الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس التعليق على هذا السفر المبارك، كتاب رياض الصالحين للإمام النووي عليه رحمة الله، والتعليق على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. هذه الأحاديث التي تشكل الشق الثاني من الوحي الإلهي، والتي فيها التفاصيل والإرشادات والتنبيهات التي أراد الله سبحانه وتعالى أن نعرفها على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم. هذا الكتاب كما قلنا دوماً هو من أنفع الكتب حقيقةً؛ لأن فيه انتقاءات، انتقى الأحاديث التي يحتاجها الصالحون، ومن يبحث عن الصلاح، لذلك سماها رياض الصالحين، هي رياض وبساتين وأفكار فيها شيء من الأخلاقيات، وأعمال القلوب، وأعمال الظاهر، والآداب، والأحكام التي يحسن بالمؤمن أن يقف عليها وأن يتخلق بها في حياته.
وما زلنا نعيش مع أعمال القلوب، تكلمنا في الباب الأول عن موضوع الإخلاص والصدق، الصدق هو سيضع له باباً منفصلاً وسنعرف الفرق بينه وبين الإخلاص، لأنه أحياناً يطلق الصدق بمعنى الإخلاص، وأحياناً يطلق الصدق بمعنى مباين للإخلاص نوعاً ما. النووي عليه رحمة الله بوب باباً للإخلاص والنية، وبوب باباً للصدق، وبالتالي هو فرق بين المفهومين. إذا بدأنا بباب الإخلاص ثم انتقلنا إلى باب التوبة، وهناك بعض الأحاديث التي أخذت منا مساحة، خاصة حديث قصة توبة كعب بن مالك رضي الله عنه، عشنا في أفيائها يومين كاملين. اليوم وصلنا إلى حديث أبي نجيد عمران بن الحسين رضي الله تعالى عنه.
وعن أبي نجيد -بضم النون وفتح الجيم- عمران بن الحسين الخزاعي رضي الله عنهما، عمران بن الحسين رضي الله عنه يقول إنه أسلم عام خيبر، فهو من تأخر إسلامه، وكان من فقهاء الصحابة. هو من الفقهاء حقيقةً، وربنا عز وجل فتح عليه في باب الفقه، وابتلي بلاءً شديداً في بدنه، فقالوا إنه استسقى بطنه، يعني أصيب بالإسهال الشديد، وكان عنده مشاكل في الأمعاء أو المعدة حتى إنهم اضطروا أن يشقوا بطنه ويخرجوا شيئاً من شحمه، نحن اليوم بنسميها عملية شفط دهون أو شيء من ذلك، لكن قديماً ما بعرف كيف كانت تمارس القضية، ثم أصبح طريح الفراش لمدة ثلاثين سنة.
لمدة ثلاثين سنة كان لا يستطيع أن يقوم من الفراش، ابتلي بلاءً شديداً في بدنه، حتى إن بعض الناس كان يقول له: إني لأود أن أعودك في مرضك فأخشى أن أعودك لما أرى بك من البأساء. أخشى أن أعودك لأني أراك على هذه الحالة المتعبة المنهكة فأحزنك بدل من أن أخفف عنك. فكان عمران مثالاً على الراضي بقضاء الله وقدره، كان يقول: إني أحب ما أحبه الله لي، ما دام ربنا اختار لي هذا المرض فالحمد لله عليه. فقالوا إنه كان طريح الفراش لمدة ثلاثين عاماً، ابتلي بأمراض شديدة في بدنه وأمعائه وما شابه ذلك رضي الله عنه، لكنه كان كما قلنا من المحدثين على الطاعة ومن فقهاء الصحابة رضوان الله تعالى عليه.
قال: أن امرأة من جهينة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا. في بعض الروايات أنها امرأة من غامد، غامدية، وهنا قال من جهينة، والجمع بين الروايات أن غامد قالوا هو بطن من بطون جهينة، جهينة تحتها بطون وأفخاذ منها غامد، فلذلك أحياناً يقول لك البعض قصة الغامدية التي زنت، والبعض يقول لك قصة الجهنية، هل هذه قصة تختلف عن هذه؟ الأصوب أنها لا، هي نفس القصة، وأنها في بعض الروايات ذكرت باسم العشيرة الكبيرة وفي بعض الروايات ذكرت باسم الفخذ الذي تنتمي إليه، فالغامدية هي نفسها الجهنية، وغامد بطن من بطون جهينة.
هذه امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم وكانت حاملاً من الزنا، لماذا أتت النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: يا رسول الله أصبت حداً فأقمه علي. هذه امرأة أتت لتتوب، ولذلك ذكر الحديث في باب التوبة، امرأة صادقة مع ربها، تشعر بحرارة الألم، حرارة الذنب، حرارة المعصية جلدتها من الداخل لدرجة أنها لم تطق حتى أن تستر على نفسها. الإنسان الذي يقع في فاحشة ماذا ننصحه؟ استر على نفسك ولا تتعرض للسلطان، إذا واحد وقع في زنا أو وقع في سرقة أو شيء، بالعكس، الإسلام يقول لك: استر على نفسك وتب إلى الله بينك وبين الله، ولعل الله أن يتوب عليك ولا تتعرض للسلطان؛ خاصة في الجرائم التي فيها عقوبات حدية، لأنها إذا بلغت السلطان لا يسع السلطان إلا أن يقيم عليك الحد.
فهذه المرأة من شدة احتراقها من داخلها على الذنب الذي فعلته، ما أطاقت حتى أن تستر على نفسها، والمراه لما تتكلم أنها فعلت فاحشة هذه صعبة؛ لأنه هي تتكلم عن نفسها وقد يكون لها تأثير على العشيرة، وتفضح نفسها، وبالتالي حتى عائلتك ممكن تستنكر عليها وتقول: أنت فضحتين، طب كان سترتي على نفسك. لكن هذا يعطيك صدق هذه المرأة من الداخل، أنه كم هي متألمة ومحترقة. أين هذا الألم في كثير من العصاة والمذنبين؟ شخص فينا قد يفعل الذنب مرة ومرتين وثلاث وأربع وخمس ولا يشعر إلا بإحسان، وقد يشعر بالألم دقائق أو يوماً، يكون منكد لأنه فعل ذنباً، بعدين بينسى وكأنه لم يفعل شيئاً، ثم يعود للذنب مرة أخرى فيشعر بشيء من الألم لمدة ساعات أو يومين، ثم بعد ذلك ينسى.
هذه المرأة لم تنسَ، بقيت متألمة من الداخل حتى أنها أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن بلغ السيل الزبى، يا رسول الله أصبت حداً فأقمه علي، مش قادرة، أريدك أن تطبق علي الحد. طبعاً هذه كانت متزوجة، هي عارفة الحد يعني الرجم حتى الموت، يا رسول الله أقم علي الحد وأرحني من هذه الخطيئة؛ لأنها تعلم أنه من أقيم عليه الحد في الدنيا لم يعاقب على المعصية يوم القيامة، وهذا جاء في حديث عبادة بن الصامت أنه من ارتكب شيئاً من هذه الموبقات فعوقب عليها في الدنيا لم يعاقب عليها في الآخرة.
فهي هذا بعد آخر، أنها هي تخشى الله وخائفة أن تلقى الله سبحانه وتعالى ولم يغفر لها خطيئتها، فتقول: يا رسول الله أعاقب في الدنيا وأتحمل كل عقابي وأخرج متيقنة لأنني تطهرت، أفضل من أن أجيء يوم القيامة، حتى لو أنا تبت شخصياً بيني وبين الله بالسر، أنا مش ضامنة أنها تكون توبتي صادقة؛ لعلي خادعت نفسي فيها. لأنه ممكن واحد يقول لك طيب هي لو تابت في السر مش ممكن ربنا يتوب عليها؟ أكيد ممكن، لكن هي خلاص بدها تروح على المضمون زي ما بيحكوا، بدها تيجي يوم القيامة على اليقين المضمون، أنني عوقبت في الدنيا على هذا الذنب لئلا أعاقب في نار جهنم. إذاً استحياء من الله وخوف من لقاء الله سبحانه جعلت هذه المرأة تجود بنفسها وتقدم نفسها ليقام عليها الحد.
النبي عليه الصلاة والسلام كيف عاملها؟ قال: فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها، فقال: أحسن إليها فإذا وضعت فأتني. الآن النبي عليه الصلاة والسلام رفعت إليه القضية بالإقرار، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال لوليها سواء والدها أو المسؤول عنها، نحن ما بنعرف مين هو الولي هنا، قال: أحسن إليها، يعني عاملها معاملة حسنة فإذا وضعت فأتني بها. لماذا لم يقم علي الحد مباشرة؟ لأنه في الشريعة الإسلامية إذا كانت المرأة التي زنت حملت من الزنا لا يجوز إقامة الحد عليها حتى تلد؛ لأننا ما بنعاقب الجنين الذي في البطن حتى لو كان بطريقة غير شرعية، ففي الإسلام المرأة الزانية إذا حملت من الزنا لا يقام عليها الحد، ويؤجل إقامة الحد حتى يتم وضع الحمل لأن لا يعاقب الجنين الذي ليس له علاقة.
فقال للولي: أحسن إليها، ولاحظ أنه قال له: أحسن إليها؛ لأنه عادة الولي هنا يمكن أن يتسلط على هذه المرأة ويقول: أنت فضحتينا يا بنت الناس، أنت شحرت فينا، أنت الآن ليش ما سترتي علينا؟ أو يمكن يؤذيها، نحن للأسف طبعاً الإنسان يسوءه أنه ابنته أو إحدى ولياته تفعل خطأً أو تقع في علاقة محرمة، لكن للأسف من بعض الجاهليات الموجودة في المجتمع أنه الأب يقتل الفتاة إذا فعلت حراماً أو يريد أن يمسح العار عن نفسه، فإذا به يفعل جريمة، وهذا ليس من حقك، هي نفس بشرية ضعفت وعصت وأذنبت، وإحنا عارفين أنها صعبة، لكن الإسلام بده يأمرك أنك تلتزم بالحد الشرعي في المعاقبة، وأن العقاب إذا كان في حد للسلطات الشرعية، مش الأب يقيم الحد، أنت ممكن تعزر، ممكن تصوب، لكن بعض الجاهليات اللي تقتل البنت وتذبح البنت وتؤذي البنت وتنهيها بحجة غسل العار هذا ليس من الإسلام في شيء.
فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال للولي: أحسن إليها، يعني حتى يذكروه أنها هي خلاص الآن ارتفعت للقضاء الشرعي، فأنت لا تؤذيها، لا تظلك تقول لها فضحتينا وآذيتنا، خلص أخطأت وجاءت تائبة معترفة، فلملم جراحها وأحسن إليها، فإذا وضعت ما في بطنها فأتني. والعلماء دائماً يقولون هنا لو أن الذي فعل الزنا واعترف لو لم يعد إلى السلطان، السلطان ما بيلاحق وراءه، جاء جاء، ما جاء يروح، يعني أنا كحاكم مش بظلني أحسب، بجيب شرطي بخليه يراقب وضعت ما وضعت، لا روح تأكد إذا وضعت لا، نحن ما بدنا نقيم الحد ما وجدنا لذلك سبيلاً، فإذا وجب سنقيمه. فلذلك يقولون لو أنها لم تأتِ وذهبت في الأرض لما لحقها النبي عليه الصلاة والسلام ولا ما سأل عنها ولن يجعل وراءها أحداً يبحث؛ لأننا ندرأ الحد ما وجدنا لذلك مخرجاً، وهذه معها فرصة، إذا معها فرصة تسعة أشهر أنها تختفي وتراجع نفسها، أنه خلص ما بدي أرجع مرة ثانية، بتعرف الواحد بعد شهرين بينسى ذنبه. هذه المرأة تسعة أشهر وضعت حملها ومع ذلك لم تنسَ ذنبها، وبقيت تشعر بحرارة الذنب، وليس فقط هكذا.
أكمل قال: ففعل، فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها. في رواية أخرى قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه. جاء في رواية أخرى أنه ما اكتفى فقط بوضع الحمل، قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فذهبت والفطام ممكن نجلس سنة ونصف إلى سنتين، فذهبت فأرضعت، فجاءت بالطفل وفي يده كسرة خبز، إشارة إلى أنه فطم وما عاد يشرب اللبن. طب لاحظ إذاً كمان سنة ونصف أجلها النبي عليه الصلاة والسلام حتى تفطمه وترضعه ولا يحتاج إلى اللبن، خلال سنة ونصف ما تغيرت مشاعرها، ما نسيت خطيئتها، ما قالت خلاص يا عمي ذنب عملته وإن شاء الله الزمان بطويه، وهي النبي عليه الصلاة والسلام أعطاني فرصة وفرصتين خليني أظلني مضبضة نفسي وأختفي عن أعين الناس وربنا بيغفر لي، إن الله يغفر الذنوب جميعاً وبعمل حجة، زي البعض يقول لك بعمل حجتين وأخرج من ذنوبي وولدتني أمي وانتهت، بقيت تشعر بحرارة الذنب، وهذا هو الملحظ الذي سينبه النبي صلى الله عليه وسلم عليه الصحابة في فضيلة هذه. استمرارية الشعور بحرارة المعصية اللي خلتها رغم طول مدة تأجيلها ترجع تذهب ثم تعود.
قال: هنا في هذه الرواية يقتصر على قضية أنها فقط ولدته، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء الولي بها قال: فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها، معنى أنه تم إيثاق الثياب عليها وربطها تماماً، يعني الثياب؛ لأنه الآن هي ستوضع في حفرة وسترجم حتى الموت، وهذا شيء طبيعي أنها ستتقلب ستتألم، هذه صخور تنزل عليك، وسيخرج بعض الدم، فبالتالي لا يراد لها أن تتكشف، أو تبال عورتها أو بدنها، فهذه السنة التي تفعل بالتي ترجم أن يشد عليها الثياب تماماً، ويوضع عليها من الأعلى إلى الأسفل، يعني مثل الزنانير أو شيء من الحبال التي يراد منها توثيق وضبطة الثياب حتى نستر عليها ولا تتكشف، إذاً فشدت عليها ثيابها وأحكمت.
ثم قال: ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها. ثم أمر بها خلص رجمت المرأة رضي الله عنها، ثم صلى عليها، هو صلى الله عليه وسلم صلى بنفسه عليها. فهنا عمر استفسر فقال له: تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت؟ عليه الصلاة والسلام، فعمر رضي الله عنه كانه يستفهم، يا رسول الله العادة أن أصحاب الكبائر وأصحاب الأفعال الشنيعة لا يصلي عليهم أهل الخير والصلاح الكبار، يعني من مات مثلاً منتحراً، من مات منتحراً لا يصلي عليه أهل الخير والصلاح، يصلي عليه باقي المسلمين؛ لئلا يفعل، تنبيهاً للناس ألا يفعلوا مثل فعله، فكثير من المعاصي كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا مات الرجل في معصية لا يصلي عليه ويترك عوام الناس يصلون عليه تعزيراً. فهنا عمر يقول يا رسول الله هذه زنت، مع أنها متزوجة وهي جريمة كبرى تعتبر في الإسلام وأنت أمرت برجمها، لكني رأيتك بعد ذلك صليت عليها، فماذا قال عليه الصلاة والسلام؟
قال صلى الله عليه وسلم: «لقد تابت توبة لو».
لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم. وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى؟ فهنا النبي عليه الصلاة والسلام يعطيه هذا الملحظ، يقول: هذه المرأة يا عمر صادقة. الإنسان يضعف، لكن أن يستيقظ بعد الضعف وينتبه ويبقى شاعراً بحرارة ذنبه وخائفاً من ربه، هذا الشيء عالٍ جداً، والله سبحانه وتعالى يشكر للإنسان.
ولذلك يقول: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين عاصٍ من أهل المدينة لوسعتهم. أيش هذه التوبة العظيمة التي وقرت في قلب هذه المرأة؟ تخيل أنك تتوب توبة أقول لك والله تكفي سبعين فاجراً. معناتها وقر في قلبها من الخوف من الله الشيء الهائل الكبير الذي جعل النبي عليه الصلاة والسلام يصلي عليها مع أنها رجمت، ويرى الصحابة تقديراً لهذه المرأة وحفظ هذا الصنيع، وأنه كيف أن الإنسان فعلاً تصل فيه المرحلة أن يجود بنفسه. قال: وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها؟ أي بذلت نفسها لله، أنها رضيت أن يقام عليها الحد باختيارها وطوعها، هي التي جاءت وهي التي ترجع. هل وجدت أفضل من أنها اختارت أن تموت بهذه القتلة المؤلمة المتعبة إرضاءً لله سبحانه وتعالى؟ هذا يدل على ماذا؟ على أن هناك خوفاً وخشية.
ولذلك كما يقول العلماء إن الإنسان بعد المعصية قد يعود إلى مرتبة أعلى في الإيمان من المرتبة التي كانت قبل أن يقع في المعصية. ممكن أنت ما وقعت في كبيرة فتظن أنك في أعلى درجات الإيمان، فتأتي الكبيرة فتكسرك قليلاً فتحدث توبة. هذا الألم، ألم التوبة والخوف من الله يجعلك بعد المعصية أفضل من حالك قبل المعصية. فبعض المعاصي قد تكون صح هي معصية ما يحبها الإنسان ولا يريدها الله شرعاً، لكن قد تحصل معك بعض المعاصي فتكون نقطة إيجابية من جهة أنها أورثتك قرباً من الله أكثر وأكثر، وجعلتك تخشى من الله أكثر وأكثر، وأورثتك خوفاً منه أكثر وأكثر. فلذلك قد تقدر عليك بعض المعاصي وأنت تحسن توظيف التوبة منها لتزداد قرباً من الله، ولولا هذه المعصية لما وصلت إلى هذه المرتبة من القرب.
فكما قال ابن القيم في الداء والدواء إن أحوال الناس مع المعاصي ثلاثة: إنسان يقع في معصية فيكون حاله بعد المعصية أدنى من حاله قبل أن يفعلها. في إنسان من طلاب العلم، من أهل الخير، يقع في معصية معينة ولا يحسن التوبة منها، فيبقى حاله بعد المعصية أدنى من حاله قبل أن يفعلها. وهناك إنسان يفعل معصية فيكون بعد المعصية حال إيمانه كحاله قبل المعصية، ليس أقل ولا أكثر، رجع لنفس المرتبة بعد التوبة، تاب بس رجع لنفس المرتبة. وهناك إنسان لا، بالعكس، بعد المعصية أصبح حاله أفضل وأقرب عند الله منها قبل المعصية؛ بسبب حسن توبته وصدق لجوئه وكثرة الألم وجلد الذات الذي أصابه، لكن هذا جلد ذات إيجابي.
لاحظوا في بعضهم عنده جلد ذات يجعله ينتكس أكثر وأكثر، يقول لك: أنا مش نافع للدين، أنا يا أخي شفت أنا عصيت هذه المعصية وأنا واضح إني إنسان ما بضبط أكون في بيئات الالتزام والتدين. فهناك جلد ذات سلبي يجعلك تتتابع في المعاصي وتفقد السيطرة، هذا ما بدنا إياه، هذا غلط وهذا من الشيطان. لذلك الشيطان يقولون اللحظة التي يستغلها الشيطان هي اللحظة أو الشعور الذي يصيبك بعد المعصية. الشيطان بيشتغل على الشعور الذي يصيبك بعد المعصية وبوقعك فيها، بعدين بيشتغل على مشاعرك بعدها، حاول يستغل وقوعك في الفخ أنه يعطيك كل الوساوس، أنه ربنا ما راح يغفر لك، أنه أنت إنسان مش صادق، أنك إنسان مش جاد، أنك إنسان لا تصلح ببيئات التدين والالتزام، أنك منافق، أنت بتظهر للناس شيئاً لكنك في الباطن والخلوات شيء آخر. حاول يشتغل على هذه اللحظة، شغل شغل حتى يجعلك تنهار. استهوته الشياطين كما حكينا في سورة الأنعام، حاول يهوي بك ويقيدك ليقع فيك في الأرض.
فأنت بدك تكون حذراً من المشاعر التي تمر بها بعد المعصية. الألم مطلوب والندم مطلوب، بس إياك أن الشيطان يضحك عليك ويشعرك أنه ما في مجال للتوبة، ما في مجال للإصلاح. كل معصية تقبل التوبة، وكل معصية في مجال بعدها، ولازم تحاول ولازم تتوب، والتوبة واجبة كما قلنا، ولازم ترجع تصلح لأنه ما عندك خيار آخر. الخيار الآخر هو أن تقع في الأرض وتتعثر ويزداد بعدك من الله أكثر وأكثر، وأنت الخسران في هذه الحالة. احذر من المشاعر بعد المعصية أن تكون مشاعر سلبية، خليها مشاعر ندم، لكنه الندم الذي يورث التوبة وصلاح النفس.
قال وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن لابن آدم وادياً من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» متفق عليه.
حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وترجمان القرآن وأحد فقهاء الصحابة ومفسريه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن لابن آدم وادياً من ذهب أحب أن يكون له واديان». هذا الحديث يرسم لك حياة الإنسان الحرص على الدنيا والجشع، وأنه كيف يظل الإنسان يحب المال ويحب الدنيا ويلهث وراءها حتى يفقد توازناته. يقول: لو أن لابن آدم وادياً من ذهب أحب أن يكون له واديان، وتُحبون المال حباً جماً. «ولن يملأ فاه إلا التراب». وهذا يعطيك صورة الإنسان الذي غرته الحياة الدنيا، يبقى ما بيشبع من المال، يطلب ويطلب الكثرة. قالوا: ولن يشبعه إلا التراب. أيش يعني التراب؟ قال: «ولن يملأ فاه إلا التراب»، يعني يبقى يلهث خلف الدنيا حتى يقع في حفرة قبره، فالشيء الوحيد الذي سيدخل في فمه عندئذ هو تراب قبره. يعطيك صورة الإنسان الذي تعلق بالدنيا، عبد الدينار وعبد الدرهم الذي يلهث، وإذا فتح مشروعاً بده مشروعاً ثانياً، وهذا إشارة إلى الإنسان الذي الدنيا في قلبه.
هل يعني بعض الناس ممكن يأخذ من هذا أن الدنيا مش مطلوب تسعى وراءها وأن تبني مشاريعك وتعمل اقتصاداً؟ هذا خطأ، الكلام عن أن في طبع الإنسان الحرص على الدنيا. الآن أن الدنيا تكون في يدك وتشتغل فيها وتعمرها بالخير ولكنك لم تجعلها تؤثر على آخرتك وعلاقتك مع الله، أنا ما عندي مشكلة في ذلك. بل عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان والزبير بن العوام، كل هؤلاء كانوا من الاقتصاديين الذين نمرة واحد زي ما بيقولوا، معهم ملايين ولكنه في النهاية هذا مات شهيداً وهذا مات في معركة، وما كانت الدنيا أكبر همهم. لكن الكلام هنا عن صفة الإنسان الشره على الدنيا، الذي يلحق وراءها، الذي خائف، الذي يظل يفكر في المال صبحاً مساءً ويقصر في أمور دينه وفي ازدياده وصلاحه، فهذا الذي يذمه هذا الحديث. ويقول: «ولن يملأ فاه إلا التراب»، آخرتك تسقط في حفرة قبرك على الستين أو السبعين إذا عشت، وستجد أنك ما أخذت من كل هذه الوديان من ذهب إلا تراباً ملأ فاك. مسكين الإنسان والله مسكين، يبقى طول عمره يحرث وراء المال، آخر شيء كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة الحدباء محمول. تلاقيه بكره محمول على كفن وعلى هذه الآلة الحدباء تبعت الموتى، ويوضع في قبره، ومن لم يأخذ من كل سياراته وقصوره وأمواله ومشاريعه التي عاش من أجلها لم يأخذ ديناراً واحداً، أخذ الكفن الذي سعره خمسة دنانير. وهذا الكفن سيبلى في قبره، ولن يكون إلا عبارة عن جمجمة وهيكل عظمي عليه التراب، «ولن يملأ فاه إلا التراب».
طيب أيش المطلوب؟ «ويتوب الله على من تاب». أيش يعني؟ يعني تتوب من هذا الحرص على الدنيا. إذا وجدت نفسك تميل إلى الدنيا وشحيحة وحريصة، قبل أن تموت تب إلى الله، ربنا بيقبل توبتك. «ويتوب الله على من تاب»، على من تاب من إيه؟ من هذا الحرص، ومن هذا التعلق، ومن هذا التشبث. فإذا أنت جاءتك فترة نهم على الدنيا متشبث بها، تب إلى الله من هذا الحرص، وربنا يتوب عليك ويفتح لك صفحات جديدة، بس توب قبل الموت. إياك أن يفجأك الموت ولا تجد إلا التراب في فمك، إياك يا من أنت عبد للدينار وللدرهم.
قال وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يضحك الله سبحانه وتعالى إلى رجلين، يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد» متفق عليه.
حديث أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يضحك الله إلى رجلين». وهذا يثبت صفة الضحك لله سبحانه كما يليق بجلاله، مذهب أهل السنة والجماعة أن نثبت هذه الصفات من غير تكييف، كيف يضحك؟ الله أعلم، ما لي علاقة. من غير تكييف ولا تمثيل، ولا نمثل ضحكه بضحكنا، ومن غير تحريف ولا تعطيل. ما بنقول والله لا، الضحك هنا بمعنى إرادة الإنعام، هذا الحديث ما قاله، وهذا تفسير الضحك بإرادة الإنعام وأنه إرادة إيصال الخير، هذا كله فقط للأثر الفلسفي الذي يأخذ به الأشاعرة وغيرهم، أن الله لا يجوز عليه الضحك لأن الضحك من صفات الحوادث، وهذا ما يقولونه كله غير صحيح. هذه كلها التزامات هم التزامات موهومة وأفكار هم طرحوها، أخذوها من الفلسفة ومن آرائهم وإلا فلا يوجد شيء يمنع. حتى الصحابة وغيرهم ما أحد استشكل مثل هذه الأحاديث ولا اعترض عليها، فمذهب السلف إثبات هذه الصفات دون الخوض في تكييفها.
«يضحك الله»، وهذا يدل على أن الله يسر من هذه الحالة. إلى رجلين؟ أيش قصتهم؟ أحدهما كان مسلماً في جيش المسلمين والثاني كان كافراً في جيش الكفار، فهذا الكافر في المعركة قتل المسلم، فالمسلم مات شهيداً فأدخله الله الجنة، ثم الكافر ربنا أعطاه عمراً وفي يوم من الأيام أسلم الكافر، ثم هذا الكافر أصبح في جيش المسلمين وقاتل معهم ثم استشهد. فيوم القيامة سيلتقي الذي استشهد ثانياً مع الذي استشهد أولاً فيقول له: أنا قتلتك، وسيأخذان بأيدي بعضهما البعض ويدخلان الجنة؛ لأنه الإسلام يجبّ ما قبله.
سيدنا خالد بن الوليد مش هو الذي استطاع أن يصنع انتصار المشركين يوم أحد؟ مش خالد بن الوليد الله يرضى عنه، مش هو الذي التف على جيش الإسلام؟ كان هو القائد العسكري لميمنة المشركين والتف على جيش المسلمين وأحدث المقتلة، فهو الذي صنع النصر للمشركين في تلك الفترة، وبالتالي أكيد هو يعني قتل كثيراً من المسلمين، ولكنه ربنا أعطاه عمراً وأسلم قبيل صلح الحديبية أو قبيل فتح مكة وأصبح من قادة الجيش الإسلامي وقتل الآلاف من المشركين ثم مات على فراشه رحمه الله عليه. أبو سفيان بن حرب قائد جيش المشركين يوم أُحُد، هو في النهاية قتل أكيد من المسلمين، ويوم الأحزاب كان موجوداً وهو قائد المشركين الأول، ثم أسلم بعد ذلك وربنا تاب عليه وأصبح من مجاهدين المسلمين وله مواقفه العظيمة في معركة اليرموك.
هذا يدل إخواننا على قضية معينة ممكن نستفيدها في حياتنا، أنه أنت كمسلم صاحب دعوة ومبدأ وتقاتل وتجاهد في سبيل الله، حتى لو كنت تواجه الكافر بدك تعرف أن هذا الكافر في يوم من الأيام ممكن يسلم. شو ما كان هذا الكافر قذراً، شو ما كان هذا الكافر قذراً الذي أنت تواجهه وتقاتله، لازم تصل لمرحلة من الإيمان والتجرد أن أمر الناس ليس بيدي، أنه أنا وظيفتي أن أدافع عن الإسلام وعن مبادئي وعن العقيدة، وأن أقاتل وأن أدافع وأن أجاهد، «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم». وأنت المهم أن تنجو أنت الآن. الذي قتلك، الذي آذاك، الذي حبسك، الذي عمل لك هذا، كيف ربنا يتعامل معه، يهديه بعد سنوات وهو نفسه يصير من المجاهدين الصادقين، يموت على كفره، يهديه ويموت بشكل طبيعي، هذا مش شأنك يا أيها الإنسان. بدك توصل لمرحلة من الترتيب الذاتي. نحن اعتدنا لأنه نرى الظلم والاستبداد، فبتلاقي الواحد يلعن طول اليوم نهار ليل على هالتلفزيون، فلان كذا فلان كذا، نحن اعتدنا على هذا النمط.
بس تخيل أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يلعن رؤوس الكفر في المدينة ويدعو عليهم في الصلاة، فالله نهاه أن يلعن أعيان الكفار. كان يدعو على أبي سفيان بن حرب بعينه وعلى مجموعة من كفار قريش بأعيانهم، فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: 128]، أنه يا محمد عليه الصلاة والسلام هذا ليس لك أن تلعنهم بأعينهم، أو يتوب عليهم أو يعذبهم. يعني ممكن يتوب عليهم والله يهديهم في المستقبل، وفعلاً هؤلاء الذين كان يدعو عليهم النبي عليه الصلاة والسلام بأعينهم تابوا، أو يعذبهم، ممكن بعضهم يموت على الكفر، لكن أنت لا تدعو عليهم بأعينهم أن الله لا يهديهم، لأنه اللعن هو الطرد من رحمة الله، خاصة كلمة اللعن، أيش معنى لعن الله فلاناً؟ يعني طرده من رحمته، هذا ليس من شأنك، وإنما السنة هو أن يُلعن الكفار عموماً، لذلك جاء.
في حديث أنهم كانوا يلعنون الكفرة من أهل الكتاب، هكذا كانوا يفعلون في صلاة التراويح والقيام، الصحابة الكرام والتابعون إنهم كانوا يلعنون اليهود والنصارى، ومنهم صحيح ما فيها مشكلة، لكن ذكر اسم بعينه يقولون هذا من الاعتداء. لكن وقع خلاف طبعاً هل يجوز لعن المعين من الكفار؟ أم الأصل أن لا يلعن معين من الكفار؟ وإنما يعني تسبه وتشتمه هذه أمر أخف، لكن من قضية اللعن وقع نزاع؛ هل يلعن معيناً منهم أم يلعن الكافر عموماً؟ لعن الله الكافرين، لعن الله المجرمين، لعن الله كذا، باعتبار أن المعين يمكن أن يتوب الله عز وجل عليه، يعني مسألة فيها نقاش حقيقة بين أهل العلم. البعض يقول إن الله لما نهى نبيه عن لعن هؤلاء المعينين كأبي سفيان إنما نهاه لأنه يعلم أنهم سيتوبون ويسلمون، فلذلك نهاه عن لعنهم، ولكن والله كافر آذى المسلمين بعينه فإن تقول لهذا الكافر: لعنك الله، لكثرة أذية المسلمين، بعض أهل العلم أجاز ذلك.
وبعضهم قال: لا، يدعو الله أن يكف شره، أن يفتت تسلطه، أن يهلكه، لكن اللعن خاص، اللعن له خصوصية تزيد على غيره من الأدعية فلا يدعى به على معين كان كافراً أو مسلماً، هذا قاله البعض. المسألة فيها نقاش حقيقة فقهي، لكن ما أريد أن أصل إليه أن هذا النقاش يأخذك إلى بعد معين من الناحية التربوية؛ هو أنك تتخيل أنه يجب أن تصل لمرحلة من التجرد، أنه أنا وظيفتي أن أدعوك، وإذا أنت واجهت الإسلام أن أواجهك، وإذا أنت حاولت تقتل المسلمين أني أقاتلك، واللي بين بقتل الآخر يقتله، وإذا أنا استشهدت ممكن أنت اللي قتلتني، وفي يوم من الأيام بعد سنين تسلم وتجيء يوم القيامة وتكون في الجنة، بل ممكن تكون أعلى مني في الجنة. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: 128]، هذا يعود المؤمن دوماً أنه لست صاحب الأمر في هذه الحياة، أنت عبد لله ووظيفتك أن تنجو، وظيفتك أن تعبد الله، وأما ماذا يفعل الله بخصومك وأعدائك فهذا أمره سبحانه وتعالى النافذ، وقد يشاء لهم الهداية وقد لا يشاء لهم الهداية.
فلذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: يقاتل هذا في سبيل الله الأول فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل، ربنا يوفق القاتل إلى التوبة فيتوب الله عليه ويسلم فيستشهد، وكلاهما يدخل الجنة. هكذا هي، وهذا فيه طبعاً فضيلة التوبة، وأن التوبة تنفع الإنسان؛ هذا في لماذا ختم بباب التوبة للدلالة على أن التوبة تنفع الإنسان ولو كان سبق ذلك بأعمال إجرامية، أنه هذا متى تاب؟ تاب بعد أن قتل المسلمين وفعل وآذى، ولكن مع ذلك تاب فتاب الله عليه. إذاً هذا ذكره هنا ليخبرك وليعلمك أن باب التوبة مفتوح حتى لو كنت من عتاة المجرمين ومن عتاة الفاسدين، ولو قتلت من أهل الإسلام ما قتلت، ولو فعلت ما فعلت، ما أحد يغلق عنك باب التوبة إلا أن تطلع الشمس من مغربها أو أن تغرغر.
لذلك يقولون في الآثار التي تروى عن الإسرائيليات يقولون إن فرعون لما كان في البحر وكان يغرغر يقولون كان جبريل يدس الماء في فمه خشية أن يتوب قبل الغرغرة فيتوب الله عليه. فرعون! بدك واحد مجرم في التاريخ والأسطورة فرعون كان في البحر، مش قال: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: 90]؟ مش قال هو بيغرق هذه؟ قالها وهو يغرغر، فلم تقبل منه. فيقولون -طبعاً هذه إسرائيليات تأخذها كعبرة- يقولون إن جبريل جاء فكان يحثي في فمه خشية أن يحكي فرعون كلمة التوبة قبل الغرغرة فيتوب الله عليه ويجبُّ كل ما فعله قبل ذلك. أنت متخيل رحمة الله، سعة رحمة الله سبحانه وتعالى كيف أنه حتى عتاة المجرمين لو قال أشهد أن لا إله إلا الله وأسلم قبل موته وقبل أن يغرغر يتوب الله عليه؟ فلذلك لا يشقى على الله إلا شقي، والله وسعت رحمته كل شيء، حتى هؤلاء يتوب عليهم إذا تابوا توبة صادقة قبل اللحظات الأخيرة.
فدائماً لا تقنط من رحمة الله مهما كان تاريخك غلط، مهما كان عندك ذنوب، مهما كان عندك إشكالات، مهما كان عندك ذكريات سيئة، لا أحد يحول بينك وبين أن تقبل على الله. «يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة». شوف الإله العظيم، مت على التوحيد، والله عز وجل بيهونها عليك، بس طبعاً حاول توب، توسع في التوبة، وحتى لو كانت عندك ذنوب كثيرة حتى حسنة التوحيد الصادقة اللي بتفعلها قبل أن تموت، مش معنى الحديث أنه اعمل معاصي ما دمت على التوحيد خلص؛ لا هو المعنى كما قال كثير من أهل العلم له أنك فعلت ما فعلت من المعاصي والذنوب ثم فعلت التوحيد بلوازم ومقتضياته، أنك كنت توحد وكنت تعمل بعض الأعمال الظاهرة بس عندك ذنوب ومعاصي كثير، الله سبحانه وتعالى ببركة التزامك بالتوحيد ولوازمه يغفر لك كل معاصيك السيئة التي تفعلها، وهذا فقط تشير به إلى قضية سعة رحمة الله سبحانه وتعالى ليبقى الإنسان متفائلاً مقبلاً ولا يقنط من رحمة ربه.
باب الصبر، اقرأ الباب الثالث. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: 200]، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]، وقال تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: 43]، وقال تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: 31]، والآيات في الأمر بالصبر وبيان فضله كثيرة معروفة.
نعم، القرآن تحدث كثيراً إخواني عن الصبر؛ لأن الصبر هو أحد مرتكزات الدين الأساسية. الدين الإسلامي يقوم على مفهوم الصبر؛ لأنه أنت تصبر على فعل الطاعات، وتصبر على ترك المعاصي، وتصبر على البلاءات التي تحيط بك في هذه الحياة. فالإسلام أساسه الصبر وعموده الصبر، ولذلك القرآن أكثر الحديث عن الصبر في مواطن كثيرة ليخبرك أن عمدة بلائك في هذه الحياة الدنيا هو أن الله يعطيك أموراً وينهاك عن أشياء ويعرضك لبلاءات ويريد أن يمتحن صبرك. لذلك الآية الأخيرة: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾، يعني هذا مقصد، هو سبحانه يريد أن يظهر مدى صبرك، راح أظلني أبتليك حتى أظهر مدى صبرك.
﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: 20]، ربنا يقول: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة، يعني بسلط البشر على بعضهم البعض، بسلط الكافرين على المؤمنين، وبسلط المؤمنين بعضهم على بعض، والجماعات على بعضها البعض، وأهل البدع بعضهم على بعض. وجعلنا بعضكم لبعض فتنة، الهدف لماذا قدرت هذا يا الله؟ مع أنه في المقتضى قال: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾، وكان ربك بصيراً بمن يصبر ويتحمل وبمن يجزع ويفزع ويعترض على الله. فكل ما ترى من تسلط الكافرين على المؤمنين، وتسلط المؤمنين بعضهم على بعض، والنزاعات التي بينهم، وتسلط الأقارب بعضهم، وإلى غير هذا، كله ليبتليك الله سبحانه وتعالى. فلذلك مفهوم الصبر من المفاهيم الأساسية التي يجب أن نقرأ المادة المتعلقة به في القرآن وفي السنة؛ لأنه هي طبيعة حياتك، بدها صبر، بدها مجاهدة.
ولذلك قال سبحانه في السورة التي يقول الشافعي: لو لم ينزل من القرآن غيرها لكفت: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3]. ما فيها أي حالة تدين، أي مسير إلى الله، أي مشروع إسلامي، أي حالة علمية قتالية مدافعة، أي حياة، ما في حياة ما فيها بلاءات، ما في حياة فيها اختبارات. حتى مداومتك على الطاعة وكفك عن المعصية بدها صبر، يعني الصبر مش فقط بلاء بمعنى المفهوم الضيق للبلاء؛ أنه فقد حبيب أو لا، حتى الطاعة ما هي بدها صبر، أنك تداوم على الخشوع في الصلاة وهذا بدها صبر، أنك تداوم على أكل الحلال ما هو هذا بدها صبر. إذاً الصبر من المفاهيم العريضة في الشريعة الإسلامية، ولذلك كما أن القرآن تكلم عنه كثيراً ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال بعض المفسرين: يعني كل عمل الله عز وجل يعطي صاحبه الثواب الذي يستحقه إلا الصبر، فإن الله يصب الثواب على الصابرين صباً ويحثو لهم الثواب حثواً بدون بغير حساب، كأنه كل عمل له ثوابه الذي يلائمه إلا الصابرون، قال ما معنى ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؟ يعني ربنا يصب عليهم الثواب صباً دون أن يكون لك مقدار معين محسوب لهذا العمل، خذ واحث ما شئت من الثواب يا عبدي، هذا يعطيك كم منزلة الصبر عند الله سبحانه وتعالى.
ابدأ بالحديث الأول. قال: وعن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. طبعاً أبو مالك الحارث بن عاصم الأشعري، وكما قلنا هؤلاء الأشعريون هي قبيلة يمنية، الأشعري نسبة إلى أشعر، وأشعر قبيلة يمنية. قيل إن جدهم، أحد أجدادهم لقب بأشعر أو سمي بأشعر بأن أمه عندما ولدته ولدته وكان على جسده شعر، أحد أجدادهم لما أمه ولدته ولدته وجسمه عليه شعر فسمي أو لقب بأشعر، وأصبح القبيلة كلها اسمها قبيلة أشعر، وأصبح من ينسب إلى هذه القبيلة ينسب أشعرياً، فهي إذاً قبيلة يمنية، وإن كانت الآن تطلق على الفرقة العقدية لأن مؤسس هذه الفرقة أبو الحسن الأشعري هو من هذه القبيلة في امتداداته، فأصبح كل من ينتسب إلى معتقده يقال له أشعري وأشاعرة، لكن هي في الأصل نسبة إلى قبيلة يمنية قبل أن تكون نسبة عقدية.
عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» رواه مسلم.
طبعاً لعل الجملة الأخيرة هذا الحديث مر معنا في الأربعين النووية وشرحناه كثيراً، وهو من الأحاديث المشهورة في فضيلة الأعمال الصالحة. لو انطلقنا من الجملة الأخيرة ممكن من خلالها نفهم ما يراد قبلها. كل الناس يغدو، هذه بتذكرني بآية قرآنية: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ [الليل: 4]، كل الناس يغدو يعني الكل ماشي في الدنيا، كأنك تقول الكل ماشي. كل الناس يغدو، الغدو هو الحركة في وقت الصباح، أنت اطلع هيك على الساعة السابعة الصبح بتلاقي هذا نازل على عمله وهذا الطالب رايح على جامعته وهذه ماشية على كذا، وكل الناس يغدون، كل الناس ماشية في هذه الدنيا، بس في واحد ماشي صح وفي واحد ماشي غلط.
كل الناس يغدو فبائع نفسه، أنت راح تبيع نفسك، راح تبيع، أما أن تبيع نفسك لله فتعتق نفسك من النار، اكسب، أو بتبيع نفسك لهواك والشيطان فموبقها، أي مهلكها. يعني الكل ماشي في الدنيا، ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾، فبائع نفسه، أنت راح تبيع نفسك راح تبيع، بس أنت راح تختار لمن بدك تبيع. إذا بعت نفسك لله ولهذا الدين فأنت تعتق نفسك من النار، فككت تمشي صح، تغدو وتمشي في الحياة الدنيا استفافاتك صحيحة، الناس اللي بتمشي معهم صح، مشاريع حياتك صحيحة، أنت ماشي في المكان الصحيح، أنت تعتق نفسك من النار. قال: أو موبقها، في حال أنك بعت نفسك لهواك والشيطان وللدنيا وزخارفها فانت ستقتل نفسك. فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما أعطاهم هذه القاعدة سبقها بذكر ما هي الأعمال الصالحة التي عليك أن تحرص عليها حتى تعتق نفسك من النار؟ كل الناس يغدو فبائع نفسه، هو ذكر هذا في ختام الحديث، وكان الأعمال الصالحة المذكورة في بداية الحديث هي التي تجعلك تبيع نفسك بالشكل الصحيح.
يعني بدك تغدو وتمشي في الحياة صح، حافظ على هذه الأمور، ايش هي الأمور اللي حافظ عليها؟ حافظ على الطهور، حافظ على الحمد لله، حافظ على سبحان الله، حافظ على الصلاة، حافظ على الصدقة، حافظ على الصبر، حافظ على القرآن. هذه بيسموها موانع الانهيار وأسباب النجاة، هي أسباب النجاة الإنسان اللي بيحافظ. أولاً قال: «الطهور شطر الإيمان»، هو لم يقتصر على أنه أعطاك العمل، أعطاك العمل وإيش أثره في حياتك. أولاً أعطاك الطهور، والطهور هنا نستطيع أن نفسرها بالتفسير العريض، هو أن تطهر باطنك وظاهرك من الآثام. أن تطهر باطنك وأن تطهر ظاهرك، ولذلك جعله شطر الإيمان؛ الإيمان له شطران: تخلية وتحلية، صح؟ بتقدر تحكي الإيمان مأمورات ومنهيات، فترك المنهيات هو الطهور، التخلية هو الطهور.
فأنت لما تطهر باطنك من الحسد، من الغل، من الآثام، وهذا تطهير، ولما تطهر ظاهرك من المعاصي والذنوب والآثام، وهذا تطهير. فلذلك قال نص إيمانك هو عبارة أنك تهتم بالتطهير، نص إيمانك نص حياتك الإيمانية عبارة عن ماذا؟ عن تطهير؛ لأنه أنت عم تعمل تخلية وتحلية، ترك منهيات والتزام مأمورات، ترك المنهيات، التخلية، إزاحة القاذورات عن القلب والجوارح، هذا هو الطهارة بمعناها الإيماني. فلذلك قال الطهور شطر الإيمان، نص عملية تدينك هي عملية أني بدي أطهر نفسي من النقائص داخلاً وخارجاً، فأنت نص عملية تدينك تقوم على التطهير. ثم قال بعد ما تهتم بالتخلية أعطاك...
من أعظم الأدعية التي تحرص عليها أن تحمد الله وتواظب على حمد الله؛ فالحمد لله تملأ ميزانك، والحمد لله تملأ الميزان يوم القيامة؛ لأن الله يحب الحمد، ولذلك ابتدأ به في أعظم سورة في القرآن: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]. الله يحب أن يُثنى عليه؛ لأنه خالق كل شيء، وفاعل كل شيء، وصانع كل شيء، وكل شيء منه وإليه، فهو سبحانه يحب الحمد، فلذلك دعاك إلى حمده، فالحمد الحقيقي الكامل التام لا يستحقه إلا الله سبحانه وتعالى، فمن حرص على حمد الله؛ فإكثارك من الحمد يملأ ميزانك يوم القيامة.
ثم قال: «وسبحان الله والحمد لله تملآن» -أو هذه شك من الراوي، قالوا يعني الراوي شك هل قال في الحديث تملآن ولا تملأ ما بين السماء أو ما بين السماوات والأرض- في بعض النسخ ما بين السماء، وفي بعض النسخ ما بين السماوات والجمع، والأرض. طبعاً في اختلاف الروايات هنا، الرواية المشهورة أنه: «سبحان الله والحمد لله» إذا واظبت على التسبيح؛ والتسبيح هو تنزيه الله عن النقائص، والحمد هو إثبات الكمالات؛ لذلك ليش نحكي سبحان الله والحمد لله؟ ليش دائماً أنت تقرن بينهما؟ سبحان الله والحمد لله؛ لأنه سبحان الله هي تنزيه عن النقائص، تنزه الله عن كل النقائص، والحمد لله إثبات للكمالات التي يثنى عليها، كمال ذاته، وكمال صفاته، وكمال أفعاله، فهذه تنزيه وهذه إثبات. فتقول: سبحان الله، أنزهك يا ربي عن النقائص، والحمد لله، أثني عليك بالكمالات التي تستحقها، فمن حافظ على هاتين الجملتين: سبحان الله والحمد لله، من حافظ على أن يقرن بينهما، فإنهما تملآن ما بين السماوات والأرض.
في بعض الروايات وردت: «وسبحان الله والشكر لله تملآن ما بين السماوات والأرض». وهذه الرواية قال ابن رجب في جامع العلوم أنها تبعد التكرار عن الحديث؛ ليه؟ لأنه هو لما قال الحمد لله تملأ الميزان، إذاً لماذا كرر فقال وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض أو ما بين السماوات والأرض؟ فخلص هو أنت قلت في الجملة الأولى تكلمت عن الحمد وثمرته، فالأصل أن يكون هناك كلام عن شيء غير الحمد، عن سبحان الله والشكر لله أنها تملآن ما بين السماوات والأرض، فالبعض قال في رواية أخرى والشكر لله بدل الحمد لله تملآن ما بين السماوات والأرض.
البعض قال لا، حتى على الرواية الشهيرة ما في تكرار؛ لأنه أراد أن يعطيك فضيلة الحمد وحده أنه يملأ الميزان، والحمد إذا جمع مع التسبيح فإنه يملأ -يعني يعطيك حسنات- بحجم ما بين السماوات والأرض، فهو أراد أن يعطيك فضيلة هنا وأراد أن يعطيك فضيلة هنا؛ فضيلة الحمد وحده أنه يملأ الميزان، وفضيلة أن تقرن بين التسبيح والتحميد أنه يملأ لك يعطيك ثواباً يملأ ما بين السماوات والأرض. فهذه قضية تختلف عن القضية الأولى، لكن ممكن برجع بقول لك ممكن البعض يعترض من جهة: طيب أيهما أكثر؟ أيهما أكبر؟ هل هو الميزان ولا ما بين السماوات والأرض؟ يعني صارت بعض النقاشات هنا التي تُدار، وأعتقد أنه كلا القولين محتمل، أما أن نقول أنه سبحان الله والشكر لله وترجح الرواية الأخرى، وأما أن تقول لا، حتى هذه الرواية هي ذكرت الحمد وحده وما يتعلق به من الثواب، وذكرت الحمد إذا اقترن بالتسبيح وما يتعلق به من الثواب.
لكن هو النزاع وين؟ أنه بقول لك أنا إذا أضفت للحمد التسبيح الأصل يكون حجم الثواب أكثر من الحالة الأولى؛ يعني أنا إذا اختصرت الحمد ملأت الميزان، إذاً لا بد أن يكون الحمد إذا أضيف معه التسبيح يعطي شيئاً حجمه أكبر من الميزان؛ لأنه مش معقول أن نقول أن الحمد يملأ الميزان، بعدين إذا أضفت للحمد التسبيح يملأ شيئاً أصغر، لا بد أن يكون يملأ شيئاً أكبر، فصار السؤال: هل يملأ الميزان أكبر من يملأ ما بين السماوات والأرض، ولا يملأ ما بين السماوات والأرض أكبر مما يملأ الميزان؟ هون بدها تصير عملية التصور والتحليل. إذا كان يملأ ما بين السماوات والأرض أكبر من مفهوم يملأ الميزان، إذاً آه فعلاً، خلص خلي الرواية كما هي شهيرة: الحمد لله وسبحان الله تملآن ما بين السماوات والأرض، وهذا أكبر من الاختصار على الحمد، فإن الاختصار على الحمد يملأ فقط الميزان، هذا إذا قيل إن الميزان أصغر ما بين السماوات والأرض. أما إذا البعض يقول لك لا، الميزان هذا أكبر مما بين السماوات والأرض، إذا قلنا إن الميزان أكبر مما بين السماوات والأرض، لا، إذاً في هذه الحالة بدها تكون سبحان الله والشكر لله هي الرواية الأرجح، لأنها تملأ ما بين السماوات والأرض، والحمد خلص هو يملأ الميزان، يملأ الشيء الأعلى، حتى ما يكون هناك مقارنات فيها إشكالية.
ثم قال: «والصلاة نور». الصلاة نور، من حافظ على الصلاة بأركانها وشروطها وأداها بخشوع فإنها تنير حياته، أرحنا بها يا بلال، الصلاة نور تنير لك الطريق، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنه من حافظ على الصلوات الخمس كانت له نوراً يوم القيامة، وهي نور ليس فقط يوم القيامة، هي نور أيضاً في الدنيا؛ لأن سبحان الله الإنسان اللي بيصلي بتلاقيه موفق عموماً في اختياراته، اللي بيصلي صلاة صح، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، اللي بيصلي صلاة مستقيمة وأقامها باطناً وظاهراً لله، بتجد إنساناً موفقاً، إنساناً متوازناً، إنساناً يعرف كيف يتصرف، إنساناً هادئاً، إنساناً مش مبعثراً، بعيد عن المسالك الخاطئة؛ لأن الصلاة تجعل لك فرقان نور تُبصر به حقائق الأمور وتُبصر به الأشياء كما هي.
قال: «والصدقة برهان»، برهان يعني دليل على صدقك. ليش الصدقة تعتبر برهان؟ لأنه كما قلنا، الإنسان يبقى محباً للمال متمسكاً به، فاللي بيتصدق ويخرج جزءاً من ماله سراً بينه وبين الله، هذا دليل على أنه إنسان صادق، إنسان مش حريص على الدنيا، فهي كما قلنا من أكبر البراهين على صدقك أيها الإنسان، أنك قادر أن تتخلى عن جزء من مالك ولذائذك لله سبحانه وتعالى، مع أنك لا ترجو العوض في الدنيا، وإنما ترجو العوض يوم القيامة، فلذلك سماها البرهان، هي دليل واضح على مصداقية هذا الإنسان.
ثم قال: «والصبر ضياء»، وهذا موطن الشاهد من الحديث، ولذلك أورده هنا. قال والصبر ضياء، هل هناك فرق بين النور والضياء؟ هذه مسألة طرحها شراح الحديث، أنه قال الصلاة نور والصبر ضياء، طيب في فرق بين النور والضياء؟ حقيقة الأصل نعم أن يكون هناك فرق، ما دام خص الصلاة بأنها نور والصبر بأنه ضياء، إذاً الأصل أن يكون هناك فرق. بعض الشروح قال هما مترادفان، وأن النور هو الضياء، نقول الصواب والله أعلم لا، أنهما ليس مترادفين، وأنه ما دام صلى الله عليه وسلم أعطى الصلاة وصف النور والصبر وصف الضياء، هذا التنوع يدل على اختلاف مفهوم النور والضياء. الآن ما هو الاختلاف بينهما؟ بتصير مسألة اجتهادية، فالبعض قال معنى أن الصبر ضياء أن الصبر إذا واظبت على الصبر وحافظت عليه، تضيء لك العواقب. الآن أنت لما تكون واقعاً في بلاء وفي ورطة بتشوف الدنيا مظلمة، صح؟ بتشوف الدنيا ظلام، يعني سكرت، اللي يصبر احتساباً تضيء له العواقب، يعني ستجد أنت عواقب الصبر وآثار الصبر ونهايته، نهاية طريق مضيء تمام، وكان هذا هو الفرق بين النور والضياء؛ يعني كأنه جعل الصلاة هي التي تعطي نوراً، لكن الضياء هي حالة الإشراق العامة، يعني الضياء هي حالة الإشراق، وكأنك في كهف مظلم لما يكون الإنسان مبتلى كأنه في كهف مظلم، وما في مجال إلا الصبر، إذا صبر بقول لك إذا استطعت أن تصبر سترى الضياء في نهاية الطريق، في نهاية الكهف، مهما طال البلاء، مهما طالت الشدة، في ضياء ينتظرك ينهي هذا الظلام الذي هو محيط بك، فيقول إذاً والصبر ضياء، إذاً سيكون معنى هذا الحديث أو معنى هذه العبارة أن الصبر يضيء لك العواقب وينهي لك الأزمات ويحل لك المشاكل، إنه اللي بيصبر تنحل الأمور معه وتفرج عنه الكربات، إنما النصر صبر ساعة، وإن الفرج مع الكرب؛ يعني اصبر تجد الضياء إن شاء الله ينتظرك.
أما المستعجل واللي دائماً بده الشغلة تحصل من أولها، وما عنده قدرة على الصبر على بلاء أو شدة أو محنة، بتجد لا تقضى له أمور، وتجدها دائماً الأمور متعسكرة معه، فلا هو قادر أن ينجز ولا هو قادر أن يتحمل، بتلاقي عنده أمراض السكري والقلق والضغط وما شابه ذلك، لأنه هو مش قادر يصبر. لكن لو صبر احتساباً لله سبحانه وتعالى، سبحان الله شوي شوي بتجد أنه ضاقت، فلما استحكمت حلقاتها فُرجت وكنت أظنها لا تفرج، شوي شوي بتفكفك بتفكفك، بس بدها صبر، والله يريد أن يرى صبرك، فلذلك يؤخر العواقب حتى يرى كم رح تصبر، كم رح تتحمل.
ثم قال: «والقرآن حجة لك أو عليك»، القرآن الذي تقرؤه وتتلوه، القرآن هو منارات في الطريق يبصرك، إذا أنت استفدت من هالمنارات وتعلمت من القرآن ووظفته بالشكل الصحيح يكون حجة لك يوم القيامة، لكن إذا أنت سمعت القرآن وما انتفعت به وما عدل حياتك سيكون حجة عليك، وبالتالي انتبه القرآن كما يقول سلاح ذو حدين، إما أنك توظفه وتستفيد منه فيكون حجة لك يوم القيامة فيقول يا رب أسهرته وجعه وأشغلته بي وبالعمل بي، فهذا يأتي يوم القيامة شاهداً لك موفقاً يقودك إلى جنات النعيم، وإما أن يقول يا رب سمعني فهجرني وأخذني فأهملني، فيكون حجة عليك يوم القيامة بدل ما يجي نافعاً عنك يطلب من الله عز وجل أن يعاقبك، فانتبه أن علاقتك مع القرآن ما في فيها علاقات هذا النيوترال اللي لا لك ولا عليك، لا، يا رح يكون لك يا رح يكون عليك، لن تخرج بالكفاف، ما دمت سمعت القرآن في هناك ثمن سيطلب منك.
ثم ختم بما شرحته ابتداء: «كل الناس يغدو»، الناس كلها ماشية في الطريق، واظب على الطهور، واظب على الصبر، واظب على الصلاة، واظب على الصدقة، واظب على القرآن وفهمه والعمل به إذا بدك تبيع نفسك لله وتنجو، وإذا بدك تخسر فرط في هالعمال وقصر فيها، والهدم ما أسهله والتفريط ما أسهله لكن عاقبته وخيمة وثمنه كبير، نقتصر على هذا القدر اليوم، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل