الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس التعليق على رياض الصالحين للإمام النووي عليه رحمة الله تعالى. وما زلنا نعيش في هذا السفر المبارك في أفياء أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ونرتوي من هذا المعين العذب. الحمد لله على نعمة السنة، كما نحمد الله على نعمة القرآن؛ هذا نعيم عظيم أن تجد في حياتك ما يرشدك إلى الخير وإلى ما ينفعك. كم من إنسان يعيش في هذه الدنيا من دون مرشد، وكم من إنسان يعيش ضائعًا تائهًا حائرًا لا يعرف كيف يتصرف في مواقف الحياة؛ يأتي الكتاب ثم السنة ليضبط لك مواقف الحياة ويحكمها أحكامًا جيدة، لتعرف كيف تتصرف في موقف البلاء وفي موقف الشدائد. فالحمد لله على هذه النعم العظيمة التي لا يعرف قدرها إلا من عاش في الجاهلية.
وصلنا إلى حديث ابن مسعود رحمه الله تعالى عليه ورضي الله عنه في باب الصبر، ولاحظ أن باب الصبر أخذ جزءًا لا بأس به من الإمام النووي رحمه الله عليه، ليخبرك أن الحياة تقوم على الصبر: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على بلاءات الحياة المتعددة، البلاءات المعنوية والبلاءات الحسية. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك، فقلت: يا رسول الله، إنك توعك وعكًا شديدًا. قال: «أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم». قلت: ذلك أن لك أجرين؟ قال: «أجل، ذلك كذلك. ما من مسلم يصيبه أذى، شوكة فما فوقها، إلا كفر الله بها سيئاته، وحط عنه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها» متفق عليه.
وهذا حال النبي صلى الله عليه وسلم ودأب المعلم الأول، يستغل أي موقف لينصح به ويبشر به أو ينذر به، حتى في سكرات الموت، حتى وهو يتألم. نحن أحدنا إذا تألم أو جاءه شيء من الأمراض تجد ما عنده نفس يتكلم مع أحد، ويتضجر ويغلق الهاتف ويجلس حبيس لآلامه وأحزانه، بينما النبي عليه الصلاة والسلام وهو يوعك في شدة تألمه، ومع ذلك يفكر بنصيحة أمته واستغلال الموقف في إرشادهم لما هو خير؛ هذا درس حقيقة. بين أنه أي تعب يصيبك، فالنبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يخبره أن أي زيادة في الألم هي زيادة في الثواب. وإن الرجل عبد الله بن مسعود ذكي وفقيه، لما لاحظ شدة الألم ربط أن شدة الألم دلالة على عظيم الأجر، فقال: ذلك أن لك أجرين؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «أجل، ذلك كذلك».
ثم أراد أن يعطي إشارة عامة أنه أي ألم يصيبك في الحياة فأنت مثاب عليه، ويكفر الله سبحانه وتعالى به السيئات، ويحط بهذا الألم عنك الذنوب؛ فكأن الذنوب تحط حطًا وتسقط سقوطًا عنك، وشبّه هذا السقوط كما تسقط أوراق الشجرة عنها في فصل الخريف. وكلما ازداد بلاؤك وازداد ألمك ازداد سقوط الذنوب عنك، كما أن الشجرة كلما ازداد ضربها ازداد سقوط الورق عنها. والبلاءات أيها الكرام، كما أنها سبب في تكفير الذنوب والسيئات والخطايا، كذلك هي سبب في رفعة الثواب وزيادته ورفعة الدرجات عند الله سبحانه وتعالى. وإذا قال: «ما من مسلم يصيبه أذى، شوكة فما فوقها»، فكلمة شوكة بدل من كلمة أذى، لكن هذا طبعًا بشرط الصبر؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر»، فالصبر شرط، وليس مجرد البلاء يكفر الذنوب، لا بد أن يقترن هذا بشرطه وهو وجود الصبر والرضا عن الله سبحانه وتعالى.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يُصَب منه» رواه البخاري. وقد ضُبط يُصَب بفتح الصاد وكسرها. هذا حديث عظيم مختصر يتذكره كل مبتلى فيبرد عن قلبك؛ أن الله إذا ابتلاك لا تقل: يا أخي ربنا يبتليني وأنا أصلي وأحافظ ومن طلاب العلم. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول لك: من يرد الله به خيرًا يُصَب منه. فما يصيبك من ضجر أو ألم، من يحفظ السنة ويسمع هذه الأحاديث يوجه الحياة والبلاءات بشكل جيد وإيجابي. أحيانًا تكون مبتلى بطول ساعات العمل، أو بتعب الأولاد، أو بالفقر وتكاثف أمور الحياة عليك؛ فتجد الإنسان يقول: أنا مؤمن وأصلي ومع ذلك لا يفتح عليّ في الرزق كما يفتح على أصحاب الذنوب. هذا الحديث يفسر لك وجود الشر في الحياة وأنه من علامات التوفيق للمؤمن، إذا قادك البلاء إلى الرضا والصبر؛ أما إذا قادك البلاء إلى السخط والاعتراض، فهذا إلى الآن ليس علامة خير. فالبلاء خير لك إذا قادك إلى الصبر ثم الرضا وحمد الله سبحانه، أما الذي لا ينتفع به ولا يتعظ بل يزداد شقاوة وبعدًا عن الله، فلا نقول إن هذا علامة خير.
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» متفق عليه. تمني الموت عندما تصاب بالضر هو مؤشر وعلامة من علامات ضعف الصبر؛ يعني الإنسان وهو في حاله من الرغد في العيش لا يتمنى الموت، مجرد أن يصيبه مرض أو حالة من الافتقار، يتمنى الموت؛ هذا دلالة على أنك غير راضٍ وغير مرتاح لقضاء الله الذي نزل بك. فلذلك تستعجل الموت، والنبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن ذلك. المطلوب إذا كنت لا بد حابب تعبر عن حالة التعب والإرهاق النفسي، فليكن أقصى ما تقوله حتى يكون شرعيًا: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيرًا لي». فهذا أدنى الحد الشرعي، وليس أكمله؛ فخيركم من طال عمره وحسن عمله.
وعن أبي عبد الله خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بُردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ طبعًا خباب بن الأرت رضي الله عنه من الصحابة الذين عُذبوا في الله كثيرًا في مكة المكرمة، ويقال إنه من الستة الذين أسلموا، وكان مولى لأم أنمار، وكانت تكوي ظهره بالحديد المحمى، وكانت تضع نارًا وتُنزِل ظهره على هذه النار، فلا تنطفئ النار من ظهره إلا من الودك -الدهن- الذي ينزل من ظهره هو الذي يطفئ النار فقط. تخيلوا شدة العذاب الذي تعرض له خباب، حتى أنت لما تسمع شكواه إلى النبي عليه الصلاة والسلام تكون متفهمًا أن هذا الرجل صبر كثيرًا.
كان خباب بن الأرت يأتي يشكو من شدة الألم، ويقول: يا رسول الله، ألا تدعو لنا؟ لقد أمر أن توقد النار، ويوضع ظهري على النار فلا يطفئ النار إلا ودك ظهري، أي دهنه وهو ينزل. ولذلك في خلافة عمر، كان خباب مشهوراً عند الصحابة بأنه أوذي في الله في مكة شيئاً لم يؤذَ به غيره. فدخل عليه عمر يوماً في خلافته، وقال: يا خباب، سمعت أنك أوذيت في مكة عذاباً لم يصبه غيرك؟ فكشف له عن ظهره، فرأى ظهره كالحفرة المجبورة، ظهراً محروقاً. هكذا كان صبر الصحابة رضوان الله عليهم.
هذا هو الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشكا، لم يأتِ رجل أصابه صداع، أو انحبس له يومين، أو واحد تكلم معه شخص في الهاتف وقال له: إذا ما تصبح كذا سأفعل بك كذا. رجل عُذِّب عذاباً شديداً؛ فبعض الناس إذا قال له شخص في المسجد كلمة جرحت مشاعره، بطل يصلي، وبعض الناس يسقط عند أخف ابتلاءات الطريق.
أما خباب بن الأرت، قال: شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الألم، وشكونا التعب، وهو متوسد بردة؛ البردة هي كساء، قالوا: مربع، متوسد أي جعله على شكل وسادة. كان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً في ظل الكعبة، وكان ظل الكعبة كأنه أمامها، وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم كساء فوضعه على شكل مربع كأنه وسادة وتوسدها، كأنه كان متكئاً عليها أو نائماً عليها، فأتى له خباب، فقلنا: ألا تستنصر لنا يا رسول الله؟ ألا تدعو لنا؟
الآن النبي عليه الصلاة والسلام مستجاب الدعوة، كان بإمكانه أن يرفع يديه ويقول: يا رب ارفع البلاء عن خباب بن الأرت وعن صحبه، وهو بالتأكيد كان يدعو لهم عموماً في صلواته وفي حياته عليه الصلاة والسلام. لكن هنا النبي صلى الله عليه وسلم شعر في نفس خباب بن الأرت بنوع من الضعف، شعر أن هذا الكلام يخرج من قلب منهك؛ نحن متفهمون طبعاً لماذا هو منهك. فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبر هؤلاء الصحابة، وأن يخبر أنصار هذه الدعوة إلى يوم القيامة بطبيعة هذا الدين، حتى لا يبقى كل شخص يصاب بالبلاء يقول: يا أخي تعبنا، يا أخي متى ينصر الله المسلمين، يا أخي أليس يكفي ما يصير في غزة وفي كذا؟
تعرف هذه الشكاوى المليئة بالضجر والتعب، وكأنها تشعرك بأن الشخص بدأ ينهك وما عاد يتحمل ضريبة هذا الطريق. فالنبي عليه الصلاة والسلام هنا ما ابتدأ وقال: خلص بدعي لكم إن شاء الله، لا، أراد أن يعطيهم درساً في الثبات، ويخبرهم عن طبيعة هذا الدين، وما كُلف به الأوائل، فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه».
فذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم نموذجين ممن كان قبلهم، كيف كان ثباتهم وابتلاؤهم أشد من بلائهم؛ يعني أنتم عُذِّبتم، لكنكم لم تصلوا إلى مرحلة من كان قبلكم. فالنموذج الأول نموذج الرجل الذي كان يحفر له في الأرض حفرة، فيوضع فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين؛ وقريب من ذلك ما مر معنا في قصة الراهب لما شق الراهب وشق خادم الملك نصفين، ولم يصدهم ذلك عن دينهم، مع أن الملك قال للراهب: ارجع عن دينك، وقال لصاحبه: ارجع، ورفض الرجوع. مع أنه يوجد خلاف هل كان الإكراه عذراً قبل أمة محمد صلى الله عليه وسلم أم هو خاص بأمة محمد عليه الصلاة والسلام، هناك نناقش هذه المسألة، ولكن الأصل أنه يكون للجميع عام، وأن هؤلاء أناس ما بدلوا دينهم وما تراجعوا مع أن الموضوع كان حفرة وأنه يشق بالمنشار نصفين.
ثم ذكر نموذجاً آخر من الموحدين الأقدمين، أي أيام الأمم الثالثة، كان يمشط بأمشاط الحديد؛ تعرفون مشط الحديد الذي يمشط به الأرض؟ هذا المشط الزراعي، شيء مثله أو قريب منه كان يوضع على بدن الرجل من رأسه إلى قدميه، يغرز في لحمه فيسحب فيفصل اللحم عن العظم. قال: «وما يصده ذلك عن دينه». شوف قمة الرسوخ والثبات، والقرآن قص لنا قصة سحرة فرعون الذين آمنوا: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: 71]، وكيف استشهدوا؛ ذكرنا قصة صاحب ياسين وكيف استشهد، ذكرنا قصص كثير ممن استشهد على هذا الطريق الطويل المليء بالكفاح والجهاد والثبات، وأن الدين إذا خالطت بشاشته القلوب، هناك أناس كانوا مستعدين لأن ينشروا ولأن يفرق لحمهم عن عظمهم، ولا يتراجعوا عن هذا الدين.
وأنت ممكن تتراجع عن دينك بسبب موقف تافه في الحياة، بسبب دنيا أصابتك أو ألم يسير مر بك، تترك الالتزام والتدين وطلب العلم، وكثير من الأمور بسبب ضيق في الرزق، أو أحدتهم تخلع حجابها أو جلبابها لكلمة قيلت لها من أخت ملتزمة أخرى؛ الانتكاسات اليوم للأسف تحصل بأمور تافهة. أمور عظيمة وأهوال شديدة كانت تحصل عند الأقدمين، ما كانوا يفتنون في دينهم، مع أن هذا بشر وهذا بشر، وهذا عنده مشاعر وهذا عنده مشاعر. يعني أكيد الذي يمشط بأمشاط الحديد هو كائن حي بشري، عنده قد يكون زوجة وأولاد وعنده حياة، لكنه في النهاية فضل الثبات على دينه والتضحية من أجل عقيدته.
إيش اللي بخلي إنسان بلحم وعظم يثبت هذا الثبات الأسطوري، بينما إنسان بلحم وعظم مش قادر يثبت على أدنى بلاءات الحياة، على امرأة فارقت، ولا على فقد أصابه، ولا على تأخر بعض رزقه، فتجده يعترض على ربه ويشكو إلهه: ولمتى يا رب، ومتى رح تفرجها علي، وليش أنا وليش مش غيري؟ ويتضجر ويتضجر، وبعد ما تناقش كل تضجراته تجدها في أمور تافهة من أمور الدنيا، رزق ولا حياة ولا زواج، بينما هناك أناس عظام ما تضجروا للنفس الأخير، ما يصده ذلك عن دينه.
إذاً أولاً أعطاه لخباب وللأمة النبي صلى الله عليه وسلم النموذج العالي؛ طبعاً لن يصل الكل إلى هذا النموذج، نحن عارفين طبعاً وليس كلنا يستطيع أن يتحمل صبر هذين. أحياناً بعض الأمثلة تذكر ليس لأنني أنا وإياكم كمتلقين أو سامعين نستطيع تحمل هذا الألم، لكن من المهم على الأقل أن تعرف أن هناك أناساً قدموا بطولات وملاحم كبيرة من أجل الثبات على الدين، على الأقل أنك تحترم ضعفك وتحترم نفسك، أنه أنا على ماذا أبكي؟ على ماذا أحزن؟ إذا في ناس هكذا صمدت يا رسول الله. يعني كان خباب سيقول: والله يا رسول الله إذا في ناس مثل كذا معناته أنا لسه بخير، أنا لسه ما صار في زي ما صار في هؤلاء. فهذه النماذج تزيدك ثباتاً ورضا بالحالة التي أنت فيها والتضييق الذي أنت فيه. شوية تضييقات أمنية، شوية بلاءات دنيوية، شوية سجن، وتلاقيه في السجن صابر ونايم، يعني هو مش أنه؛ بس إنه خلص، كيف نحن نثبت؟ يا أخي اصبر، غيرك صبر من الأقدمين صبراً كبيراً وما صده ذلك عن دينه.
تلاقي بعضهم يقول: أنا بدي أطلع، أنا خلص بدي أبطل أصلي، بدي أبطل أمشي مع الشيوخ، يا عمي أنت حبة حبة، يعني أنت من أول موقف خلص تركت الأوراق ورفعت الراية البيضاء؟ خلي هيك في شوية ثبات، ومن الناس من يعبد الله على حرف، أي على حافة، وبس مستني، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه، ما بدي التدين كلياته مش حينفع، وهذا الطريق فيه ابتلاءات، وشوف ربنا عز وجل يعطي كل إنسان على قدره. كما كان يقول كثير، لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، قالوا: أن يعرض نفسه من البلاء ما لا يطيق، لكن ربنا عز وجل ما بيحملك فوق طاقتك، ربنا ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. ما بيحملك فوق طاقتك بس أنت اللي بتنزل عن قدر طاقتك، بتكون طاقتك بدك تتحمل، بس أنت اللي بتضلك تأخذ بأسباب الوهن والضعف، فتنزل عن مستوى طاقتك في التحمل.
قال: «والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه». ولكن الجملة الثالثة هي، أنا بسميها المقطع الثاني في الحديث، إذاً المقطع الأول نماذج الصابرين وهذا موطن الشاهد، المقطع الثاني بوابة الأمل. أنه في النهاية، طيب يا رسول الله يعني بس رح يضل الوضع هيك؟ ماشي في ناس تعذبت وصبرت وهذا، وعرفنا أنه نحن لازم يكون لنا قدوات في باب الصبر، قدوات نقتدي بها ونماذج رائعة نأتسي بها، لكن في نفس الوقت شوف النبي عليه الصلاة والسلام والخطاب المتوازن.
أنا أسمع شوف الخطابات المتوازنة، في نفس الوقت ما قال له: اه وخلص، وأغلق الموضوع عند في اثنين؛ واحد كان يمشط وواحد كان يفرق رأسه، يلا روح يا خباب، لا، ما هو أنت في النهاية برضه الرجل بده متنفس. أعطاه بوابة أمل، قال: لا تقلق يا خباب من الجانب الآخر، لن يبقى الأمر على ما هو عليه، والله ليتمن الله هذا الأمر، هذا الأمر اللي هو الدين، ليتمن الله أمر الدين وسيظهر هذا الدين.
طبعاً تخيل النبي عليه الصلاة والسلام الآن في مكة مع خباب بن الأرت مع لا يزيد عن، يعني في أقصى درجات الروايات، مئة وخمسين خلال الفترة المكية، يعني هذا أظهر شيء، ما زادوا عن هذا، تتخيل أنت في قمة ضعفك ومحاط بك، وتكون عندك الأمل أنه هذه الجزيرة العربية يا خباب في يوم من الأيام سينتشر فيها الإسلام والأمن بهذا الدين، لدرجة أنك ستجد الراكب المسافر ينتقل من صنعاء اليمن إلى حضرموت، وهذه مسافة تعتبر مسافة بعيدة في موازين المشي.
فقال: «حتى يسير الراكب من صنعاء اليمن إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه». الآن في اعتقادي وهذا تحليل وليس معلومة، أنه قد تكون هذه المسافة من صنعاء إلى حضرموت؛ أحياناً بفكر طيب ليش ما قال النبي عليه الصلاة والسلام من مكة إلى حضرموت؟ طب ما هي أبعد، يعني فيما يظهر لي أنها أبعد بكثير. إذا قال من صنعاء لحضرموت، هل هذا لأنه في تلك الفترة كانت هذه المنطقة من صنعاء إلى حضرموت منطقة مخيفة؟ يعني في مسافات أكثر من كذا كان بإمكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعملها، لماذا خص المسافة من صنعاء إلى حضرموت؟
هل كانت تلك المنطقة في تلك الفترة مثالاً على المناطق المليئة بقطاع الطرق فرضاً؟ فقالوا: شايف هي المنطقة اللي الناس بتخاف تمشي فيها؟ إذاً الكلام في اعتقادي مش فقط عن طول المسافة، لا، في شيء كان في تلك المنطقة، إما وعورتها ممكن مثلاً تضاريس اليمن برضه الصعبة، ممكن أنت بتكون من مكة لحضرموت معناها أطول، بس أسهل من أنك تروح من صنعاء لحضرموت بسبب عورة التضاريس والأحوال الجبلية الصعبة التي تفصل بينهما. فأقول والله أعلم أن هذا ليس فقط إشارة إلى طول المسافة، بل ربما وعورة التضاريس وصعوبتها، فكان مثالاً على الصعوبة في أذهانهم؛ مثالاً على صعوبة المكان، أو خطورتها أمنياً، وجود قطاع طرق وخاطفين، أو وجود حروب بين منطقتين يجعلها دائماً منطقة مخوفة. فتكون في أذهان الصحابي اللي في مكة، اه فاهم والله، هي معقول هي المنطقة رح تصير هيك؟ هو أكيد لما سمع هذه المنطقة، هو تكلم له عن منطقة مش سهلة، فليش أخذه على صنعاء لحضرموت؟ ليش ما أخذه لمنطقة أخرى أو مسافة أطول؟ إذاً والله أعلم هناك مؤشر على أن هذه المسافة بين هاتين فيها عوامل كثيرة تجعلها أهلاً لأن يضرب بها المثل.
فقال: «لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه». ولاحظ لا يخاف إلا الله والذئب، إذاً قضية خوف، إذاً ممكن هناك منطقة مخيفة، إذاً في قطاع طريق، في ناس، في مصايد كثيرة على هذه المناطق، في هاتين المنطقتين ستصل حالة الأمن أنه هذه المنطقة الأكثر خوفاً ورعباً، سيمشي فيها الراكب وحده، لا يخشى إلا الله، وذئب من هذه الضواري يجي بس يهاجم الغنمات، أما قطاع طرق، سارقين، ناس نهابين، لن يكون موجوداً هذا بعدل الإسلام وتمام الإسلام وتمام نوره. فهنا إذاً أعطاهم بوابة الأمل، وأنه الموضوع سيتحسن ولن نبقى نحن، لكن المطلوب في النهاية إيش الجملة الأخيرة؟ ايش قال؟ «ولكنكم تستعجلون».
هذا الدين أساسه يقوم على الصبر، والنتائج لم يرد الله بحكمته السابقة وقضائه السابق أنه مجرد تسلم ولا أنت منتصر، لا، أراد أن يكون الإسلام طريقاً مملوءاً بالصبر ومملوءاً بالتحديات والتضحيات، هذه إرادة الله، ولذلك أستغرب من الناس الذين يشتكون.
وتعترض وتتقهقر وتقول لماذا ما انتصرنا؟ بعد ما هو أنت مش فاهم الدين، لا تضلك تسأل هذا السؤال؛ الأصل أني أنا أقبله من نفسي إخواني من جانب التعب والإرهاق، أنه في لحظة تعب، لكن كسؤال علمي مطروح، بده جواب، والدين أعطاك الجواب. هذا الطريق وهو الدين أراد الله أن يكون مفروشا بالألم والتعب والتضحيات والصبر، ولكنكم تستعجلون، ما في عجلة؛ هكذا أراد الله أن يكون هذا الدين. الذي بده يدخل بهذا الدين بده يفهم هي المعادلة، لا تضلك تشكي وتقول متى نصر الله؟ وليش ما انتصرت تلك العصابة في تلك البقعة؟ لا يشكى من ذلك ولا يعترض على الله في ذلك؛ يا أخي لا تعترض على الله لأنه هو هكذا الطريق أراده الله أن يكون. تقوم عصابات وتدافع عن الدين ممكن تفنى، تقوم عصابات وتدافع عن الدين ويستشهد جلها، يفنى كثير من الناس ومن الصالحين والأخيار في هذا الطريق؛ أراد الله أن يكون هذا الطريق «وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ»، «وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا».
فاعتقد أنه هذا السؤال لشاب مؤمن يسمع الكتاب والسنة ما عاد له وجود إلا كما قلت، ربما لحظات ضعف هيك بصير يقول: يا ربي متى يجي النصر؟ ماشي، حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 214]. أنا ما بطالب بمثالية، لكن أطالب أنه لا يكون هذا سؤالا متكررا، بمعنى أنه يلا مشايخ جاوبونا؛ لأنه الجواب موجود ولكنكم تستعجلون. لكنه قد يأتي سؤال في لحظات الضعف اللي يتنهد بها، وأنه يا رب النصر، ماشي بمشي كحالة ضعف إنساني تصدر مني أو من أي شخص ممكن، لكن لا نتشكك في الدين؛ هذا المخيف، لما يكون السؤال يطرح كسؤال شك في الدين أو سؤال عامل شبهة في الدين، لا ما في شبهة في الدين. لماذا لا ننتصر؟ لأنه هو الطريق لا عجلة فيه، والله سبحانه وتعالى يجري هذا الطريق على سننه وأحواله.
ولكن يا خباب، هذا كلام لك ولغيرك، هذا الطريق ما في عجلة. أنا بقدر أدعي لك يا خباب، شو جاي يدعي له؟ أنا بقدر أدعيلك، لكن أنا ما بوعدك أنه الآن لما أدعي لك مباشرة رح ننتصر، لأنه الطريق ليس هكذا؛ مش يا رسول الله ادعوا لنا، خلص يا رب فرج عن خباب، خباب اليوم الثاني سيكون أموره تمام، وتموت أم أنمار، وينتهي المشهد؛ لا هو الطريق ليس هكذا. فلا تظن يا خباب أنني بمجرد أن أدعو لك سترفع الرايات وتنتصر الأمة ونصبح أناسا ممكنين؛ أراد الله شيئا آخر في هذا الطريق. اصبر يا خباب، فالآن أعطاه البناء الإيماني، وهذا الذي كان يحتاجه خباب؛ دفعة معنوية في تلك الحالة الصعبة التي كان يمر بها، فخلص خباب، بقي خباب ذا، ما انتكس، وكان من علماء، من قادة المسلمين ومن المجاهدين؛ خباب شارك في كل الغزوات، وشارك ببدر وأحد، وخباب شاهد الراكب يسير من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله، وعاش لزمن أبي بكر وعمر، خباب عاش وما انتكس؛ أنه فهم الدرس أنه أنا مش كل ما أصاب بألم أو أتعاب بدي أقول يا رسول الله، بعدين مع القصة وعذاب وكذا والدين، وبدنا، خلص فهم الدرس، فعاش رجلا مجاهدا صابرا ثابتا إلى أن توفاه الله عز وجل على هذا الطريق.
قال وفي رواية: وهو متوسد بردة، وقد لقينا من المشركين شدة. نعم، وهذه أيضا رواية أخرى توضح ما سبق.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما كان يوم حنين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مئة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك، وأعطى ناسا من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة. فقال رجل: والله إن هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله. فقلت: والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته فأخبرته بما قال، فتغير وجهه حتى كان كالصرف، ثم قال: «فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ ثم قال: يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر». فقلت: لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثا. متفق عليه. وقوله كالصرف هو بكسر الصاد المهملة، وهو صبغ أحمر.
سيدنا عبد الله بن مسعود أيضا في هذا الحديث يخبرنا لما كان يوم حنين؛ يوم حنين النبي عليه الصلاة والسلام غنم من هوازن غنائم كثيرة ضخمة، كمية كبيرة من الإبل والغنم وما شابه ذلك غير الأموال وما شابه. فهذه الغنيمة بالتحديد النبي عليه الصلاة والسلام لم يعطِ منها الأنصار، وإنما آثر بها من رجالات العرب المؤلفة قلوبهم؛ الأقرع بن حابس أحد زعماء قبيلة بني تميم، عيينة بن حصن العامري أو الفزاري، هؤلاء مجموعة من زعامات العرب الذين أسلموا جددا؛ أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤلف قلوبهم، وأعطى أيضا بعض مسلمي مكة الذين أسلموا بعد فتح مكة، ولم يعطِ الأنصار من باب أنه أراد أن يؤلف قلوب هؤلاء على الإسلام. فهذا الرجل اسمه معتب بن قشير، قال رجل جاء في بعض الروايات حدده بعض بأنه اسمه معتب بن قشير، قال: والله إن هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله. قيل إنه كان من المنافقين، ذكر أن هذا الرجل كان من المنافقين، وأظن ذكرت نزلت فيه إحدى الآيات في سورة التوبة. ماذا قال؟ والله هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله؛ أنت بتتكلم عن مين يا معتب؟ عن النبي عليه الصلاة والسلام، إذا هذه الكلمة بميزان الإسلام تعتبر كفرا. فهنا سأل شراح الحديث: لماذا لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل بعد أن بلغته مقالته؟
اللي هي السياسة الشرعية؛ لا يقال إن محمدا صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه. النبي عليه الصلاة والسلام يعلم وجود هؤلاء المنافقين في المدينة، ولو كل منافق وصلتني كلمة منه هيك أو هيك سأقتله، سينتشر خبر في الجزيرة العربية غير دقيق لأن الأخبار دائما لا تصل كاملة، أن محمدا صلى الله عليه وسلم يقتل ناسا من أصحابه بدون مبرر؛ فجأة معتب بن قشير قتل، مين قتله؟ ليش تم قتله؟ الناس لا تصلها الأخبار كاملة، فلذلك لم يقتله النبي عليه الصلاة والسلام وترك أمره إلى الله، وهذا نوع من السياسة الشرعية الذي ممكن يطبق في بعض الدول وفي بعض السياسات على حسب ما يقتضيه حال الدولة من القوة أو الضعف، فهي أحكام الردة وما شابه ذلك من تطبيقها كحدود، هذه مرهونة بالسياسة الشرعية وما تقتضيه المصلحة في ذلك الوقت.
الآن ابن مسعود ماذا قال؟ فقلت والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم. هل يجوز نقل مثل هذا الكلام من المجالس الخاصة؟ البعض يقول ابن مسعود أفشى مجلسا خاصا، كيف يعني بس تنقل كلام صار في مجلس؟ مش بسموها المجالس أمانات؟ كيف نقلت هذا الخبر إلى النبي عليه الصلاة والسلام؟ حقيقة نعم صحيح أن المجالس الأصل أنها أمانات، لكن إذا كانت المصلحة العليا تقتضي نقل شيء منها حرصا على أسرار الدولة أو على مصلحتها يمكن أن ينقل شيء منها، وهذا كان اجتهاد ابن مسعود؛ أن هذه الكلمة إذا تفشت ووجدت لها آذانا صاغية، كلمة هذا الرجل معتب، إذا وجد لها ضعف في قلوب بعض الأنصار ممكن يتأثر بها، فكأنه أراد أن النبي عليه الصلاة والسلام يتخذ موقفا حاسما؛ يا رسول الله أنت ما أعطيت الأنصار والمهاجرين، وبالتالي ممكن هذه الكلمة تجد لها سوقا ومن يسمعها، فأحسن يا رسول الله. فإذا نقل الكلام الذي يكون في المجالس لأصحاب الأمر أو للعلماء إذا كان هدفه إصلاح أمر وليس هدفه التشويش أو هدفه ملء القلوب ضغينة، هذا لا يجوز. لكن إذا كان في مصلحة شرعية من نقل الكلام إلى أهل الرأي ومن يتخذ موقف معالجة فيجوز نقل مثل هذا الكلام، وهذا ما فعله ابن مسعود، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما ذهب إليه ابن مسعود وأخبره هل قال: يا ابن مسعود كيف تنقل من أسرار المجالس؟ إقراره لابن مسعود على ما فعل هي سنة تقريرية، صحيح سنة تقريرية تدل على جواز نقل مثل هذه الأخبار التي فيها تهديد لأمن الدولة أو سلامتها أو للمجتمع المسلم وسلامته.
ومش بقول هذا رجل فاجر، هذا رجل قال كلاما ليس صحيحا، أنا مش منطق رجل، أنا وصلني عنه معلومة بده يعمل فجور أو يعمل فتنة، يا أخي أمانات مجالس؛ هذا الورع البارد، الورع في غير موطنه مش هنا؛ تحافظ على الأسرار؟ حافظ على الأسرار التي لا تؤثر على أحد، تلك التي يجب كتمها. النبي عليه الصلاة والسلام بلغه من ابن مسعود هذه المعلومة، فتغير وجهه، غضب عليه الصلاة والسلام، حتى كان كإيش قال؟ كالصرف، الصرف قال هو نوع من الصبغ كانوا يصبغون به الجلد لونه أحمر، فصار وجهه يعني أحمر زي هي الصبغة، والله أعلم ما هي لأنني ما رأيتها لكن قالوا هي صبغة حمراء كانوا يدغون بها الجلود. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟» وهنا لاحظ أنه قال إذا لم يعدل الله، لماذا قرن اسمه مع الله؟ لأنه يقول أنا رسول الله، فإذا اتهامي أنا وأنا مبعوث بالخيانة وعدم العدل إذا أنت تتهم من بعثني، صحيح؟ لأن هو الاتهام كان موجها للنبي عليه الصلاة والسلام، فلماذا لم يقل فمن يعدل إذا لم يعدل رسول الله؟
لا، لماذا قال إذا لم يعدل الله مع أن الرجل لم يقل إن الله لا يعدل؟ الرجل قال، اتهم النبي عليه الصلاة والسلام وبئس ما قال الرجل، لكن هي محاولة فهم لماذا قرن الله به؛ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41]، في كثير من الآيات الله عز وجل يجعل نصيبه مع الرسول، ولذلك هنا نفس الفكرة، هو أن الله أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يقول: اتهامك لي بعدم العدل هو اتهام لله، لأن أنا مبعوث عنه، فهل يعقل أن الله يبعث نبيا ويختار نبيا ويصطفي نبيا مبلغا عنه شرائعه ويكون النبي لا يعدل؟ إذا هذا سيقود إلى أيضا توهم أن الله يمكن لا يعدل، لأنه يرضى أن يرسل رسلا لا يعدلون؛ هذا هو المنطق الذي سيسير فيه هذه التهمة، فلذلك ذكر الأمرين: إذا لم يعدل الله ورسوله.
ثم قال: وهذا هو موطن الشاهد، لذلك ذكره في باب الصبر: «يرحم الله موسى عليه السلام، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر»؛ لأنه نحن في باب الصبر، وموسى صبر وتحمل ما فعله به قومه، فكأنه يصبر نفسه صلى الله عليه وسلم، ويتحمل ما يظهر من ضعفائهم وأمراض القلوب منهم والمنافقين منهم من هذه الكلمات. طبعا لما رأى ابن مسعود أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يتخذ إجراء أكثر من الصبر والتحمل، وأنه مثل هذا الأمر يعني إذا نتخذ فيه إجراء قانوني أو شرعي سيكون فيه إيش؟ دماء، ونحن لا نريد أن يقال محمد يقتل أصحابه، فهنا ابن مسعود قال: لا جرم، يعني حقا، لا جرم معنى حقا، لا أرفع إليه بعدها حديثا؛ كان ابن مسعود استخطى نفسه، قال ما دام الأمر لن يتخذ إجراء بل سيزيده غماسا كاملا، إذا كأنه يقول لن أرفع إليك يا نبي؛ يعني كان ابن مسعود ظن أن الموضوع سيتخذ فيه إجراء، فلما رأى أن النبي عليه الصلاة والسلام لن يزيد على أن يصبر قال: إذا لن أكدر خاطره مرة أخرى بنقل مثل هذه الكلمات التي تخرج من هؤلاء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام سياسته الشرعية كانت أن يقتلهم، بالتالي أنا ليش أكدر خاطره بنقل مثل هذه الأخبار ويحمر وجهه ويغضب عليه الصلاة والسلام؟ لا حاجة إلى هؤلاء، يحاسبهم الله. حديث متفق عليه، ونكتفي اليوم بهذا القدر. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل