دخولتسجيل الدخول

مجالس الوحيين | تفسير وتدبر سورة الأنعام | المجلس الرابع عشر [من الآية ١٢٣ إلى ١٣٠ ]

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، و«صلِّ وسلِّم على النبي المصطفى» صلاةً تتراً، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم اجعلنا من أهل القرآن المقبلين عليه، التالين له، المتدبرين لكلامك. اللهم لا تحرمنا فهم كلامك بسوء أعمالنا، اللهم لا تحرمنا التلذذ بمعاني القرآن بما أنطبت عليه قلوبنا من الخطرات الرديئة والمعاصي والذنوب، فإن المعاصي والذنوب هي أكبر حجاب يحجبك عن كتاب الله سبحانه وتعالى.

فنسأل الله عز وجل أن يغفر ذنوبنا وخطايانا، وأن يزيل عن قلوبنا الران الذي يحول بيننا وبين الكشف عن هذه الحجب والولوج إلى معنى الكلام الرباني؛ هذا الكلام الذي أنزله الله سبحانه وتعالى لتصلح به القلوب، ولتأنس به الأنفس، ولتستقيم به الطريق. وهذا والله نعمة عظيمة كلما تذكر الإنسان أن ملك الملوك سبحانه وتعالى خاطبه بهذا الكلام، وأنزل إليه كلاماً يريد به أن يهتدي هذا الإنسان وأن يصلح شأنه، ثم يرى كيف نتعامل نحن مع كتاب الله، كيف نهجره؛ نهجر معانيه، نهجر تدبره، يعرف الإنسان كم هو مقصر مفرط جهول ظلوم في حق نفسه.

الله عز وجل أيها الكرام، يعني لو كان أحد ملوك الأرض أو أحد المسؤولين أرسل لك كتاباً فيه تعاليم، فإنك تأخذه بعين الاعتبار وتقول: والله هذا كتاب يجب أن أقرأه من الجلدة إلى الجلدة بكل تركيز؛ لأنه فيه معلومات تخصني. فما بالك ملك الملوك سبحانه يعطيك كتاباً لا يخصك في أمر الدنيا فقط، بل يخص به السعادة الأبدية التي بدون هذا الكتاب لن تصل إليها، فحري بالانسان أن ينتبه وأن يتذكر عظيم هذا الكتاب وعظيم أثره ودوره في حياة الإنسان المسلم وفي توجيه بوصلته وفي صلاح حياته.

فنسأل الله عز وجل أن يزيدنا به تمسكاً، وأن نلتف حول مائدته دوماً. والإنسان دائماً أيها الكرام حتى لو سبحان الله تاتيك انشغالات وازدحامات الحياة الدنيا، لو القليل الدائم، هذا القليل الدائم خير من الكميات الكبيرة التي تنقطع؛ يعني كثير من الشباب تأتي همة ويريد يفسر القرآن خلال شهر، يا أخي ما بدنا تفسره خلال شهر، أريد ساعة أسبوعية نلتقي على مائدة كلام ربنا سبحانه وتعالى، ويكون فيها بإذن الله الخير والاستمرارية.

ما زلنا نعيش في أفيَاء سورة الأنعام، هذه السورة العظيمة المؤسسة لمعاني العقائد ولمعاني السلوك في زمن الاستضعاف. دائماً نقول: هناك سلوكيات معينة مطلوبة من المؤمن أن ينتبه لها في أزمنة الاستضعاف؛ كيف يتعامل مع هجمة أهل الباطل، ومع غوغائهم، ومع تربصهم، ومع مكائدهم، ومع زخرف القول هذا الذي بدأنا فيه.

قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا﴾ [الأنعام: 123]، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]. من هذه الآية بدأنا ننطلق إلى قضية أن الله عز وجل يريد أن يعلمنا أن من سننه المتكررة أن كل دعوة لابد لها من خصوم ولابد لها من أعداء، وهؤلاء الأعداء من شياطين الانس والجن يتعاونون في صناعة خطاب إفسادي، خطاب تضليلي، خطاب تشويهي يراد منه طمس معالم الدين وتشويهه. فالله عز وجل هو الذي شاء أن يوجد هؤلاء، وهذا تذكير مهم، وستلاحظون أن سورة الأنعام دوماً تركز على المشيئة الإلهية أن كل شيء يحصل في هذا الوجود بمشيئته، فهو الذي شاء وجود أعداء للدعوات، ولو لم يشأ لم يكونوا، فإياكم أن تظنوا أن هؤلاء الأعداء جاءوا جبراً عن الإله حاشاه سبحانه، هو الذي شاء وجودهم لتتم مبادئ الصراع بين الحق والباطل، لتتجلى معاني أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته في هذا الوجود.

فلذا قال: وكذلك جعلنا، نحن من جعلنا وليس هم أوجدوا أنفسهم بأنفسهم، لذلك ماذا قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: 112]. لماذا هذا التركيز على القضاء والقدر؟ حتى يبقى الإنسان السائر إلى الله مطمئناً أن وجود هؤلاء ليس بمستغرب، أن وجود هؤلاء ليس شيء خارج الإرادة الإلهية، بالتالي أنا أبقى متخوفاً أنه في شيء خارج الحسابات الإلهية؟ لا يوجد هذا الكلام، كل شيء بحساب، وكل شيء بإرادة، وكل شيء بمشيئة، هذا يجعلك دائماً مطمئناً لخطواتك، راسخاً، فاهماً، عاقلاً.

والقرآن ينبئك بالمعركة قبل وقوعها، وهذه عظمة القرآن، ينبئك بالمعركة قبل وقوعها؛ فيقول لك: سياتي شياطين من الانس والجن يتعاونون لإنشاء خطاب تضليلي تشويهي، زخرف القول، احذروا أن تغتروا به؛ لأن هدف هؤلاء الأسقاط، ومراحل السقوط كما قلنا أربعة: أولاً: الاغترار والإنخداع بالخطاب المشوه، ثم: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الأنعام: 113] أن تميل لهذا الخطاب وتصبح يعني تشعر انك تريد لسه ها تريد أن تتبناه، أما بعد ذلك: ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ [الأنعام: 113] اللي هو الرضا التام بهذا الخطاب الخضوع له، وأخيراً: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: 113] تصبح جندياً مدافعاً عن هذا الخطاب. تمام، طيب.

الله، ثم ذكر بعد ذلك يعني كما قلنا كان نموذج من نماذج هذا الخطاب التشويه التقليلي، طبعا هذا نموذج تقيس عليه غيره، تفضل شيخ. كان نموذج ما هو نموذج قضية فكل مما ذكر اسم الله عليه، مثلاً كان من محاولات المشركين لإفساد عقائد المسلمين أنهم يضللوا لهم في قضية أنه كيف تأكلون مما ذبحتم ولا تأكلون مما قتل الله؟ إذاً هي قضية أنكم لا يجوز أكل الميتة، فالمشركون يريدون أن يقنعوا المسلمين أن أكل الميتة جائز إذا أنت تأكل مما ذبحت لا تأكل مما قتل الله، فكان هذا نوع من التشويه ونوع من المحاولة الإقناعية البائسة؛ يعني كيف بدي أقول لك؟ بدي أُحاول أُقنعك بالمنطق، لكن هذا منطق فاسد، هذا منطق فاسد. فالله عز وجل، طبعا دون لسه بعد أن ندخل في ما الفرق بين ما يذبحه الإنسان وبين ما يميته الله، ما دام الله أمرني أن أكل مما أذبحه ونهاني أن أكل مما مات حتف أنفه، بالتأكيد هذا فيه مصلحة وهذا فيه مفسدة، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ [الأنعام: 115]. هذا كله أيضاً من الأمور التي درسناها وتعلمناها.

ثم كان هناك تحذير، تحذير خطير للمؤمنين في أزمنة الاستضعاف وفي كل زمان أيضاً: إياكم أن تخضعوا وأن تميلوا في نقاشات المشركين لآرائهم، فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: 121] إلى أعوانهم من الانس ليجادلوكم، على التلفزيونات والشاشات والسوشال ميديا وكذا، هناك شياطين من الانس تم تزويدها بأفكار من شياطين الجن وسيخرجون أمام الشاشات ليجادلوكم بها، ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121]. هذه خطيرة، أن هذا شرك؛ لأنك جعلتها مع الله حاكماً.

ثم تكلمنا عن قضية الفرق بين الحي؛ الحياة الحقيقية والذي مسك شريعة رب العالمين ومشى بها في واقع الحياة، يصلح الحياة عليها، نوراً يمشي به في الناس، وبين من هو ما زال يعيش في الظلمات ليس بخارج منها، وقلنا: لماذا ليس بخارج منها؟ يفكرها نور، لأنه مفكرها نور، هو يظن أن هذه الظلمات هي النور، والمسكين لو خرج من فوهة الظلمات لعرف ما هو النور الحقيقي، لكنه يعيش في أزمة زخرف القول.

طيب هنا سنبدا في ماذا؟ في سنة أخرى من سنن الله سبحانه وتعالى في الصراع بين الحق والباطل، بارك الله فيك، يقول سبحانه وهنا أظن وصلنا في الدرس الماضي: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ [الأنعام: 123]. وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها. هنا يخبرنا سبحانه وتعالى أن من سننه المتكررة أن الذين يصنعون زخرف القول وينتجونه ويحاولون فرضه على المؤمنين المستضعفين، من هم؟ الاكابر. الاكابر الذين بيدهم زمام الأمور فيقول سبحانه؛ لأنه هو شوف إخواني، لماذا كان من سنة الله أن يكون المجرمون الذين ينتجون زخرف القول ويتغطرسون أكابر؟ لأنه لو كان الذي في صف الباطل دائماً ضعيف لن يحصل صراع بين الحق والباطل، يعني لو كان الذي يصنع زخرف القول والذي يتغطرس بباطله لو كان هو من المستضعفين كالمنافقين في زمن في المدينة هؤلاء لن يستطيعوا أن يحصلوا أو أن يحدثوا من التشويه إلا الشيء اليسير، فحتى يكون الصراع حقيقياً لابد يكون المفسد الذي يصنع زخرف القول والذي يحاول العبث بالعقول لابد أن يكون في يده زمام الأمور، ولابد أن يملك قوى وادوات ومفاتيح حتى يكون هناك من أهل الإيمان من يقاوم هذه الغطرسة، من يقاوم هذا التغيير، من يقاوم هذا التبديل، ويكون هناك احتكاك، وهذا الاحتكاك يكون فيه ألم إلى أن يشاء الله سبحانه وتعالى زوال هذا الاستبداد وزوال هذا الظلم ونصرة أهل الإيمان على أهل الباطل.

فبعض الناس أو خليني هون أتذكر حديث هرقل لما سأل أبا سفيان عن اتباع النبي عليه الصلاه والسلام قال يعني من يتبعه المستضعفون أم الأغنياء والأقوياء؟ فذكر أبو سفيان يتبع المستضعفون، ففرق هؤلاء قال: وهكذا الانبياء يلبي دعوتهم المستضعف ويبقى المستكبر بعيداً عنها. فهذه إذاً قضية مهمة، لماذا كان من سنة الله جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها؟ وهنا البعض يقول فيها تقديم وتأخير الآية، البعض يقول مجرميها أكابر، يعني جعلنا في كل قرية ايش جعلنا؟ جعلنا مجرميها أكابر وما جعلنا مجرميها أصاغر. والمراد طبعا أكابر بالمال والثروة والزمام وليس بالمعنوية، فكأنك إذا بدك تعيد ترتيب الجملة حتى تفهمها وكذلك جعلنا في كل قرية ايش جعلنا؟ وهنا تكون جعل بمعنى صيرنا، صيرنا مجرميها أكابر، ولم نصيرهم ونجعلهم أصاغر حتى يكون صراع حقيقي ويكون هناك فعلا منافعة حقيقية، وهذه طبعا سيكون فيها بلاء لأهل الإيمان أكبر وأكبر، فاستعدوا يعني كأن الله يقول لك يا مؤمن استعد، في يعني لابد نعم تاتي اوقات عزة للأمة يكون المجرم من المنافقين الأصاغر كحال المنافقين في المدينة، لكن في أزمنة الاستضعاف وهي المرحلة التي تغطيها سورة الأنعام، لا، المجرمون هم من الأكابر ممن بيده الزمام، ممن يمتلك أدوات الاعلام والهيمنة والسيطرة ويمتلك التغيير الواقعي، وأنت عليك أن تدافع وتقاوم.

لذلك نص سبحانه: ﴿لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ [الأنعام: 123]. إذاً هل الله شاء وجود الشر؟ هل الله شاء وجود المكر؟ نعم؛ لأنه قال جعلت في كل قرية سبحانه وتعالى يقول: أنا جعلت في كل قرية مجرميها أكابر، ولماذا؟ ليمكروا فيها ولأرى صنيعكم يا أهل الإيمان وثباتكم ووقوفكم في معركة الحياة الدنيا. فلا تبتئس أيها الإنسان من وجود زمام الأمر في يد الفاسد أو في يد الضال أو في يد ما أن يفسد الشعوب؛ لأنه هي سنة من سنن الله، تبتئس على نفسك عندما ترى نفسك لست في المصطف الصحيح، عندما ترى نفسك تغني مع أهل الباطل وتطبل معهم، هناك تأسف على نفسك أنك جعلت من زمرة هؤلاء ومن أتباعهم.

ولكنني لا أستعجب ولا أستغرب من أن يكون إذن المجرمون هم الأكابر، لا أستغرب من هذا، الله أخبرني أنه سيجعل ذلك وسيفعل ذلك سبحانه وتعالى. لكن هؤلاء، طب هناك فكرة أخرى: إي لماذا المجرم في العادة، عفواً، لماذا الأكابر يفضلون الإجرام ومعاداة الدعوات؟ أيضاً هذه فكرة أري أن أنبه عليها: لماذا؟ لماذا الأكابر قليل فيهم الإيمان مقارنة بالمستضعفين البساطين؟ لماذا يكثر فيهم اتخاذ موقف الإجرام والإفساد وليس موقف الإيمان والانصياع؟ لأنه يخاف على دنياه، هذا الأكابر الذي في يده مال وثروات وشهوات، لما يجد أن هناك شريعة تريد أن تضبطه وهناك نظام محاسبة سيقوم عليه هو سيعاند هذا، ولذلك إذا لاحظتم في القرآن قضية المترفين دائماً القرآن يتكلم عن المترفين ودورهم في ماذا؟ في الإفساد: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ [سبأ: 34]، كيف يخشون من حركات التدين والإصلاح؛ لأن بالنسبة لهؤلاء على الدنيا الحريص عليها هو يرى أن الدين هكذا يرى الدين بدل أن يراه قمة اللذه وقمة السعادة كما تراه أنت أيها السالك إلى الله هو يرى أن الدين عبء، يرى أن الدين قضية تضيق، يرى أن الدين يريد أن يمنع من ملذاته وما شابه ذلك، فسيتخذ موقف المعاداة والمحاربة من الدين ويختار أن يكون جزءاً من منظومة الإجرام ويمنع وصول الدين وأن يمتلك زمام الأمور؛ لأنه هكذا للأسف زين له الجن وزينت لهم الشياطين التدين أنه بأساء وتضييق وعدم حرية وما شابه ذلك.

تجدون بعض الناس اليوم يسارع في نحن بدنا نتغير ما بدنا نضلنا زيك، بدنا نفتح الرقص والكذا وتجدونهم في حتى في أطهر الأماكن تجدونهم يحثون على هذا؛ لأنه هو يرى، يعني هو هكذا يحاول أن يصور الناس أن الدين هو اللي مضيق عليكم حرياتكم، الدين هو اللي مانعكم من اللذة، الدين حارمكم من السعادة. طيب ما هي السعادة وهذا هو السؤال؟ هل السعادة هي بالتفسخ واختلاط الرجال بالنساء والعري وأن نفعل المحرم؟ هل هذا هو الدين؟ عفواً، عفواً، هذه السعادة! فإذا عندك مشكلة في تعريف السعادة، وكثيراً ما تكلمنا عن مفهوم اللذة، وأن هناك من لا يعرف اللذة إلا بشهوة البطن والفرج ولذلك يقاتل من أجلها، وأما من عرف اللذة العقلية الايمانية المعرفية فهؤلاء يعرفون أن شهوة البطن والفرج هي من أخس اللذات مطلوبة لكنها من أدناها وليس من أعلاها.

إذاً: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ [الأنعام: 123] جعلنا المجرمين أكابر، لماذا؟ ﴿لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ [الأنعام: 123]. وكلمة المكر، ليمكروا، المكر يدل على ماذا؟ مكر الليل، الجلسات الخاصة، الأروقة المغلقة، الأماكن التي أنت لا تعرف ما يحصل فيها؛ هو يمكر، بيعمل مشاريع، بيعمل مخططات، بيدرس دراسة: كيف أفسد هؤلاء؟ كلمة المكر أعلى يعني فيها إشارات وإيحاءات كبيرة أني مش فقط ليواجهوا أهل الإيمان، القضية مش دائماً رح تكون مكشوفة، لا، لا، أحياناً هؤلاء أكابر مجرميها بده يشتغل في الظلام وبده يعمل لك أي مؤسسات وراند والحركات النسوية وكذا.

لان هو بده يعبث بدماغك، فبالتالي هو محتاج إنه لما يعمل مؤامرة أو لما يشوه هو ما بده يكشف اللعبة، هو يريد أن ينتج زخرف القول صحيح. فزخرف القول حتى ينتج لازم هو يجتمع مع زماريته، ويكون في هناك أماكن بفكّروا فيها مع بعض كيف ننتج زخرف القول؟ مش رح يشتغل هذا على المكشوف، هو لأنه إذا اشتغلوا على المكشوف أنت رح تعرف إنه هذا تم إنتاجه. لا، هذا زخرف القول يجب أن يكون خطاباً ماكراً داهياً عابثاً، يتم إنتاجه في أروقة مغلقة، ثم بعد ذلك يخرج لك على أنه الخطاب الوسطي الخطاب كذا، ويعطوه أسماء أخر. المسكين البسيط الذي لا يعرف دينه بينخدع، سينخدع ويتضرر ويتشوه كثير من معالمه.

وأما صاحب القرآن الذي عرف معاني القرآن ويقرأ سورة الأنعام بفهم، هذا واعي، هذا يسمى المسلم الواعي. القرآن يصنع الوعي، يصنع الفكر، يصنع الفهم لما يدور ويحاك لك، ولما يصنع من حولك. قال تعالى: ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: 123]. هؤلاء مساكين والله يعني أكابر مجرميها، وإن كانوا يمكرون فيها، لكن لا تظن في النهاية أنهم سيحققون السعادة ويستجلبون السعادة لأنفسهم بهذه المشاريع؛ هم مساكين لا يمكرون إلا بأنفسهم. لما أنت تظن نفسك تمكر بغيرك ولكنك تسقط في الهاوية، أنت فعلاً تمكر بنفسك. شو عم تمكر بغيرك إذاً؟ هم يريدون أن يمكروا بغيرهم، لكن في الواقع هم يمكرون بأنفسهم، لأنه كل ما تدبرونه وتخططون له سينقلب عليكم.

يأتي الله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: 26]. تخيل هو عم يبني بنيان، شوف في سورة النحل، عم يبني بنيان ومشاريع طويلة لـ 20، 30 سنة؛ كيف نغير عقلية هذا الجيل؟ كيف نخلي جيل مقتنع بالسوشيال ميديا والأفلام والتيك توك والانستغرام وكذا؟ كيف نخلي الشهوات هي أبرز عنصر؟ كيف نخلي المرأة تتعرى وتتكشف؟ ويبقى يشتغل ويشتغل ويخطط ويععمل وينتج لك، وهكذا 24 ساعة إنتاج إنتاج، ثم تكتشف في النهاية إنه في منطقة معينة إذا بالإسلام يعود بقوة! تكتشف أن حفاظ القرآن أو إقبال الناس على القرآن في مكان، فهو يعني يتمزق غيضاً: أنه أنا بشتغل 30 سنة على مشروع، بعدين بس خطاب قراني صحيح وخطاب تربوي مستقيم قادر أن يزيل هذا البنيان خلال -بدي أقول- ساعات؟ خلال سنوات معدودة يزيل هذا البنيان الذي بني من أجله سنين. وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أ ليُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الصف: 8]. أنت مسكين يعني، أنت يا أيها كل هذه المؤسسات الدولية مساكين، تطفئ نور الإله بفم؟ شو بدك تطفئ نور الإله بفم أنت؟ هذا نور فطري، واضح، جلي، أعلى من أن يأتي شخص فاسد ضعيف من البشر الضعاف يريد أن يحاول أن يخمد هذا النور. مهما سعيت، تذكر يا أيها الفاسد أنك تطفئ نور الله بفمك الضعيف، والله متم نوره.

فهون فعلياً أنت عم تخسر حالك يا أيها الماكر ويا من يكون في صف هؤلاء، أنت تخسر نفسك. والله إن هذا الدين منتصر، وإن المستقبل لهذا الدين، وإن الله عز وجل سيعز أهل هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله. كن واثقاً من هذا، لكن الفكرة أني أكون أنا -حتى تاتي هذه العزة- أكون في المكان الصح، وانه ربنا يستعملني لصناعة هذه العزة ولأكون من روادها. ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: 123]. بس شو المشكلة؟ هو لو شاعر بإحساسه الداخلي أنه عم يهلك نفسه، هو أكيد ما دخل في هذه المغامرة، لكن هذا من الخذلان أن تكون عم تسقط في أوحال وعم تدمر حياتك وأنت تظن أنك تصنع الأمجاد، وأنك يعني في تقدم مستمر، وأنك أنت استطعت أن تنهي المشروع الإسلامي، وأنك استطعت أن تقصيه، وأنك استطعت أن تفعل وتفعل وتفعل، فاذا فجأة في اللحظة التي كنت غائباً تعيش في أحلامك ودنياك تسقط! عندئذ لا ينفع الندم ولا حين مناص. أسأل الله السلامة والعافية.

وإذا جاءتهم آية؛ عدنا إلى فكرة الآيات ودلائل الوحدانية ووجود الله وصدق، هي التي معنا من أول السورة، ولاحظ كيف اشتباكاتها. نحن من أول السورة: ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: 4]. من أول السورة كانت مشكلة الآيات، وأنهم يقترحون الآيات على النبي عليه الصلاة والسلام ونريد معجزات قاهرة، والآيات التي أتيت بها لا تكفي، ولازم شيء يكون برضه خارق للعادة، نحن ما بنؤمن بايات وادله عادية، نحن بدنا الأدلة الغريبة اللي بيكون فيها خرق للسنن وعصى تصير حية، بدهم هذا النموذج كفار قريش. فالله عز وجل سبحانه وتعالى يريد أن يطمئن النبي عليه الصلاة والسلام ويزيده ثقة بمنهجه الدعوي ومسلكه، وأنه دعك من هؤلاء. من أول السورة والله عز وجل يوجه نبيه صلى الله عليه وسلم ومن معه أن إياكم أن تصدقوا هؤلاء الذين بدهم آيات وبيقترحوا آيات، هؤلاء مجموعة من أصحاب الأهواء. ولو جاءتهم آية، ايش قال في الصفحات الماضية: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [الأنعام: 109-110]. هنا أيضاً يخربك عن فكرة من أفكارهم، لماذا هم أصلاً لن يؤمنوا بالايات حتى لو كانت على النمط الذي يريدونه؟ يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٍ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 124].

هذا إخبار للصحابة وللنبي عليه الصلاة والسلام؛ هؤلاء كفار قريش مش شغل آيات، مش شغل اقتناع، هذه المعجزة الباهرة لم تكفه، ودلائل الكون والسماء فالق الحب والنوى كل هذه الدلائل لم تكفه؟ هذا تقنعني يا أيها القارئ للقران أنه يريد يبحث عن الحقيقه يريد أن يصل؟ هذا ما بده يصل. الذي يريد أن يصل للحقيقه يكفيه دليل واحد صحيح، فما بالك أن هناك ألف دليل ودليل على وجود الله! إذاً، اطمئنوا يا أيها الصحابه واياكم أن تستميلكم هذه الدعوات التي يطالبون فيها بالايات. بتعرف هذه رافع شعار كل ما تيجي تقول له بقول لك: بتجيب لي آية يا اخي؟ خلينا نتناقش كذا. كل ما بدك تيجي تحاول تقنعه بهذا الدين: بس أنا بدي آية، أنا بدي معجزة بتاعت شعبك. فانت بدك دائماً القرآن يوجهك أنه جهودك وطاقتك لا تضيعها مع هذا. خلاص، أنا بحاول قدر جهدي أن أقيم لك الأدلة، ما زلت معاند وتتلاعب، أنا لا أخضع لتلاعباتك ولا لرغباتك، يأتي الله بغيرك، وأصرف جهدي وطاقتي كداعية إلى الله لمن معي في المشروع الاسلامي للشباب المؤمن، أن نشتغل على أنفسنا بالطاعة وهذا إلى أن يقضي الله بيننا وبين عدونا.

فهنا سبحانه وتعالى يخبرك عن شيء في نفسية المشركين لازم تفهمه، وكان الصحابه يحتاجون أن يفهموه: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٍ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 124]. آه، إذاً في بُعد نفسي عندهم هو أن أبو جهل وجماعته كان إحدى المشاكل عندهم التي تجعلهم لا يؤمنون، ما هي؟ إنه كيف ينزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم ونحن ما يكون لنا نصيب من نزول الوحي علينا؟ وقالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31]. هذه كانت إحدى مشاكل أبو جهل مثلاً، أنه كيف ينزل القرآن على ابن عبد المطلب ولا ينزل على رجل من رجالات قريش الكبار أو رجل من رجالات الطائف؟ قال يعني في رجالات الطائف الحكماء ورجالات قريش، لماذا محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي ينزل عليه القرآن؟ وتذكر قصة أبو جهل لما قيل له: أيأتوتعرف أن محمداً صادق؟ قال: نعم عليه الصلاة والسلام، لكن ايش قال؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف؛ أطعمونا فأطعمنا، وسقونا فسقينا، وأجاروا فأجرنا، حتى إذا كنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي! أعد، نحن من وين بدنا نجيب نبي من عنا؟ نحن جماعة خزاعة. فأبو جهل كانت مشكلته إنه أنا كيف بدي يطلع نبي من قبيلتي؟ شوف وين بفكر، بدل ما أنك الآن تستدل بالادله على وجود الله ونقاشنا في هذا المربع، أبو جهل كل مشكلته لأنه متعلق بالدنيا متعلق بالفخر، شوف هي فكرة كيف الإنسان يحب الشرف.

ولذلك، ما ذئبان جائعان أفسد لدين المرء من حب الدنيا والشرف، من حب الدنيا وجمع الدنيا وللشرف. النبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا أن حب الدنيا وحب الشرف والسؤدد يفسد دين الإنسان وعقل الإنسان، أليس كذلك؟ هذا ما أفسد كثير من طبقات قريش، أنهم كانوا يدركون تماماً صدق محمد صلى الله عليه وسلم، لكن هي مشكلته إنه كيف أنا أتبع رجل من آل عبد المطلب ونحن يا جماعة نتنافس على الشرف في جزيرة العرب؟ هذه مشكلة، وهذا يجب يدل على أن الإنسان إخواني يجب دوماً أن يربي نفسه على التواضع للحق والخضوع. يعني ربي نفسك هذه التربية، أنه أنا لا يهمني في هذه الحياة قضية ماذا سيقال عني، ولا أجدادي وآبادي والعادات والتقاليد والأعراف ولا شو نظرة الناس إلي. لما يجي الدين، لما يجي الدين كل شيء متعلق بحياتي يقف وأجعل كلمة الله هي العليا، ولا أجعلا لأي عادات أو للتقليد ولا لأي فكرة ولا لأي عصبية ولا لأي راية عمية مكاناً في الحياة. لأنه هذه مشكلة كانت أغلب الفاسدين أنهم جعلوا هناك أمور تحول بينهم وبين الرشد والخير والهدى، وهي تلك الرايات العمية أو العادات والتقاليد الاجتماعية أو نظرة الناس إليهم.

فإذاً: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٍ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 124]، بدنا ينزل علينا وحي كما أنزل عليهم. فالله عز وجل يخبرهم: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124]. فالله سبحانه وتعالى هو الأعلم أي من يستحق للرسالة، وأي القلوب هي الأنقَى لاستقبال الوحي والهداية الإلهية لتعلم الناس تظن القضية هي بالشرف؟ تظنون القضية بالمال؟ تظنون القضية بالنسب؟ وأن ابن فلان وانت ابن فلان؟ لا والله، عند الله القضية بالقلوب والاستعدادات. فالله أعلم أي القلوب هي أكثر استعداداً لينزل عليها الوحي لتتحمله لتتمسك به ولتعلم ولتُعَلِّم الناس. وهنا ابن القيم دائماً أخذ هذه الآية ويقول في مفتاح دار السعادة: وكما أن الله أعلم حيث يجعل رسالته أصلاً، فهو أعلم حيث يجعل رسالته فرعاً؛ فهو أعلم من هم الذين يستحقون أن يكونوا علماء، فيعطيهم العلم الشرعي. لذلك، كم من إنسان بيدخل في دورات شرعية وبيحاول وبيقعّد مع الدكتوراه وبياخد شهادات في الشريعة كثيراً، ولكنه يبقى ضعيفاً، يبقى هزيلًا تماماً. هناك قلوب لم يرها الله عز وجل مؤهلة لحمل هذه الشريعة فحرمها من ذلك، فلا تقولن الله عز وجل جعل فلان عالماً مع أنه أنا والله تعبت وسعيت وحاولت، نقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124]. فكما هو أعلم حيث يجعل رسالته في الأنبياء، هو أعلم أين يجعل رسالته في ورثة الأنبياء من العلماء، أن من ورثة الأنبياء العلماء، فهو أعلم حيث يجعل رسالته أصلاً وفرعاً.

كما قلت، هناك قلوب لا تصلح أن تكون قلوب علماء، وهذه إما لدناستها وخبثها، وإما لضعفها ولأنها قد لا تستطيع القيام بأعباء الدعوة. فهذا كيف يجعل عالماً ضعيفاً؟ فأحياناً قد يحرمك الله من العلم إما لدناسة في القلب وخباثة وإما لضعف، فأنت لست مؤهلاً لأن تكون إماماً يقتدى بك، ليس شرطاً أن تكون صاحب معاصي وذنوب، لكن عندك من الضعف ما عندك، فالإفامة في الدين أيضاً تحتاج مواصفات. ولذلك يختار الله عز وجل للإمامة في الدين قلوباً معينة، ولذلك اقرأ سيرة العلماء الذين نالوا الإمامة في الدين وأصبحوا أئمة يقتدى بهم؛ انظر لشخصيته حياته تفاصيله. اقرأ سيرة الشافعي وأحمد وهؤلاء الكبار، اقرأ سيرة ابن تيمية وابن القيم وهؤلاء الكبار، بتعرف أنه في معطيات شخصية ونفسية تجعل هذا مؤهلاً لأن يحمل هذه الشريعة ورفعها وليكون من أصحاب الإمامة.

﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124]، فلا تعترض يا قريش لماذا نزلت الرسالة على محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلوات ربي وسلامه عليه، فهو الأنقَى والأزكى والأكثر استعداداً لها. ثم جاء الوعيد على هذا العبث المتكرر وعلى هذه النفوس المتأزمة: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾. هنا الإجرام أعلى من مجرد الكفر، تمام؟ لأنه هنا نحن بنتكلم عن سياق أكابر مجرميها، وننتكلم عن الطبقة التي تصنع زخرف القول. أنت عندك الكفار؛ عندك عوام من الكفار وعندك المتغطرسين من الكفار، ممتاز. هناك الكلام يتوجه إلى المتغطرسين الذين يصنعون زخرف القول ويفسدون ولا يرضوا لهذا الدين أن ينتشر ويقفون في وجهه. هؤلاء سيصيبهم من العذاب ما هو أشد مما يصيب عوام الكفار. ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ﴾. أولاً صغار؛ في الدنيا كانوا أكابر، صح؟ في ماذا سيكونون عند الله؟ صغار. شوف المقابلة بين أكابر مجرميها وبين أنت مجرم في الدنيا من الأكابر، ستنقلب الحكاية وستصبح صغيراً. ولذلك المتكبرون عند الله يأتون مثل الذر الصغير يدوسهم الناس يوم القيامة، كما جاء في الأحاديث؛ هؤلاء المتكبرون الجبابرة يحشرون يوم القيامة مثل الذر الصغير تدوسهم الناس بأقدامهم في ساحة الحشر. إذاً أولاً الذل: ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الأنعام: 124]. مش أي عذاب، لا، عذاب شديد بسبب ايش؟ قال: ﴿بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ [الأنعام: 124]. يعني هذه الجلسات التي كنتم تفعلونها لتفكروا كيف تمنعون الإسلام من أن ينتشر. مساكين والله هؤلاء، والله لو قرأ القرآن لاستحى أحدهم، يعني ربنا بيقول لك: ترى هذه الجلسات الله كاشفها ومطلع عليها، قد يكون الشباب المسلم غير مطلع عليها، لكنها مكشوفة تماماً عند الله وعاقبتها ستكون العذاب الشديد. فأنت على ماذا تقايس؟ وعلى ايش تبني؟ وما هو البنيان الذي تريد الوصول إليه؟ فنسأل الله العافيه، فانهم كما.

وما يشعرون هو مش شاعر، بنهاية هي الحياة اللي بيعيشها كم بده يعيش الذي يتآمر على الإسلام؟ كم بده يعيش يعني 80، 90 سنة؟ وأنت تراهم يسقطون واحداً واحداً. كم بدك تعيش؟ فرعون عاش ما عاش وانتهى، والله أبقى جسده ليكون عبرة لكل من يفكر بالجبروت. كم ستعيش مساكين هؤلاء؟ فمن يريد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يريد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء.

ما دامت القضية إذا بمشيئة الله سبحانه، لاحظوا الآن العودة لموضوع القضاء والقدر، وأنه علينا دائماً أن نسلم أن كل شيء بماذا؟ بإرادته ومشيئته. ما فائدة كما قلنا هذا الكلام؟ أن إرجاع الأمور دائماً للقضاء والقدر أن يبقى السائر إلى الله في طريق الدعوات مطمئناً لكل ما يحصل معه في بنيات الطريق، وأنه كل ما يحصل بقدر، إوعك تفكر أنه في شيء خارج الترتيب الإلهي، إوعك تظن أن هناك من يخرج بأعماله عن أمر الله ومشيئته.

فأيها الدعاة إلى الله عز وجل، لا تحملوا أنفسكم فوق طاقتكم، وإذا قمتم بالجهود المطلوبة وبلغتم فأنتم لا تلوموا أنفسكم فالنتائج ليست بأيديكم، وإنما النتائج بالإرادة الإلهية، فهناك إرادة لأن يهدي فلان وهناك إرادة لأن يضل فلان لعلم الله السابق بما يصلح لفلان وفلان. فمن يريد الله أن يهديه، الذي يريد الله، وهذه الإرادة الكونية والقدر الكوني، فمن يريد الله وهذا يدل إخواني أن الإرادة الكونية يعبر عنها بالإرادة ويعبر عنها بالمشيئة، صحيح أنه أحياناً يقول: ولو شاء الله، بعدين هنا فمن يرد الله. إذا المشيئة الكونية والإرادة الكونية كلاهما معاني مترادفة في الجملة يعني.

يقول سبحانه: فمن يريد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام. والشرح إخواني هو التوحيد والسعة. عندك الآن صدر، هذا الصدر إما يتوسع وإما أن يتضيق لنور الله سبحانه. ربنا عز وجل بيكتب لهم الهدايه وفي علمه السابق يعلم أن قلوبهم أهل لها، تجد صدورهم منشرحة للدين، منشرحة للإسلام، مستريحة معه.

وفي المقابل اللي ربنا عز وجل يعلم أنها نفس خبيثة وقلب خبيث: ومن يرد الله أن يضله يجعل صدره ضيقاً. نور الإسلام مش عم يدخل عليه، حرجاً أي متشابكاً. وهنا يذكر المفسرون أنه لما عمر بن الخطاب قرأ الآية نادى أعرابياً فقال: ما الحرج عندكم؟ قال: هي الأشجار الملتفة تماماً، كيف الأحراش نحن بنسميها، بتعرف الأحراش حرجية كمان صح؟ بنسميها حرجية، حرجية نعم. ليه؟ لأنها ملتفة، بتعرف الغابة لما تكون هيك أشجارها متداخله وأنت بتحاول تدخل عليها مش قادر تدخل.

هكذا قلب الكافر والمنافق، قلبه مشتبك، كلما جاء نور الإسلام ليدخل يجد مشتبكاً هكذا، لا لا يجد منفذاً له، فلا يدخل نور الإسلام عليه. شدة الضيق يعني ليس فقط ضيق، لاحظ كيف التصاعدية كذلك في الوصف هذه من البلاغة أنك تبدأ بالوصف ثم بالأعلى، ضيق، مش بس ضيق، لا لا هو ضيق وملتف على بعضه، قلبه منغلق فلا يجد نور الإسلام مدخلاً له.

فالله عز وجل يخبرنا أن القلوب على قلبين، قلوب الناس هناك قلوب تنشرح، وسبحان الله هذا الانشراح ترى متفاوت. هذا الانشراح للإسلام متفاوت، في واحد تجد قلبه منشرح لطلب العلم ومنشرح لمجالس التعلم ومنشرح بهمة عالية، وفي واحد بتجده بس تقول له يا أخي اجلس في المجلس في المسجد بين المغرب والعشاء بيلهث مش قادر يقعد بين المغرب والعشاء في المسجد، قول له اجلس في المسجد للشروق كأنك كلفته بجبل كبير.

فانشراح الصدر للإسلام أيضاً هو من المعاني التي تقبل الزيادة والنقصان مثل الإيمان، فهناك من ينشرح انشراحاً كلياً وهناك من ينشرح لباب من أبواب الخير لكن يضيق صدره عن باب آخر. صحيح، هناك بقول لك أنا بنشرح مع الصيام بس أخي والله قل لي مثلاً عن الزكاة أو الصدقة شوي بلاقي حالي صعبة علي. في واحد بينشرح للصدقة والزكاة لكن قول له تعال أحضر مجلس علم، جبل كأنه جالس عليه خلال ساعة ونصف.

فالناس متفاوتة ولذلك كان خير الناس الذي يستطيع أن ينشرح صدره لأبواب الخير المتعدده تماماً. خير الناس الذي يستطيع، السلام ورحمة الله، أن ينشرح صدره لأبواب الخير المتعدده هذا من خير الناس تفضل تماماً. فهذه نعمه من نعم الله سبحانه وتعالى عليك أن يرزقك قلباً منشرحاً للإسلام ولمعاني الإسلام مقبلاً عليها.

فدائماً سل الله أن يشرح صدرك، ألم نشرح لك صدرك؟ من أعظم المنن امتنها الله على نبيه صلى الله عليه وسلم ما هي؟ انشراح صدره للإسلام ولهذا الخير. فأنت تشعر صدرك واسع لتعاليم الدين، وصدرك واسع للصلاة للذكر لقيام الليل. بعضنا ممكن كما قلت يتسع صدره لكثير من الأمور بس قيام الليل مش متسع يعني، خلص قول له عن قيام الليل مش ثقل.

فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا انشراح الصدر وسعته فإنها نعمة عظيمة، أنه يتسع صدرك وهذه القضية شوف تحتاج إلى تعب وجهد منك، يعني انشراح الصدر كلما تعبت أكثر وأكثر كلما انشرح صدرك أكثر وأكثر. فلذلك عندما تجد شخصاً مثلاً يعبد الله سبحانه وتعالى وفي إيمانيات ويبكي وأنت بتقول يا أخي يا ريت أصير مثل هذا الرجل الفاضل أو هذا الولي الصالح، هو بدك تعرف أن هذا الولي الصالح يعني الذي أصبح قيام الليل عنده عادة، والذي أصبح ذكر الله على لسانه دوماً، والذي أصبح العلم والقراءة، هذا الولي الصالح هذا تعب حتى حصل هذه الانشراحة.

فأنت عليك أن تعرف، عليك أن تبذل وتجاهد، كيف الشغلة بتكون ضيقة كل ما أنت حفرت فيها حفرت فيها كحفرة تتوسع أكثر وأكثر؟ فبدك جهد حتى يحصل الانشراح حتى يحصل الانكشاف، ولهذا لا يأتي فجأة إلا أن يشاء الله. وفي المقابل أهل الفساد اللي ربنا مش كاتب له الهداية يجعل صدره ضيقاً كما قلنا، وليس فقط ضيقاً، حرجاً كالغابة والأحراج الملتفة، مش قادر يتقبل كلمة الدين، تعال يا فلان طب أسمعك كلام الدين والإيمان، أنصحك نصيحة نتناقش أنا وياك، ثقيل ثقيل.

قال: كأنما يصعد في السماء. شوف كلمة يصعد، الإنسان اللي ايش يتصعد وبدك تحاول تطيره في السماء ومش قادر، لأنه لا يمكن الإنسان أن يصعد في السماء. طبعا هي الآية كأنما يصعد في السماء اليوم ربما في العلوم المعاصرة بقول لك يعني أنه الإنسان، أن الله عز وجل شبه الإنسان الفاسد الضال الكافر كيف ضيق صدره بإنسان بيطلع في السماء، لأنه كل ما واحد طلع في السماء بقل الأكسجين، صحيح يعني هذا كلام يتكلم به، لكن أظن أن الصحابة الكرام لما فهموها ما فهموها بهذا البعد الفيزيائي كمان، وإنما فهمت بسياق آخر وهو سياق أن الإنسان لما تطلب منه يطلع في السماء بيقدر يطير في السماء ويصعد في السماء؟

لو قلت لك الآن يلا اصعد في السماء وأنت هيك بدون طائرة ولا شيء، بدك تفهمها في فهمهم هم. لما أقول لك اصعد في السماء بتقول لي والله أنت تطالبني بشيء ايش فوق طاقتي. كأنه هذا الموضوع، هذا الرجل الضال لضيق صدره وأصبح حرجاً كأنك لما بتحاول تقنعه في الدين وتفهمه شو الإسلام كأنك تطلب منه المستحيل، كأنك بتقول له ايش اصعد في السماء وارتقي فيها من شدة أنه هو مش قادر ومش متقبل فكرة الإسلام ولا فكرة التدين.

كان هذا الداعي إلى الله وهو يحاول أن يقنعه ويفهمه كأنما يطلب منه ماذا؟ المستحيل، كأنك بتقول له اصعد في السماء، كأنما يتصعد. فكل ما أنت بدك تحاول تطلعه بقول لك خلص مش قادر يا شيخ أنا مش قادر اصعد في السماء. في يعود إلى الأرض، ودائماً الأرض أخلد إلى الأرض، أخلد إلى الأرض، عبارة الذي أعطى أعطاه الله الآيات فانسلخ منها كأنه ايش؟ متمسك بالارض مش قادر يشوف شيء أعلى من الأرض.

فهذه يعني من المعاني التي قيلت في هذا السياق، أن صدر الضال ضيق حرج متشابك، كأنما من شدة ضيقه وحرجه كأنما يصعد في السماء، يعني كأنك تطلب منه أن يصعد في السماء ها، تطلب منه أن يصعد بقلبه وصدره وهو مش قادر. فهذا فرق بين المنشرح الصدر، هذا يمكن أن يحلق بقلبه في ملكوت الله تماماً وتأخذ المعاني الإيمانية والقرآنية فتحلق به، وبين اللي صدره ضيق حرج مش قادر يطلع من الأرض، وكانك تطالبه بما يعجز عنه، بأن يصعد في السماء ويقول لك أنا لا استطيع أن أفعيل هذا الشيء.

كذلك يجعل الله الرجس، والرجس هي النجاسة المعنوية والنفسية، كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون اللي ما بيختار الإيمان، هكذا يكون حاله، قلبه مليء بالرجس، مليء بالخبائث في المعتقدات الخبائث، في الخواطر والأفكار الخبائث، في الهمم والإرادات. فعلاً لما تجلس مع هؤلاء تشعر أنك جالس مع شخص خبيث، أفكاره، معتقداته، اختياراته، بل حتى الرجس المادي تجده يكثر فيهم، فتجد أن الكفار لا يجتنبون النجاسات، وتجد في البول والغائط وما شابه ذلك ثيابهم غارقة فيها.

فتجد سبحان الله أن أهل الضلال حتى عندهم ممارسات في النجاسات، أكل الكلاب وأكل الخنازير لا يجتنبونها ولا يتوقونها، فالرجس والنجاسة قلبية وحسية. كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون اللي ما بيختار الإيمان مع ظهور دلائله ومع ظهور علاماته ومع ظهور الأدلة والآيات، فهذا حاله أن الله سبحانه وتعالى يجعله مستودعاً للأفكار الخبيثة، للنظرات الخبيثة، للخواطر الخبيثة، للأفعال الخبيثة، بل حتى للنجاسات المعنوية.

ففرق بين الطهارة وبين النجاسة، فرق بين الذي انشرح صدره للإسلام فتطهر باطنه باطنه وظاهره وبين ذلك الصدر الضيق الحرج الذي مش قادر يخرج، مش قادر يصعد، مش قادر يرتقي، شوف مش قادر يرتقي، فالذي لا يرتقي خله خله مع النجاسات الأرضية وخله مع هذا الخبث يعيش معه ويموت معه.

ثم يقول سبحانه: وهذا صراط ربك مستقيماً. وهذا تذكير دائماً في كل هيك مجموعة آيات بتيجي سورة الأنعام بتقول لك: اثبت على منهجك، لا يستذلنك هؤلاء، لا يستخفنك الذين لا يوقنون، فإن استطعت أن تبتغي نفخاً وسلماً في السماء فتأتيهم بآية أفعل. لا تتنازل، خلص استمر، هذا صراط الله، هذا طريق الله مستقيم لا عوجاج فيه.

إذا بتسلك هذا الصراط المستقيم بتوصل، إذا بدك تلف وتدور وتدخل في الطرق المعوجة مع الذين يبغونها عوجاً، صح؟ وربنا قال عن الكفار: يبغونها عوجاً، هم ما بدهم الخط المستقيم، بدهم ملذات وشهوات وأهواء، والله لا يريد ذلك، يريدها مستقيمة إليه: وأن هذا صراطي مستقيماً. وهذا صراط ربك مستقيماً، هذا صراط علي مستقيم. هكذا يركز القرآن أن الطريق إلى طريق دغري ما في ولا دوران وفيش في مجال أن أي تفتح الأبواب المغلقة، كما رسم النبي عليه الصلاة والسلام خطاً مستقيماً ورسم خطوطاً عن جانبيه وبين أن هناك أيضاً أبواباً مصدلة لا تفتح الأبواب المغلقه على جانبي الطريق، لأن هي الأبواب المغلقة هي أبواب الشياطين الذين يصنعون زخرف القول.

فاللي بيمشي دغري ومثبت حاله على الصراط المستقيم ماذا؟ مهما فعل أصحاب زخرف القول، مهما أنتجوا ومهما فعلوا ومهما حاولوا هو غير مرتبك وغير ضائع وغير تائه، لأنه هو ماشي على الاستقامة. وهذا الصراط المستقيم كيف بدي أحافظ عليه؟ أنك تتمسك بالكتاب والسنة. من بحث عن الصراط من غير الكتاب والسنة فسيخرج عن الاستقامه قطعا، من بحث عن الوصول إلى الله من غير الكتاب والسنة فسيخرج عنه قطعا.

لذلك قال: وهذا، هي اسم إشارة صحيح، يشير إلى ماذا؟ إلى القرآن، هذا الذي نتلوه عليك هو الصراط المستقيم ها، اللي بتسمعوه وبتقرأوه هذا هو الصراط، إذا مشيت عليه بتوصل، لكن إذا حاولت تخترع طرق أخرى للوصول فلن تصل. لذلك قال وتأكيد أن وهذا إشارة للقرآن قال: قد فصلنا الآيات. القرآن فصل فصل الآيات والتفصيل والعلامات والدلائل لقوم يتذكرون، اللي بده يتذكر وينتبه ويتيقظ ويريد كلما غفل ونسي وحاول الشيطان يحقننه أنه لا روح على طريق ثاني، طريق أنت والله مشدد على حالك في الدين، ترى في طرق إلى الله كثيرة من متمسك بالالتزام واللحية وكذا، في هناك طرق عديدة ممكن تدخل فيها وتصل إلى الله.

فالإنسان اللي بده يتذكر دوماً الطريق حتى لا ينسى، بده يقرا القرآن، فيقول: قد فصلنا الآيات لقوم يتذكرون. اللي بده يتذكر حتى ما ينسى، بده يقرا القرآن يومياً، ما تترك القرآن حتى تبقى متذكر، لأن الذي يترك القرآن ويهجر القرآن تدبُّراً وتلاوة مع الوقت سيقع في فخ أن هناك طرق أخرى، وسيفتح الأبواب المغلقة، وسينغر بزخرف القول نسأل الله السلامة والعافية.

طيب الذين تمسكوا بالصراط المستقيم في الدنيا، ما ثوابهم عند الله؟ قال: لهم دار السلام عند ربهم. هؤلاء الذين أخذوا طريق السلامة في الدنيا سيصلون إلى دار السلام في الآخرة. طريق السلام في الدنيا هي الصراط المستقيم، من اختار طريق السلام في الدنيا وصل إلى دار السلام. لهم حصرياً دون غيرهم، لهم ولا أحد. لماذا قدم لهم حصرياً لهم الذين سلكوا الصراط المستقيم، سلكوا معاني القرآن وتمسكوا بها لهم دون غيرهم، لهم دار السلام. والسلام يطلق أولاً على اسم من أسماء الله، فإذا دار السلام، دار الله التي هي الجنة.

دار السلام يعني دار الله الذي اسمه السلام، وأيضاً يجوز أن يقال دار السلام أن السلام وصف لهذه الدار أنها دار سالمة من الآفات والأكدار والأوبئة والبلاءات، دار مطمئن أصحابها لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون، لا يصيبهم نصب ولا يصيبهم هم ولا يصيبهم حزن ولا تعاسة. إذا من أخذ طريق السلامة في الدنيا فلهم دون غيرهم دار السلام. ولاحظ الجمالية، مش فقط لهم دار السلام ونقطة، عند ربهم.

وهذا يذكرنا بدعاء زوجة فرعون: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: 11]، فطلبت الجوار قبل الدار. وهذا أيضاً من المعاني الذي ينتبه لها: لهم دار السلام عند ربهم. ماداموا هم أرادوا أن يكونوا قريبين من الله في الدنيا، فالله سيعطيهم هذا القرب في الدنيا وفي الآخرة: لهم دار السلام عند ربهم. وما أسعد المحبين لله بهذه الجملة: عند ربهم! وما أسعدهم بذلك، لأنهم أصلاً عبدوا الله حبّاً له وطلباً لجنته، لكن أساس السير هو الحب لله. فلما أحبوا ربهم، لم يتصوروا أن يكونوا في دار السلام وهم بعداء عن الله، فطمأن الله تلك القلوب المحبة له أن هذه الدار ليست بعيدة عني، بل هي بجواري. لهم دار السلام عند ربهم، فهي دار سليمة آمنة، وفي نفس الوقت قريبة بجواري، فسعدوا وهنأوا بقربهم من ربهم سبحانه وتعالى.

ليس فقط ذلك، لأنهم دار السلام هذه في الجنة في الآخرة، طب في الدنيا؟ إنه بعض الناس لما تقول له عن الصراط المستقيم في الدنيا، دائماً كما بحثها ابن القيم في الاستقامة، أنه بقول لك يعني الدنيا خلاص مش مشكلة، كلها رح تكون كآبة وحزن، يلا بدنا نتحمل طريق الالتزام مشان نوصل لدار السلام. وهذا من أكبر المفاهيم الخاطئة، أنه حتى في الدنيا ستبقى مطمئناً. قال: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: 196]. يعني أنت في الآخرة لك دار السلام وفي الدنيا لا تظن أن الله متخلٍ عنك، يعني أنت لا تعيش في الدنيا التخلي لتصل في الآخرة إلى رحمة الله فقط، بل رحمة الله مع من يسلك الصراط المستقيم في الدنيا وفي الآخرة، فالله متوليك في الدنيا.

كذلك ولاية الله لك على قدر أعمالك: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾. كلما كان عملك أكثر وطاعتك أكثر، كلما كانت ولاية الله لك أكثر. جاء في الحديث القدسي: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فاذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي به، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». هذا معنى الولاية، هذا الحديث هو بيختصر لك ما معنى أنك تسمع بالله وتبصر بالله وتبشي وهكذا. المعنى أن الله يتولى كل حركة من حركاتك، وكل خطوة من خطواتك، وكل خطرة من خطراتك، وكل دعوة من دعواتك. تشعر أن هناك ولياً، والولي هو الناصر. وسورة الأنعام ركزت على معنى الولي من أولها: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً﴾ [الأنعام: 14].

فأنت أكثر ما تحتاج في هذه الحياة الدنيا أن الله لا يتخلى عنك، لأنه إذا تخلى عنك طرفة عين هلكت. فأكثر شيء يبحث عنه السائرون إلى الله: ولاية الله. ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 257]. وأعظم أشكال الولاية أن قال: ﴿يُخْرِجُهُم مِّنَ الظَّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257]. هي أعظم أشكال الولاية: أن الله يخرجك من كل ظلمات الأفكار الخاطئة والتشوهات الفكرية إلى ماذا؟ إلى نور الإيمان والإسلام.

فإذاً لهم دار السلام عند ربهم، هذا عطاء الآخرة. وأما عطاء الدنيا والآخرة أيضاً، وهو وليهم. الولاية: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: 196]. ألم يأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يقول: ﴿إِنِّي وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: 196]؟ الولاية مفهوم يعطي قوة في الحياة، يعطيك قدرة على مواجهة الباطل، يعطيك شعوراً بالطمانينة وأنك لست وحدك في هذا الطريق. حتى لو انفض الناس من حولك، ولو كنت ملقى في غياهب السجون، ولو كنت تواجه الأمم الكبرى وطغاة البشر، لست وحدك: وهو وليهم.

لكن هذه الولاية ماها العمل إخواني؟ هو قال: الولاية مش مجانية، ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 127]. على مقدار عملك وسعيك تكون ولاية الله لك، فلا تطلب ولاية أعلى من مقدار سعيك. كما قلنا: بعض الناس قد يرى رجل ربنا فاتح عليه في القيام وفي السعي وفي الأذكار وفي كذا، بقول لك طب ليش فلان مش أنا؟ طيب ما هو أنت شو سعيك؟ «من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً». تريد أن الله يتقرب منك باعاً وأنت لم تقرب إلا شبراً؟ ما هو الباع لمن كان؟ لمن تقرب الذراع صح؟ الباع ما كان لمن تقرب الشبر. بعض الناس بتقرب شبر وبده الباع.

فهمتوا شو نحن فكرتنا؟ بعض الناس يعني بيمشيو خطوتين بده يصير زي هذاك الورع التقي الزاهد اللي في مدين العبادة من سنين، وبيقول لك طب أنا ليش مش زيه؟ طيب يا رب أنا هيني صليت الفجر يا رب أنت هو ماشي. أنت مشيت الشبر يا ابن آدم، فلا تطالب إذا مشيت شبراً أن تنال من الولاية. ستنال من الولاية، لكن لا تطالب بمستوى من العناية والرعااية كما فعل الذي مشى ذراعاً، «ومن أتاني ماشياً أتيته هرولةً». تمام؟ وهذا دلالة سرعة الإقبال من الله على عبده. فبالتالي تذكر أن كل إنسان مقدار ما ستحصل عليه من الولاية يتناسب مع مقدار سعيك، هكذا علمنا الكتاب والسنة: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: 196].

فأنت اجتهد في العمل أكثر وأكثر. أكثر قرع الباب تنال من الولاية أكثر وأكثر. وإلا لا يستوي من أنفق من قبل الفتح وقاتل، هي هكذا الحياة، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا. إخواني فلذلك دائماً لا تلم ربك ولا تعترض عليه ولا تقول: يا رب ليش فتحت على فلان من المعارف الإيمانية ومن مقامات العبادة ما لم تفتح علي؟ لأن السؤال: كم أنت أقبلت حتى يفتح عليك؟ بل أصلاً صدور هذا السؤال منك هو دلالة أنك في جهل ما زلت، أنك لا تعرف قواعد السير. وإلا الذي يعرف قواعد السير لا يسأل هذا السؤال، ويعرف أن تلك منازل بلغها هؤلاء.

لذلك كيف احترام التابعين للصهاة؟ وكان، ولماذا كان التابعون على عظيم إجلالهم لمقامات الصحابة؟ لأنه ذاك التابعي كان يعرف أنه اللي مشى ذراع مش زي اللي مشى شبر. فكان هناك صون وإتمام لمقام الصحابة الكرام، لأننا نعرف حجم المسافة اللي قطعوها، وبالتالي حجم الولاية التي حصلوا عليها. فلا يأتي الشخص شبر بده يتكلم في مقامات الصحابة الكرام ويقول: يا أخي شوف معاوية رضي الله عنه شو خطأه؟ ويتبع أخطاء عثمان وعلي والصحابة؟ يا أخي اسكت، أحترم ضعفك وأحترم شبرك. يقولون: أنت تمشي مع أناس قطعت أشبَاراً وأذرُعاً في علاقتها مع الله، وأنت أبو الشبر لساتك اللي بتكي عن صلاة الفجر.

والله ما يحزنني تجد شخص تافه، والله تافه، دوبه محافظ على أمور حياته الأساسية، تجده يتكلم في مقامات الصحابة الكرام ويخوض في أناس بلغوا الله، رضي عنهم. يعني مش فقط نحن شهدنا لهم بالخير، الله من فوق سبع سماوات شهد لهم بالخير. فدائماً اعرف حجمك واعرف شبرك واعرف كم سعيت، حتى تعرف مقامات السابقين.

كما أن هناك من يتولاهم الله وهم الذين سلكوا الصراط المستقيم وثبتوا عليه رغم تحديات الطريق، خلينا نشوف المشهد الآخر: من كان في صف أهل الباطل والذين يصنعون زخرف القول، هؤلاء من وليهم؟ يقول سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْشْتَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ﴾ [الأنعام: 128]. هذه ترد كما يقول ابن جرير الطبري ترد على أول المقطع لما قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: 112]. فمعنى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾، الجميع هنا سياقها الأنسب أن تحمل على شياطين الإنس والجن. لما يحشرهم الله جميعاً، جميعاً يعني شياطين الإنس والجن الذين كانوا في الأروقة المغلقة يصنعون زخرف القول، هؤلاء لما يحشروا بين يدي الله سبحانه وتعالى، انظروا كيف سيحصل هذا النقاش وهذه الحوارية.

يقول سبحانه وتعالى، أو تخاطبهم الملائكة: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْشْتَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ﴾ [الأنعام: 128]. يعني مش شايفين حالكم؟ يعني أضللتم كثيراً من الإنس؟ استكثرتم من الإنس، إيش يعني استكثرتم؟ عدد الذين أفسدتموهم من الإنس، أو استكثرتم يعني بذلتم جهوداً كثيرة في إفساد الإنس. وانظروا إلى همة شياطين الجن، يعني أحياناً تطالب بعض الشباب الملتزمين تكون همته همة شياطين الجن؟ لا. شوف ربنا عز وجل يخاطب مردة الجن: استكثرتم من الإنس، يعني أكثرتم إضلالهم، أو استكثرتم من أضللتموهم منهم.

ولذلك أصلاً هو مشروع الشيطان، مشروع إبليس في الدنيا ما هو؟ إيش قال؟ ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82]. يعني هو إبليس مشروعه الأساسي أنه أنا بدي أغويهم أجمعين، بدي إياهم كلهم يدخلوا النار معي. ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم﴾ [إبراهيم: 22].

فالشيطان إبليس ومردته مشروعهم الأساسي أنه ندخل أكبر عدد من الإنس النار، من الإنس ومن الجن برضه. بس هو الآن مشروع معنى اللي بيمننا نحن كوننا من الإنس، مشروع إبليس أن يدخل أكبر عدد النار، وسينجح، لأن الله ذكر أنهم القلة الذين سينجون: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: 40]. فبالتالي إبليس يبذل جهداً كبيراً هو ومردته.

ومن هنا لما يأتي يوم القيامة سيقول الله لهم: ﴿قَدِ اسْتَكْشْتَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ﴾ [الأنعام: 128]. استكثار عدد الذين ضللتموهم، واستكثرتم يعني فعلتم أشياء كبيرة، فيسبوكات يعني أعطيتم أفكاراً كثيرة لمردة الإنس حتى يضلوا بها. والله اليوم لما تشوف حجم الفساد الأخلاقي والسلوكي في كل عالم من العوالم، لما تشوف حجم الأخلاقي والسلوكي، بتقول يعني من وين هؤلاء الإنس بفكروا؟ أكيد في عم بتفكر لهم: يوم تيك توك، يوم إنسغرام، يوم واجهة جديدة، يوم كذا، يوم بييح الشذوذ، يوم بيعمل لك كذا، يوم بدي أعمل لك دعاء. يعني مشاريع مشاريع مشاريع مشاريع. أصحاب همم هؤلاء هم، فعلاً أصحاب همم، بس هم في وين همم؟ تلقيهم في النار.

ولذلك كان عمر دائماً: اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة. فاجر عنده جلد على مشروعه وفكرته وهمته، وتجد شاباً مؤمناً ابن حلال تعال نحضر درس علم، تعال نحضر يوم الهمة يا شيخ! ناصر لك الشباب يا شيخ! يوم أنا خليني قاعد أشرب شاي في البيت ومستريح، ويوم رحلة نروح نتفسع في العقبة ونروح روح على شرم الشيخ ونروح نشرب من يعني نحن ظلنا درسين يعني، في النهاية هي مش فقط الدروس، الفكرة فكرة الصلاة عموماً والمشاريع الإنتاجية والقراءة والإنتاج والمعرفة والصلاة والذكر والعبادة والصدقات وإغاثة الملهوفين وكذا. نحن سريعاً من سريعاً بنضجر، سريعاً بنرفع أيدينا يا عم زينة.

لكن تذكر أن إبليس لم يمل، تذكر دوماً همة إبليس. لما تجيك حالة الفتور، تذكر أنه في شخص رايح على النار وهو عارف رايح على النار، ومع ذلك همته مستمرة من أجل أن يدخل أكبر عدد معه النار. طيب، أنت على طريق الاستقامة، وإذا مت على هذا إن شاء الله بتدخل الجنة. أما عندك همة أن تدخل أكبر عدد من الناس معك الجنة؟ شوف الفرق في الهمم.

قال: ﴿قَدِ اسْتَكْشْتَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ﴾ [الأنعام: 128]. فراح مين اللي جاوب؟ وهذا المضحك المبكي: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: 128]. طيب هو سؤال: أنتم الإنس مين سألكم؟ السؤال موجه لمين؟ للجن. ليش انتدبت نفسك يا أيها الإنسي أجوب عن أسيادك؟ شوف هي الفكرة.

السؤال كان موجه لمين؟ للجن. يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس صحيح. مين اللي راح جاب عن الجن؟ الجن سكتوا، انخرصوا، كما يقولون، لأنهم عرفوا حجم الجريمة اللي فعلوها. مرضة الجن عارفين أنهم جايين بمصايب يوم القيامة، راح مين بده يدافع عنهم؟ أتباعهم. وهيك دائماً التابع ذليل، صح؟ التابع بدافع عن سيده حتى لو كان سيده غلطان، وأنت واجهت سيده بتلاقي التابع بده يفزع لسيده: لا نن ترى، يعني لا تلوموا سيدي، فكلانا مستفيد من بعضنا البعض. غريب هذا الإنسان الإنسي الذي كان ذليلاً للشيطان في الدنيا وما زال ذليلاً له، وكانه يثق به، ما زال في ثقة، يثق به في الآخرة. يعني أنت شو بتستفيد لما تدافع عن سيدك من الجن؟ أنت فاهمين سياق الآية شو اللي عم يصير؟

ربنا بيقول للجن: يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس. عتاب. عتاب. ربنا عالم أنه استكثر، هو يعاتبهم. فالجن انخرصوا وما جاوبوا استحياءً. مين اللي طلع هيك بده يعمل حاله؟ بده يدافع الإنسي الذي كان ذليلاً لذلك الجن في الدنيا. شياطين الإنس والجن ما هم كانوا يستفيدوا من بعض في الدنيا. خبرات الإنسي. ماذا يقول؟ ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: 128]. أنه يا رب، يعني لا تلمهم كثيراً، لأنه برضه نحن استفدنا منهم وهم استفادوا منا. هسه أنتم استفدتم منهم أكيد، ليه؟ لأنه أغلب الأفكار اللي إيدين شياطين الإنس من وين ماخذينها؟ من الجن.

فإنه أنتم استمتعتم بال يعني بالجن يعني واستفدتم من الجن، شو بقولوا؟ ﴿اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: 128]. يعني نحن يا رب استمتعنا بالجن. كيف استمتع الإنس بالجن؟ استفادوا منهم الأفكار والوساوس. يعني بتلاقي حالك بعض الناس بقول لك، يعني بتجي أفكار شيطانية، بكون قاعد بيطلع له أنه يعمل شيء حرام، زلم بتقول له: كيفك الفكرة هي؟ بقول لك: والله الجن فتح لي. هو فعلياً بحكيا بس هو شياطين الإنس فتحت له هي الفكرة، كيف توصل لهي الفتاة وتحكي معها؟ بتلاقي عنده فكرة شيطانية يلتقي في مكان بطريقة يدخل ورقة. بقول لك بعض الناس مثلاً بيغش اليوم في في الامتحانات وكذا، يا أخي إبداع إبداع في الغش، بتقول يعني يا أخي كيف فكر في هي الطريقة؟ جيب وسلك وحط كذا وكذا، ومعش بتلاقي فينا نحن مساكين، لذلك كمان مش كان يروا عن ابن عمر.

المؤمن البسيط الذي يعرف هذه الأفكار التي لا تخطش بباله، هي الأفكار التي هي فعلا احترافية. وإذا هذا الشاب الذي يغش، والتاجر الذي يغش، والنصّاب، وهذا الرجل الذي يعمل علاقات مع البنات ويفترسهم بدهاء، أليس هذا استمتع بالجن؟ اه استمتع أكيد، لأنهم زودوه بأفكار وآليات وممارسات هو استفاد منها وانبسط. فعلا هو استمتع بالجن، طيب الجن كيف استمتعوا بنا؟ شو رايكم؟

الأغواء لكي يقوموا يضلوا الناس، يحققوا رغبتهم. اه ايش رغبتهم؟ أنهم يضلوهم، وهذاك استجيبوا له، استجابت. اه يعني هم مردة الجن هم يشعرون اللذة لما يراك خاضعا له، إذا عندهم برضه الجن أيضا يستمتعون بنا لما يراني خاضعا له. ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: 175]، شيخ ربنا قال في سورة آل عمران الشيطان له اتباع وله من الإنس لما هو يوسوس لك وأنت تنصاع له بيكون في قمة سرور الشيطان أنه جعلك ما تخضع لله، جعلك تخضع له وهذا هو سرور.

ولذلك الشيطان يحب أن يراك خاضعا له، هي متعته هي لذته، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6] تمام، ولذلك قمة سعادة الشيطان أن يراك خاضعا له. لا تعبد الشيطان، مش هيك قال إبراهيم لوالده؟ لا تخضع للشيطان، الشيطان مبسوط. ولذلك لما نهينا عن السجود عند طلوع الشمس وعند غروبها من معانيها أن الشمس إذا طلعت تطلع بين قرني شيطان، فأنت إذا سجدت الشيطان بيكون مسرور، صحيح لأنه بيشعر أنك سجدت له. الشيطان الذي رفض وأبى أن يسجد لآدم عليه السلام، سروره أن يرى الناس تخضع له بدلا من أن تخضع للإله، فهذا معنى أن الجن برضه استمتعوا بالإنس. إذا الإنس استمتع بالجن من خلال استفاد من خبرات الجن وأفكاره، والجن استمتع بالإنس أنه خضع له وذل له، وهذه شهوة الجن أن يرى الإنس عم بالسجد له وبعبده ضمنيا وعم بيسمع تعليماته، لما يراك تسمع تعليماته هو في قمة نشوته.

فالإنس كما قلت كأنهم فز بد بده يفزعوا للجن ولاسيادهم ولاولياء، ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا، وخلاص وانتهت حكايتنا وانتهت ها السكرة وأجت الفكرة زي ما بيقول. وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا أنه نحن عشنا في هي الدنيا واستمتع بعضنا ببعض وقضينا وطرنا، ونحن الآن يا رب بين أيديك جميعا، يعني هم مش لحالهم استمتعوا، برضه نحن يا رب استفدنا منهم. فما دمتم انتدبتم للدفاع عن أسيادكم لا تظنوا أن هذا يعني سيغير قواعد النتيجة، يعني أو النتيجة واحدة. ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 128]، يعني النتيجة واحدة، النار مثواكم جميعا ها أنتم وأسيادكم خالدين فيها إلا ما شاء الله.

وذكر الاستثناء هنا هو هدفه الأساس، ما هو؟ إثبات أن كل شيء بالمشيئة. نعم نحن نعرف أن الله شاء من آيات أخرى أن يخرجوا في نار جهنم، فهذا الاستثناء ليس معناه أنهم سيخرجون في نهاية الأمر أو أن النار تفنى كما فهم العلاف ولا غيره من رؤوس الاعتزال والجهم بن صفوان وغيره، أنه هناك قول فاسد في العقيدة أن النار تفنى، ويستدلون على ذلك من القرآن أنه ربنا ايش قال؟ خالدين فيها إلا ما شاء الله، إذا ها سيخرجون. لا، نقول له هذا الاستثناء ليس مقصده بيان أن هناك فترة معينة سيفنى فيها النار ويخرجون، بل المراد أنه حتى خلودكم في النار لو شاء الله ألا يكون لن يكون، لكن عرفنا أنه شاء أن يكون من آيات وسياقات أخرى، وهذه دائما قضية القضاء والقدر الحاضرة في سورة الأنعام. المشيئة، المشيئة أنتم خالدين فيها والأمر عندي ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 128]، لو شئت أن أخرجكم أخرجتكم، ولكنني لم أشاء كما أخبرتكم في أماكن أخرى.

فالهدف من هذا هو أن يتعلم الإنسان أن عقيدة المشيئة، كل شيء في الكون بمشيئة الله، كما شاء الله أن يوجدوا في الدنيا ولو شاء الله ما فعلوه، شاء الله أن يخلدهم في النار، وكل شيء بالمشيئة ونحن البشر ليس لنا تدخل ولا علاقة بما يريده الله سبحانه وتعالى أن يكون، تفضل؟ ما شاء الله، يعني نوع من العذاب النفسي أنه يفقد ترقب الخروج خلينا نشوف فيستمر عذابه، فالله سبحانه ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 128] ولم يخرج. يعني لفته جميلة لكن تحتاج أن أحشوف هل أحد قالها ولا يعني أنا ما وقفت على أحد قال بهذا المنحى، لم أوقف يعني على أحد نظر بهذا المنحى، لكن كما قلت باب التدبر أوسع من باب المعنى الأساسي، باب التدبر يبقى أوسع من باب المعنى الأساسي، فربط قضية الخروج بالمشيئة، ولكننا نعلم من سياقات أخرى أنه لن يشاء أن الله لا يغفر أن يشرك به.

ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: 128]، كل ما حصل في الدنيا من وجود هؤلاء واستمتاع بعضهم ببعض وإفسادهم لطريق المؤمنين كله بحكمة، لذلك كان الحكيم العليم، كل ما حصل من قصة الحياة كان بحكمة وبعلم، والنهاية بحكمة وبعلم، ما في شيء يحصل فوضى في الحياة.

ثم قال: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: 129]. هذه الآية لها يعني تفسيران، لكن أنا أختار التفسير الثاني وهو أن الله عز وجل يخبرنا كيف أنه يسلط بعض الظالمين على بعض بسبب ما يكسبون، يعني من سنة الله سبحانه الظالم لما يفسد قد يسلط الله عليه ظالما آخر ينهيه، فهذا الظالم تسلط على هذا الظالم بسبب كسبه، يعني ايش اللي خلى هذا الظالم يتسلط على هذا الظالم؟ أنه هذا الظالم كسب جرائم وأفعال قبيحة، قد لا يكون في الوقت مؤمن يسيطر على هذا الظالم لكن قد يسيطر ظالم على ظالم. ولذلك انظروا الروم والفرس لما جاء الإسلام كيف كانوا يطاحنون بعضهم بعضا مطاحنه بينهم ومعارك إلى أن ضرب الروم الفرس ضربة حاسمة، ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: 2-3] هذا من تسليط الله الظالمين على الظالمين. وفي واقعنا المعاصر اليوم نفس الشيء، روسيا وأمريكا والتحالفات، وتجد الصين بتطلع لك في النص وبتدخل معها، هذه من الأمور التي يسر بها الإنسان من أن يرى كيف أن الله عز وجل في أزمنة استضعاف المؤمنين يسلط ظالما على ظالم فينهيه ويخرج من الحلبة أنا أتفرغ لواحد، وهذه لعبة الصراعات يجب أن يفهمها المؤمن في السياسة الشرعية أنه أنت قد لا تستطيع دوما أن تواجه الظلم كله، لكن استغل هذه الحكم والسنن الإلهية أن أتحين فرصة يسلط الله فيها ظالما على ظالم، فأجد الفرصة أمامي أنا كمشروع اسلامي أن استغل وادخل في الموضوع أكبر وأكثر. أنت لن تستطيع أن تواجه كل عتاولة العالم باسلحتهم ومكرهم ومؤسساتهم، روسيا شرقا وأمريكا غربا والصين شيوعية كذا تتكلم عن عالم وعن، فالذي لا يستغل سنة الله ترى بيتعب وبيتعب الناس معه، ما هي من سنة الله أنه يسلط الظالمين على الظالمين بسبب ما يكسبون، فتجد ظالم تمام كالروافض أو غيرهم يذبحون أهل السنه في أماكن، ممكن يتسلط عليهم ظالم، وهذا الظالم تسلط عليه ظالم آخر بعدين ويهلكه.

وتبقى قضية الصراط هنا، أنا ما بتكلم عن موقف المسلم في تلك المراحل، لأنه أنت حتى في أثناء تسلط الظالم على الظالم ممكن يكون عندك وقفة مع أحد الظالمين باعتباره أدنى شرا، مش الصحابه كانوا يتمنون انتصار الروم على الفرس مع أن الروم مشركون والمجوس يعبدون النار؟ لكن كان هوى الصحابة مع انتصار الروم ليه؟ لأنهم أهل كتاب، فهذا ظالم وهذا ظالم، لكن لا يعني هذا أنه أنا ما يكون مثلا لي مثلا ميول معينة أنه يا رب هذا الظالم ينتصر على هذا الظالم، أنا ممكن لي مصلحة في هذا، هذه أمور مصلحية، وان كان بس أهم شيء انك ايش المشكله عندنا؟ أنه بعض الناس في معركة الظالم مع الظالم بيصير يشوف الظالم الأخف ظلما ايش؟ صالح وولي! لا يا عمي أنت هون بتخربط، هسه كونك أنت قد تجد أنه مثلا أنا بدي مثلا الرافضة يقصف اليهود، يعني يفعلوا فيهم، أنا بحب أن اليهود ياكلوا ضربة مرتبة، بس في النهاية هي مش بطلع لي أنه أخلي الرافضة هم أولياء الله الصالحين، أنت فاهمين شو المشكلة هنا؟ أنك أنت في معركة المصالح قد تميل إلى أحد الكفتين، وهذا ليس خطأ بل من الجهل أن بعض الناس أظن أنه لا أنا لازم أوقف شوي، لا لا مش صحيح، أنت شو اللي بتحكيه قاعد؟

أنت مش هيك معركة الدنيا كلها، حتى الروم والفرس لما تواجهوا كان هوى الصحابة أن ينتصر الروم، فأنت لا تكون تطالب بمثالية خاطئة أصلا، شيء طبيعي أن الظالمين متفاوتون في مراتب ظلمهم وفي قبائح صنيعهم، ومتفاوتون في المسافة اللي بيني وبينهم برضه، يعني أنت كلك بينهم وبينهم مسافة، بس مسافتي عن فلان أبعد من مسافتي عن فلان، فقاعدة المصالح والمفاسد أكيد تحكم ميولاتك وتحكم مين بده يضرب الثاني قتله أكثر، بتصير أنت بالنسبة لك مصلحة الإسلام العليا ومصلحة الشريعة ممكن تخليك في اتجاه معين، لا خل هذا يضرب هذا أكثر، مصلحتي وأنت بدك تنفي مصلحتي وبدك إياني دوما، بل أحيانا قد في بعض المعارك التي خاضها نور الدين زنكي وعماد الدين زنكي، كانوا قد يساعدون بعض الصليبيين على بعض الصليبيين، يعني بيجي عماد الدين زنكي بجيشه بقاتل مع صليبي مشان ينتصر هذا الصليبي على صليبي آخر، ليش؟ لأنه أنا مصلحتي أن هذا الصليبي ينتصر على ذاك الصليبي، هذا نحن وإياه متفاهمين وفي بيننا، وهذاك عامل لي مشكلة.

فالحياة كلها تقوم على هذا البعد إخواني، يعني حتى بس لأنه بعض الناس يعيش في دراهم فكرة أن أنا ما لي علاقة، لا أنت إذا من يريد أن يقود الأمة عليه أن يستغل هذه السنة، سنة أن الله يسلط الظالمين على الظالمين، تمام ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ [الأنعام: 129]، نخلي بعضهم يشتغل ببعض، بتلاقي بكره أمريكا ضربت روسيا ولا روسيا ضربت البواخر لأمريكا، بتلاقي الصين دخلت من هناك، اللهم سلط الظالمين على الظالمين وأخرج المسلمين من بينهم آمنين، احنا عندنا هذا الدعاء.

﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: 129] هي سياقها كيف أن الله عز وجل لما يجد مثلا رجل من الإنس متعجرف متكبر، كيف الله عز وجل يسلط عليه رجلا من الجن آخر قد يكون يستعبده ويستهزئ به ويتهكم بأفكاره، لأنه نحن في سياق ربنا استمتع بعضنا ببعض، فكيف أن الإنسي الفاسد يسلط الله عليه جني فاسد بيلعب في عقله وبخرب عليه أموره وبوسوس له بأفكار بتدمّره وكيف أن الإنسي ممكن أيضا يشتغل بالجن، هذول اللي بيشتغلوا بالجن والعفاريت الله يعافينا منهم، فبالتالي تسلط الجن على الإنس هو جزء من منظومة ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾، لما يفسد الإنس ويبتعد عن شرع الله يسلط الله عليه مين؟ جني ظالم فاسد يريد الشر، يتحكم بهذا الإنس ويوجّهه. أنا بدي أترك تفهم شو سياقها في الكلام، أنهم لما قالوا ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: 128] إذا الجن كان يعبث بالإنس، طيب مين اللي سلط الجن يعبث بالإنس ويحكم أفكاره وفكر بهذا الاتجاه؟ الله سبحانه، لأنه لما كان الإنسي فاسدا يكسب الفساد كان مستحقا أن ايش أو تربته أو قلبه يميل إلى الفساد، كان مستحقا أن يسلط الجن عليه وأن يأخذ مساحته في أغوائه وفي إفساده، ﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: 22] مش هيك الشيطان قال؟ لا تلوموني أنت كنت فاسدا فأنا سلطت عليك، ولا لو أنت نفسيتك سوية كان ما وجدت مساحة لأُسلط عليك.

﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ [الأنعام: 130]، خطاب آخر لهم، ألم ياتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي؟ كلمة الآيات واستحضارها الدائم المستمر، قصوا عليكم الآيات الدالة على كل ما فيه خير وصلاح، الدالة على وجودي، الدالة على صدق الرسل، الدالة على شريعتي، كانوا يقصوها عليكم بعضكم وما تاتيهم من آية من آية ربهم إلا كانوا عنها معرضين، بعضكم وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، بعضكم إذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي يا رسول الله، مش هيك كان استقبالكم لهي الآيات كما قصت علينا سورة الأنعام؟ ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنفُسِنَا﴾ [الأنعام: 130]، شهدوا أنه فعلا جاءت الرسل وأخبرت وعلمت وقامت علينا الحجج، لكن احنا اخترنا الضلال واحنا اخترنا المسالك الردية والامور غير السوية.

ثم قال سبحانه: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: 130]، هذه آفة الآفات، أنه أكابر مجرميها الدنيا المترافين، مش قلنا شو اللي بخليهم يصروا على الفساد؟ أنهم يشعروا أن الدين رح يضيق عليهم الدنيا، فهم بدهم الدنيا بكل ما فيها من اللذائذ، انخدعوا بزخرفها ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: 130].

هذه نهاية القصة، نهاية المأساة، أن تصل إلى الله عز وجل فتجد نفسك تشهد على نفسك أنك كنت صاحب هوى، تشهد بلسانك أنه يا رب والله ما لي عذر، والله سمعت كلام مشايخ، لا قلت كذا وسمعت النصائح وسمعت الخطب وقرأت القرآن، لكن يا رب غرتني الحياة الدنيا. خلاص بعد مكشوف يعني ما رح ت القضية واضحة، أنت الآن أمام الله، أمام الحقيقة اللي كنت أنت تتجاهلها وتتعامى عنها، الآن أنت واقف أمامها ماذا ستقول؟ ما في مجال وما في مناص، ستشهد على نفسك أنك كنت كافرا عابثا، كنت من أولياء الجن ولم تكن من أولياء الله سبحانه وتعالى.

فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أوليائه، وأن يعطينا من ولايته، وأن يجعلنا من أهل.

وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.