دخولتسجيل الدخول

مجالس الوحيين | شرح كتاب "رياض الصالحين" باب التوبة تتمّة الحديث (21) | المجلس السابع

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. حياكم الله الإخوة والأخوات في مجلس تعليق على كتاب رياض الصالحين للإمام النووي عليه رحمة الله. وصلنا إلى قصة توبة كعب بن مالك، هذا الحديث العظيم المشحون بالفوائد والأفكار والمنافع والذي يحتاج جامع إلى تأمل. وكما قلنا كان أحمد بن حنبل إذا قرأ هذا الحديث بكى، لعظيم أثره ووقعه في النفس. الكل كعب بن مالك فعليًا؛ من منا لم يخطئ؟ ومن منا لم يقصر؟ لكن كعب بن مالك زكاه الله سبحانه وتعالى بأنه من الصادقين، وزكاه الله سبحانه وتعالى بأنه قبل توبته. نحن هل نملك ضمانات أن الله قبل التوبة من أخطائنا ومن ذنوبنا؟ هل زكينا؟

البعض ينظر لكعب بن مالك أنه أخطأ، والصحابة بشر يخطئون ويصيبون، لكن تنظر للجانب المشرق، الحقيقة، الشيء العظيم، وهو أن الله سبحانه ينزل فيه قرآن يخبر الناس بأن هذا رجل موفق؛ صدق الله فصدقه الله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119] نزلت فيه. فإذا وصلنا إلى قصة كعب بن مالك، وطبعًا بعد أن بينا في المجلس السابق أنها حين حصلت، حصلت المشكلة في تخلفه عن غزوة تبوك. وكيف أنه شعر بحالة من الفتور الذي يمكن أن يصيب كل شخص مسلم في مراحل الحياة. حالة من الفتور، فطبعًا هو فتور جاء في التوقيت الخاطئ. لأن الفتور الذي لا يؤدي إلى ترك واجب أو فعل معصية فهذا إلى سنة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن كان فتوره إلى سنة فقد أفلح، ومن كان إلى غير ذلك فقد هلك».

الفتور الذي لا يؤدي إلى التقصير في الواجبات والوقوع في المنكرات هذا طبيعي، وكلنا ذاك الرجل. لكن المشكلة الفتور الذي يأتي في التوقيت الخاطئ؛ فجأة تقصر في واجبات الله عز وجل أوجبها عليك، هنا هذا الذي حصل مع سيدنا كعب بن مالك الله يرضى عنه. حصل فتور لكن فتور في لحظة قاتلة؛ النبي عليه الصلاة والسلام استنفر أصحابه للجهاد، هو حاول، لكن همته كانت أضعف من ذلك الموقف. ذهب النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، تذكره هناك، فقال: «أين كعب؟». أحد الصحابة لمز معاذ بن جبل، قال اتق الله للصحابي الآخر، لا تلمز، معالجات جميلة لأنها تصبح في حالة يمكن أن تكون في أي واحد منا؛ وكيف يمكن يتجاوب الناس مع أخطائك ونظرة الناس إليك، وأنت كيف ممكن تتفهم الناس، وكيف بعد ذلك المعطيات والإجراءات ستأتي بالإثارة القادمة.

فالنبي عليه الصلاة والسلام الآن وصل إلى المدينة، عاد. كعب بن مالك أيقن أنه أنا أخطأت مرة لكن لا يجب أن أستمر في الخطأ، لأنه من مصائد الشيطان أنه إذا أنت أخطأت وشعرت بالفشل في جزئية، أنه بيقول لك خلص افرط المسبحة؛ فيصبح الخطأ يولد خطأ يولد خطأ. لا، أنت قف عند الخطأ الأول ولا تترجمه لخطأ ثاني، وهذا الذي نجح فيه سيدنا كعب بن مالك أنه استطاع أن يوقف الخطأ في حجمه الطبيعي؛ خلص أنا أخطأت تخلفت عن الغزوة، لكن الآن يجب أن أعترف بالحقيقة، فعرفت أنه لن ينجيني إلا الصدق، فأجمعت صدقه. شوف العبارة الجميلة؛ يعني عزمت وهممت وجمعت قلبي على أنني يجب أن أصدق النبي عليه الصلاة والسلام حتى مهما كانت العواقب، مهما كانت العقوبات التي ستنزل فيني. لكن أيقن كعب بن مالك بتوفيق الله له أن الصدق منجاة، «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة».

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين ونجي عبادك المستضعفين، آمين. قال رضي الله عنه: وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادمًا، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس. هذه السنة لمن يعود من سفر؛ السنة لمن عاد من سفر أن يذهب إلى المسجد قبل أن يذهب إلى أهله، فيصلي ركعتين. وهذه أيضًا سنة، ركعتين عودة من السفر. يعني هذه فائدة في الحديث؛ كان عليه الصلاة والسلام إذا قدم من سفر، إذًا هو لا يعطي سفرة واحدة، هنا إذا هذه تدل على كان إذا قدم أسلوب يدل على التكرار أنه هذه كانت عادته، والأصل في أفعاله التشريع بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه. يدل هذا على أن السنة لمن قدم من سفر قبل أن يذهب إلى بيت أهله ويستقبله الهدايا أن يذهب إلى المسجد، فيصلي ركعتين، وكان طبعًا ثم جلس للناس؛ جلس للناس يعني يستقبلهم، تعرف يجوا المهنئين والمستقبلين، الحمد لله على السلامة، جلس للناس ثم بعد ذلك يعود إلى بيته.

فلما فعل ذلك جاءه المخلفون يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعًا وثمانين رجلًا. طيب الآن لما فعل ذلك شو الآن عادته أنه يأتي يأتي المسجد، صلى ركعتين، يستقبل الناس. فلما فعل ذلك عليه الصلاة والسلام قال: فلما فعل ذلك جاءه المخلفون. المخلفون من الأعراب ومن غيرهم الذين تخلفوا عن الغزوة بدون عذر، أكثرهم بدون عذر. فلما فعل ذلك جاءه المخلفون يعتذرون إليه؛ يا رسول الله أنا كان عندي هيك مشغول عندي كذا وكذا، ويا رسول الله أنا ما قدرت أطلع لأني كذا، وكانوا كاذبين جلهم. ولذلك الله عز وجل عاتب نبيه صلى الله عليه وسلم، وعاتبه عتابًا لطيفًا وحبيبًا فقال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43]. يعني لماذا قبلت عذرهم؟ هؤلاء غير صادقين. فلما فعل ذلك جاءه المخلفون يعتذرون إليه ويحلفون له بالأيمان المغلظة أننا لم نخرج لم نتخلف تركًا للجهاد ولا نفاقًا ولا كذا، وإنما شواغل الحياة وأنا عندي كذا، وكان هؤلاء كم عددهم؟ وكانوا بضعًا وثمانين رجلًا.

قال فقبل منهم علانيتهم؛ قال أتعامل معكم على الظاهر، خلص، أنت صادق؟ أنت عندك شغل؟ خلص تمام، أنت كان عندك مشكلة في الحصان؟ خلص، أنا أمشي على العلانية. فقبل منهم علانيتهم وبايعهم، واستغفر لهم. ووكل سرائرهم إلى الله تعالى؛ الله يحاسبكم على باطنكم. حتى جئت، حتى جئت؛ إجا كعب بن مالك، إجا وقت دور كعب بن مالك. فلما سلمت تبسم تبسم المغضب. فلما سلمت، تبسم تبسم المغضب. وهذه كما قلنا هي السنة للنبي عليه الصلاة والسلام حتى في التعامل، وهو أن الشخص إذا كان أخطأ لا يظهر له أنه كأنه لا يوجد شيء، خاصة إذا كان يعرف صفاءه، يعني هذا نقي، هذا ليس كالمنافقين. فالسنة أنه أن تغير تعاملك، مرت معنا كيف كان يتعامل مع المخطئين، فقلنا أنه يتعامل مع المخطئ، عليك أن تظهر في معالمك ما تعطي فيه إشارة إلى أنه مخطئ. لما ابنك يخطئ، إحنا أحيانًا أبناؤنا بيخطئوا مع أعمامهم مع إخوانهم، بيتصرفوا تصرفات حمقاء أو مغفلة، وبتلاقي الأب مبسوط على ابنه ويضحك وكذا وما شاء الله عليك، يكون سب على خاله أو شتم عمه. أنت ليش مبسوط؟ يعني أنا لا أطالب بالعنف، لكن أطالبك أنه دائمًا لما يكون في خطأ يجب أن يظهر على الأقل كحد أدنى على وجهك معالم الإنكار، معالم أنه في شيء خطأ أنت فعلته، مش معالم وكأنه لا يوجد شيء، لأنه كيف سيتعلم المخطئ من خطئه؟ فهذا شكل من أشكال التأنيب وهو تغير معالم الوجه، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يستخدم إذًا لغة الإشارة في تعليم أصحابه وتأنيبه، قال فلما سلمت تبسم تبسم المغضب، يعني ابتسامة واضح أنه هو غير مبسوط من فعلي، غير مسرور من الذي صدر مني.

ثم قال صلى الله عليه وسلم تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ ما خلفك؟ لماذا تخلفت يا كعب عن الغزوة؟ ألم تكن ابتعت ظهرك؟ يعني جملك، فرسك، الظهر هنا بمعنى الجمل أو الفرس، تمام يسمونه ظهرًا باعتبار أن الفارس يركب ظهره، فيسمونه ظهرًا، ومعنى ابتعت يعني اشتريت، يعني أنا بعرف أنه أنت اشتريت فرسك، اشتريت جملك، إذًا أنت ما كنت عاجزًا عن الخروج للمعركة، لماذا تخلفت؟ وهذا دائمًا أيضًا سنة النبي عليه الصلاة والسلام في معالجة الأخطاء؛ قلنا إذا بتذكر في كيف عاملهم، ما كان يستعجل، يقول له تعال فلان، أنت كذا وأنت كذا، لا، ما حملك على هذا يا حاطب؟ مش هيك دائمًا ما حملك على هذا؟ يستفسر لعلك تكون معذورًا فعلًا، دائمًا لا تستعجل في معالجة الخطأ قبل أن تعرف السبب الذي من أجله صدر، لأنه ممكن يكون معذور، وهذا أيضًا من سنة النبي عليه الصلاة والسلام ومنهجه في معالجة الأخطاء، ما خلفك؟ تفضل.

قال قلت يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيت جدلًا، ولكنني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله يسخطك علي، وإن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقب الله عز وجل. إيش يعني؟ لو أنا جلست عند أحد الملوك أو أحد المسؤولين وحاولت أجد أي عذر وأسلك الأمور ما استطعت أن أعتذر، فأنا رجل أعطيت جدلًا، يعني أنا رجل ذكي أستطيع إيجاد الأعذار وألفقها وأمشي أموري، يعني أنا لست إنسانا مغفلا لا أعرف إيجاد الأعذار، ولاحظ هذا التمهيد الجيد وهذا ذكاء كعب بن مالك، إنه كعب بن مالك ما هو النبي عليه الصلاة والسلام قال له ما الذي خلفك، هل بدأ مباشرة أنه يا رسول الله أنا خلفني أني غلطت وضعت إيمانيا؟ لا، لا، والإنسان الشاطر بيعرف يدبر أموره، واضح أنه شاطر، فهو أعطاه مقدمة أنه أنا يا رسول الله أكون صادق معك، أنا إنسان يا رسول الله بعرف أحكي وبعرف أجادل، ولو أني بدي أعتذر لأي شخص وأطلع راح أجادل وراح أطلع حالي من الورطة، لكن صدقا كذا وكذا، فهذه كانت مقدمة وتوطئة تعطي اللي أمامك أنه فعلا هذا صادق وهذا الرجل جاي يصدق، يعني هذا ليس له إلا الصدق.

قال ولكنني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، وإن حدثتك حديث صدق يعني أعطيتك الصراحة والمصداقية لماذا تخلفت وأنه كان نتيجة الفتور الإيماني، قال أعلم أنك قد تجد علي فيه، تجد يعني تحزن تغضب تأخذ على خاطرك، تجد علي يعني تغضب مني، ولكنني أرجو فيه عقب الله، أنه الله يعوضني خيرًا، ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، ومن صدق ربنا بيعينه حتى لو كان أخطأ وقصر، بس أصدق، وهذا اللي دائمًا أنصح فيه نفسي وإخواني، لما تقع في معصية لما تقع في ذنب في حياتك اعترف بينك وبين نفسك أنه أنت مخطئ، يعني ماشي ممكن ما فيش شخص أنت محتاج تعترف له من البشر لكن على الأقل بينك وبين نفسك كن صادق مع نفسك، كن صادق معها أنه أنا مخطئ، أنا أسأت، سبحان الله ما يخطئ الإنسان ويعترف بقصوره وضعفه ويعترف أنه عاصي ومذنب أمام ربه ربنا بيساعده، لكن لما تكون أنت من المجاهرين «كل أمتي معافى إلا المجاهرين»، لما الله يراك أنك مش سائل ولا شايف حالك غلطان ما بدك تعترف بخطأك وذنبك وأنه أنت مسيء لله سبحانه وتعالى أو تسيء الأدب مع ربك سبحانه لا، عندئذ الله عز وجل يفضحك ولا يعطيك سترك، فإذا عصيت اعترف وأصدق فإن الله سبحانه وتعالى يعطي على الصدق ما لا يعطي على غيره في هذا المقام.

قال والله ما كان لي من عذر؛ الآن اعترف قال والله ما كان لي من عذر، بعد كل هذه المقدمة اعترف له أنني ما كان عندي أي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك؛ يعني أنا كنت في أحسن أحوالي المادية لما تخلفت عنك ما كنت أعاني من أي مشكلة في المال ولا مشكلة في البدن لأنه قال ما كنت أقوى بدنيا ولا أيسر ماليًا في هذه اللحظات، ما عندي عذر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك، قال أما هذا فقد صدق، خلص سامحتك؛ ليه بعض الناس يقول لك طب ليش ما سامحه من أول؟ يعني بعض الناس هيك مفكرين النتائج دائمًا أنه خلص أصدق بدي أعلم ابنه الصدق خلص أصدق وإذا أنت صدقتني أنك أنت عملت الخطأ راح أكافئك، لا هو مش هيك دائمًا الحياة، لا خليه يصدق وخليه يعرف أنه نتيجة الصدق مش معناته أني راح أكافئك لا، ممكن يكون في إلك عقوبة بس ستبقى دنيا، يعني ستبقى عقوبة تعاقب بها وتنتهي بس أنت صدقت يعني أنت نجوت من أن تزيد الخطأ خطأك، قال أما هذا فقد صدق، قم حتى يقضي الله فيك ويخبرني ماذا نفعل بك.

وسار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المتخلفون، فقد كان كافيك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لذنبك.

كسر اللام؛ لأن كثيرًا ما يقرأها الناس سلمة، لا، هي بني سَلَمة. وهؤلاء قبيلة من قبائل أهل المدينة من الأنصار، وهم قومه؛ فجاءه قومه من بني سلمة. فتبعوا كعب بن مالك وقالوا له، لاحظ ماذا قالوا له: والله ما علمناك أذنبت ذنبًا قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك.

هنا بدأت المحنة التي مر بها كعب بن مالك قلبيًا ومشاعريًا. المحنة الأولى هي حال الفتور الإيماني الذي أصابه، فهو في بداية الأمر يخرج ويرجع إلى السوق ولا ينجز أموره؛ حالة فتور رهيبة، ثم تخلف عن الغزوة، وبعدها الصراع النفسي الداخلي: هل عندما رجع النبي صلى الله عليه وسلم أعترف أم لا؟ هل أحكي الصدق أم لا؟ هذه كلها معارك داخلية هي التي تجعل صاحب محمد يبكي حين يقرأ الرواية. هو الصراع الداخلي الذي يعيشه الإنسان النظيف والصادق لكن لما يقع في خطأ، كيف أعالج هذه المشكلة التي تورطت فيها؟ خاصة أن الخطأ ليس سريًا بينك وبين نفسك وانتهى الملف، بل خطأ سيعلن وسيعرف؛ فهذه طبيعة خطأ كعب بن مالك، أنه في حاكم مسلم وأنا خالفته في الغزوة.

ما قدرتك على تقبل انتقادات الناس لك نفسيًا؟ ما قدرتك على أن تتقبل الناس وهي تقول لك: لماذا أخطأت؟ والله أنا أعرفك شابًا مصليًا ومنيحًا، وأنا مثلك ما كنت أتوقع. انظر الآن، بني سلمة تبعوا كعب بن مالك وقالوا له: والله ما علمناك قد أذنبت ذنبًا. انظر إلى الإحراج، والشعور بالعتاب، بل حتى الشعور بنوع من الفضيحة ولو كان قليلًا، وشعور أنه أنا الذي شاركت في الغزوات وبيعة العقبة، لماذا الآن؟ فيصبح هناك جلد ذاتي، وهذه لحظات الضعف الشديدة يستغلها الشيطان ويعمل عليها، فلو كان واحد غير كعب بن مالك لكان قراره الهروب من المدينة.

هذا الذي سيعرض سيأتيه العرض من أحد ملوك الغساسنة أنه تعال نحن نؤويك، ما الذي يجبرك أن تعيش ضمن واقع ينظر إليك بشيء من الازدراء؟ خاصة إخواننا طلاب العلم أو المشايخ أو الدعاة، إذا أخطأ أحدهم غلطة فيها معصية، فالناس تنظر إليك بنظرة الإنسان الوقور الذي ليس عنده أخطاء ولا مشاكل، فإذا أخطأ الشيخ أو فعل معصية، الناس للأسف لا ترحمك، فما قدرتك على التكيف والتعايش وأن تبقى داخل مجتمعك مع تحمل نتيجة ما يقال لك؟ ولا تجعل ما يقال لك سببًا في الانتكاسة. أنا لا أريد للشباب الملتزمين أن ينتكسوا، فيأتي الشاب الملتزم حديثًا ويعمل ذنبًا، فيأتي هؤلاء ويعايرونه، هذا خطأ؛ فما فعله بنو سلمة معه خطأ، أنتم لا تعينون الشيطان على أخيكم، ممكن تخلونه يضعف، فكان ما ينبغي لهم أن يلحقوه ولا أن يقترحوا عليه الاقتراح الكارثي؛ فقد كان كافيك استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لك. النصيحة ليست في مكانها بتاتا، نصيحة خاطئة.

أما المشكلة الأخرى التي تورط فيها كعب بن مالك أن الموضوع لم ينته، حيث قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «فقم حتى يقضي الله فيك». معناه ألم الانتظار، فهو واقع في ألم العتاب من قومه، وألم الانتظار ماذا سيقضي الله فيه، والله يستر. كأن النبي عليه الصلاة والسلام رفع يده وقال له: هذا الموضوع ليس عندي الآن، هذا سيقضي فيه الله من فوق سبع سماوات. تخيل واحد يقول لك: أنت موضوعك الآن ليس عند القاضي الفلاني، بل سيقضي فيه الله، تنتظر وحيًا ينزل فيك أنت نفسك. الحقيقة تعب نفسي وإرهاق وقلق، التوتر النفسي يكون عاليًا، فأعانه الله.

لقد اقترحوا عليه وقالوا: هل عجزت أنك تكون اعتذرت بأي عذر كما اعتذر المخلفون؟ فقد كان كافيك ذنبك أن استغفر النبي عليه الصلاة والسلام لك. طبعًا هذا يدل على أنهم ما كانوا منتبهين أن هذا الاستغفار إنما كان بناءً على أنهم صادقون لما كان يستغفر لهؤلاء المنافقين الذين اعتذروا، استغفر لهم بناءً على صدقهم. لكن ما داموا كاذبين في اعتذارهم فهذا سيحاسبون عليه عند الله سبحانه وتعالى. وهم يقصدون بـ "ما علمناك" أي ما عرفنا عنك ذنبًا ظاهرًا، وعادةً القبائل هناك يخافون أن ينزل في واحد فيهم آية؛ لأنهم يعتبرونها مثلمة في القبيلة نفسها. فهم جاؤوا يقولون له: نحن ما عرفنا عنك ذنبًا، ونحن خائفون أن هذه المعصية التي فعلتها قد ينزل فيك آية وتظل عارًا علينا، فهم لا علاقة لهم بذنوب الخلوات، لكن ما فيش نقطة عليك، فلماذا تضع على حالك نقطة؟

قال: فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسي. شوف الاستمرار في الخطأ، هذه مشكلة البيئة التي حولك التي أحيانًا تكون أثرها سلبيًا. قال: فما زالوا يؤنبونني، تتخيل أنا تعبان وأنا الآن غلطان وأستنى قضاء الله فيَّ، ممكن كل واحد يرجع لبيته ويريحوني حتى أتمالك نفسي وأجمع قلبي؟ لا، هم ما تركوه، قال: فما زالوا يؤنبونني، وهذا بيحرضني: يا كعب روح اعتذر، روح غير الفكرة، حط لك عذرًا آخر. قال: حتى هممت، ولاحظ كيف أحيانًا بعض الرفقاء قد لا تكون نصيحتهم في مكانها وممكن يخليك تفشل، فلو عاد فانتكس فاعتذر بعذر غير صحيح، ممكن ينجو في الدنيا بس صعب النجاة يوم القيامة. لكن كعب كان متزنًا أكثر وعاقلًا أكثر وهو من عقلاء الصحابة.

يقول: فما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسي، يعني أتكلم بكلام عكس الكلام الذي قلته قبل قليل وأكذب وأقول لا، أنا ترى ما كنت، أنا قلت لك ما عندي عذر، ولو هو فعليًا كان عنده عذر. فكانوا يريدون أن يكذب ما قاله ابتداءً ويأتي بحجة وعذر وهمي يصطنعه. قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم، الآن هو صار يفكر مع قومه بصوت عالٍ. هل لقي هذا معي أحد؟ هل أحد من الصحابة تخلف بدون عذر وفعل كما فعلت وصدق، والنبي صلى الله عليه وسلم قال لهم قوموا حتى يقضي الله فيكم؟ قالوا: نعم. فقال: من؟ قال: لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك.

هذه أحيانًا رحمات من الله سبحانه وتعالى أنك تجد الخطأ الذي وقعت فيه في ناس وقعت فيه، لأن المصيبة تخف لما تشعر أنه في معك أحد سقط فيها، فهذه من رحمة الله بكعب بن مالك أنه ما كان وحده، وهذا يعطيه دفعة معنوية. نحن لا نتمنى المعصية لأحد، لكن أحيانًا سبحان الله تأتي رحمة من الله فيك، وإن كنت لا تحبها لأخيك. فقيل له: نعم. قال: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي. إذًا أصبحوا ثلاثة، مرارة بن الربيع وهلال بن أمية وكعب بن مالك. ثلاثة من خيرة الصحابة لكن صار في ضعف وفتور، وهذا الذي أريد أن أوصله: أن مجتمع الصحابة هو مجتمع بشري إنساني، ما كانوا دائمًا كلهم في نفس المستوى العالي، يحصل فيه ذنوب وأخطاء وإشكالات وفتور، مثله مثل أي مجتمع. لا تتصور المثالية أنه ما كان يصير معاصٍ وذنوب، وأن هذه لا تخرب مثالية المجتمع.

قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا، فيهما أسوة. قال: لما سموا لي الاثنين هذان الرجلان شهدا بدرًا، متخيل يعني كانوا في أصعب المعارك وأحلكها، سبحان الله صار ضعف. قال: فيهما أسوة، يعني قلت أقتدي بهما. لما تفعل موقفًا صحيحًا وتعالج خطأك بصورة صحيحة تصير أنت قدوة لي، لما أنا أخطئ أفعل مثلك. يعني هذه الفكرة التي أعجبتني هنا، أن تصرف مرارة بن الربيع الصحيح وهلال بن أمية الصحيح كان قدوة لمن؟ لأنه هو كما يقولون هلال ومرارة كانوا أكبر من كعب بن مالك سنًا، خاصةً هلال كان رجلًا كبيرًا، فكان قدوة لكعب بن مالك.

شوف أنت دائمًا لما تكون شيخًا أو إمام مسجد أو أي إنسان يكون لك أتباع أو عائلة، لما يشوفوك أنك أخطأت وعالجت الموقف معالجة صحيحة تصبح قدوة للآخرين، وهذا الذي استفاد كعب بن مالك من معالجة هلال بن أمية للموقف، أنه أصبح له قدوة. فأنت دائمًا خليك قدوة في حياتك، حتى لما تخطئ خلي معالجتك للخطأ قدوة، وأن أولادك يتعلموا منك، أنت كأب في بيت أو كأم في منزل، أو كأخ لإخوانك الصغار، أنت ممكن تخطئ، إياك أن تكون قدوة سيئة وتزيد الخطأ خطأً وتصير تعمل مشاكل، لا، اعترف وخليك واضح، أنا غلطت يا عمي وهذه الحقيقة، ولازم الواحد يكون صادقًا، تكون على الأقل صلحت الخطأ بحسنات أتيت بها من مكان آخر.

قال: فمضيت حين ذكروهما لي، مضيت يعني ما راجعت النبي عليه الصلاة والسلام، ثبته الله، أنه يفكر أيضًا بشكل صحيح. قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه. كلمة أيها الثلاثة من باب أسلوب الاختصاص، وهو مش نداء، كأنه يقول: أخص الثلاثة، مثل نحن المسلمين، فـ "المسلمين" مفعول به لفعل محذوف تقديره أخص، وهي من باب التأكيد والاختصاص، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامنا، فكأنه يخص هؤلاء الثلاثة.

نهى عن كلامنا، أقصد الثلاثة، أنا وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع. قال: فاجتنبنا الناس، طبعاً نهى عن كلامهم إلى أن يقضي الله فيهم. صارت وتيرة البلاء تشتد والصراع الداخلي يشتد، كان هو مع قومه في مشكلة وعم بيأنبوه ويفاوضوه، وربنا نجاه من الرجوع والانتكاس. الآن صار في بلاء شديد، بلاء المقاطعة.

فاجتنبنا الناس أو قال: تغيروا لنا، تغيروا لنا يعني اختلفوا علينا في التعامل. قال: حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، يعني كيف تنكرت لي في نفسي الأرض؟ يعني ما عادت الأرض التي أعرفها، ما عاد المجتمع الذي أعرفه. تنكرت لي الأرض، هذا أسلوب إشارة إلى أن البقعة التي أنا فيها بطلت أعرفها، كناية عن شدة الغربة والعزلة التي وقع فيها كعب بن مالك. فهذا معنى تنكرت لي الأرض، كما قال: ﴿نُكِّرَ لَهَا عَرْشُهَا﴾ [النمل: 42]. يعني ما عادت الأرض التي أعرفها ولا العشيرة التي عادةً أكون أتعامل وأمزح وأضحك معهم. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة.

خمسون ليلة تحت هذا العقاب، ليس مشكلة، فليس ضرورياً دائماً لما تعترف تحصل جائزة، لا ممكن تعاقب على الخطأ، لكنك كما حكيت أنت فزت بالصدق. لكن هذا لا يعني إعفاءك، فبعض الأخطاء تحتاج معالجة نفسية وتربوية حتى يذهب الله ما في النفس وما في القلب. قال: فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، اللي هم هلال بن أمية ومرارة بن الربيع، كل واحد جلس في بيته، كانوا كباراً في السن كما قلت، استكانا يعني هدوا وجلسا في بيتهما يبكيان.

قال: وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، هو أكثر واحد شباب فيهم، قال: فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين. يعني ما استسلم كعب بن مالك، وقال: كنت شاباً فأنا ما استسلمت للقرار، فكنت أروح بدي أحضر صلاة الجماعة، أشوف واحداً يحكي معي، واحداً يسلم علي، محاولة مقاومة. وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ شوف سبحان الله، شوف الألم، هو واضح أنه محب صادق للنبي عليه الصلاة والسلام وللمجتمع الذي ينتمي إليه، ولذلك كان يروح يتحركش ويشوف الصحابة، ويروح على النبي عليه الصلاة والسلام بعد الصلاة: السلام عليكم يا رسول الله. وبعدين قال: أجلس وأراقب، حرك شفتيه ولا لا؟ شوف الحرص على لأنه هو أصلاً نفسية سوية سيدنا كعب، هو إنسان صادق صار معه ضعف، بس إنسان صادق ورائع وراقي، وكان يحب النبي صلى الله عليه وسلم، فصعب عليه أن حبيبه يعرض عن سلامه.

قال: ثم أصلي قريباً وأسارقه النظر، صار يصلي بجانب النبي عليه الصلاة والسلام، وأثناء الصلاة أو بعد الصلاة يصبح أن ينظر بطرف عينه، يشوف كيف تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم ستصبح معه، ويريد فقط أي إشارة، إنه في تحسن في العلاقة، إشارة إنه خلص رح نمشي الأمور، ولماذا يقاتل أي مقاتلة؟ بده يحصل أي شيء يرفع معنوياته في خضم هذه العزلة النفسية. قال: فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني. يعني فكأنه النبي عليه الصلاة والسلام يكون جالساً وكعب بن مالك بيصلي عند سارية مثلاً، ويكون يسترق النظر أثناء الصلاة، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، يعني النبي عليه الصلاة والسلام كاشفه. وإذا التفت نحوه أثناء الصلاة وشافني كأني بدي أنظر، أعرض عني وعمل كأنه عليه الصلاة والسلام ليس منتبهاً لي.

هذا صراع محب مع حبيبه، الحرص على إعادة إصلاح العلاقة مع النبي عليه الصلاة والسلام، فما بالك مع علاقتك مع الله؟ هل عندك هذا اللهف إنك تصوب علاقتك مع الله بعد ما أفسدتها؟ هذا كعب يأتي يصلي كل صلاة في المسجد، ويسارق النظر، وبيتعب وعم بيراقب شفاه النبي عليه الصلاة والسلام. أنت تقول لماذا هذا التعب؟ إنه تعب المحب لحبيبه، هل عندك هذا اللهف لإصلاح ما بينك وبينه بعد أن تخطئ وتعصي؟ وتنتظر من الله آية أو علامة، أو يا ربي أعطيني رؤيا أو أي مؤشر إنك قبلت توبتي وإنك سامحتني يا رب. هذا اللهف يجب أن يكون حاضراً في حياة كل مذنب وعاصي.

قال: حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، تسورت أي تسلقت على السور، والحائط هو البستان، بدي أدخل أتكلم مع ابن عمي على الأقل، ممكن يشفق علي ويكلمني. قال: فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ فسكت، فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم. ما أعطاه أي تجاوب، أي تفاعل مع المشهد، وهذا الذي كان كعب بن مالك شاد ظهره فيه، وجد أنه برضه ملتزم بالتعليمات والأوامر ولا يخل منها شيئاً.

هنا الصراع الداخلي أصبح شديداً، أبو قتادة من هؤلاء الأصحاب وكنا مع بعض وعشنا مع بعض، والآن أنت شاكك إني أحب الله ورسوله؟ قال: الله ورسوله أعلم، ما عندي أي إضافة أستطيع أن أعطيها وأساعدك بها الآن. قال: فأفاضت عيناي، هنا بكى كعب بن مالك رضي الله عنه، ولذلك كان الأئمة يبكون عند هذا الحديث حزناً على كعب بن مالك. هو بيتعب وبيروح ويجيء وبده يحاول يحسن العلاقة، ما كان يتوقع أن فتور ساعة سيأتي له بهذه المعاناة، وهذه إخواني ننتبه لها، لأنه أحياناً فتور ساعة معينة قد تكون ضريبتها كبيرة في الحياة، وأحياناً قد تبقى شؤم المعصية مؤثراً عليك لسنة وسنتين وثلاث.

الفرق بين أن يتوب الله عليك من المعصية، وبين أن يذهب عنك عقوبة المعصية، ممكن الله يتوب عليك، لكن من التوبة أن يبقى عليك عقوبة المعصية لسنتين، ممكن. فالله سبحانه وتعالى قد يسامحك ويقبل توبتك، لكن من هذه الأمور أن ما دمت سامحتك بدك تتحمل هذا البلاء لمدة شهر أو سنة أو سنتين. فدائماً تذكر أن معصية ساعة قد تفسد عليك كثيراً في الحياة، من حيث شؤم المعصية وأثرها على حياتك. قال: فأفاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينما أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إليه، حتى جاءني فدفع إلي كتاباً من ملك غسان، وكنت كاتباً فقرأته.

شوف البلاء هنا كيف اشتد كعب، كان ماشياً في سوق المدينة، رجل تاجر من تجار الطعام جاي على سوق المدينة بيسأل وين كعب بن مالك؟ تفضل هذا كتاب من ملك الغساسنة. شوف الإغراء المادي، الدنيا فتحت عليك، وهذا البلاء كما قلت هو بلاء بعد بلاء، عم يمر كعب بن مالك حتى يصفي الله قلبه ويغفر له ذنبه مع هذه البلاءات. يعني لاحظ إنه ربنا بيتوب عليك، بس من التوبة عليك أن يمتحنك بامتحانات حتى تكون هي المطهرة لك، إنك تتجاوز هذه الامتحانات التي كانت نتيجة معصيتك، ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: 79].

قال: فقرأته فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت حين قرأتها: إذًا ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، يعني أنت مش إنسان تهان أو تضيع، وإحنا فزعتك وبنؤويك وتجد عندنا في الشام المكان. طبعاً هم بدهم يستخدموه، يصبح شاعر البلاط الغساسنة، وهذا مشروع تستثمر فيه لأنه ممكن يؤذي الدعوة، لأنه أصلاً زعلان ومستفز من موقف الصحابة وموقف النبي عليه الصلاة والسلام، ممكن لو إيمانه ضعيف ينتكس ويروح على ملك الغساسنة ويعطيه ماله ويصير يهجو أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. كعب بن مالك ما فعل هذا، ما انتكس نفسياً بل حافظ على توازناته.

قال فقلت حين قرأتها، وهذه أيضاً من البلاء، ذكي وواعٍ قال: هذا بلاء آخر وهذا امتحان جديد من الله علي. قال فتيممت بها التنور فسجرتها، تيممت يعني قصدت بها التنور، مكان كانوا يخبزون فيه، وضعتها في التنور وأحرقتها ما بدي إياها. شيخنا ممكن يعني قطع السبيل مش تنضبها على جنب أو كذا، يعني هو ممكن من ناحية بده ما يجعل مجال إنه يفكر النظر فيها مرة أخرى. أحسنت، يعني ولو تركها في البيت كان كل شوي تطلع رسالة في المكتب ويصير الشيطان يفكر، وهذه أحياناً من الأساليب الناجحة، إنه لما يكون عندك شيء خايف إنه يفسدك ويغريك اقطعه أتلفه. والله في صورة معينة لوحدة أنت كنت تعرفت عليها، بيجي الشاب ايش بقولك يا أخي الله حرم وتاب، بحط الصورة وين؟ حاطها في الورق في مكتبته ضابها، يا أخي حرام تخليها، هي شيلها لأنه إذا أنت بتضلك متذكر إنه الصورة موجودة في إمكانية للرجوع إليها أتلف أحرق أزل حتى لو ضعفت، وحاولت إنه أصلاً ما فيش مجال، وهذا من الذكاء في الحلول إنه لما تكون هناك شيء كلما رأيته يمكن يذكرك بالمعصية أتلفه أزله أهلكه تماماً حتى إذا أنت ضعفت وصرت تفكر أصلاً ما تعرفش، مثل رقم الفتاة احذفه، هو ما دام موجود وأنت بتطلع وبترجع.

هو ممكن في يوم من الأيام تضعف، تكون أنت في لحظة ضعف إيماني وترجع تنظر للرقم، طب شو فيها لو حكيت؟ بس لما تكون فقدته ما فيش طريقة تجيبه مرة ثانية. خلص، بتكون أنت لو فكرت أصلاً، ما فيش طريقة، وهذا من معين الإنسان على قطع حبائل الشيطان.

قال: حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي، استلبث الوحي يعني تأخر، ما زال لم يفصل الله فينا. إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها فلا تقربنها. إذاً بعد 40 يوم من الـ 50 ازداد البلاء، وجاءه مبعوث من النبي عليه الصلاة والسلام: اعتزل امرأتك. كعب ما فهمش أطلقها، يعني ولا أرجعها لبيتها فقط فترة محدودة؟ قالوا: لا، مش مطلوب الطلاق الآن، مطلوب فقط اعتزلها فلا تقربنها.

قال: وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، أرسل لهلال بن أمية ومرارة بن الربيع نفس الرسالة. فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. وهذا كله مهم جداً يا إخوان، حتى تثبت ثمار الصدق في حياتك؛ لأنه أحياناً برجع بقولك بعض الناس إذا صدق وشاف إنه الصدق بيجيبله مشاكل، بقولك: أنا ليش بدي أصدق مرة ثانية؟ أنا شو اللي جابرني أصدق وأتبهدل هي البهدلة؟ لا، هنا حتى تثبت إنه صدقك صدق حقيقي نابع من إيمان، هذا الصدق هو الذي يجعلك تتحمل النتائج. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يرفع عليهم البلاء شوي شوي حتى يختبر صدقهم إلى أعلى درجاته، فبعد الـ 40 يوم اعتزلوا نساءكم. الآن كيف تجاوب كعب بن مالك النفسي مع هي القضية؟

قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت له: يا رسول الله، إنه هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم. ضائع يعني ما بيعرف يدبر نفسه، يعني كبير في السن ما بيقدر يدبر أمور حياته الشخصية. قالت: فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا يقربنك. لا يقربنك يعني لا يجامعنك، العشرة الزوجية، قالك اخدميه بس ما تعاشريه، لا تسمحي له بالعشرة. فقالت: إنه والله ما به من حركة إلى شيء. مش فيه حيل يا رسول الله يجامع، ختيار كبير يعني. والله ما به حركة يعني ما في حيل إنه أصلاً يقربني يعني هو رجل كبير مسن.

طبعاً هنا ممكن نقول إنه: والله ما به من حركة إلى شيء، يعني إما أن تفهم إنه هو أصلاً ما بيتحركش نحو الأمور هي يعني ما عادت في ذهنه، أو إنه يفهم إنه من بعد ما صار البلاء خلص هي الأمور ما عادت على ذهنه، قد يكون لا هو قادر على الجماع في الوضع الطبيعي، لكن بسبب هي البلية هو خلاص ما عاد له نفس في شيء. وتعرف الواحد لما يكون مبتلى وتعبان كل الأشياء حتى الطعام والشراب بتبطل تأكل، صح ولا لا؟ بتسكر نفسه عن كل شيء، ويمكن يكون هذا هو المقصود. وهذا اللي بيأكد إنه ممكن يكون هذا: والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، ما زال يبكي.

طبعاً النبي عليه الصلاة والسلام هو غير راغب، يعني لا يحب لأصحابه أن يبكوا وأن يشعروا بالحزن، لكن أحياناً الكي مهم شوي في بعض التصرفات الخاطئة، أنا بكويك مشان مصلحتك حتى ما تكرر الخطأ مرة أخرى في الحياة؛ لأنه إذا أنت ما شعرت بمرارة الخطأ بتعيده. إذا شعرت إنه طلعت الأمور بتنحل بسرعة بروح بعتذر وبحكي الصدق وينزل الله ويعفو عني، هيك عمره ما حد راح يتعلم، عمره ما حد راح يعالج خطأه، لكن لما تعرف إنه لا خطأ في علاج، في ألم، هذا الألم مفيد لأنه بيصهر كثير أشياء.

فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. قال لي بعض أهلي، ممكن مثلاً بنته، أمه، ممكن يعني أحد أقاربه، قالوا: ليش ما استأذنت حتى تضل زوجتك عندك؟ فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب؟ يعني هلال بن أمية رجل كبير، ممكن فعلاً يتحمل وما يكون محتاج كثيراً للجماع والمعاشرة، أما أنا إذا استأذنته وأنا رجل شاب في حيل ومقبل، فما لا أدري كيف سيكون جوابه، ما بديش أنكسف مرة أخرى؛ يعني بيحكي مش حابب أنكسف مرة ثانية وأروح ويقولي لا.

يعني خلص تعب كعب بن مالك. قال: فلبثت بذلك عشرة ليال، الحمد لله ما طولتش الأمور أكثر من كده، قال: فكمل لنا 50 ليلة من حين نهى عن كلامنا. قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح 50 ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، قال: في اليوم الـ 50 بالتحديد صليت صلاة الفجر وحدي على ظهر بيت من بيوت القبيلة. فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا، يقصد الآية: ﴿حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾ [التوبة: 118].

يقول: على الحال اللي ربنا حكاها عنا، فعلاً ضاقت علينا الأرض بما رحبت وضاقط علينا أنفسنا. قال: قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، هي شرحلك إياها. قال: سمعت صوت صارخ أوفى على سلع، يقول بأعلى صوته. سلع جبل في المدينة، وهو اللي كان عنده بداية حفر الخندق في غزوة الأحزاب. فقال: فبينما أنا كذلك فجأة سمعت صوت صارخ، أوفى يعني صعد على جبل سلع ونادى بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر! قال: خلص عرفت فرجت، قال: فخررت ساجداً، وسجود الشكر هذه سنة.

هذه واحد: فكرة حب الصحابة لبعضهم البعض، يعني مجتمع محب لبعضه، يعني إحنا صح انقطعنا 50 سنة بس والله ليس كرهاً فيك وإنما لهناك أمر علوي. لذلك كأنه يعني هذا الصحابي من شدة فرحه لأخيه بتوبة الله عليه ما انتظر إنه يركض لبيته، لا هو طلع على أعلى جبل في المدينة وأعطى صوت صارخ يعني ضرب في كل المدينة إنه يا كعب أبشر. قال: فخررت ساجداً، وهذه المحبة هي التي في سبحان الله يكون فيها الوئام المجتمعي، إنه إحنا نحب بعضنا البعض، حتى لو أنت أخطأت لو أنا أخطأت لا يفضح بعضنا بعضاً، لا يزدري بعضنا بعضاً، لا، مجتمع معترف أنه نحن بشر نحن نخطئ، نحن في أخطاء، بس نحن بنحاول نصلح، بنحاول نتطور، بنحاول نكون أفضل.

وإذا أخوي تاب وأصبح ملتزم أنا أكثر إنسان سعيد بهذه التوبة وبهذا الرجوع، تمام، وهو يكون فرح بتوبتي، أسعد شيء عليه أني أتوب، مش أنتظر سقطات أخي يعني، حتى في الساحة الإسلامية للأسف البعض بتجده أنه هو ينتظر أنه يخطئ الطرف الآخر ويذنب حتى بس تجيبلي عنه معلومة، أعطيني معلومة عنه حتى أفضحه أو شيء، وبتضل هذه المعلومة تقال عن هذا الداعية أو هذا الشاب، يا أخي الله يسامحه أخونا هو مرة غلط، خلص ما غلط، ما تضلك كل ما ذكر المشهد لا ما هو عنده معصية ما هو عنده خطأ ما هو عنده ذنب، هذه نفس غير سوية الذي يذكر إخوانه بمعاصيه ويذكرهم بمخازيهم وأخطائهم، أو كان أخوك أصلاً مش ملتزم وصار شيخ ملتزم، يا أخي بدك تضلك تقول له أنت شو ما كان يعمل؟ هذه مش حل، مش طريقة، لذلك مجتمع الصحابة مجتمع راقي.

قال: فطلع على جبل سلع فصرخ بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. المهم اقرأ، قال: فخررت ساجداً وعرفت أنه قد جاء فرج، فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله عز وجل علينا، أذن يعني أعلم، حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وصاحبي يعني مرارة وهلال، ذهب إليهما مبشرون، وأنا وركض رجل إلي فرساً. قال: وركض رجل إلي فرساً، وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس. إذا الآن في نفس اللي صار في اثنين، الآن النبي عليه الصلاة والسلام صلى الفجر قال للصحابة اللي عنده نزلت توبة الثلاثة، ففي اثنين بدهم يتسابقوا سباق حتى يبشروا كعب بن مالك، أحدهما كان راكب فرس والآخر ما عندوش فرس على رجليه، فاللي ماشي على رجليه قال: إذا أنا بدي أمشي على رجلي راح يسبقني صاحب الفرس، طلعت في ذهنه فكرة أني أطلع على جبل سلع وأصرخ لأكون أنا أول من بشرت، وكان الصوت أسرع من الفرس. فقال لذلك كان الصوت من جبل سلع أوصل لكعب بن مالك من الفرس.

قال: فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته. قال: أول جاء اللي سمعت صوته على الجبل، لما وصل بيتي، وهو صرخ على الجبل بعدين ضله ماشي حتى يوصل لبيت كعب بن مالك، قال: نزعت ثوبي وقلت هذه هدية لك يعني أنت بشرك الله بالخير. قال: والله ما أملك غيرهما يومئذ. سبحان الله يعني أنت كعب بن مالك ما كانش برضه بتفكره صاحب مال كثير، قال: ما كان عندي غيرهم في البيت، قال: واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني أتقصده.

يتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئونني، شوف الحب وشوف الحالة اللي هيك كأنه مهرجان في المدينة على صلاة الفجر، أنه كعب بن مالك ماشي رايح على المسجد النبوي والصحابة أفواج أفواج، وكل واحد في الطريق بشوفني: مبارك يا كعب بن مالك، مبارك توبة الله عليك. والناس بتستقبل واللي بيعانق واللي كذا، هذه المحبة جميلة جداً وبتخلي الإنسان يثبت على الطاعة، بتشعر لو أنا بدي أتوب بس المجتمع بده يضل يعايرني وبده يضل يحكي معي وينظر إلي: هذا بتصير شيخ أنت؟ بتصير أنت بالنسبة إليك قضية، يا أخي لا فكني خلص خليني في حالي. لكن لما يكون المجتمع محتوي، مجتمع محب، مجتمع مقبل، بصير التائب يشعر بقيمة التوبة إلى الله سبحانه وتعالى وقيمة الأخوة الصالحة.

قال: يهنئونني بالتوبة ويقولون لي: لتهنئك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يهرول حتى صافحني وهنأني. قام طلحة، طلحة من المهاجرين، قال: فقام حتى يهرول حتى صافحني وهنأني وبارك لي. طبعاً هو كعب بن مالك من الأنصار، ايش بقول؟ قال: والله ما قام رجل من المهاجرين غيره. قال: والله ما أنا ناسيها لهم، ما عادش قام غيره، ليش بس طلحة بن عبيد الله هو اللي قام؟ باقي المهاجرين ما قاموش. قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة، صارت خلص، يعني كان كل ما حكوا له طلحة قال: طلحة وبس، هو الوحيد اللي قام من المهاجرين، كان لا ينسى هذا الموقف له. هسا عشيرتك أنها تسلم عليك أقاربك هذا معتاد، لكن أنه المهاجرين يعتبروا يعني صنف ثاني، أنه هو يجي عليك ويقبلك وكذا ويكون مسرور بك جداً مع أنه هو ما لهوش رحم معك أو علاقة نسب، هذا يدل على أنه محب لك فعلاً، تشعر أنه هذا الأخ أخ.

قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال وهو يبرق وجهه من السرور. شوف الآن كيف تغيرت معالم الوجه، لما أجا ابتداء يعتذر شو كان وجهه؟ قال: ابتسام المغضب. الآن خلص انتهت القضية.

فابتسم يبرق وجهه من السرور، أعطاه إشارة جديدة ووجهًا جديدًا لانتهاء الأزمة. نعم، قال صلى الله عليه وسلم: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك». هذه أفضل أيام الحياة، هو اليوم الذي تعرف أن الله تاب عليك فيه. أحيانًا نحن نفرح بيوم تعين فيه في تخصص، أو يظهر لك شهادة جامعية أو توجيهي أو يوم كذا، مع أنه نكون في هذا اليوم نعصي الله. بالنسبة لبعض الناس أحلى يوم جاءه منذ ولدته أمه هو يوم زواجه، ليلة الدخلة، مع أنه عصى الله فيه، مع أنه عصى الله فيه؛ كان عامل عرسًا مختلطًا أو أغاني وموسيقى والدنيا، والله المستعان. هذا ما هو يوم سعيد ترى، اليوم السعيد هو اليوم الذي تعلم فيه أن الله رضي عنك؛ هذا هو أجمل يوم في حياتك.

نعم، فقلت: أمن عندك يا رسول الله، أم من عند الله؟ قال: هذا، هذه السعادة وهذه التوبة، أنت من عندك ولا ربنا عز وجل قال لك عني أنه أنا تبت علي؟ وبده يعرف أنه أنا ذكرت عند الله أنه فلان رضيت عنه. نعم، قال: لا بل من عند الله عز وجل. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُر استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه. يعني حتى النبي عليه الصلاة والسلام مسرور لسرور أصحابه؛ إذا ذاك البلاء الذي وضعهم فيه هو عتاب المحب على حبيبه، ومداواة الأب لابنه، وليس هدفه الشقاء ولا العناء لهم.

نعم، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. هذا نذر، يعني نذر على نفسه أنه يا رسول الله نذر علي بسبب هذه التوبة التي ربنا أنزلها أن أنخلع من مالي، أتصدق بكل مالي لله ولرسوله. طبعًا هنا قال: «أمسك عليك بعض مالك»؛ لأنه هذا التصرف خاطئ، هذا نذر بهذه الطريقة مش صحيح، فعلمه أنه ما بينفع؛ لأنه أنت في النهاية عندك أبناء، عندك عائلة، عندك زوجة، قال: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك».

نعم، فقلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر. سهمي الذي بخيبر، بتعرف لما فتحت خيبر كعب بن مالك كان مشاركًا في فتح خيبر وكان له غنيمة فيها قطعة أرض سهم، فقال: سهمي لقطعة الأرض التي طلعت لي، حصة من خيبر، هذا الذي سأمسكه لنفسي ولعائلتي والباقي سيكون لله ولرسوله. نعم، وقلت: يا رسول الله إن الله تعالى إنما أنجاني بالصدق. إذا شايف كعب بن مالك فهم، وصلت الرسالة، قال: ربنا أنجاني بالصدق، أني صدقت ابتداءً ففرجها علي انتهاءً.

نعم، قال: وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقًا ما بقيت. فوالله ما علمت أحدًا من المسلمين أبلاه الله تعالى في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاه الله تعالى. ايش يعني؟ أنا أصبحت إنسان محافظ على صدق الحديث تمامًا، قال: ما دام الله نجاني بالصدق سأترجم هذه النعمة أنني لن أكذب أبدًا في حياتي أي كذبة، لا في شيء صغير حقير ولا في شيء كبير. فيقول: فما أعلم أحدًا أبلاه، يعني أنعم الله عليه بالصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، أعظم مما أعطاني هذه النعمة.

كان يلاحظ في نفسه، ولاحظ أنه هذا العهد برضه الذي قطعه مع الله ما نقضه، يعني هو فعلًا قال عهد علي أني ما أكذب أبدًا في حياتي والتزم. أنه بعض في لحظات الحماس خلص الحمد لله ووعد راح أعمل كذا، بتلاقيه اليوم الثاني سقط تمامًا؛ وعد ما أشوف كذا، ما أصير أعمل كذا، ما أصير، لا بدك تكون رجل دائمًا، ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34]. لا تعطيه عهود لله بالمجان، يعني لا بدك تعرف أن العهد مسؤول، فلذلك كن رجلًا كما كان الصحابة رجالًا.

نعم، قال: والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت. وهذا يدل على أن الإنسان لا يثق بنفسه، مش أنا شاطر وأنا صليت 20 سنة وموافق كذا بعد العهد، ماشي بس أنت ضلك كمان عمر لسه ما متت، ممكن تخرم، فدعا الله أن يثبته الله على هذه الخصلة وهي الصدق.

نعم، قال: فأنزل الله تعالى ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: 117] حتى بلغ ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: 117-118] حتى بلغ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]. قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم من نفسي من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أكون كذبت.

وسبحان الله، البعض ذكر معنى جميل: لماذا قبل ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ حتى إذا ضاقت، قبل ما يجيب توبة الثلاثة، لماذا قال في الآية التي قبلها ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ﴾؟ مع أن النبي عليه الصلاة والسلام ما أخطأ في غزوة تبوك، والمهاجرين والأنصار اللي طلعوا ما أخطأوا، لماذا قال لقد تاب الله على النبي؟ بعدين ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. صح مش هيك ترتيب الآيات؟ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار، ثم في الآية التي بعدها وعلى الثلاثة الذين خلفوا.

يعني هو معنى لطيف ذكره البعض قالوا: حتى لا يشعر هؤلاء الثلاثة بالوحشة، حتى لا يشعروا أنهم الوحيدون المذكورون بالقرآن أنه ربنا تاب علينا احنا، احنا الغلط فينا. قال: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار، وعليكم أنتم الثلاثة، فكأن ذكركم جاء تبعًا. مش أني أنا بدي أركز عليكم الثلاثة وكأنه ما في أي مشاكل أخرى في المجتمع، فلما أنت تذكر كـ ثلاثة ضمن مجتمع كامل ربنا تاب على المجتمع كلياته حتى على النبي والمهاجرين والأنصار، وعليكم برضه تاب، هون أنت ما بتشعر بالإحراج.

فلما أنت تقرأ، وكعب بن مالك رح يظل يقرأ القرآن، فما بيشعر بالإحراج أنه لقد تاب الله على الثلاثة، في كل سورة التوبة ما في غير وعلى لقد تاب الله على الثلاثة، فبينسى يشعر أنه في الكاميرا مركزة عليكم، لكن لما تذكروا تبعًا بتهون عليك أنه لقد تاب الله على النبي كمان، يعني لقد تاب الله على النبي مش بس علينا احنا الثلاثة، لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار، واحنا مذكورين تبعًا لفراد قصتنا مش أكثر من كذا. فهذا نوع من التقبل، نوع من التلطف مع هؤلاء الثلاثة.

نعم، قال كعب: والله ما أنعم الله علي بنعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم من نفسي من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا. إن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي، حين أنزل الوحي، شرا ما قال لأحد، ايش قال؟ ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 95]، يعني إذا رجعتم إلى المدينة ﴿لِّتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ۖ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: 95]. ربنا قال للنبي عليه الصلاة والسلام أعرض عن هؤلاء المنافقين المخلفين، ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ ۖ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: 95]. تخيل لو أن كعب بن مالك كذب، لكان موصوفًا بأنه رجس.

يقولك أنا نجوت بجلدي، ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ۖ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 96]، أيضًا سماهم فاسقين. طب أيهما أحسن أنك تذكر في القرآن أنه تاب الله عليك، ولا تذكر أنك رجس؟ يعني هيك كعب بن مالك عم يحسبها، لا والله ما أجملها أن الله يخبر بتوبته علي.

قال كعب: كنا خُلِّفنا أيها الثلاثة، هذا نفس الشيء، أسلوب اختصاص، عن أمر أولئك الذين قُبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له. هسا اللي حلفوا له الثمانون الذين حلفوا له هدول خلص انتهى أمرهم وذهب ملفهم إلى الله رب العالمين، هدول بايعهم واستغفر لهم وانتهى، لكن نحن خُلفنا، أنا ومرارة وهلال، خُلفنا. ايش يعني التخلف هنا خُلفنا؟ يعني خُلف إصدار قرار فينا. مش قال له قُم حتى يقضي الله فيك؟ فهذا معنى التخلف، ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾، مش خُلفوا يعني تخلفوا عن الغزوة، لا، خُلفوا يعني أُخِّر إصدار قرار فيهم، هذا معنى خُلفوا، خُلف إصدار القرار فينا.

قال: وأرجأ النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله تعالى فيه بذلك، فقال الله ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾، وليس الذي ذكر مما خُلفنا تخلفنا عن الغزو. يعني كعب فاهم أنه في ناس رح تفهم الآية غلط، كعب بن مالك عم يصلح لك فهمك للآية، بيقولك احنا الثلاثة الذين خُلفنا مش معنى الآية خُلفوا يعني تخلفوا عن الغزوة، لا، خُلفوا يعني تأخر إصدار قرار فيهم، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه. فاللي حلف واعتذر له الكاذبين مشى أمورهم بسرعة لأنه ملفهم عند الله انتهوا هؤلاء، وأما نحن فأخَّر إصدار القرار فينا فقبل منه، هذا قيل له عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه، هي متفق عليه.

وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة تبوك يوم الخميس، وهذا من سنته أنه كان يستحب أن يخرج يوم الخميس، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس، وفي رواية وكان لا يقدم من سفر إلا نهارًا في الضحى، وهذا كان عادته، إذا وصل ليلًا كان لا يطرق ليلًا حتى يأتي النهار، تمام؟ وكان لا يقدم من سفر إلا نهارًا يعني نعم، كان يحب أن يدخل المدينة نهارًا في الضحى حتى لا يفاجئ أهله ليلًا، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم جلس فيه كما ذكرنا.

الحقيقة الحديث يعني مليء بالعبر، مليء بالأحكام، مليء بالفوائد، مليء أيضًا بالأمور النفسية والشخصية، وكيف الإنسان يحسن التعامل مع ملف الخطأ في الحياة ولا يعتبر الخطأ نهاية كل شيء. كعب بن مالك ما اعتبر الخطأ نهاية كل شيء، بل اعتبره نقطة في التطور، نقطة في أنه يصبح أفضل، أنه خلص أنا اكتسبت خبرة من هذا الخطأ. ايش هي؟ أنه الصدق منجاة، اكتساب الفوائد من الأخطاء، أنه أنا بأخطأ، ماشي أخطأت، ربنا إن شاء الله بيسامح إذا أنا أحسنت، لكن أستفيد من خطأي وأترجمه إلى نجاحات، وأكتسب خصالًا جديدة. أنا اكتسبت خصلة، فيقول ما أعلم أحد ربنا أنعم عليه بالصدق زي ما أنعم علي، إذا أنا ممكن بعد الخطأ كما يقول ابن القيم والأئمة تصبح أفضل من حالك قبل الخطأ، ممكن بعد الخطأ تصبح أفضل من حالك قبل الخطأ بس إذا تم معالجة الخطأ معالجة صحيحة.

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا العلم النافع يا أرحم الراحمين، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.