السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب رياض الصالحين للإمام النووي عليه رحمة الله تعالى. وقد شرعنا في الدرس الماضي في باب الصبر، وهو الباب الثالث من أبواب هذا السفر. والصبر فضيلة عظيمة وهو واجب على كل مسلم، بخلاف الرضا فإنه مستحب؛ فالصبر واجب وليس فقط مستحباً أو مندوباً إليه، والرضا مستحب. ولذلك سيذكر النووي عليه رحمة الله مجموعة من الأحاديث التي تبين فضيلة الصبر، وحكم الصبر، وأحوال الصابرين، ومتى يكون الصبر. حاول أن تربط كل حديث بفائدة متعلقة بأحكام الصبر عموماً. وصلنا إلى الحديث الحادي والثلاثين عن أنس.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين، ونجِّ عبادك المستضعفين. قال رحمه الله تعالى: وعن أنس رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر، فقال: «اتقي الله واصبري». فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه. فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك. فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». متفق عليه. وفي رواية لمسلم: تبكي على صبي لها.
نعم، هذا حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وهو خادم النبي صلى الله عليه وسلم، خدمه عشر سنوات ولم يؤنبه النبي صلى الله عليه وسلم في يوم ما على أمر من أمور الدنيا. يخبر أنس بن مالك أنه خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنوات، فلم يقل له لشيء فعله: لِمَ فعلته؟ ولا لشيء لم يفعله: لِمَ لم تفعله؟ وهذا يدل على عظيم أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، وعظيم صبره؛ لأن هذا من الصبر، ترى أن تصل لمرحلة، ربما تقول لابنك في اليوم الواحد عشر مرات، عشرين مرة: لماذا فعلت؟ ولِمَ ما فعلت؟ ألا تقول لخادمك -يعني أنس خادم عشر سنوات لا شهر ولا شهرين- ألا تؤنبه يوماً ما على شيء فعله أو لم يفعله، هذا يدل على عظيم صبر النبي صلى الله عليه وسلم وعظيم تحمله وزهده في أمور الدنيا.
قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر، وفي رواية لمسلم: تبكي على صبي لها، صبي لها مات. فالنبي عليه الصلاة والسلام كأنه رأى فيها شيئاً من الجزع، يعني هو البكاء الطبيعي لا إشكال فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الدمعة هذه رحمة جعلها الله عز وجل في قلوب العباد، فمن سياق فهمنا لأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام أنه رأى في هذه المرأة شيئاً من الجزع وليس مجرد الحزن الطبيعي أو البكاء الطبيعي، فلذلك وجهها وقال لها: «اتقي الله واصبري».
فالصبر الذي يعينك عليه تقوى الله عز وجل والخوف من عقابه، لذلك بدأ بالوسيلة، فقال: «اتقي الله»، من اتقى الله صبر؛ لأن تقواك لله عز وجل ستجعلك تتقي عذابه، تتقي سخطه، والله يسخط على الجازعين ويعذب الجازعين، إذا اتقيت الله اتقيت سخطه وعقابه، فتصبر. فهي لم تعرف النبي عليه الصلاة والسلام فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه. وهذا عذرها، أنها لو كانت تعرف وقالت إليك عني سيختلف حكمها، هذا أصبح نوعاً من المعاندة للشريعة، ويخشى عليها في دينها، لكن ما يعذرها أنها لم تعرفه.
كيف كان صبر النبي صلى الله عليه وسلم؟ لو كان مسؤولاً أو رجلاً له مكانة من بشر الأرض لغضب: كيف تقولي لي ذلك؟ وتقول إليك عني وأنت ما أنت تعرفي من أنا؟ ويبدأ يعطيها موشحاً في حاله وفي صفاته ومناقبه؛ يعني ليس أي شخص صاحب مكانة ووجاهة يتحمل هذا الرد. لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أمر الناس بشيء يكون هو أول من يفعله، وكان يأمر الناس بالصبر، فكان يصبر على أخلاق الناس وعلى أحوالهم وعلى طريقة ردهم. هل يعقل أنه كان يقول لها اصبري، ثم هي ترد عليه رداً بهذه الطريقة، فهو يفزعها ويصرخ عليها؟ بالتالي أصبح الكلام غير الأفعال، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول ويفعل.
وهذا ذكرني بأحد الإخوة، هذه فكرة أن الإنسان يقول شيئاً ثم بعد دقيقة يخالفه. يقول لي: كنت نازلاً مع رجل في مصعد، رجل شاب وعنده شوية عنف، حادث الطباع، يقول كنت نزلت مع رجل في مصعد، والرجل مهموم ومغموم، فقلت له: يا فلان ترى الدنيا سهلة وهينة. قال: ثم خرجنا من المصعد أنا وإياه، فوجدت رجلاً واقفاً عند سيارتي وغير معجب أني أنا واقف بهذه الطريقة ومانعني أمشي، قال: فضربت الرجل، فقال له الرجل: مش أنت قبل شوي كنت تقول لي الدنيا سهلة وطيبة وأمورك حلوة؟ قال: ما أنت شايف إنه سكر علي؟ قال: سلام عليكم. يعني بعض الشباب ينصح إخوانه بشيء ثم بعد دقيقة يخالف النصيحة نفسه؛ قال الدنيا سهلة، ما إحنا كنا في المصعد نقول الدنيا سهلة يا شيخ وأنت اللي بتنصحني! فالفكرة أنه لا يمكن أن تقول اتق الله واصبري، ثم إذا هي لم تجب إجابة لبقة تقول لها: كيف تفعلين ذلك؟ وإذا أنت فقدت الصبر، أنت نفسك فقدت الصبر وخرجت عن طورك، والنبي عليه الصلاة والسلام كمل الله له الأخلاق، بأبي هو وأمي، كان خلقه القرآن.
فقيل لها إنه النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل لها: هل تعرفين مع من كنت تتكلمين بهذه الطريقة التي فيها فظاظة؟ إنه النبي صلى الله عليه وسلم. فالمرأة فزعت وشعرت أنه خطأ كبير، فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم تريد تعتذر أنها ما عرفت، وهذا يدل على أن النساء حتى في المدينة النبوية، ليس كل النساء كن يعرفن النبي صلى الله عليه وسلم، هي مؤمنة به وتعرف أنه في المدينة، ولكن قد تكون لم تصادف أنها رأته بعينها. فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، حجبه كحال زعماء الأرض، زعماء الدنيا تجد عنده ألف حاجب حتى تستطيع أن تصل إليه وتطرق بابه، أما النبي صلى الله عليه وسلم فمن جميل أخلاقه ما كان عنده بواب، يطرق الإنسان بابه، هو صلى الله عليه وسلم يرد بنفسه، إن كان في مساحة أدخله، فوجدت التواضع والهدوء. فقالت: لم أعرفك، يعني هي تريد أن تعتذر، يعني لم أعرفك فلذلك أجبت. فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى».
يعني هي كأنها جاءت تعتذر، وكأنها جاءت لتقول: خلص راح أصبر يا رسول الله كما أمرتني. فماذا أجابها؟ يعني الآن ليس الوقت، ذهب الوقت الذي تحققين فيه هذه الفضيلة، خلص ذهبت السكرة وجاءت الفكرة، يعني أنت استيقظت الآن وانتبهت من أمرك، وتريدين الصبر الآن! قضية لم أعرفك هذه سامحناك عليها، ولذلك لم يرد عليها، لأن قضية لم أعرفك هو لا يبحث صلى الله عليه وسلم عن اعتذار منها لأنه عرف أنها لم تعرف، فلذلك لم يكن هناك إجابة في هذا الموضوع، لأنه أصلاً من البداية مسامحها. لكن الإشكال الذي عندها الذي أراد أن يصوبه لها تصورها عن الصبر، لأنها لما قالت لم أعرفك، هي كأنها تقول: خلص سأصبر الآن. فأراد أن يبين لها أن الامتثال ليس الآن، ذهب وقته. الصبر المطلوب والتماسك المطلوب في اللحظات الأولى للبلاء، عند حرارة البلاء، أما بعد ما يمر يوم يومين أو ساعات وتخف حرارة البلاء، تكون أنت عند البلاء جزعت وصرخت واعتراضت، ثم بعد ساعة ساعتين تبدأ تقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، جزاك الله خيراً بارك الله فيك؛ لكن أنت فاتتك الفضيلة ولم تقم بالواجب. أنا ماذا أستفيد أنك في ساعة البلاء اعترضت وصرخت وجزعت وفزعت وأفزعت، ثم بعد أن ذهبت حرارته استيقظت وانتبهت على ما قلت؟ إذاً، هذه من أحكام الصبر؛ أن الصبر المرتب عليه الفضائل الكبيرة والأحكام العالية والصبر الواجب أساسه عند أول البلاء. أما إذا كان أول البلاء جزع ثم بعد ذلك جاء الصبر، فنعم شيء جيد أنه جاء الصبر بعد ذلك، لكنك أضعت فضيلة الصبر ابتداء وحصلت إثم الجازعين.
قال وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة». رواه البخاري.
هذا الحديث من أعظم الأحاديث التي يعزى بها من فقد حبيبه، وخاصة إذا كان ابنه. الآن كلمة الصفي هي أوسع من الابن حقيقة؛ لأن الصفي هو الحبيب الذي تصطفيه، وإن كان كثير من شراح الحديث يشرحها هنا أنه الابن أو الولد باعتبار أن الإنسان يعز عليه كثيراً ولده وفقده، لكن في اعتقادي أن كلمة الصفي أوسع من كلمة الابن، وأنها تشمل كل حبيب عزيز اصطفيته. الصفي لماذا سمي صفياً؟ لأنك اصطفيته واخترته في رفقة الحياة، فقد تكون زوجة، قد يكون ابناً، قد تكون بنتاً، قد تكون أماً وأباً، وفي النهاية في إنسان بالنسبة له أبوه بالدنيا كلها أكثر من زوجته وأولاده. فالمهم الله عز وجل يبتليك بمن تصطفيه؛ لأنه سبحانه وتعالى يريد أن يرى هل الله عز وجل أحب إليك مما سواه أو لا؟ يريد أن يرى حتى هذا الصفي، هل أنت تقدمه على الله سبحانه أم تقدم محبة الله على محبة كل من سواه؟
فيقول الله تعالى -وهذا حديث قدسي، الحديث القدسي هو الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم قال الله، أو يقول الله- ماذا يقول الله؟ «ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيَّه»؛ خليله، حبيبه، من اختاره في صحبة الحياة «إذا قبضت صفيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه». احتسبه، أي: احتسب ثواب صبرك عند ماذا؟ ستحتسب، احتسب هذا عند الله، أي احتسب ثواب صبري على فقده وأنني ما جزعت. «ما جزاؤه؟ الجنة». لقال هذا الشخص: ليس له جزاء إلا الجنة، مثل هذا لا يستحق شيئاً إلا أن يعطى الجنة، لا يستحق أقل من ذلك لأنه فعل شيئاً عظيماً وخلقاً كريماً، وقام بشيء معظم عند الله سبحانه وتعالى، وله وزن ثقيل؛ أن الله عز وجل ابتلاه بفقد أعز الناس عليه فلم يجزع ولم يهلع ولم يعترض على الله، بل احتسبه واحتسب ثواب صبره، فالله سبحانه وتعالى قال: لا أكافئه إلا بالجنة، ونعم بها من مكافأة. وهذا يعطي فضيلة الصبر عند الله سبحانه وتعالى، حديث رواه الإمام البخاري.
قال وعن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون، فأخبرها أنه كان عذاباً يبعثه الله تعالى على من يشاء، فجعله الله تعالى رحمة للمؤمنين.
الطاعون أيها الكرام، حقيقة اختلف فيه، هل الطاعون يطلق على كل وباء يطلق عليه طاعون، فهل الكورونا طاعون والأوبئة التي، أم الطاعون قالوا مرض معين، قالوا يشكل على شكل يظهر على شكل تقرحات جلدية، ثم بعد ذلك يغزو البدن ويهلك منه الإنسان؟ في اعتقادي والله أعلم أن الطاعون يقصد به مرض معين وليس كل وباء، إلا إذا جاءت قرينة في سياق الحديث أن المراد به عموم الأمراض، لكن الأصل أن الطاعون في مفهومهم هو مرض معين. ولاحظ هنا كيف سيشرحه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «فأخبرها أنه كان عذاباً يبعثه الله تعالى على من يشاء، فجعله الله تعالى رحمة للمؤمنين».
إذاً، لاحظ أنه كان عذاباً مهلكاً، إذا يبعثه الله على من يشاء من الكافرين والفاسدين، ثم بعد ذلك الله سبحانه وتعالى قدر أن يبتلي به أهل الإيمان فيهلكون منه، فكان الصحابة كم هلك من الصحابة في طاعون الشام؟ مئات الصحابة على الأقل هلكوا في هذا الطاعون، طاعون عمواس الذي كان في قرية عمواس. فبالتالي هذا الشرح: «فأخبرها أنه كان عذاباً يبعثه الله على من يشاء» يشير والله أعلم إلى أن الطاعون الأصل نوع معين من الأمراض ليس كل وباء، كل وباء بهذه الصورة؛ لأنه تنطبق عليه هذه المواصفات أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء. قال: «فجعله الله رحمة للمؤمنين». قال: «فليس من عبد يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسباً، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد». رواه البخاري أيضاً.
هذا يدل على فضيلة الصبر وكيف الله عز وجل يجازي الصابرين، فيخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن القرية إذا ابتليت بالطاعون وكان فيها العبد مقيماً فيبقى فيها صابراً محتسباً، موقناً بالقضاء والقدر، ويعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له؛ يعني سواء أنا أقمت فيها أو خرجت عنها، إذا قدر الله أن أصاب به سأصاب، وإذا قدر أنني لن تصيبني العدوى لن أعدى. فهذا الإنسان الذي يقيم صابراً محتسباً موقناً بالقدر، ممكن أنت تصبر على البلاء لكن عندك تشوهات في مفهوم القضاء والقدر.
صحيح أن بعض الناس حتى الكفار قد يصبر، لكنه لا يملك حيلة، ويكون كافرًا أو فاسدًا. لكن لو سألته عن اعتقاده، تجده يعتقد بالمادية، وأن العدوى يقينية، وأن الله سبحانه وتعالى ليس له علاقة أو تدخل في انتقالها؛ لا، هذا لا يحصل هذا الثواب. حتى تحصل هذا الثواب، هناك شروط: أولاً أن تقيم في بلدك ولا تخرج منه، لكن إذا خرجت فقدت ثواب الشهيد. أن تقيم في بلدك؛ طبعاً هذا فيه حث من النبي عليه الصلاة والسلام على عدم نقل العدوى؛ لأنه لما يكون طاعون، والطاعون مرض قالوا ينتقل بسرعة شديدة، وبالتالي بمجرد أن تنتقل من بلدك، أنت وزعت الطاعون خارج البلد، فخلص ابقَ في بلدك. إذا بقيت وصبرت واحتسبت، فأنت تنال ثواب الصبر.
وكنت مؤمنًا بالقدر ولست جازمًا بأنه خلص أنا أكيد سأهلك، أنا أكيد سأعدى، أنا أكيد سيصيبني؛ طيب أين الله؟ أين إيمانك بالقدر؟ حتى هذا لا يحصل الثواب. إذا جمعت هذه الخصال الأربع: أنك أقمت بالبلد، وصبرت، واحتسبت، وكنت موقنًا بقدر الله وأنه ﴿لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: 51]؛ قال: إلا كان له مثل أجر الشهيد. فهذا حكمه حكم الشهيد، ولذلك يقولون: الشهيد ليس فقط شهيد المعركة من حيث الثواب عند الله، فمن قتل في الطاعون أو مات في الطاعون فهو شهيد في المنزلة عند الله، وإن لم يأخذ حكم الشهيد في الأحكام الدنيوية من حيث التغسيل والصلاة عليه. رواه الإمام البخاري.
وعن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله عز وجل قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر، عوضته منهما الجنة»؛ يريد عينيه. رواه البخاري.
كذلك البلاء قد يصيب الإنسان في بدنه. لاحظ في الحديث السابق إذا قبضت صفيه، والحديث الذي قبله عن المرأة التي فقدت صبيها؛ قد يكون البلاء يأتيك على شكل فقد الحبيب، وقد يأتيك البلاء على شكل مرض في البدن. لذلك جاء حديث الطاعون ثم أتبعه بحديث فقد الحبيبتين وهما العينان؛ تمام؟ النووي رحمه الله يريد أن يعطيك أنواعًا مختلفة من البلاء. بلاء فقد الولد، ذكر له حديثين؛ طبعاً قبل ذلك ذكر البلاء في الدين بحديث الراهب، بعدين ذكر البلاء بفقد الأولاد وفقد الأحبة، ثم ذكر لك البلاء في الأبدان؛ فذكر الطاعون، ثم ذكر: «إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة». لاحظ نفس الشيء، لما قبضت صفيه فاحتسب، عوضت بليس له جزاء إلا الجنة، كذلك إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر؛ هذا هو الشرط. البلاء متى يؤدي إلى الجنة؟ إذا صبر، قال: «عوضته منهما الجنة»، ويريد عينيه، يعني هذا تفسير لمعنى كلمة حبيبتيه. رواه الإمام البخاري.
وعن عطاء بن أبي رباح قال لابن عباس رضي الله عنهما: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فقلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله تعالى لي. فقال: «إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله تعالى أن يعافيك». فقالت: أصبر. فقالت: إني أتكشف، فادع الله ألا أتكشف. فدعا لها. متفق عليه.
عطاء بن أبي رباح فقيه مكة وعالمها، تابعي جليل، وكان فيه كل العيوب الخلقية فيما يقولون، ولكنه كان إمامًا في الدين. يقولون كان أعرج، أفطس، أسود البشرة، أجعد الشعر؛ ما في عيب في الخلقة ممكن قالوا إلا وكان فيه، فمن يراه ولا يعرف من هو قد يزدري. لكنه رحمه الله كان يأتي ملوك بني أمية يجلسون بين يديه؛ هشام بن عبد الملك كان يجلس بين يديه يتعلم أحكام الحج، وينصح أبناءه؛ انظروا عز العلم عند عطاء بن أبي رباح، ما الذي رفع عطاء بن أبي رباح؟ العلم، وليس الشكل ولا الهيئة ولا المنظر. أنت إذا نظرت إلى هيئته قد لا يعجبك وقد لا تحب النظر، ولكنك إذا نظرت إلى علمه كبر في عينك، فكان فقيهًا رحمه الله تعالى وعالمًا، ومن أعلم التابعين بأحكام الحج، وهو أصلاً من سكان مكة، ومن تلاميذ ابن عباس المقربين؛ فإن ابن عباس أقام في مكة وشكل مجموعة من التلاميذ النجباء منهم عطاء بن أبي رباح.
قال لابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فقلت: بلى. والله شيء جميل، هي ما زالت في الدنيا ولكنني أجزم أنها في الجنة. قال: هذه المرأة السوداء، أشار ظاهر أن في امرأة سوداء مرت فقالوا هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا يدل على أن وصف الإنسان بصفة لقصد التعريف به ليس غيبة ولا يعتبر تنابزًا بالألقاب؛ لأنه قال هذه المرأة السوداء؛ لو قلت والله ذاك الشاب الأسود قد يكون من باب التعريف به وليس من باب الحط من قدره، لا إشكال في ذلك، أليس كذلك؟ ولذلك كان عندنا من المحدثين الأعرج والأعمش، أليس كذلك؟ الأعمش سليمان بن مهران، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز؛ هذه كلها ألقاب لمحدثين، وعرفت عنهم، ودائمًا في كتب الحديث تجدها، ولم يعتبرها العلماء تنابزًا ولا شيئًا، وإنما هو من باب التعريف به، وإن كان الأعمش والعرج يعتبران من العيوب الخلقية.
هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع؛ عندها مشكلتين، أنه يصيبها الصرع بشكل مفاجئ، مشكلة في الأعصاب قد تكون أو شيئًا من ذلك الله أعلم، وأنه لما تصرع تنكشف عورتها. فقالت: وإني أتكشف، فادع الله لي؛ يعني أن يشفيني من الأمرين. فالنبي عليه الصلاة والسلام اختار لها ما هو خير، قال: يا فلانة، إن شئت صبرت وأضمن لك الجنة، ولك الجنة، خلص أضمن لك الجنة، وإن شئت دعوت الله تعالى أن يعافيك من المرض، ولا أكون ضامناً لشيء؛ ممكن تدخل الجنة وممكن ما تدخليها؛ على حسب أعمالك الأخرى.
الآن أنت لو وضعت أمام هذا الخيار، عندك مرض معين أو عندك حاجة معينة، والنبي صلى الله عليه وسلم طبعًا حاجة أساسية في الحياة عاملة كركبة؛ لأنه الصرع هذا شيء أنت فجأة بتجد نفسك وقعت على الأرض، مش مرض خفيف، مش إنفلونزا، مش صداع بسيط؛ أنت تحكي عن شيء متعب ومؤلم، الحياة سبحان الله تكون معه على كدر. فالنبي صلى الله عليه وسلم يخيرك بين أن تصبر لك الجنة، وبين أن تدعو أن أدعو الله أن يعافيك، لكن لا أضمن لك شيئًا، قد تدخل الجنة وقد لا تدخلها. فهي امرأة عاقلة تعرف أن الدنيا فانية، وأن الصرع هذا مهما طال سينتهي، لكن في النهاية أنا أضمن جنة، العرض بالنسبة لها عرض عظيم جداً، وبالتالي قالت: أصبر. لا، أصبر، هذه الدنيا عما قريب زائلة، ممكن أول ما أتعافى إما أموت في حادث سير، أو أموت عن ظهر جبل، لا، خليها تكون لله سبحانه وتعالى. لكن قالت: عندي قضية يا رسول الله، لكن التكشف هذا، كشف عورات، فقال: نعم، النبي عليه الصلاة والسلام قال: أدعو الله ألا أتكشف، فدعا لها بعدم التكشف حتى تستتر عورتها. فأصبحت امرأة في الدنيا وهي من أهل الجنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم شهد لها بالجنة، بشرط طبعاً أن تبقى صابرة إلى مماتها.
هذا أيضًا يدل على فضيلة الصبر في البلاء البدني، فإن هذه المرأة كانت مصابة بصرع، وهو بلاء بدني فصبرت، والنبي صلى الله عليه وسلم بين أن مثل هذا الجنس من الصبر يبلغ به الإنسان الجنة. وهذا حقيقة فيه عزاء لكثير من الناس المصابين بالأمراض المزمنة، يعني الصرع أيضًا فكرته أنه مرض مزمن. صحيح، هذا فيه عزاء للمصابين بالسكري، اللي يصاب أحيانًا بأمراض جلدية، بأمراض في الكبد أو شيء، تشعر أنه يقول لك: يا شيخ، ظلني طول عمري كذا؟ ما هو فيه ناس تبقى طول عمرها مريضة بمرض معين وتصبر، والله يدخلها الجنة. اصبر يا مريض السكري، يا مريض الكبد، يا مريض غسيل الكلى، هذه الأمراض اللي خاصة فيها بهدلة شوي زي ما بقول، غسيل الكلى يومين في الأسبوع بده يروح يغسل، وأموره شاقة. فالإنسان ما يسليه في هذه الحياة الدنيا على أمراضها أنها فانية، وإلا لو كانت الدنيا دائمة لتقطعت القلوب كمداً، لكن ما يعزيك هو فناء الدنيا.
وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه يقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». متفق عليه.
هذا أيضًا من الصبر على الأذى في الدين؛ فعبد الله بن مسعود الهذلي رحمه الله عليه، أحد فقهاء الصحابة وقرائهم وعلمائهم، فقيه العراق أبو عبد الرحمن، قال: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء. ما معنى يحكي هنا؟ هل يحكي بمعنى يتمثل خلقه يشابهه من المحاكاة، أم يحكي قوله؟ بعض شراح الحديث قال: يحكي قوله، يحكي يعني يروي عن نبي من الأنبياء أن هذا النبي القديم آذاه قومه وضربوه، وكان يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، من كلام النبي القديم، والنبي صلى الله عليه وسلم يحكي ويروي لنا ما حصل معه، وهذا فيه صبر الأنبياء الأقدمين.
وبعض الشراح يقول: لا، المراد بكلمة يحكي يعني يشابه، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم تمثل وشابه خلق هذا النبي من المحاكاة، يحكي يعني يتمثل ويشابه هذا النبي؛ حيث إنه صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد ضربه قومه وأدموا وجهه، فكان يمسح الدم عن وجهه صلى الله عليه وسلم ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، فتكون هذه مقولة قالها النبي صلى الله عليه وسلم حين أَدماه قومه في غزوة أحد أو غيرها من الغزوات، كان يحاكي بها فعل الأنبياء السابقين، وهذا معنى صحيح أيضًا. ويدل على فضيلة الصبر في الدعوة إلى الله سبحانه، وأن الإنسان حتى لو أُوذِي يصبر ويحتسب عند الله سبحانه وتعالى ثواب صبره على ما يؤذيه به قومه.
ولذلك الرجل الذي قتل صاحب ياسين لما دخل الجنة، إيش قال؟ قال: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: 26-27]، حتى قوم قتلوه ولسه بيفكر فيهم، أنه يا ريت يعرفوا النعيم اللي أنا فيه، قتلوك! ونفس الشيء هنا قال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». طبعاً هنا تحتاج إلى النظر في قضية اللهم اغفر لقومه، طب هل يجوز الدعاء بالمغفرة للمشرك؟ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ﴾ [التوبة: 113].
فهنا «اللهم اغفر لقومي»، تمام، هل معنى المغفرة هنا الهداية؟ اللهم اهدِ قومي كما ورد في بعض الروايات؟ أقول: والله أعلم أنها تحمل على هذا؛ أنه اغفر لقومي بمعنى اِهدهم، كيف أقول لك يا رب لا تجعل هذه الأذية لهم سببًا أنك تمحقهم الآن بل اِهدهم، وعشهم حتى ينهدوا ويأتوا. فهنا قد نقول: اللهم اغفر لقومي بمعنى لا تعاجلهم بالعقوبة، وليست مغفرة الذنوب التي تكون للمشرك، أنا ما بأجي أقول للمشرك إن غفر الله له.
أو يكون المعنى «اللهم اغفر لقومي» بمعنى أنه لا تعاجلهم بالعقوبة، وأعطهم فرصة لعلهم يتوبوا ويستيقظوا؛ لأن بعض أهل العلم يقول: إن الدعاء بالمغفرة للمشرك وهو ما زال على قيد الحياة يختلف عن الدعاء له بالمغفرة وهو ميت، كالرحمة عند بعضهم، أنه يقول لك إنك تقول اللهم ارحم، بمعنى إذا كان ما زال في حياتك إذا مات خلاص انتهت، لكن إذا كان حيًا تقول الله يرحمه بمعنى رحمك الله، أي رحمك بأن هداك للدين، فلو قلت له رحمك الله وهو على قيد الحياة لم يمت، بمعنى أن يرحمك بأن يهديك لهذا الدين وهذه الرحمة فيه، فقال: إذًا هذا ما فيه إشكال. فكذلك قالوا: إذا قال اللهم اغفر له وهو ما زال حيًا، وتكون المغفرة له بتجاوزه بأن يعينه على أسباب الهداية والصلاح، قالوا: وهذا لا إشكال فيه كما قال طائفة من أهل العلم، وإنما الإشكال في ماذا؟ بعد أن يموت؛ إذا مات على الشرك وعلى الكفر فهذا باتفاق الأمة المعتبرين لا يجوز الترحم عليه ولا الاستغفار له، لأنه فيما نعلم وفيما يظهر أنه مات مشركًا.
فهذا أقصد عده توجيهات يمكن أن تقال. شيخ عمر أظن فيه شاهد قول سيدنا عيسى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118]، فكثير المفسرين يقول: تغفر لهم بمعنى أن يتوبوا ويدخلوا في الحق، هنا نقول المغفرة بمعنى التجاوز؛ لا، هنا المغفرة التي في يوم القيامة سيقولها.
أن هذا سيقوله يوم القيامة، وليس في الدنيا. كذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾. لا تمام لذلك، فكما قلت لك، المغفرة بهذا المعنى قريبة من المغفرة التي أقولها هنا، وهي التجاوز؛ أي أنه تجاوز العقاب، لا مغفرة الشرك نفسه؛ فالله لا يغفر أن يشرك به، لكنه يريد أن يقول: يا الله إذا أنت تجاوزت عن عذابهم، فتلك عزتك وحكمتك. ولاحظ أنه ما قال دعا، هو قال: ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، هو يوم القيامة ما دعا.
لاحظ هو قال لك: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وما طلب لهم المغفرة. لسه هذه قضية فيها إشكال، هو لم يطلب لهم المغفرة، بل قال: إذا أنت يا رب بدك تغفر لهم فهذه عزتك وحكمتك. هو ما طلب المغفرة؛ لأنه هذا شأنك يا رب، وأنت العزيز الغالب، الحكيم الذي تضع الشيء في موضعه. المشكلة في الدعاء لهم بالمغفرة، فهو يوم القيامة ما دعا عيسى لهم.
أما فكرة «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، فقد نأخذ منها حكماً، وهذه فائدة؛ فقد نأخذ منها حكماً بجواز أن تقول للمشرك الذي ما زال على قيد الحياة: اللهم اغفر له فإنه لا يعلم. فإذا قلت: اللهم اغفر له فإنه لا يعلم، بمعنى يا رب لا تعاجله بالعقوبة، وأعطه مهلة ليتوب، أو يا رب اغفر له بمعنى اهدِه، فالمغفرة معناها الستر، فكأننا نقول يا رب استر عليه من خلال أن تهديه ويصير إنساناً صالحاً ويوحد الله؛ فهذا دعاء له بالصلاح في الدنيا. فإذا قيل هل هذا جائز؟ نقول: نعم، الظاهر من السنة أن هذا جائز، أن تقول للمشرك الذي ما زال حياً: أسأل الله أن يغفر له، أو حتى لو قال: أسأل الله أن يرحمه، بمعنى اهدِه رحمةً بأن يهديه إلى الدين؛ فهذا له وجه. أما إذا مات، فهنا تأتي الآية: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه». متفق عليه. قال: والوصب المرض.
لكن هنا خطرت في ذهني فكرة تتعلق بالحديث السابق. أما الدعاء بالمغفرة بمعنى أن تسأل الله له أن يغفر ذنب الشرك ولا يعاقبه عليه، مع أنه بقي عليه، فهذا لا يجوز. البعض قد يقول: طب إبراهيم عليه السلام، ربنا عز وجل قال عن قوله لأبيه: ﴿إِنِّي سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ﴾، ثم قال الله عز وجل: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ... إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾. فكيف نجمع بين أن الله يقول لا تقتدوا بإبراهيم لما قال لأبيه: «لأستغفرن لك»، وبين أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم اغفر لقومي»؟ هنا يقع التعارض في ذهن الإنسان، لكن لو قرأنا الآية: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
متى يتبين لي أنهم أصحاب الجحيم؟ لما يموت على الكفر. أما قبل أن يموت على الكفر، فأنا ما تبين لي أنهم أصحاب الجحيم، ممكن يُهدى وممكن لا يُهدى. فهل نقول مثلاً إن إبراهيم عليه السلام لما قال: «لأستغفرن لك»، قصد أنه سيبقى يستغفر لوالده طوال حياته حتى بعد وفاة والده، فالله نهاه عن ذلك؛ أي إذا خلص والدك ومات على الشرك، لا يستغفر له؟ فإن إبراهيم وعد أباه وعداً عاماً مطلقاً أنني سأبقى أستغفر لك، وليس فقط في حال حياة والده. هذا من الأوجه التي تقال: أن إبراهيم وعده وعداً مطلقاً، وهنا الله قال: لا، إذا مات على الشرك لا يجوز أن تستغفر له.
وجه آخر يمكن أن يقال: إن المراد أن تسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر ذنب هذا المشرك وهو الشرك مع أنه لم يتب منه، فإذا كان قصدك بالدعاء له بالمغفرة أن هذا الرجل خلص الله يغفر له شركه، فهذا الشرك لا يغفر حتى يتوب. كل المعاصي لو أصر عليها صاحبها ومات عليها، ودعوت الله أن يغفر له، يمكن أن يغفر، و﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ﴾، لكن الشرك إذا صاحبه لم يحسن ولم ينضبط ولم يتب إلى الله عز وجل، فهذا الفعل الوحيد الذي لا يغفره الله سبحانه وتعالى. فأن تدعو الله أن يغفر الشرك للمشرك دون أن يكون منه صلاح وتوبة، أو أن تقصد بالمغفرة الدعاء له بالهداية، فلا إشكال. أما أن يكون قصدك أن يغفر ذنبه دون أن تصدر توبة منه فهذا لا يكون.
هناك نقاش: هل يجوز أن أدعو مثلاً لفلان أو فلان من المحاربين؟ هذا ضابط مهم، وبعض الناس يتشبث به ويقيس هذه الآيات. ممكن واحد يقول لك: طب هي ضربوا قومه وآذوه، وهؤلاء كانوا محاربين، ومع ذلك قال: «اللهم اغفر لقومي». وهل هناك جزم بأن هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام؟ سواء كان قوله أو كان ينقل قول نبي سابق، هو ينقله على وجه المدح والصبر، وأن الإنسان يدعو لمن أساء إليه، لكن لكل مقام مقال. الإنسان الذي قُتل أهله لا يقول يا رب ارحمهم، فالمقام يقتضي التنديد. والسلف كانوا يلعنون الكفرة من أهل الكتاب في صلاة التراويح، فهو لكل مقام مقال؛ وأخلاق الأنبياء في مقام معين، لكن في مقام آخر حتى الأنبياء كانوا يشددون على الكافرين ويسمعونهم الكلام القاسي. لكن هنا، لأن الموضوع يتعلق بحظه صلى الله عليه وسلم بنفسه، اختار أن يدعو لهم بالهداية؛ فقد أراد ألا يظهر أنه ينتقم لنفسه، ففضل أن يدعو لهم بالهداية ليظهر كريم أخلاقه.
أكمل الحديث الأخير لنعلق عليه اليوم: وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه». متفق عليه. وهذا الحديث جمع بين البلاء النفسي والبلاء البدني، فقال: ما يصيب المسلم من نصب، والنصب هو تعب الحياه. وما يصيب المسلم من وصب، والوصب هو المرض البدني. ولا هم، والهم يكون للمستقبل؛ أن تكون مهموماً على رزقك أو رزق أولادك أو حياتك. ولا حزن، والحزن يكون على ما فات وعلى الماضي. ولا أذى، والأذى عام ويطلق على الأذى البدني، وإن كان يطلق أيضاً على الأذى النفسي. ولا غم، والغم هو الهم من أمر سمعته أو خبر وصل إليك.
فهنا يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن جميع أشكال البلاء النفسي أو البدني، حتى الشوكة يشاكها، كفر الله بها من خطاياه. تخيل، أدنى شكل من أشكال الألم، الوخزة السريعة، كفارة خطايا. ولذلك لما سمع أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم يخبر بأنه ما من معصية إلا ولها عقوبة، شعر بالشدة، فقال: يا رسول الله، حياتنا مليئة بالمعاصي؟ فأخبره النبي عليه الصلاة والسلام أن الشوكة تكفر الخطايا والذنوب. فإذا قلنا ما من ذنب إلا وله عقوبة في الدنيا حتى يلقى المؤمن ربه وليس عليه شيء، فهذه العقوبات في الدنيا هي الهموم والغموم والأحزان وأوصاب الحياة وآلامها اليسيرة، لا تظن أنها ستكون قارعة من السماء على كل ذنب، فتفاصيل الحياه المليئة بالكبد والنكد هذه بالنسبة للمؤمن كفارة خطايا، وبالنسبة للكافر عذاب أدنى قبل العذاب الأكبر.
سبحان الله، أنت والكافر تعيشون في الدنيا، أنت تصاب بهموم وهو يصاب بهموم، أنت تصاب بغموم وهو يصاب بغموم، أنت تشاك وهو يشاك، مهما كان ماله وثراؤه في نصب. الفرق بينك وبينه أنكم ترجون من الله ما لا يرجون، أنه كل هذه الآلام التي تصيبني كفارة خطايا، وبالنسبة له عذاب أدنى قبل العذاب الأكبر. فالحمد لله الذي ميز بيننا وبينهم، والحمد لله الذي جعل لنا فيما يصيبنا من أكدار الحياه متنفساً وفرجاً ومخرجاً. هذا عظم الدين الإسلامي، الإسلام يجعلك تنظر إلى الألم وإلى الشر الموجود في العالم نظرة إيجابية؛ أن هذه الشرور بالنسبة للمؤمن أمورها محلولة، كفارة خطايا وانتهت، وبالنسبة للكافر تخوفات وقلق واكتئاب وأمراض نفسية مزمنة، آخر شيء ينتحر أو في مصحة نفسية. فالحمد لله على نعمة الإسلام، وكفى بها نعمة. متفق عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل