دخولتسجيل الدخول

مجالس الوحيين | شرح كتاب "رياض الصالحين" باب المُراقبة من الحديث (65) إلى (73) | المجلس الخامس عشر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب رياض الصالحين للإمام النووي عليه رحمة الله تعالى. وما زلنا نعيش في أبواب جميلة رائقة من أبواب وفصول هذا الكتاب الطيب المبارك، ومما انتقاه النووي عليه رحمة الله من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام. وصلنا في باب المراقبة إلى حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، حديث الأبرص والأقرع والأعمى، وهو من الأحاديث المهمة والجميلة والمليئة بالعبر والفكر.

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين ونج عبادك المستضعفين. قال رحمه الله تعالى: السادس عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى، أراد الله أن يبتليهم».

هذه قصة نفر ثلاثة من بني إسرائيل في الزمن الماضي. أحدهم كان أبرص، والبرص مرض جلدي يغير لون الجلد ويسبب نفورا من صاحبه في العادة. والأقرع هو الذي لا شعر له، والأعمى معلوم. قال: «فبعث إليهم ملكا، فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس».

الآن الأبرص برأيكم لما واحد يقول له: أي شيء أفضل شيء بالنسبة لك؟ ما هو أجمل شيء يحصل لك في الحياة؟ بالتأكيد بليته هي أكثر شيء يريد أن يدفعها. الله يعافينا، لما يبتلى الإنسان بمرض السرطان ويبيت في المستشفى، لما تقول له: أي شيء أفضل شيء تريد الآن أن يحصل معك؟ بالنسبة له أن يذهب هذا المرض. فقال: لون حسن وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس، أي استقذرني الناس بسببه، وهو اللون غير الجيد؛ وكما قلنا، الناس في العادة ربما تهاب أو تتخوف من التعامل مع الأبرص.

قال: «فمسحه، فذهب عنه قذره، وأعطي لونا حسنا». قال: «فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل -أو قال البقر، شك الراوي- قال: فأعطي ناقة عشراء، فقال: بارك الله لك فيها». عشراء أي حامل. قال: «فأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قد قذرني الناس، فمسحه فذهب عنه، وأعطي شعرا حسنا».

قد يكون للأقرع بالنسبة للزمن القديم نظرة اجتماعية معينة. ربما نحن اليوم بالعكس، صار بعض الناس موضات، تلاقيه حالق شعره وماشية أموره طيبة، لكن الذي يظهر أن في زمن بني إسرائيل قد يكون لها رمزية معينة سلبية. فهو يقول: ويذهب الذي قذرني الناس، يعني قديما هل كانوا يستقذرون من مجالسة الأقرع؟ ممكن تكون ثقافة مجتمع كذا، أو ربما ظن الناس أنه من الأمور المعدية، يظنون أنه إذا جالس الأقرع ممكن أنت تصير أقرع مثله. البرص واضحة القضية، لكن القرع بجوز أن ثقافتنا بعيدة أن يكون مستقذرا من الأقرع، ممكن هيك شوي مستصعبينها، لكن فعلا ثقافات المجتمع تختلف.

قال: «فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر، قال: فأعطي بقرة حاملا، وقال: بارك الله لك فيها». قال: «فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إلي بصري فأبصر الناس. فمسحه فرد الله إليه بصره. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شاة والدا، فأنتج هذان وولد هذا». أي صاحب الإبل وصاحب البقر صار عنده نتاج كثير، وصاحب الغنم أيضا ولد. قال: «فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم».

ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته. الآن جاء وقت الاختبار الحقيقي. الآن أعطاهم الله نعما، لم تكن النعمة فقط بزوال الشر عنهم أو بزوال الأمراض عنهم، بل أعطاهم مالا فوق ذلك. أحيانا الله عز وجل إذا أعطى يدهش، أليس كذلك؟ تكون أنت عندك غاية معينة يعطيك أضعاف ما كنت تتوقع. الرجل الأقرع والأبرص كان قصار ما يريد هو ذهاب البلاء، ما كان طموحه يصير ملياردير وعنده مشروع إبل كبير أو مشروع بقر كثيرة. فقط: يا رب أزل عني هذا البلاء وهذا البرص أو القرع، وأنا راض. الله عز وجل أعطاهم عطاء مدهشا.

لكن هذا العطاء المدهش الله عز وجل سيراقبه، ولذلك ذكر الحديث في باب المراقبة؛ سيراقب كيف تعمل: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]. ثم جاء وقت النظر، كيف سيتعاملون مع هذه النعم؟

فقال: «ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيرا أتبلغ به في سفري». لاحظ الآن الاختبار، جاءك رجل من جنس ما كنت مبتلى به، فطرق بابك وقال لك: أنا إنسان منقطع والله عز وجل، ما عندي بلاغ، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك الصورة الجميلة والحالة الجميلة أن تساعدني، أنا إنسان أبرص ما عندي شيء.

الاختبار كيف يأتيك في الحياة؟ لاحظ كيف يكون، مثلا شاب كان مريض بمرض معين ربنا شفاه منه، ياتي إنسان مريض بنفس هذا المرض ما يهتم به ولا يلتفت له. طيب، تتذكر أنك في يوم من الأيام كنت هذا الرجل؟ شاب كان فقيرا، فقيرا تماما معدما، الله عز وجل رزقه مشروعا وفتح عليه وأموره أصبحت طيبة، يطرق بابك فقير حاله كحالك في ماضي، تقول ماذا ستجيب؟ ماذا ستقول؟ هل ستمنعه؟ تتذكر لما كنت أنت فقيرا كانت أقصى أمنياتك أنه يجي شخص يفتح لك مشروع ويعطيك، لماذا لما ربنا أغناك وأعطاك وجاءك رجل من جنس ما كنت عليه حرمته ولم تعطه؟

فبماذا أجاب الأبرص السابق؟ قال: «الحقوق كثيرة». هذه كثير نسمعها من أصحاب النعم، أنه والله علي التزامات كثيرة عائلية، مع أنه هو قادر. كل هذا الذي أنت فيه أصلا الآن من النعم ومشروع الإبل الذي أنت تسترزق منه، أنت ما كنت تحلم فيه أصلا، وأنت كانت أقصى أمنيتك فقط يزول البرص، لما صار عندك أموال وشركات وإبل وإنتاج صارت الحقوق كثيرة ولا تستطيع أن تقدم لله شيئا. هذا فعلا الإنسان لما يطغى.

فالأبرص الآن -وهو الملك الذي جاء على صورة أبرص- الآن بده يذكر الرجل، قال له: «كأني أعرفك يا فلان، ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا، فأعطاك الله؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر». نسأل الله العافية، هنا معناها في خلاص، هذا إنسان عفيل النفس: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ [الزمر: 8]، وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ [القصص: 78].

أنا شاطر، أنا ورثت كابرا عن كابر. بل هي فتنة، هذا مصداق هذا الحديث. الإنسان يكون في ضر وبأساء، وإذا ربنا أعطاه نعما قال: إنما أوتيته على علم، أنا شاطر وعرفت أدبر حالي. بتعرف الشباب الذين تجلس معهم، بعض الناس هكذا، تشوف بعض مقاطع لبعض الأخرياء، تمام؟ يجي إيش يعمل؟ حاله أنه أنا هذا بقدرتي، وأنا يا عظيم هذا، وأنا اشتغلت وتعبت على نفسي، عشان هيك أنا بستحق هذه الشغلة. نعم، أنت قد تكون بذلت أسبابا، لكن والله لو شاء الله أنك تبذل هذه الأسباب طول عمرك تحرث ولا يأتيك دينار، والله ما جاءك دينار.

لذلك الإنسان لا يستكثر الأسباب ولا يستعظمها في خطابه مع الناس. نحن لا نلغي وجود الأسباب، وأن الله عز وجل علمنا أن نأخذ بها: ﴿وَاعْمَلُوا﴾، فكل ميسر في أسباب، لكن في النهاية العطاء من مين؟ من الله. هذه بدها هذه القيمة وهذه العقيدة وهذه الفكرة، بدها تبقى ظاهرة وطاغية على خطابك: الحمد لله، والله هذا من الله. الحمد دائما عود نفسك على هذه القضايا. فهذا الرجل جاحد، قال: إنما أعطيت كابرا عن كابر، يعني مش جاحد، كاذب! أين كابر عن كابر وأنت جاءك الملك وأعطاك إياه؟ تجحد وتكذب. فقال: «إن كنت كاذبا، فصيرك الله إلى ما كنت». قال له الملك: إذا أنت كنت كاذبا الله يرجعك زي ما كنت.

قال: «وأتى الأقرع في صورته وهيئته، فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد هذا». الأقرع وقع في نفس المطب. الأقرع جاءه الملك على صورة أقرع وقال له كذا، وأعطيني وأنا منقطع، فقال له: الحقوق كثيرة، وقال: أنا ورثت كابرا عن كابر. فقال: «إن كنت كاذبا، فصيرك الله إلى ما كنت».

قال: «وأتى الأعمى في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري». فقال: «قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله عز وجل».

شوف سبحان الله، لا أجهدك يعني لا أشق عليك، لا أحاسبك، خذ ما تريد. شوف فعلا الناس ما بين موفق ومخذول. الناس ما بين موفق ومخذول؛ في إنسان فعلا موفق، تجده في ساعات معينة ربنا بيختبره، يؤدي الاختبار بالعلامة الكاملة كما يقولون أو بعلامة مميزة، وفي ناس يخفق في الاختبارات الإلهية. الأبرص والأقرع فشلوا من أجل ماذا؟ من أجل دنيا لن تبقى. والأعمى لا، مستبصر يعرف أن كل ما كنت أنا فيه الآن هو هدية من الله سبحانه وتعالى على غير حسبان، جاءني رجل وأعطاني من الشياه هدية على غير حسبان. لما يأتي رجل الآن يطلب مني شيء من هذه الهدية، لاحظ لم يستقص، هل هذا الملك استقصاه؟ هل قال أريد كل المال الذي عندك؟ شيء يسير فقط، بس قدم لي شيء يسير من هذا الكبير والكثير الذي عندك. هذا الأعمى ذكي وفاهم وربنا وفقه، كيف هذا التوفيق؟ لله سبحانه وتعالى. قال: خذ ما شئت واترك ما شئت، فوالله لا أجهدك، لا أشق عليك ولا أحاسبك على أي شيء تأخذه، أنا أخذته بالمجان فافعل فيه ما شئت.

قال: «أمسك مالك؛ فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك». هذا هو، متفق عليه. رضي الله عنك لأنك إنسان، شوف ربنا عز وجل سبحانه يبتلي ويرحم. يعني ما ابتلى بالاستقصاء، ابتلى بشيء يسير فقط من ماله. ولذلك الزكاة مثلا بعمومها، الزكاة هي نوع من، صحيح تطهير الأموال، لكن من حكمها أنه ربنا يبتليك، هذه الزكاة المفروضة التي في السنة مرة واحدة، التي هي 2.5%، والله إخواني أن هناك أناسا في بلادنا يدخل عليهم شهريا مئات الآلاف شهريا، وسنويا بالملايين، لا يخرج زكاة ماله. يعني كم زكاة مالك ستؤثر عليك؟ كم ستؤثر عليك؟ يعني طلعت عفوا 20,000 من المليون الذي معك؟ يعني المليون كم يطلع عليه زكاة؟ بالرياضيات بسرعة: 25,000. يعني تخيل مليون مليون معك في البنك، لو بدك تبني بيتين وثلاث وسيارات وكذا مش رح يخلصوا، ربنا عز وجل يأخذ منك شيء يسير ينظر كيف تعمل. تجد نفسك والله شيخ، عنده التزامات، بصير يشكي لك وأمور حياته، سبحان الله. في ناس والله معهم الآلاف ودائما يشكوا، ما عندهم الحمد لله على لسانه، والله دائما يا شيخ عنده التزامات والأولاد والعائلة وكذا. طيب قدم لهؤلاء، قدم لهؤلاء، قدم لهؤلاء. تذكرتوني بأحد الإخوة، يعني كان معه الآلاف وجاء أخ طلب منه، كان لأحد الإخوة مبلغ أنا أعرف الأخ، صاحب...

مول ضخم جداً في بلادنا، أمسك خمسين ليرة أعطيها للأخ دبر حاله فيها، نحن عارفين الأخ هذا صاحب المول، الرجل يدخل عليه يومياً خمسة وعشرون ألف دينار. سبحان الله، يعني شهرياً اضرب. فبقول لي طلبت منه، كان الإخوة عندهم مركز قال لي طلبت منه، قال لي خذ هي خمسين ليرة، قلت لا، الأخ قال اسمع خلي خمسين ليرة لك، شكراً جزاك الله خيراً. أحياناً تمجها من الناس، وبعد ما وح وكذا وطلب منه بيانات قال لي الشيخ: أنا عسيت الموضوع، بعد كل هذا أنت ظننت أنه سيعطي لله عز وجل الشيء التافه وتستأثر بالشيء الكبير، بدلاً من أن تكون كالأعمى هذا الذي هو بصير حقيقة، يعني أعطاه الله بصر العين وبصر الفؤاد اللي يعرف أنه أنا هذه نعم سأسأل عنها.

فلما ربنا يطلب مني الشيء اليسير، تقرض الله سماه قرضاً وإن كان هو غني عنك، لكن سماه قرضاً حتى يراعي نفسيتك ويحفزك، وأنه سأثمر لك هذه النفقة، يعني برضه هي صح ذهبت لكن ستثمر عند الله. تعطي لله عز وجل الشيء التافه، والبعض كما قلت لا يعطي ولا يدفع زكاة ماله، مع أن بعضهم كان في يوم من الأيام يا إخواني فقيراً، بعض هؤلاء أصحاب الإمبراطوريات المالية لما تسمع قصص البدايات هذه وكيف كان يبيع، بتعرف البدايات لازم تكون مؤلمة حتى تشعر فيه.

المهم لما تسمع قصص البدايات أنه كان إنساناً عادياً يأخذ مائتين ثلاثمائة ليرة، ربنا فتح عليك وأغناك وعرّفك التجارة، فثمر مالك الآن، تأتي تجادل الله عز وجل بالعشر الدنانير والخمسة عشر ديناراً، وتفكر أني أزكي هذه السنة ولا لا؟ والله هذا معيب معيب معيب بإنسان تكون هكذا علاقته مع ربه سبحانه وتعالى. فتذكر أن الله يراقبك، يراقبك وأنت فقير، يراقبك وقد أصبحت غنياً، يراقبك كيف تتصرف في الغنى، كل هذا بمراقبة الله عز وجل، ثم في النهاية سيكون الجزاء، ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا﴾ كما مر معنا في سورة الأنعام.

قال: والناقة العشراء، بضم العين وفتح الشين والمد، المد هي الحامل. قوله: انتج، وفي رواية فنتج، معناه تولى نتاجها، والناتج للناقة كالقابلة للمرأة. وقوله ولد، هذا هو بتشديد اللام، أي تولى ولادتها، قال: وهو بمعنى نتج في الناقة، فالمولد والناتج والقابلة بمعنى. يعني الناتج للناقة هو زي طبيبة الأطفال المولدة للمرأة. يقول لما قال فنتج هذان، يعني تولوا الإنتاج، تمام. هو ايش يقول لك؟ قل انتج، وفي رواية فنتج، معناه ايش؟ تولى نتاجها. والناتج للناقة الذي يتولى إنتاج الناقة وتوليدها، هو يشبه بالنسبة في جنس البشر القابلة، القابلة هي الطبيبة التي تولد النساء، فالناتج الذي يجعل الناقة تنتج وتلد، هو عندنا مثل القابلة التي تولد المرأة. هذا الذي يقصده النووي.

قال: لكن هذا للحيوان وذاك لغيره. وقوله: انقطعت بي الحبال، هو بالحاء المهملة والباء الموحدة، أي الأسباب، وقوله: لأن السبب يُكنى عنه بالحبال. وقوله: لا أجهدك، معناه لا أشق عليك في رد شيء تأخذه أو تطلبه من مالي. وفي رواية البخاري: لا أحمدك، بالحاء المهملة والميم، ومعناه لا أحمدك بترك شيء تحتاج إليه، كما قالوا: ليس على طول الحياة ندم، أي على فوات طولها. فهنا لما يقول لك لا أحمدك، يعني لا أحمدك بترك شيء تحتاج إليه، كما تقول: ليس على طول الحياة ندم، والمراد العكس، ليس على فوات طولها. أحياناً العرب قد تستعمل الشيء وتريد عكسه. إلى أحمدك اليوم بترك شيء تحتاج إليه.

السابع عن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله». رواه الترمذي وقال حديث حسن.

حديث أبي يعلى شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم، الكيس، والكيس يعني الفطن الذكي، هذا معنى الكيس، الإنسان الذكي الموفق اللي بيعرف كيف تحسب الأمور، ينظر للعواقب. ما هو الإنسان الذكي؟ الكيس هو الذي دائماً ينظر إلى العواقب ولا ينظر فقط إلى البدايات، أغلب الناس يفقدون الكيس لأنهم ينظرون فقط إلى الشبر الذي أمامهم، والإنسان الموفق هو الذي يخرق الحجب وينظر إلى نهايات الأمور. تمام، اليوم أنا أخذت لذة، طيب بعدين؟ ما هو الحساب، هي يوم القيامة عسير، فدائماً الكياسة تقتضي أن تنظر إلى ما هو بين يديك، بل تنظر إلى العواقب وإلى المآلات. هذا الفعل الذي عرض لي هل مآله خير؟ إذا مآله خير بعمله، هل ناتجه خير؟ إذا مآله شر ما بعمله، فهذه من ميزات الإنسان الكيس، النظر إلى العواقب، فلذلك قال: الكيس من دان نفسه، يعني من الآن يحاسب نفسه، فينظر إلى العواقب وينتبه إلى ما تنتهي إليه الأمور.

ولذلك الجوزي في صيد الخاطر كثيراً ما كان يركز على قضية النظر إلى العواقب، وأن هذه علامة التوفيق، أن يجعلك الله إنساناً لا تنظر فقط إلى ما بين يديك. الطفل الذي يضع يده على الصوبة يفكرها نوراً جميلاً فإذا بها تحرقه، أنت هكذا تفعل، الإنسان المغفل هو الإنسان الذي يشوف شهوة أمامه ويقفز عليها، منظر معين يلهث وراءه، طيب هل عرفت ما بعد هذا الموقف؟ ما مآله أولاً؟ ما مآله على قلبك؟ الظلمات التي ستأتي إلى القلب، ما هي عاقبة الذنوب والمعاصي؟ ليس فقط في الدار الآخرة، بل حتى على الناحية المعنوية والنفسية والحياتية الدنيوية، وقرأنا بطوله وعرضه كتاب الداء والدواء، وتكلم ابن القيم بجوانب كثيرة تفصيلية عن آثار الذنوب والمعاصي حتى على مستوى الحياة الدنيا.

فتذكر أن المعصية تحرمك من الرزق، تذكر أن المعصية سبب في الخذلان من الله لك، تذكر أن المعصية تبعدك عن الله سبحانه وتعالى أكثر وأكثر في الوقت الذي يقترب فيه المقتربون من الله، تذكر أن المعصية تورث الهم والغم والنكد. هذه القضايا لما تجي أنت تعمل معصية، لما تفكر في مآلاتها وتحاسب نفسك من الآن، هذا معنى كيس، بتقول لا أنا ما لي مصلحة أدخل في هذا الباب لأني أعرف أن المآل متعب، أنا آخذ لذة ساعة من أجل شقاء سنوات.

وعمل لما بعد الموت، الذي هو العاقبة النهائية، طبعاً هي ليست الدنيا، العاقبة النهائية ما بعد الموت، وهي الدار الآخرة. وأما العاجز، جعله هذا مقابلاً للكيس، قال: وأما العاجز من أتبع نفسه هواها. ايش تريد هي النفس بعطيها؟ طب حاسبتها؟ طب قلت لها قبل ما تأخذ هذا الشيء الذي تهواه، قلت لها طب ماذا سنستفيد منه؟ ماذا سنجني منه بعد سنة سنتين ثلاث أربع؟ ما هي النتائج المرجوة؟ هذا ما عنده هذا العاجز، مستسلم تماماً وكان نفسه هي المسيطرة عليه، لذلك قال: والعاجز من أتبع نفسه هواها، لما كانه سماه عاجزاً، كانه تحت حكم النفس، النفس الأمارة بالسوء هو عاجز مستسلم لها، أعطاها زمام الأمور، فعجزه أنه استسلم أمام نفسه، فيعطي نفسه هواها ما تهوى وما تحب. ومن هنا قال بعضهم: سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه، فيما قيل. قال: والعاجز من أتبع نفسه هواها، وانظر وقاحته، قال: وتمنى على الله. إنه يا رب أتمنى أنا الفردوس الأعلى من الجنة، يا ابن الحلال طب أنت تمنى حلو، تتمنى الفردوس الأعلى من الجنة، لكن ماذا سعيت لها؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 218]. اللي بيقول أنا أرجو رحمة الله هو الذي يسعى ويحاول يصل إليها، ويقول يا رب رحمتك، صح؟ مش اللي نايم في بيته وبينظر للمعاصي والذنوب ويتبع نفسه وهواها، ثم يتمنى على الله. يا رب اجعلني من العلماء العاملين، وهو من النوامين، طب ما هو أنت تتمنى على الله وأنت تتبع نفسك هواها، تتبع نفسك هواها في النوم، تتبع نفسك هواها في الطعام والشراب، تتبع نفسك هواها في الملذات، ما هو اتباع النفس هواها مجال واسع.

ثم تتمنى من الله أن يجعلك عالماً أو داعية أو إنساناً رائعاً أو منتجاً أو أو، وهذا كل شيء له سعيه وكل شيء له جهده وثمنه الذي ينبغي أن يدفع، فهذا ما أراد أن يبينه الفرق بين الكيس والعاجز. وذكر هذا الحديث في هذا الباب بعبارة من دان نفسه، لأن من دان فقد راقب ربه، باب المراقبة صحيح، فالذي يحاسب نفسه هو الذي يراقب الله، ويعلم أن هناك دان نفسه قبل أن يحاسبه ربه، هو يعلم أن هناك من يحاسب وأن هناك من يراقب، فقال خليني من الآن أحاسب نفسي قبل أن أحاسب بين يدي الله سبحانه وتعالى. طبعاً هذا الحديث ضعفه بعض أهل العلم بسبب وجود أبي بكر بن أبي مريم في إسناده كما ذكر صحيح، والبعض يجوزه يستحسن روايته في فضائل الأعمال باعتبار أن الحديث لا ينطوي إلا على شيء مفاد ومعناه مفهوم من الأحاديث الصحيحة الأخرى، فقط أنا أردت أن أبين حتى لا يظنن ظان أن الحديث صحيح أو متفق على صحته، لأن البعض قد يحسنه كما ذكر الترمذي. فالترمذي حكم عليه بأنه حديث حسن. قال الترمذي وغيره من العلماء معناه: دان نفسه حاسبها.

الثامن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». حديث حسن رواه الترمذي وغيره.

عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حسن إسلام المرء، يعني هناك إسلام حسن، إسلام متقن، الحسن هنا بمعنى الإتقان، يعني فلان محسن يعني متقن لشيء، أحسنت هذه الصنعة يعني أتقنتها، فالإحسان هو قريب بمعنى الإتقان، فكأنه يقول من حسن إسلام المرء من الأمور التي تدل على أن إسلامك حسن متقن وأنك تسير بالاتجاه الصحيح في تدينك، أنك إنسان تترك ما لا يعنيك. أي شيء أنت لست مسؤولاً عنه ولا يؤثر على حياتك ولا يؤثر على حياة الآخرين، أو يعني عفواً لا يهمك أن تغير في حياة آخرين بحيث إنه مثلاً لا يمثل ناحية منكرات أو فجور في المجتمع، وإنما أمور الناس الشخصية، سجالاتهم، قضاياهم، حياة أفكارهم، أموالهم، تجاراتهم، هذه ما بتعنيني، لا هي مؤثرة علي وليست هي منكر أنا أحتاج أن أغيره حتى أعرف ما هو، فبالتالي أتجاهله وأتغاضى عنه. فمن حسن إسلامك ومن إتقانك أن تترك كل شيء لا يعنيك. الشيء الذي يعنيني هو الشيء الذي يقربني من الله سبحانه، هو الشيء الذي يزيدني رصيداً في الدار الآخرة، حتى من الأمور المباحات ما يزيدني رصيداً، أما الشيء الذي لا أنتفع به على المستوى الشخصي فلا أكون فضولياً أتتبع الناس، أنت ايش صار معك من أموال وشركات، وخبرني شو بنيت وشو سويت وشو كذا.

وكذلك يعني بعض الإخوة يكتبون عنك بعض القضايا الحياتية والمشاكل الشخصية، فلان طلق فلانة، تعال والله ليش طلقوه شو صار بينهم؟ يا عمي أنت ايش علاقتك في القصص هذه؟ عارض خاصة النساء، النساء في جنسهن يحببن المتابعات التفصيلية، أنها تعرف ليش فلان طلق وليش فلان كذا، وليش اليوم هذا لابسة، وليش دائماً الإنسان الفهم العاقل لا يسأل ولا يستفسر ولا يبحث إلا عن شيء من ورائه منفعة. هذا من حسن الإسلام، يعني هي نعم قد لا يكون السؤال معصية لكنه يدل على ضعف، سؤالك عن أمور لا تهمك لا نقول أنها معصية بحد ذاتها، لكن تنم عن أنك بعد لم تصل إلى درجة الإتقان، والله أعلم.

حتى قالوا الانشغال بأحوال السلاطين وتفاصيلهم، كانوا يقولون بعض الناس أربع وعشرون ساعة شفت فلان مين سلم، شفت فلان مين راح، يا أخي أنت خلص، يعني أنت في النهاية نحن فهمنا الحالة العامة، التفاصيل الدخول فيها وأن تكون مماحكاً في كل شخص وكل عطسة وكل كحة حصلت في البلد وفي أموره وفي كذا هذا من الانشغال بما لا يعنيك. وكان ابن الجوزي وغيرهم يركزون أن كثيراً من الناس ينشغلون بمجريات السلاطين وأحوالهم وأمورهم ودولهم وأيامهم، ويغيب عنه تفقد لنفسه والدار الآخرة، يا أخي الله عز وجل لم يسألك عنه، أنت في النهاية اعمل لنفسك واستعد لما بعد الموت كما قال، وانشغل والظالم يعرف ظلمه والفاسد يعرف فساده، وأصلح اشتغل بإصلاح الناس. أما تكون مجالسنا العامة والخاصة في الكلام والحديث والخوض والسياسة والاقتصاد وكذا، وأنت في النهاية قاعد في مكانك لم تصلح، لم تقدم شيئاً، لم تنفع الناس بكلمة، وإنما يسميه بعض الناس فضفضة وتنفيس وكذا، يا أخي كلمة كلمتين يفهم منها ما بعدها، والله أعلم.

التاسع عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يسأل الرجل في.

عن عمر رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يُسأل الرجل فيما ضرب امرأته». حديث رواه أبو داود وغيره، وضعفه كثير من أهل العلم من حيث الإسناد، ولكن معناه بشكل عام صحيح، وهو يتلاءم مع الحديث السابق في قضية نفي الفضول. اثنين بينهم مشكلة عائلية باختصار، وسمعت أن الرجل رفع صوته على زوجته، وأنت جارك قبالك وسمعته رفع صوته في المنزل على زوجته، فتروح تفتح الباب تدق عليه السلام عليكم يا جار، شو المشكلة عندكم؟ يا أخي أنت إيش علاقتك؟

أنت الآن إذا ما وصلوا يذبحوا بعض وصارت سكاكين بينهم تتدخل من باب أنك تحجز بينهم لئلا تسيل دماء، لكن واضح أنه خلاف شخصي بينه وبين زوجته، ما ينفع إذا خرج مثلاً الصباح والله سمعتك يا جار امبارح تصرخ على زوجتك، شو علاقتك أنت تتدخل في هذه القضايا؟ تمام، والله سمعت ابنك يصرخ على بنت أخته أو سمع بعض الجيران وبعض الناس في علاقاتهم؛ هو فضولي متطفل. فالنبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث إن صح يقول: «لا يُسأل الرجل فيما ضرب امرأته». تمام، يعني إذا سمعته مثلاً ضربها ضربة على قاعدة «واهجروهن في المضاجع واضربوهن» في حال أنها ناشز من النوع الذي يُباح ضربه، وعرفنا أن هذا الضرب له قواعده في الإسلام.

له قواعده، لأن بعض النسويات اليوم يجيئون على هذا الحديث ويعتبرونه طامة الطوام، أنه: يا مشايخ بدكم الرجل يضرب مرته وما نحكي؟ ها، بدكم الرجل تضرب مرته، لا يُسأل الرجل فيما ضرب امرأته، بدكم تنضرب المرأة وما حدا يفزع لها وما حدا يدافع عنها؟ لا، ليس هذا هو معنى الحديث. هذا الحديث يتكلم عن رجل عاقل، المراد أنه وصل الضرب بسبب شرعي، ويعرف ضوابط الشريعة، ففعل هذا الشيء مع امرأته بالطريقة المشروعة، أو قد لا أكون أنا بالضبط أعرف أنه هل تجاوز أو استعجل، لكن لا يظهر أن هناك فساداً عريضاً لكي أتدخل، لم يظهر من الواقعة أن هناك فساداً عريضاً وأنه في قضية هتك وذبح وأعضاء تتقاطع وكذا، إنما هو خلاف الأزواج الذي يكون في البيوت دائماً، البيوت تُستر ولا تُفضح، ولا يُسأل عن حال أهلها. إذا هم سألوك استشاروك باعتبارك أخاً فاضلاً ولك رأي، والله أشر عليهم فالمستشار مؤتمن، لكن لا أتدخل سواء في حياة الجيران أو في حياة الأصدقاء والأصحاب، أو في أي حياة أنت لم يُطلب منك أن تتدخل في تفاصيلها.

علّم نفسك هذه القضية، وهذا نوع من أنواع مراقبة النفس في أدائها، لذلك هو ذكر هذا الحديث والذي قبله في باب المراقبة؛ يعني من الأمور التي ينبغي عليك أن تراعيها وأن تراقب الله فيها أن تكف نفسك عن أمور لم تُسأل عنها ولا تعنيك. هذا يدل على أنك تراقب الله سبحانه، أن الله عز وجل يراقب فضولي، أن الله يراقب تصرفاتي وسؤالي للناس، وأنني إنسان أسأل عن أمور لا تعنيني في أمر ديني. وأكثر هؤلاء الذين يكونون فضوليين يكونون مقصرين في تعلم أمر دينهم؛ والله إذا أنك فضولي روح تعلم أمر دينك، خلي عندك ثقافة شرعية، روح اسمع لك محاضرة، روح اجلس مجلساً نافعاً، خلي عندك فضول معرفي بدل ما يكون فضول في أمور لا تغني ولا تسمن.

قال رحمه الله: باب التقوى. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: 102]. وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. وهذه الآية مبينة للمراد من الأولى، لأن الآية الأولى جاءت عامة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. وذكر كثير من المفسرين في الآثار في شرح ما معنى حق التقوى قالوا: أن تحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما دخله، وذكروا آثاراً وأفكاراً كثيرة في تحقيق تقوى الله سبحانه وتعالى.

لكن هذه الآية التالية وهي ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ هي نوع من أنواع البيان، أنه هل أنا مطلوب مني أن أصل إلى أعلى درجات التقوى ولو كان هذه الدرجة يعجزني الوصول إليها أو الوصول إليها مجهد شاق عليّ، أم أنا مطالب بأن أحصل من التقوى على قدر استطاعتي؟ لا، تقول الآية الثانية المطلوب منك أن تحقق ما وسعه قدرك واستطاعتك، فأن تتقي ما استطعت، فلذلك قال: هذه الآية الثانية هي مبينة للمراد في الآية الأولى، فكان تقوى الله حق التقوى هو أن تبذل جهدك وما استطاعتك في تحصيل هذه التقوى. الله يسألك عن جهدك وعن استطاعتك، إذا لم تحصل من التقوى ما يصل إليه جهدك، يعني جهدك يمكن أن يصل إلى مقدار أعلى من التقوى لكنك أنت رضيت بالدون، هنا نعم تُسأل، لكن إذا أنت بذلت كل ما تستطيع من طاقة وإمكان فوصلت إلى درجة معينة من التقوى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.

وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70]. والآيات في الأمر بالتقوى كثيرة معلومة. وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]. وقال تعالى: ﴿إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: 29]. والآيات في الباب كثيرة معلومة.

وأصل التقوى أيها الكرام أن تجعل بينك وبين ما يسخط الله وما يغضب الله وقاية، هذا أصل مفهوم التقوى، أن تجعل بينك وبين ما يسخطه وما يغضبه وقاية، أن تجتنب المحارم، أن تجتنب ترك الواجبات، أن تجتنب أي شيء يسبب غضبه وسخطه، هذا معنى أن تتقي الله سبحانه وتعالى.

أما الأحاديث، فالأول عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله، من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم». فقالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: «فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله». قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: «فعن معادن العرب تسألونني؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا». متفق عليه.

من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم». لأن الله ماذا قال؟ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. فأجاب على الآية، من هم أكرم الناس عند الله؟ هكذا ظن النبي صلى الله عليه وسلم سؤالهم، أنتم لما تسألونني من أكرم الناس أنا أظن أنكم تسألون من أكرم الناس على الله، فأكرم الناس على الله اللي لهم كرامة عند الله هو أتقى الناس، فالناس يتفاضلون في الكرامة عند الله بالتقوى، هذا في الكرم الأخروي عند الله، وهذا هو موطن الشاهد من الحديث.

فقالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: «فيوسف نبي الله ابن نبي الله يعقوب ابن نبي الله إسحاق ابن خليل الله». قالوا: ليس عن هذا نسألك. هنا كأنهم سألوا ربما عن كرم النسب، فقال له أكرم الناس من هو؟ يوسف نبي الله ابن نبي الله يعقوب ابن نبي الله إسحاق ابن خليل الله، طبعاً هذا يتكلم عن من السابقين، فهو صلى الله عليه وسلم أعلى الناس نسباً، فهو قال إذا كنتم تسألونني عمن سبق من أكرم الناس إذا من حيث النسب تقصدون، فيوسف نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي، يعني هي سلسلة متواصلة كلها من الصالحين ومن الأنبياء.

قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: «فعن معادن العرب تسألونني؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا». ليس عن هذا نسألك، يعني كأنهم قالوا نحن لا نسألك عن الماضيين، وإنما نسألك عن عشائرنا العرب، عن معادن العرب تسألونني؟ أنت قصدكم تسألونني عن أكرم الناس؟ يعني مين أكرم عشيرة عربية؟ يعني كأنهم حصروا الموضوع أنه مين أكرم قبيلة، بتعرف العرب كان فيهم هذا الفخر، وكانت كل قبيلة تحاول أن تظهر تميزها، فكانت قبيلة تميم وقبيلة هذيل وكل قبيلة تحاول أن تحصل من النبي صلى الله عليه وسلم شهادة لها بالامتياز، فقال: «إذاً عن معادن العرب؟»، يعني كان عن قبائلهم وجذورهم وأنساب العرب تريدون بالتحديد؟ فأعطاهم إجابة عامة، قال لهم: «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا».

ما معنى هذا الكلام؟ يعني القضية يا أيها السائلون أن خيار العرب في الجاهلية الناس اللي كانوا في الجاهلية أصحاب أعمال شريفة كانوا كرماء زي عبد الله بن جدعان، أو كانوا أصحاب نجدة وأصحاب فروسية كأبي سفيان وخالد، أو كانوا هؤلاء اللي كانوا في الجاهلية مميزين، هم الذين سيكونون مميزين في الإسلام، بشرط التميز. الآن شوفوا هي سبحان الله قضية أن بعض الناس فعلاً يكون هو مميز في شخصيته عنده مهارات وخبرات حتى لو كان هو أيام جاهليته، وبرضه بعض الناس اليوم لهم جاهليتهم، صحيح، بعض الناس حتى قبل ما يلتزم ويتدين في هيك بتشوف بتحس صفات إيجابية في شخصيته، تقول هو مش متدين بس أنه يا أخي والله كريم، والله خلوق، والله عنده مراجل زي ما بقولوا، يعني بيفزع.

هؤلاء الناس اللي هم قبل تدينهم أو في جاهليتهم عندهم صفات إيجابية، سبحان الله هؤلاء إذا تدينوا رح تنتقل الصفات الإيجابية اللي في شخصيتهم معهم إلى الإسلام، ممتاز، بس انتقال شخصياتهم وصفاتهم معهم إلى الإسلام لا يعني تميزهم إلا إذا فقهوا كيف يتعاملون مع هذا التميز. ليش؟ أعطيك مثال تفهم علي، أحياناً بعض الشباب يكون من أصحاب النجدة، تعرفوها أنتم عندكم، يكون من أصحاب النجدة قبل ما يتدين، يعني شغل فزعات ممتاز، فالآن بعد ما يتدين هو نفسه أخو اللي كان مكسر الحارة، إذا كل واحد بيعمل شغل مشاكل، مش كلجي وصاحب فزعة، بس فزعته جاهلية، بيفزع للعمة وابن العمة وللعشيرة، بس يتدين يقول لك أنا صرت متدين ورب لحد وذكره بشيء، بده يفزع للإسلام، إذا ما فقه بورطنا. إذا ما فقه بورطنا، ليه؟ لأنه بصير يعني على طريقة الخوارج ممكن، أو على طريقة البغاة، أو أنه لا مش خوارج، بغاة، شب طيب حب بيت، بس يعني شوّه صورة الإسلام، يعني أنت ما، يا أخي فاهمين غيرتك على الإسلام، بس إذا ما تفقهت هي صفة النجدة اللي فيك وصفة الفزعة اللي فيك إذا ما تم ضبطها والتفقه كيف توجه، بتضيع وتضيع.

شوف كلام النبي عليه الصلاة والسلام أن الصفات الإيجابية في الجاهلية أصحابها إذا التزموا أو أسلموا، انتقال الصفات الإيجابية معهم شيء رائع بس بشرط أنه يتفقه كيف يتعامل مع هي الصفة الإيجابية، يعني رجل نخوجي في الكرم مثلاً بتلاقيه حتى هو مش ملتزم بيعطي ويبذل، فلما يتدين ويسمع كلام المشايخ عن البذل والعطاء بصير عنده نفس سخية، وبرضه هو أصلاً سخي هي طبيعته، فبصير يبذل ماله يمين وشمال ومضيع عائلته، بقول له يا أخي الكريم نحن عارفين أنه أنت أصلاً من قبل ما تلتزم وتتدين أنت إنسان كريم بكرم حاتم، ولما تدينت وعرفت أنه فيه ثواب وفيه عطاء صرت بتحب تسخى أكثر وأكثر، لكن فيه فقه في العطاء. أولاً بدك تعرف من الذي يستحق أن تعطيهم، مش تبذل المال في مكان معين تكون عاقبته سوء، ثانياً عائلتك، يعني ما بينفع أنه أنت تضر عائلتك وأولادك، وابدأ بمن تعول، مش هيك النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول للصحابة ابدأ بعائلتك وأسرتك سد حاجتهم، ثم كذا، لاحظ سعد بن أبي وقاص أنه كان كريم، قال يا رسول الله أنا أشعر أنني أصبحت قريب من الموت ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «الثلث، والثلث كثير، أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس».

شوف كيف هذا بسموه فقه العطاء فقه الخير، أننا فاهمين يا سعد أنه أنت شاعر بالموت فحاب توصي وصية كثيرة في العطاء، لكن يا سعد الفقه في هذه المسألة مش أنك تعطي البعيد، الفقه أنك تغني القريب. شوف هذا معنى "إذا فقهوا"، فهذا هو أحسن الناس، أحسن الناس اللي عنده صفات إيجابية في طبائعه ويتفقه في الإسلام كيف يوظف هذه الصفات الممتازة بالشكل الصحيح. شوف ما أجمل هذا الحديث وكيف يعطيك، رسم لك أنه مش الفكرة بس أنك تكون عندك صفة إيجابية، بل لا بد أن تتعلم فقه توظيف هذه الصفة الإيجابية واستعمالها، لأنك قد تستعملها بطريقة فيكون المردود عكسياً أو بصورة غير منضبطة فلا تحصل النتائج المطلوبة، فـ "خياركم في الجاهلية" أصحاب المعادن النفيسة هم "خياركم في الإسلام"، بغض النظر من أي قبيلة ومن أي فئة، بشرط أن يتفقه في كيف يتعامل وكيف يتصرف مع هذه الصفات.

قال: "وفقه" بضم القاف على المشهور، وحُكي كسرها، أي علموا أحكام الشرع. طبعاً فَقُه الرجل بضم القاف أبلغ من فَقِه، لأنه فَقُه الرجل يعني أصبح الفقه له سجية، وهذا لذلك العبارة الأبلغ أن نقول فَقُه. ما الفرق بين فَقِه الرجل وفَقُه الرجل؟ فَقِه على وزن فَعِلَ يدل على أنك ماذا؟ تعلمت وجود مقدار من العلم والتعلم، لكن وزن فَعُلَ، فَقُهَ، هذا يدل من أوزان الصفات المشبهة التي تدل على أوصاف الطبائع والسجايا، فيقولون جَمُل الرجل، حَسُن الرجل، فَقُه الرجل، يعني أصبح الحسن والفرح والفقه سجية وكأنه مركب وطبيعة به، فهذا دلالة على الرسوخ الفقهي، ففَقُهَ أبلغ من فَقِهَ من حيث الرسوخ.

قال الثاني عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم».

فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء. رواه مسلم.

حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال، وهذا شرحناه في الأربعين العذرية: «إن هذه الدنيا حلوة خضرة». حلوة المذاق لها طعم، خضرة، والخضرة هي الأرض الخضراء التي لما يراها الإنسان يتلذذ بمشهدها ومراها، فيقول هذه الدنيا حلوة في مذاقها، خضرة تسر الناظرين. لكن هي ليست دار بقاء، وليست دار تمتع، وإنما هي دار ابتلاء، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون. يعني الهدف من الاستخلاف ما هو أن ينظر سبحانه، وهو أعلم العالمين، لكن المراد أن يظهر وينكشف كيف ستعملون في هذه الحياة الدنيا، وهل سيغريكم هذا المذاق وهذه الخضرة، زهرة الحياة الدنيا، هل ستغريكم أم ستنضبطون فلا تأخذوا منها إلا على قدر ما أحله الله لكم.

إذاً ما المطلوب يا رسول الله؟ نحن في دنيا حلوة خضرة والجملة الثانية تقتضي أننا مستخلفون ومراقبون. كيف سنتصرف مع هذه الحلاوة والخضرة؟ ايش نسوي؟ قال: «فاتقوا الدنيا». اتقوا أن تغريكم، وأن تنهمكوا في هذه الحلاوة وهذه الخضرة، وتنغمسوا فيها دون انضباط بأحكام الشرع، هذا معنى فاتقوا الدنيا. هذا اللي بدك تعمله، بدك تجاهد نفسك: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. بدك تقاوم، فهذه الحلاوة والخضرة هي نوع من أنواع الفتنة والاختبار. لينظر كيف تعملون، هو بده يشوف كيف رح تتعامل مع هذه الفتنة، هل ستنضبط بأحكام الشريعة أو ستتعثر وتسقط.

وأهم فتنة، وأخطر شيء في الدنيا عليك أنك تحرص في التعامل معه، فتنة النساء. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾، أول شيء قبل ما يذكر البنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل، قبل ما يذكر أي لذة أخرى، ذكر أنه أخطر اللذات التي يمكن أن تقتنص من خلالها لذة النساء. ولذلك جاء في بعض الآثار أن إبليس فخه الذي يصيد به الرجل التقي المرأة. تمام؟ فخ إبليس المحكم الذي يصيد به الرجال الأتقياء هي النساء. طبيعة الرجل وغريزته أنه يميل إلى المرأة، ولا يمكن أنك تجحد هي غريزة، هذه فطرة، لا يمكن أنك تجاحدها وتقول لا نحن نتعامل مع النساء باعتبار أنهم بشر مثلنا بنفس سوية بدون أي تفكير خاطئ. لا، هو في النهاية أنت ليس عيباً، ليس عيباً أن تقول أن الرجل فيه غريزة الوصول إلى المرأة، كما يقول ابن العربي المالكي، وأن المرأة أيضاً لها حب أن تكون محطة جذب. يعني الرجل فيه حب الوصول للمرأة والمرأة تحب أن تكون نقطة جذب، هي هكذا طبيعة البلاء والاختبارات في النفوس.

ولذلك أمرنا المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم، وقل المؤمنات يغضضن من أبصارهن، ووضع الحجاب، وفرض كل هذه المنظومة من غض البصر والحجاب واللباس، هي منظومة جاءت تتعامل مع هذه الغريزة ومع هذه الطبيعة التي وجدت فينا. فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام يحذرك من البداية، اتقوا الدنيا عموماً، وأهم شيء بدك تتقيه في الدنيا النساء، لأن فتنة النساء هي الكاسرة للرجال، بدليل أنه أول فساد وأول ما دخل الوهن على بني إسرائيل كان من جهة النساء، فتنة النساء. يعني هذه الأمة التي فضلها الله على العالمين في أزمانهم، كانوا أمة متميزة ما دام فضلوا على العالمين، إذا بنو إسرائيل كانوا أمة متميزة. ايش اللي خلاهم يقعوا في هذا الانحطاط إلى درجة أن يقال: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾ وضربت عليهم المسكنة. ايش اللي وصلهم إلى أن مقتهم الله هذا المقت؟ أكيد هو انحراف تدريجي، تدريجي، تدريجي إلى أن وقعوا في الفضائح، بدايه الانحراف التدريجي في هذه الأمة كان من أين؟ من النساء، شوف خطورة هذه الفتنة. ولذلك حتى الأزمات وكثير من الحروب والنكبات كان ابتداؤها أموراً تتعلق بالنساء، فينتبه الإنسان.

وكما قال السلف لا تقول لا تخلون بامرأة تقول أعلمها القرآن، إياك تقول والله أنا داخل معها لمقصد جميل ولفائدة نبيلة، لبعض الشباب الجامعيين الله يهديهم، بدنا والله ندرس نحن والأخت هذه مسائل في الهندسة ولا بدنا ندرس كذا، يعني مقصده نبيل، ما في مقاصد نبيلة في هذا المكان، ما في مقاصد نبيلة، أي مقصد فهو مقصد رذل. هذه هي، قالوا لا تأخذوا بها، تقول أعلمها القرآن، في أعظم من القرآن إخواني تعلمون للمرأة؟ أهم من الفيزياء والكيمياء والرياضيات حتى أعلم القرآن، ما يصلح أن تخلو بها، فما بالك بغير ذلك. في أي تأويل في مساحة التأويلات، جيد أنك تعرف على الأقل إذا وقعت في أنه أنت صاحب هوى، يعني ممكن تخطئ تمام، بس جيد أنك تعرف أنك صاحب هوى، يعني ما تيجي تخرج لي إياها العمل الإسلامي ومش عمل الإسلامي والعمل الطلابي ومش عمل الطلابي، وأنه نحن بدنا نتقدم ونحن بدنا نظلنا يا شيخ هيك متشنجين في علاقة.

لا هو شوف، كونك تسقط شيء وكونك تشرعن سقوطك شيء آخر. أنا بالنسبة لي كونك يعني فتنت شوي عندك جانب من الهوى، أتفهم ضعفك يا أيها الشاب، لكن دائما أقول إذا ضعفت لا تشرعن ضعفك، لا تصبغ عليه أنه الشريعة بتحكي هيك وأنتم معقدين، لا لا نحن مش معقدين، الأمور أنت عارف ما في قلبك، والله عز وجل أخبرنا عن طبيعة الرجل والمرأة وكل إنسان ما الذي في قلبه تجاه الآخر.

قال عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى». رواه مسلم. نعم، هذه الجمل الكلمات الأربع التي فيها الكمال، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول اللهم إني أسألك الهدى، وهذا أول المطلب: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، والتقى، التقوى وهذا ما عقد من أجله الباب، ارزقني أن أتقي ما يسخطك، والعفاف، ارزقني عفة النفس، وعفة النفس أولاً عفتها عما في أيدي الناس، عفتها عن الحرام، فالعفة ليست فقط عن العفة عن الحرام كما يظن البعض، بل حتى أن تكون نفساً عفيفة قنوعة، لا تنظر إلى أيدي الناس ولا تتطلب ما في أيديهم، لذلك أتبعها بماذا؟ والغنى، أني أكون غني النفس، وأن أكون غني المال، ما في مشكلة، لكن أساس الغنى لما يشرح شراح الحديث يتكلمون عن ماذا؟ غنى النفس، أني أكون أنا قنوع، راضي، مستغني عن البشر، مرتبط بالله سبحانه وتعالى، لا يكون لأحد علي منّة أو يد أو شيء أو نظرة استرحام أو شيء، هذا كمال الغنى، وغنى المال هو غنى تبعي لغنى النفس، أما أن يكون المراد فقط غنى المال فهذا قصور. حديث رواه الإمام مسلم.

الرابع عن أبي طريف عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من حلف على يمين ثم رأى أتقى لله منها فليأت التقوى». رواه مسلم. هذا أيضاً حديث ينبه فيه النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا حديث طبعاً من رواية أبي طريف عدي بن حاتم الطائي، حاتم الطائي الرجل المعروف بكرمه، تمام، له ابن اسمه عدي، وهذا رجل أسلم، تمام لذلك قلت لكم المشهور اسمه عدي بفتح العين، لكن ممكن يكون البعض ما أدري كانوا يسمون أولادهم بضمها، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول من حلف على يمين ثم رأى أتقى منها، فليأت التقوى. رواه مسلم. يعني إذا أنت حلفت يمين أنك تعمل شيئاً معيناً أو أنه ما تفعل شيئاً معيناً، تفعل أو لا تفعل، بعدين شفت أنه والله هذه اليمين غلط، والأتقى منها والأكثر قرباً من تقوى الله أني لا، أنا حلفت أني مثلاً لا أصل فلاناً وفلاناً، الأتقى أني أصلهم، فروح كفر عن يمينك وأت الذي هو أتقى. حلفت يمين أنك ما تمشي لمجلس معين أو لا تجلس مع أخ، وهذا الأخ فاضل وله أياد بيضاء وله كذا، والأتقى لله أن تصله، كفر عن يمينك وصل أخاك المسلم، فهي قاعدة عامة أنه لا تجعل يمينك تحول بينك وبين الوصول إلى تقوى الله، وتقول والله يا شيخ بس أنا حلفت، حتى لو حلفت، الوصول إلى تقوى الله أهم من أنك تحافظ على يمينك، الوصول إلى التقوى أهم من أنه حضرتك تحافظ على يمينك، يمينك خطأ في المكان غير الصحيح، فتتكلف التكفير عن اليمين وتأتي ما هو أقرب إلى تقوى الله سبحانه.

الحديث الأخير قال عن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فقال: «اتقوا الله، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا أمراءكم، تدخلوا جنة ربكم». رواه الترمذي في آخر كتاب الصلاة، وقال حديث حسن صحيح. الحديث الختام اليوم حديث أبي أمامة صدي عجلان الباهلي من قبيلة باهلة، وهذه قبيلة باهلة لها قصة عند العرب ومسموعياتها عند العرب سبحان الله ما كانت رفيعة، فكان أحدكم يقول يحصل معي كل شيء في الدنيا بس أهم شيء ما أكون من قبيلة باهلة، يعني سبحان الله بعض القبائل ما تكون صداها الاجتماعي عالياً مرتفعاً، ولكن الإسلام رفع عبية الجاهلية، إذا كنت صحابياً وكان فيك الصفات الطيبة والخيّرة يكفيك شرف الصحبة عن كل هذه الولاءات والانتسابات، فالإسلام يرفعك ويرفع قيمتك حتى ولو كنت ضعيف النسب.

المهم هذا الصحابي الجليل وهو أيضاً من أواخر الصحابة موتاً، أبي أمامة كان من أواخر الصحابة موتاً، قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع، بالتالي أنت لما تقول خطبة حجة الوداع يعني الخطبة الأخيرة من حيث العموم، من حيث أنها كانت في حجة، هي الحجة الوحيدة والأخيرة التي حجها النبي صلى الله عليه وسلم، وفي من الناس، فأكيد كل كلمة ستقال في هذه الخطبة ستكون مهمة. قال للصحابة أولاً اتقوا الله، هذه أول قضية وهي من أجلها عقد هذا الباب، اتقوا الله، وهي وصية الله للأولين والآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، فتقوى الله عز وجل هو رأس مال السائرين.

وتقوى الله عز وجل تتحصل بالامور التي ذكرها بعد ذلك، وصلوا خمسكم، المحافظة على الصلوات الخمس، وصوموا شهركم يعني شهر رمضان، وأدوا زكاة أموالكم، أداء الزكاة، وأطيعوا أمراءكم. طبعاً هنا هو ليس من القضية أن يحصر كل أركان الإسلام، يعني ممكن البعض يقول ليش ما ذكر الحج؟ ما هم أصلاً في موسم الحج كانوا، يعني هو أصلاً كان في موسم الحج، وليس شرطاً في كل حديث أن يذكر كل الخصال دائماً، كل حديث يذكر خصالاً معينة صلى الله عليه وسلم يرى أنها الأهم الآن أن تذكر، تمام، فما دمنا في موسم الحج وأنا في يوم عرفة، يعني قد رأى أنه هناك أولى شيء أذكره، غيره، خلص الحج نحن الآن فيه، فواضح أهميته من سياق الحال وإن لم يذكر في المقال. واضح أهميته من سياق الحال نحن الآن وين؟ كنا في الحج، فقد يكون ليس الأولى الآن أن أذكرك بالحج، الأولى الآن أن أذكركم بأمور تكون فيها الفتن أصعب، فقال وأطيعوا أمراءكم، علمهم الطاعة للأمراء، وأن نعلمهم عدم الخروج والبغي، ولا يكون هذا شغلهم الشاغل، تمام الفتن؛ لأن هذه قضايا قضية الخروج وقضية البغي هذه يكون فيها دماء وأشلاء، ويكون فيها فتن، وتكون مآلاتها دائماً على الدول والبلدان، شاسعة حتى ولو كان في ظلم، حتى ولو كان في قهر. هذه القواعد، قواعد حقيقة لها أحكامها وليست فوضى كما يظن الناس على حجم الفساد الموجود، هذه القواعد ليست قواعد الفوضى؛ لأنه إذا أنتم ترون كلما كانت تساق بفوضى كلما كانت ضريبتها في الأرواح والدماء والسجون وكذا قواعدها أسوأ وأسوأ.

فالإنسان عموماً يتعلم الطاعة، وكما قالوا يا رسول الله فإن لم يعطونا حقنا؟ قال: «سلوا الله حقكم، قال أعطوه أعطوهم حقكم واسألوا الله الذي لكم واسألوا الله الذي لكم». ثم قال: «إذا فعلتم ذلك تدخلوا»، فتدخلوا هو جواب للطلب، اتقوا وصلوا وصوموا وأدوا وأطيعوا تدخلوا جنة ربكم. وهذا هو ما يسعى إليه الإنسان في هذه الحياة الدنيا أن يصل إلى الجنة وإلى الراحة الأبدية، وهذه الراحة الأبدية لها معالم ولها منارات في الطريق، على الإنسان أن يتعلم هذه المعالم وأن يتمسك بها. حديث رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، ونكتفي اليوم بهذا القدر، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.