريش- لو أننا حرمنا هذه الأشياء وأشركنا والله لا يشاء ذلك؟ لا يشاء ذلك؟ اليس نحن قد قهرنا الإله ويكون الإله عاجزا ضعيفا؟ مو هيك الآن سياق الحجة رح يصير؛ إذا قلت لهم إن الله شاء ذلك كونا نعم، ولكن لم يشاه ولم يرضاه شرعا. وماذا سيقولون لك من باب يعني استكمال حجتهم المشركون؟ سيقولون الدليل هم يقول الدليل على أن أفعالنا بمشيئة الله -هم يريدون أن يستدلوا أكثر وأكثر على أن أفعالنا بمشيئة الله- إيش يقول؟ لو لم تكن أفعالنا بمشيئة الله وإنما كانت بمشيئتنا واختيارنا، وأن مشييئة الله لم تكن موجودة، لكنا نحن قهرنا الإله. تخيل أن مشيئة العبد تنفذ على مشيئة الإله، مش هذا ضعف الإله؟ هذا لا يصلح أن يكون إلها.
فكانهم يقولون الدليل على أن أفعالنا من الشرك والتحريم بمشيئة الله، ما هو الدليل؟ أنها لو لم تكن بمشيئة الله القدرية، وإنما فعلناها نحن باختيارنا، لنكون ايش؟ نكون قهرنا الله عز وجل والعياذ بالله، ولكان الإله ناقصا. فهذا يؤكد أننا ماذا؟ أن كل ما فعلناه بمشيئة الإله. فماذا الجواب لهم؟ كيف تجيب عن هذه الحجة؟ نقول لهم صحيح، الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يخرج شيء عن مشيئته؛ كلامكم صح كمقدمة أولى، أنه ليس لكم أنتم مشيئة مستقلة، بمعنى أنكم فعلتم بمشيئة دون تدخل مشيئة الله السابقة، لكن هذا لا يعذركم.
فإن الله سبحانه وتعالى كان قادرا أيضا بمشيئته أن يجعلكم، كما قلنا، مؤمنين مصدقين موحدين؛ مو هو كان قادر أن يفعل ذلك؟ لكن هو سبحانه وتعالى، فلاحظ عبارة ﴿قُلْ فَلِلَّهُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. ليش هنا قال: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾؟ لأنه هم ايش بقولوا؟ ركز، هي فكرة الحجة بدك ترتب أفكارها؛ هم يريدون أن يستدلوا بماذا بالمشيئة القدرية على الرضا عن الفعل، صح؟ فأنت شو بتقول لهم؟ فهم شو بيقولوا؟ بيقولوا الدليل أن الله شاء أفعالنا أنه لو لم يشأها لكنا نحن شئناها. طيب إذا نحن شئناها دون تدخل مشيئة الله، إذا نحن قهرنا مشيئة الله، إذا أكيد أفعالنا ربنا شاءها، المقدمة الأولى. طيب إذا ربنا شاءها، إذا رضيها، أه.
نحن بنقول المقدمة الأولى ما عندنا مشكلة معها، أنه نعم، لو كانت مشيئتكم منفصلة عن مشيئة الله وانه ربنا ما تدخل في أفعالكم، لكان هذا نقص في الإله، لكن أنتم لوين بدكم توصلوا بهذا الكلام؟ بدكم توصلوا بهذا الكلام للمقدمة الثانية، وما دامت أفعالنا بمشيئة الله، إذا الله رضيها وأحبها، فليش تنكرون علينا فيها؟ بقول لا، من قال لكم إنه إذا شاء الله فإنه رضيها وأحبها؟ ترى لو شاء الله عز وجل لجعلكم أيضا مسلمين كالطرف الآخر. طيب، هل إذا هون اللي بيصير الاستدلال المنطقي: طيب، لو كنتم الآن لو شاء الله أنك تكون مش مع هذا الصف، مع صف محمد صلى الله عليه وسلم، وهداكم إليه، مش هذا أيضا سيكون مشيئة الله على طريقكم في التفكير؟ الآن المؤمنين مع محمد صلى الله عليه وسلم، مش هذول أيضا بمشيئة الله؟ إذا بر، وهؤلاء ايش؟ يحرمون ما تفعلونه ويجرمونكم، إذا اليس هذا ربنا شاءه، إذا أحبه ورضيه؟ فهل يمكن أن الله يحب ويرضى بالنقيضين؟
بدي ارجع أرتب الفكرة أنه هي حجة قل فلله الحجه البالغة هي حجة بالغه بالغه عالية جدا، أنه انتم الآن بتستدلوا بالمشيئة على الرضا، طيب، وجود محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه مقابلكم مش بمشيئة الله؟ إذا برضه إذا ربنا ايش رضيه؟ والنبي عليه الصلاة والسلام الآن شو بيعمل؟ عم بينكر عليكم أنكم حرمتم وحللتم من عندكم، مش هذا صار؟ اه والله صار! إذا هذا شاء الله، صح؟ إذا برضه رضي الله عز وجل أن ينكر محمدا صلى الله عليه وسلم عليكم ما انتم فيه من تحريم ما أنزل الله. أنت شو؟ أنت تعجته، لأنه هو عم بيستدل بالمشيئة على الرضا. بتقول طيب ما هو الطرف الآخر برضه أفعاله اللي بيفعلها ضدك ما هي بمشيئة؟ مش المشيئة هي المشيئة لك مش له. تمام، ما أنت بتؤمن بالمشيئة دائما، إذا هو برضه أفعاله بمشيئة، ومن أفعاله إنه ينكر عليك وانه يؤنبك، وعم بيقول لك اللي بتعمله حرام، مش هاي أفعال الطرف الآخر، وهو محمد صلى الله عليه وسلم وجنده؟ إذا مش هذه مشيئة، وأنت بتقول إن المشيئة دليل الرضا، إذا الله رضي على النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه أن ينكر عليك.
فاذا، إذا الاستدلال بالمشيئة على الرضا رح يعمل عندكم ايش؟ تضارب، لأن الله شاء الخير وشاء الشر، فهل نقول إنه مشيئة للشر دليل أنه يحبه، ومشيئة للخير دليل أنه يحبه؟ موصح يصير هيك تناقض، صح ولا لا؟ شاء أنه أنا، عفوا، شاء أنه شخص يشرب الخمر، وشاء أنه يأتي حاكم يعاقبه، فهو أحب على كلامكم أحب وجود شرب الخمر، وأحب أن يعاقب هذا الرجل على شرب الخمر، يعني صارت الأفعال كلها متناقضة كذا، صحيح يحب الشيء ونقيضه، يحب الشيء وضده، يحب أن تشرب الخمر ويحب أن تعاقب عليه. هكذا ما في أحد. فاصبحت هي حجة بالغة، أنه كيف تقولون إن الله إذا شاء شيئا فقد رضي عنه وأحبه؟ أليس هذا يؤدي إلى تناقض في الوجود البشري؟
فلذا قال، فلا تستدلوا بالمشيئة على المحبة، فلو شاء لجعلكم جميعا من ماذا؟ من المؤمنين، ولكنه سبحانه خلق البشر فشاء أن بعضهم يفعل الخير وبعضهم يفعل الشر، وبعضهم يكون في فسطاط وبعضهم يكون في فسطاط آخر، مع أنه قادر سبحانه وتعالى بمشيئته لو شاء أن يجعلهم جميعا في فسطاط واحد. ولو شاء لجعل البشرية كلها في فسطاط واحد. فخلقه للخير والشر، للمعصية والطاعه، للاهل للباطل الذين يقاتلون من يجاهدهم من المؤمنين، خلقه لهذه الأشياء إنما خلقها وشاء وجودها لحكمه، لكن ليس كل شيء وجوده إذا هو يحبه ويريده شرعا ومحبه ورضا. فهذه قضية مهمة جدا في الاستدلال في هذا المقام، لأنهم يقول: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾. إذا أنتم تستدلون بالمشيئة على القبول والرضا، وأن اللي بتعملوه صح. طب ما في عندكم مقابل عم وجهكم ضدكم، وبله مشيئة الله شاء وجودهم وشاء أن يقاتلوكم، إذا برضه اللي بيعملوه صح، وعم واجهوكم صح، وأحبه الله ورضيه. إذا هاي الطريقة في التفكير ستؤدي إلى تناقض.
فلا تستدلوا بمشيئة الله، يعني لا تقولوا لو احنا شئنا لو كان الله لا يتدخل ونحن شئنا الذنوب والمعاصي وحدنا، إذا نحن قهرنا الله سبحانه وتعالى. لا، هو الكلام الصحيح أن تقول ماذا؟ أن الله سبحانه وتعالى أعطانا إسماع وبصر وكذا وكذا وكذا وكذا، وأنه سبحانه منحنا عقول لنختار، ثم هو سبحانه شاء وجود مؤمنين وشاء وجود كفار. فلا يستدل بالمشيئة على أن الفعل بحد ذاته صح أو خطا يحب أو لا يرضى، النتيجه أنه هذا الفعل صح أو خطا يحب أو يرضى، هذا من الشرع وليس من القدر، هذا من الشرع وليس من القدر. فهذا معنى: ﴿قُلْ فَلِلَّهُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾، وهي قضية في اعتقاد قضية التناقض والتضارب الذي سيحصل في حججكم يا أيها المشركون. تصبح حجة دامغة تورطك: ﴿فَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى لشاء أن يجعلكم جميعا في مركب واحد ويهديكم جميعا لما يريده، لكن لما خلقكم متعارضين دل هذا على أن الصح من الخطا لا يؤخذ من القدر، ولكن يؤخذ من أين؟ من الدليل الشرعي.
هي فهمتوها النقطة الأخيرة؟ هو يقول لهم: فلو شاء، يعني الله عز وجل خلقكم ايش متعارضين؟ جند صلى الله عليه وسلم وصحبه وهذه بالمشيئة، وجند أبو جهل وصحبه وهذه بالمشيئة أيضا، ويستحيل أن يكون أحب وجود هؤلاء ويرضى عنهم وهم يقاتلون هؤلاء، وأحب وجود هم يقاتلون. لازم في شيء صح وفي شيء خطأ، صحيح؟ ﴿فَلَوْ شَاءَ﴾ يقول: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، وكنتم كلكم في صف واحد، لكن لما خلقكم متعارضين في وجه بعضكم البعض، إذا لا يمكن الاستدلال بالمشيئة على الصح. المشيئة القدرية لا تستدل بأن الفعل صح أو خطا، وإنما يستدل أنه الفعل صح أو خطا بايش؟ بدليل الشرع.
لأن قال: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. شوف هذا التفريع، أنا بدي إيك تفهم شو وجه التفريع هنا، أنهم عم بيستدلوا، ركز بالمشيئة، على الصوابية، فيقول طب هناك طرف آخر مقابلكم، خليهم برضه إذا هم سيستدلون بالمشيئة على الصوابية، فأصبح هناك تداخل وتعارض، طيب شو الصواب؟ أصبح كذا، إذا المشيئة هي دليل الصوابية، شو الصواب؟ فبقول لهم هذه حجة بالغة عليكم في المنطق العقلي مش راح تلاقوا لها حل، أنه لا يمكن أن تستدل على صوابية الشيء بوجوده قدرا.
ممتاز، فما هو الحال؟ قال: ﴿فَلَوْ شَاءَ﴾ والدليل على الحجة البالغة: لو شاء الله عز وجل، لو كان القدر هو دليل المحبة، لكان المفروض من الإله أنه ايش؟ لو كان المشيئة دليل المحبة، لكان المفروض من الإله أنه ايش ها؟ أن يخلقكم جميعا مؤمنين، لأنه هذا هو الذي يحبه. لا، يعني خلي قال: ﴿لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ إليه، يعني خليه لو كان المشيئة هي دليل المحبة. السؤال الذي أنتم توافقون عليه كفار قريش، ما الذي يحبه الله؟ أن نكون على ما يريد، صح؟ يعني هم كفار يوافقوننا، ما الذي يحبه الله؟ أن نكون على ما يريد، صح؟ لو كان القدر دليل المحبة، لخلقنا الله جميعا على ما يريد؛ لأنه عندئذ، مش أنتم تقولون القدر دليل الرضا عن الشيء والمحبه، إذا لجعلنا جميعا على ما يريد؛ لأن ما يريد قدرا خلص هو الذي يحبه بناء على التلازمية هي.
فلو شاء هي تفريع على التلازمية اللي هم عندهم. هم، شوف هاي المساله أنا في اعتقادي جدا دقيقة وجميلة وقوية، أنه انتم تجعلون المشيئة الكونية دليل المحبة. طيب، ما الذي يحبه الله؟ أن يهدى الناس إليه، وأنتم يا كفار ليش متفقين معنا في هذا؟ (وهي بحكوا أنه الله يحب أكيد أن يهدى الناس إليه). ممتاز، إذا كان المفروض بناء على كلامكم أن يكون الناس جميعا أن يشاء الله أن يكونوا جميعا مؤمنين، لأنه إذا كانوا جميعا مؤمنين عندئذ سيحصل محبوبه، فكيف خلق الله إذا الناس مؤمنين وكافرين؟ إذا الاستدلال بالمشيئة الكونية على أن الشيء يحبه الله غلط، ما بيزبط. عرفتم؟
فلذلك نقول فلله الحجة، حجة، الحجة دامغة هاي، لأن تستدل بوجود الشيء قدرا على محبة الله له شرعا، خطا تاريخي، لأن الله شاء الشيء وضده، فلا يمكن أن يحب الشيء وضده. هاي من المستحيلات العقلية، اجتماع نقيضين أن يحب الشيء وضده، فاذا كان، ولو كان هكذا الأمر أن يستدل، لو كان حق الأمر أن يستدل بالمشيئة على المحبة، إذا لكان ينبغي إلى الإله، حتى لا يقع في التناقض، أن يخلق الناس جميعا في مركب واحد حتى لا يحصل التناقض في فعله، أن يحب شيء وضده. فهمتم؟ ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، وهيك ما رح يكون أبدا في تناقض ولا في أي اضطراب؛ لأنه المشيئة دليل المحبة، لكن لما خلقكم لم يشا أن تكونوا على قلب رجل واحد، فجعلكم مؤمن وكافر، معاصي ومذنب، عرفنا أننا لا نستدل بالمشيئة على صوابية الفعل، ولا على رضا الإله، بل يطلب طلب صوابيته من الأدلة الشرعية. ﴿قُلْ فَلِلَّهُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾.
شفت كيف التفكير والتحليل والجواب الدامغ الذي لا يخرج عنه هؤلاء؟ نكتفي بهذا القدر ولا نقرا، نقرا الآية الأخيرة مرتبطة أظنها بالموضوع؟ لا خلص، الآية القادمة بدها شرح وبسط ووقت صلاة المغرب مقدم إن شاء الله. صلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل