السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. حياكم الله أيها الإخوة والأخوات في المجلس الثاني لهذا اليوم، وهو مجلس التعليق على كتاب رياض الصالحين للإمام النووي عليه رحمة الله تعالى. هذا السفر المبارك في انتقاءاته، هذه الأحاديث أيها الكرام انتقاها النووي عليه رحمة الله من مجموع كتب السنة. لكن الانتقاء فن، أليس كذلك؟ ليس كل أحد يحسن الانتقاء والاختيار من بين الكم الهائل من الأحاديث النبوية، أن يعطيك أصول هذه الأحاديث التي لا ينبغي أن تنساها والتي تشكل الأصول والكليات لمن يبحث عن الصلاح في دينه ودنياه.
في باب التوبة، وعند حديث أبي سعيد سعد بن مالك، أو عند حديث عبد الله بن كعب بن مالك، سنبدأ إن شاء الله مجلس اليوم. ولعل هذا الحديث هو الذي سيأخذ حيز المجلس، وهو حديث توبة كعب بن مالك. هذا الحديث من أطول الأحاديث حقيقة في كتب السنة، ولكنه حديث جميل فريد جاذب آسر شحن بالفوائد وشحن بالعبر. ولذلك حرص العلماء على إيراده من أوله إلى آخره لما فيه من الحكم والعبر.
الشيخ عمر يرسل لي اليوم مقولة أن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل كان يقول: ما رأيت أبي يبكي عند سماع حديث إلا عند سماع حديث توبة كعب بن مالك. الحديث مليء بالمشاعر والأحاسيس، كما أنه مليء بالعبر وبالأحكام وبالمواقف. هو زحمة كما يقولون، وشاهد أفكار وتوجيهات وإرشادات، فيحسن بالمسلم أن يقف على هذا الحديث وعلى قصة توبة كعب بن مالك. عند كل عبارة يوجد فكرة، عبرة، إشارة؛ نستفيد ونستنبط ونستخلص، ونسأل الله أن يفهمنا.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين ونج عبادك المستضعفين. قال: وعن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائل كعب رضي الله عنه من بنيه حين عمي. كعب بن مالك بعد أن تقدمت به سنوات العمر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أصابه العمى، فكان الذي يسوقه ويقوده إلى المسجد ذهاباً وعودة أو إلى أموره العامة وسوقه ابنه عبد الله. كان له مجموعة من الأبناء: عبد الله وعبد الرحمن وغيرهم، لكن الذي كان مسؤولاً عن هذا الملف هو عبد الله. ولذلك سبحان الله، استفاد عبد الله من أبيه ما لم يستفد غيره من الأبناء لأنه كان ملازماً على مصاحبة أبيه وإعانته على أمور حياته، فاستفاد من حكم أبيه ومواعظ أبيه، ومن الأحاديث التي تلقاها أبوه بعد النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يستفد بقية إخوته. وهذا جزاء وفاقاً؛ أنت اشتغلت بخدمة والدك وعلى بره، فالله عز وجل كافأك أن خصك بفوائد وأمور لم يخص بها غيره.
قال: سمعت كعب بن مالك رضي الله عنه يحدث بحديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. كعب بن مالك قصته وخطؤه الذي ارتكبه متعلق بغزوة تبوك، عندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بالنفير العام. وكان عادة إذا أراد غزوة ورى بغيرها إلا في غزوة تبوك، فإنه أخبرهم أنه قاصد إلى تبوك باتجاه الشام ليقاتل الروم، وإنما صرح في هذه المرة بمقصده ليعدوا عدتهم جيداً. لأن الأجواء التي أحاطت بهذه المعركة أجواء صيفية حارة، وموسم الثمار قد نزل في المدينة، فكانت صعوبة غزوة تبوك في الواقع لم تكن في المواجهة؛ لأنه لم تحصل مواجهة عسكرية في النهاية، وإنما أراد الله أن يمتحن قلوب الصحابة بها.
النبي صلى الله عليه وسلم ذهب ليواجه الروم لكنهم لم يأتوا، إذاً أين كانت صعوبة غزوة تبوك وامتحانها؟ امتحانها في الاستعداد. الله عز وجل قد يأمرك بشيء أو يبتليك بشيء وفي النهاية لن يحصل المخوف، ولكنه ينظر في استعداداتك النفسية لهذا المخوف. قد تكون لك معركة قادمة على الأمة، أليس كذلك؟ وأنت مطلوب أن تستعد لها نفسياً وجسدياً وفكرياً وعقلياً. قد تموت قبل أن تدركها، وقد تظن أن المعركة الآن هذه السنة فإذا بها تتأجل لسنوات؛ هذا قدر الله النافذ. إن الحكم إلا لله يقص الحق، لكنه يريد أن يرى استعداداتك؛ هل ستستعد للمعركة؟ يريد أن يرى همتك، إرادتك، استجابتك القلبية للمعركة. فإذا وفقت لذلك بغض النظر حصلت المعركة أم لم يأت العدو أو تأجلت، فهذا أمر الله.
سورة التوبة كاملة نزلت في شأن غزوة تبوك لتفضح النفوس، ولتكشف الحيثيات وطرق الاستجابات ما بين منافق فار، ومؤمن ساع، ومؤمن صادق لكن ضعفت به همته. فكان عبد الله كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع؛ هؤلاء الثلاثة من المؤمنين الصادقين الذين ضعفت همتهم، فجاءت سورة التوبة لتخبر عن بلائهم وكيف تم معالجة هذا الخطأ.
قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحد تخلف عنه. إنما خرج صلى الله عليه وسلم والمسلمون يوم بدر ابتداءً ليس للمعركة، يريدون قريش، يعني قافلتها التي أتت من الشام بقيادة أبي سفيان، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. كفكرة عامة أريد أن أقول قضية إيمانية، وهي أنك قد تكون سبقت في البداية وشاركت في الغزوات وفعلت وفعلت، لكن لا تأمن أن تخفق في النهايات.
غزوة تبوك هي آخر غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم، وكعب بن مالك شارك في جميع الغزوات، إذاً هو من السابقين في الجهاد، من العاملين الأوائل. لكن دائماً إياك أن تظن أن قوة البدايات ستصمد دوماً للنهايات، ربما تخفق في اللحظة الأخيرة فاسأل الله الثبات. كعب بن مالك شارك في أحد، وفي الخندق، وفي صلح الحديبية، وفي فتح مكة، وحنين؛ شهد المشاهد والوقائع والملاحم والبطولات. لكن أين حصل الضعف؟ في المعركة الأخيرة غزوة تبوك. وهذا يدع الإنسان دوماً يكون خائفاً وجلاً: اللهم سلم سلم، ولا يثق بقدراته وإمكانياته. أنا طالب علم، أنا قرأت كتباً، أنا شاركت في كثير من البرامج، أنا من الأوائل من الرعيل الأول؛ هذا كله ليس سبباً يضمن لك الثبات. نعم هي من الأسباب المعينة أن العمل الصالح يقود إلى غيره، لكن لا يوجد ضمانات، فإذا وكلك الله إلى نفسك خذلت. فعليك أن تدعو الله بالثبات حتى آخر نفس، حتى آخر خطوة من خطوات الحياة.
هو يقول عن نفسه: أنا لم أتخلف عن غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم إلا في تبوك، وإلا بدر؛ لكن بدر لا يؤاخذ عليها كعب، كما لا يؤاخذ كل صحابي لم يحضرها؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان أخبر الصحابة أننا خارجون لعير قريش، فمن أحب أن يخرج فليخرج، كان مخيرهم ابتداءً. فكان بعض الصحابة نشطوا للخروج لهذه العملية، وبعض الصحابة لم يكن له رغبة في ذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يعنف أحداً. والغزوة حصلت على غير ميعاد لأن الذين خرجوا ما خرجوا للغزوة، ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: 7]، فجمع الله بين الصحابة وبين المشركين في بدر، وإلا فلم تكن الغزوة مقصودة ابتداءً.
قال: ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها. هو يقول لكن في المقابل هو يسلي نفسه، كيف الإنسان يسلي نفسه؟ يقول: لكن أنا شهدت بيعة العقبة الثانية لما جاءت الأنصار يبايعون النبي عليه الصلاة والسلام بيعة العقبة، كان كعب بن مالك ممن بايع على العقبة. وهذه بيعة شريفة ومن حضرها كان من خيار الصحابة رضوان الله عليهم. فيقول كعب بن مالك: ترى أنا صحيح ما ذهبت لغزوة بدر، لكنني شهدت يوماً أفضل من يوم بدر بالنسبة لي ككعب؛ ما هو؟ يوم بيعة العقبة الثانية. قال: وما أحب أن لي بها مشهد بدر، يعني لو خيرت أن أشهد بدر أو أشهد بيعة العقبة أيهما أختار؟ قال: سأختار أن أشهد بيعة العقبة. لكن هو يقول: في العادة بدر أذكر في الناس منها، يعني الناس تفضلها وتعرفها أكثر من غزوة بدر، لأن نتيجتها كانت قوية وحاسمة يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، فلذلك هي أكثر شهرة من بيعة العقبة وإن كانت بيعة العقبة مفضلة أكثر بالنسبة لكعب بن مالك.
قال: وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت. وهنا سبحان الله يظهر حرص الصحابة على الأيام الخيرة المباركة. كعب بن مالك تاجر وشاعر، ومن خيار الصحابة ومن الجيل النظيف ومن الرعيل الأول، ومن الصحابة الأفاضل من الأنصار رضوان الله تعالى عليه. الفكرة أن مجتمع الصحابة مجتمع حريص على الخير وعلى حضور أيامه. فلذلك لاحظ كيف يقارن: ما هو أفضل يوم أنت شهدته في حياتك من الأيام الخيرة التي خدمت فيها الإسلام؟ كعب بن مالك يذكر الأيام التي خدم فيها هذا الدين، يقول: أنا شهدت كل الغزوات بس فاتني هذا الموقف، يوم بدر أنا ما شهدته لأنه أصلاً إحنا ما ألزمناش فيه، بس شهدت يوماً أنا أعتقد أنه أفضل وأجمل لي من غزوة بدر. وهذه الحالة النفسية التي ملأ الإسلام بها قلوب الناس؛ أن أصبحت الناس تتفاضل وتتمايز بشهود معارك الإسلام وقضاياه، ما كانوا يتميزون بالتجارات والأموال والأشعار والدنيا والقصور.
مع أنه مجتمع له احتياجاته البشرية والاجتماعية، لكن أصبحت معايير ذاك المجتمع وتقييماته لنجاحهم في ماذا؟ في الأيام التي يشهدونها، في الأيام والمعارك والوقائع التي يكون له فيها أثر وحضور. بهذا انتصر ذاك الجيل، لما يكون تميزك وشعورك بالتميز على قدر حضورك وخدمتك وإبداعك في خدمة هذا الدين، عندئذ قل لي بمن سينتصر الإسلام أو كيف ينتصر الإسلام. المهم الآن سنأتي إلى خبر غزوة تبوك، قال: والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة. يقول لما تخلفت عن غزوة تبوك، ما تخلفت بسبب ضعف مالي أو مادي، أو انشغال بأمور دنيوية أثقلت كاهلي، ما كان علي ديون، ما كان علي أثقال والتزامات. بل بالعكس، يقول: لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة. يعني لو بدي أقارن هذه الغزوة مع غيرها من الغزوات، أكثر غزوة كنت فيها في أيسر حال وأقوى صحة وعافية والله في تلك الغزوة.
يقول: والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة؛ يعني في ذاك العام كان عنده جملان، يقول إذاً أنا في أعلى المستويات المادية والجاهزية. ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة؛ كان من سنته صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يغزو غزوة مع الصحابة ورى بغيرها، وهذا نوع من خديعة المعركة، أنه يلمح أنه لا يريد تلك القبيلة لأنه يريد قبيلة أخرى، لماذا؟ حتى تبقى الأخبار سرية. وهذا يدل على أن هذا من أفعاله عليه الصلاة والسلام فهو سنة، وأن الحاكم لا يفشي أسراره ويخبئها ولا يدلي بها إلا لمن يثق به.
حفاظاً على حصول النتائج المطلوبة، فكانت سنته في المعارك أنه لا يصرح أين ذهب بل يوري بغيرها. والتورية في اللغة أنك تعطي معلومة غير واضحة يفهمها الإنسان أمامك بشيء وأنت تريد شيئاً آخر، وهذا نسميه تورية؛ أعطيك شيئاً أنت تفهم منه أنني أريد مثلاً شمال الجزيرة وأنا أريد الذهاب للجنوب، أو أقصد قبيلة أخرى حتى تكتم الأخبار.
اللهم إلا في غزوة تبوك صرح، إلا في غزوة تبوك صرح. طبعاً سيبقى النقاش في فتح مكة لماذا لم يذكر؟ لأنه فتح مكة وأخبر الصحابة، ولذلك كان يقول: اللهم عمِّ عنهم الأخبار، وحاطب بن أبي بلتعة كتب الكتاب. فهل هم كانوا يعتبرون فتح مكة هو فتح وليس غزوة؟ يبقى لماذا لم يستثنِ غزوة فتح مكة؟ هل يعتبرونه فتحاً وعملية خلاص انتصار يعني إجهازاً على مكة والانتصار فيها؟ لذلك نحتاج أن نقول إنه ذكر أغلب المعارك، قد يكون هذا الاستثناء أغلبي، أنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، هذا في الأغلب العام من شؤونه. وإلا في غزوة فتح مكة نعم هو أخبرهم بمقصده، قال: حتى كانت تلك الغزوة أي غزوة تبوك.
قال: فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفراً بعيداً ومفازة. الآن هذه كانت ظروف هذه الغزوة؛ أنها كانت في أشد ساعات الصيف حرارة، والسفر طويل بالنسبة للصحابة، الذي يريد أن يخرج على جمل من المدينة باتجاه تبوك والشمال، أنت تتكلم عن 500 أو 600 أو 700 كيلو تقريباً، تبوك ليست قريبة من المدينة، تبوك تعتبر بداية الشام تقريباً. فبالنسبة لهم قالوا: واستقبل سفراً بعيداً. الصحابة ليسوا معتادين الذهاب إلى تلك المناطق على جمل في عز الصيف ومفازة، والمفازة يعني صحراء وأراضي وجبال، هذه كانت العوامل النفسية التي أحاطت بها أو العوامل الأرضية التي أثرت على العوامل النفسية.
قال: واستقبل عدداً كثيراً، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوتهم. يعني يريد أن يغزو من؟ الروم، وبرضه هذا عنصر مؤثر على النفسية؛ نحن نتكلم عن الروم، وهذه أول مرة سنواجههم مواجهة مع النبي صلى الله عليه وسلم، واجهوهم سابقاً مع زيد بن حارثة بس ما كان النبي صلى الله عليه وسلم بينهم. هذه أول معركة النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج بنفسه ليواجه الروم، وعدد كبير، وقد قيل إن الروم كانوا يريدون أن يجمعوا جمعاً هائلاً للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يجعلك تحت تأثير نفسي.
قال: فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوتهم، فأخبرهم لذلك بسبب كل هذه العوامل اللوجستية؛ احتاج النبي عليه الصلاة والسلام أن يخبر المسلمين بوضوح أين وجهته، حتى كل مسلم يجهز نفسه بأعلى درجات الاستعداد ولا يظن أن الغزوة قريبة، يعني رايحين حق شهر وراجعين، لا لا، غزوة بدها وقت. قال: فأخبرهم بوجههم الذي يريد، نعم وجههم يعني الجهة التي يريد الذهاب إليها وهي تبوك. والمسلمون مع رسول الله كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد بذلك الديوان؛ يعني في تلك المرحلة كان المسلمون مع النبي عليه الصلاة والسلام -هذه كما قلنا آخر غزوة، هذه بعد فتح مكة وحنين وغيرها- فكان عدد المسلمين الذين سيشاركون قرابة 30 ألفاً، فهو ما في قلة عموماً كما كان في بدايات الغزوات. لكن إيش المشكلة؟ أنه في تلك الفترة لم يكن هناك ديوان جند يجمع أسماء المحاربين، كما حصل بعد ذلك في زمن عمر لما عمل ديوان جند وأصبحت أسماء المقاتلين مكتوبة زي الجيوش النظامية، كان الجهاد عفوياً دون أن تسجل أسماء المجاهدين في دواوين بحيث يعرف مين حضر ومين غاب.
قال كعب: فقلَّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى به ما لم ينزل فيه وحي من الله. يعني ما في رجل أضمر في نفسه ألا يحضر المعركة وغاب إلا قال مع نفسه: أكيد لن يكتشف النبي صلى الله عليه وسلم عدم حضوري، ليه؟ 30 ألف عدد كبير أصبحنا، فلو أنا غبت ما راح يظهر غيابي إلا أن ينزل وحي من الله يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بغيابه، لكن في الوضع الطبيعي لن يعرف عليه الصلاة والسلام بغيابه. كثرة وفرة وما في ديوان جند يحسب من حضر ومن لم يحضر.
قال: وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر. الآن كعب بن مالك بيعطيك الأجواء التي بسببها ربما حصل التخلف منه؛ إن طبيعة المعركة ثقيلة من حيث ضغطها النفسي، والبعد المكاني، وطبيعة الناس الذين نقاتلهم، وكثرة عدد المقاتلين مع عدم وجود ديوان يحفظ أسماءهم؛ هذا العامل الثاني. ثالثاً: وقت المعركة كان حين طابت الثمار وكان كعب بن مالك صاحب مزارع نخيل، كان عنده رطب وجاء وقت قطافه، قال: فأنا إليها أصعر، يعني أنا أميل، ولاحظ الدنيا شوي دخلت، يعني كان مائلاً إنه يشتغل في بساتينه ومزارعه ولا يخرج ويتعب نفسه في الغزوة، ليس نفاقاً لكن ضعفاً، والصحابة يتصور منهم الضعف فهم بشر مثلي ومثلك.
بل لو أنا كنت مكانه وأنت يا من تسمع، يعني بعض الناس يقول: الله يسامحك سيدنا كعب بن مالك كيف مال إلى الدنيا؟ نسأل الله الستر والعافية. يعني نحن ربما صلاة فجر مع شوية برد فنحن إلى الفراش أصعر، صحيح؟ نحن لا نحكي غزوة تبوك ورايحين على مقاتلة الروم ومشوار والدنيا في عز الصيف، نحن صلاة فجر بتشعر فيها بشوية تعب أو الجو بارد ومي باردة، ممكن البعض لا يصليها في وقتها ويقول لك: بس أستيقظ، شوية تعب زائد نتخلف عن أمور سهلة. كعب بن مالك بيتكلم عن معركة صعبة، صعبة جداً لشدة صعوبتها النبي عليه الصلاة والسلام صرح أين الطريق، فلا تظنن بنفسك أنك لو كنت مكانه كان من السهولة أن تتخذ قراراً أفضل من قراره، وقل: الحمد لله الذي عصمني من الفتن.
قال: فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معه فأرجع ولم أقضِ شيئاً، وأقول: تمام. إذاً هنا نأخذ فكرة عامة، بالتالي أن الله سبحانه وتعالى يمتحن المؤمنين في لحظات معينة ليختبر استعداداتنا الإيمانية، يعني بتجيك بلاءات في الحياة ولحظات بدك تتخذ فيها موقفاً ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، حتى تنكشف لكم تلك النفوس وما فيها. ففي هذه الغزوة الله عز وجل ابتلى أخبار المؤمنين، وما زاد أكثر الصفوف بين أهل الإيمان وأهل النفاق، والقوي والضعيف، حتى يعرفوا بواطنهم، يعني ما تظنوا إنه بعد فتح مكة الأمور أصبحت، لا، ما زال هناك نفاق وما زال هناك إشكالات، بل سيزداد النفاق أكثر والضعف، فبتجيك لحظات من الله سبحانه وتعالى مطلوب منك تؤدي عبادة معينة مع إنه ظروف العبادة وظروفك أنت ما هي في كامل الأريحية حتى تؤدي هذه العبادة.
تجيك لحظات يختبر الله فيها إيماننا؛ صلوات فجر، عبادات معينة خاصة العبادات التي فيها شدة، يبتلي الله فيها مدى إقبالنا على الفداء والتقديم والبذل لدين الله مع إنه الظروف المحيطة بنا في منحى آخر. يعني أن تقدم لدين الله وأنت ما في شيء تخسره ليس كما أن يقدم لدين الله وهناك دنيا وافرة وراءه، صحيح؟ يعني هسا في واحد فقير متعب خسر عائلته سابقاً، ما فيش عنده لا زوجة جميلة ولا سيارة فارهة ولا ظروف، بيقول لك: بستشهد في سبيل الله، يعني ما في دنيا أبكي عليها، لكن الصعوبة أن تكون الدنيا فتحت عليك.
مثلًا أعطيك مثالاً أكثر واقعية؛ كثير من الإخوة المقيمين في الغرب لما تجي تقول له: الهجرة إلى ديار الإسلام، شو صعوبة هذا القرار عليه؟ الآن لو كان هو متعثراً في ديار الغرب، حاول يفتح مشروعاً وفشل، بيقول لك: ما أحب الديار، إنه ما في شيء يخسره في أمريكا أو أوروبا، زي ما قلنا ما في دنيا بنيت له حتى يخسرها. لكن لما يكون هو بنى مشروعاً كبيراً وأصبح ثرياً من الأثرياء وجذوره راسخة في التجارات، وتجي تقول له: هاجر إلى الله ورسوله، آه، هنا بتظهر القرارات الصعبة، إنه الله يريد مني الهجرة وأنا إلى الدنيا أصعر. لذلك مش كل الناس ستدخل الفردوس، هناك مراتب في الجنة لها فرسانها ولها أهلها، ألا إن سلعة الله غالية، وسلعة الله الغالية تحتاج إلى القرارات الصعبة.
قال: وطفقت أغدو لكي أتجهز معه فأرجع ولم أقضِ شيئاً، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت. يقول بعض السلف: عرفت الله بفسخ العزائم. ايش يعني؟ يعني تكون أنت ناوي تعمل شيئاً، تحاول تعمله وتعمله، عندك همة تعمله، تشعر إنك فترت عنه، هيك فجأة بتشوف إنك مش فاتر وما بتستمر. مثلًا بيجي شخص بيقول لك: والله يا شيخ كل ليلة بنوي أقوم الليل وبضبط الجوال، بيرن الجوال الساعة ثنتين أو ثلاث أو أربع، بستيقظ ما أستيقظ، تنفسخ عزيمتك وبتنام. تيجي اليوم الثاني والله يا شيخ إني صادق وقبل ما أنام ناوي أقوم الليل وكذا، عزمت ورتبت أموري، بأجي بصحى أستيقظ على المنبه مع جمالية الفراش ودفئه تنفسخ عزيمتي.
تمام؟ هذا يسمى فسخ العزائم، إنك تنوي على الشيء وتجد بعدين نفسك فترت عنه، مش شيء حال بينك وبينه يعني مش شيء خارجي منعك تفعله، لا لا، أنا من ذاتي كنت عازماً على شيء، بعدين فترت؛ عازم أقرأ كتاباً بعدين فترت، عازم أشارك في دورة بعدين فترت، عازم أمشي في مشروع علمي أو إسلامي وفترت، ما في شيء منعني خارجي، لكن أنا في نفسي ما عدت أريد ذلك ثم أريده مرة أخرى ثم أفتر. هذا الفتور اسمه فسخ العزائم، من الذي يفسخ العزائم؟ قالوا: هذا من أدلة وجود الله سبحانه وتعالى، من أدلة وجود الله أنك كلما هممت بشيء أو أن بعضنا كلما هم بشيء تفسخ عزيمته، طبعاً هذا من البلاء وعليك أنك تجاهد وما تفتر وتستمر.
وهنا ماذا يقول كعب بن مالك؟ وطفقت أغدو لكي أتجهز معه، طفقت يعني شرعت، يعني صرت أذهب إلى السوق، ايش عزيمته؟ يعني ايش نيته بالذهاب للسوق؟ إنه يروح يشتري بضاعة ومونة مشان يخرج للغزوة، يقول: أروح على السوق أذهب لكي أتجهز برجع وما عملت شيئاً مع إنه البضاعة موجودة، وكل شيء موجود في السوق والناس رايحين وجايين بتشتري، والصحابة في حالة فتور كان يمر بها كعب بن مالك. حالة من الفتور الإيماني خلينا نسميها، يقول: مش عارف، سبحان الله. فسخ العزائم.
قال: وأقول في نفسي، ولاحظوا هنا بعطيك كيف الشيطان تسلل إلى قلبه، كيف أحياناً الشيطان بيفسخ عزائمنا؟ قال: وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت. التسويف؛ إنه كان كلما ذهب إلى السوق بشوف الصحابة عم بيتجهزوا وبيشتروا بضاعة ومونة كان يقول: أنا بكرة إن شاء الله أستطيع أن أشتري البضاعة، يعني ما في شيء بيلزمني اليوم، لسا الصحابة بدهم فترة حتى يذهبوا والنبي عليه الصلاة والسلام لم ينطلق بعد. فالتسويف قد يعاقبك الله عز وجل به فيحرمك من الطاعة، إذا رآك تسوف في طلب العلم أو تسوف في صلة الأرحام أو تسوف في أعمال صالحة، إذا رآك تسوف ولا تبادر فهنا يبتليك الله أن يحول بينك وبين قلبك، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]، فتفسخ العزائم. إذاً سبب فسخ العزائم بالنسبة لموضوع كعب بن مالك، أقول والله أعلم، قد يكون من أسبابها قضية التسويف التي حصلت، إنه الله يحب أن يرى العبد مبادراً سريعاً في الإقبال، فإذا رآه مسوفاً دائماً يأجل ما بده يتقدم ويبادر قد تعاقب بهذا، فتكون عقوبتك الفتور. بتعرفوا الشباب اللي كل يوم إن شاء الله غداً بنحضر الدورة هي، إن شاء الله السنة الجاية رح أشارك في البرنامج، إن شاء الله، فبيسوف بيسوف إلى أن يصبح هذا نمطاً ويصبح الفتور حالة دائمة فيبتليه الله بهذا البلاء اسمه بلاء فسخ العزائم.
والله بلاء إخواني، إنه كلما هممت بطاعة تجد نفسك فاتراً عنها. هذا بلاء، نسأل الله أن يعافينا منه. قال: فلم يزل يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلم يزل يتمادى بي يعني أتأخر، التمادي بي بمعنى هذا التأخر وهذه المماطلة وهذا التسويف؛ يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد. إيش يعني حتى استمر بالناس الجد؟ يعني بدأوا يسيرون ويتحركون باتجاه المعركة. فأصبح كأنه هذا التفصيل لذلك: كيف يعني استمر بالناس الجد؟ قال: فأصبح النبي صلى الله عليه وسلم غادياً والمسلمون معه. بدأوا يتحركون باتجاه المعركة، قال: ولم أقض من جهازي شيئاً، وأنا لساتني في نقطة البداية.
الشباب بدأت تمشي في طلب العلم، بدأت تسير في طريقها؛ هذا أنجز كتاباً، هذا حقق، هذا حضر دورة، هذا حفظ القرآن، هذا حفظ الألفية، وهذا أصبح مميزاً هنا. وأنا ما زلت أقول بكرة إن شاء الله أصبح مثلهم، بعدين إن شاء الله بختم القرآن، إن شاء الله السنة القادمة رح أحضر هذه الدورة، وإن شاء الله الدرس القادم رح أصير أحضر تفسير. والناس تمشي وبدأت وتحركت وانتقلت، والمسكين ما زال واقفاً عند البدايات، لم يتجاوز خط البداية. والله هذه إشكالية حقيقية يمر بها كثير من الملتزمين والمتدينين؛ الوقوف عند خط البدايات والعجز عنه وعدم المسير.
قال الناس مشت وراحت وبدأت تذهب وأنا ما زلت في نقطة البداية، لم أقض من جهازي شيئاً؛ هل قضيت من جهازك شيئاً للدار الآخرة؟ ماذا قضيت؟ الناس الصحابة والتابعون وأبطال هذه الأمة والعلماء عبر التاريخ الباذلون، الكل أخذ جهازه ومضى وتزودوا. أنت بماذا تزودت؟ هل قضيت من جهازك شيئاً؟ سؤال، كل واحد يسأل نفسه: ماذا قضى من جهازه في رحلته إلى الله؟ اعتبر الموضوع مش رحلة غزوة تبوك، اعتبرها رحلة إلى الله، ماذا قضيت من جهازك؟
قال ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً، وحتى مع أنه كان يرى الصحابة تحركوا وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم يسير بالجيش، ومع ذلك أقول أذهب إلى السوق وأفطر. يعني أنت مش فقط كان الفتور لأن الصحابة لسه ما زالوا في المدينة، قال مع أن الجيش بدأ يتحرك أمامي وما زلت أغدو وأعود ولم أقض شيئاً. في إشكالية عم أبتلى بها الآن، شاعر إنه في مشكلة إيمانية يمر بها. قال فلم يزل يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو. قال فلم يزل يتمادى بي حتى أسرعوا، يعني خلاص ابتعدوا عن المدينة وتفارط الغزو، أي فات الغزو وذهب، يعني خلاص صاروا بعاد، تجاوزوا بأميال وكيلوات بعيدة عن المدينة. ومع ذلك إيش يقول؟ قال: فهممت أن أرتحل فأدركهم. فيا ليتني فعلت.
لأنه صحيح تفارط الغزو وابتعدوا، لكن في مساحة إنه على الأقل أركب وأمشي ولعلي أدركهم، هم ابتعدوا تمام وسبقوا بأميال، لكن ما زال هناك مساحة. ودائماً يا عبد الله ويا أمة الله، حتى لو رأيت إخوانك سبقوك وتفارط الغزو، حتى لو رأيتهم مضوا وأنت لساتك في البدايات إياك أن تستثقل. فهنا الخطأ الذي وقع فيه كعب بن مالك؛ لأنه قال: فيا ليتني فعلت. لأن الشيطان هنا في هذه اللحظة، الشيطان أولاً بخليك تسوف؛ إنه لسه الدورة في بدايتها، ولساته الشيخ في أول مقطعين، بس بحاول أقربها بصورة بسيطة، فهذا الذي يصير مع الشباب والأخوات عادةً في الدورات العلمية. لسه الشيخ في أول درس أو درسين، بكرة بسمعهم مش مشكلة بعدين، طبعاً بكرة ما بسمع وبعده ما بسمع وبعده بنشغل، لسه الشيخ في بداية الدورة، إن شاء الله رح ألحق أسمعهم.
فإذا بالشيخ يتفارط الغزو معه، يعني صار في الدرس السابع والثامن والعاشر، هنا يبدأ الشيطان الخطوة الثانية، اللي هي خطوة إنه خلاص راحت علي. إذاً الشيطان يبدأ معك دائماً إنه لسه في مجال ولسه الدورة في بدايتها، وبينتهي معك إنه خلاص ابتعدوا وانتهوا. يا ما أكثر الشباب والأخوات الذين يسقطون في هذا الفخ في الدورات والمشاريع العلمية؛ التسويف في البدايات واليأس في النهايات. وهذه لعبة الشيطان، إنه من البداية بيسوف، لسه الشيخ في بدايته، لساته أول خمسة دروس، بلش تكثر تكثر، فإذا الشيخ يتفارط الغزو يعني ابتعد وصار في عمق الكتاب، في منتصف الكتاب؛ فالطالب يقول: فهممت أن أرتحل فأدركهم. هي عبارات رنانة، حتى تقدر تسقطها على أي قصة في حياتك. هممت إني أبدأ أسمع الدورة مع إنه الشيخ صار في المنتصف، لكن لما بدأ هذا الهم وهي الحالة الإيمانية بدها تزيد، جاءني الشيطان ييأسني إنه تفارط الغزو وراحت عليك، خلاص خليك أنت من فرسان الدورة الثانية أو المشروع الثاني.
أنا أحكي هذه الفكرة في الدورات العلمية حتى أنت تقيسها على أي عمل إسلامي تشارك فيه إخوانك، يمكن أن يحصل تسويف في البدايات وإحباط في النهايات، ومع ذلك تذكر إنه كعب بن مالك في يوم من الأيام كان يتمنى ولو تفارط الغزو، تمنى لو أنه لحقهم. إلحق إخوانك ولو تفارط الغزو، احفظ هذه القاعدة: إلحق إخوانك في السير إلى الله ولو تفارط الغزو، ولو قطعوا مشواراً أكثر منك. إياك أن تستجيب لليأس، يعني إذا أخطأت في البدايات لا تخطئ في منتصف الطريق، إمشِ. لأنه هناك بعض الصحابة كأبي خيثمة، صحيح؟ أبو خيثمة حصل معه قريب من موقف كعب بن مالك، مشي الجيش ولسه أبو خيثمة ما طلع، ولساته يحدث نفسه أطلع ما أطلع وتفارط الغزو، لكن أبو خيثمة كان أكثر عزيمة في هذا المشهد.
صح تفارط الغزو لكنه دخل إلى بستانه فرأى نساءه قد أعددن له شراباً وفيراً ومجلساً وفيراً، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو وأنا جالس هنا؟ والله لا أدخل بستان إحداكن حتى ألحق بالنبي صلى الله عليه وسلم. حمل بضاعته وسلاحه ورحله وانطلق. والصحابة والنبي عليه الصلاة والسلام في أثناء مسيره نزل يستريح مع الصحابة تحت واحة أو عند عين ماء، فرأوا رجلاً قادماً من بعيد في الصحراء يمشي وحده. فالصحابة ينظرون إليه من هذا؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: كن أبا خيثمة. فلما اقترب قال: كن أبا خيثمة. آه، إذاً أبو خيثمة تفارط الغزو، لكن ما الذي أنجاه؟ إنه لم يسمع للشيطان في اللحظة الأخيرة. ربما هو ضعف في اللحظة الأولى، لكنه لم يضعف في اللحظة الأخيرة. تفارط الغزو لكنه هم أن يرتحل فيدركهم، ونجح همه وأمضى عزمه. كعب بن مالك الإشكال الذي صار معه لا، إنه هم أن يرتحل فيدركهم فضَعُفت همته. كن أبا خيثمة، هذا شعارك في الحياة، كن أبا خيثمة ولا تكن في هذا الموقف كموقف كعب بن مالك، رضي الله عن الجميع.
قال: ثم لم يقدر ذلك لي. طبعاً يا ليتني فعلت، هنا استنبط بعض العلماء هل يجوز الندم على فوات الطاعة؟ هل يصير يقول يا ليتني فعلت هذه العبادة؟ نعم، يا ليتني فعلت. قال العلماء هذا يدل على جواز التأسف على فوات الطاعة، الذي لا يتأسف عليه الدنيا، وأما فوات نصيبك من الخير فلا إشكال أن تتأسف عليه، فتقول والله يا ليتني حضرت تلك الدورة، يا ليتني فعلت ذاك الخير.
قال: ثم لم يقدر ذلك لي. طيب هذه لم يقدر ذلك لي علقت عليها أكثر من مجلس، إنه هل يجوز الاتكاء على القدر في قضية إخفاقك في الطاعة أو فعلك لمعصية؟ لأن الذي فعله معصية طبعاً، يعني مش فقط إنه شيء مستحب أو طاعة دورة علمية ما حضرها، لا، هو الذي فعله معصية لأن النبي عليه الصلاة والسلام أعلن النفير العام وإذا استنفرتم فانفروا، مش مر معنا الحديث سابقاً كان يجب عليهم النفير؛ فالذي فعله معصية هل يجوز تعليل عدم فعلك للواجبات بالقدر إنه أنا ما فعلت هذا خلاص قضاء وقدر؟
الأصل العام أنه لا يجوز الاتكاء على القدر في تبرير لماذا عصيت، يعني أنت شربت الخمر فتقول لي إيش اللي خلاني أشرب الخمر؟ بتقول لي قضاء وقدر؛ نقول لك يا أخي كل شيء بقضاء وقدر لكن لا يجوز أن تتكأ على القضاء والقدر لتبرر معصيتك، لأن السؤال هو لحظة اتخاذك للقرار هل كنت تعرف أن القضاء والقدر يريد منك أن تشرب؟ لا، أنت كيف متى عرفت إنه قضاء وقدر؟ بعد ما أنهيت وليس قبل أن تشرب، فكلامي عن لحظة الشروع؛ أنت لما شرعت ما كنت تعرف ما هو القضاء والقدر، فشروعك كان بإرادتك الحرة واختيارك، ولا تضحك علي، قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ لأنه المشركون كانوا يقولون ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: 148]، ربنا قال ﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام: 148]. لحظة اتخاذكم الشرك كنتم تعرفون أن الله شاء وقدر لكم الشرك؟ ما كنتم تعرفون ذلك. فهذا نوع من الكسل والاتكاء على القدر في تبرير الذنوب والمعاصي وهذا الأصل أنه لا يصح.
قال العلماء ويقول ابن القيم: إلا من تاب وحسنت توبته، فإنه إذا جاءه الشيطان، لأنه الآن واحد فينا بيعمل معصية ويرتكب أخطاء قد تكون حتى جسيمة ويتوب منها فعلاً وتحسن توبته، فيأتيه الشيطان بعد خمس ست سنين من توبته ويذكره إنه أنت بتذكر يا فلان المعصية اللي عملتها؟ حتى يثير فيه شعور من اليأس والإحباط، فهنا في هذه الحالة يقول ابن القيم يجوز استحضار القضاء والقدر حسمًا لخواطر الشيطان؛ إنه خلاص قدر الله وما شاء فعل، أقولها هنا ليس تبريراً للمعصية ولكن طرداً لخواطر الشيطان. هذه قاعدة تقولها، يعني يجوز إذا فعلت معصية وتبت منها أن تقول خلاص قضاء الله وقدره، ليس تبريراً للمعصية ولكن قطعاً لخواطر الشيطان ووساوسه، وهذه فائدة نفيسة في هذا الموطن.
قال: فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق أو رجلاً ممن عذر الله تعالى من الضعفاء. هذا حال المؤمن لما يشعر بالإخفاق في فعل بعض الواجبات أن قلبه يضيق. المنافق بيفعل المعاصي والذنوب وما بيشعر بالعيب، ما بيشعر بالحرج، لكن من علامات الإيمان إنه إذا فاتتك صلاة الفجر تستيقظ متضايق إنه فاتتني صلاة الفجر اليوم عن موعدها. إذا استيقظت وفاتتك صلاة الفجر وأنت مش شاعر بأي إشكال وأي خطأ فتش عن قلبك واسأل الله قلباً جديداً، صحيح؟ فرق بين إنسان تفوته الطاعة فيأسف ويحزن ويتضايق ويشعر بالذنب والندم، وبين إنسان تفوته الطاعة وكأنه لم يفعل شيئاً.
فهذا حال المؤمن وكعب بن مالك كان مؤمناً رضي الله عنه، فيقول فطفقت إذا خرجت في الناس يعني إذا مشى في السوق في المدينة وفي أزقتها بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم منها، يحزنني أنني لا أرى لي أسوة يعني لا أرى قدوة لي ونموذجاً مثلي من الصحابة الأفاضل ممن تخلف عن الغزوة، وإنما كان يرى قال إلا رجلاً مغموصاً عليه، يعني ملموزاً ومطعوناً عليه بأنه منافق، هكذا هو معروف في المدينة، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء. يعني قال لم أجد إلا أحد رجلين: يا رجل معروف إنه منافق فمثله يتخلف عن الغزوات، أو رجل معذور من المستضعفين الذين حاولوا أن يجدوا مركباً ولم يجدوا، فذهبوا وعيونهم تفيض من الدمع، أو أنه مستضعف بمعنى زَمِن، مُقعد، مشلول، إنسان أعمى تماماً لا يستطيع الخروج؛ فقلت لم أجد أسوة إلا منافقاً أو معذوراً وأنا لست واحداً منهم في الأصل، أنا مش منافق وفي نفس الوقت أنا مش معذور، أنا عندي كما قال المال والوفرة وكل شيء.
قال: ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك. قال النبي عليه الصلاة والسلام ما انتبه على عدم حضوري إلا بعد أن وصل إلى موقع تبوك ونزل فيه، فسأل أين كعب بن مالك؟ النبي عليه الصلاة والسلام كان يتفقد أصحابه الذين يعرفهم. فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه بُرداه والنظر في عطفيه. الآن النبي عليه الصلاة والسلام وهو جالس في تبوك ينتظر الروم لعلهم يأتون فكان يتفقد وجوه الصحابة الذين حضروا، ففقد كعب بن مالك. شوف كيف إن العالم أو الداعية الذي عنده أتباع عليه أن يتفقد طلابه ويتفقد من يسير معه عادة، ليه؟ قد يكون شخص مريض، قد يكون شخص ضعف، قد يكون حتى لا يسيء الظن به، صحيح؟ النبي عليه الصلاة والسلام ما برر من نفسه، إذا رأيت الطلاب أو أحد الطلاب بدأ يتخلف اسأل، لعله يكون معذوراً، لعله يكون عنده شيء، لعله يكون عنده حالة وفاة، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان من هديه ذلك.
هنا رجل من المجاهدين ومن المقاتلين في سبيل الله ممن علت همته وخرج في الركب، لكنه أخطأ خطأ آخر. هذا الخطأ مع أنه خرج من مجاهد ومن مقاتل ومن صحابي صادق إن شاء الله، لكنه لا يبرر. لا نقول إن هذا مجاهد ومشكلة إذا تكلم عن القاعدين؛ فبعض الناس هذا منظورهم اليوم، إنه ما دام مجاهدًا فمعناه له الحق أن يغتاب كل القاعدين. وهذا المجاهد لا يحاسبه أحد، وهذا خطأ؛ حتى لو مجاهد إذا أخطأ يحاسب، فالجهاد لا يعفيك من مسؤولية أنك اغتبت أو فعلت نميمة أو ارتكبت خطأ أو عصيت الإمام.
فالرجل من قبيلة بني سلمة ماذا قال؟ قال: يا رسول الله، حبسه برداه، والبرد هو الذي يلبسه الإنسان، ولكن هذه كناية، قال: والنظر في عطفيه. هذه كناية عن انشغاله بالدنيا؛ باختصار لمز كعب بن مالك، إنه مشغول بتظبيط نفسه والنظر في عطفيه، كمن يقف أمام المرآة ودائمًا يبحث عن الملابس الفاخرة، فكأنه يقول إن كعب بن مالك مشغول يا رسول الله الآن في تظبيط نفسه ولبس الشماغ والهندام والملابس. كعب ما شأنه وشأننا نحن؟ شغله برداه والنظر في عطفيه هي عبارة تستعمل عند العرب كناية عن الانشغال بأموره التحسينية والتجميلية وبدنه وتظبيط نفسه؛ أنا أشعث أغبر في سبيل الله وهو في مظلته وفي جماله وفي راحته، أنا اغبرت قدماي في سبيل الله وبذلت في دين الله وخرجت أضحي بنفسي وذاك الرجل منشغل بدنياه.
هل هذه العبارة مقبولة أن تخرج من مجاهد؟ فماذا قال له معاذ بن جبل، أفقه الصحابة وأعلمهم بالحلال والحرام؟ قال: «بئس ما قلت». غلط، ما بيطلع لك، حتى لو كان قصر كعب بن مالك، لكن ما بيطلع لك، ثم هل أنت عرفت؟ لعله معذور؛ بالنسبة لمعاذ بن جبل لم يظهر لنا قد يكون عنده عذر. وهذه قضية إيجاد الأعذار للعلماء وللدعاة ولغيرهم ممن لم يشاركك في نفس المعركة التي أنت خضتها وإن كان في الأصل ينبغي أن تخوضها، قد يكون لديه عذر.
أحيانًا لما نأتي على عالم سكت أو داعية سكت ولم يتكلم في معركة من معارك الإسلام، اختار موقف السكوت، فيأتي طالب ويحكي مع طالب علم آخر -وهما يعتبران أنهما خاضا هذه المعركة- فيقولان: شايف العالم الفلاني؟ ساكت مش سامعين صوته. فيأتي طالب ويقول: شغله برداه والنظر في عطفيه، إنه ذاك العالم مشغول في الولائم ومشغول في بيته وسيارته الفارهة ومشغول بكذا وكذا. هل أنت جالس معه؟
طبعًا إخواني فرق بين اثنين؛ بين عالم سكت في معركة وما دخل فيها، وبين واحد يدعي إنه من أهل العلم ويغزو على المجاهدين ويثبط عنهم ويرميهم بالخيانة والألفاظ؛ فرق هائل. لأنه بالقسم الثاني أنا لا أعتقد أنه معذور إلا أن يكون مكرهًا، كأنك يا عالم متعرض للسجن أو لخوف، قد تكون أنت لا تقوى على هذا البلاء، لكن ما بيطلع لك إنك تخون إخوانك وتتكلم عنهم وتدخل في أعراض المجاهدين والمرابطين وتسقط وتخذل الناس عنهم. إنك ضعفت ما تكلمت شيء، لكن إنك خذلت الناس عنهم، لا، هذا موقف لا أسامحك عليه.
ممتاز؟ فهنا الكلام عمن -أنا دائمًا أتخيل هذه القصة- في اثنين من المجاهدين أو من العاملين في الحقل الإسلامي ممن أتيحت لهم فرصة المشاركة في عمل، جالسين يتحاورون عن عالم أو داعية أو صديق لهم أو أخ لهم في الله ما شاركهم في هذا العمل. فيطلعنا نجي نحكي والله فلان شغله برداه ونظره في عطفه، ما بيطلع لك، أنت احمد الله إنه استعملك. إذا رأيت الله لم يستعمل عالمًا أو داعية أو أخاك في الله فيما استعملك فيه، التمس له عذرًا، لا يكون هدفك ما أسميه باللغة العامية اللقلقة، كثرة الكلام والحديث، وترى فلان ما شاركش والحمد لله ترى إحنا ربنا استعملنا يا أخي. طبعًا أحيانًا يصير ما أسميها الغيبة المبطنة؛ يا سيدي الحمد لله ربنا عافانا ما ابتلى به، ترى هي غيبة، أنت لمسته بس بطريقة دبلوماسية.
فهنا معاذ بن جبل أراد أن ينبه صاحبه الأنصاري، قال: «بئس ما قلت»، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا. فخام، يا سلام، فعلًا يا سلام. معاذ بن جبل نموذج للمجاهد الراقي؛ المجاهد الذي ربنا يستعمله ويستخدمه في حقل من حقول الإسلام، ولما يرى إخوانه تخلفوا عن هذا الحقل ربنا استعمله فيه -مع إنه واجب عليهم يكونوا فيه وبرضو مش حقل اختياري، حقل إلزامي يعني الأصل إنك تكون معي- وشو بتسوي أنت؟ لكن أجد لأخي مئة عذر، وأقول ما علمت عليه إلا خيرًا، قد يكون والله معذور، قد يكون مهددًا، قد يكون واحد خوفه، قد يكون مكرهًا، قد يكون مريضًا، قد يكون صار معه حادث سير؛ هناك احتمالات كثيرة. وبالتالي ما بكون أول احتمال عندي سوء الظن. ما بيصير، اتهام العلماء أو الدعاة أو المصلحين، قد يكون له نظرة، قد يكون له تحليل، قد يكون له شيء، هناك ألف احتمال واحتمال. عود نفسك يا من استعملك الله في أماكن الخير ألا تنظر على من لم يستعمل، قل الحمد لله واسأل الله الثبات.
قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبينما هو على ذلك، سكت النبي عليه الصلاة والسلام، ولعله علم في تلك اللحظة -كأن الوحي جاءه أو شيء- علم أن كعبًا أخطأ وقصر، مش قضية أنه معذور، لكن سكت ولم يرد أن يحدث فتنة أو أن يعلق على لماذا تخلف كعب بن مالك. الله أعلم.
قال: فبينما هو على ذلك رأى رجلًا مبيضًا يزول به السراب. هذا اللي قلنا عنه، فبينما هو جالس في تبوك ينتظر رأى رجلًا مبيضًا، إيش يعني مبيضًا؟ يعني لابس ثوبًا أبيض، يزول به السراب؛ الزوال هو الذهاب والتنقل، فكأن السراب من بعيد يتحرك به ينقله يمنة ويسرة، كأنها عملية نقل؛ يزول به السراب كناية أن السراب يأخذه يمنة ويسرة وتتلمح به من بعيد، وهكذا دائمًا في الصحراء من بعيد لما تشوف راكبًا تشعر إنه السراب كأنه يحركه من منطقة إلى منطقة وينقله من جهة إلى جهة أمامك لأنه لسه مش قريب، لم يظهر بعد كاملًا مكملًا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا خيثمة». شوف ما أجمل هذه العبارة؛ كن أبا خيثمة، النبي صلى الله عليه وسلم رجا أن يكون هذا أبو خيثمة، إنه مش متعود أن أبا خيثمة يغيب، وكان عنده أمل إنه أبو خيثمة ما يخفف في اختبار تبوك. وما أجمل أن يتفقد الشيخ طلابه وأن يتفقد النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه. يعني بالنسبة لأبو خيثمة هذه العبارة بتسوى الدنيا كلها، إنه النبي عليه الصلاة والسلام كان يتمنى أن يكون ذلك الآتي من بعيد أبا خيثمة. فإذا هو أبو خيثمة، فسر النبي صلى الله عليه وسلم، يعني الحمد لله الذي لم يخيب ظني بك.
وهذه ما أجملها أنك تتمنى أن طالبًا ما ينسحب، ما يتراجع؛ كن فلان الذي تجيك هيك من بعيد جالس في المجلس وأنت مش متأكد من هو، فيطلع هو ذاك الطالب الذي -الحمد لله الذي أعادك وقادك إلى مجالس العلم والخير والبذل والعطاء- أو أعادك إلى واحة الالتزام والتدين من جديد، أو أعاد تلك الفتاة إلى جلبابها وحيائها بعد أن خلعت وضعفت؛ تريد أشياء كثيرة، كن فلان، كن فلانة، فالحمد لله الذي أتى بك. وكما قلنا أبو خيثمة استطاع أن يعالج الموقف بشكل سريع، كعب بن مالك خلاص قدر الله، قدر الله لم يستطع معالجة الموقف.
وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون، كان رجلًا فقيرًا، وقيل هو الذي لمزه المنافقون في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: 79]. المنافقون كانوا يلمزون الأغنياء من الصحابة بأنهم مرائون ويلمزون الفقراء الذين يتصدقون بصاع من تمر أو شيء إنه هؤلاء ما الذي قدموه؟ صاع؟ ماذا سيفعل الصاع؟ يقولون هو الذي وقع وحصرت فيه تلك القصة ونزلت فيه تلك الآية.
قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلًا من تبوك حضرني بثي. البث هو الحزن والهم والغم، حضرني هنا بمعنى اشتد علي، يعني تكركبت الأوراق عند كعب بن مالك، إنه ماذا سأقول لرسول الله عليه الصلاة والسلام؟ لأن هنا سيبدأ الاختبار الأصعب؛ هل سأفشل في المحطة الأخيرة؟ أنا أخفقت في المرحلة الأولى سوفت، وأخفقت في المرحلة الثانية لما هممت أن أرتحل فأدركهم فلم أفعل. الآن بقي الاختبار الأخير وهو اختبار الصدق؛ هل سأصدق وأبين حقيقة أنني يا رسول الله تخلفت دون أي عذر؟ أم سأفشل للمرة الثالثة وأحاول أن أواري بالكذب وأنني كنت مشغولًا وكان عندي ظرف وكذا وأنا مش صادق؟ هذا الاختبار الأخير الذي نجح فيه كعب بن مالك.
وهكذا الإنسان المؤمن إخواني يمحصه الله بالبلاء. ربما فعلًا بعض إخوانك في الله يخفق في شغلة شغلتين، لكن لا تيأس منه، ممكن تزبط معه الثالثة، صحيح؟ ممكن يصلح في سالف الأيام. فإخفاقك في مرحلة مرحلتين موقف موقفين لا يعني أن تيأس من نفسك وأن تحبط منها، بل بإمكانك إن شاء الله أن تنجح في مراحل أخرى. لكن ما هو أهم شيء؟ إنه الشيطان ما يضحك عليك الضحكة الثالثة ويقول ترى أنت يا فلان خلاص انتهى كرتك، خربها، هذا اللي بخوف. إنه أحيانًا بعضنا يخفق في أمر أمرين ثلاث، فلما يتكاثر عليه الإخفاق وتتزاحم عليه الفشل يشعر إنه أنا ما فيش مني فايدة، خلص وقفت على هذه، فيخرب حتى ما بعد ذلك، لا. الذي نجى كعب بن مالك من النفاق وجعله من خيرة الصحابة الكرام في هذا الموقف الصدق، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين. صدق نجاة.
زي ما قلنا كعب بن مالك، ما تتايع مع نفسك أكثر من هيك، احذر الانهيارات، دائمًا بنقول في حالات ضعف الالتزام احذر الانهيار. يعني أنا ماشي بتجيني فتور إيماني، بيجيني ضعف، بعمل معصية، بس مش إني عملت معصية يعني أنهار تمامًا؛ بعض الشباب ما بيعرف يا الصعود المتواصل يا الانهيار التام، بيضل ماشي بالسيارة مو هو للأخير، لا، عود نفسك ممكن تكون أخفقت، شفتلك مقطع غلط، حكيت مع بنت بالخطأ، تكركبت أوراقك الإيمانية فهمنا، ما تنهار، تماسك وحط كوابح؛ لأنه الشيطان سيعمل على إنك تفقد السيطرة على الكوابح، وإنك تبقى إلى آخر النزلة تنزل تنزل تنزل ويجعل لك طبعًا تبريرًا إنه أنت أخفقت في الماضي فلماذا لا تخفق الآن؟ خلاص خربها إلى آخره. دائمًا تعلم فكرة وضع الكوابح ولا تستسلم، حتى لو أخفقت 100 مرة لا تخفقش في المئة وواحد، واللي قتل 100 نفس في الدرس الماضي، قتل 99 بعدين كمل على الراهب وقتل 100 نفس، لكن كان عنده ثقافة وضع الكوابح، قتلت 100 نفس بس خليني لعل وعسى.
فهذه الفكرة، حضره بثه الآن، الاختبار الأخير أمام كعب بن مالك، هل سيصدق النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بما أخرج من سخطه غدًا. فطفقت أتذكر الكذب؛ صار الشيطان يجي يوسوس لكعب بن مالك، يقول له إيه؟ لماذا لا تكذب؟ وتخترع لك عذر، وخلاص تطوي هذا الملف وبتمشي أمورك. قال: فطفقت أتذكر الكذب، يعني أفكر فيه، وأقول في داخلي: بما أخرج من سخطه غدًا، يعني كيف سأعتذر؟ كيف سأخرج من سخط النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المشهد؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، صار يستشير نساءه، وصار يستشير الناس الذين لهم وزن كذلك بالنسبة له.
لأنه قال: من أهلي. إنه صار يحاول. شو رأيكم؟ إيش أسوي؟ ماذا أقول؟ فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أضل قادمًا، زاح عني الباطل حتى عرفت أني لم أنجُ منه بشيء أبدًا. فأجمعت.
فلما قيل ونادى منادٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبواب المدينة، وأنه غدًا داخل، قال: انزاح عني كل الأفكار الباطلة. خلاص، تلك الأفكار والوساوس سماها باطلًا، تلك الأفكار والوساوس اللي كنت أفكر إني أكذب وأحاول أجد حجة وكذا انزاحت، وأيقنت أنه لن أنجُ إلا بالصدق. وهنا وُفق.
وهذا التوفيق أقول أيضًا من أسبابه إخواني ثمار الغزوات السابقة. ما هو برضه أعماله الصالحة الله يدخرها لك إلى مثل هذه اللحظات. لا تستقل الأعمال الصالحة السابقة؛ تفيدك الآن، تفيدك. لأنك قد تخفق مرة مرتين، لكن ببركة عمل صالح يعينك الله عز وجل، حتى ببركة مشاعره. إنه هو ما كان شاعرًا بالافتخار أو بالدهاء إنه غاب، وإنه غيره تعب وحضر وراح، هو شاعر بالأسى والحزن. مشاعر الأسى والحزن إنه غيرك فعل شيئًا وأنت ما فعلته، هذه بحد ذاتها مشاعر مقدرة عند الله.
وأنت تفعل المعصية وأنت مستحي، لذلك: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين». لأنه المجاهر هذا مش مستحي. فرق بين واحد بيعمل معصية ويقول: يا رب والله ما بدي أعملها بس أنا فسخت عزيمتي، أنا عم بضعف؛ فبيعملها وهو مقهور من حاله. وفرق بين اللي بيعملها وهو هيك ولا كأنه في شيء، مستمرئ لها؛ بل بالعكس بيضحك وبيفتخر وبيتجاهر بها وبينشرها، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 19]. فكعب لم يكن من ذاك النوع، كان من النوع النادم المتألم الذي وقع في المعصية وهو حزين ويشعر بالأسى. وهذا أيضًا مما يعين على التوفيق بعد ذلك.
ربنا إذا شافك تفعل المعصية وأنت متألم مستحي، ليس كمن يراك وأنت تفعلها ولست آبهًا بها، فيعينك على أن تفكر بطريقة إيجابية. قال: حتى عرفت أني لم أنجُ منه بشيء أبدًا؛ إنه ما في أي عذر سأنجو به. فأجمعت صدقه، أجمعت يعني عزمت على أن أصدق.
نقف اليوم عند هذا المقدار ونكمل في الدرس القادم قصة كعب بن مالك الشيقة، وحجم ما فيها من الفوائد والمعاني. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا وأن يوفقنا وأن يهدينا. نلتقي في الدرس القادم إن كان في العمر بقية. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل