بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
حياكم الله في مجلس جديد للمجالس التعليقية على هذا السفر المبارك، على كتاب رياض الصالحين، بجمع العلامة الإمام النووي رحمه الله تعالى وغفر له. وما زلنا نعيش في أحاديث الباب الأول، والذي يتحدث عن ضرورة النية وتصويبها، وعن ضرورة الإخلاص لله سبحانه وتعالى، ولذلك بدأ به؛ لأن بداية المسيرة الإخلاص.
إن في القلب مضغة، إذا صلحت صلح العمل كله، وإذا فسدت فسد العمل كله، ألا وهي القلب؛ فإخلاصك بداية المسير إلى ربك سبحانه وتعالى. فكل ما سيأتي بعد ذلك في الكتاب من أعمال القلوب كالصبر وغيرها، أو أعمال الظاهر، فإن منطلقها الإخلاص.
وصلنا إلى الحديث السادس عن أبي إسحاق، سعد بن أبي وقاص. ثم ذكر اسم أبي وقاص؛ أبو وقاص ما اسمه؟ هو سعد بن مالك، لكن في بعض الأحاديث عن سعد بن مالك، وفي بعضها تجد عن سعد بن أبي وقاص. هذا ننتبه له؛ أن أبا وقاص ما اسمه؟ مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زورة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزهري. وما دام هو من زهرة بن كلاب، إذاً هو من أخوال النبي ﷺ، بأن أم النبي ﷺ هي من زهرة. أيضاً تعود إلى زهرة، لذلك يروى أن النبي ﷺ كان يقول: «هذا خالي، فليرني أحدكم خاله»، كان يفتخر بسعد بن أبي وقاص. وطبعاً المراد بالخال ليس الخال المباشر، وإنما المراد من الحمول؛ أخوال هيك بنسميها في العشائر الأخوال، لأنه من جهة الأم.
وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، هو أحد العشرة المبشرين بالجنة. يقول: «جاءني رسول الله ﷺ يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي». في حجة الوداع النبي ﷺ كان في مكة، وسعد معه في مكة، وسبحان الله كتب على سعد مرض شديد أشفق منه على الموت. قلت: يا رسول الله، إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، كان ثرياً رضي الله عنه، ولا يرثني إلا ابنة لي، ما عندي ذكور.
كان في تلك الفترة لديه ابنة، فقال: «أتصدق بثلثي مالي؟» أي أتصّدق بالثلثين من مالي يا رسول الله؟ أو أوصي بها؟ قال: «لا». هذا كثير، يعني هل أوصي بالثلثين؟ قال: «لا». قال: «فالشطر يا رسول الله؟» أي النصف. قال: «لا». قلت: «فالثلث يا رسول الله؟» قال: «الثلث، والثلث كثير».
هذول جملتين؛ قال: «فالثلث»، ثم أعطى جملة يشير فيها: «والثلث كثير». يعني حتى الثلث ترى كثيراً؛ لذلك الحنابلة عندنا في المعتمد في المذهب السنة ألا تصيب الثلث، السنة أن تصيب الخمس، لماذا؟ قالوا لأن النبي ﷺ قال: «حتى الثلث كثير». لكنه أعلى حد، يعني أدنى حد مسموح فيه إذا يمكن أن نقول. قال: «الثلث وإن كان الثلث كثيراً» أو «كبيراً» على الشك.
ثم قال له يا سعد، بمعنى الكلام، لماذا النبي ﷺ يرفض أن نزيد على الثلث في الوصية؟ لماذا نهى الإسلام وحرم الإسلام الزيادة على الثلث إلا بإذن الورثة؟ لأنه هذا المال الذي ستموت عنه، أولى الناس أن ينتفع به هم ورثتك، فإن تحرم الورثة منه أو من أكثره وتعطيه إلى الناس الأباعد أو الأجانب، هذا حقيقة فيه انتقاص من حقهم وإزراء بهم، ومنع المال من أن يكون متوارثاً داخل الأسرة.
أنا أحق الناس أن ينتفع بمالي هم أقاربي، خصوصاً بالمنظومة الإسلامية: أبنائي، وأمي، وأبي، وإخواني، فإن لم يوجد أبناء فإخواني وهكذا. فالنبي ﷺ أعطى العلة، قال: «إنك أنظر ورثتك أغنياء، أنك تموت وورثتك من بعدك يستفيدون من مالك، فيكونون أغنياء متعففين عن الناس، خير من أن تذرهم عالة».
فقراء يتكففون الناس، ما معنى يتكففون الناس؟ يعني يمدون أيديهم إلى الناس، يمدون أكفهم، يتكففون من الكف، فقلت يتكفف يعني يمد كفه، يتسول. أنه أفضل أن تخلي ورثتك أغنياء وتغنيهم، حتى ولو لم تعطِ وصية، أو أن تعطي وصية، مقابل أن يبقى ورثتك فقراء يتسولون ويحتاجون غيرهم. لا، أن أكفي أسرتي وعائلتي هذا أولى من أن أضيعهم مقابل أعمل عملاً خيرياً مع الأجانب أو الأباعد.
ثم قال: «وإنك يا سعد لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها». ما هو الآن الإنسان ما الذي يخليه يوصي بأكثر من الثلث؟ بحثاً عن الأجر، صح؟ عشان هيك بده يوصي بالثلثين أو بأغلب المال للفقراء. فأراد أن يعطيه فكرة عظيمة جداً في الإسلام؛ أن النفقة التي تنفقها حتى على أبنائك وحتى على زوجتك، من قال لك هذه غير محسوبة صدقة؟ يعني أنت بتفكر أن الذي تنفقه على أولادك وزوجتك هذا لا يحسب عند الله ثواباً وصدقة، وأن الصدقة ليست هي الإنفاق إلا على الأجانب الأباعد؟ لا.
قال: «إنك لن تنفق نفقة»، أي نفقة تنفقها على ولدك، تروح تشتغل من الصباح للمساء من أجل قوت عيالك، قوت زوجتك، قوت أبوك وأمك إذا كنت مسؤولاً عنهم، «وإنك لن تنفق نفقة» وهنا موطن الشاهد في الحديث الذي من أجله ذكر في هذا الباب، «تبتغي بها وجه الله» هذا هو.
يعني في واحد من إخواني يروح يشتغل من الصباح إلى المساء ويأتيه دخل، بس ما يأخذ ثواباً؛ لأنه ما عنده نية، ما عنده نية صالحة، هو هدفه دنيا، وأنه يشبع بطنه وفرجه ويشبع أبناءه وزوجته، هدفه فقط الشبع. وفي إنسان يشتغل من الصباح للمساء وكل ساعة عمل هو مثاب عليها، ما الفرق بين هذا وهذا؟ اشتغل وأتى بمال وأنفق، ليس هدفه فقط «خلوا الولاد يستمتعوا»، لا، بل «أنا هذا في إرضاء الله، ابتغيت بأنفاقي على زوجتي وأبنائي وجه الله».
هذه النفقة على الزوجة والأبناء ابتغاء وجه الله ترى تؤجر عليها، لا تستقلها؛ قال: «إلا أجرت عليها»، قال: «حتى ما تجعل في امرأتك حتى اللقمة التي تضعها في فم زوجتك ابتغاء مرضات الله تثاب عليها». فهذا فيه تحفيز أنه لا يستقل الإنسان أن يدع مالاً لأولاده وزوجته، يقول ما هو هيك راح يروح، أنت مثاب على هذا المال بشرط أن تكون أحسنت النية. وهذا يؤكد دور النية المركزي في تغيير العمل، من كونه مجرد عمل دنيوي لا ثواب عليه إلى استثمار أخروي عظيم عند الله سبحانه وتعالى.
قال سعد: فقلت يا رسول الله، وخلفوا بعض أصحابي، الصحابة المهاجرين كانوا يخشون أن يموتوا في مكة؛ لأن النبي ﷺ نهى المهاجرين أن يعودوا إلى مكة، خلص أنت هاجرت إلى المدينة إلى الله ورسوله، تبقى مهاجراً، ونهاهم أن يقيموا في مكة بعد أن هاجروا إلى الله ورسوله. فسعد كان خائفاً في حجة الوداع أن يموت في مكة بسبب المرض الشديد الذي حل به، فقال: يا رسول الله، أتظن أنني سأخلف بعض أصحابي؟
قلت: يا رسول الله، أخلف بعض أصحابي؛ بمعنى أنك يا رسول الله مع الصحابة راح ترجعوا للمدينة بعد حجة الوداع، وأنا راح أضل في مكة وأموت فيها، شعر "أخلف" يعني سأتخلف في مكة وأموت فيها بسبب مرضي، وأنتم بترجعوا عالمدينة، ولا ربنا راح يعطيني عمر؟ فأعطاه إشارة؛ أيش قال له؟ هو عفواً لا يتكلم عن الموت هنا؛ إنه قال: «إنك لن تخلف، فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون. اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم». لكن البأس لسعد بن خولة.
طبعاً هنا أقول واللفظ للبخاري؛ قال حافظ ابن حجر في فتح الباري: وكانوا يكرهون الإقامة في الأرض التي هاجروا منها وتركوها مع حبهم فيها لله تعالى؛ كانوا يكرهون الإقامة في الأرض التي هاجروا منها، اللي هي مكة، فمن ثم خشي سعد بن أبي وقاص أن يموت فيها. ولذلك قال: يا رسول الله أخلف بعد أصحابي؛ هنا يعني هو ظاهر الحديث هل سأخلف في مكة بعد أن تغادروها؟ فقال: «إنك لن تخلف، فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ثم قال: ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون».
هذا يدل على أن عبارة وخلفوا بعض أصحابي، وإن كان هنا أحد الشراح فسرها: وخلفوا في مكة بعد أصحابي وانصرافهم معك، لكن يمكن أن تفهم بطريقة أخرى: هل أخلف بعض أصحابي بمعنى هل سأعيش؟ وخلفوا بعض أصحابه بمعنى هل ربنا راح يعطيني عمراً؟ يعني كثير من الصحابة راح يطول عمري، فقال له النبي ﷺ: «إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة». يعني أنك إذا خلفت -يعني ربنا أعطاك عمر- فعملت أعمالاً تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة، يعني طول العمر مع حسن العمل هذا رفعة.
«إنك لن تخلف فتعمل عملاً» يعني بقول لك: أنت لن يطول عمرك، ستعمل عملاً، يعني هذه لازم تحملها مع بعض؛ هو لا ينفي طول العمر، بل هو يريد أن يعمل أسلوب حصر؛ «إنك لن تخلف فتعمل عملاً صالحاً إلا أجرت عليه»، كأنه هكذا يريد أن يقول له: فإذا خلفت -بمعنى أعطيت عمراً ومنحك الله فسحة في الحياة- فعملت أعمالاً صالحة، وأيضاً هذا موطني الشاهد، بس بشرط: عملاً تبتغي به وجه الله، إلا ازددت به درجة ورفعة. ثم قال له الآن يعده أن ربنا راح يعطيك عمر؛ أنت يا سعد لن تموت الآن لا تخاف، سعد كان في مرض شديد فكان خائفاً أن يموت، أعطاه إشارة: «إنك لن تموت في هذا المرض، مكتوب لك عمر، قال: ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون».
وهذا ما حصل في حياة سعد، أنه عاش فكان قائداً من قادات الجهاد، كان قائد معركة القادسية، غير تلك الفتوحات الأخرى التي شارك فيها، فالنبي ﷺ يقول: أنت راح تعيش -لعلك تخلف- راح تعيش، وسينتفع بك أقوام؛ انتفع به المسلمون وانتفع به الخلفاء الراشدون، وكان أحد المقربين من الخلفاء الراشدون؛ سعد قيادي وحكيم ورجل من أهل الفهم والعقل والذهن، مش أي سعد، ما كان رجلاً عامياً، كان رجلاً فقيهاً قائداً عالماً، فانتفع به أقوام، وكان يوضع أيضاً أميراً على عدة مناطق، «ويضر بك آخرون» وستكون سبباً في إضرار آخرين من الكافرين من المرتدين وما شابه ذلك.
ثم دعا النبي ﷺ فقال: «اللهم أمض لأصحابي هجرتهم» دعا أن الله عز وجل يجعل جميع الصحابة الذين هاجروا من مكة إلى المدينة كلهم يموتوا في غير مكة، قال: «اللهم أمض لأصحابي هجرتهم»؛ أي أصحاب المهاجرين، يا ربنا يموتوا في مكة؟ لماذا؟ كما قال لك ابن حجر العسقلاني: كانوا يكرهون الإقامة في الأرض التي هاجروا منها؛ كان النبي ﷺ والصحابة خلاص يودون حتى يلقوا الله مهاجرين، أنه ما يرجعوا يقيموا في مكة ويموتوا في مكة؛ أنه خلص إحنا هاجرنا من مكة، فيا رب نموت مهاجرين منها، نموت في المدينة، نموت في البصرة، نموت في الكوفة، المهم أننا لا نموت في أرض هاجرنا منها، هذا المهم.
فقال: «اللهم أمض لأصحابي هجرتهم»؛ يعني يا رب هذا الكلام لأصحابه المهاجرين، أمض لهم هجرتهم، يعني أدعوك يا رب ألا يموتوا في مكة، «ولا تردهم على أعقابهم» وألا ينتكسوا، وكأن الإقامة في مكة بعد الهجرة نوع من الانتكاسة، ولذلك كما قلت النبي ﷺ نهاهم عنها أن يعود مهاجر إلى بلده، خاصة كان يتكلم هنا طبعاً عن المهاجرين من مكة بالتحديد، نهاهم أن يبقوا في مكة، قال: «ولا تردهم على أعقابهم»، كأن من يخرج مهاجراً ثم يعود إلى مكة من الصحابة كأنه رد على عقبه وأضاع ثواب هجرته أو شيء من ذلك، قال: «ولا تردهم على أعقابهم».
ثم قال: «لكن البائس سعد بن خولة»، سعد بن خولة هذا أحد الصحابة المهاجرين؛ إن سبحان الله مات في مكة، كان من المهاجرين من مكة إلى المدينة لكنه مات في مكة، فالنبي ﷺ كما قال الراوي قال: «يرثي له رسول الله ﷺ» أن مات بمكة؛ يعني يتأسف عليه النبي ﷺ، أيش كتب له أن يموت في مكة، كان يرجو له أن يموت في غير البلد التي هاجر منها، قال: «لكن البأس» نصيبك نصيب سعد بن خولة، نصيب أنه كان مهاجراً لكنه مات في مكة؛ فكان النبي ﷺ تأسف عليه وتحزن عليه ورثى عليه أنه مات بمكة ولم يكتب له العودة إلى المدينة بعد حجة الوداع، وهذا حديث متفق عليه، وموطن الشاهد في الأحاديث كما قلنا أن الأعمال الصالحة النبي ﷺ يلبي أن العمل لا تثاب عليه ولا تزداد به درجة ورفعة إلا إذا ابتغيت به وجه الله. هذه قاعدة، الأعمال مهما كانت في صلاحها وفي نبلها وفي خيريتها إلا أنك لن تثاب عليها إلا إذا قصدت بها وجه الله سبحانه وتعالى.
الحديث الذي يليه عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر؛ قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم»، وهذا حديث رواه مسلم، وفي رواية أخرى: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». هذا الحديث أيضاً أصل في بيان أن محل النظر الإلهي ليس إلى الصورة الخارجية وإلى الجسم الخارجي، ولكنه ينظر أساساً إلى قلبك، والرواية الأخرى تهمنا، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، هذه الزيادة مهمة؛ ليه؟ لأنه بعض الناس يا شيخ عمر ممكن يفهموا من هذا الحديث أيش؟ أنه يا شيخ المهم اللي في القلب، المهم حسن القصد، حتى لو كان العمل بدعياً أو كان فيه شيء من المنكرات ما دامت النية صافية والله ينظر إلى القلوب، معناته العمل يقبل؛ لأن الحديث يقول: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم»، الله عز وجل لا يهمه أنت طويل ولا قصير، أنت أبيض ولا أسود، «ولا إلى صوركم»، أنت جميل ولا بشع؟ أنت في قمة الجمال ولا جمالك عشرين أو ثلاثين بالمئة؟ الله لا ينظر لا إلى الجسد ولا إلى الصور، ولكن ينظر إلى القلوب، وهي موطن الإخلاص؛ هل أنت صادق ولا غير صادق؟ وإلى الأعمال كما جاءت الزيادة، هذه زيادة مهمة في الرواية الأخرى: «ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»، فينظر إلى عملك، هل هو على السنة أو على غير السنة؟ هذه مهمة.
ليش قلنا هذه الزيادة مهمة في الرواية الأخرى؟ حتى لا يستدل بهذا الحديث مستدل على أن المهم القلب، حتى ولو كانت صورة العمل بدعية وأنه فش إشي اسمه بدعة، وأنه كل إنسان يعبد الله بالطريقة التي يهم، المهم أنك تكون صادق مع الله، لا، هذا غير صحيح؛ لأنه قال: «ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»، فينظر إلى قلبك هل أنت مخلص؟ وينظر إلى عملك هل هو على السنة؟ فإذا كنت مخلصاً في الباطن وعلى السنة في الظاهر، قبلك الله مهما كان جنسك ولونك وشكلك وبلدك وموطنك. فللأسف أن كثيراً من الناس تناسوا هذه القضايا فأصبحوا يتسارعون إلى تحسين الصور والأجساد وأغفلوا البواطن والأعمال، وهل تظن أن الله يوم القيامة سيسألك عن حسبك أو عن لونك وعن شكلك وعن هندامك وعن طولك وعرضك؟ هذه ليست محلاً للسؤال وليست مكاناً للتفاخر: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، من كان أتقى قلباً وأتقى عملاً، أتقى باطناً وظاهراً، هو المقدر عند الله سبحانه وتعالى. ولعل النووي رحمة الله عليه ركز على هذه الرواية لأنها ركزت على القلب: «ولكن ينظر إلى قلوبكم»، فهذه فائدة نستفيدها من هذا الحديث أن الله ينظر إلى الإخلاص والعمل وليس إلى الطول والبدن.
الحديث الذي يليه عن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، هو سيدنا أبو موسى الأشعري واسمه عبد الله بن قيس، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ أي هذه الأهداف والمقاصد تعتبر في سبيل الله؟ قال ﷺ: «من قاتل لتكون كلمة الله» وكلمة الله هي أيش؟ كلمة التوحيد، لا إله إلا الله محمد رسول الله، فيقول: من قاتل لتكون كلمة الله، لأن الجملة تسمى كلمة، صحيح؟ الجملة في اللغة العربية تسمى كلمة، زما كلمة التوحيد، كلمة التوحيد مش كلمة واحدة، أنه بعض الناس يظن من قال لتكون كلمة الله أنه لفظ الله، لا هو مش كلمة هي الله، لأ، كلمة الله هي عبارة التوحيد تسمى كلمة، إذاً من قاتل ليكون التوحيد، ليكون دين الله هو الأعلى، فهذه النية هي التي في سبيل الله. أما من قاتل لمجرد الشجاعة أو الحمية -الحمية العصبية لقبيلة أو عشيرة- أو قاتل ليقال: فلان مقاتل أو مجاهد رياء، كل هذا غير محسوب، وإن بذلوا نفس الجهد ونفس التعب ونفس النصب، لكن النية هي الأساس. لاحظ النية دائماً هي الأساس، ما راح تقدر جهودك إذا كانت نيتك فاسدة، لن تقدر جهودك إذا كانت نيتك فاسدة، ولذلك الرجل الذي خرج وقاتل في أحد قتالاً مستميتاً حتى الصحابة قالوا: فلان ما شاء الله قاتل قتال عظيم، قال عليه الصلاة والسلام: «هو في النار»، الصحابة تعجبوا، هذا القتال المستميت؟ قال: «نعم، هو في النار».
ثم بعد ذلك أرادوا أن يتتبعوه؛ يعني جاءت فترة استراحة في المعركة، فعاد الصحابة إلى المعركة، فقالوا: يعني بدنا نتتبع لماذا قال النبي ﷺ وهو في النار؟ مع أنه قاتل مثلنا قتالاً، فالأعلى من بعضنا، فوجدوه وقد أثخن بالجراح، فأتوا إليه فقالوا: يا فلان، يعني جزاك الله خيراً، أنت خرجت وقاتلت معنا؟ قال: لا، إنما قاتلت حمية عن قومي؛ لم يتحمل جراحه وآلامه فاتكأ على نصل سيفه فقتل نفسه؛ يعني انتحر آخر شيء، فعرف الصحابة العبرة مش في الصورة، هو في الصورة عم يقاتل وعم يدفع وعم وعم، لكن في النهاية اكتشفنا أنه ماذا؟ أنه منافق وأنه غير صادق، وأن نيته ابتداء عم يقاتل قومية ولا وطنية ولا دفاع عن هذه الرايات العامية اليوم المعاصرة التي ينادى بها؛ هو في النار، فإياك أن تضيع جهدك، يعني ما دمت أردت أن تبذل الجهد فابذله في المكان الصحيح وفي الغاية الصحيحة الشريفة.
عن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي؛ هذا الصحابي كان من عبيد الطائف، ولما حاصر النبي ﷺ الطائف، قال: «كل عبد يخرج من الطائف من حصون الطائف إليّ فهو حر»، حفزه، فسيدنا أبو بكرة كان من العبيد في الطائف، فاصطنع بكرة على أعلى الحصن وربط بها حبلاً وهرب من المشركين على هذه البكرة ونزل من الجدار، فأصبح يكنى بأبي بكرة، أصبح يكنى بأبي أيش؟ بأبي بكرة، نسبة بتعرف البكرة هذه التي يضعونها مشان العلم ولا مشان البئر، فأصبح يكنى بأبي بكرة بسبب هذه البكرة التي هرب عليها، وأعتقه النبي ﷺ وأعلن حريته واسمه ما هو نفيع بن الحارث الثقفي، لاحظ هو من ثقيف، طيب أن النبي ﷺ، طبعاً هو الثقفي هنا نحتاج أن نظهر لو من ثقيف ليس نسباً ومنهم قد يكون ولاء، ينسب إلى ثقيف ولاءً لأنه هو عبد، هل هو عبد من ثقيف؟ استبعد ذلك، في العادة يكون عبد ولاؤه لثقيف. طيب، أن النبي ﷺ قال: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، قلت يا رسول الله: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه»، متفق عليه. هذا الحديث أيضاً يؤصل لفكرة مهمة، وهو أن النوايا السيئة حتى ولو لم يظهر منها عمل، مجرد أنك نويت وعزمت وبدأت تنفذ.
حتى ولو لم تحصل نتائج؛ ركز، حتى ولو لم تحصل نتائج. مجرد أنك نويت وعزمت وخططت، لكن الظروف حالت بينك وبين نيتك السيئة أن تحصل، فأنت في النار أو أنت آثم؛ لأنه لاحظوا: مسلمان يتقاتلان، هذا حامل سيف وهذا حامل سيف، أحدهما قتل الآخر، الآن القاتل دخل النار، فهمنا. فالصحابي أبو بكر استشكل، قال: يا رسول الله القاتل لأنه قتل، طب المقتول لماذا دخل إلى النار؟ قال: «لأنه ايش؟ كان حريصاً». يعني هو كان ناوي أنه يكون هو القاتل بس ما ضبطت معه، ها هذا معناه هو كان حريصاً يكون هو القاتل، لكن قدره أنه كان المقتول، فسيحاسب على نيته.
إذاً هذا الحديث يتكلم عن النية السيئة. وحاول النووي في هذا الباب أن يجمع الأحاديث التي تتكلم عن أحكام النوايا. هذا الحديث يعطيك حكماً من أحكام النية، وهو أن النية السيئة إذا عزم صاحبها عليها، وشرع في تنفيذها، وخطط لها، ولكن لم ينجح، فإنه سيحاسب وهو آثم عند الله ولو لم تحصل النتيجة المرجوة. يعني رجل سارق رصد بيتاً، خطط، اليوم الموعود بدأ يمشي للبيت، وصل باب البيت الشرطة مسكته، هل بنقول لا ما عليه إثم لأن الشرطة مسكته؟ لا عليه إثم؛ لأن هو نوى وحرص وخطط ووصل، قبل ما تحصل النتيجة صح هو لسا ما دخل، بس نصيبه أنه تم مراقبته. أنت مسؤول عن هذه النوايا وستحاسب عليها، فالقول بأنه النوايا لا إثم عليها هذا غير صحيح.
سيأتي معنا في الحديث بعده متى النية السيئة لا تحاسب عليها، لكن هنا النية السيئة التي أصبحت ليست مجرد خاطر عابر مر على الذهن وانتهى، لا، نية استقرت وعزمت عليها وأجمعت قلبك وفي تخطيط، لكن قدر الله ما حصلت النتيجة، ستدخل فيها أو عفواً ستحاسب عليها، وأنت آثم بها وقد تدخل النار بسببها، بدليل قوله: «القاتل والمقتول في النار». إذاً احذر، احذر؛ لأنه بعض الناس يستمرئ النوايا السيئة، يعني أحياناً نحن تأتي على ديننا خواطر، وهاي الخواطر نتماشى معها وبنتصالح معها وبنتماهى معها وبنصير نحاول نفكر.
بعض الشباب مثلاً يعجب بفتاة فبصير يفكر فيها، وتبلش تنهب آماله وطموحاته معها، ثم يبدأ يفكر كيف يصل إليها، ثم بعد مدة الفتاة تزوجت فبتدمر عاطفياً وبقول لك خلص يعني بطلت بدي أتواصل معها، هل هو غير آثم؟ فهو آثم إذا ما كافح. فرق بين أنك تعجب بها فدافعت الخاطر وطردته، وبين أنك أعجبت بها وصرت تفكر كيف تصيدها وتكون ذئباً من الذئاب البشرية، وكيف يلا بدي أحكي معها كذا وبدي أفتح الموضوع من خلال هذا، وصرت أقعد لها في الجامعة قبل ما أنت توصل اكتشفت أنها خطبت الفتاة وراحت وتزوجت وطلعت خارج البلد، لا أنت آثم على هذه النية التي أصبحت عزيمة وفكراً وتخطيطاً. نعم أنت لم تستطع أن تفعل ما تريد، لكن عدم القدرة على الفعل لم يكن من ذاتك، من صلاحك، منه أنت تركت، أنت ما تركت، الظرف لم يسمح لك، فهذا كله يجب أن ننتبه له.
بعض الناس يقول لك يلا الحمد لله ما أثمناش، لا أنت أثمت، أثمت على النية، أثمت على العزيمة. نعم لو حصل الفعل سيكون الإثم أكثر، لكن حتى ولو لم يحصل الفعل أنت ستؤثم على النية، على التخطيط، على الخطوات الأولى. نعم قضية الفعل نفسه قد لا تحصل فتؤثم على النتيجة، لكنك ستؤثم على كل ما سبقها من الأمور.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعاً وعشرين درجة». أن يصلي رجل في جماعة، وأكثر الشراح هنا حملوا الجماعة على جماعة المسجد، على ما سيأتي بعد قليل. قال: «وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد»، فلذلك أكثر الشراح قالوا المراد هنا جماعة المسجد، وهذا يدل على أن جماعة المسجد أعلى من أي جماعة أخرى ولو كانت في السوق أو في البيت. صلاة الرجل في جماعة، أي جماعة المسجد، تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعاً وعشرين درجة. حتى لو كانت صلاته في بيته يا شيخ وصلاته في سوقه جماعة أيضاً؟ الظاهر أن هذا محتمل نعم، أن صلاتك في المسجد ثوابها أكثر من صلاتك جماعة في بيتك أو صلاة الجماعة في سوقك، ومن باب أولى أنها أعلى من صلاتك منفرداً في بيتك، ومنفرداً في مكان العمل أو السوق أو مكان الشركة، فهذا فيه حث على الصلاة في المسجد.
أنا أحث أن تكون ليست صلاة الجماعة فقط، بل أن تكون في المسجد، لذلك ابن القيم في كتابه "الصلاة" بين لنا أن الجماعة الواجبة هي ليست جماعة البيت، وأن من صلى جماعة البيت مع إمكان الجماعة في المسجد لم يؤدِ الواجب، أن الواجب جماعة المسجد بالتحديد حتى ولو لم يكن هذا مذهب الحنابلة، الحنابلة الواجب هو الجماعة ويندب أن تكون في المسجد، لكن ابن القيم هو يؤصل أن الجماعة الواجبة هي جماعة المسجد بالتحديد، ويستدل بهذا الحديث وبما شابهه من الأحاديث أنه هذا الحديث يتكلم عن جماعة المسجد، وأن هي التي تضاعف مما يدل على أنها هي المطلوبة وهي المقصودة.
تضاعف كم؟ قد تضاعف بضعاً وعشرين، البضع من ثلاث إلى تسع صحيح؟ طبعاً هذا الحديث رواياته مختلفة، أنه في رواية: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»، والفذ هناك واضح أنه صلاة المنفرد، هذيك رواية أخرى صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ والفذ هو المنفرد، هناك تم التنصيص على أنها كم؟ سبعة وعشرين درجة. هناك روايات أخرى: «صلاة الرجل في جماعة تضاعف على صلاته في بيتي وسوقه بخمس وعشرين جزءاً»، ذكر رقم خمسة وعشرين، هنا هذا الحديث ما حدد رقماً واحداً، قال بضعاً وعشرين، والبضع ما بين الثلاثة وعشرين وما بين التسعة وعشرين، وهذا الحديث بالتالي بيكون أعم من الحديثين السابقين.
وهل نقول والله هذا الحديث مطلق وعارضه مقيدان؟ قاعدة أصول الفقه، المطلق الذي عارضوه زي: "واحدة بالتراب، رواية أُولاهن بالتراب، أُخراهن بالتراب"، هنا قال بضعاً وعشرين، وفي رواية خمسة وعشرين، وفي رواية سبعة وعشرين، هذيك مقيدة أكثر ونقل بضع، البضع من الثلاثة للتسعة، في رواية مقيدة بخمسة وعشرين ورواية بتقيدها بسبعة وعشرين، أم نقول لا خلي الحديث على عمومه في باب الثواب دون أن ندخل في التحديد، هل يحمل المطلق على المقيد هنا أم يبقى على عمومه؟ إذا أردت أن تحمله تقول إذا ذاك حديث يتكلم عن حالة فيها سبعة وعشرين وهذا يتكلم عن حالة أخرى هي بضع وعشرين.
طب ماذا سيكون الفرق؟ سيقول لك الحديث الذي يتكلم عن أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ هو يقارب بين صلاة الجماعة وبين صلاة المنفرد، فنص على سبعة وعشرين، هنا هذا أعم، هذا يقول الفرق بين صلاة الجماعة في المسجد وصلاة البيت والسوق، سواء كانت جماعة أو كانت بانفراد، هنا لا ينص على صلاة المنفرد، ينص صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه، مطلق سواء كانت جماعة أو منفرد. هذا احتمال وهذا أحد الاحتمالات، أن يكون لا هو فعلاً حتى في هذا الحديث أراد أن يقارن بين صلاة الجماعة وصلاة المنفرد. بس هنا الكلام صلاة الجماعة برضه على عمومها ولا صلاة الجماعة في المسجد؟ البعض يقول لك أصلاً السياق الذي بعدها قال "ثم أتى المسجد" هو إذاً يتكلم عن المسجد، فهناك احتمالات كثيرة حقيقة، هذا الحديث من الأحاديث التي طال العلماء بحثهم فيها في محاولة الجمع بين الروايات المختلفة الواردة فيه.
فالبعض قال أن صلاة الرجل في جماعة المراد عموماً أي جماعة تزيد على صلاته أي صلاة المنفرد بضعاً وعشرين درجة، وهذا الحديث "بضعاً وعشرين" جاء مجمل، يفسره الرواية الأخرى: «صلاة الرجل جماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»، ونقول هنا كان في إجمال "بضعاً وعشرين"، جاءت الرواية الأخرى بسبع وعشرين درجة تعينها. أقول من أفضل وجوه الجمع أن نقول صلاة الرجل في جماعة، أنه يتكلم عن الجماعة عموماً، تزيد على صلاته في بيته منفرداً، وصلاته في سوقه منفرداً، بضعاً وعشرين، هذا البضع والعشرين مجملة فسرها رواية سبع وعشرين درجة. بس طبعاً سيبقى إشكال هل هذا فعلاً يتكلم عن الجماعة في أي مكان، ولا عن جماعة المسجد؟ البعض يقول الجماعة في أي مكان، وابن القيم يقول له بيتكلم عن جماعة المسجد بالتحديد بدليل ما سيأتي.
وذلك، الآن تفسير لماذا صلاة الجماعة خاصة في المسجد أعلى من الصلاة في البيت والسوق، عودة للحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعاً وعشرين درجة». حتى لا ندخلكم في دوامات الاحتمالات التي يحتملها هذا الحديث، خلص نعتمد على معنى من المعاني، وكأن الحديث اختيار معنى من المعاني، بناء على الرواية الأخرى: «صلاة الرجل في الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة». إذاً أفسر هذا الحديث بناء على الحديث الآخر، يكون أن المراد أن صلاة الرجل في جماعة -والمراد هنا جماعة المسجد على قول كثير من أهل العلم وليس أي جماعة- تزيد على صلاته منفرداً في بيته، وصلاته منفرداً في سوقه، بضعاً وعشرين درجة.
طبعاً هنا لماذا ذكر البضع إذا كانت مفسرة في الحديث الآخر أنها سبعة وعشرين درجة؟ قد يكون هذا من الراوي، قد يكون من الراوي أن الراوي لم يحفظ لفظة النبي صلى الله عليه وسلم، أن الراوي لم يحفظ كم قال في هذه الرواية فقال بضعاً وعشرين، وأحفظها الراوي الآخر في الرواية الأخرى أنها سبعة وعشرين، وهذا متوقع في الحديث النبوي، أن يقول أحد الرواة حفظها بضعاً وعشرين لأنه هو مش متذكر هو النبي صلى الله عليه وسلم قال ستة وعشرين أو سبعة وعشرين، فبيشوفه خلاك حتى يخرج من الإشكال الراوي شو بقول؟ بضعاً وعشرين، لأنه أنا مش متذكر ما هو الرقم. فتأتيك رواية مفسرة أخرى ومبينة أنه نص فيها على السبعة وعشرين بالتحديد، بالتالي يصبح هكذا المعنى ململم، أنه صلاة الرجل في جماعة -والظاهر أنها جماعة المسجد- أولى من صلاته منفرداً في بيته وفي سوقه ومكان عمله، بسبع وعشرين درجة في الرواية المفسرة وهنا جاءت الرواية مجملة. طبعاً هذا كما قلت لك أحد الشروح، وإلا لما تدخل في كتب العلم ستجد شروحاً كثيرة وأخرى وكل واحد يفكر بطريقة معينة في محاولة الجمع بين الروايات المتعارضة.
ثم قال: "طيب لماذا؟ لماذا الصلاة في الجماعة تزيد على أن تصلي في بيتك وفي سوقك؟" ليش بقول لك وخاصة جماعة المسجد؟ أنا حقيقة أذهب إلى أن المراد هنا على الأقل بالجماعة هنا جماعة المسجد، قال: «وذلك أن أحدهم» أي وذلك تعليلية، وذلك أنه يعلل أن أحدهم، يعني أن الواحد منكم يا أيها الذين تذهبون إلى المساجد للجماعة إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة. شف الجملتين، شو يعني لا ينهزه؟ يعني لا يدفعه، لم يخرج للمسجد للبيع ولا لشراء ولا لمطالبة بدين ولا ما شابه ذلك، لم يخرج إلا للصلاة. وهذا هو موطن الشاهد في الحديث، لماذا ذكر الحديث في باب النيات؟ ليؤكد على موضوع النية وأثرها في تضخيم ثواب الأعمال، أنه لا يمكن أن يستوي رجل ذهب للمسجد ليصلي جماعة بهدف فقط أنه في واحد بدي منه مصاري، جزاك الله خيراً بس أنت مش بنية ذاك الذي لم يخرج إلا من أجل الصلاة.
ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، يعني لا يدفعه، لا يريد إلا الصلاة، قال: «فهذا الرجل لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد». طول ما أنت ماشي في السيارة أو على قدميك إلى المسجد إذا كنت لم تخرج إلا بهذه النية، كل خطوة ترفع درجة وتحط خطيئة، والظاهر أن هذا الثواب لا يكون إلا لمن خرج بهذه النية، خرج فقط للصلاة، مش خارج لأنه زي ما حكينا يبيع ويشتري. الآن طب لو أنا خارج فعلاً للصلاة وستحصل أغراض تبعية، هذا لا إشكال فيه، لكن إذا الشخص لا يخرج إلا لأجل أمر دنيوي يريد أن يحصله من المسجد، أو لمقصد حياتي ولولا ذلك لم يخرج، هذا لا يحصل هذا الثواب. أما إذا خرج أساساً وهو طالع للصلاة وأنا دائماً أطلع للصلاة، بس مثلاً ممكن حاب أروح على هذا المسجد لأنه في واحد بدي أشوفه، هذا إن شاء الله بيحصل الثواب هذا لأنه تلك النية أخرى تبعية تحصيل حاصل، واللي هو لو ما في أحد سيره وما في عنده أي موعد هو أصلاً يذهب إلى الصلاة دوماً، فهذا في كل خطوة رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد.
فإذا دخل المسجد وأصبح الآن داخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه. ما معنى هذا الكلام؟
أنت الآن دخلت المسجد، وإلى الآن لم يقيموا الصلاة، وبقي للإقامة ربع ساعة فرضا. ما دمت في المسجد، يجلسك إلا انتظار الإقامة؛ فانتظارك للإقامة تعتبر فيه كأنك في صلاة، وتحصل ثواب مصلي. مع أني جالس، لكني جالس في المسجد، وأذكر الله، أو ممكن حتى أتكلم مع شخص جانبي في قضية، لكن ما حبسني في هذا المسجد إلا انتظار الإقامة. فإذا دخل المسجد، كان في الصلاة؛ ايش يعني كان في الصلاة؟ يعني كتب له كأنه في صلاة مع أنه ما يصلي، هو جالس.
كان في الصلاة أي كتب له كأنه في صلاة، ما كانت مصدرية ظرفية؛ يعني مدة كون الصلاة، أي مدة كون انتظار إقامة الصلاة هي التي تحبسه. أو ممكن مثلا يريد أن ينتظر الصلاة، لم يؤذن لها أصلا، برضه هذا احتمال؛ كأنني دخلت مثلا الساعة ثنتين الظهر، لماذا دخلت وجلست في المسجد؟ والله بنتظر يؤذن العصر. إذا ممكن أن أكون أنتظر إقامة أو أنتظر دخول وقت صلاة أخرى، فالأمر أوسع من ذلك. وهذا يعطيك أثر النية، هذا كله كلام عن النية.
إذا أنت خرجت إلى المسجد، وبنيتك المسجد للصلاة، ستحصل في كل خطوة درجة ويرفع عنك خطيئة، ثم إذا دخلت المسجد وجلست، ايش نيتك؟ في واحد يقول: أنا بس نيتي أرتاح شوي وأطلع، ما راح يحصل هذا الثواب؛ لا، أنا جلست في المسجد، ما حبسني، نيتي أن أنتظر الصلاة إقامتها أو دخول وقتها، سأحصل ثواب مصلي مع أني ممكن أكون نائما في المسجد. قال: «كان في الصلاة» أي كأنه في صلاة، يحصل ثواب صلاة، ما كانت الصلاة هي تحبسه في انتظاره لها.
والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، نتكلم عن ماذا؟ عن بعد الصلاة. صليت مع الإمام، وجلست بعد انتهاء الصلاة، الملائكة تبقى تصلي على أحدكم؛ الصلاة من الملائكة هي الاستغفار، تستغفر لك. والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه؛ صلى فعل ماضٍ صار، إذا هنا أنا صليت وأنهيت، لكنني جالس لسه ما خرجت من المسجد، فالملائكة تصلي عليَّ ما بقيت في المجلس الذي صليت فيه، تقول: «اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه». هذا هو صلاة الملائكة، فصلاة الملائكة الاستغفار وما كان من جنس الاستغفار من الدعاء.
قال: «ما لم يؤذِ فيه، ما لم يحدث فيه». إذا تسببت بأذية أخيك المسلم، ماشي أنت جالس لما صليت؛ بعض الناس بعد ما يصلي يبدأ يتمشكل، يا فلان وكذا وأنت لشو؟ يا أخي أنت في مسجد، صلِّ ولا نفتعل المشاكل. قال: ما لم يؤذِ فيه، إذا بدأت تؤذي إخوانك، ممكن أذيتك برفع الصوت في المسجد، حتى ولو بقراءة القرآن ما بصير تأذي. ما لم يؤذِ فيه أي شكل من أشكال الأذى، سواء أذى برفع الصوت، أذى بمد يده، أذى بافتعال مشاكل، أي أذى تلحقه تتوقف الملائكة عن الاستغفار لك والدعاء لك؛ شوف كيف تضيع على حالك ثواب.
قال أيضا ذكر حالة أخرى: ما لم يحدث فيه. وكذلك إذا انتقض وضوءك، ارتكبت شيئا من المحدثات التي ينتقض بها الوضوء، أيضا تتوقف الملائكة عن ماذا؟ عن الاستغفار لك، فلا بد أن تحافظ على طهارتك حتى يبقى دعاء الملائكة واستغفار الملائكة شغال لك. فالظاهر أنه إذا نام بعد الصلاة انتقض وضوءه؛ فهل نقول أن الملائكة تبقى تستغفر لو هو نائم؟ ظاهر هذا الحديث لا إذا نام في المسجد؛ يعني شخص صلى مع الإمام، بعدين نائم في المسجد، أن نقول الملائكة تستغفر له وترحمه لأنه في المسجد؟ الاستغفار الملائكة متعلق على عدم حصول أمرين: ألا يحصل منك أذى، وألا يحصل منك حدث. فإذا حصل أحد الأمرين، توقف دعاء الملائكة.
طبعا ما لم يؤذِ فيه، هذا أصلا معصية، وما لم يحدث فيه، الحدث بحد ذاته ليس معصية، لكنه ليس من آداب المسجد، فالأصل أنك تخرج تروح تتطهر وترجع، فبالتالي علق النبي صلى الله عليه وسلم دعاء الملائكة بعد انتهاء الصلاة على حصول الأمرين. وهذا الحديث كما قلنا فوائده: أولا بيان عظيم صلاة الجماعة في المسجد، وعظيم ثواب صلاة الجماعة أيضا على وجه العموم، وأن صلاة الجماعة في المسجد بالتحديد أعلى من صلاة الفذ بضعا وعشرين درجة في هذه الرواية المجملة، وبسبع وعشرين درجة في الرواية الأكثر تفصيلا.
وأن هذا الثواب والتعظيم ينبني ما سببه؟ أنه الإنسان لما يذهب إلى المسجد ويجلس في المسجد انتظارا للإقامة ويجلس بعد، كله في طاعة، ولذلك الجماعة في المسجد أفضل من أنك تصلي في بيتك فذا، وأفضل أيضا كما قلنا تصلي جماعة في بيتك. الذهاب للمسجد، الجلوس في المسجد فيه ثواب وأجور لا تعطى حتى لصلاة الجماعة في البيت وصلاة الجماعة في السوق، من قضية أن الذهاب إلى المسجد فيه في الخطوات ثواب، الجلوس في المسجد انتظارا لإقامة الصلاة فيه ثواب، المكوث في المكان الذي صلى فيه في المسجد بعد الانتهاء فيه ثواب؛ هذه الميزات الظاهر من الأحاديث أنها لا تعطى لمن صلى في غير المسجد، ولو جماعة.
ولذلك، ليش قلت إن الأظهر والأولى أن يفسر صلاة الرجل في جماعته أي جماعة المسجد؟ أنه هو أعطاك بعدين شرح تفصيل للميزات. فإذا الظاهر أنه يتكلم ليس عن أي جماعة، عن جماعة المسجد، أنها تزيد على صلاته في بيته منفردا وصلاته في سوقه منفردا ببضع عشرين درجة. طيب لو صلى في بيته أو في سوقه جماعة؟ هنا ممكن نأتي على رواية أبي سعيد الخدري بخمس وعشرين جزءا، شفت هكذا أنت تجمع، أنه صلاتك في جماعة المسجد أعلى من صلاتك في جماعة البيت بخمسة وعشرين جزءا، وصلاتك في جماعة المسجد أعلى من صلاتك فذا بسبعة وعشرين درجة؛ هكذا نكون نحن جمعنا بين الروايات، يعني حققنا جمعا منطقيا.
أحسنت، أنك نبهتني، كنت أقول: هل قضيت والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه؟ هنا تختلف، يعني هل لازم بعد ما أسلم أظلني في مجلسي، ولا أغادر إلى سارية أو إلى حائط المسجد حتى أحصل دعاء الملائكة؟ أم لو انتقلت إلى سارية أو إلى حائط من حوائط المسجد يبقى دعاء الملائكة شغال؟ إذا هنا طريقتان للمفسرين لشراح الحديث. من يلتزم بظواهر الحديث يقول: ظاهر الحديث نعم، إن الاستغفار والرحمة من الملائكة مرتبطة بأن تبقى في نفس المكان الذي سلمت فيه، وهذه طريقة لبعض الشراح الالتزام بالظاهر.
والبعض يقول لك لا، هذه مثل «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة»، مش ناس فهموها على الظاهر وناس فهموها بالعمق تبعها؟ أما المراد الإسراع، البعض قال لك لا المراد ما دام في مجلسه، يعني ما دام في المسجد الذي صلى فيه، مش ضروري أنك تبقى في نفس المتر الذي صليت فيه؛ أول ما رجعت شوي لوراء واتكأت على سارية، أو ذهبت إلى مثلا جدار لأنه مثلا حاب أستريح وأشرت أذكر الله فيه، هل هذا يمنع من استمرار دعاء الملائكة لي؟
البعض يقول لك من ذهب إلى سارية أو رجع أو ذهب إلى الحائط ولم يفعل شيئا يقتضي حرمانا من دعاء الملائكة، يعني هو لم يؤذِ أحدا، لم يحدث؛ فهل البقاء في المجلس المتر الذي صليت فيه مقصود لذاته؟ هناك احتمالان، هناك من يقول نعم هو مقصود لذاته والأصل تبقى ملتزما بالعلة المذكورة، والبعض قال ليس مقصودا لذاته، وإنما المراد ما هو أوسع من ذلك أن تبقى في حيز المسجد. وهناك فهمان لهذا الحديث، وعموما والله أعلم أن توزيع الدائرة في الحديث من باب الأمل وحسن الظن بالله أن يتوسع الخير أيضا لمن تحرك ذات اليمين وذات الشمال؛ فيه تحفيز للناس أكثر وأكثر، والله أعلم.
حديث متفق عليه وهذا لفظ مسلم، وقوله صلى الله عليه وسلم «ينهزه» وبفتح الياء والهاء وبالزاي أي يخرجه وينهضه؛ وهذه من الفوائد في عند الإمام النووي أنه يعلق على بعض الألفاظ الغريبة في الحديث. حديث عن أبي العباس عبد الله بن عباس بن عبد المطلب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى قال: إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك. أيش يعني كتب الحسنات والسيئات؟ أيضا في عدة احتمالات؛ يعني كتب ما هي الأفعال التي عليها حسنات؟ وما هي الأفعال التي عليها سيئات؟ احتمال آخر أن الله كتب طريقة حساب الحسنات وطريقة حساب السيئات ثم بينها لنا؛ هذا أيضا ممكن وهو الأظهر، أن الله كتب الحسنات، يعني وضعت المعايير التي راح يكون عليها نجاحك، والمعايير التي راح يكون عليها فشلك، والآن راح أبين لك المعايير. ليس الأعمال نفصل عليها حسنات والأعمال نفصل عليها سيئات، لا، معايير متى تحصل حسنة، ومعايير متى تحصل سيئة. هذا أظهر لأنه قال ثم بين ذلك، أي بين هذه المعايير للبشر حتى يفهموا.
فقال: فمن همَّ بحسنة، طبعا وهذا الحديث يسمى حديثا قدسيا، أنه قال عن أبي العباس عبد الله بن عباس، وهذا عبد الله بن عباس الصحابي الجليل هو ترجمان القرآن الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»، وكنيته أبو العباس، يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى. هذا يسمى الحديث القدسي الذي يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام قال الله، أو يقول فيه الراوي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه. وهناك عدة أقاويل عند العلماء في التفريق بين الحديث القدسي والحديث النبوي الطبيعي، والذي أختاره منها أن الفرق بين الحديث القدسي والحديث النبوي أن الحديث القدسي يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام قال الله، أو ينسب فيه الحديث إلى الله، وليس أن ألفاظه نفسها من الله، أنا لا أعتقد هذا؛ لا، ألفاظ الحديث القدسي من النبي عليه الصلاة والسلام، لكن الفرق بينه وبين الحديث العادي أن الحديث القدسي يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام: «قال الله: إني حرمت الظلم على نفسي»، فلا بد وأن ينسبه صراحة إلى الله فيأخذ صبغة القداسة؛ من هنا أصبح فيه قداسة أنه نسب وصرح فيه النسبة إلى الله، وأما أن تكون ألفاظه من الله، فهذا قول قال به بعض العلماء لكنني لا أختار هذا الاتجاه وأمشي مع الاتجاه الآخر.
كيف ما هي معايير الحسنات والسيئات؟ قال: فمن همَّ بحسنة، والهم هنا النية، وهذا موطن الشاهد في الحديث، أنه يتكلم عن الهم وأثر النية في الأعمال. فمن همَّ بحسنة فلم يعملها، كتبها الله تبارك وتعالى عنده حسنة كاملة. أنت نويت بشكل صادق تعمل حسنة، لكن لم يوفق لك أن تعملها؛ نويت اليوم أتصدق بس ما تيسر، نويت اليوم أصلي قيام الليل بس ما تيسر؛ نوى، نوى، قال: يكتب الله لك حسنة كاملة. شوف أثر النوايا، يعني أنا ممكن أنوي كثير أعمال وأخليها على التعيين، أنا ناوي اليوم أعود مريضا، أشهد جنازة، أتصدق، أفعل، أفعل، وإذا ما تيسرت آخذ حسنات، مع أني ما عملت، بس ما عملت لأنه لم يتيسر لك، هذا هو المراد؛ مش ما عملت أنه أنا نقضت نيتي، لا، الذي يظهر أنه همَّ بحسنة لكن ما تيسر له يعملها، أما إذا ناوي يعمل خير بعدين سحبه، لا لا ما أريد أعمله، إذا نقض لا يظهر أنه الحسنة، وإنما تأخذ الحسنة إذا نويت ولكن لم يتيسر لك في الظروف أن تعملها، فيكتب لك حسنة كاملة.
وإن همَّ بها ويسر له أن يعملها، قال: وإن همَّ بها فعملها، كتبها الله عشر حسنات، مش حسنة واحدة كاملة، لا، عشرة، والعشرة إلى سبعمائة ضعف، والسبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، يعني باب مفتوح من العطاء الإلهي لا يحصر، عطاء الله هنا. وهذه الأضعاف الكثيرة تعتمد على جودة عملك؛ هل هو نفع متعدٍ ولا قاصر؟ المكان الذي عملت فيه مكة مثلا، الزمان، فالتضعيف يكون له عوامل؛ طبيعة العمل، حجم إتقانك للعمل، المكان الزماني الذي اخترته، هل زمن مجاعة ولا زمن رخاء؟ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا. فالمهم الأساس هو عشر حسنات، ثم التضعيف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، قال العلماء يعتمد على العوامل التي تم بها العمل، اختيار الزمان، المكان، الإتقان، وأشياء كثيرة.
ثم انتقل إلى باب السيئات فقال: «وإن هم بسيئة فلم يعملها»، فلم يعملها هنا، ما معنى هذا؟ هو نفسه قرر ألا يعملها، هو انسحب عنها، «كتبها الله عنده حسنة كاملة». ربنا يعطيك عليها حسنة كاملة إذا أنت ما عملتها انسحاباً منها بإرادتك، وأنه أنا ما بدي أعملها، فالله يعطيك حسنة كاملة على هذه النفسية الطيبة؛ لأنك يسرت لك المعصية أو نويت المعصية ثم أنت باختيارك قررت الانسحاب.
أما إذا قررت الانسحاب ليس باختيارك، بل قهراً عنك، تكتب لك سيئة؛ ما الدليل؟ الحديث السابق، حديث القاتل والمقتول في النار، هو هم بسيئة ليقتل صاحبه ولكن ما عملها، كتبت له سيئة. إذاً دائماً إذا أردت أن تأخذ مفهوماً شرعياً، لازم تستقرئ الأحاديث في الباب حتى ما تحمل الشريعة ما لا تحتمل. فالحسنة التي محت السيئة التي نويتها، متى تأخذ عليها حسنة كاملة؟ إذا أنت انسحبت منها باختيارك. أما إذا فرض عليك ألا تعملها، هنا إذا عزمت عليها ونويت عليها ستأثم على نيتك.
«وإن هم بها» أي بهذه السيئة «فعملها كتبها الله سيئة واحدة»، ولا يضاعف عليك السيئات، إلا طبعاً في استثناء العلماء أنه يمكن السيئة أن تضاعف في المكان الفاضل والزمان الفاضل، فالسيئة في مكة تضاعف، والسيئة في رمضان تضاعف، لكن الأصل في السيئات أنها تكتب سيئة واحدة، هذا كرم الله وعطاؤه.
الآن أيضاً هنا في اختلاف، هل تضاعف كعدد؛ أن الواحدة بتصير عشرة، أم تضاعف كحجم وثقل في الميزان؟ وهذه أيضاً من الأقوال التي لا نستطيع أن نحسمها، البعض قال تضاعف كعدد، والبعض قال لا، ما دام الله هنا قال سيئة واحدة فتضعيف السيئة في مكة وفي الزمان الفاضل يكون تضعيف حجم وثقل وليس تضعيف عدد. طبعاً هنا بدنا ننتبه، هنا نقول: «وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة». يا إخواني هذه السيئة الواحدة حجمها يختلف، يعني في سيئة واحدة بس حجمها صغير، وفي سيئة واحدة حجمها كبير؛ هل السيئة الواحدة في إطلاق البصر مثل حجم السيئة الواحدة في الزنا؟ فهنا الكلام عن العدد وليس عن الحجم. فجريمة الزنا هممت بها فعملتها ستكتب سيئة واحدة بس حجمها كذا، وإطلاق البصر هممت بها فعملتها سيئة واحدة بس حجمها أصغر، فالكلام هنا عن العدد وليس عن كم ستؤثر ثقلها في الميزان، حتى أحد برضه ما يفهمش إنه يعني الزنا وغض البصر واحد، وأن هذه كبيرة وهذه صغيرة، فالكلام عن العدد وليس عن الحجم.
نحن نفس الشيء في الحسنات، لما يقول لك حسنة عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، هنا الكلام عن عدد، ولكن هذه العشر حسنات كل واحدة منهم يكون حجمها يختلف حسب طبيعة العمل أيضاً، هذا ينتبه له أن الكلام هنا في هذا الحديث عن العدد وليس عن الحجم. إذاً هنا عرفنا أثر النية في كتابة الحسنات والسيئات؛ الذي يهم بحسنة ولم يعملها لعدم تيسيره لها أو تيسرها عليه كتبت له، حصل على مجرد النية. إذا هم بها وعملها، «وإن هم بها فعملها كتبها الله عشر حسنات إلى سبعمائة تضاعف إلى أضعاف كثيرة»، وقلنا هذه المضاعفات على حسب المكان والزمان والشدة.
«وإن هم بسيئة فلم يعملها» بإرادته وباختياره «كتبها الله عنده حسنة كاملة»، وهذا كله على النية. «وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة»، مفهومها إذا عملها واحد عمل معصية بس ما كانش ناوي أنه يعملها، بالخطأ، يجيء حديث: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان»، أي رفع عن أمتي إثم الخطأ والنسيان. فمن عمل سيئة هي في الصورة سيئة، مثل أن ينام مع امرأة يظنها زوجته، هل سيأثم؟ هل ستكتب سيئة واحدة؟ لا، لأن صورة العمل زنا بس هو ما كانش ناوي يزني، كان بالغلط وظنها زوجته، هذا من الأمثلة التي يذكرونها.
«وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة» من حيث العدد، لكن من حيث الحجم على حسب السيئة؛ في سيئة أثرها متعد، سيئة أثرها قاصر، سيئة كبيرة، سيئة صغيرة، فالأحجام غير الأعداد. وهذا حديث متفق عليه، ونقف اليوم عند هذا القدر؛ لأن الحديث الأخير بدنا نجلس معه جلسة جميلة في الدرس القادم، وصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل