دخولتسجيل الدخول

مجالس الوحيين | شرح كتاب "رياض الصالحين" باب الإخلاص الحديث (1) | المجلس الأول

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حياكم الله في المجلس الثاني من مجالس الوحيين لهذا اليوم. هذا المجلس أيها الكرام، لا بد أن نتبع فيه مدارستنا لكلام ربنا سبحانه وتعالى شيئاً من الاطلاع على الوحي الثاني؛ وهي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لتكون وجبتك الأسبوعية متكاملة في كل أربعاء، أن تخرج بمادة من القرآن تعيش معها من الأربعاء إلى الأربعاء، وبمادة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم تتفكر فيها وتقلبها. فإنما السنة النبوية تفصيل لكليات القرآن، وبيان لإسقاطاته وواقعيته؛ فتجد أنك تأخذ في القرآن كليات وقواعد وإيمانيات، ثم تأخذ في السنة النبوية تطبيقات وعمليات وممارسات، فيكون الدرس قد تم بإذن الله.

وهكذا كان الصحابة الكرام يعيشون مع النبي صلى الله عليه وسلم، والفرق بيننا وبينهم أنهم كانوا يأخذون السنة بجانب جلوسهم معه في القرآن، ويأخذون السنة من فمه الشريف مباشرة، وأما نحن فلم نره في هذه الحياة الدنيا -ونسأل الله أن يجمعنا به في الآخرة- ولكننا بعد أن نسمع القرآن نتلقى السنة التي نقلها لنا العلماء كابراً عن كابر، فتكون الأمور استوت، ويكون الإنسان محباً مقبلاً على مادة الوحي الإلهي بكليته، وهذا من عظيم الإيمان. فاثبت يا رعاك الله على هذا النهج، واجعل حياتك الأسرية والمنزلية، وفي أي مكان كنت، وأينما طافت بك الدنيا، اجعل لك ورداً من القرآن والسنة؛ لأن بعض الأحبة الأفاضل قد يهتم بقراءة القرآن تدبراً لكنه يغفل عن سنة النبي عليه الصلاة والسلام ظاناً أن هذا من شأن طلبة العلم فقط، وهذا خطأ؛ فالسنة للجميع، والكل يجب أن يقرأها، وأن يستهدي بها، وأن يقف على أنوارها، وأن يلتقط دررها، وأن يعرف ما فيها من العقائد والسلوكيات والأخلاقيات والتفصيلات لمجملات القرآن، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يزيدنا إقبالاً وحباً.

الكتاب الذي اخترناه هو كتاب معروف مشهور طارت به الآفاق، وأخذه العلماء كابراً عن كابر، وما زالت الناس تعقد به المجالس في المساجد ودور العلم، ويدرس لما فيه من البركة، ولعل هذا لبركة مصنفه رحمه الله تعالى عليه. كتابنا هو كتاب رياض الصالحين؛ لاحظ حتى اسم الكتاب وحده جذاب، كأنك في رياض في بساتين، ولكنها بساتين للصالحين، تختار منها الأطايب وتجتني منها الكلام المثمر النافع الذي يوجه الإنسان ويصلح شأنه وحاله، فأنعم بها من رياض للإمام أبي زكريا النووي عليه رحمه الله تعالى. وكان الذهبي يقول: لا أدري ما بين النووي وبين الله، أن نشر الله علمه وبارك في كتبه وطارت شهرتها في الآفاق؛ هذا معنى كلام الإمام الذهبي عليه رحمه الله، فإن البركة التي كتبت لهذا الكتاب عجيبة، وانتشاره في المساجد اليوم ممكن تدخل أي مسجد تجد هناك كتاب رياض الصالحين موجوداً وحاضراً، ومن قرأ سيرة النووي عليه رحمه الله ونظر في أحواله وتقلباته وكيف كان سمته وهديه، يعرف كيف تكون حياة الصادقين.

على الهامش استطراد سريع: أن يكون الرجل رائعاً صادقاً في علاقته مع الله لا يعني عدم وجود أخطاء عقدية تكون في حياته، يعود هذا إلى طبيعة البيئة التي نشأ بها والمشايخ الذين تلقى عنهم؛ لأنه بعض الناس غير قادر أن يفصل المشهدين، لا يعني التزكية في جوانب كثيرة أنه كل شيء صح، وإذا لا كان عندك استدراك يعني كل شيء غلط، لا؛ ما هو إذا أنت لا ترى إلا البياض فقط أو السواد فقط لن تمشي معك الحياة. شيء طبيعي أن الإنسان قد يكون ضمن بيئته وعصره تأثر ببعض الأفكار المغلوطة، ووقع في بعض الانحرافات حتى التي تصل إلى انحرافات عقدية، ولكنه مع ذلك صادق في بحثه عن الحق جاد في ذلك، يقول ما بلغه علمه، ونسأل الله أن يغفر له، فبالتالي لا يهولنك ما تسمع من لخابيط بعض المعاصرين، ومن إشكالاتهم، ومن تطاولهم على تلك المقامات؛ فالإنسان يحفظ حقه كما قال ابن تيمية رحمه الله عليه في العلماء الذين قدموا لهذه الأمة، حتى ولو كان ما عنده؛ قال: إذا كان جاداً باحثاً عن الحق قدر استطاعته وقال ما بلغه علمه فهو معذور عند الله. لا نقول إن الإنسان يثاب على الخطأ العقدي، نقول إن شاء الله أنه معذور إذا كان هذا أكثر ما يمكن أن يستطيعه في الفهم والنظر، فنسأل الله أن يغفر لهم وأن يرحمهم فيما أجادوا به وأفادوا به أمتهم ودينهم، فنسأل الله أن يجزيهم خير الجزاء، وأن تكون هذه الفوائد الذكية وهذه الكتب العظيمة التي صنفها النووي عليه رحمه الله جابرة لما وقع في الحياة من الخلل.

وكل إنسان منا يكون عنده خلل؛ قد يكون عندك خلل في المعاصي والذنوب، قد تكون أنت عندك خلل في بعض التصورات العقدية، قد تكون عندك بعض الأمور، فدائماً يعلمنا الإسلام الرحمة والرأفة، وأن يُنظر إلى أن الله هو الحاكم النهائي في الكون، وهذه فائدة سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾. نعم، نحن نقول للخطأ خطأ ونقول للصواب صواب، نقول إن هذه الفكرة صحيحة ونقول هذه الفكرة بدعة وخاطئة، ولكن ما بعد ذلك من ظهر بالقرائن الجلية صدقه وأثنى عليه عصره وأثنت عليه الأمة كابراً عن كابر، فنرجو الله سبحانه وتعالى أن يتغمده بواسع رحمته وفضله، وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

فهذا الكتاب الذي بين يدينا نعود إلى ما نحن فيه، سفر مبارك جمع فيه النووي عليه رحمه الله كثيراً من الأحاديث التي تجود بك في العقائد والسلوكيات والعمليات والأخلاقيات والزهديات؛ تجد أن الكتاب فعلاً هو رياض بساتين متعددة، تريد في العقائد والأفكار وأصول تجد، تريد في الأخلاقيات تريد في الآداب وتجد أنك مستفيد منه من نواحي متعددة وفي جوانب كثيرة، فلذلك نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على مدارسة ما جمعه وما دونه وما بوبه، ونفقه هذه الأحاديث، واعلم أن كل حديث وضعه النووي في باب من الأبواب له رسالة من وضعه، فلتكن وظيفتك أن تعرف لماذا وضع النووي هذا الحديث تحت هذا الباب أو تحت هذه الترجمة. حتى لا أطيل أكثر من ذلك، نشرع اليوم مستعينين بالله في قراءة المقدمة والأحاديث الأولى، بسم الله.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين، وأنج إخواننا المستضعفين من المؤمنين.

قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم. باب الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال والأقوال والأحوال البارزة والخفية.

قال: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مكور الليل على النهار، تذكرة لأولي القلوب والأبصار، وتبصرة لذوي الألباب والاعتبار، الذي أيقظ من خلقه من اصطفاه، فزهدهم في هذه الدار، وشغلهم بمراقبته وإدامة الأفكار، وملازمة الاتعاظ والادكار، ووفقهم للدأب في طاعته والـتأهب لدار القرار، والحذر مما يسخطه ويوجب دار البوار، والمحافظة على ذلك مع تغاير الأحوال والأطوار.

نعم، إذا وفقك الله أن تحافظ، أن تدأب على طاعته وتفكر بآخرتك وتحذر من مساخطه، تحافظ على هذا مع تغير أحوال الحياة بك ومع تغير الأماكن والبقاع والأطوار، أن تحافظ على الطاعة هذه مكسب عظيم ومنهج كبير، نسأل الله أن يثبتني وإياكم، فإن الديمومة خير من الإكثار، أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.

أحمده أبلغ حمد وأزكاه وأشمله وأنماه، وأشهد أن لا إله إلا الله البر الرؤوف الرحيم، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وحبيبه وخليله، الهادي إلى صراط مستقيم، والداعي إلى دين قويم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين، وآل كل وسائر الصالحين.

أما بعد، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: 56-57]. وهذا تصريح بأنهم خلقوا للعبادة، فحق عليهم الاعتناء بما خلقوا له.

والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة؛ فإنها دار نفاد لا محل أخلاد، ومركب عبور لا منزل حبور، وليست الدنيا مكاناً لقضاء الشهوات ولقضاء الأوطار، وإنما تأخذ من الشهوات والملذات ما يكون معيناً لك على ممارسة الوظيفة التي خلقت من أجلها وهي العبادة، وهذا ما ذكرناه قبل قليل في مجلس التفسير، وهو أنك يجب أن تعيش الإسلام كقضية، فأنت خلقت لها، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ إذاً أنت خلقت من أجل الإسلام، فعش الإسلام كقضية، ومتاع الحياة الدنيا وملذاتها هي فقط محطات راحة سريعة حتى نعبئ فيها لنعود إلى أن نعيش قضايانا الكبرى.

ومشرع انفصام لا موطن دوام. فالدنيا مشرع انفصام، أي مكان سننفصم عنه. فالإنسان حين يقول: سننفصل عنها وننتقل إلى الدار الآخرة. فلهذا كان الأيقاظ من أهلها هم العباد، وأعقل الناس فيها هم الزهاد. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: 24]. نعم، هكذا هي الحياة الدنيا؛ كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وتزينت به، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أصحاب المزروعات والمحاصيل أنهم قادرون عليها وأن العقبى لهم، إذا بربنا سبحانه يبعث جائحة أو يرسل شيئاً فينهي كل هذه الأمور. هكذا الدنيا، تكبر تكبر أنت وتظن أنك ملكتها، فإذا فجأة أنت منتقل عنها ولست من أهلها، نسأل الله حسن الختام. قال: ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. نعم، قال: والآيات في هذا المعنى كثيرة. ولقد أحسن القائل: إن لله عباداً فطنا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتن فطناً أي أذكياء، طلقوا الدنيا وخافوا الفتن، نعم. نظروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحي وطنا جعلوها لُجّة واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفناً

فإذا كان حالها ما وصفته وحالنا وما خلقنا له ما قدمته، فحق على المكلف أن يذهب بنفسه مذهب الأخيار، ويسلك مسلك أولي النهى والأبصار، ويتأهب لما أشرت إليه، ويهتم لما نبهت عليه، وأصوب طريق له في ذلك وأرشد ما يسلكه من المسالك التأدب بما صح عن نبينا سيد الأولين والآخرين وأكرم السابقين واللاحقين. إذاً أن تعمل لما خلقت له، كيف يكون العمل؟ لن تعمل إلا بما شرع، أليس كذلك؟ من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد، فعليك أن تعرف كيف تتعبد الله في هذه المدة القليلة، والطريق كما قال النووي عليه رحمه الله أن تتأدب بهدي محمد صلى الله عليه وسلم.

وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 2]. وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». وهنا يريد أن يبين لماذا هو صنف هذا الكتاب، ليكون تعاوناً ليعين المؤمنين على معرفة هذه الأخلاق والآداب النبوية، فالله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾، نحن لماذا نعقد مجالس الوحيين في هذا المكان؟ من التعاون على البر والتقوى، ليعين بعضنا بعضاً. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، أن تعين أخاك ليس فقط أن تعينه في الأمور الدنيوية، بل أن تعينه في الأمور الإيمانية، هذا أعلى من أن تعينه في الأمور المعنوية؛ فأن تعينه بإحضاره لمجلس علم، أن تعينه بتذكيره بالله، هذا أعظم من أن تعينه فقط أنه يتزوج أو تعينه تعطيه سيارتك، إنه بعض الناس يحصل والله في عون العبد فقط أني أعطيه مصاري أو أني أعطيه كذا، لا؛ ترى أن تعينه بأن تنهاه عن المنكر وأن تدله على الخير وأن تزيده إيماناً، هذا أعظم. نعم.

وأنه قال: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله». وأنه قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً». وأنه قال لعلي رضي الله عنه: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم». فرأيت أن أجمع مختصراً من الأحاديث الصحيحة مشتملاً على ما يكون طريقاً لصاحبه إلى الآخرة. إذاً هذا الكتاب هو جُلّه فعلاً التزم فيه أن تكون الأحاديث صحيحة من البخاري ومسلم ونحوهما، وليكون زاداً للسالك إلى الآخرة، نعم.

ومحصلاً لأدب الباطنة والظاهرة، جامعاً للترغيب والترهيب وسائر أنواع آداب السالكين، من أحاديث الزهد ورياضات النفوس وتهذيب الأخلاق وطهارات القلوب وعلاجها، وصيانة الجوارح وإزالة اعوجاجها، وغير ذلك من مقاصد العارفين، والتزمت فيه ألا أذكر إلا...

من الواضحات المضافة إلى الكتب الصحيحة المشهورات، وأصدر الأبواب من القرآن العزيز بآيات كريمات. نعم، كل باب من الأبواب ذكر في مطلعه مجموعة من الآيات تخدم الترجمة، تخدم الباب والفكرة التي يدندن حولها. وأوشح ما يحتاج إلى ضبط أو شرح أو شرح معنى خفي بنفائس من التنبيهات؛ نعم، ستجد أحياناً يعلق النووي على بعض الأحاديث ومعنى هذه الكلمة كذا، ينبه على بعض الكلمات الغريبة.

وإذا قلت في آخر حديث متفق عليه، فمعناه رواه البخاري ومسلم. وأرجو أن يتم هذا الكتاب أن يكون سائقاً للمعتني به إلى الخيرات، حاجراً له عن أنواع القبائح والمهلكات. وأنا سائل أخاً انتفع بشيء منه أن يدعو لي، هذا دائماً دأب العلماء والصالحين والمعلمين أن يطلبوا من طلبتهم أو من المنتفعين منهم الدعاء؛ لا نريد جزاءً ولا شكوراً، تمام، وإنما يُراد الدعاء، فإن الدعاء سبب في نيل الخيرات والبركات، أن ندعو له ولوالديه ولمشايخه، قال: وسائر أحبابنا والمسلمين أجمعين. وعلى الله الكريم اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي، وحسبي الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي الحكيم. فنسأل الله أن يرحم النووي رحمة واسعة، وأن يغفر له، وأن يوسع منزله، وأن يلحقه بالصالحين، وأن يلحقنا جميعاً بالصالحين، وأن يغفر لنا أجمعين، له ولوالديه ولمشايخه.

نبدأ بالباب الأول، قال: بسم الله الرحمن الرحيم، باب الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال والأقوال البارزة والخفية. قال: هذا أول أدب ينبغي أن يعتني به السالك إلى الله سبحانه وتعالى، وهو أساس الطريق وهو الإخلاص. أول ما ينبغي أن تعتني به في حياتك قبل أن تعتني بتجويد عملك، أن تعتني بتصويب نيتك وتصحيح بوصلتك، وأن تعرف الغاية التي من أجلها تسير، والهدف الذي تريد الوصول إليه، فلذلك بدأ النووي بهذا الأدب لأنه أدب الآداب وسيدها وقائدها، فقال: باب الإخلاص.

والإخلاص هو التصفية، ما معنى الإخلاص؟ أن تخلص الشراب أو الطعام من الشوائب، فالإخلاص هو التصفية، فعليك أن تصفي قلبك من شوائب التعلق بالناس والنظر إليهم وقصدهم ليكون خالصاً صافياً لربه سبحانه وتعالى. باب الإخلاص وإحضار النية وهذا مطلوب في جميع الأعمال والأقوال البارزة والخفية. إذا أردت أن تنال الثواب وأردت أن تجد عند الله سبحانه وتعالى خيراً يوم تلقاه، فعليك أن تبدأ بتصويب النيات وإخلاصها.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]. الآية الأولى التي تدل على هذا المعنى قوله سبحانه: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين، فأمرهم قبل الصلاة والزكاة بتحقيق الإخلاص والتصفية، قبل أن يشرعوا بعد ذلك في العبادات.

وقال تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ [الحج: 37]. نعم هذه الآية في سورة الحج، ومعنى لن ينال أي لن يصل؛ فأخبر الله سبحانه أن الذبائح والأضاحي التي تذبح لن يصل إلى الله منها اللحم والدم، ما الذي يصله؟ صدق النوايا والإخلاص أنك ذبحتها له، هذا الذي سيرتفع إليه، أما الدم واللحم فهذا تنتفعون به أنتم أيها البشر، وإلا فهو سبحانه وتعالى لن يرفع إليه الدماء ولا اللحوم المذبوحة. وإنما سيقبل والعمل الصالح يرفعه، ما الذي سيرفع ويصعد إليه؟ نيتك صدقك إخلاصك، وهذا معنى ولكن يناله التقوى. يقول السعدي عليه رحمه الله في تفسير الآية: ففي هذه الآية حث وترغيب على الإخلاص في النحر، وأن يكون القصد وجه الله وحده لا فخراً ولا رياءً ولا سمعةً ولا مجرد عادة، وهكذا سائر العبادات إن لم يقترن بها الإخلاص وتقوى الله كانت كالقشور الذي لا لب فيه، وكالجسد الذي لا روح فيه، فالإخلاص هو الذي يعطي للعبادة معنى، هو الذي يعطي لتصرفاتك وسلوكياتك قيمة عند الله سبحانه وتعالى.

طيب الآية الثالثة: ﴿قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 29]. هذه الآية الثالثة والأخيرة هنا فقال: قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله. إذاً هذه الآية توجهك إلى ضرورة ماذا؟ ضبط النوايا، يعني الذي في داخلك، الذي في جواك سواء أبديته للناس وصرحت بنيتك أو أخفيته في باطنك وبقي حبيساً بين أضلاعك، فإنه سبحانه وتعالى يعلمه. فإذا كان الله مطلعاً على نيتك أبديتها أو أخفيتها، فحري بك أن تشتغل بتصويب النوايا، وأن تستحي من الله أن يطلع على قلبك فيجدك قاصداً لسواه. استحي من الله أن يطلع على قلبك فيجدك في صلاتك أو في عملك الخير تبحث عن إرادة الناس ووجوههم والثناء منهم. إذاً قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله، فهذه الآيات الثلاث تركز على قضية الاهتمام بالنوايا والإخلاص والتصويب والاشتغال بتوجيهها ابتداءً.

كما ذكر الحديث الأول والمشهور في هذا الباب، فقال: وعن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه». متفق على صحته، رواه إمام المحدثين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري رضي الله عنهما في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة.

طريقتي إخواني في الشرح أنني سأضع فوائد على الحديث؛ لن أسهب كثيراً حتى نستطيع أن ننجز الكتاب ونقرأ فيما يسر الله به من الأعمار إن كان في العمر بقية، ولكننا نضع على الحديث ماذا؟ فوائد تجمع الإشارات العامة المطلوبة منه. أولاً هذا الحديث حديث أبي حفص عمر بن الخطاب من أشهر الأحاديث بل هو أشهرها فعلياً، وكما قال علماؤنا؛ قال عبد الرحمن بن مهدي: ينبغي على من صنف كتاباً في العلم أن يبتدئه بحديث إنما الأعمال بالنيات. وكثير من أهل العلم قالوا إن هذا الحديث حديث الأعمال بالنيات يشكل الإسلام كله؛ لأن الإسلام ابتداؤه من الإخلاص وهذا الحديث يتكلم عن الإخلاص.

وبعض أهل العلم يقول: هذا الحديث يشكل نصف الإسلام، لماذا؟ قالوا لأن الإسلام يعتمد على أمرين، أي شيء في حياتك يعتمد على نية وعمل، فالنية يبينها هذا الحديث إنما الأعمال بالنيات، والعمل يبينه حديث عائشة «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». فقال بعض العلماء: مدار الإسلام على هذين الحديثين، يعني هما أصول الأحاديث، حديث تصويب الباطن إنما الأعمال بالنيات، وحديث تصويب الظاهر حديث من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد، وهذا مصداق قوله تعالى ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، قال الفضيل بن عياض: أصوب أحسن عملاً، يعني أصوبه وأخلصه. فالعمل الخالص هو الذي لم يرد به إلا الله، والعمل الصائب هو الذي يكون على السنة، وبالتالي هذان الحديثان يشكلان الإسلام. فهذا الحديث يشكل نصف الإسلام، البعض قال هذا الحديث يشكل ثلث الإسلام، أن الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث إنما الأعمال بالنيات، وحديث من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، وجعل الحديث الثالث أن الحلال بين وأن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات. خلاصة هذا الموضوع أن هذا الحديث يحتل مكانة مرموقة عند العلماء منذ القدم، ولذلك أوصوا بأن تبتدأ به المصنفات، ومن هنا إمام المحدثين البخاري عليه رحمه الله ابتدأ صحيح البخاري بحديث الأعمال بالنية من رواية الحميدي له، إذاً يدل على أنه في اتفاق عام على قيمة هذا الحديث ومنزلته، هذه هي الفائدة الأولى.

الفائدة الثانية: إذاً بعد أن ذكرنا قيمته دعونا نشرح معانيه شرحاً جملياً. الجملة الأولى ماذا يقول صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، أقول هذه الجملة تتكلم عن البدايات، والجملة الثانية ما هي «وإنما لكل امرئ ما نوى» تتكلم عن النهايات، يعني كان هذا الحديث أعطاك البدايات والنهايات. وما اختاره من كلام الشراح في إنما الأعمال بالنيات، أن هنا الحديث لا يتكلم فقط عن الأعمال الشرعية، لا يتكلم عن فلسفة الوجود الإنساني، أن أي عمل بشري من إنسان عاقل، فإنما يصدر من نية، سواء نية صالحة أو نية طالحة. فالذي يذهب يسرق عنده نية، والذي يذهب يصلي عنده نية، الذي يقرأ القرآن ويذهب إلى الحج عنده نية، والذي يزني ويشرب الخمور عنده نية، الذي يقاتل في صف أهل الإسلام عنده نية، والذي يقف مع صف أهل الباطل عنده نية. إنما الأعمال ابتداؤها ما الذي يجعل الإنسان يعمل عملاً؟ الإنسان العاقل لا يعمل عملاً إلا في نية وعزيمة وإرادة هي التي وجهته إلى العمل سواء كانت نية جيدة أو نية سيئة، فأخبرنا في الجملة الأولى عن البدايات، بدايات الأعمال وبذورها النيات، ثم أخبرك في الجملة الثانية عن ماذا؟ عن الختامات، فقال وإنما لكل امرئ ما نوى، يعني حصاد الأعمال، النتائج التي ستحصدها مبنية أيضاً على ماذا؟ ابتداءً على النيات.

فقال: وإنما لكل امرئ ما نوى، طبعاً هذه قضية أن العواقب والنتائج أيضاً مبنية على النيات هذه قضية مهمة ولها آثارها في العقائد وفي الأحكام الفقهية وفي الأدبيات والسلوكيات. فالإنسان مثلاً الذي يميز العبادة عن العادة، ما هي؟ النيات. لما أنت تروح تستحم، إيش الذي يميز لي أنه هذا غسل جنابة ولا هذا غسل تبرد؟ نيتك، بس هو نفس الشكل، طيب إذاً النية فعلاً تميز العبادة عن العادة. كذلك إذا أنت صليت صلاة، إيش الذي يميز أنه هي ظهر وهذه عصر بالنسبة لك؟ النية، إذا نويت أنها ظهر وقت الظهر يعني، أنا علي الآن عفواً واحد فاتت مجموعة من الصلوات، شخص فاتته مجموعة من الصلوات بده يقضيها، الآن إيش اللي بيعين أنه الآن أنا بدي أقضي الصلاة الأولى اللي هي الظهر بعدين الآن بدي أقضي الصلاة الثانية أنها العصر؟ ما الذي يميز العبادة عن العبادة الأخرى؟ النية. ما الذي يميز صلاة الفرض عن صلاة النفل؟ النية، يعني ركعتي الصبح سنة الفجر وركعتي الفجر الفرض، إيش اللي ميز بينهم بس النية، هم ركعتين ركعتين هي نويت أنها نفل الفجر، وهذه نويت أنها فرض الفجر، فإذاً النية تميز العادة عن العبادة، النية تميز العبادة عن العبادة الأخرى.

هذا في مساحة الدنيا، وفي مساحة الآخرة أيضاً النية هي التي ينبني عليها الثواب والعقاب، فأحياناً قد تكون صورة العمل واحدة، لكن أنا تصدقت وهذا تصدق، صورة العمل واحدة، لكن أنا نيتي جيدة وذلك نيته منافق ومراءٍ. الصورة الظاهرة في الدنيا لا تعني أن النتائج في الآخرة ستكون على صورة العمل، بل ستكون على نية العمل، فالصورة وحدها لا تعني أنك تثاب عليها، بل نفس العمل هذا يوم القيامة يثاب عليه، وهذا يوم القيامة يعاقب عليه، لماذا؟ اختلاف النوايا. هذا صدقة مع الله ونيته صالحة، وذاك أراد به كما قلنا الرياء والنفاق. إذاً كما قال صلى الله عليه وسلم هذه من جوامع الكلم، النبي عليه الصلاة والسلام أعطي جوامع الكلم، فأعطاك منشأ الأعمال، إنما الأعمال لا تنشأ إلا من النيات، ثم أعطاك الختام والحصاد والعواقب فقال: وإنما ستحصد من الثواب والعقاب أو الصحة أو الفساد بناءً أيضاً على النيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.

ثم أعطانا مثالاً تفصيلياً صلى الله عليه وسلم لتفهم هذه الفكرة، وهذا من حسن الكلام، أنه دائماً لما تضع قواعد تأتي بعدها بتطبيقات وأمثلة. هذا نحن نتعلم من النبي عليه الصلاه والسلام حتى طرق التدريس، ما أعطاك القاعدة وقال خلص افهمها وحدك، أعطاك نموذج ومثال تطبيقي. خذوا هذا النموذج التطبيقي قال: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، أعطى مثالاً على فكرة الهجرة، الآن الهجرة كصورة في الخارج صورة واحدة، أنا قد أهاجر من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وأنت تهاجر من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، لكن أنا عندي نية وأنت عندك نية، فلاحظ الهجرة عمل واحد كالصورة في صورته الخارجية ولكن اختلفت النوايا فيه. فقال: فمن كانت هجرته الدافع لها الله ورسوله فماذا سيكون حصاده؟ ها، إذا كانت البداية والمنطلق الله ورسوله، فالحصاد هو الله ورسوله. طبعاً ما معنى الحصاد الله ورسوله؟ قال الشراح: فمن كانت هجرته إلى الله قصداً وابتداءً، فهجرته إلى الله ورسوله ثواباً وجزاءً، هكذا ستحسب لك، يعني هكذا راح أحسبها. ومن كانت هجرته باعثها إلى دنيا يصيبها، بده يفتح مشروع مالي في الأردن ترك أمريكا وجاي على الأردن عشان يفتح مشروع بس مش لأنه هو يريد أن يهاجر إلى الله ورسوله، ترك أوروبا ورجع على مثلاً الخليج العربي لأنه والله طلبوه لعقد عمل، مش لأنه بده يحمي أولاده وكذا من الفكر الغربي، بس لأنه وجد فرقاً هائلاً، قال: ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها مشروع اقتصادي، قال أو امرأة.

أو ينكحها، أو في واحدة حكت له: أنا والله ما بتزوجك في أوروبا، بدك ترجع على الخليج، أنا ما بسكن هناك، فقال: خلص بهاجر للخليج، إنه متعلق بها قلبه، أو امرأة ينكحها. قال: «فهجرته إلى ما هاجر إليه». ولاحظوا ما قال: فهجرته إلى دنيا يصيبها، لماذا قال: «فهجرته إلى ما هاجر إليه»؟ قالوا: تحقيرًا له، تحقيرًا له لدناءة همته.

يعني أنت تعبان في العمل، يا أخي خلي نيتك عالية، خلي نيتك كبيرة، فمن كانت هجرته لدنيا أو امرأة ينكحها، ابتداءً ما سيحصده عند الله نتيجة ما هو؟ ستحصل فقط دنيا وامرأة تنكحها ثوابًا، وهذا يعني باختصار لن تجد شيئًا، لن تجد شيئًا على هذا العمل، بل قد تجد وزرًا أحيانًا على حسب طبيعة ما هاجرت إليه. فهذا الحديث يعطيك التصور أن صورة العمل في الظاهر تكون واحدة، وما بين الاثنين عند الله ما بين السماء والأرض. ما الفرق؟ النوايا. هذا يعطيك أن مساحة النوايا أوسع من مساحة الأعمال الظاهرة، ولذلك كان السلف يقولون كما قال إبراهيم التيمي: النية أبلغ من العمل.

النية أبلغ؛ لأن العمل قد تكون حتى أنت فعلته بصورة مهترئة مجتزأة، ما قدرت تفعله كاملًا، في النهاية الله يتجاوز كثيرًا عن صورة العمل الظاهر إذا صلحت النوايا الباطنة. وهذا الذي يعلي قيمة النية أنه النية أهم، هذا لا يعني أن الإنسان يهمل إتقان العمل الظاهر، لكن لو قصرت لعجز أو لضعف أو لأي سبب النية تبلغ بك منازل الكبار. ومن مات على فراشه، من حدث نفسه بالغزو بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه. كيف رجل نايم في تخته تحت المكيف يبلغه الله منازل الشهداء يوم القيامة؟ بأيش؟ بالنية. النية تجعل إنسانًا لم يعمل عند الله في منزلة إنسان عامل لصدق النوايا وصلاحها، فهذه قضية النية إخواني ننتبه لها.

البعض يقول سبب ورود هذا الحديث أن هناك رجلًا من الصحابة هاجر من مكة إلى المدينة ليتزوج امرأة اسمها أم قيس، فقالوا لذلك ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قضية الزواج من المرأة في الحديث، ولكن كما قال ابن رجب الحنبلي وابن حجر العسقلاني رحمه الله عليهما: لا يوجد حديث صحيح يدل على ربط قول هذا الحديث بقصة مهاجر أم قيس. يعني قصة مهاجر أم قيس قصة صحيحة، نعم في واحد هاجر من مكة إلى المدينة عشان يتزوج امرأة اسمها أم قيس، وأصبح اسمه مهاجر أم قيس، كيف مهاجر ليلى ومهاجر لبنى، هذا اسمه مهاجر أم قيس. لكن هل ثبت بحديث صحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال هذا الحديث تعليقًا على تلك الواقعة؟ لا يوجد حديث صحيح يركن إليه، لذلك ابن رجب وابن حجر خطأوا هذا وبينوا أن هذا لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام.

نطبق قضية الهجرة كونها وردت في الحديث، ونقول يا إخواني الهجرة -هذه فائدة نختم بها التعليق على الحديث- الهجرة على ثلاثة أنواع: هناك هجرة للمكان، وأنا أسميها الهجرة الحسية، وهناك الهجرة المعنوية وهي أن يهجر الإنسان الذنوب والمعاصي، وهناك الهجرة لأهل البدع والمعاصي وهو ما يسموها أن تهجر العامل. هناك ثلاثة أنواع من الهجرة في الشريعة.

نبدأ بالنوع الأول الهجرة الحسية وهي الأصل؛ إذا أطلقت الهجرة فالمراد الهجرة الحسية، ومعناها أن يهاجر الإنسان من بلاد الكفار أو من بلاد أهل البدع أو من بلاد أهل الذنوب والفسق إلى أراضي الإسلام أو أراضي السنة أو أراضي أهل الخير والصلاح. هذا تعريف الهجرة بمعناها الأصلي: أن يهجر الإنسان بلاد الكفار أو بلاد أهل البدع أو بلاد أهل المعاصي إلى أرض الإسلام في مقابل بلاد الكفر، أو أرض السنة في مقابل أرض البدعة، أو أرض الطاعة في مقابل أرض المعصية.

وهذه الهجرة إخواني هناك صورتان أو مسألتان ينبغي أن تعرف الفرق بينهما. المسألة الأولى أننا هنا نتكلم عن شخص هو في الأصل مقيم، ولد في بلاد الكفار، نشأ هناك، أو قد يكون حتى كافرًا وأسلم هناك، فهنا يتكلم الفقهاء عن حكم أن يهاجر إلى بلاد المسلمين. هذه مسألة، ومسألة أخرى: شخص في بلاد المسلمين يريد أن ينتقل إلى أوروبا وإلى بلاد الكفار ليقيم فيها، ترى هذه مسألة وهذه مسألة، لا يخلط بينهما؛ لأن البعض يدخل هذه المسألة في هذه المسألة. فرق بين شخص أصلاً ولد في أوروبا، رجل بريطاني رجل أمريكي، وتتكلم معه عن الهجرة إلى بلاد المسلمين، ورجل أردني أو فلسطيني أو سوري أو شامي أو مشرقي أو مسلم في بلاد المسلمين، هو يسأل عن حكم الذهاب إلى بلاد الكفر للإقامة فيها.

نبدأ بالمسألة الأولى: الرجل الذي ولد ونشأ وترعرع في بلاد الكفار إذا أسلم أو ولد مسلمًا، فهذا نقول له يلزمك أن تهاجر إلى بلاد المسلمين إذا لم تكن قادرًا على إظهار دينك أو خشيت الفتنة على عقيدتك وعقيدة أبنائك وأهلك، فعندئذ يجب عليه أن يهاجر ويجد موطن قدم له في بلاد المسلمين. أما إذا كان قادرًا على إظهار دينه، وفرضًا هذه البلد الأوروبية أو العالمية المقيم فيها لا تنشغل بتشويه الأفكار وفتنة أبنائه في مدارسهم، خلص معطين الحرية العامة، فهذا يستحب له أن يهاجر ولا يلزمه.

الحالة الثانية: شخص عربي مسلم مقيم في بلاد المسلمين يريد أن يقيم في بلاد الكفار يهاجر إليها، فهذا الأصل فيه الحرمة، هذا الأصل فيه الحرمة. قال العلماء: إلا إذا ظهرت مصلحة راجحة شرعًا وليس هواءً في سفره؛ يعني قد يكون الشخص مطارد كما حصل مع إخواننا اللاجئين في سوريا وغيرهم، ولدوا ولم يجد إلا أن يسافر، فاضطر أن يهاجر كلاجئ سياسي، أو رجل حاول قدر استطاعته أن يبحث عن لقمة عيش في بلاد المسلمين فأغلقت الأبواب في وجهه، وبينه وبين الله يعلم الله أنه لا يستطيع أن يجد رزقًا في بلاد المسلمين بعد أن سعى، فهاجر إلى بلادهم سعيًا لقمة العيش الأساسية، مش بحثًا عن الرفاه وتطوير الوضع المالي، لا لا، ويبحث عن العيش الأساسي. والقاعدة الفقهية تقول: الضرورات تبيح المحظورات، فإذا كان السفر هذا محظور وجاءت ضرورة أنني سأهلك يا شيخ، ما في لقمة عيش، وفسدت في وجهي الدنيا وهذه الفرصة الوحيدة التي جاءتني، أقول له: بس ما دامت لقمة العيش الأساسية.

قال بعضهم كذلك إذا كان هناك مشروع إسلامي سيقوم به الداعية في بلادهم؛ يعني رجل سلموه مشروع إسلامي في كندا في أوروبا في كذا، والرجل سيقوم يمارس الدعوة، والله هذه مصلحة شرعية راجحة. أما ما عدا ذلك إذا لم توجد مصلحة شرعية راجحة فيحرم انتقال المسلم إلى بلاد الكفار، وهذه مسألة شبه محسومة عند العلماء منذ القدم، مش رأي الشخصي، لذلك كانوا يقولون -على مستوى التجارة- التجارة العابرة كان مالك بن أنس يسقط شهادة من يتاجر في بلاد الهند، يقول هذا الشخص ما عاد عدلًا سقطت عدالته، طلع يعمل، يعني بلاد الهند في زمن مالك بلاد كفر، فكان مالك يفتي أن من خرج لتجارتهم بس رايح عامل بضاعة ودخل في بلاد الكفار ليتاجر فيها كان يسقط مالك عدالته. هذا مالك شو بده يحكي عن اللي رايح يحط رحاله في بلاد الكفار مشان يشتغل في شركة أجنبية أو رايح سياحة، هذا والله شهر عسل رايح لي على المالديف وكلها مناطق خنا وفجور وعاريات، هذا ما رأي العلماء الأقدمين باتفاق فيها.

عشان تعرفوا أنه في شوية نأي عنا واختلفت الأمور، وما عدنا المرجعية هي سورة الأنعام مع الحديث النبوي، هيك بصير، الإسلام بده يكون مرجعيتك، مش قلت لك الإسلام بده يكون قضيتك؟ لما يكون الإسلام قضيتك قبل ما تفكر تقطع شهر عسل على بلد من البلدان تقول: ما حكم الله في الذهاب إليها؟ اسأل، والله إذا هذه بلاد كفار العلماء قالوا: لا يجوز السفر إلى بلاد الكفار ولا يجوز تكثير سواد المشركين إلا لمصلحة راجحة شرعًا، يعني في معيار الشريعة لها معنى. والله سياحتك لبلاد الكفار ما لها معنى في الشريعة، سامحني، ما لها أي معنى، راح تفكر في خلق الله! أنا عارف سيدك الشيخ، أمورك طيبة، بس في كثير من هناك أشياء لا ينظر إليها من خلق الله، وهم العاريات والحال التي تعلمها.

فمثلاً السياحة، الدراسة؛ خاصة لتخصص يوجد في بلاد المسلمين مساحة له، يعني التخصص هم ليس فقط عندهم موجود وعنا لأ، وبدي الغرض بالبال، بالتالي لا يجوز أن تسافر. والله إذا في تخصص شيخ، هذا التخصص ما حدا بيعرفه ببلاد المسلمين أو حال المسلمين فيه رديء جدًا والإسلام يحتاجه، والله ساعتها بتناقش أنا وإياك، لكن حقيقة حتى نكون صادقين، أغلب الإخوة اليوم أصبح فقط يريد أن يذهب هناك للتخصص حتى يعود يحصل مكان مرموق أو منصب عالٍ في شركة أو ما شابه ذلك ليرفع من كفاءته المالية، هذه كلها أمور تحتاج ترى إلى دراسة وأن تعرف حكم الله فيها.

فهذا بالنسبة لقضية الهجرة من بلاد الكفار إلى بلاد الإسلام، ومثلها الهجرة من أراضي أهل المعاصي إلى أراضي أهل الطاعة، الرجل اللي قتل مئة نفس بماذا نصحه العالم؟ قال هل لي توبة؟ قال: نعم، بس ايش شرط عليه؟ قال: اترك أرض قومك فإنها أرض سوء، فخرج الرجل مهاجرًا إلى أرض الطاعة. نفس الشيء، أنت ممكن تكون ساكن في الأردن، لكن ساكن في حي من أهل المعاصي والذنوب، كثرت فيهم، وترى أنك تضعف في هذا الحي، عليك أن تنتقل إلى حي يكثر فيه أهل الخير والصلاح والطاعة. والله أنا في بيئة عمل يكثر فيها المتبرجات وأنا عم بنهار يا شيخ معهم، يلزمك أن تبحث عن بيئة عمل أخرى ترى فيها أهل الخير أو على الأقل لا يضعف إيمانك، هذه كلها أحكام الناس لا تلتفت إليها وهي جزء من منظومة الشريعة.

وكذلك الهجرة من أراضي أهل البدع، فمثلاً الأماكن التي يسكنها الرافضة مثل إيران وما شابهها، هذه أهل السنة، الأصل أنك ما تذهب وتقيم في تلك الديار، ومن وجد مساحة لينتقل إلى أرض السنة ينتقل إليها، لأنه العلماء يقولون: يهجر أهل دار أهل البدع إلى دار أهل السنة. طبعًا بيجي بعض الناس، تعرف كيف، إنما يا شيخ هو في سنة؟ أيو والله، بلادنا مسلمين ضايعين، والناس أخي ما في في مشاكل، أنا عارف، مش عم بقول لك إننا في الحالة الوردية، نحن نمر بإشكالات كثيرة، لكن على ما فينا من الخطأ والخطل يبقى ذاك السني المحب لله ورسوله ولصحابته والذي لا يطعن في الصحابة الكرام يبقى أفضل بمسافات فلكية من ذاك الرافضي الذي كذا وكذا، أنت عارف الإشكالات مش رح نخوض الآن في القضية، فالأمور لا تقاس أنه والله، لا تضع شماعة لتبرر عجزك وتبرر ضعفك وتشرعن فيها هواك.

هذه إذاً الهجرة الأولى: الهجرة الحسية. الهجرة الثانية كما قلنا: الهجرة المعنوية، قال صلى الله عليه وسلم: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه»، أن تهجر الذنوب والمعاصي إلى الإيمان، ولذلك ألف ابن القيم كتابًا عظيمًا سماه طريق الهجرتين، تكلم فيه عن أن يهجر القلب هواه إلى طاعة مولاه، وأن يهجر الإنسان ذنوبه إلى الطاعة والإقبال على الله، وأن يهجر الكسل والركون إلى الدنيا إلى الإقبال على الله والعمل للدار الآخرة، فهذا أيضًا نوع من الهجرة: هجرة القلب إلى ربه وهجرة الجوارح إلى الطاعة.

وأخيرًا هجرة أهل المعاصي وأهل البدع، فمن الهجران المطلوب أن يهجر الإنسان المجاهرين بالمعاصي، والله لك صاحب أو زميل أو أخ يجاهر بمعصية الله ويتفاخر بها، مثل هذا يهجر، لا ينبغي أن تجلس معه، وإنما دخل النقص على بني إسرائيل أنهم كانوا يرون الإنسان على معصيته فينكرون عليه ثم لا يمنعه ذلك في اليوم الثاني أن يكون جليسه وأكيله، هذا نبه عليه النبي، لا يجوز مجالسة أهل المعاصي والبدع بأن يكون جليسك وصديقك ودائمًا تذهب وتأتي معه وكأنه ما في مشكلة. لا، في مشكلة! كيف ما في مشكلة؟ السلف انظر إلى طريقتهم في التعامل مع أهل الأهواء واجتناب مجالسهم، بل كانوا يضعون أصابعهم في آذانهم خشية في لحظة خشية أن يدخل شيء من كلام أهل البدع في نفوسهم، فضلًا طبعًا عن هجرتهم لأهل المعاصي والذنوب المجاهرين بها.

الآن والله زميلك عنده معصية مستتر بها، يعني مستحي بس مش قادر يتركها، لا مثل هذا تصاحبه وترافقه وتستعين على وتوجهه، لكن شخص يجاهر الله بالزنا، يجاهر الله بالخمر، يجاهر الله بالمعاصي ولا يستحي ونصحتَه، هذا ماذا تفعل معه؟ يبقى جليسك وأكيلك؟ «لا تصاحب إلا تقيًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي»، هكذا علمنا النبي صلى الله عليه وسلم. ونختم اليوم عند هذا القدر، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.