الحمد لله حمداً، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى. وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاةً تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. حياكم الله أيها الأكارم في مجلسٍ جديدٍ من مجالس الوحيين حيث ننهل من هذا المعين العذب من كلام ربنا سبحانه وتعالى ومن سنة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
وما زلنا نعيش مع هذه السورة العظيمة، سورة الأنعام، المؤسسة للعقائد، المؤسسة لمنهج الدعوة، المؤسسة لطريقة الخطاب، المؤسسة لكثير من القضايا التي تحتاجها الأمة وشباب الأمة في أزمنة الاستضعاف بالتحديد. وكيف يكون الخطاب والتعامل مع أهل الباطل، وفي نفس الوقت كيف يفكر أهل الباطل. وهذه قضية مهمة جداً ولعلها تأتي معنا اليوم بقوة وهي كيف يفكر أهل الباطل وكيف يتم ترويج باطلهم وما هي الزخارف التي يصنعون من خلالها أفكارهم ومعتقداتهم؟ لأنه هذا أكثر ما يوقع الشباب اليوم هو أنه يروج عليهم كلام أهل الباطل ويعظمونهم ويظنون أنهم على شيء، ولكن إذا نظرت في واقع الحياة وفضحتهم وكشفت واقعهم وجدت أنه واقع مهترئ ساقط من الناحية العقدية والعقلية والقيمية والأخلاقية.
وصلنا إلى قوله تعالى -وهذه آخر آية علقنا عليها في الدرس الماضي-: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْشْتُم مِّنَ الْإِنسِ﴾ [الأنعام: 128]. علقنا عليها، آخر آية هي: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: 130]. في هذه الآية كما قلنا، الله سبحانه وتعالى يعاتب الجن والإنس على طغيانهم وعلى استبدادهم وعلى العبث وزخرف القول والمؤامرات التي فعلوها في هذه الحياة الدنيا. ويبين الله سبحانه وتعالى أن الحجة قامت على هؤلاء.
وهذه الحجة إنما قامت -الحجة التي يعذب الله بها العباد، وهذا من فضل الله ومنته- أن الحجة التي يعذب الله بها العباد ويوقع ويعاقبهم بناءً عليها هي حجة الشرع. نعم، الله عز وجل رزقك فطرة تقودك إليه، رزقك عقلاً يوصلك إلى التوحيد، لكن مع كل هذه الأدلة إذا لم تقم عليك الحجة الرسالية ولم تأتك رسل من عند الله تبين لك الدين الذي يريده الله، فهو سبحانه وتعالى لا يعذب الناس بناءً على مقتضى الفطرة والعقل، وإنما يحاسبهم على مقتضى ماذا؟ مخالفتهم للرسل ولما وصل إليهم من أتباع الرسل. ولذلك إذا بنلاحظ، الملائكة مثلاً هنا -إذا بنقدر السياق- الملائكة تخاطب الجن والإنس، ماذا تقول لهم؟ ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ [الأنعام: 130].
إذاً الملائكة هنا لم تقل للجن والإنس: ألم تكن لديكم فطرة تقودكم إلى الله؟ ما قالت لهم: ألم تقودكم عقولكم إلى إثبات الشارع سبحانه وتعالى ووحدانيته؟ مع أن الفطرة والعقل كله يثبت وجود الشارع ووحدانيته. لامتهم على القضية الختامية وهي التي بناءً عليها يكون الحساب والعقاب، وهي مخالفة الرسل. قال سبحانه وتعالى في سورة الإسراء: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: 15]. هذا فضل من الله أنه لا يحاسبك على مقتضى دليل الفطرة ولا على مقتضى دليل العقل، وإنما الحساب والعذاب والعقاب على ماذا؟ على مقتضى دليل الشرع، اللي هو قيام الحجة الرسالية عليك.
ولذلك اللي ماتوا قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام ولم تقم عليهم الحجة، يعني ما كان وصل إليهم معالم ملة إبراهيم، هؤلاء ماذا يسمون في علم العقيدة؟ أهل الفترة. وهؤلاء أهل الفترة جماهير المحققين على أنهم لا يعاقبون يوم القيامة حتى ينشأ لهم اختبارٌ خاصٌ بهم، لأن الله سبحانه وتعالى لا يعاقب الناس على -كما قلنا- مقتضى دليل العقل أو دليل الفطرة، بل يعاقبك عندما تبلغك الحجة من الرسل وأتباع الرسل ثم ترفضها ولا تنصاع لها. فلذلك هنا الخطاب والتأنيب للجن والإنس كيف كان؟ ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ﴾. لاحظ ما تكلم بالعقل والفطرة مع أن العقل والفطرة تدل، لكن حاسبهم على ما يستوجب العذاب وهو مخالفة الرسل. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾.
طبعاً هنا، هل يعني البعض ناقش في هذه المسألة كاستطراد، هل معنى منكم أن كان هناك رسل من الجن وأن هناك رسل من الإنس؟ لأنه قال: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ [الأنعام: 130]. لكن نقلوا الإجماع والاتفاق على أن الرسل لم تكن إلا من الإنس. وأن الله سبحانه وتعالى كان يرسل رسولاً للإنس فيخاطب الجن معهم. أما الجن أنفسهم لم يكن منهم رسل، هذا نقل عليه الإجماع أو نقل عليه الإجماع كثير من أهل العلم. ولذلك تكون منكم على جهة التغليب، والمراد منكم يعني يا أيها الإنس. فتكون منكم أي يا أيها الإنس. نعم، يعني جميل كتفكير، لكن في القرآن مفهوم الرسل إذا أطلق المراد به هم الرسل الذين يوحى إليهم، وليس مجرد الدعاة. مفهوم الرسل في القرآن هو الرسل الذين يوحى إليهم في هذه السياقات، تمام؟ ﴿رُّسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ [الأنعام: 130].
إذاً جاءك الرسول وقص عليك الآيات وأقام عليك الحجة الرسالية وأنذرك لقاءً، قال: ﴿وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا﴾ [الأنعام: 130]. فهنا ما كان لهم مجال للمواربة ولا للهروب من الحقيقة التي أصبحت متكشفة أمامهم، قالوا: ﴿شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنفُسِنَا﴾ [الأنعام: 130]. يعني شهدوا على أنفسهم: نعم، جاءت الرسل وقرئت الآيات ونحن عاندنا وعصينا وكابرنا وواجهنا الإسلام والمشروع الإسلامي. فماذا أخبر الله عز وجل عن السبب؟ ما الذي يجعل الإنسان يقف في وجه الإسلام؟ قال: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: 130]. الدنيا كما قال كثير من المفسرين وهنا حب الشرف وحب الشهوات جعلتهم يقفون في المصف الخاطئ، لم يقفوا في صف الدعوة ولا في مصف الإسلام لأنهم توهموا ورأوا أن الإسلام سيسحب منهم شرف الدنيا، سيسحب منهم الرئاسات والشهوات والملذات.
فلما غرتهم وخدعتهم الحياة الدنيا وظنوا أنهم ماكثون فيها، وظنوا أن الدنيا كل شيء ولم يؤمنوا بلقاء الله يوم القيامة، هذا الاغترار هو الذي ساقهم إلى هذا المشهد الكئيب، ﴿وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: 130]. شوف الإنسان الذي يصارح حتى بالحقيقة، يعني يشهد على نفسه الكافر أنه كان كافر وأنه لا يواري ولا يحاول الهروب لأنه ما في مجال، خلاص أنت أمام الله عز وجل يوم القيامة. نعم، في بعض المنازل سيكون منهم موارب ويقول: ﴿رَبَّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23]، تمام؟ في بعض المنازل وقع في بعض الآيات أنهم سيحاولون أن يقولوا: إحنا ما أشركنا والله ربنا ما كنا مشركين. انظر كيف كذبوا على أنفسهم.
لكن في مقامات أخرى ومنازل أخرى يوم القيامة خلاص يعني بعد ما يجد -كيف الإنسان تجلس معه تحقق معه، أول مرة يبلش ينكر، صح؟ كذا: أنت كنت مع فلان؟ لا ما كنتش معه. أنت كنت معه؟ ما كنتش معه: والله ربنا ما كنا مشركين. بس شوي شوي يبلش يطلع لك: طيب مين هذا؟- خلاص يسقط في يدك. هكذا فكرة يوم القيامة بالتقريب يعني، أنه كما قال المفسرون في مواقف معينة يحاولون الجحود، لكن لما تكون البراهين أعمق ولما يفتح كتابه لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً، يجد أنه في الساعة الفلانية كنت ماشي مع فلان، رحت على ملهى ليلي ولا كنت في مقهى ولا كنت تنظر للحرام في غرفتك في منزلك، وبالساعة مكتوب وبالدقيقة. هذا شو بده ينكر؟ تمام؟ خلاص أسقط في يديه.
أسقطت في يديه الحقائق، فما في مجال إلا أن يشهد على نفسه أنه كان كافراً معانداً محارباً. طبعاً هذا الاعتراف لن ينفعه، يعني لا يظن أن هذا الاعتراف: آه والله أنا كنت فعلاً وكنت مخطئ وكنت على طريق الكافرين؛ أنت تعترف في الوقت الذي ذهب وانتهى. يعني هذا مش وقت ضائع، هذا ضاع وانتهى. أنت جاي تعترف الآن أنك كنت كافر، تظن هنا الاعتراف سيسامحك فيه رب العالمين؟ الله عز وجل يمهل لكن لا يهمل، ويعطيك مساحة ويمدك، لكن أنت لم تستيقظ في أي لحظة من اللحظات وبقيت مصراً على محاربة الدعوة والاستفاف الخاطئ.
فهنا يخبرنا ربنا سبحانه وتعالى أنه عادل بل متفضل، وأن هؤلاء لما وصلوا إلى هذه المرحلة الكئيبة في عرصات القيامة وهم يؤنبون على عدم متابعة الرسل هل ظلمهم الله؟ والله ما ظلمهم، لذلك قال: ﴿ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: 131]. ما معنى هذا؟ أن الله عز وجل يخبرنا هذا الموقف الذي يرى هؤلاء الجن والإنس سيرونه، ذلك إشارة إلى هذا الموقف السابق في الآية السابقة وكيف أن الملائكة عاتبتهم على عدم اتباع الرسل. هذا الموقف ﴿ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: 131] حتى تعرفوا مدى رحمة الله وتفضل الله أن الله لا يهلك القرى بظلم صدر منهم.
الآن كلمة بظلم، هذا المراد بظلم من البشر أو بظلم من الله؟ كلاهما محتمل حقيقة عند المفسرين، يعني يحتمل: ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم منه، أن الله لا يهلك القرى بظلم منه عندما يكون أهلها غافلون. ما المراد بالغفلة هنا؟ المراد بالغفلة عدم قيام الحجة الرسالية، وليس المراد بالغفلة أنه هو مش عارف أن اللي بيعمله خطأ، لا هو عارف أنه في ممكن سلوكيات خاطئة، ممكن يرى أن لكن لا يحاسبك الله عز وجل حتى تقام عليك الحجة الرسالية. فالغفلة هنا الغفلة عن الرسل والرسالات.
الاحتمال الثاني: أن يكون بظلم أي بظلم صدر منهم، ذلك الموقف الذي حكيناه في الآية السابقة لتعلموا أن الله لم يكن ليهلك قرية بظلم صدر منهم والظلم هنا يشمل الشرك وما دونه، والحال أن أهل هذه القرية غافلون يعني لم تقم عليهم الحجة الرسالية. ليعلم أن الله متفضل على البشر أنه لا يعذبكم ولا يعاقبكم على مقتضى العقل والفطرة وإن كانت أدلة صحيحة، لكن يعاقبكم ويحاسبكم عندما تقوم عليكم الرسل والرسالات، فهنا يعرف كم الله كان رحيم ومتفضل وكريم وجواد أنه لا يحاسبك حتى تكون الأمور قد وضحت لك أتم الوضوح وانقطع عذرك تمام الانقطاع بأن فهمت وقرئ عليك الشرع عندئذ فأعرضت عنه وبقيت متبعا لهواك.
عندئذ الله عز وجل لم يظلمك لأنه لما عذبك سيستنطقك يوم القيامة، كما استنطق -كما ورد في الآية السابقة- سيستنطقونك، لما قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ [الأنعام: 130]؟ فكل هؤلاء الذين ضاعوا في الحياة الدنيا سيستنطقون: عذبتك وأنا ظالم لك؟ عذبتك بعد أن جاءتك الرسل ولا قبل أن جاءتك الرسل؟ هذا استنطاق لهم. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ [الأنعام: 130]؟
فإذا طبعاً هذا الكلام سيوجه لهم بعد أن يعلم الله عز وجل عالم عقائدهم، فهنا لن يكون لهم مجال يقولوا: يا رب لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نضل؛ ما راح يقولوا لأنهم عارفين أنه جاءت الرسل وجاءت الرسالات وقامت عليهم. فلذلك جاء في الآية اللي بعدها ليخبرك أنه هذا كرم الله، أنه هو لا يعذبكم وأنتم غافلون لم تقم عليكم الحجة، هو يعذبك ويستنطقك يوم القيامة لأنه يعلم أن الرسل والرسالات قامت عليك وأنت عاندتها ووقفت في الطريق الخاطئ. ممتاز؟ طيب، ﴿ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ * وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا ۚ وَمَا رَبُّكَ بغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 131-132].
الآن هذا الخطاب الآن منذ آية رقم 128 هو مشهد من مشاهد يوم القيامة، هي رحلة في الدار الآخرة. ولما قال: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ إِنِ اسْتَكْشْتُم مِّنَ الْإِنسِ﴾ [الأنعام: 128] وقال أولياؤهم من الإنس: ربنا استمتع بعضنا ببعض. بعد أن خاطبهم جميعاً الجن والإنس: قامت عليكم الحجة الرسالية ولا ما قامت؟ فقالوا: قامت يا رب ونحن نشهد على أنفسنا أننا كنا كذا وكذا. فهنا سبحانه وتعالى يخبر أنهم هؤلاء أهل الفساد، ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ [الأنعام: 129]، هؤلاء أهل الفساد حتى وهم في النار فهم على مراتب، فالرؤساء والزعماء الذين كانوا يصوغون زخرف القول ليسوا كالأتباع الذين ضاعوا وغاصوا وإن كانوا جميعاً تجمعهم النار.
في سورة الأحزاب في الصفحة الأخيرة ماذا سينادي أهل النار؟ المقلدون ماذا سيقولون؟ ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: 67-68]. فبالتأكيد جهنم ستحوي الأتباع والأسياد، صحيح؟ لكن عذاب الأسياد سيكون أعلى من عذاب الأتباع وإن كانت جهنم تجمعهم. فلذلك قال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: 132]. ومن عدل الله أنه كل إنسان -وإن كان يعني يقولون المفسرون عادة الدرجات تطلق على درجات الجنة، لكن هنا لا مانع أن نقول بناءً على سياق الآيات أنه الدرجات هنا تطلق سواء على درجات الجنة أو حتى على درجات النار، فالنار أيضاً إحنا نقول دركات وهي درجات من جانب معين-.
فيقول ربنا سبحانه وتعالى أن الأسياد وأصحاب الإغواء والمؤسسات التي تفسد الناس، هؤلاء لهم درجتهم في جهنم، درجة المميزين في العذاب نسأل الله السلامة والعافية. والأتباع الذين تبعوهم لهم درجة، يكون عذابهم أخف من عذاب أسيادهم، لكن جهنم تجمع الجميع. لماذا؟ لأن الجميع قامت عليه الحجة الرسالية، فهؤلاء رضوا بأن يتبعوا الأسياد ولم يرضوا أن يتبعوا الشرائع، فأنتم ستحشرون مع أسيادكم. لكن من عدل الله كل على حسب جرمه، وكل على حسب خطأه، وكل على حسب موقفه؛ في كافر لم يحاربنا، وفي كافر قاتلنا، وفي كافر عمل مؤسسة لمحاربة الإسلام، وفي كافر هو رأس الماسونية والصهيونية. ولكل درجات، كل واحد له منزلته في نار جهنم على حسب الجرم الذي ارتكبه في حق الإسلام.
وأهله، وعلى حسب زخرف القول الذي أنتجه؛ لأنه زخرف القول هي القضية التي تربطنا من صفحتين ثلاث، نبقى نجول حولها. ولذلك قال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 132].
ولاحظ: وأهلها غافلون، في الآية السابقة، وهنا: وما ربك بغافل. إذا كان أهل القرى يمكن تكون منهم غفلات، هذا حال البشر الناقص، لكن الله سبحانه وتعالى لم يغب في مشهد من مشاهد الأرض، وما ربك بغافل. كل مؤامرات ومجالس المكر والخديعة وكل التحالفات وكل الجرائم التي ارتكبت على وجه الأرض من لدن آدم إلى قيام الساعة لم يكن ربك غافلًا عنها، بل كان سبحانه وتعالى سميعًا بصيرًا، بل حدثت بإذنه ليختبر عباده. فإياك أن تظن أن الله سبحانه وتعالى غاب عن مشهد، وهذا يعطيك نوعًا من الطمأنينة والرضا بما يقسمه الله عز وجل لأهل الدعوات.
ثم قال: وربك الغني ذو الرحمة. إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين. ويخبر سبحانه وتعالى أن هذا العذاب الذي ينزله بهؤلاء بالجن والإنس، هذا العذاب الذي يحل بهم، ليس لأن الله سبحانه وتعالى محتاج لتعذيبهم، بل هو سبحانه الغني عن تعذيب البشر جميعًا وعن تعذيب الجن جميعًا. يعني سبحانه وتعالى تعذيبه للجن والإنس الذين كانوا يصوغون زخرف القول ليس عن احتياج وليس عن فاقة، بل هو في تمام الغنى، لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين، أليس كذلك؟ غني.
وهذا اسم الله الغني أساس الوجود كما قلنا، أساس الإنسان الفقير، وأساس علاقتك مع الله أنه الغني: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [فاطر: 15]. ومن معاني الغني الصمد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: 1-2]. فلما تعرف الله عز وجل علينا في سورة الإخلاص، وهي التي تعدل ثلث القرآن، تعرف علينا بعد أنه أحد أنه صمد؛ يعني غني، فأنتم تقصدونه في حوائجكم، أليس كذلك؟
وربك الغني، وهو غنى معه رحمة، لذلك ذو الرحمة. ومن رحمته كما قلت أنه لم يهلك القرى بظلم وأهلها غافلون. فهذا كله يخبر به سبحانه يوم القيامة أنني لما عذبتكم يا معشر الجن والإنس أنا عذبتكم مع أنني أولًا لست محتاجًا إلى أن أعذبكم، فأن عذابي لكم ليس لأنني أنتقم أو بتعذيبكم. ثانيًا: لما أعذبكم أعذبكم بعد أن رحمتكم كثيرًا، فأعطيتكم من الأدلة المساعدة واحدة بعد أخرى، فطرة تدلكم علي، وعقل يرشدكم. ثم مع كل هذا لم أعذبكم على مقتضى الفطرة، بل انتظرت حتى يأتيكم الرسل، وبعثت إليكم رسلًا، وأقمت عليكم الحجج، ثم نظرت هل قامت عليكم الحجج؟ ماذا كان موقفكم؟ ثم أمددناكم، يمدهم في طغيانهم يعمهون، أعطاكم مساحات ولم يعاجلكم مع أنكم كنتم تستهزئون وتتفكهون وتقولون أنزل علينا آية، وكنتم تستهزئون بدعوة محمد صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك أعطيتكم الفرصة بعد الفرصة.
فالله سبحانه وتعالى غني عن عذابنا ومتلطف بنا، وهذه مقتضى أسماء الله سبحانه وتعالى. تنظر إلى رحمة الله كيف أنه يريد منا التوبة، ويريد منا الإسلام، ويريد منا الخير ولا يريد أن يعذبنا، بل يريد أن يدعونا: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: 25]، تخيل. الله يدعو البشرية جمعاء إلى دار السلام، يعني هو لا يدعوكم إلى النار، هو يدعوكم إلى الجنة. لكن ذاك الإنسان المعاند المحارب الذي غرتته -ارجع لآية سابقة- غرتته الحياة الدنيا، الذي شاف الدنيا كل شيء وملأت الدنيا قلبه، هو المصر أن لا يستفيد من رحمة الله مع أن رحمته وسعت كل شيء، لذلك لا يشقى على الله إلا شقي. في واحد خلاص هو شقي يريد الشقاء، هو يقود نفسه إلى الشقاء مع أن الله يدعوه إلى دار السلام ويتعامل معه بكامل الرحمة واللطف، ويخبره أن معصيتك لا تضرني وطاعتك لا تنفعني، فلماذا أنت مصر على الاغترار بالحياة الدنيا؟ يعني أنا لا أنتظر منك شيئًا، أنت لا تقدم شيئًا تنفع به الله سبحانه، بل كل هذه الرسل والرسالات من أجلك يا ابن آدم، وفتحت لك باب التوبة. فهو سبحانه وتعالى من يتعرف علينا باسمه الغني وبرحمته، هذا مناسب جدًّا للسياق ليعلم أنه يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم؟ هذا كان بعد إيش؟ أن وصلوا إلى أعلى درجات الشقاء، وبعد أن تجاوزوا كل المراحل وكل المساحات التي أعطيت لهم من الغني صاحب الرحمة وصلوا إلى هذه المرحلة.
وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء. الآن من تجلي اسم الله الرحيم لا يمكن أيضًا أن يستعمل ويوظف بشكل خاطئ ويظن أن رحمة الله سبحانه وتعالى تقتضي غفلته، بل هو نعم غني ذو رحمة، لكنه أيضًا في نفس الوقت يضع رحمته فيمن يستحقها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 218]. فهنا يقول: إن يشأ يذهبكم، يعني يا كفار قريش ويا أيها المعاندون ويا معشر الجن والإنس، إن يشأ سبحانه وتعالى يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء. وهنا قال البعض: لماذا قال ما يشاء؟ يعني هو لأنه كان الخطاب كله مع الجن والإنس مع كلا الجنسين، صحيح؟ فهو كأنه يقول لهم: ويستخلف من بعدكم ما يشاء، أي أنني قادر على أن أنتج أو أخلق جنسًا آخر غير الجن والإنس. يعني أنا ليس ضروريًا -يعني هو الآن يخاطب كلا الطائفتين في السياق- فهو يقول: أستخلف من بعدكم ما يشاء أن يحدث جنسًا ثالثًا. يعني أنتم الآن جن وإنس، أليس الله قادرًا على أن يحدث شيئًا ثالثًا غير الجن والإنس؟ فلذلك قال ما، لأنها ما لغير العاقل عادة تستعمل، فكأنه أمر مبهم، ما يشاء، ليس ضروريًا يكون عاقلًا من الجن والإنس، ممكن يكون من نوع آخر وشيء آخر مبهم أنتم لا تعرفونه.
فلا تظنوا يا أيها الجن والإنس أن الله سبحانه وتعالى محتاج إلى وجودكم، مضطر إليكم، أو أنكم تفرضون وجودكم في عالم الأرض ولا يستطيع الله عز وجل أن يستغني عن هذا الوجود، حاشاه سبحانه، هو غني غني. وهذا ارتباط باسم الله الغني، هو غني، فأنتم لاحظ: وربك الغني، لكنه يعاملكم برحمة، وهو قادر هذا الغني أنه يشيلكم كلكم عن هذا الكوكب ويأتي بأناس آخرين أو بجنس ثالث يعمر هذه الأرض ويقوم فيها بطاعة الله، كما كان هناك جنس الملائكة، أليس في جنس الملائكة؟ وهذا جنس مختلف عن الجن والإنس، هو قادر يخلق جنسًا رابعًا وخامسًا وسادسًا يعمر هذه الأرض ويكون مطيعًا، ولا يعجزه شيء سبحانه وتعالى في الأرض ولا في السماء: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ﴾ [الأنعام: 133].
قال: ﴿كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام: 133]. كما أنكم أنتم أنشئتم من ذرية قوم سلفوا ومضوا. هذه الجملة لعلها ترجح القول الآخر في تفسير ما يشاء، فهو قول ماذا؟ من يقول: ويستخلف من بعدكم ما يشاء، لا، ليس المراد جنسًا آخر غيرهم، بل يستخلف من بعدكم ما يشاء منكم بس أجيال أخرى من الجن والإنس؛ لأنه ماذا قال؟ يعني كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين، يعني أنتم الآن يا أهل مكة، ألستم أنتم أولاد لآباء مضوا وغادروا هذه الأرض؟ فأنتم خلفاء لهؤلاء الآباء الذين مضوا ولم يدركوا هذه الدعوة، فالله قادر أيضًا أن يذهبكم ويأتي بجيل من بعدكم يكون ذرية، لكنهم ذرية أفضل منكم، قال: كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين، قادر سبحانه وتعالى أن ينشئ ذرية من بعدكم من جنسكم حتى من البشر ومن الجن تخلفكم في مكانكم.
هذا الشعور، شعورك أيها الإنسان أنه أنت لست شيئًا في هذا العالم، يعني شعورك بقمة الضعف وقمة الحاجة إلى الله سبحانه، وأن الله غني وأنك لست شيئًا مهمًا في هذا الوجود إذا لم تكن مسلمًا موحدًا. ما أهون الخلق على الله إذا عصوا! يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء. بعض الناس يظنون أنه محور الكون، وأن الحياة لا تصلح بدون وجوده على هذه الأرض، وبالتالي يطغى ويظن أنه هو الذي سيقود العالم. يعني لاحظ حتى تلاحظ خطابات جبابرة الأرض اليوم نتنياهو ولا ترامب ولا هؤلاء، لما تسمع لهجة الخطاب يظن أنه محور الكون وأنه الذي يأمر وينهى ويرفع ويخفض ويعطي ويمنع، وأنه هو الذي يقيم دولة ويهدم أخرى، واليوم بدنا نهاجم هذه الدولة، شو رأيكم؟ يلا هاجموها، وبكرة بدهم يهاجموا دول أخرى. يظنون الحياة ستستمر بهذه الطريقة، ولا يعرف هؤلاء أن الله سبحانه وتعالى في لحظة واحدة وما أهونهم على الله، إن يشأ يذهبكم، مرض صغير ضعيف حقير يسلطه عليكم ينهي وجود هؤلاء الجبابرة. يعني الموضوع ليس محتاجًا كلفة وتعب حتى ينزاحوا عن أماكنهم، أضعف شيء وأضعف حشرة قادر على أن تنهي هؤلاء. إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء. هذه هي إظهار مشيئة الله في هذا الكون واستحضار الإنسان افتقاره الدائم لتوفيق الله ولتسديده ولرعايته له ولرحمته، هذا شعور مهم.
إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. يقول لهم سبحانه وتعالى، هم كانوا يستعجلون ويتهكمون: ويا محمد صلى الله عليه وسلم ائتنا بما توعدنا به. قال: إنما توعدون -وهو يوم القيامة- لآت وما أنتم بمعجزين. يعني لا تظنوا أن الله سبحانه وتعالى عاجز عن إهلاككم أو الإحاطة بكم أو بعثكم، أي شيء كانوا يظنون أن الله عاجز عنه، فهذه إجابة لهم: وما أنتم بمعجزين الله سبحانه وتعالى.
ولذلك بعد أن أعطاهم كل هذه -طبعًا لاحظ لاحظ لهجة القرآن إذا صح التعبير وأسلوب القرآن- كله أسلوب تخويف، تمام؟ أسلوب يورث العزة، يعني دائمًا أقول زي ما قلنا في المحاضرة الأمسية الأخيرة، كيف أن القرآن هذا ينزل على الصحابة في المرحلة المكية -صحيح سورة الأنعام- وهم في أجواء مكة وهم مستضعفون خائفون، ولكنه يعطيهم هذه المعاني التي تشعرهم بالعزة والثقة بما لديهم. يعني القرآن لا يأتي بلغة هذه اللغة الدبلوماسية اليوم، لما تكون أنت بتخاطب واحد شايفه كبير ولا بتكون مؤدب معاه ولا هو هادي وعطوفتك وسماحتك وكذا، لا لا، القرآن تجد لهجته قوية واثقة، يخاطب هؤلاء مع أن المسلمين كانوا مستضعفين، لكنه يخاطب الجبابرة ويخاطب الكفار وكأن المسلمين على أعلى درجات التمكين من حيث قوة الخطاب.
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ * وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ * إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنتُم بمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: 132-134]. يعني تريد أن تؤمن حياك الله، لا تريد أن تؤمن يعني دبر نفسك، إنما توعدون لآت. تخيل وأنت في زمن الاستضعاف أنت كمسلم عم تقرأ آيات تتوعد فيها ذاك المجرم الذي هو كاتم على نفسك، تقول: إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين، فأنت لا تشعر بالخوف ولا الضعضعة ولا الارتباك، لا يعطيك القرآن خطاب استضعاف، بل يعطيك خطابًا يشعرك بالقوة في مواجهة الباطل، حتى وإن كان هذا الباطل محيطًا بك ويحاول أن يجتثك ويقتلعك وأنت ما زلت ضعيفًا، أنت قادر على أن تخاطب: إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.
ولاحظوا: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: 135]. يا محمد صلى الله عليه وسلم قل لهم، ويا أيها الدعاة قولوا للكفار الذين عاثوا في الأرض فسادًا: اعملوا على مكانتكم. والمكانة هنا إما مصدر وإما قالوا موضع؛ يعني المكان الذي أنتم فيه. اعملوا على مكانتكم؛ يعني اعملوا على الطريقة التي ترونها، كيف تقول لشخص: اعمل ما تريد، قريبة من هذا. اعملوا على مكانتكم؛ أي على الطريقة والحال التي ترونها، أو اعملوا على مكانتكم؛ يعني على أعلى درجات التمكين والقدرة والاستطاعة لديكم بطريقة أخرى. أنا أقول لك: اعمل على قدر استطاعتك، افجر وحاول أن تفعل لمحاربة هذا الدين ما تستطيع، الذي يطلع في يدك. إذن: اعملوا على مكانتكم، أي على أعلى درجات التمكين لديكم، هذا إذا قلنا إن المكانة مصدر، أو إذا قلنا إنها مكان، فيكون المعنى: اعملوا على طريقتكم وموضعكم والأسلوب الذي تفكرون فيه، خذوا ما تريدون.
إني عامل، شوف الثقة، شوف الداعية يكون في مرحلة الاستضعاف وهو واثق غير مهتز من نهجه: إني عامل، أنا ماشي في طريقي، أنا لن يوقفني المؤامرات ولن يوقفني الاستضعاف ولن يوقفني التحديات واحتمالية القتل والأسر وما يمكن أن يقع أو يظهر في طريقي من عقبات، إني عامل؛ يعني أنا لن أوقف. شوف هذه العبارة للدعاة إلى الله: إني عامل، أنا ماشي. هذه مهمة، يعني دائمًا نستذكر حال النبي عليه الصلاة والسلام، كيف بدأ هذه الدعوة وحده، قلة قليلة كانت معه خلال الثلاث عشرة سنة ولم يقف، عامل، ماشي، يدعو إلى الله، يسعى هنا وهناك، يحضر درسًا هنا، يتابع له محاضرة هنا، يعمل كذا، بشكل مسلم ينبغي أن يكون. كل ما يحيط بنا لا ينبغي أن يجعلك يائسًا محبطًا وانتهى الدين وهلك الناس، بل بالعكس تبقى تعمل تعمل وتسعى وتحاول وتبذل إلى آخر نفس من أنفاسك: إني عامل.
فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار، هذا الفرق بين المؤمن والكافر؛ لأن المؤمن ينتظر عواقب الأمور، النهايات، الكافر ينظر إلى البدايات فقط، ينظر إلى الشبر أمامه، ينظر إلى الشهوة التي يريد الوصول إليها، إلى الشرف الدنيوي، إلى ما يريد أن يستحوذ عليه الآن، أما المؤمن نظره إلى العواقب والنهايات. قال: فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار، تمام؟ إنه لا يفلح الظالمون. هذه هي نهاية القصة، الذي ظلم نفسه وكان ظالمًا بأن أشرك بالله سبحانه وتعالى ووقف في وجه الدعوة وحارب الإسلام، هؤلاء لا يمكن أن يفلحوا. ولا ي- شوف، نفي الفلاح: إنه لا يفلح الظالمون، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وسعيهم إلى تباب، كما كان كيد فرعون في تباب.
الهدف منه أن يريك الله سبحانه وتعالى مدى سفاهة وتفاهة عقول هؤلاء المتغطرسين في مكة. وهذه قضية منهجية في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وهو أن الشباب في زمن الاستضعاف يعانون كما قلنا من الشعور بماذا؟ من هيمنة الثقافة الغالبة، مش هيك بيقولوا؟ دائما ينظرون للثقافة الغالبة المستبدة، ينظرون إليها لأنها قوية، متينة، عظيمة، ولذلك هي أعلى منا. فبتجد يحاول أن يقلدها وأن يلهث وراءها. أهم شيء حتى نعيد العزة في قلب الشباب المسلم هو أن نعري تلك الثقافة الغالبة. أن نكشف لهم هوانها وذلها ورخاصتها وافتقادها للقيم الأخلاقية والسلوكية وسفاهة عقول رجالها.
بدل ما إنه إحنا نستحضر أسماءهم في محاضراتنا، يعني أنا بحزن لما أشوف داعية إلى الله يكون خطابه الدعوي والإصلاحي كلياته بذكر أسماء هؤلاء الفلاسفة الغربيين. وكأنه يشعر بنوع من الزهو النفسي إنه أنا قادر إني أنا، ظني أبقى أستحضر اسم أحمد والشافعي وابن المبارك وسفيان، هذا ناس مضت. اليوم حتى أكون أنا أمام الناس مثقف وشخصية إلهامية، ويظهر إني أنا فعلا إنسان قارئ، لازم أستحضر أسماء مثقفي الغرب، وبتجد إنه الشباب صار للأسف حتى طلاب العلم، لما يشوفوا شخص يكتب مثلا منشور أو شيء فيه استحضار من كتب هؤلاء بيصير يشعر بالثقة بهذا الشخص إنه هذا الشخص مثقف، ليش مثقف؟ شخص متعلم، لأنه يقرأ هؤلاء ويدرس هؤلاء ويجيب أسماءهم، لكن الشخص الذي قد يكون متمكن في تراث الشافعي أو تراث أحمد أو تراث مالك أو تراث أبي حنيفة أو تراث الفقهي ينظر إليه بنظرة إنه إيش؟ إنه ما زال هذا شاب مسكين، واضح إنه طالب علم على طريقة تقليدية، هذا مش طالب علم على الطريقة الحديثة، طالب علم على الطريقة الحديثة هو الذي يكون مشبع بكلام كانت وروسو ونيتشه وهذا وهذه الأسماء وفرويد، ولازم يكون يعرف المدارس الغربية وأنواع فلسفتها وأنماطها.
طبعا حتى أكون أنا دقيق، الاطلاع على الباطل وفهم كيف يفكر مطلوب. إنه هذا جزء من تعريتهم، مش قلنا بدنا نعري الباطل؟ أنا كيف سأعري الباطل؟ إذا لم أعرف، فإنه أنا أكون مطلع على الباطل وفعلا أعرف مدارسهم وطرق تفكيرهم وحجم فسادهم مفيد. ولا بد منه، ولا بد منه حتى نقوم بالوظيفة هذه التي يرشدنا الله إليها، وهي تعرية الباطل وكشفه من الداخل، أنت لما تعرف نظرية فرويد في الجنس وكيف ينظر للإنسان، ولما تعرف كانت وكذا، لما تعرف سقطاتهم التي تدل على الحمق والغفلة وتدل على أن العقل الذي لا يهتدي بنور الله ويفكر وحده كم هو ضعيف وعاجز وتافه، وكيف يصل إلى نتائج ومقررات كثير منها يضحك منها العقلاء.
هنا أنت تشمخ بإيمانك وتوحيدك وعلاقتك بالوحي الإلهي اللي احترم عقلي وأعطاني ما يوافق العقل والفطرة، هذا ما نهدي إليه ونستهدفه. القرآن فعل نفس الشيء مع أهل مكة. أراد القرآن أن يعري أهل مكة ورجالاتهم وأكابرهم، أكابر المجرمين، أمام الصحابة الكرام، ليريهم شايفين هي النماذج اللي شايفة حالها أنها مؤهلة ومفكرة، شوفوا شو بيعملوا تصرفات. قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: 136].
فقالوا: هذا لله بزعمهم، وهذا لشركائنا. الآن كما قلنا الآن ست سبع آيات هي تعرية عقلية أهل الباطل. حتى أنت فعلا تستهزئ بهم ولا يصبح لهم قدر ولا خطر في قلبك. أي أول نموذج. وجعلوا لله مما ذرأ، يعني مما خلق وبثه في الأرض، من الحرث والأنعام نصيبا. وهذا المضحك يعني في تصرفاتهم، إنه هو يقول لك: جعلوا لله من اللي خلقه ربنا، مما ذرأ الله جعلوا له نصيبا، بدل ما يكون كل شيء لله. الذي خلق من؟ الله، الذي ذرأ من؟ الله، فأنت كأنك يعني تمن على الله، جزاك الله خير يعني إنك معطي لله نصيب من شيء كله هو خالقه.
كيف أنا أكون أنا عامل مشروع كبير وأنت تيجي تحكي لي خلص جزء من هذا المشروع راح أنسبه لك. طيب أنا ما أنا العامل كل هذا المشروع، أنت تتفضل علي يعني، شكرا والله شكرا إنك نسبت لي جزء منه، طيب أنا عامله كله. فأقول: وجعلوا لله مما ذرأ، من كل ما ذرأ قالوا للرب سبحانه وتعالى سنعطيك نصيب. شوف هي أول دلالة على سفاهة العقول، إنه المنطق اللي فعل كل شيء هو الذي له كل شيء. لا، أنت فعلت كل شيء باعترافكم، ألستم من خلق السماوات والأرض؟ بس راح نعطيك جزء منه، هذا نصيب لك، طيب.
فقالوا: هذا لله بزعمهم لسه، وهذا لشركائنا. وشوف كلمة بزعمهم هون، لأنه حتى هذه القسمة هم ما التزموش فيها، يعني على زعمهم إنه خلص راح نلتزم بهذه القسمة، على زعمهم سنلتزم بهذه القسمة، إنه هذا النصيب لله وهذا الجزء من الحرث والأنعام اللي راح يخرج منه من در أو نسل أو حبوب، هذا ننفقه على من؟ قال: لشركائنا. طيب ولاحظ اسمهم إيش؟ شركاؤهم، صاروا الأصنام شركاء لهم، واللي فعليا كان ينتفع هو مش الأصنام، هم خدم الأصنام وسدنة الأصنام هم اللي كانوا منتفعين، فكفار قريش كان ييجوا لأنعام ولحرث معين يقولوا: هذه القسم من الأنعام والمزروعات اللي يخرج منها هي لله، نتصدق فيها على الفقراء والمساكين وكذا.
والقسم الآخر من المزروعات والأنعام، ما يخرج منها من إنتاج، هذا بنقدمه للأصنام، نتقرب به للأصنام، واللي كان ينتفع فيهم السدنة المسؤولين عن الأصنام. طيب، هل التزموا بهذه القسمة؟ يعني هي قسمة جائرة من البداية. لكن هم أنفسهم، طيب التزمتم بهذه القسمة؟ قال: فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم، إيش يعني؟ يعني لما يكون في شيء من نصيب الله، يعني بدنا نفرض هي قطعة أرض وهي قطعة أرض، هي قطعة أرض لله وهي قطعة أرض نصيبها للشركاء. إذا جاءك شوية قمحاث ولا شوية أكلات من الأرض اللي لله ودخلت في قسم الأصنام بيرجعوهاش لله.
يقولوا: خلص هي دخلت هون مع الهوا والريح بنقدمها للأصنام، وإذا طار شيء من القمحاث اللي في أرض الأصنام ودخل في أرض الله سبحانه، لا، ما بيصير، هي للأصنام، لازم نرجعها. تمام؟ فذكروا في التفسير إنه قيل لهم: طيب لماذا تفعلون ذلك؟ فقالوا: الله غني، وأصنامنا فقراء، يعني الله عز وجل مش راح يفرق معاه كثير هذه شوية القمحاث اللي راحت هون، فنعيد ولا فخلص نعطيها للأصنام، أما أصنامنا يعني فقيرة. فلا يصلح أنه إذا ذهب شيء منها أنه نخليه لله. ولاحظ الحمق، طب صنمك فقير، لماذا تعبده؟ أنت اعترفت بلسانك أنه فقير. هل هناك عاقل يعبد فقيراً؟ شوف يؤذنون على أنفسهم بالسفاهة. طيب.
حقيقة نحن ننظر إلى هذه القصة على أنها مضحكة، صحيح؟ لكن فقط تلك استطراد إيماني على طريقة القشيري في لطائف الإشارات. صدقوني أننا نحن نفعل هذا الفعل في حياتنا اليومية. كيف؟ نحن نأتي إلى يومنا يا إخواني، نقسم ساعات هي لله. هي وقت الصلاة لله، هذا وقت قراءة قرآن لله، هذا وقت أذكار لله، ممتاز. وهذا الوقت الآخر، هذا وقت بدي أروح فيه أقضي حوائج أهلي، أموري الأسرية، هذا وقت للعمل، لازم أنا ألتزم في ساعات عمل من الساعة الثامنة الصبح للساعة الثانية المساء، كذا كذا.
فبتجد أنه إيش؟ أنه أنت مرتب حياتك أنه في ساعات لله، وفي ساعات لقضاء حياتك الشخصية. لما تيجي لساعات رب العالمين، تيجي أنك تطغى عليها، صح؟ فبتصلي وأنت بتفكر بحياتك الشخصية. يعني نحن افترضنا أنه هذا لله بزعمهم وهذا لدنيانا. لما تيجي الساعات اللي لازم هي الأصل لله، ندخل على الصلاة، بنفكر بساعات الحياة الدنيوية، العمل وهذا. نيجي بدنا نقرأ قرآن، بنفكر برضه في المشاريع الدنيوية، وشو صار مع فلان كذا. نيجي نذكر الله عز وجل بعد الصلاة تسبيحات، يطغى نصيبنا الدنيوي على الساعات التي قدمناها لله.
وإذا بدنا نيجي على ساعاتنا الدنيوية، بدنا نأخذ، طب بدي، أنت عندك كم ساعة دنيوية؟ والله أنا شيخ مرتب جدولي في أربع ساعات، هي معطيها للأهل. والله بدي آخذ منها ساعة وأقدمها لمجلس علم. لا، شيخ، يعني نحن مرتبين أمورنا أنه هي ساعات للأهل، هي ساعات لكذا. طب ما هو أستاذي الكريم، أنت ساعات الأهل بترضى أن تطغى على ساعات الإله، اللي أنت مقدمها للإله. طب ليش ما نيجي على ساعات اللي أنت بدك تعطيها لأهلك، نعطي منها ساعة لله؟ يعني أنت شوف الطريقة اللي نحن بنعمل فيها حياتنا اليومية.
ساعات الأهل بالنسبة لك مقدسة، ساعات السوشيال ميديا مقدسة، ساعات الرياضة مقدسة، ساعات النوم مقدسة، ما حداش يقرب عليها. لو بدنا نأخذ منها ساعة قيام ليل، شو رأيك؟ نأخذ منها ساعة درس علم، شو رأيك؟ تجد أننا إيش؟ بنقول لا، هي ساعات خلص أنا حاطها لهذا الترتيب، ما بدي شيء. خلص ما أنا معطين ساعات للدار الآخرة، هي طلب علم كذا كذا، قراءة قرآن كذا كذا. فأنا أعتقد أن هذه الممارسة المشركية التي نضحك منها، نحن ربما أكثرنا واقع فيها.
تمام؟ لاحظوا أنه كيف نحن ما بنقبلش، معقول في أحد بيقبل أنه الشيء لله يروح؟ بس نحن فعلياً وواقعياً نحن نقع في هذا يومياً، أن ساعات الله سبحانه وتعالى، يعني طبعاً هو الأصل ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]. الأصل أنه حتى شغلك وحياتك، ما في شيء لله وشيء لنفسك. الأصل أنه حتى ساعات راحتك لله عز وجل، لكن أنا بتكلم عن الواقع الذي يوجد في حياتنا اليومية أننا نمارس ممارسة المشركين.
وإن كنا يعني بعضنا يكون منتبه لهذا، وبعضنا لا ينتبه لهذا. لا نعطي لله سبحانه وتعالى ساعات تعبدية صافية فعلاً لله. أنت بتعرف لو وصلت لهي المرحلة أنت متقدم جداً، أنك أنت بتعطي فعلاً ساعات صافية. خلص هذيك ساعات الدنيا الخاصة فيك، اشرب وكل واجلس ما لك يعني ما عندي، بس هل تعطي لله فعلاً قسمة صحيحة حقيقية؟ ولا أنت بتعمل ممارسة كفار قريش؟ اللي أنت بتضحك عليهم، هسا نحن بنضحك على حالنا الآن، أنه نحن بنعمل زيهم، بس في جوانب إيمانية تربوية. فننتبه يا إخواني لهذه القضية. إذاً، وما كان لله فهو يشرك الشركاء. دائماً ساعات الله ضائعة في حياتنا، وراجعة إلى الدنيا التي نعبدها وهي شركاء، تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم. هذه كلها شركاء إذا جعلتها مقابل لله، ساء ما يحكمون.
فعلاً ما أسوأ هذا الحكم، وما أسوأ هذه الحال، سواء حال كفار قريش أو حالنا نحن، ونحن نضحك على أنفسنا في تقسيم الساعات اليومية. طيب، أيضاً من مظاهر الغفلة والسفه عند هؤلاء وتعريتهم. قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادَهُمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: 137]. الشركاء هم، خلينا نقول شياطين الجن، إبليس ومن معه، وما أصبحوا شركاء لأنه هو بيشاركك، ما دام أنت بتستقي منه الأفكار وتتعاون معه، إذاً أنت وياه شركاء.
فيقول سبحانه: زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم. على القراءة المشهورة، شركاؤهم هي إيش؟ فاعل التزيين. تمام؟ زين الشركاء لكثير من المشركين، إيش زينوا؟ قتل أولادهم. ما معنى زينوا؟ أي أظهروا لهم هذا الفعل على أنه فعل صحيح، وأنه فعل نبيل، وأنه فعل ليس خاطئ. ذكر بعض المفسرين كيف حصل هذا؟ كيف زينوا لهم هذا؟ كفار قريش كانوا يدعون أنهم على ملة إبراهيم وإسماعيل عليه السلام، فكانوا يقولون لهم: أنتم لما تقتلوا أولادكم خشية إملاق، أو عندما تقتلون البنات كراهة لهم، ترى أنتم تفعلوا كما فعل سيدنا إبراهيم لما حاول يذبح سيدنا إسماعيل.
طب يعني أنتم أصلاً على خطى الأنبياء، شوف يعني، أنتم على خطى الأنبياء. فاقتنعوا أنه والله في مجال، اه والله يعني، هي سيدنا إبراهيم حاول يذبح ابنه، بس ما زبطتش، يعني السكينة ما قطعتش، ولو هو لو قطعت، يعني مات إسماعيل، فنحن لما نقتل أولادنا، من قال أنه هذا ليس على خطى الأنبياء؟ تخيل وين ممكن الشيطان يأخذك، لأي مربع ولا أي مساحة. يقنعك أن قتل الأولاد هدف نبيل. غريب.
يعني كشوف، وهذا يا إخواني ترى مخالف للفطرة، صح؟ يعني أنت من الآن فطرتك بتقول لك أنه هذا الشيء خطأ. الشيطان بيشتغل بيشتغل بيشتغل حتى يحاول يقنعك أنه هذا له مخرج وله فكرة. هذه الفكرة موجودة في واقعنا المعاصر، أنه كثير من الأمور المنافية للفطرة، يعني زي الشذوذ الجنسي، علاقة رجل برجل. يعني حتى مش الدين الإسلامي، حتى الناس الأسوياء من أهل الكفر وأهل الملل بيعرفوا أنه هذا يا أخي بيخالف الفطرة، يعني شيء مقزز مقرف، شو علاقة رجل برجل؟ يعني هذا شيء مخالف للفطرة.
كيف اليوم، سبحان الله، المخالف للفطرة، زي قتل الأولاد، كيف يستطيع شياطين الإنس والجن أن يقنعوا كثير من الناس أنه هذه حرية شخصية، وأنه هذا له نوع من اللذة، وأنه بيصير يجيبوا لك نماذج من ناس عملت هذا الشيء وجربته، كيف مشاعرك وأنت تمارس هذا؟ وإيش تشعر به؟ وبيصير يحاول يقنن لك إياه وكأنه نوع من اللذات الطبيعية اللي ممكن يعني يقول لك: إيش الفرق بين علاقة رجل بامرأة مع علاقة رجل برجل؟ هي نوع من اللذات وطعم معين، وهذا له نوع وطعم آخر. فيساوي بين مقتضى الفطرة وبين ما يخالف الفطرة، هذا هو التزيين.
لذلك خذ هذه الفكرة، وابني عليها كثير من الأمور المخالفة للفطرة، حتى اليوم سامحوني، قضية أن الإسراف في استخدام جسد المرأة والإسراف في استعمالها في الشركات، هذا حقيقة مخالف للفطرة حتى الشريفة، لذلك لما كانت بايعت فاطمة بنت
عتبة، وفي الرواية الأخرى هند بنت عتبة، لما بايعت. فطلب منها النبي صلى الله عليه وسلم تبايع على أن لا تزني. استحت قبل ما تبايع، قالت: يعني هل تؤخذ الحرة بثدييها؟ وهل يمكن أن المرأة الحرة ترضى أن تكون سلعة تباع وتشترى؟ هذا كله مخالف للفطرة.
تمام؟ اليوم العلاقات الجنسية المحرمة، حتى الإباحية، ما يسمى الأفلام الإباحية. طب هذا فيه أصبح من الممارسات داخل عالم الإباحية المقززة، المخالفة للفطرة، يعني يبولون في أفواه بعضهم ويتغووا ويفعلون أشياء، ثم بعد ذلك بتيجي في عالم الأخبار ويقول لك عالم هؤلاء ستارز، يعني نجوم. نجوم الإباحة. غريب، يصبح الذي يفعل الشذوذ نجم، وأنه أنت بتمارس أشياء يعني جاذبة للناس وتسحر الناس، أنت بتدخل السعادة على قلوب الناس.
شو بدك أكثر من هيك؟ شوف الشيطان كيف يغريك، وكيف زين لكثير من المشركين قتل أولادهم. الشيء المخالف للفطرة، الشيطان قادر أنه إيش؟ يعبث بعقلك وبمنظومتك الفكرية، ويقنعك أنه له هدف نبيل أو صورة جميلة. هذه العقول التافهة، لذلك كما قلت يجب أن نحرر الغرب.
ويجب أن نكشف سفاهتهم وتفاهتهم ودناءتهم، في سواء علاقتهم مع المرأة، سواء في توظيفها، الشذوذ الجنسي، الدعوات الهدامة التي يدعون إليها، العولمة ومقاصدها، وقس على ذلك كثير من الأمور التي يجب أن يتعرى فيها هؤلاء.
قال: لماذا يفعل الشياطين ذلك؟ الشركاء، لأنه خلص، ما دمت أنت بتسمعني، إذاً أنا وياك شركاء. فالشياطين أصبحوا شركاء لهؤلاء التافهين. لأنهم أقنعوهم فأصبحوا شركاء في طريقة التفكير وفي المشاريع الحياتية. الهدف قال: ليردوهم. ليردوهم، طبعاً هذه اللام ليست لام التعليل، بل هي لام العاقبة. زي فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً، هذا مش تعليل، وإنما ماذا؟ يعني هل زين الشركاء لكثير من المشركين قتل أولادهم لتكون عاقبة هذا القتل ماذا؟ ليردوهم، أي الإرداء هو الإهلاك. أرديتك بمعنى إيش؟ أهلكتك. ليردوهم أن يكون هلاك.
والهلاك هنا ليس فقط على مستوى الهلاك المادي. بل حتى الهلاك القيمي. أنا أرديتك أي أهلكتك قيمياً قبل أن أرديك مادياً في الدنيا والآخرة. أنت لما تفقد أخلاقك وقيمك أنت هلكت. الذين خسروا أنفسهم مش مر معنا؟ أنت خسرت نفسك. خسرت قيمتك، خسرت إنسانيتك، خسرت فطرتك. فهذا معنى أني أرديتك. لا تحملها فقط على أنني أرديتك مادياً أنك هلكت بمعنى أنك مت. بل هناك أولاً هلاك قيمي، فكري، أخلاقي، سلوكي. ثم هناك هلاك مادي لهؤلاء الأبناء وللآباء بعد ذلك.
الآن الضمير ليردوهم ممكن يعود على الأبناء إذا قلنا أن الآباء سيقتلون الأبناء، وأن الآباء سيهلكون الأبناء. لكن الذي يظهر لي أن الضمير في ليردوهم يعود على الآباء أنفسهم. يعني الآباء سيهلكون. وبالتالي إذا كان الضمير يعود على الآباء فسيكون كما قلنا المراد القيمي والأخلاقي والإرداء في نار جهنم. إنه هذه مآلات الأفعال إلى نار جهنم والعياذ بالله.
أيضاً قال وليلبسوا عليهم دينهم. وهي الفكرة اللي حكيتها قبل شوي إنه كيف ورد في كتب التفسير وأقنعوهم إنه قتل الأولاد هو على خطى الأنبياء. شوف، قتل الأولاد على خطى الأنبياء. أنك تذبح ابنك زي ما سيدنا إبراهيم ذبح إسماعيل. نفس الشيء يعني بس هي صورة وهي صورة. هذا معنى يلبسوا عليهم دينهم. اللي هي دائماً يسعى الشيطان في مرحلة معينة أن يقنعك أن هذه الأشياء الشاذة والأشياء المخالفة للفطر يمكن تخريجها على الدين.
فأنت يصبح عندك لبس فعلاً. هل هذا الدين فعلاً يعني يرى أن الشذوذ الجنسي فعلاً تصرف خاطئ؟ أم يمكن أن يعطي فيه مساحة؟ هل يمكن للإسلام أن يتقبل علاقة محرمة بين رجل وامرأة بالرضا؟ في ناس زي الشحارير وغيرهم أمثال هؤلاء، لا تجددهم قابلين على إنه إيش؟ يشعروك أن الزنا والله له تبرير في الإسلام، وأن العلاقات المحرمة لها تبرير، وأن كثير مما نراه احنا منازع على الفطر هو قادر أن يصورك أنه جزء من المنظومة. تجد بعض الناس طبعاً مسرورين بهذا التخريج. لأنه هو يريد اللذة، يريد الحرام، ولكن بيبحث عن غطاء شرعي. صح؟ هو يريد اللذة، بس بيبحث لها عن غطاء شرعي. ويقول لك والله هذا الشيخ العلامة اللي بيفهم أكثر من الشيوخ. هذول الشيوخ اللي بيفتحوا النفس، اللي بيحkوا في هذه الأمور، بيحللوا لنا إيش؟ بيحللوا الحرام وبحرموا الحلال.
قال ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم. تغيير معالم الدين وتشويهه. وكل هذا. شوف دائماً التذكير واستحضار هذا المعنى في كل: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾. بدك تتذكر أن هذا الشر الموجود في العالم شاء الله وجوده. صح؟ وجود هؤلاء الذين يحرمون ما أحل الله، ويحلون ما حرم الله، وجودهم بالنسبة لنا احنا بنشوف ليش ربنا سبحانه وتعالى أذن بوجود هؤلاء على الأرض؟ لماذا لا يهلكهم مباشرة؟ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾. هي مشيئة الله ليكون هناك معركة بين الحق والباطل، ويبقى هناك دعاة مصلحون، ويبقى هناك فاسدون. لأن سنة الله أن هذه الحياة الدنيا ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾. هي الحياة كده.
فإياك أن تظن أن وجود هذا النوع من البشر نفذ من مشيئة الله، أو كان خارج إرادة الله وسيطرته ونفذوا. لا لا. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾. كل شيء بإرادة الله ومشيئته. وجود أمثال هؤلاء، ما في شيء يحصل حتى ولو كان شر في نظرنا إلا وقد شاء الله وجوده لحكمة. ولذلك سورة الأنعام تهم، يعني تركز على الداعية أن يبقى مستحضراً طوال طريقه أن وجود الشر والأشرار كان بمشيئة الله. لأنه هذا الشيء بيطمنك.
سورة الأنعام تركز للداعية المصلح دوماً أن وجود الشر والأشرار كان بمشيئة الله. كم مرة مرت معنا؟ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾. ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيِّنَ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾. وهكذا بتذكرك سورة الأنعام في كل مشكلة وفي كل حالة وجود شر وفي كل حالة صراع: بمشيئة الله، بمشيئة الله، بمشيئة الله. حتى تبقى منتبه، ثابت، غير مرتبك. ولا يظنن ظان أن هناك شيئاً خرج عن الإرادة.
ثم سورة أخرى من صور تشوهاتهم الفكرية: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. إجوا على مجموعة من الأنعام بمواصفات معينة. إذا هي الأنعام عملت أمور معينة، حبلت كذا، عملت كذا، بحيرة، سائبة، ووصيلة. قالوا هذه أنعام وهذه أراضي ومزروعات حجر. حجر يعني عاملين عليها نوع من المنع، محجور عليها. ليه محجور عليها؟ قالوا لا يطعمها إلا من نشاء. طبعاً بزعمهم يعني. ولاحظ الله عز وجل يأتي بكلمة زعمهم هنا. حتى يعطيك يعني كيف هذا الإنسان التافه اللي بيخترع ما يشاء وبيفرضه على البشرية، تمام؟ يدعي ما يشاء، ويريد أن يفرض على البشرية ما يشاء. تمام؟ هذه هي الأحكام الوضعية. يقول هذه الأنعام والحرث بدنا نحجر عليها، لا يطعمها إلا اللي احنا بنختارهم. تمام؟ فاللي لا يقع تحت سقف اختيارنا هذا ما له إنه يأكل من هذه الأنعام ويحرم عليه، بزعمهم. وهذا كله تسفيه له. كلمة بزعمهم مرت مرتين الآن هنا وهنا. إنه كلها قضايا مزعومة، مفتراة، من بنات أفكارهم.
وأنعام حرمت ظهورها، بيقولوا هذه الأنعام ما حدا يركب عليها. كان الفحل إذا أنتج عشرة من الإناث خلص يحرمون ظهورها. تمام؟ وهذا هو الحام. ما جعلوا من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام. تمام؟ كأنه حمي. فقالوا هذا خلاص. هذا الفحل استطاع أن ينجب لنا عشرة من الإناث عن طريق الإناث طبعاً يعني. وطئ فخرج من نسله عشرة. هذا ما حدا يركبه. حرام ركوبه عندهم. طيب من أين جبتوا أن ركوبه حرام؟ خلص بزعمهم. هي هكذا. ما دامت القضية كلها من بنات العقول فالإنسان يخترع ما يشاء.
وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها. أي عند ذبحها. بيذبحوها بيقولوا هي ما بنذكر عليها اسم الله. هي بنذكر عليها اسم اللات. أو نذكر عليها اسم صنم معين. فيقولوا هذه الأنعام لا نذكر اسم الله عليها عند ذبحها. وهذا كله افتراء. افتراء على الله سبحانه وتعالى. ما دام الموضوع وصل إلى أنكم تفترون. قال: ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. سيجزيهم على كل هذه الأحكام والقوانين التي وضعوها ولا ترضي شريعة رب العالمين وليست على منهاج رب العالمين.
وهذه قضية مخيفة. كل من يحرم ما أحل الله، أو يحل ما حرم الله، هذا افترى على الله. وهنا وعيد شديد: سيجزيهم بما كانوا يفترون. انتبه الإنسان، انتبه، ويعرف شو الكلام اللي بيطلع من لسانه في هذه الدنيا. القضية مش قضية محسوبات ولا جاهات ولا شيء. قضية إذا قلت عن شيء حرمه الله أنه حلال، أو عن شيء أحله الله أنه حرام، هي في كلا الحالتين هذا افتراء، وسيجزيهم بما كانوا يفترون.
لاحظ أن هذه القضية مثلاً، ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ هو الكفار مش دائماً شغلهم تحليل ما حرم الله، لا لا، ما هو برضه أحياناً قد يكون الإنسان يحرم ما أحل الله، وأنا ذكرت لكم نماذج منهم زي هذول النباتيين. اللي بيقولوا حرام تأكلوا البهائم الأنعام. ليش؟ هذا الشيء بيخالف الإنسانية. هذا كفر. هذا القول كفر. الله عز وجل أحل الأنعام، وهؤلاء يسيرون على خطى هذول يعني. إنه فعلياً الآن سيأتي معنا: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً﴾ ثمانية أزواج، من الضأن اثنين. هذه كلها ربنا عز وجل أحل أن نأكل منها. تيجي أنت تقول والله أنا ما بأكلش إلا الخس والبندورة، لأنه أنا ما أرى إنه هذا الشيء مش إنساني أنك أنت تذبح شاة وتأكلها. ولا تذبح دجاجة وتأكلها. أنت بتعترف أنك أنت بهذه الطريقة تفكر حالك يعني رح نزقف لك إنه أنت صرت إنساني يعني؟ أنت خرجت من الإسلام أنت. يعني بفكر حاله هو شيء راقي يعني.
قضية خطيرة جداً. ولذلك تجد البعض اليوم يستهزئ بالأضحية. في عيد الأضحى يخرج لك بعض أنفاس العلمانيين اللي بيقولوا يا أخي شوف المسلمين كيف دمويين في عيد الأضحى. كلها ذبائح. يا أخي شوي شوي على الذبائح. الخرفان ذبحتوه. والله هذه الناس، يعني ترى هذه يا إخواني قضية أن الناس تذبح الحيوانات وتستفيد منها، هذا فطرة. ترى هي فطرة. يعني من لدن آدم والبشر يشوفوا حيوان قابل للأكل بيأكلوه. يعني بدك تخالف فطرتي؟ حتى أرضي والله نهمك الحيواني اللي عايش من أجله؟
هم نفسهم هؤلاء اللي بيزعلوا على البقرة والغنم لما تنذبح. أهل غزة قتل عشرة، إيه عفواً، مئة ألف. يعني اليهود لهم وجهة نظر. شوف سبحان الله، يكيلون بمكيالين. يغضب على الشاة لما تذبح، ولا يغضب على مئة ألف ذبحت بكل الصواريخ وأعتاها في غزة. وبيعتبر القضية يعني قضية عادية. حتى تعرف إنه كله كذب، وأن هذه النفوس نفوس مشوهة، مريضة، التكيل بمكيالين.
من صور تشوهاتهم أيضاً الفكرية: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. الآن نفس الشيء من هيك بزعمهم. وقالوا بيجوا على أنعام وقالوا ما في بطون هذه الأنعام بيجوا على مجموعة من البهائم من الإبل أو الشياه أو البقر، هذه اللي في بطن هذه الشاة لا يأكله إلا إيش؟ خالصة لذكورنا، ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء. يأتون إلى أنعام يقول هذه الأنعام إذا أنجبت إنجاباً وخرج حياً فهذا الإنتاج الحي يأكله فقط الذكور ويذبحونه الذكور. ومحرم على أزواجنا أي على أشباهنا والمراد الجنس الآخر من النساء، تمام؟ على أزواجنا أي النساء هنا. وليس المراد الأزواج ضروري تكون زوجتك، لا، أزواجنا هي النساء بالنساء شقائق الرجال. وإذا أنجبت هذه الشاة ميتة يعني ما أجهضت يعني أخرجت حيواناً ميتاً، فهذا مش مشكلة بيأكلوه الرجال والنساء. تمام؟ يعني كانوا ذكوريين هذول اللي كيف تعرف اليوم جماعة الذكوريين بسموهم؟ كانوا ذكوريين كفار قريش يعني بغلبوا الرجال على النساء حتى في تفكيرهم إنه إذا أنتج هذا الحيوان حيواناً حياً بس بيأكلوه الذكور، وإذا أنتج حيواناً ميتاً هذه اسمها ميتة ما هي تطلع ميتة، مش مشكلة يأكله الرجال والنساء.
سيجزيهم وصفهم أي هذا الوصف وهذا الاختراع سيجزيهم عليه. مش هذا وصف أنتم وصفتوا حالة معينة؟ ستجازون على هذا الوصف وعلى هذا الاختراع اللي اخترعتموه، ستحاسبون عليه. إنه حكيم عليم. هنا اسم الله الحكيم يتناسب مع ماذا؟ إنه وجود هؤلاء النوع من السفهاء في هذا الكوكب حكمة. صحيح؟ بيقول لك يعني واحد بيقول لك لماذا ربنا عز وجل خلق أمثال نتنياهو وترامب؟ حكمة يعني وجود أمثال هؤلاء حكمة. لأنه بصير في عندك خبرة في عقول الناس والبشر ومواجهة، وهؤلاء بيعملوا أشياء تقتضي من يعني وجود الشر حكمة. إنه حكيم لما خلق أمثال هذه العقول التافهة.
إياك أنك تقول إنه بعض الناس بيقول لك لماذا خلق الله عز وجل بعض الأشياء ما لها فائدة؟ لا لا لا لا. حتى هؤلاء السفهاء الذين يقولون هذه الأمور خلقهم لحكمة. ووجودهم لحكمة وليس وجود عبثي أن وجد هؤلاء على الأرض. بعض الناس يريد حياة مثالية. لو كانت الحياة مثالية لكانت الدنيا ليست دار ابتلاء. بل كانت دار جزاء. صح؟
بعض الناس بيقول لك لماذا ما خلق الله فقط الصالحين؟ لماذا خلق أمثال هؤلاء الناس اللي عقولهم دنيئة؟ شو الفائدة من وجودهم؟ ويا أخي الحبيب إذ معناته أنت مش فاهم الدنيا. ما هي الدنيا لنبلوكم. حتى تبتلى أنت كمؤمن لازم وجود هؤلاء السفهاء ولا كيف بدك تبتلى؟ تمام؟ بعض الناس لا يريد في الدنيا وجود الأشرار ولا يريد وجود الأمراض ولا يريد وجود أشياء مؤذية. مش الدنيا دار ابتلاء؟ إذا أنت تريد عالم غير هذا العالم. وهذه قضية بحثت قديمًا في العقيدة يعني. هل كان بإمكان الله أن يخلق عالمًا غير هذا العالم؟ هذه بحثها الغزالي وغيره هذا السؤال يعني. عالم مثالي لا يوجد فيه أمراض ولا يوجد فيه أشرار ولا يوجد فيه. من حيث القدرة نعم الله قادر. لكن من حيث أنه عالم يريد أن يبتلي به الناس لعالم آخر لهو هذا العالم.
يعني من حيث القدرة الله قادر أن يخلق عالم كله من الصلحاء الذي لا أمراض فيه ولا كذا بدليل وجود الجنة. صحيح؟ لكن من حيث أنك تريد عالم تبتلى فيه ضرورة وجود ابتلاء بين مسلمين وكفار يقتضي وجود الكفار. فإذا تريد عالم يكون ابتلاء وفيه أذى بس ما يكون فيه أذى كأنك تطلب الجمع بين النقيضين. ما هو أنت عالم للبلاء بده يكون فيه عناصر البلاء ولا أنت تطلب المستحيل. عالم البلاء بده يكون فيه عناصر بلاء. الدنيا عالم بلاء ولا عالم ثواب؟ عالم بلاء. إذا هو هذا العالم. بدك ترضى به. ما بدك ترضى به ستموت كمدًا وأنت ما زلت تعترض على ربك سبحانه وتعالى.
قد خسر. الآن لما أنهى هذه الجولة في قضية عقول هؤلاء وأمثلة على سفاهة عقولهم وتعريهم أعطاك سبع عقوبات لهم. وهذه عقوبة المحرفين للشرائع الإلهية. قد خسر الذين قتلوا أولادهم. أولًا وصفهم بماذا؟ بالخسران. خسر. وبرجع بقول الخسارة هنا ليست فقط خسارة مادية بل خسارة قيمية وذهنية وأخلاقية وسلوكية قبل أن تكون خسارة مادية. خسرت كل شيء. خسرت على مستوى قيمك وأخلاقك وخسرت على مستوى ابنك خسرت ابنك كمان اللي قتلته. بدل ما أن تسر وتفرح به رحت ذبحته خشية إملاق ولا من أجل العار ذبحت أنثى. خسرت ابنك وخسرت نفسك يوم القيامة لأنك ستعذب على هذا.
قد خسر الذين قتلوا أولادهم. هي أول عقوبة أو تأنيب لهم. قال سفهًا. اثنين. سماه سفيه. لأنه هذا ما في إنسان عاقل بيقتل ابنه. ما في إنسان عاقل لما أصلًا يعطي شيء للإله وشيء لشركائه. وبعدين بعد ما يعطي شيء لله وشيء لشركائه بيخلي قسم لله وقسم للشركاء وقسم للشركاء. إيش هالكلام هذا الفارغ؟ وما في إنسان يأتي إلى أنعام يتحكم فيها بهواه. هذا من طعم الذكور وهذا من طعميش منه الإناث. هذا كله سفه. فعاقبهم بأنهم وصفهم بالسفه. وكل من حرم ما أحل الله فهو سفيه. وكل من أحل ما حرم الله فهو سفيه. إذا وصفهم بالسفه.
ثالثًا بغير علم. وصفهم بماذا؟ بالجهل. إنه أنت سفيه ولا تملك أدوات المعرفة. سفهًا بغير علم. لم يتبعوا قواعد علمية ومعرفية لما وصلوا إلى هذه النتائج ولا كيف؟ يعني لما قتلوا أولادهم بغير علم. عفوًا لما قتلوا أولادهم أو قسموا الخلق بين الله وبينهم أو قالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها. بدك تقنعني إنه هذا نتيجة بحث علمي ومعرفي وصلوا إلى هذه النتيجة ولا بزعمهم؟ كلها بغير علم هذا. هذه كلياتها بالأهواء والأذواق والشهوات.
إذا وصفهم بالخسران. وصفهم بالسفه. وصفهم بأنهم لا يملكون أي منهج معرفي. ثم قال وحرموا ما رزقهم الله. وهذه عقوبة. وهي عقوبة إنه إيش؟ مين يحكي لي كيف ممكن نصوغها هذه العبارة؟ شو العقوبة هنا؟ أحسنت. عقوبة حرمانك من الالتذاذ. يعني هؤلاء النباتيين اللي ما بيأكلوا إلا الخس والفجل وكذا. هؤلاء ترى برضه معذبين. عدا وربنا عاقبك إنه أنت إيش؟ محروم من التلذذ بطعم الدجاج ولا تروح على المحلات تأكل دجاج زي غيرك. ما بتأكلش اللحم زي غيرك. وهذه عقوبة مما جنت يداك. حرمت من اللذة بالحلال. حرمت من التلذذ بالحلال. وحرموا ما رزقهم الله. الشيء ربنا رازقك إياه مشان تأكله. تروح أنت تحرمه على نفسك. ما أحمق هذا الإنسان.
فإذا هي من العقوبات في الدنيا ماذا؟ أنه حرم اللذة بالحلال اللي ربنا أعطاه إياه. وحرموا ما رزقهم الله. ثم قال افتراءً. وصفهم بأنهم مفترون. وصفهم بأنهم إيش؟ يخترقون الكذب على الله سبحانه وتعالى. هذه العقوبة رقم كم؟ أو الخمسة. قد ضلوا. ستة. وما كانوا مهتدين. سبعة. يعني سبع كلمات وسبع أوصاف أعطاها في مقام واحد. وهذه عظمة القرآن.
لهؤلاء الذين يعبثون بالشرائع ويلبسون الأديان ويحكمون بأهوائهم وآرائهم وأفكارهم. خسروا. سفهاء. لا يتبعون منهج علمي. حرموا من التلذذ بالحلال. افتروا على الله. ضلوا عن المنهج الصحيح. وما كانوا مهتدين إلى الله بأي شكل من الأشكال. طبعًا بعضها قد يكون ملازم لبعض. فيه نوع من التلازم. ضلوا. تمام؟ بس لأنه ممكن يقول لك ضل. بس الضال ممكن يرجع. لا هنا ختم عليهم. ما كانوا مهتدين أبدًا في هذه الطريقة.
نكتفي اليوم بهذا القدر. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. من هو الآن بعد ذلك هو الذي أنشأ دخول في مسائل أخرى حتى يكون المجلس واحد.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل