دخولتسجيل الدخول

مجالس الوحيين | شرح كتاب "رياض الصالحين" | باب المُراقبة من الحديث (٦٠) إلى (٦٤) | المجلس الرابع عشر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. بسم الله، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلاةً تترا، وعلى آله وصحبه لمنهجه اقتفى. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من التعليق على كتاب رياض الصالحين للإمام النووي عليه رحمة الله.

وصلنا أيها الكرام في هذا الكتاب إلى الباب الخامس، وهو باب المراقبة. ونلاحظ أن النووي عليه رحمة الله بدأ بالأبواب المتعلقة بأعمال القلوب قبل أن يشرع في أعمال الجوارح؛ فإن أعمال الجوارح أساسها مبني على إصلاح ما في القلب. فتكلمنا عن الإخلاص، وتكلمنا عن الصدق، وتكلمنا عن التوبة، وتكلمنا عن الصبر؛ هذه المعاني الأساسية التي يجب أن ترسخ في القلب بها قوام حياة المسلم.

ومن المعاني أيضاً المهمة التي ينبغي للإنسان أن يراعيها في قلبه مسألة المراقبة. فقال: باب المراقبة؛ وهو أن يعيش الإنسان في الدنيا وهو مدرك تماماً مراقبة الله سبحانه وتعالى له في خواطره وأفكاره، وأن الله عليم بذات الصدور، وملاحظة الله عز وجل لأعماله؛ فإن الإنسان متى ما افتقد هذا الشعور غرق في المعاصي.

ما الذي يجعل الإنسان يغرق في المعاصي وذنوب الخلوات؟ هو فقدان الشعور بالمراقبة؛ فيظن أنه إذا اختلى في غرفته أو في بيته أنه لا يوجد أحد يراقبه، لا تقل خلوت ولا يكن علي رقيب. كذلك إذا صنع مثلاً بيعاً فيه غش، يظن أن أمامه لم يدرِ ذلك؛ نعم، الذي أمامك لم يدرِ أنك غششته، لكن الله مراقب. فاسم الله الرقيب يجب أن يكون من أكثر الأسماء حضوراً في حياة المسلم، وأن تكون مدركاً تماماً أن الله عز وجل مطلع، مطلع ليس فقط على جوارحك الظاهرة، بل حتى على طريقة تفكيرك وعلى خلجاتك الباطنة.

ولذلك كان أعظم مراتب الدين هو أن تصل إلى مرتبة الإحسان؛ أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. طبعاً الإحسان على منزلتين، أعلاها أن تعبد الله وأنت تستشعر أنك تراه، لكن أقل مراتب الإحسان كما سيأتي معنا هو أنك تعبد الله وأنت تستشعر أنه يراك ومطلع عليك.

فلذلك كان السلف شديدي الحرص على غرس هذه المعاني وعلى الإحاطة بها وعلى إعطائها حتى لأطفالهم وأبنائهم وتربيتهم عليها. كان يُروى عن أحدهم أنه كان له طفل وكان يلقنه كل يوم أن يقول قبل أن ينام: الله رقيبي، الله مطلع علي؛ كانوا يلقنون معنى المراقبة لأطفالهم منذ نعومة أظفارهم، أن يكرر هذه الكلمة: الله مطلع علي، الله رقيب علي.

من خاصية الإنسان أن الكلام الذي يكرره يتأثر به داخلياً؛ بعض الناس يقول لك ما فائدة أن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر؟ ما فائدة أن أعيد الآية عشرات المرات؟ هذه من خاصية الإنسان، أن الإنسان كلما كرر شيئاً بدأ هذا الشيء يتجاوز حد اللسان ويبدأ يغوص في أعماقه، خاصة إذا كان هذا التكرار تكراراً واعياً، وتكراراً مبنياً على التأمل في المعنى. هذه من توفيقات الله للإنسان أنه يتذكر ويعتبر.

بدأ النووي مجموعة من الآيات، اقرأ.

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين ونجِّ عبادك المستضعفين. قال رحمه الله تعالى: باب المراقبة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: 218-219]. الذي يراك حين تقوم مع رؤيته لتقلبك في الساجدين أيضاً هذه مراقبة، أن الله يراك فاعبده على هذه الرؤية.

وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: 4]. وهو معكم؛ المعية العامة اطلاع ومراقبة. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: 5]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 14]. لبالمرصاد؛ يعني يرصدك. من الذي يجلس للرصد؟ والمرصاد هو الطريق الذي يجلس فيه للمراقبة، أليس كذلك؟ فيقول: إن ربك لبالمرصاد؛ يعني يرصد أعمالك، وبالتالي يحاسبك بناءً عليها. فالرصد هو مراقبة؛ فالله عز وجل بالمرصاد، فهو يرصد أعمالك ويحاسبك عليها.

وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]. والآيات في الباب كثيرة معلومة.

أما الأحاديث، فالأول عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً». قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه.

عجبنا كيف أنه يسأل ثم يقول صدقت، كيف عرفت أنه صدق؟ أنت لما تسأل الشيخ سؤالاً تقول والله يا شيخ شو حكم هذه المسألة؟ فيقول لك حكمها حلال، فتقول صدقت، كيف عرفت؟ فهو هذا الذي عجب الصحابي؛ أن الذي يسأل الأصل فيه أنه جاهل فما يقول صدقت، يقول جزاك الله خيراً، هو قال صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه في نفس الوقت.

قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

وهذا هو موطن الشاهد من الحديث المتعلق بباب المراقبة؛ هي مرتبة الإحسان، أن تعبد الله كأنك تشاهده، والمراد هنا شهادة القلب؛ يعني كأنك تستحضر وجوده في كل خطوة من خطواتك وفي كل صلاة من صلواتك وفي كل فكرة من أفكارك، تستحضر وجود الله كأنني أراه، هكذا معنى تعبد الله كأنك تراه؛ مستحضر الوجود الإلهي، وإلا فأنت لن ترى بعينيك في الدنيا بالتأكيد. فإذا لم تستطع أن تصل لهذه المرتبة وهي أنك وأنت في صلاتك وأنت في حياتك تستحضر وجود الله، فعلى الأقل المرتبة الأدنى من الإحسان، وهي أن تعبد الله وأنت تستحضر أنه يراك ويرصدك؛ هي مرتبة جيدة ممتازة، وإن كانت تلك الأولى أعلى وأعلى.

قال: فأخبرني عن الساعة. قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل». قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: «أن تلد الأمة ربتها». أن تلد الأمة ربتها، هذه من التي اختلفوا فيها كثيراً شراح الحديث، ما معنى أن تلد الأمة ربتها؟ البعض قال الأمة هنا بمعنى المرأة عموماً، كل النساء هن إماء الله، فالمراد بالأمة عند بعض شراح الحديث المرأة، يعني أن تلد المرأة ربتها؛ أن تلد فتاة، هذه الفتاة لما تكبر تعامل أمها معاملة العبيد، وهذا قالوا دلالة على كثرة عقوق الأبناء والبنات لأمهاتهن؛ فأن تلد الأم ابنة، هذه البنت لما تكبر تعامل أمها على أن البنت هي السيد الرب، والأم تصبح شغالة عند البنت، أن تلد المرأة ربتها؛ كيف تولد سيدتها؟ بتولد فتاة، هذه الفتاة من شدة عقوقها لأمها تعامل أمها على أن أمها خادمة عندها، تصرخ على أمها، لا ترد عليها ولا تهجرها، فهذا قالوا فيه دلالة على انتشار عقوق البنات لأمهاتهن.

البعض قال لا، الأمة هنا ليست بمعنى المرأة، بل الأمة هي العبدة، والمراد أن الأمة تلد ابنة، الآن السيد إذا وطئ أمته وأنجبت الأمّة بنتاً، البنت حرة أم تكون كالأم؟ السيد إذا أنجب من الأمة تكون البنت حرة، فقالوا يختلط الأمر في آخر الزمان والناس تضيع الأمور، فهذا السيد يلد من أمته ابنة حرة، هذه البنت الحرة في يوم من الأيام تصبح سيدة لأمها وتدخل أمها في عبوديتها، كيف؟ من اختلاط الأمور.

الآن عندنا في الإسلام من ملك ذا رحم محرم فهو حر، في الزمن القديم إذا أنت بالقدر الالهي اشتريت الأمة وكانت هذه الأمة أختك أو أمك أو أي شكل من الأشكال مباشرة تعتق عليك؛ إذا ملك الرجل أو المرأة ملك أمة، وهذه الأمة هي ذات نسب محرم، مباشرة تصبح حرة، بس في آخر الزمان الناس تضيع الأمور وتختلط، حتى إن الأمة تلد من سيدها بنتاً هي البنت حرة، بتكبر وفي يوم من الأيام أمها تصبح أمتها وهي مش دارية أنه هي اللي تحتها وخادمتها هي أمها، فهذا قالوا إشارة إلى اختلاط الأمور في آخر الزمان وعدم انضباط الأنساب والأحكام.

قال: «وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان». هذا واضح، أن الناس أهل البدو وأهل الغنم وأهل الإبل يصبحون أصحاب أبراج وأصحاب يناطحون بها السحاب، يتطاولون في البنيان ويتفاخرون أي الأبراج أعلى وأعلى، وهذا حصل كثيراً في واقعنا المعاصر.

قال: ثم انطلق فلبثت ملياً، ثم قال: يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم». رواه مسلم.

هذا الحديث أيها الكرام شرحناه مراراً وتكراراً، فلا أريد الإطالة في هذا المقام، وإنما اقتصرت على موطن الشاهد فيه، وهو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. فمن أراد التوسع أكثر في شرح مراتب الدين، فإن هذا الحديث يسمى حديث جبريل في مراتب الدين، وهو الحديث الثاني في الأربعين النووية، ويتكلم أن الدين ينقسم إلى ثلاث مراتب: الإسلام، ثم الإيمان، ثم الإحسان.

وأن الإسلام هو أنك تتمسك بالأعمال الظاهرة، لكنك لن ترسخ بعد في مقام الإيمان؛ الذي هو في مقام الإسلام ليس معناه أنه ليس عنده إيمان، لو ما عنده إيمان يكون كافراً، لكن معناه عنده جزء يسير جداً من الإيمان، فلم يستحق بعد أن يقال إنه مؤمن، لكن يقال إنه مسلم، إذا قويت في الإيمان واجتهدت حتى رسخت فيه، تنتقل من دائرة مسلم إلى دائرة أكبر، دائرة مؤمن؛ فالمسلم في الدائرة الكبيرة، لكن بعد ما تتعب وتجتهد حتى يرسخ الإيمان فيك تصبح في دائرة مؤمن. فمن في دائرة مسلم ليس شرطاً أن يكون في دائرة مؤمن، بس الذي في دائرة مؤمن هو أكيد مسلم، وممكن تتعب أكثر وتنتبه لأعمال القلوب أكثر فأكثر، فترسخ إلى أن تصل إلى دائرة محسن، وهذه بدها شغل.

قال: ومعنى تلد الأمة ربتها أي سيدتها، ومعناه أن تكثر السراري حتى تلد الأمة السرية بنتاً لسيدها، وبنت السيد في معنى السيد، وقيل غير ذلك.

كما قلنا السرية قالوا معناها أن تكثر السراري، والسراري هي الأمة التي يطؤها سيدها، فكما قلنا أن تكثر السراري، السرية فقهياً هي كلمة دقيقة، الأمة السرية هي الأمة التي يطؤها سيدها، مش كل أمة تسمى سرية، من باب التدقيق الفقهي الأمة التي توصف بأنها سرية هي التي يطؤها سيدها. بعض الناس يقول لك كيف هذا معقول في الإسلام كان فيه مثل هذه القضايا؟ هو ليس فقط الإسلام، هو الإسلام جاء بالواقع هكذا، الروم والفرس وكل الأمم كانت قضية الإماء من القضايا الشائعة بين أمم الأرض في تلك الفترة التي جاء فيها الإسلام، والإسلام قنّن هذه القضية وسعى إلى إعتاق الناس، فلذلك دائماً في الفقه الإسلامي الإسلام يتشوف للعتق، فلذلك تجد كثيراً من الأحاديث وكثيراً من الأحكام ما كفارتها؟ عتق رقبة، لماذا في كثير من القرآن لما تقرأ: "فك رقبة"؟ لأن الإسلام ما يريد أن تبقى العبودية، يريد أن ينفيها، الإسلام جاء إلى أوضاع أرضية العبودية اشتبكت في الناس واختلطت فيها الأنساب، فالإسلام ما يقدر ينهيها مباشرة، لماذا؟ لأنه ستدخل الأنساب في بعضها، كان الناس طبيعياً أن يكون سيد له إماء ويلد منها كما أن الرجل يتزوج امرأة.

ويلد منها، هكذا كانت الحياة، فالإسلام جاء ينظم الأمور؛ لأنه لو ألغى الإسلام نظام الإماء مباشرة ضاعت أنساب الناس. ولذلك كثير من الصحابة قد يكون ولد من أمة، وممكن كثير من العلماء زي الحسن البصري وابن سيرين هم أولاد إماء، مش من زواج من إماء، كانوا من علماء الإسلام. فالقضية لأنه نحن ما عشنا تلك الحقبة الزمنية يظل الإنسان مستغربها، بقول لك يا أخي كيف كانوا عايشين، كيف كانت الحياة؟

هو زي الآن، كيف أنت حالك مع القضية القديمة؟ الآن لو جينا في عجلة الزمن للوراء ودخلنا في القرن الأول الهجري، قلنا لهم ترى نحن عايشين في القرن الخامس عشر، عندنا تلفزيون وعندنا سوشيال ميديا وعندنا كهرباء، شو رح ينظر إليك؟ سيقولون: هذول كيف عايشين؟ زي ما هم سينظرون إليك. أنت بتنظر إليهم، حتى هم الكفار ما كانوا شاعلين في مشكلة في هذا الموضوع، حتى يجي بعض اليوم المسلمين المنهزمين ويقول: لا نحن ما بدنا نجيب سيرة هذا الموضوع، وأنت مستحي من إيش يا نور؟ ما هم نفسهم الكفار كانوا متصالحين مع هذا الموضوع، وما حدا عاب الإسلام فيه؛ لأنهم يعرفون أن الإسلام مش هو اللي استحدث موضوع الإماء كما يحاول المستشرقون تصوير هذا ويكذبون على الإسلام.

جاء الإسلام إلى عالم كله مقرر فيه هذه العلاقات، وجاء الإسلام بالعكس يضبطها ويقللها ويقننها إلى أن منعها بأغلب صورها إلا في صور محددة فيها مصلحة معينة تبقى فقط هي الوحيدة، وأما صورها عدا ذلك فالإسلام يتشوف للحرية. فالمهم، لا يستغرب من هذه القضية، وهل ستعود شيخ في آخر الزمان؟ أقول والله إذا كان هذا معنى الحديث، وأن سيئ أنه ستكثر الإماء السراري اللواتي توطأ من أسيادهن، وأن الأمة السرية ستلد بنتاً لسيدها، طبعاً هو جعل أن المعنى أن بنت السيد في معنى السيد، لكن أنا أعتقد أن الأمر أوسع من ذلك، يعني أن بنت السيد ستصبح في يوم من الأيام كبيرة، وأمها اللي والدتها تصبح عندها خادمة وهي مش عارفة أنها أمها، وهي لا تدري أنها أمها، وتكون الأمور الأنساب قد ضاعت وتاهت، والله أعلم.

قال: والعالة الفقراء، وقوله ملياً أي زمناً طويلاً، وكان ذلك ثلاثة، يعني جاء مفسراً في رواية أبي هريرة أنه لما غادر هذا الرجل مكثوا ملياً، ثم قال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: «إنه أتاكم يعلمكم». في رواية أبي هريرة أنه أتاهم بعد ثلاثة أيام، النبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: «إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم». يعني الظاهر من هذه الرواية أنهم لبثوا شوي ساعة ساعتين بعدين أخبرهم أنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم، لكن في رواية مفسرة أخرى أنهم مكثوا ثلاثة أيام، ثم أخبرهم النبي عليه الصلاة والسلام وتذكروا قبل ثلاثة أيام لما اجا الرجل وقعد جنبي، بتعرفوا من هو الرجل؟ جبريل، فالملي هنا جاء مفسر في رواية أخرى أنه ثلاثة أيام، نعم.

قال الثاني: عن أبي ذر جندب بن جنادة، وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». رواه الترمذي وقال حديث حسن.

هذا الحديث من الأحاديث العظيمة التي أعطيها صلى الله عليه وسلم من جوامع الكلم، وضع فيها قوانين الحياة، كيف تنظم علاقتك مع الله، كيف تنظم علاقتك مع نفسك، كيف تنظم علاقتك مع الناس، ثلاث قواعد تنظيمية: الله سبحانه وتعالى، ثم نفسك، ثم المجتمع. فقال: «اتق الله حيثما كنت»، وهذا موطن الشاهد في الحديث، وهي المراقبة، وهو أنك في أي مكان تكون فيه، في عملك في جامعتك في منزلك في مكان الرياضة في السوق في أي مكان تكون، اتق الله في خلواتك. وتقوى الله أن تجعل بينك وبين سخطه وقاية، وأن تجعل بينك وبين غضبه حجاباً يقيك. «اتق الله حيثما كنت»، شوف العموم في أي مكان تكون.

فتتذكر في أي خطوة تخطوها في الحياة أن الله مراقبك، والذي يعيش بهذا المفهوم، خلص هو سيكون حاسب خطواته. كيف أنت لما تعرف أنه أبوك براقب جوالك كيف بيكون كلامك على الجوال؟ ما في ولا غلطة، علامة كاملة آخر الشهر؛ ليه؟ لأنه أنت عارف أن الحج كل ليلة أو جوالك مكشوف عنده تماماً. بتعرف في بعض البرامج بنحط في الجوال بصير التليجرام تاعك مكشوف عند والدك، شو بتشعر؟ بتشعر مش قادر تغلط، تتقي سخط والدك؛ ليه؟ لأنه أنا شاعر وعارف أنه والدي عم براقب جوالي وأنه جوالي مكشوف عنده تماماً، فبتشعر حتى لو بدك تغلط بتكون هيك بتموه.

طيب الذي يعلم أن الله يقيناً يعلم أن الله مراقبه في كل مكان كيف بيغلط؟ والله عز وجل ليس والدك، والدك بشر ممكن شوي يغفل عينه عن الجوال تاعك وأنت بتعرف أنه نام، يلا خليني أروح استرق النظر، لكن الله عز وجل لا تأخذه سنة ولا نوم. فمن تيقن وربى نفسه على أن الله مطلع علي، هذا صعب يعصيه، وإذا صدرت منه معصية بتكون إيش؟ فلتة، لكن حقيقة نحن عندنا ضعف في هذه التربية سواء في أنفسنا أو حتى في أبنائنا، بغيب عندنا بعد مراقبة الله سبحانه وتعالى، ودائماً بتكون مثلاً تنبيهاتنا لأبنائنا بماذا؟ بالعقاب الدنيوي، أنه تعمل كذا غلط بحرمك من شيبس، طب لا أنت لازم تغرس فيه أنه تعمل الغلط لأنه مطلع عليه قبل ما تحرمه من لعبة معينة أو من مشوار معين. لازم أغرس فيه معنى أنه لا تفعل كذا لأن الله مطلع عليك، الله راقبك الآن ويمكن أن تسجل عليك سيئات، يغرس في هذه المعاني مش نبقى العقوبات أو التحفيزات على الشبس والشوكولاتة والمشاوير واللعب أنه سيصبح هو رابط بين الخطأ وبين السلوك الدنيوي، لا أنا بدي بعد إيماني، أنا بدي يربط بين الخطأ وبين المراقبة الإلهية له، طيب.

«واتبع السيئة الحسنة تمحوها»، هذا في علاقتك مع نفسك، أكيد عندك ذنوب ومعاصي كثير، دائماً اتبع السيئة بحسنة، إذا عملت معصية اعمل بعديها طاعة، تمام. وابن تيمية في شرحه لهذا الحديث له رسالة اسمها الوصية الصغرى، أظن علقنا عليها موجودة على القناة هي تعليق على هذا الحديث بشرح مستوفى. قال: «واتبع السيئة الحسنة»، والأفضل أن تكون الحسنة التي تفعلها من جنس السيئة التي فعلتها، فإذا كانت السيئة التي فعلتها أنك بذلت مالك في الحرام، فاجعل الحسنة بعدها أن تبذل مالك في صدقة أو في مشروع خيري أو كذا إسلامي. إذا كانت السيئة اللي عملتها أنك نظرت إلى الحرام، روح انظر في القرآن أو انظر في شيء النظر فيه طاعة وعبادة. إذا كان مثلاً أنك عقيت والديك روح أحسن لوالديك. إنه بعض الناس مثلاً ممكن عمل معصية بده يعمل طاعة فبيروح بيعمل طاعة من موضوع آخر، بقول لك أنا نظرت لحرام بدي أتصدق، بيزبط حلو رائع، بس الأفضل والأعلى أن تفعل طاعة من نفس جنس المعصية التي فعلتها حتى يكون إن شاء الله المفعول أكثر في المحو، وتشعر أنه هذا العضو اللي أنت عصيت ربنا فيه هيك رجعت أطعت ربنا فيه، عرفت مرض هذه القضية أن العضو اللي أنت عصيت ربنا فيه، عصيت ربنا بعينك بتروح يا رب هيني بدي أطيعك بعيني، أنا عصيت ربي بالأذن اللي أعطاني إياها بروح بسمع درس علم أو قرآن أطيعك يا رب العضو الذي أعطيتني إياه. فالعضو إذا استعملته في معصية الله فاذهب فاستعمله في طاعة الله لعل استعمالك له في طاعة الله يمحو استعمالك له في معصية.

ثم القاعدة الثالثة، قال: «وخالق الناس بخلق حسن»، خالق يعني عامل، وخالق الناس بخلق حسن، دائماً خلي معاملتك مع الناس بماذا؟ بالحسنى، بخلق حسن. وهذا يعني عظيم في الإسلام أن الإسلام مش بينظم فقط علاقتك مع نفسك أو علاقتك مع الله، حتى علاقتك مع المجتمع هي جزء من المفهوم الإسلامي، وكثير من الشباب قد يصلح علاقته مع الله لكن يخفق في علاقته مع الناس، بتلاقيه متدين ومربي اللحية على السنة، لكن لما تجد أخلاقه مع الناس ومع زوجته سيء، وهذا خطأ، مين قال لك أنه مشكلته أنه هذا يحسب في النهاية على الدين؟ لا، هذا الرجل حتى لو كان متديناً شكلياً لكنه في الواقع يفقد جزءاً لا بأس به من الدين؛ لأن الدين الأخلاق أخذت مساحة منه. فلذا قال «وخالق الناس»، عامل الناس المعاملة الحسنة، وهذا بالتالي يحتاج الإنسان أن يتعلمه، كيف يجامل الناس، كيف يهدي للناس، كيف يترفق بالناس، كيف يصبر على أذى الناس، هي الأخلاق الاجتماعية هذه مهم يتعلمها الشاب المسلم حتى يكون دينه متكاملاً سواء في علاقتك مع الله أو مع نفسك أو مع المجتمع، نعم.

قال الثالث: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وفي رواية غير الترمذي: «احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً». هذه الرواية عند الإمام أحمد في مسنده، طيب.

هذا الحديث أيضاً من الأحاديث العظيمة أيضاً علقنا عليه كثيراً في الأربعين النووية، وهو موجود هنا، وهو موطن الشاهد فيه بدايته، انظروا كيف النبي عليه الصلاه والسلام كما قلت لكم قبل قليل كان يحرص على غرس معنى المراقبة في الأطفال. هو الآن بيتكلم مع مين؟ مع ابن عباس، ابن عباس كم كان عمره لما مات النبي عليه الصلاة والسلام؟ ابن عباس كان عمره 13 سنة، يعني بالتالي لو هذه الوصية بدي أحط هيك سيناريو تقريبي أنه النبي عليه الصلاة والسلام حكاها لابن عباس وهو عمره 10 سنوات تقريباً، 10، 11، عم بيعطي إيش؟ بيغرس فيه المراقبة لله. إذاً المراقبة ما بتقول والله بس يكبر بيتعلم، لا، من الآن بده يتعلم أن يراقب الله: «يا غلام، إني أعلمك كلمات».

شوف كيف يوجهنا أن ننتبه على الأجيال اللاحقة وعلى أبنائنا، وما نأخر التربية أنه تربية المراقبة إذا تأخرت صعبت بعد ذلك: «إني أعلمك كلمات»، أولاً: «احفظ الله يحفظك»، هذا معنى المراقبة، احفظ الله، ومعنى أن تحفظ الله أن تتذكر وجوده معك في كل لحظة من لحظات الحياة. احفظ الله، احفظ حدوده ومحارمه وفرائضه، فافعل المأمورات واجتنب المنهيات، وإياك أن يراك الله في مكان لا يريد أن يراك فيه، هكذا تحفظ الله، إذا حفظت الله بحفظك لشرعه فإنه يحفظك في حياتك، يحفظك من شياطين الإنس والجن ومما يؤذيك، حتى لو ابتليت ببلاء تجد الله يتلطف بك ويسهل عليك حتى ساعات البلاء التي تمر بك، احفظ الله يحفظك، طيب.

«احفظ الله تجده تجاهك»، كأنه كرر هذه الفكرة لكنه علقها على جواب آخر، احفظ الله، احفظ شرعه، تجد الله تجاهك، إيش يعني تجاهك؟ يكون في صالحك، مش يقول لك فلان أنا تجاهك يعني ايش أنا معك؟ فتجاهك يعني معك، يعينك، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده ورجله، ولأن سألني، فبتشعر إذا أنت حفظت شرع الله ولم تنتهك حرمات الله وكنت تراقب الله عز وجل أن الله عز وجل بوفقك في الحياة، التوفيق. كثير من الناس حرم التوفيق في زواجه، حرم التوفيق في رزقه، حرم التوفيق في مساعيه، لماذا الله حرمك التوفيق؟ لأنك لم تحفظ حرمات الله، فإذا كنت مصراً على معاصي الله لا تقول يا شيخ ليش زواجي فاشل، ليش رزقي مش ماشي، ليش أموري معسكرة، ما هو احفظ الله تجده تجاهك، هيك القاعدة، احفظ رب العالمين، احفظ شرعه، خاف الله، راعِ، اشعر بمراقبته، ربنا عز وجل بوفقك، بيسهل لك أمورك، بييسر لك حياتك، تجده تجاهك. أما أنك تعانده ثم تلومه على عدم تيسير الحياة لك، مش راكب هي.

نعم، قال: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله»، خلي دائماً تعلقك بالله سبحانه وتعالى أعلى أنواع التعلق، لا يكون أول واحد بتستعين فيه هو البشر، دائماً إذا سألت أول شيء بتسأل مين؟ رب العالمين، بعدين إذا موضوعك ممكن الناس تساعدك فيه فمش مشكلة أنك تطلب من الناس، لكن لا تجعل الله آخر من يخطر على ذهنك، نحن أول شيء بنروح نستنزف علاقتنا مع البشر، بس تغلق الأبواب يا رب، لا، النبي عليه الصلاة والسلام يغرس في ابن عباس العكس، أنه اجعل أول شيء يخطر على ذهنك في المساعدة والمساندة هو الله: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله»، خلي أول من يخطر على ذهنك عند الشدائد وعند الحوائج رب العالمين.

ثم قال في قاعدة في القضاء والقدر والتسليم لها: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك»، شوف الراحة اللي عند الإنسان: عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، يعني خلص القضية في النهاية مفروغ منها.

السعي مفروغ منها، إذا أصابك خير فاعلم أن الله عز وجل كتبه لك، ولو كل البشر بدوا يسحبوه منك ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وإذا في شيء ربنا بده يمسكه عنك لو حطيت واسطات وبذلت كل الجهد ودفعت الأموال ومش مكتوب لك لن تناله. قال الله تعالى: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: 2].

في القرآن وفي السنة تأكيد قاعدة أن الإنسان لا يبقى متعلقاً بما في أيدي الناس، بل يكون متطلعاً إلى ما عند مولاه؛ فهو الذي يكتب النفع ويكتب الضر. ثم قال: رفعت الأقلام وجفت الصحف. هذه إشارة إلى ماذا؟ أن الضر والنفع قد فرغ منه، وأن كل إنسان كتب له نصيبه من الضر والنفع.

إذاً ما فائدة الدعاء يا شيخ؟ الدعاء هو جزء من النفع الذي كتب لك؛ أنك إذا دعوت يحصل لك كذا وكذا، فلذلك إذا مددت يدك فهذا من النفع الذي كتبه الله لك حتى يعطيك عليه، فالدعاء من القدر. فهمتم علي؟ البعض يقول لك شو فائدة الدعاء إذا رفعت الأقلام وجفت الصحف؟ خلص، ما هو كل شيء انتهى يا شيخ! ما هو الدعاء جزء من منظومة القدر، ولذلك كان الصحابي يسر إذا وفقه الله للدعاء، ويقول: ما وفقني للدعاء إلا لأنه يريد أن يعطيني. فإذا وفقك الله للدعاء فإنه يريد أن يرتب عليه الإجابة؛ إذاً هو جزء من منظومة القدر.

وفي رواية الإمام أحمد: «احفظ الله تجده أمامك»، وهي قريبة من «احفظ الله تجده تجاهك»، يعني قريبة من نفس المعنى، تجده أمامك أن الله دائماً معك، يأخذ بيدك، يوفقك إلى أبواب الخير. تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، لما تكون في ساعة رخاء لا تنسَ رب العالمين، لا تكن ذلك الإنسان الذي إذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه، ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل. نسي رب العالمين في ساعة الرخاء، هكذا أكثر البشر، وإن مسه الشر فيؤوس قنوط، ولكن إذا مسه الخير فرح وبطر وقال: إنما أوتيته على علم، بل هي فتنة. فتعرف على الله في الرخاء، تذكر نعم الله عليك في ساعة الرخاء حتى لا ينساك الله في ساعة الشدة.

واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، هي نفس فكرة ما ينفعوك بشيء إلا بشيء كتبه الله لك، وإن يضرك. واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً. ولاحظ مع ما قال: واعلم أن النصر أي بعد الصبر، لا قال: واعلم أن النصر مع الصبر، يعني هو ليس بعيداً عنه، عشان هيك ما قال لك هو بعد، هو معه. واعلم أن النصر مع الصبر؛ فالصبر ساعة بعديها نصر، طبعاً هذه الساعة مش ضروري ساعة 60 دقيقة، قد تكون الساعة خمس سنين؛ لأنه كل شيء على حسبه، لكن نصر الله ليس ببعيد، وفرج الله ليس ببعيد، والعسر لا يطول، لكن بشرط أن تلتجئ إلى الله وتحسن التعامل. إذا أحسنت التعامل فإن الكرب مآله إلى فرج عما قريب، وإن الصبر مآله إلى نصر، والعسر مآله إلى يسر.

وحتى من مآل العسر إلى اليسر ممكن أن تستشهد، وهذا يسر وفرج، لكن نحن بالنسبة لنا الفرج دائماً لازم يكون صورته انتصار محسوس وقامت الرايات، لا، الفرج واليسر أحياناً قد يكون بصورة أخرى، فالشهادة يسر وفرج، هي احفظها لأنك تخلص من دنيا الناس.

عن أنس رضي الله عنه قال: إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات. رواه البخاري، وقال: الموبقات المهلكات. هذا الحديث يبين مدى اهتمام الصحابة بمراقبة الله سبحانه، وشعورهم الداخلي بعظمة الله عز وجل. يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، يعني أنتم مش شايفينها شغلة، الغيبة، النميمة، الكلام اللي اللغو، الشتائم، دينار بتحطه في جيبتك مش حقك، تعملون أعمالاً كثيرة تقول يا شيخ هي صغيرة مش مشكلة، هي الغيبة اللي حكيتها لفلان يعني مش هالموضوع الكبير، قال: كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات.

إيش الفرق بيننا وبين الصحابة؟ أن الصحابة عرفوا عظمة الله أكثر منا، فوقر في قلوبهم من مراقبة الله، فأصبحوا يرون أنه حتى هي الكلمة اللي فيها غيبة يا أخي والله صعبة كبيرة؛ لأنه ما يحبها ذاك، فدائماً يقول: لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى عظمة من عصيت. كنا نراها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات، يعني من المهلكات. أنت بتشوف الغيبة الآن كشربة الماء، الصحابة كانوا يشوفوها من كبائر الذنوب. أنت بتشوف النظر للحرام الآن من العادة الطبيعية، الصحابة كانوا يرون النظر إلى امرأة شيئاً فظيعاً. فما بالك شباب والتلفونات شغالة طول الوقت، ونظر للحرام يلا مش مشكلة، يعني يا شيخ شو بدنا نسوي؟ ما هو العالم كله فيه نساء! أنت أصبحت تستهين النظرة الحرام في الوقت الذي كان الصحابي قد يتقطع أسفاً وحسرة على تلك النظرة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى يغار، وغيرة الله تعالى أن يأتي المرء ما حرم الله عليه». متفق عليه. قال: والغيرة بفتح الغين، وأصلها الأنف. إن الله يغار، وهذه صفة نثبتها لله على ما يليق بجلاله، ولا نسلك مسالك أهل التعطيل وأهل التأويل الذين يريدون أن يحرفوا هذه الصفة عن معانيها، نقول هي صفة تثبت لله، إن الله يأنف، مش قال الغيرة هي الأنف؟ إن الله يغار يعني يأنف، وغيره الله كيف يأنف الله؟ مما يأنف الله أن يأتي المرء ما حرم الله عليه. وهذا إيش علاقتها بباب المراقبة؟ أن الله يغار ويأنف أن يرى عبده يعصيه أمام ناظريه.

فعليك أيها الإنسان قبل ما تعصي أن تنتبه أنك إذا عصيت فأنت تعصي أمام مرأى الله، ما بتقدر تتخبط وتعصي بدون ما يشوفك ربنا، مستحيل، أنت تعصي أمام مرأى ربك. فإذا كنت تعصي أمام مرأى ربك سبحانه وتعالى فاعلم أنك في ساعة معصيتك يغار الله سبحانه وتعالى عندما يراك على تلك الحالة، وأنت تنظر بالجوال للحرام، ولا أنت بتتكلم مع فلانة بالحرام، ولا لما تعمل نصب واحتيال بالحرام، ولا لما تعق والديك، كل هذا يغار الله أن تنتهك الحرمات أمامه. فهو الذي يراك حين تقوم وتقلبك، فما دمت لن تستطيع الهروب والخروج من ملك الله فاعلم أنك في كل معصية فعلتها الله سبحانه وتعالى غار على حرماته، وأنت لمست الحدود التي يأنف الله سبحانه ويغار من أن يراك تنتهكها. إن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرم الله عليه، بدك تنتبه أنك أنت تغضب ربك، كبر مقتاً عند الله.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه، الحديث فيه طول ويحتاج إلى شرح، أتركه إلى مجلس آخر، وصلوا على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.