دخولتسجيل الدخول

مجالس الوحيين | شرح كتاب "رياض الصالحين" باب التوبة من الحديث (16) إلى (20) | المجلس الخامس

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله الإخوة والأخوات في مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب رياض الصالحين للإمام أبي زكريا النووي رحمة الله تعالى عليه. وهذا الكتاب نافع ومفيد، ولكن شرط الانتفاع به هو أن تعطي الأحاديث حظها من النظر والتأمل؛ فإن كثيراً من الإخوة والأخوات يأخذون هذا الكتاب أخذاً سريعاً، فلا يعطى الحديث حظه من فهم مراميه ورسائله وما يستبطنه من الهدايات والإرشادات. فالتعاطي مع هذه الكتب التي اختارها العلماء بعناية يجب أن يكون أيضاً بعناية، ونسأل الله أن يفقهنا وأن يبصرنا.

ما زلنا في الباب الثاني من أبواب هذا الكتاب، وهو باب التوبة. فبعد باب الإخلاص ذكر لنا النووي رحمة الله عليه التوبة؛ لأن الإنسان لا ينفك عن ممارسة هذه العبادة في يوم من الأيام ولا في دهر من الدهور، فكل بني آدم خطاء. فأنت محتاج إلى أن تلازم باب التوبة وباب الاستغفار، وهذا عنوان العبودية للعظيم الجبار.

وصلنا إلى حديث أبي موسى الأشعري. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين وانصر عبادك المستضعفين، آمين. قال: وعن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه، أبو موسى الأشعري اسمه عبد الله بن قيس، وأما كنيته فهو يكنى بأبي موسى، والأشعري هنا ليست نسبة عقدية وإنما نسبة إلى قبيلة من قبائل اليمن، ومنها أصلاً أبو الحسن الأشعري الذي تنسب إليه الفرقة العقدية، فالأشعري هنا هي قبيلة من قبائل اليمن.

قال عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها». رواه الإمام مسلم والإمام أحمد.

هذا الحديث يدل على حب الله سبحانه وتعالى لتوبة العبد، وكيف أنه سبحانه إذا رآك تعصي في النهار ينتظرك في الليل فاتحاً لك الأبواب، يمد يده إليك حتى تتوب وتعلن الرجوع، وكذلك إذا عصيت في الليل ينتظرك في النهار ويمد يده إليك انتظاراً لتوبتك ورجوعك. وهذا يماثل ما ذكرنا في الحديث السابق في نهاية المجلس الماضي، أن الله سبحانه وتعالى أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة.

فالله سبحانه وتعالى من صفاته العظيمة الجميلة أنه يفرح بتوبة العباد ويحبها ويطلبها منكم ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾، فهو سبحانه لا يريد إرادة شرعية أن يعذبك، ورحمته سبقت غضبه، ولكن بعض الناس لشقائهم يريدون من الله سبحانه وتعالى قدراً ومشيئة أن يهلكهم، كما مر معنا في تفسير سورة الأنعام، في ناس طبيعتها عنادية إعراضية لا تبحث عن الهدى ولا تتلمسه، فهؤلاء يريد الله سبحانه وتعالى هلاكهم قدراً وكوناً. وأما إذا تابوا وأصلحوا وأعادوا فالله عز وجل يقول: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ﴾ [النساء: 147].

من أوهمك أو صور لك أو باح لك أو قال لك أو أقنعك أن الله يريد الشقاء ويحبه؟ كل ما عرفنا به عن نفسه وعن صفاته أخبرنا أنه يريد الرحمة وأن رحمته سبقت الغضب وأنه يريد التوبة. فالله يفرح بالتوبة، وحاشاه أن يأتي في حديث أن الله سبحانه يفرح إذا رأى إنساناً يعصي لأنه يريد أن يعذب. هل ورد هذا في حديث؟ هل جاء أن الله سبحانه وتعالى يفرح بوجود العصاة والكفار لأنه يريد أن يظهر عذابه وانتقامه منهم؟ الله سبحانه وتعالى خلق الخلق وخلق البشر ليسكنهم جنته، ولكن هناك من أبى على نفسه إلا أن يسكن النار، ولا يشقى على الله إلا شقي.

فلذلك هذا الحديث يفتح لك باباً من العلاقة الطيبة مع ربك سبحانه وفتح باب الأمل؛ أنه يقول عليه الصلاة والسلام: «إن الله يبسط يده بالليل». وبسط اليد هنا يختلف الشراح فيه، البعض يقول هو حقيقة، وهو أن الله يفتح يده استقبالاً لهذا الإنسان الذي يريد أن يتوب، والبعض يقول لا، هنا بسط اليد بالمعنى الكنائي، كأني أقول لك أنا أبسط يدي إليك حتى تقبل، فهل هذا يستلزم حقيقة أنني بسطت يدي إليك؟ المعنى الكنائي أن بسطت يدي إليك أنه أنا مستعد متشوق لإقبالك.

وحقيقة لا ينبغي أن يكون المعنى الكنائي أو المجازي مشكلاً عند أهل السنة، لأن صفة اليد ثابتة لله قطعا بالنصوص الصحيحة في الكتاب والسنة الصريحة كقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75] وغيرها من النصوص التي تدل على هذا المعنى، وبالنسبة لأهل السنة والجماعة صفة اليد ثبتت وانتهت بنصوص واضحة صريحة تتكلم عن اليد حقيقة، تليق بجلاله، ولا ندخل في كيفيتها ولا نتخيلها ولا نتصورها.

لكن هنا في السياقات الأخرى، لما تأتي مثل هذه الإشارات كقولنا: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10]، تجد أن بعض أهل العلم يقول: لا، هنا يجب أن يحمل النص على المعنى الحقيقي، وأن المراد أنه يبسط يده فعلاً، ويقول لا مانع من إرادة المعنى الحقيقي. أقول تمام، ممكن فعلاً يكون هذا أحد التخريجات، ولكن أيضاً لا إشكال إذا أنت ذهبت للمعنى المجازي ما دام المجاز من داخل النص، لا لقضية فلسفية؛ فالله يوصف باليد كما يليق بجلاله وانتهت، لكن هنا دلالة النص وطريقة سياقه يمكن تأخذك للدلالة المجازية وأن المراد ببسط اليد هو أنه متشوق، خلينا نعبر بعبارة تليق بجلال الله، أنه يكون مقبلاً على عبده منتظراً قدومه.

«من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً»، هل هنا المراد القرب بالمسافة الحقيقية؟ هنا أنت مضطر أن تحمل الحديث على المجاز؛ لأنه هكذا أنت أصلاً تفهم الحديث، المراد شدة إقبال الرب على عبده وسرعة إقبال الرب على عبده إذا العبد أخذ الخطوة. فإذا اتخذتها أقبل الله عليك وأعانك على إتمامها، فإذا هو يبسط يده بالليل ويترقب بالليل أن يعود إليه مسيء النهار، فيصلي ركعتين في آناء الليل مستغفراً تائباً: يا رب أنا اليوم عصيتك في هذه الشغلة، يا رب أنا اليوم كنت في الجامعة أو كنت في الوظيفة، فإذا حل لك الظلام وأسدلت الأستار جلس في محراب التهجد باكياً متضرعاً مستغفراً مقبلاً يسأل ربه أن يتوب عليه، والله يبسط يده أي هو منتظرك وليس معرضاً عنك، فهو رب يحب التائبين، مقبل وليس معرض.

والعكس كذلك ويبسط يده بالنهار، فإذا أنت أسأت في الليل بمعاصي الخلوات، نظرت في الجوال ونمت على معصية الله سبحانه، هو أيضاً ينتظرك في النهار، ابدأ نهارك بطاعة، ابدأ نهارك بصلاة الفجر، بجلسة للشروق، بأذكار الصباح، باستغفار، بركعتي الضحى، هو ينتظرك أيضاً في النهار. إلى متى يستمر هذا الاستقبال؟ حتى تطلع الشمس من مغربها. إذا جاء من علامات آخر الساعة الكبرى طلوع الشمس من مغربها انتهى هذا البسط، وأغلق باب التوبة، ونسأل الله السلامة والعافية. إذاً التوبة لها حد تنتهي إليه وهو طلوع الشمس من مغربها.

قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه». رواه مسلم. هذا الحديث يؤكد ما ورد في الحديث السابق، وهو أن باب التوبة والإقبال مفتوح إلى غاية معينة، ما هي؟ أن تطلع الشمس من مغربها، من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه، أي قبل توبته، طبعاً بشرط أن تكون التوبة استوفت شروطها من الندم والإقلاع والعزم، فإذا كانت توبتك استوفت شروطها وقواعدها فإن الله يقبلها سبحانه وتعالى بشرط أن لا تطلع الشمس من مغربها.

الآن الحديث الذي بعده يعطيك حالة ثانية لا تقبل فيها التوبة، فقال: وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر». رواه الترمذي. أيضاً هذا الحديث فيه توقيت لمدة التوبة وهو أن الله سبحانه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر. والمراد بالغرغرة أن تبلغ الروح إلى الحلقوم، فإذا بلغت الروح إلى الحلقوم انتهت وأقفل عليك باب التوبة.

إذا بلغت الروح التراقي وقيل من راق وظن أنه الفراق، عندئذ انتهى. فحري بالإنسان العاقل الذي يعرف أنه في أي لحظة قد يغلق باب التوبة، إما للغرغرة أو طلوع الشمس من مغربها، حري به أن يستعجل ولا يسوف. فهذه كلها تدعوك إلى ماذا؟ المقصد منها أن لا تسوف التوبة. كثير من الناس يسوف ويقول: فقط الليلة يا شيخ، الأسبوع الجاي، بإذن الله بداية شهر رمضان القادم خلاص سأقلع عن الدخان، بإذن الله بداية شهر رمضان سأتحجب، فيعطي الوعود، وما وجدنا لأكثرهم من عهد، هكذا قال ربنا، أكثر الناس تعطي العهود، فإذا وصل رمضان، إيه، طب للعيد، إذا جاء العيد إلى هكذا.

إياك أن تسوف، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يعطيك أن كل شيء له ميقات. نعم الله يقبل التوبة ويعين ويساعد، لكن في النهاية في لحظة معينة قد ينتهي كل شيء. فبادر عبد الله وأمة الله، عجل بالإقبال على الله سبحانه، فإن هذه المعاني هي التي يستحق أن يعاش من أجلها. وهذه فائدة إخواني أن نعيش في مجالس الوحيين، مجالس الوحيين الحقيقة من فائدتها أنها تحيي معاني في نفوسنا قد أصبحت قاحلة، أصبحت أرضاً جرداء لا توجد فيها هذه المعاني.

هذه فائدة أنك تبدأ تقرأ الكتاب والسنة وتأتي تلتهم المعاني، إنه أنا أين عن هذه المعاني؟ نحن اليوم نحكي لشخص عن التوبة، عن الإقبال على الله، عن سورة الأنعام، عن اليقظة، عن أفكار كثيرة درسناها اليوم. هذه تجعل نمطك وأفكارك وخطابك والمواضيع التي تشغلك ليست المواضيع التي تشغل الناس؛ الناس تشغلها ربما اليوم مباراة بين فلان وفلان كرة قدم، همه والله فلانة بدي أحكي معها، بعرف أي ساعة رح تكون صاحية، كيف شو أجيب لها، كيف أرضيها. بتصير أنت أفكارك وطريقة الأمور التي تشغلك ليست ما يشغل الناس، أنت في واد وهم في واد، وأنت في هم.

فرق بين إنسان يهيم في الليل: هل قبل ربه توبته؟ وبين إنسان يهيم في الليل: هل سامحته فلانة وقبلت رجوعه إليها؟ شتان ما بين من همه أن يرضى عنه ربه وسيده ومولاه، وهذا الموضوع يأخذ مساحة من تفكيره في ذهابه وعودته، في سيارته: ربنا تاب علي؟ ما تابش؟ قبلت ولا لم تقبل التوبة؟ فهو دائم وجل ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: 60]. وبين إنسان كل هذه الملفات أصلاً ليست من اهتماماته ولا من مفرداته ولا من خواطره، وإنما يعيش فقط لشهوة بطنه وفرجه. فنسأل الله اليقظة، ونعوذ به من الغفلة.

قال: وعن زر بن حبيش، زر بن حبيش أحد التابعين الكرام وأحد تلاميذ الصحابة النجباء، قال: أتيت صفوان بن عسال رضي الله عنه أسأله عن المسح على الخفين، فقال: ما جاء بك يا زر؟ فقلت: ابتغاء العلم. فقال: إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع.

هنا الذي يعجبني في شخصية زر أنه لاحظ الاهتمام، يعني هذه أول فائدة، أن الصحابي واضح أن زر أتاه من مسافة فيها مشقة، وأنه ليس من المعتاد أن يزوره، قد يكون في بلد آخر أو مسافة بعيدة، ولذلك طرح هذا السؤال؛ يعني لو كان من تلاميذه المقربين مش رح يقول لي: ما الذي جاء بك؟ ما أنت عارفني طبعاً، تلميذك يعني أنا أذهب وآتي. فواضح أننا هنا نتكلم عن بعد مسافة وعن اهتمام بالرحلة من أجل السؤال عن مسألة فقهية.

وهكذا الإنسان الحريص على دينه، حرصه على السؤال عن العلم أكثر من حرصه على السؤال عن الدنيا. بعض الناس إذا أراد أن يسأل عن جوال أو عن شاشة أو عن شيء يشتريه تجده يجلس شهراً وشهرين ويتفحص ويسأل، وإذا أراد أن يسأل عن أمر دينه يروح على أقرب رجل ملتحٍ ربما يشوفه في المسجد: والله شيخ في مسألة كذا، بس عالج لي إياها. لا يهتم بالانتقاء والاحتفاء ممن يسأله عن أمر دينه. لا، زر عرف من يسأل.

لاحظ حتى الآن سيذكر، وكنت امرأً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. هو عارفٌ مَن يسأل؛ إنه تقصد الإتيان إلى رجلٍ من أهل العلم ليضع سؤاله عنده. المسألة في وجهة نظر البعض: أهذه مسألة يستحق أن يسافر من أجلها؟ مدة المسح على الجوارب أو الخفين؟

في وجهة نظر بعض الناس الغافلين، ممكن يجلس ستين سنة وهو لم يسأل هذا السؤال ولا يعرف ضوابط المسح على الخفين. ولكن الإنسان الذي يعرف قيمة الدين، وأنه حتى هذه المسائل التي أنت ممكن تشوفها مسألة جداً هامشية، عند الله عظيمة، ولا يوجد شيء في الدين هامشي؛ ما في، كله دين وكله يتعبد به الله سبحانه، ويجب أن أحرص على أن أكون فيه متعبداً لمولاي لا لهواي. المهم فقال: ابتغاء العلم.

فسر صفوان بن عسال بهذه الإجابة الموفقة والتي تدل على شخصية مهتمة، فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب. واختلف شراح الحديث كما قال ابن جماعة في تذكرة السامع والمتكلم: ما المراد بوضع الأجنحة؟ هل هو وضع حسي حقيقي أن الملائكة في الطرقات إذا مر بها طالب العلم تخفض الجناح تواضعاً وهيبة له؟ أو تضع أجنحتها ليركبها طالب العلم فتسهل عليه طريقه في ذهابه وعودته؟ هذا قاله البعض وكان يستهزئ به بعض أهل زمانهم، يقول ابن جماعة: وكان بعضهم يستهزئ بهذا الحديث فيقول: ارفعوا يا طلبة العلم أقدامكم عن أجنحة الملائكة. وهذا قد يؤدي بصاحبه إلى الكفر والعياذ بالله.

أو قد يكون المراد بوضع الأجنحة معنى مجازي، وهو المراد بالتواضع، وليس أن الجناح حقيقة يوضع، كقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: 24]. فالبعض يقول إن المراد أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم أي تتواضع له رضا بما يطلبه، وهذه من مناقب طلب العلم الذي أنتم فيه الآن. لا تستكثر ساعات سماع المجالس العلمية؛ والله إن مجلس علم صدقت فيه النية مع الله وأردت فيه أن ترفع الجهل عن نفسك وعن زوجتك وعن أبنائك وأن تتقرب فيه خطوات من الله، مجلس علم خير من الدنيا وما فيها. ملائكة تتواضع لك وأنت ذاهب وعائد إلى مجلس العلم، الملائكة تحتفي بك، إيش تريد أعظم من هذه النعم؟ في مقابل أناس يذهبون إلى الحفلات تحرسهم الشياطين وتحتفي بهم، فرق! وهذه المناقب هي التي يبحث عنها ذو النفس الشريفة.

فقلت: إنه قد حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول. حك في صدري يعني في مسألة ما زالت تخالجني في داخلي، أبحث لها عن حكم واضح بين وما عرفته. وهي مسألة المسح على الخفين بعد الغائط والبول، يعني بعد انتقاض الوضوء، كم هي مدة المسح على الخفين كما سيظهر من السؤال. وكنت امرأً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فجئت أسألك هل سمعت؟ إذاً هو عرف مَن يسأل، فهو مظنة وجود الإجابة عندك. وهذا يعني أن الإنسان إذا بحث عن إجابة السؤال يتخير مَن يظن أنه الأقدر على الإجابة، وهذا واجب على العامي؛ يجب على العامي أن يتخير في فتواه مَن يعتقد من خلال القرائن والأدلة أنه الأقدر، ولا يجوز له أن يسأل أي شخص إمام المسجد أو أحداً يراه في الطريق، لا، بدك تتأكد أنه خبير في هذا المجال على قدر استطاعتك، ويكفيك الظن؛ ليس لازم تصل إلى الجزم، لكن يكفيك أن تصل إلى الظن أنه مؤهل.

قال: فجئت أسألك هل سمعته يذكر في ذلك شيئاً؟ قال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفراً أو مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم. فهنا ماذا قال؟ كان يأمرنا صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لأنه الإنسان إذا عليه جنابة بده يغتسل، هل يصلح الغسل وأنت لابس الخف أو الجورب؟ لا يصلح. لكن من غائط وبول ونوم لا يأمرنا أن ننزعها، كأنه هنا في شيء مقدر: لكن من غائط وبول ونوم لا يأمرنا أن ننزع خفافنا. كان يأمرنا أن لا ننزع خفافنا إلا من جنابة، طبعاً هي ضمنياً مفهوم أنه من غير الجنابة لا تحتاج أن تنزع الخف لأنه قال يأمرنا أن لا ننزع؛ لذلك المستحب والأولى لمن كان لابساً الخف أو الجورب بشروطه وبإمكانه أن يمسح أن لا يخلعه ليغسل، لأن هذه سنة النبي عليه الصلاة والسلام إلا من جنابة.

ثم عاد ليؤكد المفهوم بطريق المنطوق فقال: لكن من غائط وبول ونوم وغيرها من نواقض الوضوء تقاس عليها، فأنت لست مأموراً خلال مدة المسح الشرعية بأن تنزع الخف، بل المستحب أن تمسح عليه ولا تنزعه. لذلك قال: كان يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة فتنزع. أما من الغائط والبول والنوم إذا نقض الوضوء فتوضأ ولا تنزع خفيك، فهذا تصريح بعد إضمار. وبالتالي هنا سيأتي السؤال؛ هل زر بن حبيش كان يريد أن يسأل عن مدة المسح في السفر؟ فقال إنها ثلاثة أيام ولياليهن، وبعد ذلك وضح له أنه إذا ما كانش جنابة؛ أما إذا جنابة بدك تنزع. ولكن يمكن أن يقال إنه هو أصلاً من البداية ذكر السفر وأنه ثلاثة أيام بلياليها جاء عرضاً، وأن الموضوع الذي سأل عنه زر بن حبيش بالتحديد هل يجوز المسح على الخفين بعد البول والغائط؟ لأنه ما هو السؤال؟ قال: فجئت أسألك هل سمعته يذكر في ذلك شيئاً؟ إنه قد حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول. فجئت أسألك: هل هناك مسح على الخفين بعد الغائط والبول؟ خاصة وأن في الإجابة هو اهتم أن يصرح صفوان بن عسال: لكن من غائط وبول، وأضاف فائدة زائدة ونوم. فأنت لا تحتاج أن تنزع الخف بل امسح عليه خلال المدة الشرعية. وأعتقد أن هذا هو مقصد سؤال زر بن حبيش، وهذا أوضح من الأول والله أعلم.

قال: فقلت: هل سمعته يذكر في الهوى شيئاً؟ قال: نعم، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر. الهوى الحب. وهكذا الطالب الذكي إذا وجد الشيخ انبسط معه في الإجابة واحتفى به، استغل الوقت وصار يسأل أسئلة ثانية. كان السؤال متعلقاً بالمسح على الخفين، هذا هو مقصد، لكن شاف المجلس يستحمل أسئلة أخرى والشيخ مقبل عليه ومسرور بهذا الطالب النجيب، قال: خليني أسألك كمان سؤال آخر. قال: هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر في الهوى في الحب شيئاً؟ فقال: نعم، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فبينما نحن عنده إذ ناداه أعرابي بصوت له جهوري: يا محمد! فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحواً من صوته: هاؤم. هاؤم يعني رفع صوته وقال هاؤم، كيف نقول نحن أبشر، تفضل، خذ، احكيلنا ها.

فقلت له: ويحك! أغضض من صوتك، فإنك عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نهيت عن هذا. بيقول قلت للأعرابي: ويحك يا أعرابي، أغضض من صوتك، النبي عليه الصلاة والسلام لا يخاطب بهذه الطريقة، لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً؛ نحن في أدبيات المخاطبة سورة الحجرات ركزت على هذا: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات: 2]. فماذا قال الأعرابي؟ فقال: والله لا أغضض! الأعرابي هذا عنيد قليلاً، قال: والله لا أغضض، أنا هكذا وهكذا بنتعامل. ولذلك هذا من سعة قلب النبي عليه الصلاة والسلام ومن سعة فهم الداعية. أنت أيضاً كداعية تحمل لواء النبي عليه الصلاة والسلام عليك أن تعرف طبائع الناس. يعني عادي جداً يجيك رجل عامي يرن عليك تليفون في ساعة الليل يقولك: يا إبراهيم، صار كذا وكذا، أبشر وكذا، وما تتضايقش، ما تزعلش، لأنه في عامي هيك وهكذا هو. يعني بعض الشباب بيمارس الدعوة إلى الله، يصبح يرى في نفسه شيئاً أنه: إيش بيقولي يا إبراهيم؟ روح تعلم الأدب، روح فصل السماعة في وجهه. ترى هذا ممكن ينتكس من هذه الحركة.

نحن في النهاية هداة ودعاة، مش هدفنا أنفسنا ولا ألقابنا ولا أشكالنا. تمام! احذر في يوم من الأيام أن تجعل لقبك أو الأدبيات اللي بدك الناس تتعامل فيها معك حارساً بينك وبين الناس. بعض الناس بصير دكتور، يزعل إذا واحد قاله أبو فلان، وصار في قلبه شيء: شو أبو فلان؟ أنا تعبت عشر سنين أجيب الدكتوراه عشان آخر شيء أبو فلان؟ والله إنها لحياة طويلة. وبعضهم إذا ما وضعت مثلًا في الرسالة الجامعية ألقابهم، كأنك ارتكبت موبقة من الموبقات. لا، بعضهم أستاذ دكتور، إذا حطيت دكتور وين الأستاذ؟ أنا تعبت من أجلها دفعت حياتي كلها! هذا يدل على أمراض النفوس التي غزت بسبب هذه الألقاب الجامعية أو الدنيوية. النبي عليه الصلاة والسلام سيد ولد آدم، خير البشر عليه الصلاة والسلام، يناديه أعرابي بسيط يقول: يا محمد، وعليه الصلاة والسلام يقول: أبشر وهات إيش عندك، وما شعر بالشيء في نفسه ولا ضيق، ولا الصحابة كانوا متضايقين، والنبي عليه الصلاة والسلام مش متضايق؛ لأنه أعطي مكارم الأخلاق. هذا هكذا ينبغي أن تكون يا أيها الداعية نفس سوية.

قال الأعرابي: المرء يحب القوم ولما يلحق بهم. فإن هذا الأعرابي رجل رائع رجل راقي، اهتماماته رائعة. قد يكون بعض الناس بسيطاً في اللسان بسيطاً في اللغة، لكنه كبير في الهم والهمة. هذا ما نأخذ من هذه الفقرة؛ قد يكون بعض الناس بسيطاً في قدرته على الخطاب وقد يكون ضعيف الأدبيات الاجتماعية، لكنه كبير عند الله في همه وهمته. لاحظ ماذا يشغل هذا الأعرابي! هذا الأعرابي رجل موفق؛ قال: المرء يحب القوم ولما يلحق بهم. أنا بحب الشيوخ وبحب كذا، بس يعني عندي كثير ذنوب وخطايا ولما يلحق بهم. لاحظ لماذا قال ولما؟ قال: أنا لم ألحق بأعمالهم إلى الآن، لكن أرجو ذلك؛ لأنه لما تفيد الرجاء. هذا دقيق، الأعرابي ما قال ولم ألحق حتى يفتح باب الأمل. شو الفرق بين لم ولما؟ لم ألحق أنه خلص ما لحقت، طب هل أنت بتأمل أنك تلحق؟ ما فيش أي إشارة، لكن لما ألحق بهم، كما قال سبحانه: ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: 39]، يعني لم يأتهم تأويله ولكنه سيأتي عما قريب. فهو يقول: لما يلحق بهم، يعني هو إلى الآن أعماله لا تؤهله أن يكون معهم في مرتبتهم في الجنة. إيش يسوي هذا الرجل؟ اللي بيحاول يكون مع مرتبة النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة في الجنة، لكن بيخفق أحياناً، بيقصر أحياناً؛ بس أنا بحبكم يا رسول الله!

فقال عليه الصلاة والسلام -شوف يسر الإسلام ورقي الإسلام-: «المرء مع من أحب يوم القيامة». أحياناً بالحب وصدق الحب تبلغ المنازل العليا؛ قد يقل عملك، لكن بصدق حبك للنبي عليه الصلاة والسلام وصحبه، تبلغ منازلهم. مش شرط إذا بلغت منزلتهم أن يكون تفاصيل النعيم التي لك كتفاصيل النعيم التي لهم، هذا موضوع آخر، لكن على الأقل أنك بتشوفهم. وما أشد حسرتنا إذا دخلنا الجنة ولم نرى النبي صلى الله عليه وسلم وكنا بعيدين عنه؛ صحيح؟ يعني ماشي أنت دخلت الجنة، لكن ما أشد الحسرة واللوعة! هذا تشعر به في الدنيا، ما أشد حسرتنا ولوعتنا إذا لم يسمح ويؤذن لنا بأن نرتقي إلى تلك المنازل ولم نكن في تلك الديار.

فاعمل عبد الله وأمة الله؛ لعلك تبلغ بالحب منازل لم تبلغها بالعمل.

قال: فما زال يحدثنا حتى ذكر باباً من المغرب، مسيرة عرضه أو يسير الراكب في عرضه. اختلف شراح الحديث في قوله: فما زال يحدثنا، هل المراد أن صفوان كان يحدث زر بن حبيش؟ أو أن صفوان يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا بهذا الحديث؟ طبعاً على كلا الحالتين هو الجزء مرفوع؛ يعني صفوان حتى لو قلنا إن الذي يقول هو زر، يقول: فما زال صفوان يحدثنا حتى ذكر أشياء منها باباً في المغرب، فهذه الأشياء التي ذكرها صفوان بالتأكيد أخذها من النبي صلى الله عليه وسلم لأنها ليست مسائل اجتهادية، أو يكون المعنى فما زال صلى الله عليه وسلم يحدثنا، وهذا كلام صفوان يقول لتلميذه: ما زال النبي صلى الله عليه وسلم يحدثنا حتى كان من ضمن حديثه أنه ذكر باباً من المغرب.

قال: مسيرة عرضه، أو يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين عاماً. هذا باب يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين عاماً، طبعاً العرض دائماً أقل من الطول في المستطيل، فذكر عرضه، أما طول الباب فالله أعلم، يكفي أن تعرف عرضه، فقال: عرضه يسير فيه الراكب -ليس الماشي- الإنسان الراكب على دابة أو حصان أو جمل يسير في عرض هذا الباب بين دفتيه أربعين أو سبعين عاماً حتى ينهيه، هنا شك الراوي: أربعين أو سبعين عاماً.

قال سفيان بن عيينة وهو أحد رواة الحديث: يقول المغرب، كلمة المغرب هنا المراد بها الشام؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قال لأصحابه في المدينة: عليك بالمغرب، فيعتبر المغرب ما هو عندهم الشام، والمشرق العراق وما بعدها، فالمشرق هو العراق والمغرب هو بالنسبة لهم الشام. وهنا اختلف الشراح: هل هذا الباب الذي هو جهة الشام، هل هو باب حسي؟ لكن نحن لا نراه، ممكن، باب وضعه الله في الشام، وهذا يدل على فضيلة الشام أن الله وضع فيه باب التوبة.

قال: خلقه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض. لاحظ: خلقه، وكلمة خلقه كأنها تشير أيضاً إلى أنه شيء حسي، وهل هناك ما يخالف العقل أن يكون هناك شيء حسي لكننا لا نراه بأبصارنا؟ لا، يأجوج ومأجوج موجودون في الأرض ولا نراهم، والمسيح الدجال موجود على كوكب الأرض، وكل الأقمار الصناعية لم تأت به، سبحان الله إذا أراد أن يحجب بصرك عن شيء حتى لو كان بين جنبيك يحجب بصرك عنه، فهذه العبارة خلقه الله، يعني الأقرب أن يكون شيئاً حسياً.

قال: مفتوحاً للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه. رواه الترمذي وغيره وقال: حديث حسن صحيح. إذاً هذا باب خلقه الله يوم خلق السماوات والأرض، لكن هذا الباب نحن لا نراه بأبصارنا، وأين موجود؟ في الشام، وهذا قال شراح الحديث من فضائل الشام أن الله وضع فيها باب التوبة، وأنها بالتالي خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها الخيرة من عباده أن يجعل باب التوبة في الشام، هذه كرامة ما بعدها كرامة لأرض الشام، لكن هذا الباب كيف شكله؟ أين صورته؟ أقول هذا لم نره بأبصارنا فهذا شيء الله أعلم به.

يوم خلق السماوات والأرض مفتوحاً للتوبة، وهذا موطن الشاهد في الحديث، ولماذا ذكر كل هذا الحديث باب التوبة؟ حتى يخبرك أن هناك باب خلقه الله يوم خلق السماوات والأرض، باب واسع جداً يسير فيه الراكب سبعين عاماً أو أربعين عاماً حتى ينهيه، تخيل كم عرضه؟ كم مساحته؟ كأن هذا الباب تهب منه نسائم التوبة ومنه الله سبحانه وتعالى يقبل التائبين بكيفية لا نعلمها، وهذه إحدى خصائص المؤمنين الذين يؤمنون بالغيب، خلص في جانب غيبي، لا أستطيع أن أتصور أين هذا الباب، هل هو بين السماء والأرض؟ هو في الشام، أين هو الله أعلم.

ثم يقول: حتى تطلع منه، والمراد حتى تطلع الشمس منه أي من مغربها في آخر الزمان، فكأن هذا الباب لما تطلع الشمس من مغربها في آخر الزمان ستطلع منه، ما بعد ذلك رجم بالغيب، ولكن فائدة هذا أن تعرف أن الله سبحانه وتعالى فتح باباً عريضاً للتائبين، لكن هذا الباب في النهاية سيغلق، قال: لا يغلق حتى تطلع الشمس منه، فإذا طلعت الشمس منه أغلق فلن يفتح أبداً.

قال: وعن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنه عن نبي الله صلى الله عليه وسلم، الخدري أحد الصحابة الكرام اسمه سعد بن مالك بن سنان، هو صحابي وأبوه صحابي أيضاً. قال: كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مئة. إذاً هذه قصة، ودائماً القصص النبي عليه الصلاة والسلام كما قلنا يقصها لتؤخذ منها العبر ولتستنبط منها الهدايات، هذا رجل أسرف على نفسه بالمعاصي، الآن طبيعة معصيته أنه قتل تسعة وتسعين نفساً، ممكن شخص آخر يكون زنى مع تسعة وتسعين امرأة، ممكن شخص آخر سرق تسعة وتسعين سرقة، فأنت لا تركز على جنس المعصية ركز على أنه أسرف على نفسه بالكبائر، هذا المراد.

الآن بعد ذلك يعطيك الحديث خطورة ترؤس الجهال واستعجالهم في الفتوى، كيف أنهم قد يكونوا سبباً في إصرار العصاة على معاصيهم، وأنه ليس أي شخص تلقى تعليماً دينياً أو يرى في نفسه أنه من أهل الخير والصلاح ليس له بمجرد أن يرى نفسه من أهل الخير والصلاح أن يصدر نفسه للفتيا، فالفتيا لها أساتذتها وعلماؤها ومتخصصوها، تخصص. فهذا الراهب واضح أنه شاف حاله عابد من أهل الخير والصلاح فجاء دل عليه، ولاحظ كلمة فدل على راهب تدل على أن بعض الناس يغتروا بالصالحين العباد الزهاد، بيشوف شيخ عنده عبادات وأذكار وأوراد فبيصير يدل عليه للفتيا، أه والله روح شوف اسأل الشيخ هذا ما شاء الله عنه، شفته بيصلي قيام ليل، يعني أنتم شفتوه بيصلي قيام ليل هذا يدل على صلاحه إن شاء الله بس لا يدل على أنه أهل للفتيا، فالعامي من فوائد الحديث أن العامي إذا سئل عمن بتدلني؟ يحذر، إياك أن تدل على أي شخص فقط لأنك رأيت صلاحه، إذا أردت أن تدل شخصاً على من يفتيه عليك أنت أيها الدلال أن تتأكد أنك دللته على أهل العلم.

تخيل أن هذا الرجل لم يصادف العالم، ومشى فقط على فتوى الراهب أنه لا توبة له، هنا المشكلة ستكون على من؟ على الراهب وعلى من دل على الراهب إذا كان مستعجلاً، صح؟ حتى اللي دل على الراهب هو مسؤول عن الخطأ، أنت كيف دللت على الراهب؟ أنت متأكد لما دللته أنك دللته على شخص مناسب؟ إخواني هذه القضية أنت مش بتدل شخص على سيارة يشتريها، أنت مش بتدله على بيت، هذه الدنيا مش مشكلة لو أخطأت في الدلالة بيمشي الحال، أنت تدله على من سيجيبه ويوقع عن رب العالمين، لما أنا بدي أدلك على شخص سيوقع عن رب العالمين في الفتيا بدي أكون أنا محتاط إنه هذه الدلالة أنا مسؤول عنها، فكارثة إذا كنت أدل على أناس وأنا غير متأكد تماماً من صلاحيتهم للفتوى.

إذًا دل على راهب، في شخص دله على راهب واللي دله مخطئ، قد يكون معذور طبعاً، قد يكون الراهب كان يتصنع العلم، فالعامي إذا عذر عند الله ربنا بيعذره إذا كان هو فعلًا هذا أقصى فهمه، لكن إذا كان باستعجال دل هو مسؤول، والراهب أيضًا محاسب إذا كان مستعجلًا في الفتيا وأنت لست من أهل الفتيا، وهذا يدل على إنه نعم الدين الإسلامي يفرق بين الصالح المتعبد وبين العالم المتخصص. إحنا مشكلتنا في واقعنا المعاصر أن الكل يرى نفسه أي شاب ملتزم حتى المش ملتزم يرى نفسه أهل أن يتكلم في الدين وهذا غير صحيح، هناك مسائل معلومة من الدين بالضرورة جزاك الله خير يعني انصح بها أولادك وزوجتك، لكن مسائل الفتيا والحلال والحرام مش كل شخص يحسن فيها، هي راهب وضيع الدنيا، راهب يعني كلمة راهب قديمًا ما بتدل على شخص بسيط بتدل على إنسان في قمة الصلاح والتقوى قوام لليل، ومع ذلك فشل في الفتيا، مش مؤهل.

فالراهب ماذا قال له؟ قال له طبعًا سأله قال إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا فهل له من توبة؟ فماذا قال له الراهب بكل صراحة وقوة؟ قال: لا، ما فيش لك توبة، جاي تحكي لي بعد تسعة وتسعين نفس كل هالجرائم، على بعض الناس يعني ينظر إلى عظمة المعصية ولا ينظر إلى عظمة توبة الرب سبحانه وتعالى، وهذا خطأ، مهما كانت المعاصي كبيرة فالرب أعظم وأكرم وأجود الأجودين سبحانه، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53]، مهما كانت صغيرة أو كبيرة إذا صدقت التوبة. فلما شاف الأمور هذا الرجل خربانة خربانة قتل الراهب فكمل به المئة، لاحظ أحيانًا بعض الفتاوى قد تكون فيها مقتل.

يعني هذا الراهب تسلط عليه هذا الرجل بسبب ماذا؟ استعجال، أنت يا راهب أفتيت بدون علم عجل الله لك عقوبة في الدنيا إنه سلط عليك هذا الرجل، هناك عقوبات لمن يفتي بدون علم ويصدر نفسه للفتوى بدون علم، ما تظن إن الأمور راح تمشي كذا، لا مو الله إذا رآك مستعجلًا مستهترًا قد يجعل هذه الفتوى وهذا الموقف فيه هلاك لك ويسلط عليك بسبب تعجلك في الفتيا، وهذا ما حصل مع الراهب، سلط عليه الرجل فقتله.

التعبير بـ الغائب بدل المتكلم في كلام القاتل، يعني قال: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً، هذا من باب الأدب في الرواية، إنه ما قال إني، هذا يكون أدب الرواية إنه إذا في معصية لما تروي الحديث لا تنسبها إلى نفسك، هكذا كان يفعل رواة الحديث، يعني إذا الحديث مضمونه يا رسول الله إني زنيت، لما تروي أنت الحديث ما تحكي وقال ماعز يا رسول الله إني زنيت لأنه كأنك أدبيًا تنسبها إلى نفسك، فمن الأدب في الرواية أن تقول إنه زنى مع إنه أنت عارف إنه هي أصلها إني بس أنا غيرت ضمير المتكلم لضمير الغيبة يعني من باب الأدب، وإلا أنسب لنفسي ولو شكليًا معصية من المعاصي، هذا يسموه الأدب في الرواية.

قال: ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال إنه قتل مئة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم ومن يحول بينه وبين التوبة؟ حقيقة من علامات نجاحه إنه ما وقف، بقي مصرًا على السؤال، ممكن شخص آخر ايش يقرر؟ يقول لك خلص ما دام فيش لي توبة حكاها أفتاني يا شيخ، معناته أنا رايح على النار رايح أو هو خلينا نمشي على أدب الرواية هو رايح على النار، بالتالي خليني أستمر في معاصي، لا هذا الرجل شوف بذرة الخير اللي فيه في اعتقادي وتصوري والله أعلم أنها سبب من أسباب إعانة الله له، كما سيأتي في آخر الحديث، إنه هو ما وقف، يعني كأنه في هناك شيء يحيك في صدره إنه معقول إن الله لا يغفر؟ الله يغفر للمشركين والكفار، معقول لا يغفر للزناة والقتلة وما شابه ذلك؟ فبذرة الخير اللي فيه وحرصه على الحصول على إجابة منطقية تشفي غليله قاده إلى البحث مرة أخرى، وهكذا الإنسان المسلم إذا سأل شيخًا فوجد أن الإجابة لا تشفي الغليل وأن إجابة الشيخ أحيانًا العامي بيقيم إنه الشيخ واضح إنه مش فاهم المسألة تمامًا، يذهب يسأل ويتحرى من هو أعلم.

فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم ولا ترجع، هذا العالم طلع عالم فعلًا وعارف طبيعة الشريعة ورحمة الله ومطلع، فلما قال له إنه قتل مئة نفس هل له من توبة؟ قال: نعم، من يحول بينك وبين التوبة؟ ما في شيء يحول بينك، وهذا هو منطق الحديث ابتداءً أنه لا يوجد معصية تستعصي على الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، من يحول بينك وبين التوبة؟ دائمًا إياك أن يغرك الشيطان، كثير من الحالات تجد أخ أو أخت يحاول يتوب وبعد ما يتوب بيرجع بيوقع في نفس الإدمان اللي كان عليه، فبيجي الشيطان بيفترسه وبيجي بيقول له: أنت حاولت أكثر من مرة تتوب ورجعت للمعصية وأسوأ، خلص أنت غير صادق غير جاد، لا تحاول، بترفع نفسك مرة أخرى، واضح أن الله لا يريدك، وهذه إحدى المصائد، مهما عصيت مهما أدمنت، مهما حاولت أن تتوب فتبت.

أسبوع أسبوعين ثم انتكست؛ حتى ولو كانت الانتكاسة أشد وأعمق من أصل المعصية التي كنت تفعلها قبل. من يحول بينك وبين التوبة؟ إياك أن تيأس أو أن يحبطك الشيطان، لأن هذه إحدى أحابيل الشيطان المعروفة لديه، وهو أنه يجعلك تفعل معصية، ثم تحاول أن تتوب، تمسك حالك عنها أسبوع، شهر، شهرين، عادة سرية، إدمان إباحي، كذا وكذا، بعدين تستوي، ولأنه مش متعود، أو ضعف نفسي أو شيء من ذلك، فتعود إلى المعصية، وتعود بصورة أشرس مما كانت ابتداءً.

حتى إذا عدت إليها بكل شراسة جاءك الشيطان، فقال لك: تعتقد أنك تستطيع أن تتوب مرة أخرى؟ أنت لما كانت المعصية 50% ما عرفتش تتوب، أنت الآن صارت المعصية 80 أو 90%، فيشعرك بقمة اليأس والإحباط. هذا الشعور حاول أن تتخلص منه، وأن تدافع وتزاحمه؛ لأنه لا يحول بينك وبين التوبة أحد.

نعم، قال له: ﴿وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ﴾. لكن هذا الرجل عالم، لاحظ العالم دومًا بيعطي فتوى دقيقة، مش بيعطي كلام عموميات؛ توب وأمورك طيبة وتوكل على الله، لا. علمه، تعال هنا، هنا بيطلع المتخصص الخبير من الشيخ البسيط؛ قال له: شوف يا فلان، أنت بدك تتوب توبة صادقة، بدي أعطيك نصيحة. السؤال كان: هل لي من توبة؟ لو قال له نعم أجاب، صح؟ بس هو هذا خبير، فبيعرف إنه هذا الشاب اللي جاي يتوب بده معينا، ما تكتفي بنعم لك توبة والسلام عليكم، لا، علمه كيف يتوب. قال له: شوف، أنت إذا ظليت في هذه الأرض اللي أنت فيها هي أرض سوء، واضح لك رفقة سوء هي اللي عم بتحفزك وتعينك على هذه المعاصي، هذه أرض تذكرك بالمعاصي، سواء قد تكون الرفقة اللي معك، قد تكون أحيانًا الأفعال اللي فعلها على هذه الأرض، يعني أنت قد تكون مثلًا في منطقة معينة والعياذ بالله زنيت، فالآن المكان الذي عصيت ربنا فيه ما ترجع له مرة ثانية؛ ليه؟ حتى ما ترجع الذاكرة وتتذكر عناصر المشهد وتتخيله فتتشوق إليه مرة أخرى.

فهذا الرجل قتل في هذه المدينة مئة شخص، واضح إنه دموي يعني، فقال له: إذا أنت بقيت في هذه الأرض، إما أصحابك وإما تذكرك كلما أنت ماشي في دروبها وطرقاتها ستتذكر إنه هنا قتلت فلان، وهنا علقت فلان، وهنا أنا ضربت فلان، فبيجيك الشيطان يذكرك بتاريخك العريض، فلعله ينزغك مرة أخرى، فدائمًا امسح ذكريات السوء من حياتك، هذا ما نستفيده من هذا الحديث: امسح ذكريات السوء. إذا كانت منطقة معينة بتعصي فيها وبتقدر تغيرها غيرها، جامعة، بيئة عمل، شارع معين، منطقة سكن، منطقة كانت موبوءة بالنسبة لك وفيها ذكريات سيئة، حاول إنك تذهب إلى منطقة أخرى، منطقة فيها أناس يذكرونك بالمعاصي، فيها عاريات، فيها فاجرات، فيها أخطاء، فيها إشكالات، اتركها، ودائمًا التوبة بدها قرار، التوبة قرار، التوبة مش فقط عمل قلب لساني، التوبة قرار قلب قبل أن تكون عمل لسان.

وفيها ثمن سيدفع، أنت أخطأت، بدك تدفع ثمن التوبة، مين قال التوبة ما فيها ثمن؟ مين قال هذا؟ التوبة فيها ثمن، وستضحي بأشياء من أجل أن تعود إلى سويتك، وهذه التضحية هي التي سترفعك عند الله. فهذا الرجل طلب منه تضحية كبيرة، أن يهاجر من أرضه، ودائمًا نقول: من شروط التوبة من المعصية حتى تكون صادقة، أن توقف السبب المحفز لها، يعني احنا من أخطائنا إنه أحيانا مثلًا نتوب ويقولك أنا بدي أتوب من النظر في الجوال، وهو ماسكه في إيده طول الوقت، ما أنت ما أوقفتش المحفز، مو هذا العالم لما قال له هاجر من أرضك هو شو بده يعمل؟ بده يوقف المحفز، أنت اللي عم بحفزك للمعصية وبخليك تكررها أرضك، السبب، أصحابك، البيئة، بغض النظر، بدك توقف المحفز وتعطله، لابد من أن تهجر، لابد أن تهجر الجوال، أو على الأقل نهجر السوشيال ميديا، يعني إذا ما كانت هجرة حسية على الأقل هجرة تليفون، هجرة أشياء تقنية، في أشياء بدك تهجرها لأنه يصعب التوبة دون أن تهجر المباحات أو المعاصي التي كانت تذكرك بالمعصية التي تريد التوبة منها، يعني أحيانا قد يكون اللي بذكرك بالمعصية شيء مباح، الجوال كأصل في يده مباح، شو عم بذكرني؟ فأصبح محفز لها.

فالتوبة أحيانا تقتضي فعلًا أن تقطع شروش بعض المباحات حتى تستطيع إنك تقاوم نفسك أكثر وأكثر، أما بعض الناس بده يتوب ويصير صالح وتقي وكذا وبدها تضلها الأمور زي ما هي، ما غيرش أي عادة من عاداته أو نمط من أنماطه، ما بتمشيش، بيجي بيقولك بعدين يا شيخ والله رجعت سقطت، ما هو أنت توبتك من أول غير صادقة، سامحني، التوبة الصادقة الإقلاع لا يكون فقط إقلاع عن المعصية، شو قلنا من شروطها الإقلاع؟ هو الإقلاع عن المعصية وعما يحفزها، هذا هو الإقلاع، ليس فقط أن تقلع عن المعصية، بل أن أقلع عن المعصية وعما يحفزها، أنا عارف حالي الساعة ثنتين بالليل على الفراش إذا مسكت التليفون بضيع، يا أخي خلص ما تمسكهوش، هذا هو الحل، فالإقلاع مش تقلع فقط عن المعصية بحد ذاتها، بل تقلع عن العادة المحفزة لها، هيك بتقولي أنا تائب توبة صادقة.

طيب أكمل، قال: «فانطلق، حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت». سبحان الله، شوف القصة الجميلة هذه، انطلق الرجل صادق كما قلت لكم، من أول علامات صدقه بحثه المستمر، ثاني علامات صدقه إنه أعطاه القرار الهجرة، ما قعدش طب شيخ فيش طريقة ثانية؟ تعرفوا يعني كيف؟ طب شيخ يعني والله الهجرة صعبة، والله أترك الجوال، والله صعب دكتور، خليه طب ما في طريقة غير هيك؟ شوف هذا اللي بجادله وبماحك، هذا في العادة بفشل، هذا اللي بده يضل يجادل، خلص قالك هي هي الطريق ما عندي غيرها، فتجي فيش شي أسهل، فيش كذا، فيش. إذا كان عالم ومخريت، هو الأصل أعطاك العلاج اللي بداويك، فلا تقعد تقترح، بعض الناس بتعطيه الجرعة العلاج ما بياخذه، زي المريض اللي بتعطيه الدواء بتركه، بصير هو ايش يفكر؟ الشيخ حكالي أترك الجوال والله صعبة، طب خليه، أنا بعرف شو بدي أسوي، بصير هو يخترع على حاله وسائل إنه يضل الجوال حواليه، أنا بدي أحذف مثلًا حساب فلان وفلان، خلص هذه الحسابات هي اللي بتجيبلي التايهة، ماشي، وبفتح الفيس بروح داخل على حسابات أخرى، والشيطان بطلعله إياه، مو أنت، لا تقترح، لا تقترح، أنت مش خبير، أنت مريض، والمريض يستسلم للطبيب، المريض في عمره شفت مريض يعني في العادة بيقعد يناقش الدكتور؟ دكتور ليش هذا الدواء؟ هذا الدواء بينفعني، بدي أشوف شو اللي بضرك بينفعك، خلص قلتلك خذ هذا الدواء، ما بيناقش المريض إلا إذا كان متخصص، مثله مثل الطبيب ممكن يصير يناقش.

تمام، ممكن إذا شاف آثاره كثير صحية عالية المرض ممكن يرجع للطبيب يقوله ممكن في تغيير، بس مش أنت بتختار التغيير، يعني ممكن أنا أعطيك سقف عالي حتى تعمله، إن شاء الله إنه بيعالجك من المعصية، فشلت فيه أكثر من مرة ممكن ترجع للعالم وتقوله والله يا شيخ أنا حاولت وحاولت بس بعد المحاولة والتجربة وجدت إنه مضاعفاتها أشرس، فيش طريقة أخرى؟ بصير هو يحاول يعالجك ويعطيك حلول، أما أنت حضرتك تقترح العلاج، هذا خطر، هذا خطر، لأنه أنت لست خبيراً بل أنت مريض في هذه الحالة، والمريض لا يرى تداعيات المرض جيدًا.

طيب، فانطلق حتى إذا نصف الطريق، هذا الرجل إذاً واضح إنه صادق، مسك أغراضه، قال هجرة إلى الله، حتى إذا كان في منتصف الطريق أتاه الموت، آه إذاً الآن هو لم يحصل له الهجرة التامة، مات في منتصف الطريق، هل سيقبله الله؟ هذه أيضًا فائدة من فوائد باب التوبة، قال: فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم أي حكمًا، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة، قال: وفي رواية متفق عليه.

هذا المشهد جميل، كيف إنه حتى الملائكة تأتي، ملائكة الرحمة تأتي تحاول تدافع عنك، ملائكة الرحمة لما رأت الرجل مات في منتصف الطريق جاءت مسرعة تريد أن تأخذ روحه هي وترتفع به، يا رب جاء تائبًا، ماشي ما وصل إلى الأرض التي يريد بعد، لكنه على الأقل بدأ، أخذ الخطوات الأولى، بس مات قبل ما يكمل، نقبله يا رب، إجت ملائكة العذاب فقالت لم يعمل خيرًا قط، والمراد لم يعمل خيرًا قط، قالوا فيما علمته ملائكة العذاب، وإلا فسؤاله عن حكم ما يفعله هل له من توبة؟ أليس هذا خير؟ مجرد سؤاله عن أعلم أهل الأرض عشان يسأله عن حكمه، مش هذه نقطة خير؟ مش قرار الهجرة وإنه مشى 50 متر أو 50 كيلو، مش هذا خير؟ فكيف قالت لم يعمل خيرًا قط؟ إنه هذه العبارة يستدل بها المرجئة على أن هذا الرجل دخل الجنة بدون عمل، وهذا غير صحيح حتى من نفس الحديث، كيف من دون عمل؟ وهي مش هاجر، ماشي عمل، في خطوات إجرائية، مش سأل عن أعلم أهل الأرض؟ طب هذا مش عمل خير؟ وهذا من الأمم السابقة، فالله أعلم مثلًا هل كان مخاطب بالصلاة أو لا، ما يجيش يفترض افتراضات من عنده المرجئ حتى يقولك إن الإنسان يدخل الجنة بدون عمل، لأن هذا الرجل دخل، لا هذا عنده عمل، عمل قلب وعمل جوارح، تمام؟

لكن ملائكة العذاب هي تنظر للحالة العامة في حياته، إنه الآن الرجل تاب، ففيش أعمال مميزة صالحة، لما يكون شخص فيش عنده أي عمل مميز صالح، شو بيجي بيقولك؟ وطول حياته سكير أو عربيد، إذًا هذا ما عملش شي في حياته مفيد، المراد يعني شي مميز، شي من العبادات الواضحة، لكن مجرد الخطوات الأولى هذا عمل، فهذا لا يفرح به المرجئة مثل هذا الحديث. ثم قال وفي رواية في الصحيح، طبعًا فلما اختصموا فيه الله سبحانه وتعالى أراد أن يجعل حكمًا بينهم، وهو ملك من الملائكة، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، خلينا نشوف مين يقبض، ملائكة الرحمة أو العذاب، فقاسوا ما بين الأرضين، فوجدوا من مكان موته إلى أرض الخير أقرب من مكان موته إلى أرض المعاصي، فلما كان أقرب إلى الأرض التي أراد، الأرض التي أراد هي أرض الخير، قبضته ملائكة الرحمة، لكن في رواية أجمل لسه، قال اسمع الرواية الأجمل، نعم وفي رواية في الصحيح: فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها.

في رواية في الصحيح أي في صحيح مسلم إنه كان الفرق بينه وبين القرية السيئة، يعني قربه من الأرض الصالحة أكثر من الأرض السيئة بشبر، وهي شبر ممكن تفرق بينك وبين النار، لا تستقل، شبر كان سبب في سعادة هذا الرجل، أحيانا احنا نستقل بعض الأعمال الصالحة، لكن ما بتعرف الحسنة اللي بتدخلك الجنة، شبر دخله الجنة، شبر واحد، كان لو سوف، لو تلكأ هنيهة، ربما ما حصل هذا الشبر، لكنه عزم فصدق فسار، فلم يتلكأ ففاز بشبر، فرحت به ملائكة الرحمة، فدائمًا استعجل، بادر، أسرع، لا تفوت الفرص في الحياة.

نعم وفي رواية أجمل وأجمل، قال في رواية في الصحيح، رواية في البخاري ومسلم هذه، نعم: فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أن تقربي، وقال قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له، شوف هي الأجمل والأجمل، قيل لا، هو فعليًا على الرواية الثالثة فعليًا لما مات كان لسه أقرب إلى أرض المعاصي، لكن الله الذي كتب على نفسه الرحمة أمر أرض المعاصي تبتعد شوي، وأرض الصالحة تقترب شوي، فأصبح أقرب إلى الأرض الصالحة بشبر، بشبر، يعني هو كان قبل هذا التقارب والتباعد كان واضح إنه أقرب إلى الأرض السيئة، شوف كيف ربنا بيساعدك حتى ولو كنت لسه أنت أقرب إلى المعاصي، ومن تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، أنت تتعامل مع رب رحيم، هذا تعبد، أنت تعبد لله باسمه التواب، باسمه الرحيم، ترى هذه كلها معاني جميلة، أنك تشعر أنك لو مشيت 20 15 10% تنال، بس امشي.

الله ينتظر منك الخطوات الأول، تذكر هذا، الله ينتظر منك الخطوات الأول، وأما النتائج فاتركها على الله، بس امشي خطوة خطوة نحو الأفضل، لا تبقى متمرس ومتمسك بذنوبك ومعاصيك وخايف أنك تتوب، طب ما أنا ممكن ما تظبطش معي، يا أخي حتى لو ما زبطتش امشي، حتى لو فشلت مرة ثانية امشي، أن يراك الله مقبلًا تائباً عائداً، حتى ولو كنت كثير الإخفاق، أن تموت وأنت مقبل تائب، ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: 100].

انتهى، أنت امشي الخطوات وربنا بيسهلها، أما إذا بقيت متخوف من التوبة بحجة أني راح أسقط ما هو راح تضلك في المعاصي، امشي واترك النتائج عند رب العالمين. وفي رواية عند مسلم أخرى قال: فناء بصدره نحوها، قال: فناء بصدره نحوها، أيوه هي جميلة.

تعطيك الإصرار على التوبة في اللحظات الأخيرة. قالوا في شرح الحديث وهو في لحظاته الأخيرة والروح تزفر، ما زال يزحف إلى أرض التوبة. بالتالي هذا إنسان، شوف أحياناً بعض الناس أنت قد تستحقر معاصيه، لكنه عظيم عند الله، عظيم لإرادته، لعزيمته، لحبه للصلاح على ما عنده من المعاصي.

قال: ناء بصدره، أي نهض وتحرك ودافع وهو في اللحظات الأخيرة بصدره. تعرف بعض الألعاب العنيفة التي يكون فيها اللاعب ماسك كرة وبده يدمر كل اللاعبين حتى يوصل إلى الخط النهائي ويزحف زحفاً؟ هكذا كأن هذا الرجل وهو في لحظاته الأخيرة عم يقول: لعل الله يرحمني بشبر زيادة. كأن هذا الشبر هي حركة صدره، هو تحرك بصدره في اللحظات الأخيرة وهو يغرغر، تحرك بصدره نحوها، ففرقت معه شبر، لملائكة الرحمة راح.

شوف الإصرار على التوبة وعدم الاستسلام للحظات الأخيرة، هذا حقيقة موقف يذكره الله لك، والله عز وجل يجبر كسرك ويعينك. نعم، هذا الرجل لم يصل إلى أرض الخير، لم يفعل أعمالاً مميزة بمعنى أنه كان عالماً ولا شيخاً ولا صاحب مشروع دعوي ولا فاتحاً لكذا؛ ما كانش من هذه الفئة، لكنه كان من المكافحين في التوبة، فقبله الله.

هذا مشروعه أنه أنا كان ماضيّ سيئ وبدي أصبح ماضيّ ممتاز، ما صار يقارن نفسه أنه أنا لسه بيني وبين المشايخ مسافات، لو بده يصير ينظر بهذه الطريقة عمره ما بيصير صالح. عليك بخاصة نفسك، انجُ، انجُ أنت، وناء بصدرك، فرب ناء بصدر يكون سبباً في وراثة جنة عرضها السماوات والأرض.

اللهم بصرنا وفقهنا وعلمنا، وأرشدنا إلى ما يقربنا منك، لا تحرمنا منك. سبحانك، لا إله إلا أنت. وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.