السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. حياكم الله في مجلس جديد من التعليق على كتاب "رياض الصالحين" للإمام النووي عليه رحمة الله، وما زلنا نعيش في الباب الثالث من أبواب هذا الكتاب، وهو باب الصبر.
وفي الدرس الماضي كنا نعلق على حديث أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري وقضية "الطهور شطر الإيمان"، هذا آخر حديث علقنا عليه في الدرس الماضي، واليوم سيأتي أيضاً بمجموعة من الأحاديث التي تركز على هذا المفهوم وعلى هذه القيمة وعلى هذه العبادة أصلاً، عبودية الصبر.
هناك تنبيه سريع: أنني في الدرس الماضي وأنا أقول بقضية الرواية الأخرى في موضوع "وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض"، كنت أقول إن هناك رواية أخرى و"سبحان الله"، نبهني الإخوة أني كنت أقول "والشكر لله"، لا هي "والله أكبر". أنا هذا أصلاً لما شرحت عليه في دورة "إرواء"، لكن سبحان الله كانت على لساني سهواً أن الرواية الأخرى "وسبحان الله والله أكبر تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض"، فقط هذا تعديل استوجب ننبه عليه لما حصل من سبق اللسان، أنه الرواية الأخرى "وسبحان الله والله أكبر تملآن أو تملأ"، مش "والشكر لله" فيما ظهر مني.
نبدأ إن شاء الله اليوم بحديث أبي سعيد الخدري، اقرأ.
عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنهما. هذا اسمه يعني أبو سعيد الخدري، ما اسمه أبو سعيد؟ هذه كنية، أما اسمه سعد، حتى تحفظها: سعيد اسمه سعد، اسمه سعد بن مالك بن سنان، ووالده صحابي أيضاً فرضي الله عنهما.
قال: إن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوا فأعطاهم. كانوا يسألون المال، كانوا يسألونه أن يعطيهم من بيت مال المسلمين فأعطاهم أول مرة، ثم سألوه مرة أخرى المال فأعطاهم، حتى نفد ما عنده، حتى نفد ما في بيت مال المسلمين مما يمكن أن يعطيه لهؤلاء المساكين، فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده: «ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم».
ولاحظ هنا أنه سمى المال خيراً؛ قال: «ما يكن عندي من خير»، أي ما يكن عندي من مال في بيت مال المسلمين فلن أدخره عنكم. يعني أنا لا بيت مال المسلمين نفد الآن، ما عندي شيء أعطيكم إياه، فإياكم أن تظنوا أنني أبخل عليكم أو أريد أن أحبس المال عنكم. لكن هنا استغل الموقف النبي عليه الصلاة والسلام حتى يعلم هؤلاء الرجال قيمة خلقية إيمانية سلوكية، فماذا قال لهم؟ قال: «ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر» متفق عليه.
إذاً واضح أن هؤلاء ألحوا على النبي صلى الله عليه وسلم، وكانهم أيضاً اعتادوا المسألة وكانهم اعتادوا السؤال، فالنبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يعلمهم شيئاً مهماً في أمر دينهم وحياتهم. يقول: «ومن يستعفف»، العفة هنا في هذا السياق هي العفة عن السؤال؛ إن العفة على حسب سياقها تطلق، إذا كنت تتكلم عن نساء فالعفة هي العفة عن النساء، وإذا كنت تتكلم عن شخص يريد أن يمد يده إلى الناس ويسألهم فالعفة في هذا السياق هو التعفف عن السؤال ومد اليد للناس، فيقول: ومن يستعف عن السؤال فإن الله سبحانه وتعالى يعفه، يعني يرزقه القناعة والكفاية. كيف يعفك الله؟ ممكن يغنيك ويعطيك مالاً بطريقة صحيحة أخرى، وممكن يكون إعفافه لك من خلال ماذا؟ أن يرزقك الرضا والقناعة.
كذلك «ومن يستغني يغنه الله». «ومن يستغني» يعني من يطلب الغنى من أبوابه، يطلب المال من أبوابه، الله عز وجل يغنيه. وهنا ما معنى أن يغني؟ أن يغنيك الله؛ قد يكون الغنى أن يغنيك الله فعلاً مالياً محسوساً فتصبح غنياً، وبالتالي لا تحتاج إلى أن تسأل أحداً، ويمكن أن يكون هذا معنى ذكره كثير من الشراح: أن يغنيك الله غنى القلب اللي هو الرضا والقناعة، فيكون المعنى متقارباً مع معنى الجملة السابقة. ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنيه الله، أن يعفك الله عن حاجة الناس، أن يغنيك الله عن الناس؛ هذا إما أن يكون بأن ترزق شيئاً مالياً محسوساً فعلاً، وبالتالي ترتفع عنك الحاجة، وما هو أهم: أن يرزقك العفاف القلبي والغنى القلبي.
ولا حظ هنا أيضاً مع العبارة التي تليها: «ومن يتصبر يصبره الله». يعني قد يكون لا ترزق مالاً، لكن حتى لو لم ترزق المال، تعود السؤال، حتى ولو لم ترزق المال، حتى ولو لم تصل إلى الكفاية التامة في حوائجك، قاتل، حاول تصبر. «ومن يتصبر يصبره الله». ولاحظوا في هذا الحديث أن القضية هي جملة الشرط وجزاء الشرط: ومن يستعفف يعفه، ومن يستغني يغنه، ومن يتصبر يصبره. ولاحظ هنا "يستعفف"، الألف والسين والتاء تدل على الطلب، أليس كذلك؟ يعني من يطلب العفاف من أبوابه، من يطرق أبواب العفاف. كذلك "يستغني"، من يطلب أبواب الغنى؛ غنى سواء غنى مادي أو غنى القلب. كذلك "يتصبر"، ولاحظ "يتصبر"، "يتفعل"، هذا الوزن الصرفي يدل على التكلف والجهد الذي سيفعل. "تفعل" هذا قالوا يدل دلالة صرفية على الجهد.
وهذا يعطينا معادلة، إخواني، أن عفاف القلب ورضا القلب وقناعة القلب والصبر أيضاً -وهذا موطن الشاهد في الحديث من أجله ذكره في باب الصبر- "ومن يتصبر يصبره الله". من أين يحصل الإنسان على الصبر؟ من أين يحصل الإنسان على القناعة؟ من أين يحصل الإنسان على غنى القلب؟ هذا شيء أنت تحتاج أن تتكلف وتتعب لتحصيله، فإذا بذلت الجهد الله يعطيك النتيجة. يعني أنت لم تخرج من بطن والدتك صبوراً، لم تخرج من الدنيا قنوعاً، أنت هنا ستحاول بذل أشياء وتتربى وتربي نفسك على أشياء، مع الكد والتعب تصبح عفيف القلب، غني القلب، صبوراً في أمور حياتك وفي البلاءات التي تمر بها.
وهذه قضية يجب أن نتكلم فيها مع أنفسنا، وحتى في تربيتنا لأبنائنا، ربما حال كثير من الشباب اليوم أو حتى الأبناء ما عنده صبر، ما عنده قناعة، دائماً ينظر إلى ما عند الآخرين، دائماً يشكو، دائماً يتطلع، دائماً متخوف، إذا نزل به بلاء أو محنة أو شيء بده إياها تنتهي بسرعة، إذا ما انتهت بسرعة يفزع يهلع. فهنا علينا أن نعرف أن تربية الأبناء على هذه العبادات وعلى هذه المفاهيم مهمة جداً؛ أنه بدك تربي ابنك على الصبر حتى يكون صبوراً، وهذا من خلال تدريبه على مهارات معينة. هو مثلاً يريد يأكل طعاماً معيناً، يريد يشتهي ألعاباً معينة، أنت الآن كلما قننت الأمور وحرمته من بعض اللذائذ، هو الآن عم يمرس نفسه على الصبر. تمام؟ أنت حرمته، هو راح يشكو، يتضجر، يأنف، كذا لا، طب ليش كذا؟ فإنه سيشعر بشيء من الألم، ألم الحرمان، لكن هذا الألم الذي أشعره إياه، هو سيجني منه مستقبلاً فضيلة الصبر.
الإنسان الرخو الذي دائماً أبوه بيعطيه كل ما يشاء، هذا بكره لما ينحرم من بعض الأمور ويكتشف أن الدنيا مش دائماً في متناول اليد، سيشعر بألم الحرمان، فيفزع ويهلع ويخاف. لكن المتعود على ألم الحرمان تجد أنه أقدر على الصبر من غيره في لحظات الشدة والضيق.
دائماً ربما من الأسئلة التي كانت تطرأ عن حال أهلنا في غزة قضية أنه كيف يستطيعوا يعيشوا في الخيام لمدة سنة مع فصول السنة الأربعة؟ كيف يستطيع أن تعيش المرأة في أحوال صعبة وفي قلة المياه وشح الطعام؟ وشو اللي بخلي الإنسان يتحمل؟ أنت فعلاً لما تنظر لحالك في بيت وطعامك وشرابك موجود وتنظر إلى مأساة شديدة، سواء حتى إخواننا في السودان الله يفرج كربهم في صحراء، ما في شيء مع قوم مجرمين يحاولون أن يفعلوا ما الذي يصبر الإنسان في تلك اللحظات؟ هو أن يكون تعود على الحرمان من فترات، إخواننا لما حوصروا من سنوات طويلة، شح أصلاً الحياة وعدم وجود الرفاهية خلى عنده ألم الحرمان الممكن التعايش معه، خلص أصبح يتعايش معه. فهو لما تصبر، سبحان الله من نعمة الله على الإنسان التي أنت قد تعتبرها في جانب من جوانبها محنة، لكن من نعمة الله عليك أنك توضع في ظروف صعبة لمدة طويلة، فيصبح ألم الحرمان المادي -أقصد- متعوداً عليه، خلص ما عدت أشعر بالفزع والهلع، لا، صرت أعرف السباحة، صرت أعرف أدبر نفسي، خلص ف طعام اليوم بسلك حالي بشغلة بسيطة، والله في بيت بعيش في خيمة ما في كذا رزق، الآن خلص بصبر، أنا وزوجتي بتتحمل زوجتي معي.
لكن إذا كان الإنسان لم يتعود على ألم الحرمان ولا على الصبر على الظروف الصعبة، هذا ابنك لما يكبر، هذا من وين بده يجي الصبر؟ تمام؟ من أين سياتيه الصبر؟ كذلك وهذه أنصح بها الإخوة كذلك: الخلوات، عود نفسك على الخلوات. من الأمور التي تحتاج أن تصبر عليها قضية أن تعتاد نفسك أن تخلو مع الله. الخلوة بشكل عام غير محبوبة لأن الإنسان مدني بطبعه، مش هيك بقولوا؟ بحب يظلوا مع الناس ويسولف معهم. لما تتعلم الخلوة وتصبر عليها وتصبح نمطاً، حتى الخلوة عليك أن تتعلمها. أحياناً بتقرأ في أخبار إخواننا في غزة رجل في الزنزانة الانفرادية 20 سنة، هذا كيف صبر؟ صح؟ يعني بتقول الواحد إذا بيقعد مع حاله ساعتين بصير يحكي مع حاله. تمام؟ بتقول أنت كيف هذا صبر 15 سنة؟ أرقام أنت بتقول كيف صبر؟ صحيح، ولذلك عود نفسك، يعني بعض الإخوة لما يدخل الزنازين الانفرادية بيفصل، يعني ترى بعضهم بيفصل، بيفصل يعني مش قادر يستحمل في زنزانة انفرادية أربعة خمسة أيام، أربعة خمسة أيام، ليه؟ ما عنده صبر، ما عنده صبر، بده يطلع، بده يشوف ناس، مش كذا، وفي هذه هذا بيتعب، بيتعب تعب في حياته كثير.
ولذلك سبحان الله من نعمة الله على الإنسان أنه تهيأ لك ظروف خفيفة، وحبة حبة تعلمك الصبر، حتى إذا ما وقعت في المحن والشدائد تجد نفسك عندك قابلية للصبر تحت المحنة، تحت سيفها، أني قادر أصبر على قلة الطعام، قادر أصبر على قلة الشراب، قادر أصبر على ظل في الحياة، قاعد أصبر على سجن انفرادي، قادر أصبر على أشياء كثيرة، لأنه أنا اعتدتها وعودت نفسي. ومن يتصبر، أنا تكلفت هذه الأمور فرزقني الله الصبر كنتيجة وهدية وثواب.
فدائماً عود نفسك التصبر في لحظة الرخاء حتى يسعفك الصبر في لحظة الشدة. طيب كيف أتصبر في لحظة الرخاء؟ كما قلت لك، عود نفسك أنك تحبس نفسك بعيد في مساجد أو شيء هيك، يوم يومين، تطلع لخلوات، اعتكافات، اعتكافات فردانية، يعني بدون وجود الناس. أحياناً مثلاً من الطعام والشراب، وأنت بتقلب هالسوشيال ميديا، خطر في ذهنك وجبة كذا، بدك تشتري كذا، لا، قال ما بدي آخذها اليوم، أعود نفسي أني أحرم نفسي من بعض ملاذ حياتي الدنيا. والله متعود جلسات مع أناس مع كذا ومشاهدة أشياء مرغوبة للنفس، أتعود أني أقطر على نفسي، هذا التقتير مهم. ووجدت كان بعض الأغنياء أعلمه، كان من الأغنياء لكن بقول: "أنا في تربية الأبناء يا شيخ ما بعطيهم"، هو بقول لي، بقول لي: "أنا بخليه هو نفسه يروح"، قال لي: "خليته، خليت أحد أبنائي يبيع بندورة وخيار على باب مسجد"، من الأغنياء، الأغنياء ما شاء الله عليه، بس بقول لي: "أنا بدي يعرف أن الحياة لن تبتسم دوماً، وأنه بدي إياه يصبر. أنا إذا كل ما بده ابني شغلة من رفاهيات الحياة، خذ تفضل كذا، هذا رح يطلع رخو من الكائنات الرخوية بكره تمام، يعني ما رح يعرف يتعايش مع الحياة. لا، أنا بدي إياه"، قلت له، جبت له بسطات بندورة وخيار، قلت له: "وقف على باب المسجد وبيعها ودبر حالك"، وخليه يحتك مع الناس، وخليه يشوف أخلاق الناس، ويصبر على التعامل مع الناس.
ولذلك حتى يعني أخلاق الناس بدك تتعلم الصبر، أصلاً أنت كداعية إلى الله لن تنجح إلا بالصبر، النبي عليه الصلاة والسلام، يعني الله عز وجل أمره بالصبر: ﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: 7]، وذكر اسم ربه، ثم قال: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: 10]، لما قال "واهجرهم هجراً جميلاً"، أنه بدك تصبر لما تتعامل مع هؤلاء القوم، بدك تعرف كيف تصبر على أخلاق الناس وطبائعهم وأحوالهم واستفزازاتهم. فلذلك حتى هذه القضايا بدك تتعلم الصبر على الناس، احتك معهم، لا تخاف من المواجهة، عادي، ادخل سوق البيع والشراء والتجارة، وعلم أولادك يدخلوا سوق البيع والشراء والتجارة، وخليه يحتك مع الناس، والناس تطلع أخلاقها السيئة عليه، ويتعلم هو كيف يحاول يكظم غيضه ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: 134] ويتذكر ويناوح، هيك بعلم، ﴿وَمَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ﴾.
نحن بنخاف في الأجيال القادمة هذه الأمة أنها تكون هذه الفضيلة ذهبت منهم، قضية الصبر. بدنا نتائج سريعة، بدنا حلول وردية، بدنا أمور تنتهي، ما الحياة لن تكون هكذا، الحياة جبلت على وجود بلاءات، والبلاء يحتاج إلى صبر، هي معادلة ما فيها لا مناص منها، فيجب علينا أن نكتسب هذه الفضيلة فضيلة الصبر، بأن نتربى عليها، سواء نحن نربي أنفسنا عليها أولاً، ثم نربي أبناءنا عليها من خلال الحرمان.
هذا الحرمان، هذا الألم، هذا التعب أنا أعترف به، لكن هذا التعب عاقبته بإذن الله إلى خير. ولذلك ختم الحديث فقال: «وما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر». ما أعطي أحد عطاءً، يعني إذا ربنا بده يعطي أحداً عطاءً واسعاً، يعطيه هذا الخلق أن يكون صبوراً. ليه؟ لأنه الصبر إخواني هو مفتاح النجاح في كل أمور حياتك، فلذلك هو واسع. أنا بفكر كلمة أوسع، ليش قال ما أعطي أحد عطاءً خيراً؟ واضح الخيرية، الفضيلة. كلمة أوسع، وين الوسع في الصبر؟ وما أعطي أحد عطاءً أوسع من الصبر. وين الوسع؟ الوسع كما قلنا أن الصبر هو مفتاح لكل النجاحات؛ بدك تنجح في رزق ومشروع تجاري بدك تصبر، بدك تنجح في زواج بدك تصبر، بدك تنجح في تربية أبنائك بدك تصبر، بدك تنجح في الدعوة إلى الله -وهي الأهم والأبرز- ومواجهة أهل الباطل بدك تصبر. ستجد أن الصبر هو مفتاح كل الأمور؛ ما في شيء من أمور حياتك إلا وتحتاج فيه للصبر، وبدون الصبر ستفشل. فلذلك قال: «وما أعطي أحد عطاءً أوسع من الصبر». السعة في الصبر من جهة أن الصبر هو المفتاح الذي به تقضى الأمور والحوائج بعد إذن الله سبحانه وتعالى.
فعلاً الإنسان اللي بيصبر بيقول لك اللي بيصبر بينال، مش هيك بيحكوا؟ اللي بيصبر بينال، «وإنما النصر صبر ساعة». فربنا إذا أعطاك الصبر أعطاك عطاءً واسعاً جداً جداً، لأنه كلما كنت أكثر قدرة على الصبر كلما كانت النتائج الجميلة أمامك أكثر، وكلما كنت ضيق العطاء سريع الغضب ما عندك صبر كلما حصلت النتائج الرديئة والمكتسبات الرذيلة. بالتالي فعلاً من أعظم الأمور التي عليك أن تسأل الله أن يعطيك إياها الصبر. الإنسان الصبور بتجد الأمور تمشي معه، والإنسان العجول سبحان الله تجد الأمور دائماً تغلق معه ولا ينتج شيئاً. «وما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر»، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا هذا الخلق، وأن يعيننا على تربية أنفسنا وأولادنا عليه.
وعن أبي يحيى صهيب بن سنان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. صهيب بن سنان رضي الله عنه هو صهيب بن سنان الرومي، ولكن هو في الأصل ليس رومياً، هو من بني كلاب من العرب، قيل إنه سبي في أيام الجاهلية وأخذه الروم ثم هرب منهم، فأصبح ينسب إليهم نسبة ولاء، وليس أنه كان رقيقاً عندهم، وليس أنه في الأصل من جنس الروم. فإن وجدت أنه يقال صهيب الرومي فهو عربي، لكنه نسب إلى الرومي من جهة أنه نشأ وتربى وترعرع عندهم ثم هرب منهم.
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له» رواه مسلم. نعم حديث رواه الإمام مسلم هو حديث عظيم حقيقة في فضيلة الإيمان والتوحيد، وهذا يتناسب مع ما ذكرنا في سورة الأنعام قضية الأمن الدنيوي، كيف أن الأمن يكون للموحد، وليس ذلك إلا للموحد. الأمن في الدنيا قال وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن فقط، الشعور بالرضا والقناعة والأمن في الحياة الدنيا، هذا لا يكون إلا للموحد لله سبحانه وتعالى رباً وإلهاً.
يقول عجباً، وعجباً مفعول مطلق لفعل محذوف، يعني أعجب عجباً لأمر المؤمن، لأمره أي لشأنه وحاله. يعني كيف أنه دائماً سعيد المؤمن؟ إن أمره كله له خير، مش قال سيدنا إبراهيم ﴿أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ [الأنعام: 82] وهذا هو الأمن؛ أن أمره كله، كل أمور حياتك خير لك. حتى يا شيخ وأنا في الحروب، في النزاعات، في الصراعات، في أحلك اللحظات، في الجوع، في خيمة، في برد، في كذا كله خير، وهذا من هذا سر العجب. أن المؤمن لا يعرف الفزع، ما بيعرف القلق الناشئ عن أقدار الحياة، ما بيعرف الهم والغم من المستقبل؛ لأنه خلص ارتبط بإله الوجود، وعرف أن الأقدار كلها ستأتي من إله الوجود، وبالتالي هو مستند إليه، موحد له، قائم بحقه على قدر استطاعته، يرجوه ويسأله، وربنا يقول ﴿إِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 186]. إذاً لماذا أخاف؟ ومما أفزع ومما أهلع إذا كنت أنا جزءاً من منظومة هذا الوجود الذي يدبره الرب سبحانه وتعالى؟ وأنا من حزبه ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: 22].
فإذا، إن أصابته، والآن سيقول وليس ذلك، هذه الخصلة لا تكون إلا للمؤمن، اللي مش مؤمن ما بيحصل هذه الخصلة، ولذلك لاحظ يعني حتى هنا قال مش المسلم، قال المؤمن، يعني أن المسلم لم يدخل الإيمان في قلوبهم، مش قال الأعراب ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 14]. الأعراب قالوا آمنا، قل لم تؤمنوا بس قولوا أسلمنا، لساتهم ببداية الطريق. إن بداية الطريق لن يشعر بهذا الشعور، فعلق هذا المدح على لفظ المؤمن وليس على لفظ المسلم، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية أن هنا نعم، هنا الأمور المتعلقة بالمدح والثناء والفضائل تعلق على المؤمن، وهو من قام بالإيمان الواجب.
الذي يقوم بالإيمان الواجب هو الذي سيحصل هذه الخصال، أما من قصر في تحقيق الإيمان الواجب فهذا لم يصل لمرتبة مؤمن لكنه ما زال في مرتبة مسلم. فبالتالي عليك أن تفهم أنه كلمة مؤمن هنا مقصودة، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، لمن حقق الإيمان الواجب عليه. فمن حقق الإيمان الواجب حتى ولو لم يصل لمرتبة الإحسان لكن حقق مرتبة الإيمان، سيشعر بهذه القيمة؛ قيمة الإيمان في حياته، أنه هو دائماً مطمئن آمن. وهذا تفصيله أنه إن أصابته سراء، إذا ربنا أعطاه سراء من الأمور المادية، ولد، زواج، عمل، شكر شكر ربه لأن ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]، فكان خيراً له هذا الشكر، كان خيراً له أن الله يزيدك وينمي هذه النعمة لك. وإن أصابته ضراء في بدنه أو أصابته شيء في ماله أو في أي جهة من الجهات صبر، تجد أنه يصبر، أقول لك ما عندي إلا أن أرضى عن ربي سبحانه وتعالى، فكان هذا الصبر أيضاً خيراً له وأفضل عاقبة. فهذا المؤمن وين ما تحطه بيجي واقف كما يقولون، وين ما وضعته في الحياة هو بيجي واقف؛ لأنه هو في النهاية خلاص منتمي لربه، ارتباطه بالله سبحانه وتعالى هون عليه كل شيء، فلا النعمة تجعله يبطر، ولا البلاء تجعله يكفر، في كل الحالات هو منتمٍ لربه، إن أصابته سراء شكر ربه، إن أصابته ضراء صبر لأمر ربه حتى تنجلي عنه هذه الكرب، فيكون دائماً في خير، وهذا لا يكون إلا للمؤمن.
وعن أنس رضي الله عنه قال: لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة رضي الله عنها. أنس بن مالك روى لنا حال النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته، أنه عليه الصلاة والسلام لما ثقل، ثقل يعني اشتد عليه مرض الموت فيصبح الجسم ثقيلاً، اشتدت عليه سكرات الموت، قال جعل يتغشاه الكرب، وهذا دلالة الألم والتعب والإرهاق هنا؛ الكرب الألم والتعب والإرهاق الشديد الذي تغشاه عليه الصلاة والسلام في ساعات موته. فهو كان يصيبه وجع الرجلين، كما ذكر أن الأنبياء لما تأتيهم سكرات الموت، ألم الموت ليس ألم رجل واحد، ألم رجلين، وهذا البلاء الزائد عليهم يبدله الله عز وجل لهم يوم القيامة منازل عالية في جنات النعيم. فإذا الأنبياء يبتلون بلاء أشد من غيرهم، فلماذا يشعر الإنسان أن البلاء سبب أن ربي أهانا؟ ولماذا يرى الإنسان أن البلاء يجعله يعترض على ربه ويشكو ربه؟ الأنبياء يبتلون أكثر مما تبتلى أنت في بدنك وفي حياتك. إذاً جعل يتغشاه الكرب، الإرهاق والتعب الشديد في سكرات الموت، كيف كان حاله؟ كان صابراً مع ربه، هذا موطن الشاهد، ما إن الكرب يتغشاه لكن ما تضجر، ما شكى ربه.
وإنما قالت فاطمة ابنته: واكرب أبتاه. يعني فاطمة حزينة على شدة وجع والدها، وهذه من ألفاظ الندب؛ واكرب أبتاه، يعني ما كان تقول يا ما أعظم هذا الكرب يا أبي الذي حل بك. فماذا قال عليه الصلاة والسلام كلام الصابر المحتسب الذي لا يشكو؟ قال: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم». قال: ليس على أبيك كرب بعد اليوم، يعني إنما هي ساعات ويزول هذا الكرب وينقلب إلى سعادة الرفيق الأعلى، إنما هي ساعات تنقضي فيتصبر الإنسان عليها، يتصبر ويتجلد. ولهذا ذكرها الحديث هنا في باب الصبر، حال النبي عليه الصلاة والسلام في الصبر على سكرات الموت.
قال: فلما مات قالت يا أبتاه أجاب رباً دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه. فلما دفن قالت فاطمة رضي الله عنها: أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب؟ رواه البخاري. نعم يعني فاطمة في قمة حزنها على فقد والدها، ومع ذلك أيضاً من جهة أخرى هي كانت صابرة، هي إنما تندب والدها بمحاسنه العظيمة، وحق لها ذلك، وهو النبي الأعظم عليه الصلاة والسلام. يا أبتاه أجاب رباً دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، يعني نخبر جبريل بموته. طبعاً هو جبريل يعلم بموته، لكن يعني هذا من كلام الذي يشكو، خاصة أنها بموته انقطع جبريل عن الأرض. لماذا تذكر جبريل هنا؟ يعني ليش ما ذكرت ميكائيل، ليش إسرافيل؟ لماذا جبريل؟ لأنه جبريل هو الصديق المقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بين سائر الملائكة، أنه هو الذي كان دائماً يهبط بالوحي إلى الأرض، فبموته انقطع الوحي عن الأرض، وهذه من أعظم المصائب، أليس كذلك؟ ما هناك أحد يوحى إليه بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فكأنها تنعاه إلى جبريل، إلى رفيق الدعوة والرسالة، الرسول الملائكي. فلما دفن ما زالت فاطمة تشعر بالألم، فتقول للصحابة يعني كيف استطعتم أن تحثوا التراب على بدن النبي عليه الصلاه والسلام وعلى وجهه، يعني كيف طابت أنفسكم؟ هل يعقل أن هذا النبي الذي كان يعيش بيننا ونحبه ويحبنا ونحبه في يوم من الأيام نطوي عليه التراب؟ لكن هي سنة الحياة التي لا مناص منها.
وعن أبي زيد أسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه وابن حبه رضي الله عنه. نعم هذا لقبه أنه حب النبي عليه الصلاه والسلام وابن حبه، فأسامة حبه وابن حبه زيد بن حارثة، وقد استشهد أبوه في غزوة مؤتة. قال: أرسلت بنت النبي صلى الله عليه وسلم أن ابني قد احتضر فاشهدنا. نعم ورد في مصنف ابن أبي شيبة أن هذه البنت هي زينب ابنة النبي عليه الصلاة والسلام. زينب بعثت إلى النبي عليه الصلاة والسلام مع مبعوث ليخبره أن ابناً لها يحتضر، كان لها طفل يحتضر، "أن ابني قد احتضر فاشهدنا"، تطلب منه القدوم، تريد أن تتكئ على والدها في هذه الساعات، تريد أن تجد والدها بجانبها في هذه الساعات. فالنبي عليه الصلاة والسلام كيف تصرف؟ ابتداء قال: «فأرسل يقرئ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب».
قال: فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها. الآن النبي عليه الصلاة والسلام كان يريد أنها تواجه هذا الموقف وحدها ابتداءً، على قضية من يتصبر يصبره الله، كان يريد لها الثواب والخير، يريد أن ابنته ابتداءً تواجه هذا الموقف وحدها، فأرسل مع المبعوث أنه أقرئها السلام وقل لها إن الحياة الدنيا كلها بيد الله، ﴿إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾. الشيء الذي يأخذه الله له، والشيء الذي يعطيه الله لك أيضاً له، فالله إذا أخذ منك ابنك، فإنما أخذ شيئاً هو يملكه، وإنما أعطاك إياه وديعة. ممتاز، وهذا هو السياق، لله ما أخذ منك، بعد ما يعطيك شيء هل له أن يأخذ منك؟ هو له، وله ما أعطى لك أيضاً، فإذا أخذ شيئاً، أعطاك الله شيئاً لا تقل هذا لي بمعنى مستحوذاً عليه، فليس لأحد أن يأخذه مني، وكل شيء عنده بأجل مسمى. إن كل عطاء وكل أخذ له أجل وله وقت، فإذا جاء وقته لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون. فما هو العلاج مع سنة الحياة؟
فلتصبر ولتحتسب، تصبر في الدنيا وتحتسب ثواب صبرها. أنت أحياناً لا تملك حلاً إلا هذا، سبحانه هو مالك الوجود، وهو يأخذ منك ويعطيك، يأخذ ويعطيك. مع هذه السنة في الحياة عليك أن تتعلم أن أحد العبوديات العظيمة في الحياة التي يجب اكتسابها ولا مناص من اكتسابها وإلا لن أسعد، هي الصبر. لا بد أن تكتسب هذا الخلق مهما كان الثمن؛ لأنه إذا تعلمت الصبر ستسعد وتنسى المآسي والآلام وتقدر تتكيف مع الظروف. لكن إذا ما تعلمت الصبر بعض الناس يبقى جازعاً على فقد الأحبة، يبقى متألماً لسنوات وعقود ومعترضاً على الله حتى يفنيه هذا الحزن وهذا الهم والغم، وما زاده إلا كماذا؟ النبي عليه الصلاة والسلام فقد كل أبنائه ومع ذلك كان يبتسم ويعيش حياته، صح ولا لا؟ مش كل أبنائه فقدوا إلا فاطمة التي توفت بعده، لكن كل بناته وكل أبنائه الذكور كلهم فقدهم في الحياة، لم يجعل هذه المصائب طبعاً غير المصائب الأخرى التي مرت به لم يجعل هذه المصائب.
تشل الحياة عنده وتبقيه في حالة اكتئاب، وحالة كذا وما بدي أتكلم مع الناس. الإنسان يحزن، والعين تدمع، والإنسان يمر بمواقف في الحزن، لكن الفكرة كم تجلس أنت في دوامة الحزن؟ وهل تستطيع أن تخرج منها؟ بعد أن تبتلى، هل بعد شهرين بتقدر تعيد توازناتك وتعود إنساناً طبيعياً تمارس الحياة وترضى وتقول الحمد لله؟ هل تستطيع ذلك؟ هذا مهم جداً.
فكما قلنا، النبي عليه الصلاة والسلام كان يريدها أن تتصبر وحدها دون أن تتكئ على والدها، لكنها كانت أضعف من ذلك في هذه اللحظة رضي الله عنها، فأرسلت المبعوث مرة أخرى، أقسمت ليأتينها. هنا النبي عليه الصلاة والسلام لاحظ التوازن في معالجة الموقف، هو حاول أن يعطيها أنه يجب أن تتعلمي الصبر ولا داعي لأحضر حتى تتكئ علي، لكن لما رآها أضعف من ذلك، ما زاد العيار عليها. كما يقول أحياناً بعض الشباب أو المعلمين، بده يعطي موقفاً تربوياً بس بيلاقي أن الابن ما تحمل، فبيصير بده إياه غصب عنه يتحمل، هو الآن مش متحمله، أنت حاولت أن تعطيه الدفعة بس وجدت أنه أضعف من أن يستحملها، هنا أسنده حتى لا يسقط. أنا حاولت أن أعطيك أنه يلا تحمل شوي لعيار معين، لكن في النهاية إذا شعرت أن الموقف أصبح هو أضعف من أن يستحمل وحده، لا بد أن أكون معه.
فقام النبي عليه الصلاة والسلام وقام معه رجال من الصحابة: سعد بن عبادة سيد الخزرج، ومعاذ بن جبل سيد من سادات الخزرج، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال من الصحابة الكرام. فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي، هذا الصبي الذي وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى زينب فوجد الصبي يحتضر، إن كان في سكرات الموت، فرفع إليه ووضعه بين يديه عليه الصلاة والسلام، قال فاقعده في حجره ونفسه تقعقع، يعني تتحرك وتضطرب، لا أدري، أظن في بعض النسخ «ونفسه» لكن هي «ونفسه» هي المعلومة، هكذا هو الضبط، «ونفسه تقعقع». وكان المراد ذكر بعضهم أنها تتحرج، بتعرف سكرات الموت، من ينظر يجد أن النفس تكون بتلجلج، تظهر حركتها واضطرابها في هذه المنطقة في ساعات النزع، النفس أي الروح هنا تجدها تتحرك وتضطرب في هذه المنطقة حتى بلغت التراقي. فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم يلهث ونفسه تقعقع ستخرج، فاضت عينه، وهذه من رحمة النبي صلى الله عليه وسلم، موقف متعب مهما كانت القضية.
فقال سعد بن عبادة سيد من سادات الخزرج: يا رسول الله ما هذا؟ إيش هذه الدمعات؟ وسيدنا سعد يظن أن مقام النبي عليه الصلاة والسلام العالي يمنع أن يبكي، وأن تنزل منه مثل هذه الدموع. فماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ فقال: «هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده»، وفي رواية: «في قلوب من شاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» متفق عليه. أخبرهم أن هذه رحمة، هذه الدموع ليست دموع جزع، ليست دموعاً تنافي مقام الصبر، بل هي دموع رحمة طبيعية تدل بالعكس على سوية القلب. لأنه قال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده»، إذاً هي دموع نعمة وليست ضعفاً. بعض الرجال يظن أن الدموع في اللحظات الصحيحة تدل على عدم الرجولة وعدم اكتمالها، لا، ما هو صحيح، بالعكس، في لحظات معينة الدموع الصادقة هي دلالة سوية نفسية، وفاء، رحمة، أن هذا القلب مش قاسٍ جامد. أحياناً الإنسان الذي لا يبكي أبداً لا من خشية الله ولا من هذا، معناه أنه صخرة، هذا ما عنده مشاعر وأحاسيس، وهذه ليس شيئاً يمدح به الرجل أنه ما عنده مشاعر ولا أحاسيس وأنه مثل الحائط. جيد أن تكون الدموع في الوقت المناسب، هذه من الكمالات أن تكون الدموع في الوقت المناسب بحيث لا تهضم نفساً، ولا تذلك، ولا تشعر الناس بذلك، وإنما تدل بالعكس على أنك إنسان عندك مشاعر، عندك أحاسيس، عندك اهتمامات بمثل هذه المواقف وتتحرك.
ولذلك قال: «جعل الله في قلوب من شاء من عباده»، وفي الرواية الأخرى «وإنما يرحم الله من عباده الرحماء»، يعني سبحان الله الإنسان الرحيم بالناس، الذي يشعر بالناس، الذي يحس بالناس، الذي يتألم لألم الناس، الله سبحانه وتعالى يرحمه، يسخر له من يرحمه. وأما أصحاب القلوب القاسية الجلفة الصعبة، الذي يرى يعذب المسلمين تجد بعضهم يعذب المسلمين وينزل بهم ويسومهم سوء العذاب ويضربهم ويجلدهم، ما عنده رحمة، هذا الله عز وجل لا يرحمه، وهذا مفهوم الحديث «إنما يرحم الله من عباده الرحماء»، مفهوم الحصر أن الله سبحانه وتعالى لا يرحم الذين لا يرحمون الناس، بل ينزل عليهم رجزه وغضبه وعذابه، ويسلط عليهم أشد العذاب في الدنيا وفي الآخرة. موطن الشاهد في الحديث أنه أمر ابنته زينب بأن تصبر وتحتسب، وأن الدموع أيضاً -وهذه فائدة أخرى- لا تنافي، الدموع الصادقة الهادئة التي لا يوجد جزع فيها ولا صراخ ولا شيء، لا تتنافى مع مقام الصبر، وإنما تكمله وتجمله.
ومعنى تقعقع: تتحرك وتضطرب. وعن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هذا الحديث حديث الراهب والغلام، وهذا الحديث شرحناه كاملاً في محاضرات سابقة في قصة غلام الأخدود، قرأنا الحديث وعلقنا عليه في محاضرة استمرت من ساعة إلى ساعة ونصف في مجمع سابق، فلذلك لن أشرح الآن، موجودة المحاضرة كاملة التي علقت فيها على فوائد الحديث وما فيه من العبر والأحكام والحكم. فمن أراد أن يسمع شرحاً كاملاً بإذن الله وافياً على هذا الحديث، فليعد إلى المحاضرة المعنونة على قناتنا بأصحاب الأخدود، إحدى الأمسيات كانت بعنوان أصحاب الأخدود. وأما الآن سأكتفي بقراءة هذا الحديث من باب استغلال الوقت وعدم تكرار ما هو موجود سابقاً على القناة.
قال: «كان ملك فيمن قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلي غلاماً أعلمه السحر، فبعث إليه غلاماً يعلمه. وكان في طريقه إذا سلك راهب». وكان في طريق الغلام لما كان يذهب إلى الساحر ليعلمه، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه. وكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: «إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر». فبينما هو على ذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال -يعني يوم من الأيام كان ذاهب إلى الساحر وفي الطريق وجد حيواناً عظيماً مسكراً الطريق والناس مش عارفة تمشي-: «اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل»، فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فقتلها ومضى الناس. فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني، أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي.
وإنك ستبتلى، هذه جملة مهمة، لاحظ أن الراهب ما قال له هذا الطريق سيكون سهلاً يا بني، وأمورك طيبة، وما دمت مؤمناً إن شاء الله الحياة ستبتسم في وجهك، لا، أعطاه الواقع، سنة الحياة، قال: «وإنك ستبتلى». هكذا طريق أي داعية، أي شاب ملتزم، لا بد أن يختبر الله إيمانك، ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 2].
قال: «وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء»، الأكمه هو الأعمى. قال: فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى، فإن آمنت بالله تعالى ودعوت الله فشفاك، فآمن بالله تعالى فشفاه الله تعالى. فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي، قال: أولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجاء بالغلام فقال.
لاحظ هنا كيف اختلف هذا الرجل، هذا الرجل ابتداء كان همه أن يرجع بصره، الآن ما عنده مشكلة أن تفنى كل حياته. شوف كيف وين كان وين صار، كان أقصى اهتماماته قبل التوحيد أمر دنيوي أن يرد إليه بصره، بس هذا كل أقصى ما بيفكر فيه جليس الملك. بعد التوحيد شوف التوحيد لما يلامس القلب حقاً، بتختلف كل اهتماماتك، بتبطل تخاف، قال له: ربي وربك الله، اعمل اللي بدك إياه شو أسوي لك، يعني من الآخر. في توحيد وفي دين وفي كذا، ما إنه يعرف أنه هذا سيدفع ثمناً، سيقتل، سينشر بالمنشار. وكذلك سحرة فرعون مثلاً لما خالط التوحيد قلوبهم كانوا في بداية الصباح سحرة وفي نهاية النهار كانوا شهداء، ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: 72]. شوف التوحيد لما ينزع من قلبك هيبة الجبابرة والخوف منهم، وأنك مستعد أن تضحي بأي شكل من أشكال القتل الذي يمكن أن تقتل به، في النهاية هي قتلة واحدة ونموت وننتقل إلى الله سبحانه وتعالى. هكذا التوحيد إخواني يعطيك أمناً حتى بتصير تتخذ المواقف وأنت مش شاعر بالهيبة.
قال: فجيء بالغلام فقال له الملك: أي بني، قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل، فقال: إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله تعالى. طبعاً هذه محاورة إغراء من الملك له أن بلغ من سحرك ما تبرئ، بده يحاول يقنعه أن ينسب هذا الموضوع للسحر مش للتوحيد، فهو أعطاه الإغراء أنه أكيد هذا من السحر اللي علمناك إياه. قال له: لا، أنا بشفي إذ يشفي هو الله، فخلص الملك عرف أن هذا الشاب خرج من سجنه أو من فكره.
قال: فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب. لاحظ أن هذا الملك خطير، هو عارف أن هذا الشاب مش من عنده، أخذ الفكرة في هناك في المدينة حدا بيلعب في عقول الشباب، جيبوا لي إياه. قال: فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدعا بالمنشار فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه. ولاحظ هنا الراهب، الراهب هو ابتداءً واضح أنه ما كان حابب يتعرض لهذا البلاء، لأنه إيش قال للغلام: لا تدل علي، لكن في النهاية أقدار الله فوق كل الأمنيات التي تأخذها. هو حاول وسعى وكان طول الوقت راهباً مبتعداً عن الناس، مش عارف هذا الراهب من وين طلع له هذا الغلام وتعرف عليه، والغلام أنت تتخيل كيف القدر أنه هذا راهب قاعد في حاله في صومعة ولا في مكان، لا الملك داري عنه ولا الساحر داري عنه ولا أهل المدينة كلهم دارين عنه، ومع ذلك بيمارس العبودية. إذا أراد الله شيئاً هيأ له أسباباً، خلاص انتهت. ولاحظ أنه بده يصبر ما عنده مجال آخر، يعني مش كل بلاءات الحياة رح تستأذنك، البلاء لن يستأذنك. هذا الراهب فجأة وجد نفسه مع الغلام، فقال للغلام: أرجوك أنك إذا ابتليت لا تدل علي، يعني ما بدي أنا يعرف عني لاني أخشى أني ما أثبت. صح، يخشى على نفسه، ولذلك سيأتي الحديث: «لا تتمنوا لقاء العدو». الإنسان ما يذل نفسه ويقول: لا أنا بدي، إذا ربنا عافاك يا أخي اهرب إذا أنت لست قائد جيش ولا عندك جيش وأنت وحدك ما أنت قادر تواجه، يا أخي تعلم احتاط لنفسك، لكن في النهاية.
الغلام من شدة التعذيب اضطر أن يعترف على الراهب. فلما جيء بالراهب، الآن لماذا الراهب ما أنكر؟ ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106]. لا تختلف، الشراح البعض يقول إن هذا لم يكن جائزاً في عقائدهم أن ينطق بالكفر إكراهاً، وإنما هذا مما خفف الله به عن أمة الإسلام أنه أباح لنا أن نقول إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. البعض قال لا، هو كان له هذا الخيار، لكن الراهب أيضاً رجل، البعض يقول لك ما في دليل على أن الإكراه لم يكن عذراً عندهم، لكن الراهب كان رجلاً في النهاية. قال له: لا، ما دمت أنا وصلت لعندك، أنا ما كنت حاب ألقاك أيها الملك، لكن ما دمت وصلت لعندك ما راح أغير ديني وأعمل ما تريد، فاقضِ ما أنت قاضٍ؛ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا.
قال: ثم جاء بجليس الملك فقيل له ارجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه. شوف قدرة الإنسان على تحمل هذا، جليس الملك واضح من السياق أنه عارف شو صار في الراهب، ومع ذلك ما تزحزح وما غير فكره، وما قال يا عمي خليني أشوف لي شغلة ثانية لحتى ربنا يفرجها، وما أخذ حتى بعذر الإكراه. لا، في شيء واضح إنه يلامس القلوب في هذه اللحظات، يجعل الإنسان قادراً على أن يضحي بنفسه من أجل أن يثبت، وأن يظهر الثبات على الدين. هذا شيء موجود، سواء ممكن نحن ما وصلنا له بس هو موجود، بس هي قضية إثبات وجود هذا الشيء بغض النظر عن مدى قدرتنا على تقبل هذه الفكرة، وأننا نستطيع الآن أو أننا وصلنا للإيمان أو في إيماننا لمرحلة أننا نستطيع أن نفعل ذلك.
قال: ثم جيء بالغلام فقيل له ارجع عن دينك فأبى، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه. فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل بأصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى. فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور وتوسطوا به البحر. قرقور هو مثل القارب، قالوا نعم. قال: فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه. فذهبوا به، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل بأصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى. فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: ما هو؟
لاحظوا أيضاً غلام، برضه هي مركزية اللي قلناها قبل شوي في سورة الأنعام، أنه الغلام يعرف أن هذا ملك جبار متغطرس، الدماء عنده سهلة، وما أسهل القتل لديه، ومتوحش كمان؛ لأنه هو قتلهما، قتل الراهب وقتل الجليس بطريقة متوحشة، يعني إنسان يقتل شخصاً بالمنشار يشقه. لاحظ أنه حتى الغلام ما تزحزح، يعني أنت بمجرد أن يصلك أخبار أنه في ملك في منطقة معينة أو شيء، أو نظام معين من أنظمة الأرض يفعل كذا، تقول الله يبعدني عن الأرض هذه ما يدخلني إياها، صح ولا لا؟ لأنه أنت متصور أنه إيش هذا العذاب الذي كان يتعرض له هؤلاء؟ في وحشية في العذاب، في تلذذ في العذاب، لكن هذا الغلام ما كان خائفاً، بدليل أنه كان كل مرة بيرجع للملك، يعني الجماعة ألقوه من الجبل، ما ضبطت معهم، صح؟ أنت دعوت الله أن يكفيهم، أنت لو مكان الغلام تهرب بره البلد، لا، الغلام بعد ما سقطوا هم عن الجبل رجع بقدميه إلى الملك، أنت ممكن تقول ليش بترجع يا رجل؟ هذا ملك فاجر، يعني بكرة بورطك مرة ثانية يحاول إلقاءه في البحر، يرجع الغلام يرجع بقدميه إلى ملك، هو اللي بيرجع ما حدا برجعه، في قناعة عنده أنه أنا لازم أضحي حتى يصل الدين. شوف قناعة هذا الغلام، هو وصل إلى قناعة أن هذه القرية يجب أن تخرج عن هيمنة هذا الملك والساحر، سحره الملك، ما أكثر السحرة اليوم تمام، ما أكثر السحره اليوم! يجب أن يفتك عن هذه القرية هذا الظلام الذي هم فيه، ولازم واحد يضحي من أجل أنه ينفك هذا السحر، فالغلام اختار أن يكون هو الذي يضحي من أجل أن ينفك السحر عن القرية ويصل إلى الله.
لاحظ أيضاً قصة صاحب يس: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس: 20]، هذه النماذج المضحية نماذج إنسان عارف أنه سيقتل، أو الاحتمال الأكبر أنه سيقتل، ولكن يستعد أن يضحي من أجل أن يفك حالة الظلام والكفر والاستبداد عن هذه القرية. وأما أنا فأنا خلاص عارف طريقي، أنني إلى الله، مش زعلان يا شيخ، لساته الشاب في ريعان شبابه، هو مش زعلان، بتعرف بعض الناس يقول لك يا أخي الشاب في ريعان شبابه، لساته الشاب ما شاف الدنيا، لا، هو فاهم الدنيا أكثر منك، فاهم أن الحياة لا تزن عند الله جناح بعوضة، عشت 30 عشت 40 عشت 50 عشت 60 دنيا في النهاية، لكن عاد أفضل أن تنتهي الحياة بطريقة مشرفة، أن تكون لي بصمة في حياة أمتي وفي تاريخها، فهو أصبح رقماً صعباً هذا الغلام؛ لذلك أصبح على لسان الأنبياء تروى قصته، هذا الغلام قصته تروى على لسان الأنبياء دلالة أنه له وزن عظيم عند الله سبحانه وتعالى. وقصته أيضاً في قص في القرآن أصحاب الأخدود، وإن لم يشر إلى شخصه لكن هي القصة كما قال جمهور المفسرين هي ذاتها، فهي فكرة أن الغلام صبر، صبر من أجل وضحى بنفسه من أجل أن يصل الدين، وبين للملك كيف ستستطيع يا أيها الملك أن تقتلني؟ تخيل هو يعرف بما أعطاه الله من الكرامة، هذا الغلام له كرامات واضح، بما أعطاه الله من الكرامة يعرف أن الله عز وجل ادخره لهذا الموقف، فقال للملك لن تقتلني إلا، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. فقال: ما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع، ثم خذ سهماً من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: بسم الله رب الغلام.
بدي إياه ينطق بكلمة رب الغلام، كل هذه المعادلة مشان إيه؟ أمام الناس، بدك تجمع الناس كامل، كل الناس في صعيد واحد، ويسمعوا منك أنت يا أيها الملك مع سحرتك وزبانيتك، يسمع الناس منك أنك لم تستطع أن تقتلني إلا لما حلفت بربي، هذه كل النقطة تقول رب الغلام راح تقتل. قال: ثم ارميني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. قال: فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع، ثم أخذ سهماً من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم الله رب الغلام. ثم رماه فوقع السهم في صدغه، الصدغ هنا هذا الصدغ، وقع السهم هم في هذه المنطقة. قال: فوضع يده في صدغه فمات، فقال، كأنه وضع يده على صدغه تمام، وانتهت، انتهى المشهد بالنسبة له، خلص انتهى الوجود الدنيوي لكنه ذهب إلى ما هو خير له من هذه الدنيا ومن هذا المجتمع أو من هذا الملك عفواً، لأنه المجتمع أصبح مؤمناً من هذا الملك الفاسد وسحرته.
فقال الناس: آمنا برب الغلام، فاتي الملك، الناس كلها تغيرت، وهذا يدل إخواني أن الناس قابلة للتغير، وأن الناس قابلة للتغير، وأن الشباب الملتزم المتدين، شاب واحد صاحب عقيدة قد يغير حال مجتمع كامل، يعني هؤلاء الناس ألا يعرفون أن الملك جبار؟ ألا يعرفون أن الملك متغطرس؟ أصلاً الطريقة هذه التي أمامهم الآن هم يرون الملك قتل هذا الشاب لدينه، إذاً شو تتوقع من الناس؟ أنها تخاف، صحيح أن الشعوب تخشى من سطوة وغطرسة الظالمين، لكن هذا الشاب بموقفه استطاع أن يغير نفوس الناس، تصرخ بصوت عالٍ: آمنا برب الغلام. أنتم كيف يعني تصرخون وتصرحون بهذا التصريح الخطير الذي يؤذي الملك مع سحرته؟ الملك مع سحرته اشتغلوا سنين حتى يفسدوا عقولكم وتربيتكم، وأن تؤمنوا به وبساحره، وتكون منظومتكم فاسدة، كيف استطاع هذا الشاب من خلال هذا التصرف أن يزيح سنوات من سحر الملك ويعيد الإيمان في العروق من جديد؟ تحقيق هذا معنى عظيم في الحديث، أنه هذا يدل على قدرة الشاب الصالح على أن يغير من حال مجتمع ومن حال أمة ومن حال قرية ومن حال، تمام إذا أحسن الأمر ومع وجود التضحية، هو لازم يضحي، ها لاحظ هو ضحى، يعني هو ما شاهد الناس لما آمنوا، هو ضحى من أجل هذه اللحظة، وما كان همه أن هو يشاهدها أكثر من أن يكون سبباً لها، تمام أن يكون سبباً لهذه اللحظة وإن لم أشاهدها، لكنني أنا راضٍ عن النتيجة التي وصلت إليها.
قال: فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك. أنت إيش كنت تحذر؟ أن الناس تؤمن، أنت إيش بدك تقتل الغلام لأنك خايف الناس تسمع له؟ كل الناس سمعت له الآن، أرأيت ما كنت تحذر؟ أنت خايف الناس تؤمن، كلها آمنت بسبب موقفه، اللي كنت خايف منه صار باختصار هيك معناها، اللي كنت أنت خايف منه ومشان هيك بتطارد هذا الغلام حصل، آمن الناس. فالآن الملك متجبر مجرم فحفر أخاديد في الأرض وأضرم فيها النيران، وتخيلوا هنا حاكم يحرق شعبه فقط من أجل أن يحافظ على غطرسته واستبداده وعلى طريقة فرعون ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24]، يعني هو مستعد يحرق الشعب كاملاً من أجل أن يحافظ على غطرسة هؤلاء، أن الذين، عشان يقرأ شو قال في سورة البروج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: 10]، كررها مرتين، مو عذاب جهنم هو عذاب الحريق في الجملة، بس أعطاهم وصفين دلالة أنه اللي بيستناك، أنت مش عارف شو اللي بيستناك يوم القيامة، حتى لو متت في الدنيا موتة طبيعية، يعني ممكن في الدنيا يسلط عليك لكن اللي بيستناك أنت شيء مش متخيله من العذاب الشديد المؤلم الذي سيُسر به ذاك الغلام، يعني هذا الغلام في الجنة لما يشوف هذا الملك كيف سيعذب في النار رح ينشفي غليله، ويعرف أنه كم تألم الغلام ثانيتين ثلاث أربع لما وقع في صدغه، مقابل عذاب الأبد والخلود لهذا المجرم المتغطرس الذي رح يشوى في نار جهنم أبد الآبدين، لا مقارنة بين اللانهائي واللحظي، أليس كذلك؟
فأكمل القصة، قال: قد آمن الناس، فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدت، وأضرم فيها النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها، أو قيل له اقتحم. ففعلوا، ففعلوا إيش يعني فعلوا؟ اقتحموا. أنت متخيل الناس، يعني هو لسه مش، يعني الحاكم معطيهم فرصة أنه يا جماعة يا بترجعوا عن دينكم يا بتدخلوا، ودخلوا! إذاً هذا يدل على أن الإيمان وصل في قلوبهم لمبلغ عالٍ، أنه حتى تهديدك ما راح ينفع وما رح نتراجع، وأن الناس ما عادت تهاب من الحاكم المستبد، وصلوا لمرحلة ما عادت تهاب من الحاكم المستبد الذي يريد أن يفرض عليهم عقيدته بالقوة، قال: سنلقي أنفسنا في النار ولا نخضع لك مرة أخرى. شوف هذا كله هذه جمالية هذا الحديث، أن يعطيك التغير الجذري الذي حصل في المجتمع بسبب تصرف الغلام، شوف موقف تصرف غير معادلة شعب.
قال: ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، يعني امرأة جاءت لتلقى في النار معها صبي في المهد، فتقاعست يعني ترددت وتلكأت، خاصة طفلها، الموضوع هنا موضوع مش شخصها وذاتها، موضوع الطفل الذي معها، فقال الغلام، وقيل أن هذا أحد الأربعة الذين تكلموا في المهد، أنطقه الله الذي أنطق كل شيء، قال: يا أماه اصبري، فإنك على الحق. هذا هو ختام الحديث: يا أماه اصبري، فإنك على الحق. إيش اللي بخليك تتحمل الألم وتصبر؟ إيقانك أنك تملك الحق هو الذي يخلي الإنسان يصبر ويحتسب عند الله سبحانه وتعالى، أنك صاحب حق، صاحب عقيدة، صاحب مبدأ، صاحب مفاهيم، وأن هذا الباطل هو لا يملك الحق، وهو مزعزع في داخله ومرتبك، لكنه يدافع عن غطرسته وعن بشريته وعن شهواته وعن ملذاته، فهو ضعيف وأنا على الحق، هذا الذي يجعل الإنسان يصبر. وهذا الغلام في المهد نطق بما يجب أن ننطق به دوماً مع أنفسنا: اصبري، فإنك على الحق. بدك تتحمل، وبدنا نحاول أن نبقى نلم جراحنا وآلامنا وأتعاب الحياة لأنك تملك الحق، ومن يملك الحق حري به أن يصبر عليه، وهذا الحديث رواه الإمام مسلم.
قال: ذروة الجبل أعلاه، وهي بكسر الذال المعجمة وضمها، يجوز أن تقول ذروة ويجوز أن تقول ذروة كلاهما صحيح. والقرقور بضم القافين نوع من السفن، القرور الذي وضعه فيه الملك أراد أن يلقيه في البحر قلنا نوع من القوارب والسفن. والصعيد هنا الأرض البارزة، والصعيد هنا لأنه أحياناً الصعيد له عدة إطلاقات، نطلق الصعيد على الجبل، هنا الصعيد ليس معناه الجبل، الصعيد هنا بمعنى الأرض المفتوحة الأرض البارزة، مش يعني تلة الجبل. والأخدود الشقوق في الأرض كالنهر الصغير، وأضرم أوقد، وانكفأت أي انقلبت، وتقاعست توقفت وجبنت. وجبنت، هذا نهاية تعليق اليوم، وصل اللهم.
على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل