بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم. حياكم الله أيها الكرام في المجلس الثاني من التعليق على كتاب رياض الصالحين، وهذه الوجبة الثانية التي نأخذها في هذا اليوم، وهي الوجبة المتعلقة بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. ودائماً الكتاب والسنة إذا اعتضدا في مجلس واحد أشرق نورهما في قلب الإنسان، فنسأل الله أن يبصرنا وأن يفهمنا. وصلنا إلى الحديث الثاني، حديث أم المؤمنين، ونحن ما زلنا في باب الإخلاص، وبالتالي دائماً كل حديث تقرأه لا بد تربطه بالباب؛ يعني تكون تفهم أين موطن الشاهد الذي يربط الحديث بالباب، فشرحنا في الدرس الماضي حديث «إنما الأعمال بالنيات»، والآن إن شاء الله نشرح الحديث الثاني وما بعده مما يتيسر به الوقت.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين وانصر عبادك المستضعفين. قال رحمه الله تعالى: وعن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم». قالت: قلت يا رسول الله، كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: «يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم». متفق عليه، وهذا لفظ البخاري.
حديث أم المؤمنين أم عبد الله عائشة رضي الله عنها، وعائشة تكنى بأم عبد الله. باعتبار من؟ هل لها ابن؟ لا، لماذا كنيتها أم عبد الله؟ باعتبار ابن أختها عبد الله بن الزبير، وهو ابن أختها أسماء بنت أبي بكر؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كناها باسم ابن أختها، فكنيت بأم عبد الله.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال صلى الله عليه وسلم: «يغزو جيش الكعبة». ما قصة هذا الجيش؟ جاء في روايات أخرى في صحيح مسلم أن هناك رجلاً من قريش سيخرج في آخر الزمان يلوذ بالبيت، يعني يعتصم بالكعبة، فيرسل إليه الظالمون أو المستبدون أو الفاسدون يرسلون إليه جيشاً لمحاربته ومقاتلته. وفي رواية أخرى: هو أن هناك قوماً ليس لهم منعة يبعث إليهم جيش، وهؤلاء القوم الذين سيخرجون في آخر الزمان وسيلوذون بالبيت وليس لهم منعة هم أيضاً -يعني من باب جمع الروايات- أتباع ذلك الرجل. فجاء في بعض الروايات: «يلوذ رجل بالبيت فيرسل إليه جيش»، وفي روايات أخرى: «يعوذ في هذا البيت قوم ليس لهم منعة فيبعث إليهم جيش».
إذاً، هذه أمر من علامات آخر الزمان، وذهب كثير من أهل العلم إلى أن هذا هو المهدي الذي يؤمن به أهل السنة والجماعة، وهو رجل من آل قريش، اسمه اسم النبي صلى الله عليه وسلم، واسم أبيه اسم والد النبي عليه الصلاة والسلام، يصلحه الله في ليلة. فالمهدي عندنا ليس فكرة المهدي المشوهة عند الرافضة، وهو رجل مسردب منذ قرون لم يخرج، لا، رجل يكون يعيش في وسطهم، في وسط الحجاز أو غيرها، والله أعلم، ويصلحه الله في ليلة، بمعنى هو لا يعرف أنه هو المهدي، إلا أنه شيء يقذفه الله في قلبه ويرى نوره وبركته، فيعلن بذلك ويبايع عند البيت، ويخضع له أهل الخير والصلاح. فيأتي الظالمون والمستبدون بجيش يريدون غزوهم وإبادتهم، فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: «يغزو جيش الكعبة».
المهم هذا الجيش الذي سيرسله الظالمون لمقاتلة هذا الرجل ومن معه، يكونون في طريقهم يمرون على بيداء من الأرض، قال: «فإذا كانوا ببيداء من الأرض». والبيداء هي الأرض القاحلة الجرداء التي ليس عليها شيء، صحراء. فإذا كانوا ببيداء من الأرض، وفي بعض الروايات: «فإذا كانوا بالبيداء من الأرض»، على هذه الرواية الأخرى، البيداء قالوا هي اسم منطقة معينة اسمها البيداء، وأن قد كان الصحابة يعرفونها في زمنهم، لكن نحن اليوم مع تغيير أسماء المدن والقرى في الجزيرة لا نعرفها. فإذاً، إما الكلام عن بيداء يعني أرض صحراء عموماً، أو كلام عن بيداء معينة منطقة اسمها البيداء؛ لأنها جاءت معرفة في الروايات الأخرى وهي منطقة معروفة لدى العرب قديماً.
المهم هذا الجيش وهو ذاهب ليغزو هذا الرجل ومن معه عند الكعبة يمرون بصحراء، فيخسف بكل الجيش، الأرض تنخسف بهم فجأة بأولهم وآخرهم. فتقول عائشة: قلت يا رسول الله، كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ ما معنى أسواقهم؟ اختلف الشراح، البعض قال أسواقهم جمع سوق، والسوق قال هم أهل السوق، المعنى فيهم أسواقهم يعني أهل سوقهم. الجيوش قديماً لما كانت تخرج كان يخرج معهم التجار، وتكون معهم بضاعة، ويذهبون عادة مع الجيوش حتى يؤمنوا تجارتهم، فمعنى «وفيهم أسواقهم» يعني فيهم أهل السوق، والمراد فيهم تجار دخلوا مع هذا الجيش ليسوا ذاهبين للقتال لكن لقوهم في الطريق، خرجوا معهم.
«ومن ليس منهم»، يعني وفي هذا الجيش من ليس منهم، في رواية أخرى: وفيهم المجبور وابن السبيل، يعني هذا الجيش يا رسول الله فيهم ناس مكرهون خرجوا غصباً عنهم، مش حابين يقاتلوا، وفيهم ابن السبيل، الإنسان الذي كان مقطوعاً ووجد أن هذا الجيش ممكن يطلع معه ويوصله إلى المكان الذي يريد الوصول إليه. باختصار، عائشة ماذا تستغرب؟ كيف عم عقاب الجميع مع أن هناك في الجيش من ليس نيته أن يفعل المعصية ولا أن يقاتل المهدي أو أن يقاتل هذا الرجل الصالح إذا لم يكن المهدي. فهمتم أين سؤال عائشة؟ هل العقاب يمكن أن يعم أهل قرية أو أهل جيش أو أهل مدينة مع أن فيهم أناساً صالحون؟ هذا سؤال. فقال عليه الصلاة والسلام: «يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم».
يعني يوم القيامة، وهذا موطن الشاهد في الحديث وربطه بباب الإخلاص والنية؛ أن هذا الحديث موضوعه متعلق بموضوع النية، وأنه كيف النية تنجيك عند الله سبحانه وتعالى. هذا الحديث فيه عدة فوائد إخواني، نبدأ بها. الفائدة الأولى التي نستفيد من هذا الحديث: ضرورة أن الإنسان في حياته الدنيا يتباعد عن مجالس الظالمين، عن حضور مجالسهم ومحافلهم وأماكنهم، حتى إذا حلهم عذاب وعقاب من الله أنت ما تكون معهم. حتى لو أنت ما بتعمل زيهم وما بتعمل معاصي، لكن مجرد جلوسك مع الظالمين أو الفاسدين وأنك تبع لهم هذه مشكلة بحد ذاتها، ولو كانت نيتك سليمة وصافية. فيقول أهل العلم: هذا الحديث يعطيك مؤشر أن الإنسان لا يكون مع الظالمين ولا مع العصاة ولا مع المذنبين ولا يشاركهم في محافلهم ومجالسهم وأماكنهم؛ لأنه إذا نزل العقاب فإنك لن يرحمك، سيعمك العقاب معهم، فالذكي الفطن يبتعد عن مجالستهم.
الفائدة الثانية: أنك إذا أكرهت أو أجبرت أو مرت بك ظروف حياتية أنت مجبر أن تكون مع أهل الباطل، مش قادر تخرج عن قريتهم أو عن مدينتهم، مرت بظروف معينة، قد تكون مثلاً فتاة في بيئة غير ملتزمة، بيئة غير ملتزمة وأهلها ولا يصلون وقد والعياذ بالله يفعلون الكفر بعضهم ويقولون، أنت قد تكون تعيش مع أهل نفس الشيء ومش قادر الآن أنك تستقل عنهم مالياً وتعيش في مكان مستقل، أحياناً الإنسان قد تمر به ظروف حياتية يجبر أن يكون مع أهل الباطل جسدياً. هذا الحديث ينبهك على أنك إذا كنت مع أهل الباطل جسدياً بحيث لم تستطع الانفصال عنهم، فانفصل عنهم قلبياً على الأقل، أنه قل يا رب هذا أمر لا أرضاه، يعني أنا مش قادر أهجرهم وأتركهم لكن هذا أمر لا أرضاه.
طيب ما فائدة هذه النية؟ شو فائدة أنه إذا كنت أنت مع أهل باطل أو في عائلة غير متدينة أو في ظرف بيئي كله غلط بغلط ومش قادر تستقل عنهم؟ شو فائدة هذه النية؟ يا أخي تنجيك عند الله، حتى لو أن الله أراد أن يعاقب هذه القرية أو هذه الأسرة وعوقبت أنت معهم في الظاهر جسدياً في الدنيا، عند الله تبعث على نيتك، أنه أنت مش راضي. لكن هذا شيء عليك أن تفهمه، أن من سنن الله أن العذاب إذا جاء قد يعم، يعم حتى الإنسان المائل دخل لكنه موجود مع أهل الباطل في نفس المكان، تمام؟ ربنا قادر أنه يخلي الريح أو الصيحة تستثنيك لحالك، لكن حتى سبحانه وتعالى يدفعك ويؤزك أن تغادر الأماكن الباطلة.
يعني لو كان الإنسان يعرف أنه إذا أنا صالح ضمن بيئة فاسدة من سنن الله أنني لن أعاقب معهم، شو بتصير أنت تعمل؟ بتتهاون أنك تترك البيئة الفاسدة، صح؟ ما هو خلص ما هو حكوا لنا المشايخ أنه سنة الله أنه الصالح ما بينزل عليه العذاب. أنا عايشة في مدينة كلها فساد بس أنا صالحة بصلي وبعمل... حرام، خلص العذاب راح ينزل على كل البيوت اللي حوالي بس أنا سأستثنى، إذا أنت ضمنت هذه الجزئية ستضعف همتك لمفارقة أهل الباطل. فربنا سبحانه وتعالى لا، حتى يعزز فيك أنك ضروري تحاول تفارق أهل الباطل جعل من سنته أن القرية الظالمة إذا حل عليها العذاب تهلك بالصالحين اللي فيها. لذلك جاء في الحديث: أنهلك وفينا الصالحون؟ ماذا قال؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث».
إذا كثر الخبث حتى لو في شيخ صالح وفي رجال ما شاء الله طيب وبيصلي وكذا راح يدخل معهم في العذاب، بس يوم القيامة يبعث على نيته، هو مش موافق لهم، ربنا يبعثك على نيتك. فأعود فأقول: إذا كنت في بيئة فاسدة واضطررت لها ولم تستطع الاستقلال عنها، على الأقل انفصل عنهم بنيتك وبمشاعرك وبأحاسيسك ولا ترضى، لعله الله، يعني إذا عذبت هذه القرية وهلكت أنت معهم، لعلك تنجو عند الله يوم القيامة بنيتك الصالحة. لذلك هؤلاء هذا الجيش الذي خرج ليغزو الكعبة، جيش ظالم، بس في ناس طلعوا معه مجبرين، مكرهين، في ناس طلعوا معه بالغلط، بجوز مش فاهمين وين رايح، في ناس طلعوا معه تجار مش رايحين يعني عفواً يقاتلوا هذا المهدي، لكن في النهاية لما أراد الله أن يهلكهم أهلكهم جميعاً، أهلكهم حتى بالمكره الذي طالع وهو لا يريد، هلك، وفي النهاية يبعث يوم القيامة على ماذا؟ على نيته. إذاً هذه سنة من سنن الله نفهمها في هذا الحديث، وهي قضية أن العذاب إذا نزل قد يعم حتى المكره وحتى الصالح وحتى هؤلاء، وذلك ليكون لديك دافع من بداية وضعك ومن بداية حياتك أنك لا تكون في هذه الأماكن، فإذا كنت معهم خلص تحمل النتيجة، وسينفعك نيتك عند الله سبحانه وتعالى.
الفائدة الثالثة من هذا الحديث، وهي فائدة خطيرة ومهمة أيها الشباب، أننا لا يجب أن نستعجل فنحكم على الناس من ظواهرهم. صحيح، يعني أنت الآن في الصورة الظاهرة شو راح تحكي؟ كل هذا الجيش لعنة الله عليهم، صحيح، كلهم كفار فسقة مجرمين، بس الحديث بيقول لك هو نفسه الحديث شو بيقول لك؟ في ناس كانوا في الجيش، أنت على التلفزيون لما شفتهم أنت مش عارف شو في قلبهم، منهم من خرج مكرهاً، منهم من خرج بالغلط، مار طريق لقى حاله معهم، أنت بتعرف ما في قلوب الناس؟ لا. فأنا بالنسبة لي أنا أحكم على ماذا؟ على الظاهر، أنا مطالبة أن أحكم على ماذا؟ على الظاهر، لكن لا تستطيع أن تجزم أن كل هؤلاء في النار. هل تستطيع تجزم أن كل هؤلاء الذين هلكوا بالعذاب كلهم في النار؟ ما بتقدر تجزم. نحن بنقول الظالم يعذب، يعذبه الله، الفاجر يعذبه الله، لكن وأنا ممكن أشوف واحد في الظاهر، في الظاهر أنا قد أرى شخصاً أراه مع الظالمين، فأنا في ظاهر أمره أنه هو ايش؟ معه، فأقول في الظاهر أنه ظالم، لكن لا أستطيع أن أقول أنه في النار إذا مات، ليه؟ لأني أنا ما بعرف شو عنده بينه وبين الله في النية، يعني قد يكون معذور هذا الذي يكون مع سلك الظالمين أو مع سلك المستبدين، قد يكون معذوراً، ممكن البشر لا يحيطون بالنوايا.
فنحن نطالب أن نحكم على ماذا؟ على الظواهر، وأما أن تجزم أن فلاناً بعينه في النار هذا ليس من شغل البشر، نحن نقول من مات كافراً فهو في النار، صحيح، كل من مات على الكفر فهو في النار، لكن لو قلت لك الآن أنه في هناك شخص الآن في أوروبا مات في مستشفى هناك، مات على النصرانية، هل تستطيع تجزم أنه هذا بعينه في النار؟ لا، صحيح ليه؟ أنا مش قاعد معه يا شيخ، هو أنا أستطيع أن في الدنيا سأعامله معاملة أهل الدنيا أنه ايش مات نصراني، يدفن في مقابر النصارى، لا يورث، أحكام الدنيا كاملة، لكن هو في احتمال يكون أسلم في باطنه بس خايف يخبر أهله، احتمال، احتمال عقلي، ممكن يكون كتب وصية فيها إسلام وأنا ما وقفت عليها، ممكن في اللحظة الأخيرة قال لا إله إلا الله، ممكن كإمكان عقلي كله وارد.
وما دام الإمكان العقلي كله وارد إذاً أنا وأنت لا نستطيع أن نجزم أن سين بعينه من النار إلا من شهد له النص بأنه في النار، مثل أبو لهب، مثل أبو جهل، هؤلاء اللي شهد النبي صلى الله عليه وسلم والنصوص أنهم في النار خلاص انتهت، لكن من لم يشهد النص أنه بعينه من الناس في النار أنا أحكم على الظاهر أنه مات كافراً، وأقول من مات كافراً ولقي الله كافراً هو في النار، ربنا أخبرنا أن الله لا يشرك به، ما بعد ذلك لا أستطيع. تمام؟ وهذا الحديث يشهد لهذا المعنى، أن هذا الجيش في الظاهر لما تشوفه على الشاشة.
أنه كلهم خارجون لمقاتلة المهدي، فأنت بالنسبة لك أنا لا أعرفهم سين وصاد، أنا شايف جيشًا كاملًا خسف به، فسأقول أهلك الله الظالمين. لكن يوم القيامة ستكتشف أن هذا الجيش الذي أنت كله حكيت أنه ظالم، أن في ناس ربنا سيبعثهم على نيات أخرى؛ في واحد طلع مكره، وفي واحد طلع وهو مش عارف شو الموضوع، وفي واحد صور له الأمر على خلاف ما هو عليه، صور له أن في واحد طالع في الكعبة بده يهدم الكعبة فـ "ناخذك معنا"، فهو فاهم الموضوع غلط، ما تم تصوير الأمر له بالشكل الصحيح، فقد يكون معذورًا عند الله.
وهذه رحمة الإسلام إخواني، الحمد لله أن الجنة والنار في يد الله وليست في أيدي البشر؛ لأننا نحن خلاص بنحب أن هذا أكيد في النار، لا هذا رائع. أخي أنت لك تحكم على الظواهر ودع أشخاص الناس، الله سبحانه وتعالى يدخل من يعلم بعدله النار، ويدخل من يعلم بفضله الجنة. هذه قضية كبيرة ومهمة أننا لا نحكم على أعيان الناس في الجنة أو في النار، وإنما نحكم على الظواهر بالنسبة لنا في الدنيا، وهذا القول الذي نختاره في هذه المسائل إلا كما قلنا من شهد له النص بأنه من أهل النار.
وربط هذا الحديث بالترجمة كما قلنا، أن هذا يدل على أهمية النية، أن النية هي سبب النجاة. هنا العمل في الظاهر سيء، لكن بماذا نجا؟ بالنية. فنيتك الصالحة تكون سببًا في نجاتك عند الله، فاحرص دومًا أن تكون نيتك صالحة، وأن لا تنوي إلا الشيء الخير؛ لأنها تكون سببًا في عذرك عند الله يوم القيامة. هذا يؤكد على قيمة النية.
ثالثًا اقرأ. قال: وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا». متفق عليه.
الحديث الثالث حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح»، والمراد الفتح هنا فتح مكة. هنا النبي عليه الصلاة والسلام يخبر الصحابة وأهل البدو وغيرهم أن مكة متى كان يهاجر منها إلى المدينة؟ لما كانت دار كفر، لما كانت بيد الكفار، فلما أصبحت بيد المسلمين وفتحها النبي عليه الصلاة والسلام صارت مكة دار إسلام، فما عادت الدار يهاجر منها. فهذا الكلام يختص بمكة، وليس كما يقول بعضهم أن هذا إلى يوم القيامة لا هجرة؛ لا، هذا الكلام عن مكة المكرمة أنها لا هجرة من مكة بعد أن أصبحت دار إسلام.
واستنبط العلماء من هذا الحديث أن مكة لن تعود دار كفر إلى يوم القيامة، يعني لن يستطيع الكفار إلى يوم القيامة السيطرة على مكة، لا أوروبا ولا أمريكا ولا غيرهم، مكة لن تعود دار كفر فتبقى دار إسلام؛ لأن الحديث جاء بالاستغراق، «لا هجرة» هذا استغراق، نفي يفيد الاستغراق، لن يكون هجرة من مكة بعد فتحها. إذا هذا يدل على أنها لن تعود دار كفر مرة أخرى؛ لأنه نفى وجود الهجرة منها على وجه الأبد «لا هجرة بعد الفتح».
لكن بعض الناس كانوا يريدون تحصيل ثواب الهجرة، قالوا يا رسول الله: نحن فاتنا أن نهاجر إليك ونحصل ثواب المهاجرين؛ لأن ثواب المهاجرين عند الله عالي جدًا، فبدنا شيء يعدل ثواب الهجرة. قال لهم: شوفوا، بعد فتح مكة ما في هجرة من مكة، لكن إذا أردتم، خاصة اللي أسلموا بعد فتح مكة -في عدد كبير من الصحابة أسلم بعد فتح مكة ومن سكان مكة- قالوا يا رسول الله: نحن فاتنا هذا الثواب ولن نستطيع أن نحصله الآن لأن مكة أصبحت دار إسلام، ففي عمل نعمله يعوض هذا الثواب؟ قال: إيه. قال: «ولكن جهاد ونية»، شغلتين. قال: احرصوا على الجهاد في سبيل الله واحرصوا على النية.
وهذا موطن الشاهد في الحديث، واحرصوا أن تكون نيتكم دائمًا صالحة، أن تكون نيتك دائمًا لفعل الأعمال الصالحة موجودة. فمن حافظ على الجهاد وحافظ على صلاح النوايا وصدق النوايا، بلغ بإذن الله منزلة المهاجرين في سبيل الله. «ولكن جهاد»، الجهاد والمحافظة على جودة النية وصلاح النية، وأنك دائمًا تنوي الخير ودائمًا تنوي المعروف ودائمًا تنوي الإحسان إلى الناس، ولا تنوي النوايا السيئة. اللي بيحافظ على النية وبيشتغل في موضوعها، فأي نية فاسدة حاول يطردها وأي نية صالحة حاول يجيبها، اللي بيجعل موضوع النية الصالحة مهيمن على عقله، يبلغ بصدق هذا الموضوع وصدق مجاهدته لنيته مع جهاده في سبيل الله يبلغ منزلة المهاجرين.
شوف إذا في مساحة أننا نعوض ما استطعنا نهاجر مع النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هناك تعويضات. هذا تعويض: جاهد في سبيل الله وانوِ الخير دومًا، عالج ملف النية. قال: «وإذا استنفرتم فانفروا»، وهنا الجهاد في حال النفير العام يكون فرض عين؛ يعني إذا استنفركم الحاكم المسلم للدفاع عن أراضي المسلمين فعليكم أن تنفروا، وهذه إحدى الصور التي يكون فيها الجهاد فرض عين، أن يأتي الحاكم المسلم ينتدب أهل البلدة للخروج وللدفاع وللقتال، هنا يصبح القتال فرض عين، لا مجال ولا مناص من القيام به، هذه إحدى الصور. وأيضًا يكون الجهاد فرض عين إذا كنت بين الصفين وحضرت المعركة لا يجوز لك أن تنسحب، وكذلك إذا حُصر بلدك عدو فإنه يجب عليك أن تجاهد لتدافع عن بلدك وعن أرضك وعن عرضك. أكمل.
قال ومعناه: لا هجرة من مكة لأنها صارت دار إسلام. هذا شرح من النووي لمعنى «لا هجرة بعد الفتح». أكمل.
قال وعن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال: «إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، حبسهم المرض»، وفي رواية: «إلا أشركوكم في الأجر». قال: رواه مسلم. قال ورواه البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن أقوامًا خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبًا ولا واديًا إلا وهم معنا، حبسهم العذر».
جميل، هذا الحديث من الأحاديث الجميلة التي تخفف عن الإنسان الذي ينوي فعل أعمال خيرة وجيدة ويحب أن ينافس فيها مع المنافسين، ولكن عجز عن ذلك لضيق ذات اليد أو لمرض حل به أو انقطاع وقع به في الحياة. هناك أناس صالحون يحبون أن يشاركوا إخوانهم في الصدقات، يحبون أن يشاركوا إخوانهم في أعمال الخير والإغاثة والذهاب إلى المساجد وما شابه ذلك، لكن سبحان الله يبتلون ببلاء بدني أو مالي فيعجز، ما عنده مال فقير يتمنى لو أنه يستطيع الصدقة لكن ما عنده مال، يتمنى لو يستطيع الذهاب إلى المسجد لكنه مشلول، يتمنى لو يستطيع يسجد لله سجدة لكنه كما قلنا مقعد. هؤلاء الله سبحانه وتعالى يعوضهم، الله عز وجل يعوضهم ويعطيهم الدافع أن يحافظوا على نياتهم الجميلة.
فيقول صلى الله عليه وسلم في غزوة من الغزوات كان ماشيًا مع أصحابه، فيقول: «إن بالمدينة لرجالًا، ما سرتم مسيرًا في هذه الغزوة ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم»، إيش يعني إلا كانوا معكم؟ أي في الأجر، إلا شاركوكم في ماذا؟ في الأجر. طيب لماذا يا رسول الله شاركونا مع أنهم جالسون في المدينة في منازلهم؟ قال: «حبسهم العذر» أو «حبسهم المرض» في الرواية، وفي رواية: «حبسهم العذر»؛ أن هناك مرض أو أي عذر مالي أو بدني هو الذي أقعدهم، ولولا هذا العذر المادي لكانوا معكم.
هذا يعطينا قاعدة إخواني، ما هي؟ أن من عجز عن العمل ونواه في قلبه، إذا أنت عجزت عن عمل من الأعمال الصالحة لكن أنت ناوِيه في قلبك، عاجز بدنيًا أو ماليًا ونويته في قلبك، فإنك تحصل أجر العامل المباشر له؛ فهذا الذي يقاتل كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في الميدان، والجار في بيته كلاهما قال «إلا أشركوكم في الأجر». في الرواية الأخرى طيب كيف شركوهم في الأجر؟ لأنهم إخواني كانوا يريدون هذا صدقًا، والله اطلع على صدق قلوبهم لكن منعهم من ذلك العجز المادي. هذه من رحمة الإسلام أنه بيعطيك مساحة ولو أن وضعك المالي أو البدني ضعيف، اصدق مع الله بس، ولذلك دائمًا شو قلنا في الدرس الماضي؟ مساحة النية أوسع من مساحة العمل، نية المؤمن أبلغ من عمله، أنت بالنية والتفكير في موضوعه واستثمارها تستطيع أن تبلغ درجات كبيرة وتحصل أعمالًا كبيرة مع أنك ما اشتغلت ببدنك. بالذكاء في توظيف النيات، في شاب ذكي بيعرف كيف يوظف النية ويستعملها ويستغلها، وفي إنسان مش مهتم بملف النية تمامًا، الإسلام يوجهك: اهتم بملف النية، فوالله تأتي يوم القيامة بحسنات عظيمة أنت نفسك مش عارف من وين جبتها، يعني أنت بتعرف أن أنا ما قمت الليل وما جاهدت في سبيل الله وما تصدقت، لكنك حصلت ثواب المتصدقين والمجاهدين والقائمين، من وين حصلت هذا؟ من النية. فالنية أمرها ومنزلتها في الشريعة عالية، ولذلك كان أعظم حديث في الدين حديث: «إنما الأعمال بالنيات».
هنا بدي أنبه على قضية، في فرق بين قضيتين، وأرجو أن تكتبوا هذا؛ يقول الفقهاء: من كان مواظبًا على عمل في الماضي ثم عجز عنه في المستقبل بسبب مرض طرأ أو حالة مالية طرأت، فإن الله عز وجل يعطيه أجر العمل كاملًا، وليس فقط أجر النية. يعني شخص كان متعود يقوم الليل ممتاز، ابتلي بمرض أو بشيء معين فما عاد يستطيع أن يقوم الليل، وأنه يحب هذا وينويه لكن ابتلي ببلاء ما عاد يستطيع يقوم الليل، هنا الله عز وجل لأنك كنت تقوم الليل ومواظب عليه وسبب عدم قيامك شيء طارئ عليك، يعطيك أجر هذا العمل، أجر قيام الليل وليس فقط أجر النية.
أما من كان لم يقم بالعمل ابتداءً أصلًا في حياته، يعني هو العمل ابتداءً ما قام فيه، لكن نوى أنه يعمله إن شاء الله إذا تيسرت بعمله، هنا سيحصل ثواب زي ما قلنا، لكن يحصل ثواب إيش؟ ثواب نية وليس ثواب عمل. وأعيد الجملة مرة أخرى حتى تفهم الفرق بين الصورتين: فرق بين إنسان كان يعمل الخير ثم حبسه عنه حابس، فهذا لما يعطيه الله الثواب ما يعطيه الثواب فقط النية، بعطيه ثواب نية وعمل كأنه عمله تمامًا. الحالة الثانية: لا شخص أصلًا لم يقم بالعمل ابتداءً، عمره ما قام الليل، عمره ما جاهد، عمره ما عمل، عمره ما تصدق، بس هو ناوي، ناوي أنه إذا تيسرت الأمور أنه يفعل هذا الشيء، هنا أنت ستحصل ثواب زي ما حكينا بس ثواب إيش؟ ما بتحصل ثواب عمل، بتحصل ثواب على جودة نيتك، ثواب على النية وليس ثواب عمل.
فهنا هؤلاء الصحابة الذين لم يخرجوا مع الجيش لعلهم كانوا من المجاهدين السابقين، يعني هم كانوا يجاهدون ويخرجون في الغزوات، لكن سبحان الله لما اجت هذه الغزوة هو صادف أنه ما عندهم قدرة مالية، فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم جعل لهم ثواب مش فقط النية، فيما يظهر ثواب العمل كاملًا؛ لأنهم كانوا معتادين عليه وحبسهم المرض، والله تعالى أعلم.
لذلك في رواية البخاري عن أنس يقول: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا فيه تنصيص على الغزوة أن الغزوة هذه كانت غزوة تبوك بناءً على الرواية الثانية، فقال صلى الله عليه وسلم وهو في طريق العودة إلى المدينة: «إن أقوامًا خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبًا ولا واديًا»، الشعب هو الطريق بين الجبلين، «ما سلكنا شعبًا ولا واديًا إلا وهم معنا»، يعني كأنهم معنا في الأجر، «حبسهم العذر».
وهذا يدل إخواني كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام يعلم الصحابة حسن الظن بإخوانهم؛ هذا لأنه هو كان عائدًا من غزوة تبوك، لما هو عائد من غزوة تبوك كان كثير من المنافقين تخلفوا، فبده يعطي الصحابة معلومة أن في بعض الناس تخلفت ليس نفاقًا، وإنما تخلفت لأنهم معذورون، وهذا دائمًا بيخلي المسلم يتروى في الحكم على الناس. أنت ممكن تشوف مثلًا بتعمل شيء في الخير أو إسلام أو شيء، يعني أي عمل إسلامي بغض النظر ما هو، تشوف بعض إخوانك ما شاركوكش في العمل، شو بعض الناس بقول؟ الله هذا فلان في منه خير؟ فلان هذا منافق، أنا أصلًا بعرفه منافق، أنتم بتعرفوا! يا أخي قد يكون حبسهم العذر، قد يكون حبسهم العذر، فحاول أن تتخلص من شهوة الحكم على الناس، والله الشاب المسلم الذي يتخلص من شهوة الحكم على الناس أنه فيه خير عظيم. اترك النوايا، اترك، لا تجعل هذا ملفك في حياتك، اشتغل على نفسك. هيك الصحابة كانوا يتعلمون عند النبي عليه الصلاة والسلام: لا تتهموا كل من تخلف عن الغزوة بأنه منافق، بعضهم قال: «شاركوككم في الأجر»، لماذا؟ «حبسهم العذر». أنتم ما بتعرفوا كل أعذار الناس ولا كل ظروف الناس.
والله هذا الشيخ ليش ما بيحكي كثير عن غزة؟ هذا من أعوان السلاطين وكذا، يا أخي قد يكون حبسه العذر تمام، قد يكون في سيف مسلط على رقبته بس أنت مش عارف، في بعض البلدان، نحن بنحب نحكم صح، بنحب نحكي ونسقط ونفلسف على المشايخ والدعاة، وهذا مش عاجبني، وهذه الجماعة مش، وهذا الشخص، يا أخي دعك من الناس واشتغل بصلاح قلبك وصلاح نيتك، فمن أشغلته نيته وصلاحها عن الاشتغال بالناس أفلح، ومن بقي يشتغل في نوايا الناس ونسي نيته كسد. أكمل.
قال وعن أبي يزيد معن بن يزيد بن الأخنس رضي الله عنهم، وهو وأبوه وجده صحابيون، قال: كان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق.
هذا من الصحابة القلائل الذين هو وأبوه وجده صحابة، معن بن يزيد بن الأخنس؛ الابن والحفيد والأب والجد كلهم صحابة. قال: كان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها، فأتيته بها، فقال: والله ما إياك أردت، فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن» رواه البخاري.
سيدنا معن بن يزيد بن الأخنس يروي لنا هذه القصة التي حصلت؛ أبوه يزيد أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، يعني وضعها عند إمام المسجد، قال له: اسمع، هذه دنانير أريد أن أتصدق بها، ضعها حيث تراها مناسبة، وكل إمام المسجد بدفع الصدقة. فيقول يزيد: فجئت فأخذتها، ومعن كان فقيراً، والابن نفسه كان وضعه المادي ليس كثيراً، قال معن: عرفت أن أبي وضع مالاً عند إمام المسجد، فذهبت عند إمام المسجد قلت له: أعطني إياها، فأنا محتاج.
إمام المسجد عرف أنه محتاج، وفي بعض الروايات أنه كان متزوجاً جديداً وعليه ديون وتظبيط أمور، فمعن كان متزوجاً، فذهب إلى إمام المسجد فأخذ منه هذه الصدقة، ثم ذهب إلى أبيه قال له: يا أبة، هذه الصدقة التي أعطيتها لإمام المسجد هي معي، وأنا أخذتها. فأبوه غضب وقال: والله ما إياك أردت؛ يعني أنا لما أعطيتها لإمام المسجد أنا لم أكن أنوي أن أعطيها لك، لو كنت أريد أن أعطيك لأعطيتك مباشرة، فأنا أحب أن تكون هذه الصدقة لواحد بعيد عن العائلة، لعل الإنسان يريد شيئاً بينه وبين الله، فما أراد أن يعطي ابنه.
فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، راح مع والده إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فوالده يقول: يا رسول الله، أنا أردت أن أعمل صدقة وأعطيتها لإمام المسجد، وراح أعطاها لابني، وأنا لم أنوِ ذلك. والابن قال: يا رسول الله، أنا ذهبت لإمام المسجد وأخذتها منه باعتبار أني فقير، فدفعها لي. فالنبي عليه الصلاة والسلام حل الأمور بينهم بهدوء لكلا الطرفين، فقال: «لك ما نويت يا يزيد»؛ حكى للأب: لا تقلق، أنت ما كانت نيتك؟ الصدقة حصلت نيتها كاملة، حتى ولو وقعت الصدقة في مكان أنت لم ترغب أن تضعها فيه.
أنا أركز على هذا البعد، أنه بعض الناس يريد أن يتصدق للجهة الفلانية، ثم يكتشف أن الشخص الذي وكله أعطاها لجهة أخرى، فهل يعيد سحب الصدقة؟ لا، الصدقة بعدما قُبضت خلص راحت، فالعائد في هبته أو في صدقته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه. فإذا أحس الإنسان بضيق لأن المال ذهب لغير الجهة التي كان يقصدها، نقول له: «لك ما نويت»، ذهبت لله، لا تظل تفكر وتظن أن أجرك قل، لا، لك ما نويت.
حتى لو كانت الجهة التي ذهب إليها المال غير التي أردتها؛ فالله يعطيك على نيتك وليس على صورة عملك؛ صورة العمل ما تحققت كما تريد، لكن الثواب لا يتعلق فقط بصورة العمل. ممكن واحد يحاول يبعث مالاً لإخواننا في غزة، وللأسف يبلغه أن المال لم يصل أو ذهب في أمور خدماتية أخرى، ان شاء الله تأخذ ثواب أنك تصدقت عليهم، حتى لو المال لم يصل، فستحصل الثواب على النية ولو كانت نتيجة العمل التي حصلت ليست التي فكرت فيها.
أما أنت يا معن فلك ما أخذت؛ لأنك تستحق، أنت فقير فما أخذت هو لك. واستشهد بهذا الحديث بعض الفقهاء أن الأب له حال في فقه الإسلام في مسألة هل يجوز له أن يرجع في هبته لولده؛ عند جماهير الفقهاء أن الأب له أن يرجع في الهبة، لكن السادة المالكية ورواية عند الحنابله قالوا: إلا إذا كانت صدقة؛ ففرقوا بين أن تعطي ابنك هدية وبين أن تتصدق عليه، إذا أعطيته هدية تقدر تسحبها، وإذا تصدقت عليه لأنه فقير محتاج ما تقدر ترجعها.
لكن أكثر أهل العلم قالوا هنا يحتمل أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ولك ما أخذت يا معن» تطييباً للخاطر، أي يا يزيد اجعلها لابنك ودعه يأخذ هذا المال ولك أجر النية؛ فالبعض فسر هذا من باب المواساة وليس من باب الإلزام.
إذن نقف عند هذا القدر، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. طبعاً إخواني، الدرس من الأسبوع القادم نبدأ الرابعة والنصف، أنتم شايفين العصر عم بتقدم والمغرب عم بتقدم كذلك، فالدرس يبدأ من الأسبوع القادم إن شاء الله على الرابعة والنصف حتى نستطيع ننجز في رياض الصالحين ما يمكن إنجازه. وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل