السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله أيها الإخوة والأخوات في مجلس جديد من مجالس التعليق على رياض الصالحين. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله مع موعد جديد مع هذا الكتاب الطيب المبارك، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا فهم حديثه وأن يرزقنا فهم كتابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلنا إلى الباب الرابع أيها الكرام من أبواب هذا السفر، وهو باب الصدق. تكلم النووي عليه رحمة الله عن الإخلاص، وتكلم عن التوبة، وتكلم عن الصبر، وهذه كلها من مقامات القلوب ومن أعمالها. الآن سيأتي إلى عمل مهم وأساسي حقيقة في مسيرة العبد إلى الله، وهو الصدق. والصدق حقيقة أحب أن أعرفه بأنه أن يطابق قولك قلبك وجوارحك. الصدق ما هو؟ أن يطابق الكلام الذي تقوله لما وقر في القلب ولما تقوم به الجوارح.
فالإنسان إذا قال شيئاً لكن هذا الشيء ليس هو الذي وقر في قلبه، فهذا ما نسميه نحن منافق. أليس المنافق هو الذي يظهر شيئاً ويبطن غيره؟ ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1]. والكذب عكس الصدق؛ هم لماذا كاذبون؟ هم كاذبون في شهادتهم، "نشهد أنك"، هذا الذي باللسان لا يوافق ما في القلب. إذاً هذه الحالة الأولى: أن تتكلم بكلام بلسانك ولا يوافق ما في قلبك.
والحالة الثانية أيضاً من عدم الصدق هو أن تتكلم كلاماً بلسانك ولكنك لا تمارس ذلك بجوارحك، كمن يتكلم عن غض البصر وهو يتساهل في إطلاق بصره، كمن يتكلم عن كثير من أعمال الخير والصلاح وهو يتجاهلها ولا يجاهد نفسه عليها في حياته؛ هذا ليس بصادق، أليس كذلك؟ ومما يؤكد هذا المعنى أن الصدق أيضاً هو أن يطابق القول لما تفعله بالجوارح. أي حديث «إن العين تزني وزناها النظر»، بماذا ختم الحديث؟ قال: «والفرج يصدق ذلك أو يكذبه». تمام، العين تزني والسمع يزني، فإذا كانت العينان تزني وزناهما النظر والسمع يزني والجوارح تزني، ثم قال: «والفرج يصدق ذلك»، ما معنى يصدقه؟ التطبيق؛ يعني هل ينطبق ما نظرت لما فعلت؟ فهذا يدل على أنه لا بد حتى تكون صادقاً يا عبد الله أن يكون كلامك وما تتفوه به منسجماً مع ما وقر في قلبك ومع ما يظهر على جوارحك.
أما مجرد بيع الكلام هكذا؛ الكلام سهل، وللأسف نحن أمة أكثرنا الكلام في واقعنا المعاصر وقللنا الفعال. ما أكثر من يتكلم عن الصلاح، ما أكثر من يسمعك الكلام الجميل واللطيف، وقد يعطيك مواعظ ويعطيك حكماً ويعطيك كذا، ثم إذا نظرت إلى سلوكه تجد انفصاماً بين النظرية والتطبيق؛ فهذا غير صادق. وهذا هو الفرق بين الصدق والإخلاص؛ أن الإخلاص يتكلم عن إفراد الله عز وجل بالعبودية، وهذا موضوعه، وألا تريد بالعمل غير الله مع الناس، هنا تقول أنت لم تخلص أشركت، فالإخلاص موضوعه أن تفرد الله بالقصد، صحيح، وأن أعمالك التي تعملها في جوارحك وعلى لسانك وفي قلبك، كل أعمالك الباطنية والظاهرية تقصد بها الله ولا تقصد سواها.
أما الصدق، في اعتقادي أنه يتكلم عن موضوع آخر، الصدق يتكلم عن موضوع أنه تكون أقوالك مطابقة لما في قلبك ولما في جوارحك، هذا موضوع مختلف؛ لأنه هنا غير الصادق ليس بالضرورة يكون مشركاً، تمام. أنت لما تتكلم بكلام ولا تفعله، أنا ما أقول أنت أشركت فخالفت الإخلاص، لا، أنت خالفت الصدق. بس طبعاً هي مشكلة، بس أنا أقصد حتى يكون الإنسان واضحاً لديه ما الفرق بين مفهوم الإخلاص وبين مفهوم الصدق. الصدق أن أتكلم بكلام وأجد نفسي أحاول وأول من يطبقه أو يسعى على الأقل في تطبيقه، وكلما قل نصيبك من هذا، فكنت تحرص على التنظير والكلام ونرى سلوكياتك لا تجاهد على تطبيقها، إذاً أنت تسمى إنساناً غير صادق.
يقول سبحانه وتعالى: اقرأ يا شيخ عمر.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين ونجِ عبادك المستضعفين، قال رحمه الله تعالى: باب الصدق، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]. وهذه جاءت في قصة الثلاثة الذين خلفوا، تذكر قصة كعب بن مالك، قال: ما أنجاني إلا الصدق، فأخذ عهداً على نفسه ألا يتكلم إلا صدقاً ما حيِي. فالله عز وجل علمنا من قصة كعب بن مالك أن هذا الرجل مع إخوانه إنما نجا بالصدق وتاب عليه بالصدق. نعم.
وقال تعالى: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ [الأحزاب: 35]، وقال تعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [محمد: 21]. فلو صدقوا الله، وهذا أعظم ما ينبغي أن تهتم به، الصدق مع الناس مطلوب وواجب، والصدق مع الله أعظم من ذلك وأوجب من ذلك، فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم، نعم.
قال وصدقهم لله هنا، ما هو هذه الآية كانت أيضاً في سورة محمد صلى الله عليه وسلم عندما كان يتكلم عن آية القتال: ﴿فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [محمد: 20-21]. صحيح.
نعم، ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾، ما هو الصدق هنا؟ أنه كانوا يقولون، بتعرف كيف الناس تكون، "نريد أن يفتح الباب"، "نريد أن نفعل"، جميل، هذا مشاعر جميلة ورائقة، لكن إذا جاء جدها ووقع أمرها، هل أنت صادق ولا هذا كلام فقط قلته؟ نحن نريد أن ندافع عن الأمة وعن مقدساتها، ونريد ونريد، كلام سهل جميل، لكن العبرة بالواقع. قال: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾؛ إذا جاء الجد وجاء الجهاد، فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم، بدلاً من أن ينقلبوا على أعقابهم ويتركوا النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة في الميدان ويخذلوه في أحد وفي غيرها من المعارك. فالصدق هنا ما هو؟ أن يطابق الأماني التي كنت تطرحها أمام الناس أن تصادقها أفعالك. ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾، إذاً هذا صدق العمل، وهنا سنبدأ بالحديث الأول المشهور، اقرأ.
قال: فالأول عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا». متفق عليه.
هذا من أعظم الأحاديث التي تبين فضيلة الصدق وخساسة الكذب. وحقيقة يعني هذا من المعاني الذي أفكر فيه دوماً، لماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام إن الصدق يهدي إلى البر؟ يعني يسوق، الهداية هنا ما معنى يعني يسوقك إلى البر، يعني إلى أعمال الخير. وقال عن الكذب إنه يسوق إلى الفجور، لماذا الصدق يسوق إلى أعمال الخير؟ ليه يا إخواني؟ شوف الإنسان الذي يتعود الصدق ويكون حريصاً عليه كما قلنا، سيحاول أن يكون كلامه مطابقاً لأفعاله، مش قلنا هذا هو الصدق، أن يكون كلامك مطابقاً لباطنك ولجوارحك، مش تتكلم كلاماً، فالإنسان الصادق الحريص على هذه المنقبة أن يكون صادقاً، سيزدجر شديداً على نفسه، يقول لك: ما هو معقول أتكلم للناس عن قيام الليل وأنا ما أقوم الليل، طب معقول أتكلم للناس عن غض البصر وأنا ما أغض بصري، طب هيك رح أكون كذاب.
تخيل أحكي للناس عن ضرورة أكل الحلال وأنا بآكل حراماً في الشغل، طب أنا هيك بكون صادق؟ لاحظوا أن يملا الصدق ذهنك ويكون هاجسك أنه أكون صادقاً فعلاً، هذا سيسوقك رويداً رويداً إلى أعمال البر، ستجد أنه كل كلمة تقولها أنت تطالب نفسك ببرهانها، وتطالب نفسك وجوارحك بدليلها، أنا قلت كذا إذاً لازم أعمل، أنا نهيتهم عن كذا إذاً لازم أطبق، إذاً ستجد مع الوقت كلما كنت حريصاً على خصلة الصدق أن هذا سيسوقك إلى كل أعمال الخير، أو إلى جلها.
في المقابل الإنسان المتعود الكذب، وأن الكذب يهدي إلى الفجور، لأنه المتعود الكذب كما يكذب على الناس سيكذب على الله، صح؟ ورح يقول آه مثلاً: "أنا بنصحكم تعملوا كذا وكذا"، لكن في النهاية بينه وبين نفسه ذنوب خلوات ومعاصٍ، لأنه هو تعود أن يكذب على الناس، فاستمرأ ذلك، فما وجد مشكلة أن يكذب على الله. ولذلك المنافقون لما قالوا: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، هؤلاء الجماعة ألفوا الكذب، يعني مش مستحٍ على حاله عبد الله بن أبي بن سلول وجماعته أن يقولوا للنبي عليه الصلاه والسلام نشهد أنك رسول الله، مع أنه كل تصرفاتكم وأفعالكم وكلماتكم في مجالسكم السرية وانحرافاتكم تدل أنكم كاذبون.
فالإنسان سبحان الله إذا اعتاد الكذب على الناس صدقوني هذا الخلق سيسري وسيكذب على الله، وسيبدأ يقول أشياء ويعطي ربنا عهوداً: "يا رب ورح أصير شيخ ونجني وسأترك ونجحني وسأفعل"، ويكذب ويعطي عهوداً ويكذب، وهذا كله سيسوق إلى الفجور ويفعل المعاصي ولا يجد لها نخزة في قلبه، لذلك هذا حديث عظيم. اعتاد الصدق وتعود أنك كيف تكون صادقاً مع الله وصادقاً مع نفسك وصادقاً مع الناس، وأنه كيف الكلام الذي تحكيه تحاول قدر المستطاع أن تطبقه في الباطن وعلى جوارحك، وأن يظهر تصديق ذلك، كبر مقتاً عند الله أن تقول ما لا تعملوا.
قال الثاني عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ، فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَالْكَذِبَ رِيبَةٌ». رواه الترمذي وقال حديث صحيح. قوله يريبك هو بفتح الياء وضمها ومعناه اترك ما تشك فيه.
طبعاً، فقط من باب إكمال الكلام، وأن الرجل ليصدق، وفي رواية: «ويتحرى الصدق» حتى الله عز وجل يعطيك وساماً، كأنك هيك وسام وعلامة مميزة أن هذا صدّيق. تمام، طبعاً هذه الكتابة يظهر لي أنها ليست الكتابة الأولى، أنه يقول لك الآن في هناك الكتابة القدرية، وهذه كانت قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فهذه الكتابة كتابة أخرى؛ لأنه قال: «وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقاً»، فجعل الكتابة نتيجة، غاية. إذاً ما هي الكتابة هنا؟ هذه عرفت هذا المراد بالكتابة هنا، الكتابة التي في صحف الملائكة مثلاً، احتمال أن الله يقول للملائكة: اكتبوا فلاناً عندكم من الصدّيقين، مع أن هذا في اللوح المحفوظ موجود. الله يعلم أنك ستكون صدّيقاً قبل ما يخلقك، أليس كذلك؟ فهذه "حتى يكتب"، هذه ليست الكتابة الكونية؛ لأن هذه سابقة على وجود البشرية أصالة، وإنما يمكن أن تفسر بأنها كتابة في صحف الملائكة، التي ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 39]، اللي هو اللوح المحفوظ، فصحف الملائكة تقبل المحو والإزالة والإضافة.
فلما الإنسان يتحرى الصدق ويظهر هذا على سلوكياته، يأمر الله الملائكة في صحفها: اكتبوا عبدي فلاناً صدّيقاً عندكم، فتعرفك الملائكة أنه فلان والله صدّيق عند الله، فتعرف عند الملائكة ويثنى عليك، وإذا قبلتك الملائكة قبلك أهل الأرض، أليس كذلك؟ يوضع لك القبول في الأرض، بخلاف الرجل الآخر الذي كان الكذب يهديه إلى الفجور، وإن الفجور يهديه إلى النار والعياذ بالله، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً، يعني الملائكة تكتبه من الكذابين. شو بدك شيء أسوأ من هذا، أن يكون لك صيت في السماء سيء، وجاء في الأثر أن لكل عبد صيتاً في السماء، جاء في الآثار الصحيحة أو صححها كثير من أهل العلم، أن لكل عبد صيتاً في السماء. أنت شو صيتك؟ شو مسموعياتك في السماء؟ فرق بين إنسان مسموعياته أنه صدّيق، وبين إنسان مسموعياته بين الملائكة أنه هذا كذّاب؛ كتبه الله كذّاباً، بيحكي كلاماً بس ما بيعمل، بيضل يسمع الناس الكلام الحلو ولكن تصرفاته وأفعاله في خلواته خلاف ما يظهر للناس، نسأل الله العافية.
طيب، قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ، فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَالْكَذِبَ رِيبَةٌ». رواه الترمذي وقال حديث صحيح. قوله يريبك هو بفتح الياء وضمها.
طبعاً، إذا كان بفتح الياء فيكون من الفعل الثلاثي راب يريب، وإذا كان بضمة الياء فهو من الفعل الرباعي أي أرابه الشيء يريبه، نعم. قال: ومعناه اترك ما تشك في حله، واعدل إلى ما لا تشك فيه.
تمام، أي الله سبحانه وتعالى جعل الإنسان يهتدي إلى الخير والشر، جعل الإنسان عنده قدرة عموماً على أن يهتدي إلى الخير والشر وإلى المصلحة والمفسدة. صحيح، يعني أنت كإنسان لديك قدرة عامة، أما يعني التفصيليات ليس دائماً موجودة، لكن في العموم في كثير من الأمور أنت تعرف أوجه الخير وأوجه الشر، أنت حتى ترى لو لم تكن ابتداءً مسلماً، ولكن الإسلام يزيدك خيراً على خير، فلذلك بتعرف أن الزنا غلط، وأن الفجور غلط، وأن السرقة غلط، وأن فعل مش صحيح، وأن غصب الناس أموالهم غلط، وبتعرف أن العفاف فضيلة، وبتعرف أن الصدق منقبة، وبتعرف أن الحياء خلق جميل، لذلك هذه الأمور حتى في الأديان.
تجدوا نوعاً من الاتفاق العام أن هناك أموراً صحيحة وأموراً سيئة، وهذا يدل على أن الله سبحانه وتعالى وضع في الإنسان القدرة على إدراك معالم الخير والمصالح ومعالم الشر والمفاسد.
فهنا النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث العظيم، حديث الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، يقول: حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم هذه الجملة التي تعينني في أمور الحياة، وهو أنه في الحياة أحياناً تختلط علي الأمور في بعض التصرفات: هل هذه من التصرفات الجائزة الحلال، ولا من التصرفات التي فيها إشكال شرعي؟
فعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا كنت في الحياة واشتبه عليك تصرف، فالخيارات التي أمامك أما أن تسأل رجلاً من أهل العلم إذا كان متاحاً ويكون عارفاً بالمسألة فيحل لك الإشكال. لكن أحياناً لا يكون متوفر هذا الشيخ، وأحياناً لا تستطيع الوصول إليه، وأحياناً لو وصلت إليه لا يكون عارفاً في هذه المسألة، فيقول لك: أنا أريد وقتاً، أو ما وصلت فيها لقناعة. في أحيان كثيرة قد لا نجد العالم الذي يفتي، فتقول: ماذا أفعل أنا كإنسان مسلم لست متخصصاً في الشريعة، لست من أهل الاجتهاد؟ كان النبي عليه الصلاة والسلام يعطيك هنا مؤشراً يساعدك في هذه اللقطات واللحظات التي لا تجد فيها أهل العلم يفتونك. لا تجدها، مش ابتداءً أنت تترك أهل العلم وتبدأ تقول: حدثني قلبي؛ لا، أولاً تذهب لأهل العلم، فإذا فقدت العالم الرباني الذي يعرف بالمسألة ويفتي فيها، فهنا يعطيك النبي عليه الصلاة والسلام مؤشراً يساعدك أن تعرف التصرف هذا صح أو خطأ.
وسبحان الله، كثير من الناس إخواني لما يستفتينا ويسألني، أنا أعرف أنه ما سأل إلا لأنه مرتبك؛ هو يكون يشتغل وأموره طيبة، فيكون صار شغله في الشغل فيقول لي: والله يا شيخ قلبي ما ارتاح لها. هذا يعطيك أنه ترى أنت فيك مؤشر؛ أنت تشعر داخلياً. أنا عارف أنك أنت إنسان مواطن، قد تكون نجّاراً، حداداً، مواطناً عادياً، لكن عندك مؤشرات داخلية أنت تشعر فيها أن هذا التصرف الذي عملته هنا مش سديد. لكن في النهاية يرجع هو ويقول: طيب خليني أرجع لأهل العلم، فيزيد يحكي معنا حتى يستفتي. هذه ظاهرة متكررة وأجدها كثيراً، ولذلك لما يتصل فيّ بعضهم أنا أقول له: أنت ليش سألتني؟ ليش اتصلت فيّ؟ أتعمد أن أريه أنه أنت في العادة أمورك ماشية في الشغل، ليش اتصلت فيّ في هذا السؤال بالتحديد؟ قال لي: أكون صادقاً معك في شغلة. قلت: أنا عارف أنت اتصلت لأنه أصلاً أنت شاعر أنه في غلط، ولذلك حكيت معي. ولذلك بتكون في العادة سبحان الله فعلاً خطأ، في العادة مش دائماً، بس في العادة فعلاً هو اتصل لما شعر أنه في الشغل غلط غلطة، عمل شيئاً مش صح، أو أن في تصرفاً مشتبه، بس قلبه يحكه، شاعر بعدم القناعة الداخلية. هذه سبحان الله من العلامات التي جعلها الله عز وجل في الإنسان إدراكها عموماً، والمؤمن أكثر وأكثر كما قلت يزداد بها بصيرة.
فهنا النبي عليه الصلاة والسلام ماذا كان يقول: «دع ما يريبك»؛ يعني عندك مسألة معينة أنت شاك فيها، عندك ريب. النبي عليه الصلاة والسلام يقول لك: مسألة اشتبهت عليك ولم يتضح فيها الحلال من الحرام، اتركها، اتركها واعمل الشيء الواضح البين. وهذا يتوافق مع قوله عليه الصلاة والسلام: «اتقوا الشبهات»؛ يعني الشيء الذي يشتبه فيه الحق من الباطل. للأسف الناس تقول لك: يا أخي هذه مش واضحة، خلص بعملها، مع أن توجيه النبي عليه الصلاة والسلام بالعكس؛ أنه لا تعملها. لما تأتي مربط ومسألة هكذا مش واضحة، مش القضية لأنها مش واضحة أعملها، بل يقول لك: هي مش حرام؟ هي مش ضروري تكون حرام حرام حتى ما تعملها، لا، هي «اتقوا الشبهات». في أشياء كثيرة يسألون: العملات الرقمية نربح منها كذا، يا أخي على الأقل احكي فيها شبهة، وبالتالي معناه أنها فيها شبهة. بعض الناس جاء الفرج أنه فيها شبهة، أنه لسه المشايخ ما حكوا أنها حرام كذا وكذا، لا، فيها شبهة معناتها اتقِ، مش جاء الفرج معناتها اتقِ. والنبي عليه الصلاة والسلام يوجهك: «دع ما يريبك»، لأن هذه مناطق حساسة، والذي يتعود يتجرأ على الشبهات كما قال: «كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه»، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
طيب لماذا يا رسول الله؟ هنا فائدة الحديث وموطنها، لذلك ذكرها في باب الصدق. لماذا يا رسول الله نحن مأمورون أن المناطق الضبابية نتركها ونذهب إلى المناطق الواضح أنها حلال؟ قال: «فإن الصدق طمأنينة». الصدق هنا ما معناه؟ الصدق يعني الشيء الذي هو في الواقع حق، الشيء الذي هو في الواقع حق، هذا تطمئن له النفس وتستروح له ولا تشك فيه، صح؟ والكذب؛ والكذب هنا الشيء الذي هو خلاف الحق تماماً. أليس نحن عندنا في الجملة الخبرية نقول: ما تعريف الخبر؟ ما يحتمل الصدق صح والكذب. الشيخ ما معنى الصدق؟ مطابقة الخبر للواقع، والكذب مخالفة الخبر للواقع. فنفس الشيء هنا، الصدق مطابقة هذه المسألة لشرع الله، هذا واقعها، كأنه نوع من المطابقة، هل هي مطابقة لما يريده الله؟ والكذب بالنسبة لك هنا في هذا السياق أن تكون المسألة في الواقع غير مطابقة لشرع الله. فبقول لك: الأشياء الصادقة يعني المطابقة لما يريده الله ولشرعه، تجد النفس تطمئن لها، «فإن الصدق طمأنينة»؛ أنت ستلاقي حالك مستريحاً تماماً أنني لست عاملاً شيئاً غلطاً. والكذب بالعكس، الكذب يعني الشيء الذي لا يوافق شرع الله، لا يوافق الواقع الشرعي -خلينا نسميه- لا يوافق الواقع الشرعي. هذا سبحان الله أنا لست عالماً، بس أنا شاعر أن في شيئاً غلط، صح؟ ريبة، الكذب يعني الشيء الذي لا يوافق شرع الله ريبة، أنا أقول لك أنا لست عالماً أفتي فيه، بس أنا مرتاب، والشك والكذب ريبة، يعني يرتاب فيه وما يطمئن له الإنسان، ويظل شاعراً داخلياً أن في شيئاً غلط في هذا التصرف.
بالتالي إذا أنت لم تجد عالماً كما قلنا تستفتيه، اعتمد على هذا المؤشر يا مؤمن، أن دائماً الأعمال الصالحة المطابقة للواقع الشرعي طمأنينة؛ أنت مطمئن ومرتاح، مش شاعر في شيء يتحرك في داخلك، هذا مؤشر، والكذب الأشياء المخالفة للواقع الشرعي عادة ما تورث عندك نوعاً من عدم القناعة والزحزحة الداخلية، فهذه اتركها لأنها في العادة بتكون فعلاً خطأ. طيب ممكن يا شيخ أكون أنا مرتاباً في شيء ويطلع له وجه شرعي؟ ممكن، عشان هيك نحن شو سميناها؟ شبهة، يعني ممكن أنت ترتاب في شيء ويخرج أنه جائز شرعاً، ممكن، بس هذا هو الأقل. والعاقل لما يكون بده يتخذ قراراً يعتمد على الأقل ولا على الأكثر؟ على الأكثر؛ يعني في العادة المتكررة أن ما تشك فيه ولا تستريح له يكون ريبة ويكون فيه مشكلة، وأما الأشياء التي لا تشك فيها وترى أنها مستقيمة بفراستك الداخلية، في العادة تكون حلالاً. لكن هذا المؤشر متى يستعمل؟ عند فقد أهل العلم؛ لأنه بعض الناس فكر، يقول لك: خلص شيخ استفتِ قلبك، وإن أفتاك الناس أفتاك، معناه أنت مش عارف تطبق الحديث، هذا الحديث له مكانة في التطبيق.
قال الثالث عن أبي سفيان صخر بن حرب رضي الله عنه في حديثه الطويل في قصة هرقل، قال هرقل: فماذا أبو سفيان في صلح الحديبية؟ بعد صلح الحديبية خرج في تجارة إلى الشام، وهرقل كانت وصلته رسائل من النبي عليه الصلاة والسلام تدعوه إلى الإسلام، فأراد أن يسأل ويعرف هل هناك من أهل هذا من بلدة هذا الرجل، اللهم صل على سيدنا محمد، ففتشوا له فقيل له: نعم، هناك تجار من الشام من قريش، وهم أهله وعشيرته. فاستدعاهم هرقل إلى قصره في الشام وسألهم عن أحوال النبي عليه الصلاة والسلام وطلب منهم أن يصدقوه، وقدم أبا سفيان، نادى أبا سفيان، عرف أنه هو سيد القوم فنادى، قال: حدثني عن هذا الرجل واصدقني، وقال لمن خلفه: إذا رأيتموه كذب فكذبوه، إذا رأيتموه كذب فكذبوه. فأبو سفيان طبعاً رفض أن يكذب، ليه؟ قال: خشيت أن تحسب علي كذبة. شوف، مع أنه كان مشركاً، لكن يعرف أن الكذب عيب، مع أنه كان مشركاً في تلك اللحظة، أسلم رضي الله عنه بعد ذلك، لكن في تلك اللحظة كان مشركاً، لكنه يعرف أنه قال: ما أحببت أن تسجل عليّ.
طيب، فمما سأله، سأله عن هرقل، سأل أبا سفيان: هذا النبي الذي خرج فيكم، عليه صلوات ربي وسلامه، إلى ما يدعو؟ ايش الأخلاق والقيم التي يدعو إليها؟ وهذا موطن الشاهد، لذلك النووي عليه رحمه الله اختصر الحديث، ذكر فقط موطن الشاهد، فقال: قال أبو سفيان: قلت يقول اعبدوا الله وحده. قلت: يقول محمد صلى الله عليه وسلم يعني يدعو إلى نعم. قال: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم. قال: ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. هذا موطن الشاهد، أن النبي عليه الصلاة والسلام من أساسيات الأمور التي دعا إليها التوحيد والأخلاق العامة. صحيح، هذا الذي بدأ به في مكة: التوحيد والأخلاقيات العامة. اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، لأنه هذا أهم شيء، حتى هذا قبل الأخلاقيات العامة، التوحيد حق الله على العبيد. ثم بعد ذلك الصلاة لأنها عمود الدين، والصدق، هذه خلق لا يتنازل عنه نبي، لا يمكن النبي يأتي، والله من دعوته الكذب، لا يمكن، ولا يمكن أن ينسخ هذا، لأن هذه الأخلاقية العامة من الأحكام الكلية التي لا تقبل النسخ، في الصدق والعفاف والصلة، فإذاً موطن الشاهد أن الصدق هو من الأخلاق والأعمال الأساسية في دعوة الأنبياء، أن يدعوا إلى هذه الفضيلة وإلى هذه المنقبة. نعم.
قال الرابع عن أبي ثابت، وقيل أبي سعيد، وقيل أبي الوليد سهل بن حنيف وهو بدري رضي الله عنه. يعني اختلف في كنيته رضي الله عنه، اختلف في كنية سهل بن حنيف فقيل كنيته أبو ثابت، وقيل كنيته أبو سعيد، وقيل كنيته أبو الوليد، نعم. قال إن النبي صلى الله عليه وسلم -وهو بدري، أي ممن شهد بدراً- نعم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه» رواه مسلم.
نعم، ما هو الصدق هنا؟ أن يكون الإنسان لما يتكلم بلسانه: يا رب أموت شهيد، يكون هذا فعلاً وقر في قلبه كما قلنا، مش الصدق أن يطابق ما في اللسان ما في القلب والجوارح، فهذا معنى: «من سأل الله الشهادة بصدق»، هذا هو المعنى الأول، أن يكون لما قال: يا رب أسألك الشهادة، أو كان أمام زملائه وقال: أرجو أن أموت شهيداً، يكون هذا فعلاً في قلبه. ثانياً، من معاني الصدق هنا أن يطلب الشهادة في مظانها بفعله أيضاً، هذا معنى أن تكون ماذا؟ يا رب أسألك الشهادة، معناتها أنت تتعرض لها إذا فتحت لك الباب، تمام، أما يرزقك الشهادة وأنت نائم في الدار، وهناك أناس مثلاً يقاتلون وأنت تستطيع أن تذهب معهم، معناتها لا تقل لي أنا، فهمتم ايش الفكرة؟ أنه «من سأل الله الشهادة بصدق» يعني سأل ليس فقط باللسان، سأل وهو موطن وقر في قلبه، وفعلاً بذل بجوارحه حتى تنال، لأنك صادق، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم﴾ [البقرة: 214]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].
صحيح، إذاً بعض الصحابة كان يقول: يا ليتنا نشارك في أحد، أو عفواً يا ليتنا، أن بعض الصحابة لما تخلفوا عن غزوة بدر تمنوا أن يشهدوا لقاءً آخر مع المشركين، وليرين الله كيف نبلي بلاءً حسناً، فلما جاءت غزوة أحد حصل فرار من بعضهم، لما حصلت البلبلة، فذمهم، لما جاء وقت طلب الشهادة تخلفتم عنها وكنتم تتمنون لقاء العدو. تمام، ولذلك الله عز وجل لما أخبر عن بني إسرائيل أخبر أن من دلائل كذبهم أنهم ماذا يقولون شيئاً ولا يفعلونه، ولا يتمنونه أبداً، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 95]، ﴿وَقَالُوا لَنَا مُلْكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 246]، ﴿أَحِقَّ غَيْرَهَا ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 246]. فإذاً، إذاً من سأل الله الشهادة بصدق تقوم على معنيين: أن يكون صادقاً في قلبه، وأن يطلب الشهادة في مظانها إذا يسرت له. هنا نعم نقول: هذا والله صادق، فهذا لو لم يمت في المعركة أو لم يفتح له باب ليقاتل في سبيل الله، وقلبه متعلق فيها، الله عز وجل يعطيه منازل الشهداء وإن مات على فراشه في بيته. نعم.
قال الخامس عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غزا نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبني بها». هنا النبي عليه الصلاة والسلام يذكر لنا قصة رجل من أنبياء بني إسرائيل، تمام فيما هو مشهور، وإن كان هنا لم ينص أنه من أنبياء بني إسرائيل، لكن كثير من رواة السير قالوا: هذا من أنبياء بني إسرائيل. هذا النبي أراد أن يغزو، فوضع ثلاثة شروط، أو وضع بنوداً معينة لمن يلحق في المعركة، قال: لا، أول شرط أو أول بند، لا يتبعني رجل ملك.
رجل ملك بضع امرأة، والبضع هو الفرج، والمراد ملك بضع امرأة أي عقد عليها وهو يريد أن يبني بها، ليلة الدخلة قريبة، لكنه للآن لم يبنِ بها. هذا الرجل مشكلته أنه متعلق بالدنيا وباله مشغول، يفكر في ليلة البناء التي لم تأتِ بعد؛ تسمى ليلة البناء أو ليلة الدخلة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن عائشة: «بنى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم لست سنين»، أي دخل بها.
فهذا النبي يقول لقومه: أول واحد لا يلحقني؛ الذي عقد على امرأة ولم يبنِ بها وهو ناوي ومحب أن يبني بها؛ لأن هذا باله مشغول، بالتالي هذا ليس صاحب معركة، ذهنه ليس معنا. وأنا أريد معركة خفيفة فيها أناس مشتاقون للجنة. هذا الرجل، كما تفضل أخونا عاصف، نصف المعركة رأى السيوف ورأى الموت وتذكر تلك المحبوبة التي تزوجها، ممكن أن يفر ويضعف همة الجيش. هذا صدق ويقين حتى في العمل الدعوي وفي غيره.
قال: ولا أحد بنى بيوتاً لم يرفع سقوفها. رجل بنى بيتاً وضايل له أن يكمل، يسمونها العقدة، بالتالي باله مشغول أنني أريد أن أخلص العقدة. هذا أيضاً مشكلته انشغال الذهن وعدم التفرغ تماماً، ومتعلق بأمر دنيوي، ربما يهاب عند لقاء العدو، يقول لك أنا تخلص حياتي والبيت ما ضل فيه إلا السكفية، فيرجع ويخذلني في المعركة.
الثالث: قال ولا أحد اشترى غنماً أو خليفات وهو ينتظر أولادها. كذلك رجل اشترى غنماً أو خليفات، والمراد بالخليفات النوق الحوامل، فيقول كذلك رجل اشترى غنم أو نوقاً حوامل، وهو مستني ويقول: ها هي آخر الشهر هذا إن شاء الله سيجيني نتاج جديد. لا يلحقني لأنه برضه ذهنه يترقب النتاج.
كانت هذه فكرة عامة، ثلاث أمثلة عليها، أنه كأنه أراد ماذا؟ أن أي واحد مرتبط بالدنيا بارتباط وذهنه مشغول فيه، هذا رجاءً لا يلحقني في المعركة؛ لأن هذه المعركة إنما لمن باع الدنيا وراء ظهره، خلاص ما في شيء بقي عالق في ذهنه للدنيا. ولذلك متى الإنسان يضعف ومتى الأمة تضعف؟ إذا كثر الوهن. قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت». هذا الوهن الإيماني، والخوف من البذل لدين الله، والخوف من التضحية، متى تأتي؟ لما يكون الإنسان متعلقاً بالدنيا. فهذا النبي عارف أن هؤلاء الثلاثة متعلقون بأمر دنيوي فلا مصلحة لي أن يكونوا معي في هذه الغزوة.
طبعاً هو ليس شرطاً؛ قد يقول قائل: ممكن رجل يريد أن يتزوج ويكون بعدين، مثل حنظلة الغسيل، ومثل كثير من الأبطال الذين تركوا زوجاتهم في ليلة عرسهم ولبوا نداء الجهاد، لكن هذه نفسيات قليلة، هذه نماذج ليست سهلة. فلذلك هو بنى على الأعم والأغلب، أن هذا في المعركة لن يكون قتاله قتالاً صحيحاً، وهو قابل للفرار والانهزام فلا مصلحة لي معه.
قال: فغزا فدنا من القرية صلاة العصر أو قريباً من ذلك. فهذا النبي غزا بقومه فدنا من القرية التي يريد مهاجمتها عند صلاة العصر أو قريباً من وقت صلاة العصر، وهذا يدل على أنه حتى الأنبياء من السابقين عندهم صلوات وعندهم أوقات صلوات. قد نختلف في بعض التفاصيل عن الشرائع السابقة، لكن قالوا لا يوجد نبي من الأنبياء ليس عنده صلاة، لا يمكن أن تكون متديناً وما عندك صلاة؛ كيف واحد يكون متديناً ما عنده صلاة تربطه، ميثاق بينه وبين خالقه سبحانه وتعالى؟ حتى الديانات البوذية وكذا يخترعون صلوات، يخترعونها اختراعاً؛ لأن الإنسان يحتاج أن يشعر بهذا الاتصال الروحاني الوجداني.
نعم، قال: فقال للشمس: «إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا»، فحبست حتى فتح الله عليه. إذا هو لما دنا على العصر شعر أن وقت الغروب قرب يأتي ولسه ما بدأنا المعركة، فقال للشمس: أنتِ مأمورة، فربنا أعطاه معجزة لهذا النبي أن الشمس لا تغربي، فحبست عليه الشمس ولم تغرب حتى أنهى المعركة.
قال: فجمع الغنائم، فجاءت النار لتأكلها فلم تطعمها. في هذا المؤشر الذي قالوا إنه قصة في بني إسرائيل، أنه لم تحل لهم الغنائم، وإنما الغنائم أحلت لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، أما بنو إسرائيل فكانوا مطالبين مع أنبيائهم في نهاية المعركة أن يجمعوا الغنائم، فإذا تقبل الله منهم الغزوة ينزل الله ناراً تأكل الغنائم، هكذا كانت طريقتهم.
قال: فلم تطعمها، فقال: جمعوا الغنائم في هذه المعركة وانتظروا أن تنزل نار من السماء تأكلها، لم تأتِ نار، لم تطعمها، ما جاءت النار، عرف هذا النبي أنه في شيء خطأ، أن قومي هؤلاء المجاهدين الذين معي فعلوا شيئاً خطأ. قال: إن فيكم غلولاً. الغلول هو السرقة من الغنيمة، قال: في شخص منكم سارق من الغنيمة، اللي سارق يرجع.
قال: فليبايعني من كل قبيلة رجل. فالآن حتى هو يكتشف هذا الموضوع قال: كل قبيلة يبايعني منها رجل، يسلم عليَّ رجل، فسلم على كل القبائل، في قبيلة من القبائل لما سلم عليه الرجل، لصقت يد الرجل بيد النبي، صار في التصاق، قال: في قبيلتك، لست أنت الغال، لكن الغلول في قبيلتك.
قال: فلزقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك. قال: جيب لي كل قبيلتك، أريد أن أسلم عليهم واحداً واحداً. فسلم على قبيلته واحداً واحداً. قال: فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده. فقال: فيكم الغلول. كل القبيلة سلمت، ما حدا لصقت يده في يد النبي إلا يد اثنين أو ثلاثة، فصار الحصر أكثر الآن، قال: آه، إذاً الغلول في واحد منكم الثلاثة.
قال: فجاؤوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعها، فجاءت النار فأكلتها. فلما رجعوا آخر قطعة من الغنيمة خلص، نزلت النار وأكلت الغنائم، دلالة أن هذه الغنيمة الآن أصبح الأمر صحيحاً.
قال: فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا، ثم أحل الله لنا الغنائم، لما رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا، متفق عليه. نعم، لأنه هذه أمة محمد عليه الصلاة والسلام أحلت لها الغنائم لضعف أمرها.
طيب السؤال هنا: أين موطن الشاهد في الحديث؟ يعني هذا الحديث أين موطن الصدق فيه؟ شيخ يمكن أنه صف الجيش كله صادقين، بعدما استثنى هؤلاء فغزوا منتصراً.
يعني أنت قربت، هي موطن الصدق في موضوع الغنيمة أنهم لما كان فيه خيانة؛ الخيانة شكل من أشكال عدم الصدق. الأصل أنكم جمعتم الغنائم صحيح؟ آه والله جمعناها، يا أيها النبي، يا جماعة كل الغنائم موجودة. الأصل لما وجدت الغنائم أن كل شخص أتى بكل ما عنده، فلما حصل كذب من بعضهم، كان أكيد قال لهم: جمعتم الغنائم؟ وبالتأكيد ضمنياً قالوا: آه جمعناها كلها. ضمنياً في ناس كذبت، هذا هو المفهوم ضمنياً، أنه في ناس خبأت شيئاً ولم تصرح به، هذا نوع من الكذب. فلما كان فيه كذب، لم يتقبل الله هذه المعركة كلها حتى انتفى الكذب وعادوا جميعاً إلى الصدق. ولذلك الكاذب قد يفسد على جماعة وهو عنصر هزيمة. لاحظ كيف أن هذا الجيش، جيش مع نبي من الأنبياء، أثر وجود كاذبين فيهم، أثر على ماذا؟ أثر على قبول الغنيمة كاملة. وهذا يعطيك مؤشراً أن ورود أشخاص كاذبين داخل صفوف أهل الدعوة وأهل العمل وأهل البذل مشكلة، وتؤثر على صفو الجميع وتؤثر على وضوح الدعوة.
نعم، يعني الذي قاتل ولم يغل هو ليس آثماً، لكن في النهاية كمحصل نهائي الفاسد أثر علينا جميعاً، وهذا طبعاً يحفزنا أن نشيله من ظهرنا وأنه نعلمه كذلك؛ لأنه أنا إذا شعرت أن الكاذب ما رح يؤثر عليَّ خلاص يدبر نفسه هو يكذب هو حر، لكن لما أشعر أن الكاذب هو معي في سفينة، فإذا بقيت غير عابئ بكذبه رح تغرق السفينة، بصير أنا عندي اهتمام أكثر أني أجعله يترك الكذب وأنهاه عن ذلك، وإلا ستغرق السفينة كلها. فهذا حديث عظيم في بيان كيف أن الكذب يؤثر على الدعوة بأسره، وحتى ولو كان البعض صادقاً والبعض كاذب. نعم، أنت كصادق تقول أنا ما لي علاقة يا شيخ بالكاذب، أنت غير آثم لصدقك، لكن كذب هذا الشخص المقابل سيؤثر على المجموع وسيؤثر على النتيجة دنيوياً، فحاولوا أن تخرجوا الكذب من بين أظهركم، وهذا ما فعله هذا النبي، أنه سعى لإخراج الكذب وعدم المصداقية من بين أظهرهم، فلما ظهرت تقبلهم الله أو تقبل الله سبحانه وتعالى منهم الغنيمة. هذا مهم جداً أن نأخذ على أيد الناس الكاذبين ونصلح من شأنهم، أو على الأقل لا تضع معك في صفك شخصاً يكذب، غير صادق، لا تكن معي، لا تخرج معي؛ لأنك إذا خرجت معي ستتعبني وستؤثر على النتيجة الجملية.
قال الخليفات بفتح الخاء المعجمة، بكسر اللام، جمع خليفة، وهي الناقة الحامل.
السادس عن أبي خالد حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما»، متفق عليه.
هذا الحديث نختم به اليوم، حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام بين أثر الصدق في حياة الناس، أن الصدق بركة، إخواني، أن الصدق يجلب لك البركة في حياتك في علاقاتك في بيعك وشرائك وكسبك. دائماً الصدق كلما حل في مكان حلت معه البركات.
فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام يخبر هنا مثلاً عن الصدق في البيع، فيقول: البيعان بالخيار، اللي هو بنسميه خيار المجلس، أنه إذا أنا وإياك عملنا عقداً وخلصناه بس لساتنا في نفس المجلس، يجوز لي أنا كبائع وأنت كمشترٍ أن تعيد فسخه وتتراجع عنه، فكل واحد منهما بالخيار أن يفسخا العقد ما لم يتفرقا عن مجلس البيع، إذا تفرقنا أصبح عقد البيع ملزماً لي ولك.
ثم أخبر عن قضية مهمة وهي ضرورة الصدق في البيع والشراء، خصوصاً للأسف أن اليوم التاجر الذي يصدق هذا بدك تعطيه جائزة، قليل جداً من التجار الذين يصدقون إلا يعطيك شغله فيها لفوائد بجهة من الجهات، سواء تجار أو حرفيين أو صناعيين، وهؤلاء ندرة أن يكون صادقاً كاملاً تاماً؛ يعني إذا ما كذب مائة في المائة بيكذب له خمسة أو ستة أو سبعة في المائة، إلا يطلع لك شغله أنه ضحك عليك فيها، ويشعر هو بالنشوة أنه استطعت أضحك عليه في خمسة في المائة. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «فإن صدقا وبينا»، بين كل شيء في السلعة من أولها إلى آخرها، لا تغش ولا تزيد ولا تنقص، هذه بدها قوة إيمان، قال: «بورك لهما في بيعهما».
وإذا كذبا وكتما، كتموا العيوب؛ أنا بعتك شيئاً وكتمت أن مراية السيارة مكسورة، وكتمت أن العجل فيه مشكلة، وكلما ازداد الكتم كلما محقت البركة أكثر وأكثر. قال: «محقت بركة بيعهما». لذلك ليس الشاطر الذي يجيب مصاري أكثر في البيع والشراء، أنت ممكن تجيب آلافاً مؤلفة، لكن بسبب كذبك يمحق الله البركة في الآلاف المؤلفة، بتلاقي نفسك بكره داخل مستشفى، ابنتك صار معها مرض، حادث سير صار معك، كثير من التجار عنده أموال لكنه ليس سعيداً، بل لا يشعر ببركة الأموال، وإنسان تجارته على قد حاله أو مصنعيته على قد حاله، لكن بقول لك ثلاثمائة أو أربعمائة والله شاعر ببركتها في الحياة لأنها من صافي الرزق. فلذلك دائماً حافظ على الرزق الصادق، وحافظ على الصدق عموماً، أن الصدق بركة أينما حل معه الخير. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من الصادقين، صل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل