السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم. حياكم الله أيها الأكارم في المجلس الجديد من مجالس التعليق على رياض الصالحين. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا نحيا في هذه الرياض العطرة، ونستقي منها، ونجول فيها، ونتظلل بأفيائها في رحلة الحياة. ما زال النووي عليه رحمة الله يتحفنا بهذه الأبواب المهمة المتعلقة أولاً بأعمال القلوب، وهذا ما أراد أن يبتدئ به قبل أعمال الجوارح؛ أن يحكم الإنسان أعمال القلوب التي هي كما يقول ابن رجب رحمه الله عليه في «المحجة في سير الدلجة»: إن السفر إلى الله إنما يقطع أولاً بسير القلوب قبل سير الأبدان. فالإنسان أولاً يسافر بقلبه، فإذا سافر بقلبه سافر معه بدنه.
وصلنا إلى باب اليقين والتوكل، وهذه من أعظم المعاني التي ينبغي أن تترسخ في قلب المؤمن مع مرور الوقت. اليقين بالله سبحانه وتعالى أولاً؛ اليقين بوجوده، اليقين بوحدانيته، اليقين برزقه لعباده، اليقين بعطائه، اليقين بكل ما تحتاج من الله عز وجل، بإجابته لدعواتك، اليقين بكل ما أخبرك به. هذا اليقين هو عنوان السعادة، وبه تنال الإمامة كما يقول ابن تيمية دوماً: الإمامة بالدين إنما تنال بالصبر واليقين. ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: 60]، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24]. فاليقين بالله سبحانه وتعالى بوجوده ووعده ووعيده هو مفتاح الطمأنينة، ومفتاح السكينة، ومفتاح الهدوء في حياة الإنسان، وعدم الخوف من المستقبل قبل وقوعه.
ويتبعه التوكل، وهو أن تفوض أمرك إلى الله سبحانه وتعالى بعد أخذك بالأسباب. أن تفوض أمرك إلى الله عز وجل، أنه هو الذي يقضي الحوائج، وهو الذي عنده توضع أو تُناخ المطايا على عتبات بابه سبحانه وتعالى. وهذا مصداق قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: 123]، وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: 58]. فهذه أحد الأصول الكبرى في التوحيد؛ أن يصل الإنسان لمرحلة فعلاً يوقن أن قضاء حوائجه كلها بيد مولاه سبحانه وتعالى، ويرى أن كل ما يبذله من الأسباب إنما تبقى أسباباً، وإنما الأمور تقضى بالله عز وجل. اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك.
قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: 173-174].
وقال الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: 58]. وقال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [إبراهيم: 11]. وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159]. والآيات في الأمر بالتوكل كثيرة معلومة. وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]، أي كافيه، يكفيه ما أهمه وأغمه. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
أما الأحاديث، فالأول عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عُرضت عليَّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رُفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب».
نبدأ حتى نعلق على الحديث قسماً قسماً؛ حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «عُرضت عليَّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط». والرهيط تصغير رَهْط، وهم ما دون العشرة من الرجال، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد. الحقيقة هذه تحتاج إلى وقفة في الميادين الدعوية والإصلاحية؛ أن يعلم الإنسان أن الداعية إلى الله عز وجل إنما وظيفته الدعوة، وأما النتائج فهي إلى الله سبحانه وتعالى. فالنبي الذي جاء ليس معه أحد، هل كان هناك مشكلة في خطابه الدعوي؟ هل كان هناك مشكلة في طريقة عرضه للدعوة الإلهية بالتالي قلَّ الجمهور الذي جاء معه؟ أم هو أدّى الرسالة التي عليه كما أمره الله، لكن لم يُكتب أن يأتي أحد معه، وهذا قدره ورزقه في الدعوة؟ فهذه قضية جداً مهمة أن نفهم أن قلة السائرين معك أو قلة المستجيبين لك في الحياة الدعوية لا يستلزم بالضرورة أن هناك خللاً في دعوتك.
طبعاً ينظر الإنسان في نفسه، نحن لسنا أنبياء، قد نخطئ في خطابنا الدعوي والإصلاحي، وقد يكون الإنسان مُنَفِّراً، لكن في النهاية بعض الناس يريد أن نتفسخ في كل شيء، وأقول لك: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]. يأتيك من يقول: يا شيخ، خطاباتكم الدعوية دائماً تركزون فيها على الحلال والحرام، ركزوا على الحلال حتى نوسع قاعدة الجماهير! فتذكر هذا الحديث: «والنبي وليس معه أحد»، يعني أنا لست مطالباً أن آتي بالجمهور، إنما عليك البلاغ. وظيفتنا البلاغ، أن نوصل الرسالة، ونبذل جهدنا في أن تصل هذه الرسالة بالحكمة والموعظة الحسنة، ونجادل بالتي هي أحسن، لكن في النهاية لا تجعل الجمهور هو أكبر ما تبحث عنه.
يا أيها السائر إلى الله، لا تجعل أقصى أمانيك أن يكون لك متابعون بالمئات والآلاف على السوشيال ميديا، فتحطم من أجل الجماهير كثيراً من الأحكام الشرعية، وتتفسخ، وتقلبها، وتغير نبرتك، الهدف أنه بدي أستقطب الناس! لا، افعل ما يريده الله منك، هذا المطلوب. طوّر في أسلوبك إذا محتاج تطوير، حَسِّن في أدائك إذا محتاج، اطلب العلم أكثر وأكثر، افهم واقعك، كل هذا مطلوب، لكن لا تقع في فخ تغيير الدعوات وتغيير الخطاب الدعوي من أجل أن يأتي معي أناس كثير. تذكر أن هناك أنبياء يُوحى إليهم من السماء، بدك أحسن من هيك؟ يُوحى إليه من السماء ويأتي وليس معه أحد، ما في مشكلة، عادي جداً، طبيعي أن تكون إنساناً صالحاً مصلحاً وقمت بوظيفتك، ولكن لم يستجب لك أحد، هذا لا يعيبك ولا يقلل من شأنك، كما لم يقلل من شأن النبي الذي جاء معه أقل من عشرة، والنبي الذي جاء معه رجل أو رجلان. تخيل، سنوات وهو يدعو إلى الله، ما أحد آمن بدعوته. في النهاية، الرجل واثق مع من؟ مع ربه سبحانه وتعالى، ويسير على دعوته ولم ينهزم، ولم يشعر أنه محتاج أن يغير رؤيته ومواد الدعوة وطريقة الفكر. لا، اثبت والمهم أن تكون على الدرب.
إذاً، هذه فكرة جداً مهمة؛ أن الأمور لا تقاس بالكثرة، لا تقاس بالجمهور. حتى وأنت تقارن بين الدعاة والمصلحين أو المؤثرين، الموضوع لا يقارن بعدد المتابعين على الصفحات، "آه والله هذا ما شاء الله يتابعه 5 ملايين"، لا، هذا يتابعه 10! قد يكون هذا الشخص المسكين الذي يتابعه 10 وما حدا داري عنه إلا ستة أو سبعة شباب حواليه، هؤلاء يكون فيهم من الصدق والنفع للأمة في قادم الأيام ما لا يوجد لأصحاب الملايين. أنت لا تدري من قُبِل ومن لم يُقبل، ومن رُفع ومن لم يُرفع، ومن الذي تطرح البركات في خطاباتهم وأعمالهم، ما بتعرف، فاستعن بالله ولا تعجز.
قال: «إذ رُفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي». رُفع له ماذا؟ سواد عظيم، يعني عدد كبير من الناس من البعيد بلون أسود، ففرح النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «فظننت أنهم أمتي»، فقيل: لا، هذا ليس أمتك، هذا موسى وقومه. ولكن حتى نفرحك، انظر إلى الأفق، قال: «فنظرت فإذا سواد عظيم، قيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب».
الآن نحن في القاعدة الأولى، ماذا قلنا؟ أنه لا يعيب الداعية أن يأتي يوم القيامة وليس معه أحد ما دام سار على منهج الأنبياء، لكن أليس الفرح بكثرة من يقبل دعوتك مشروعاً؟ بلى، أن تفرح بكثرة من يستجيب لدعوتك أيضاً هذا الفرح مشروع، بدليل أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يبحث عن أن يكون عدد المستجيبين له من الأمة بالملايين، وكان فرحاً بذلك ومسروراً به. فأحياناً هناك اعتدال في الخطاب، لأن بعض الناس يقول لك: يا أخي لا تفرح إذا استجيب لدعوتك، هذا قد يكون بده يكسر نفسك! باختصار، كل ما استجيب لدعوتك يريد أن يقول لك: لا لا تفرح كذا، ما بضبط، اتق الله، صوِّب النوايا. هو ما في تعارض أنك تفرح أن استجيب لدعوتك، أهم شيء أنه ما يكون فرحك هدفه أني أريد أن أُبرز نفسي، وأريد أن يُثنى عليَّ، وأن يقال: والله فلان وكذا، ويُشار إليَّ؛ اه هنا دخل الرياء والنفاق، وأنت حطمت كل تعبك، فكنت جسراً للناس إلى الجنة ثم يُلقى بك إلى النار والعياذ بالله. لكن أن يكون سبب فرحك هو انتشار الخير على يديك، ما في مشكلة، إبراهيم ماذا قال؟ ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: 84]، من المعاني التي فُسِّر بها: اجعل دعوتي تستمر في عقبي إلى الآخرين، أن يستجيب لدعوته آلاف الناس ومئات الملايين من البشر. هذا كان طموح سيدنا إبراهيم، لا يعيبك، بالعكس، كل إنسان يحب أن دعوته تصل إلى الآفاق، ويحب أن يمتد نفعها، ويحب أن يأتي يوم القيامة ومعي مئات وملايين ممن كُتبوا في صحيفتي. فإذا كان فرحك بتوبة الناس وصلاحهم على يدك، فانعم به وأكرم، وهذا إن شاء الله من عاجل بشرى المؤمن. وأما إذا كان فرحك للبطل والافتخار ولتناكف داعية آخر أو مصلح آخر، لا، سعيت وبؤت بالخسران المبين، نسأل الله السلامة والعافية.
هذا الحديث فيه إشارة إلى أن أمة موسى التي أسلمت معه أيضاً أمة عريضة، يعني أن بني إسرائيل نحن دائماً نتصور عن بني إسرائيل تصورات معينة، لكن الحقيقة في زمن موسى لما يأتي سيدنا موسى ومعه سواد عظيم، إذاً هذا يدل أن بني إسرائيل في زمانهم ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: 16] كانوا أفضل أهل الزمان في تلك الفترة، وبالتالي بالتاكيد هناك عدد كبير منهم كانوا على استقامة وهداية وصلة، ليسوا سواء، ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: 113]. حتى ما نظلم الجماعة، كان في منهم هذا الصنف، بدليل أن سيدنا موسى لما يأتي يوم القيامة سياتي ومعه عدد كبير سيدخلون الجنة من بني إسرائيل.
لكن النبي عليه الصلاة والسلام سياتي معه عدد أكبر؛ لأنه نظر إلى الأفق الأيمن ثم نظر إلى الأفق الأيسر فكانت أمته ما بين الأفقين، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. يعني هؤلاء بختم كما يقولون؛ السبعون ألفاً هؤلاء عبر تاريخ أمة محمد صلى الله عليه وسلم، اليوم نحن في القرن الـ15 الهجري، الله أعلم متى يأتي يوم القيامة. من كل هذه الملايين من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم التي مرت عبر التاريخ، في الهند والسند وأوزبكستان وأذربيجان والأندلس، كل هذه مئات الملايين التي ستأتي وأتت، فيهم سبعون ألفاً هؤلاء وضعهم خاص. طبعاً هذه بدها منافسة شرسة حتى تكون منهم، أنت تحكي 70 ألفاً ضمن مئات الملايين، هذه بدها منافسة من الطراز الرفيع.
يقول: "هل العدد مقصود لذاته ولا المقصود الكثرة؟". والله يا أخي، الذي يظهر أنه مقصود لذاته، ليس دائماً الأعداد، مثل ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: 80]، الـ70 ماشي، ممكن نقول أن العرب تستعمله للكثرة، لكن 70 ألفاً، لا أعلم أن العرب بطبيعتها تستعمل هذا الرقم للكثرة، وإن كان قد تجد بعض المتدبرين من يذكر هذا الرأي، هي قاعدة عند العلماء إذا كان الفضل بإمكاننا أن نوسعه، نوسعه قدر الإمكان، وأنه دائماً لا نحجِّر واسعاً.
لكن ما دام هناك منطق في التوسعة، ما دام نص الحديث يقبل، أنا لن أؤلف الحديث مشان أوسع الفضل. أنا عندي رقم 70,000، والأصل أن الأرقام مقصودة لذاتها حتى يأتي ما يدل على أن ذكره هنا تجوز. فأنت عندك تزاحم في القواعد؛ تزاحم أني لا ألعب بالنص، وتزاحم أني نعم أوسع باب الفضل. فنحن مع توسعة باب الفضل دون أن أتكلف في فهم النص وأعطيه شيئًا ليس فيه دلالة عليه ولا قرينة واضحة.
ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. فالصحابة صاروا يتناقشون يا ترى هؤلاء الـ 70,000 مميزون، مين هم هؤلاء؟ شوف الإنسان الذي همه في الخير دائمًا، يحمل هم الخير، والإنسان الذي همه في جواله ولا في لعب، ولا يسمع الحديث والآثار وكتاب والسنة وخطبة الجمعة، ويطلع منها زي ما دخل؛ فرق بين من يسمع الموعظة فتبني لديه أثرًا، وبين من يسمع المواعظ وكأنه لم يسمعها وعقله في الدنيا، إيش بدي أعمل بعد الخطبة؟ إيش بدنا نوقد اليوم؟ وين السفرة؟ وين القعدة؟ هؤلاء صحابة يفهمون أن التنافس هناك أن نكون من الـ 70,000.
فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: فلعلهم الذين كانوا متفائلين جدًا، قال: فلعلهم الذين صحبوا النبي عليه الصلاة والسلام. وهؤلاء الصحابة منهم هم؛ لعل الـ 70,000 يكونوا من الصحابة فقط مش من الأجيال التي تأتي بعدنا. فهذا كان أكيد بعضهم يتمنى؛ لأنه احتمالية أن يكون بالتالي منهم أكثر وأكثر بتصير.
وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئًا. والبعض كان شاعرًا بسلبية شوية، قال: هؤلاء شكلهم الذين لما خرجوا من بطون أمهاتهم كانوا مسلمين، أما نحن اللي كنا في الجاهلية مشركين وأسلمنا، أكيد نحن مش من هؤلاء. شوف هؤلاء كانوا متفائلين جدًا، وبين هذه النظرة التي أخرجوا فيها كثيرًا من الصحابة الذين كانوا في الجاهلية ثم أسلموا. وذكروا أشياء، يعني صار كل واحد يحلل ويقدم وجهة نظر.
فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه أننا نحلل مين هم رح يكونوا الـ 70,000، فقال: أعطاهم صفات لهؤلاء ولم يعطيهم أعيانًا، فقال: هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم. ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة. متفق عليه.
قال: هم الذين لا يرقون. هذه اللفظة حقيقة وقع فيها خلاف كبير بين المحدثين؛ لأنهم رأوا أن لفظة لا يرقون بخلاف لا يسترقون، لا ما فيها مشكلة صحيحة، لكن هي اللفظة التي وقعت في صحيح مسلم أنكرها كثير من العلماء باعتبار أن مفهومها يخالف ما هو مقرر في الشريعة من أن الإنسان يرقي نفسه. ما معنى لا يرقون؟ لا يرقون أنفسهم ولا غيرهم، يعني هكذا ستكون لا يرقي نفسه ولا يرقي غيره؟ طيب عائشة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الرقية من العين فأمرها أن تسترقي من العين، أن ترقي نفسها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرقي أهل بيته، أليس كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا مرض أحد من أهل بيته يرقيه؟ قالت عائشة: فلما مرض مرض الموت عليه الصلاة والسلام كان في حجر عائشة، فكانت ترقيه وتمسح بيده هو على وجهه لأن يده أبرك من يدها. فقالوا هذه اللفظة أن الـ 70,000 لازم يكونوا ناس لا يرقون أنفسهم ولا غيرهم، تتعارض مع ظواهر الأحاديث التي فيها إثبات أن النبي عليه الصلاة والسلام يرقي نفسه، أو كان يرقي أهل بيته، وأن عائشة رقت بيده عند موته، وكان يأمرهم بالرقية.
فلذلك قالوا هذه الرواية لعله وقع فيها غلط عند مسلم، ولعلها كما ورد في روايات أخرى: لا يكتوون. نهى عن الكي، تعرفون الكي؟ لما إنسان ينزف عرق منه كانوا يكوونه بالنار، كما ورد في بعض الروايات الأخرى: هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون. الآن لا يسترقون، إيش الفرق بين لا يرقون ولا يسترقون؟ الذي يسترقي هو الذي يطلب من غيره أن يرقيه، الآن هذا مش حرام بس يعتبر نوع من أنواع الضعف، أنت لست في أعلى الأحوال، أعلى الأحوال أن تكون الراقي وليس المرقي، أعلى الأحوال أنك أنت ترقي نفسك أو ترقي غيرك، فأما أن تسترقي غيرك وتطلب منه أن يرقيك هذا أكيد ليس هو أعلى الأصناف. طيب إذا واحد احتاج شيئًا، خلص استرق، لا تظل معاندًا أنه أنا بدي أكون من الـ 70,000 لأنهم هم الذين أحد صفاتهم لا يسترقون، ويكون هو قدراته لا تسمح له بذلك؛ معه سحر وفيه كذا ومصروع وعنده قصص، آخر شيء يقول لك أنا ما بدي أروح أسترقي، نقول له: طيب أنت قادر أنك ترقي نفسك؟ رحم الله امرأً عرف قدر نفسه، هذه ثواب، وليس كل الناس مطلوب أن يكونوا من الـ 70,000، لأن عدد الصحابة أكيد أكثر من 70,000، فبالتالي هذه مرتبة من مراتب الخير، والله قويت أنك لا تسترقي، قواك الله، ارقي نفسك وغيرك. لكن أنت شاعر أن إيمانياتك ليست عالية ومعرفتك بالرقية ضعيفة، وأنت إنسان فيك فتور وملول، ولا تحافظ على برنامج في الرقية والسحر يزداد أو العين تزداد وعم بتعطل حياتك، ترى أحيانًا أنت قد تطالب بثواب الـ 70,000 وإذا أنت ضيعت دينك وإيمانك.
فهمتوا، الذي يحصل مع البعض أنه في النهاية الهدف الأعلى أنك تدخل الجنة، والأعلى أنك تصيب الفردوس الأعلى، بس أنا بدي أحاول أفهم نفسي أني ما بدي حتى أوصل لشيء أعلى لا أحمل نفسي شيئًا يسبب انتكاسة، فلا أحصل الأدنى. فهمتوا الفكرة؟ هو بده يكون من الـ 70,000 وبده يسترقي السحر والعين وكل العفاريت اللي فيه ضيعوا دينه وإيمانه، فربما الجنة ما يدخلها. طيب أنت يا أخي مشان تكون من الـ 70,000 بذلت جهدًا فوق طاقتك الاستيعابية، فضيعت مش الـ 70,000 بس، ضيعت الجنة وانتكست دينيًا وسلوكيًا؟ لا، رحم الله امرأً كما قلت عرف قدر نفسه في باب الإيمانيات. أيضًا، أنا مش قوي في الرقية يا شيخ، خلص روح على شيخ إذا أنت فيك أمارات الحسد أو العين أو السحر أو الأشياء التي عم بتعطل حياتك وعم بتدمر جهودك، أن ترقى رقية صحيحة فيشفيك الله بها بإذنه، فتعود لك حياتك الطبيعية أفضل من أنك تبقى مصممًا أني ما بدي أسترقي، فإذا بك تضعف مع مرور الأيام والوقت، فإذا بك تنهار إيمانيًا، فلا أنت دخلت الجنة ولا حصلت الـ 70,000. فإذا هذا فقط من باب التوازن الذي أعطيه للإخوة في هذا الموضوع. إذا لا يسترقون؛ لا يطلبون من غيرهم الرقية، لكن ارفق بنفسك.
قال: ولا يتطيرون. التطير معروف، هو أسلوب كان يستعمله الجاهليون وهو أن يجعلوا القدر مبنيًا على حركة الطيور. فكان إذا أراد أحدهم سفرًا رمى طيرًا، فإذا ذهب باتجاه اليمين قال هذا سفر ميمون، وإذا الطير باتجاه الشمال قال هذا سفر مشؤوم فلا أسافر، فيجعل حركة الطير تدل على نتيجة السفر. فنقول: جعلوا ما ليس بسبب سببًا، هذا نوع من أنواع الشرك الأصغر، جعل ما ليس بسبب سببًا؛ هل الله سبحانه جعل حركة الطير للشمال دليلًا وسببًا لأن يكون السفر مشؤومًا؟ لا، هذا من بنات أفكارك، فأن تأتي بشيء لم يجعله الله سببًا فأنت تجعل سببًا بهواك، هذا شرك أصغر، مش كفر، بس نوع من أنواع الضعف الإيماني وشرك أصغر. تمام، إلا إذا اعتقدت أن الطير هو بحد ذاته مؤثر في الكون، هذا كفر، لكن الناس ما كانت تعتقد هكذا، كانت فقط تعتقد أن هذا من الأسباب، أن ذهاب الطير للشمال سبب في أن يكون السفر مشؤومًا، فنقول هذا شرك أصغر. ومثله حقيقة ما يفعل كثير من الناس إذا رأى شخصًا معينًا في الصباح يقول لك: "صبحت وجه الجار اليوم"، ليش؟ والله الجار هذا وجهه يومك بصير أسود، طيب التفاؤل ب... التفاؤل فيه مشكلة بس لا يأتي، لا تعتقد أنه هو السبب. النبي عليه الصلاة والسلام كان يعجبه الفأل الحسن لكن لا يعتقد أنه هو السبب، كان إذا سمع أسماء جميلة: "صلح أمركم، فلح أمركم"، لكن ما يقول أن هذا هو السبب لهذا، وإنما سهل أمركم، لما جاء سهيل بن عمرو كان يتفاءل بالأسماء الجميلة عليه الصلاة والسلام لكن لا نقول بالسببية.
ولا يتطيرون. قال: وعلى ربهم يتوكلون. قضية التوكل وهذا موطن الشاهد من الحديث، لذلك ذكره في هذا الباب، أنه لا بد أن يكون على درجات عالية من التوكل، هؤلاء جماعة الـ 70,000 ليسوا أي شخص، توكل يسير، بده يكون توكل على الله عز وجل في رزقه، توكل على الله في زواجه، توكل على الله في دعوته، توكل على الله سبحانه وتعالى في مرضه، توكل على الله في قضاء عموم حوائجه. فإذا هي أربع صفات، وكما قلت الذي يظهر لي أن الصفة الأولى هي لا يكتوون، فنهى عن الكي، لكن كما قلنا النبي عليه الصلاة والسلام أمر بعض الصحابة بالكي مع أنه نهى عنه، طبعًا النهي عنه هو نهي كراهة؛ أنه ليس هو أحسن الأحوال، واختلفوا بعد ذلك لماذا نهي كراهة؟ هل لأن فيه استعمال النار؟ البعض دخل في بعض الأمور أو هي قضية تعبدية؟ نقف عند النهي عنها ونقول الله أعلم، قد يكون أنه في استعمال نار، وقيل إن قضية تعبدية، وقيل غير ذلك، لكن المهم الذي أميل إليه أن اللفظة ليست لا يرقي كما جاء في صحيح مسلم، وإنما العبارة أو الرواية الأدق هي الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. تمام، فمن جمع هذه الخصال أعلى درجات الجمع، فإن شاء الله هو من هؤلاء.
فدائمًا في ناس موفقة في الحياة يحسنون استغلال الفرص، منهم عكاشة بن محصن، فماذا قال؟ نعم اقرأ. فقال: "ادع الله أن يجعلني منهم"، فقال: "أنت منهم". قال: يا رسول الله ادع الله يجعلني منهم، هي فرص قنصها عكاشة، يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم. لكن الآن متوقع طبعًا أنه فتح الباب، الكل صار يقول يا رسول الله، فقام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: خلص الفرصة واحدة، ليست الفرص لا تفتح أبوابها دائمًا، وهذا شوف تعليم من النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة أنه في المستقبل كن المبادر، لا تنتظر غيرك يفتح باب الخير، أنت الذي افتح باب الخير. بعض الناس يستنى غيره يشيله، فإذا شاله يقول لك: "طيب شغلوني معكم"، طيب ليش ما أنت فتحت الباب؟ ليش ما أنت كنت البذرة الأولى؟ فعكاشة النبي عليه الصلاة والسلام كافأه لهِمته، لأنه هو فتح الباب وهو أول من بادر وكان نبيه سريع، فكان جديرًا بأن يأخذ الجائزة، الذي تأخر خلص، أنت تأخرت، لا تطالب بمنزلة من سبق. فهذا سبحان الله كان فيه تعليم للصحابة أنه صار في مجالس أخرى؛ المجلس هذا الذي فاز بالجائزة إذا معنا مين عكاشة، في مجالس أخرى سيكون فهمتموه، الذي يبادر يكسب، والذي بده يظل مستحي أو خجلان أو مش فارقة معه أو مش مهتم أو مش معه أصلًا في جو مجلس، ينتظر يبقى في سلم المنتظرين إلى أن يفتح الله عليه.
فهذا حقيقة درس كبير في كيف الإنسان يبادر، لأنه ما بين الصحابي ما بين عكاشة وما بين الصحابي الآخر دقيقتان، يعني ما بأعلى الأحوال صح ولا لا؟ كله مجلس واحد ما بينهما دقيقتان فرقت أنه عكاشة ضمن الـ 70,000. يعني مش ضمنها في الدنيا مش وظيفة راتبها 50,000، ضمن أنها من الـ 70,000 اللي رح يدخلوا الجنة بدون حساب ولا عذاب، شوف ضمان أكثر من هيك؟ طبعًا بعض الناس لو كان زي عكاشة يقول لك خلص عكاشة حط راسه هناك، لا يا عم الله يرضى عليك، هؤلاء الصحابة يفهمون عقلانيين أن هذا بشرط، أن هذه الجائزة مشروطة بالاستمرار، أنه إذا مت واستمررت فأنت خلص أنت بإذن الله منهم، هو يعلمون أن هذا الأمر مش معناته حط راسك ونام، معناته استمر على ما أنت عليه والجائزة بانتظارك.
غير حساب؟ يعني في القبر على الجنة ولا... يعني الآن ما تفاصيل بغير حساب لا أملك لك إجابة حقيقية، لكن لأنه ما في عندي برضه تفصيل حقيقي في هذا، لكن يظهر أن هؤلاء يمكن أن نقول بمجرد أن يأخذوا صحائفهم بإيمانهم، لا يقفون مباشرة بدخل، يعني ربنا.
عز وجل لا يستنطقهم بأعمالهم. مثلاً في ناس سيستنطق ويقرأ، فإذا ربنا عز وجل يقول: عبدي ذنوبك سترتها عليك في الدنيا وأنا أسترها عليك اليوم. لا، الظاهر أن هؤلاء حتى هذه مشت، خلص، يعني ما في حساب، مباشرة تأخذ كتابك بيمينك. يقول الظاهر هي نفس: ﴿يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]، لا، هناك بغير حساب بدون معايير، يعني يصب عليهم الثواب صباً، هذيك شيء ثاني، يقول لك أنا ما مش رح أحاسبك، رح أعطيك أجرك صباً، هذاك موضوع آخر. أما هون بغير حساب، يعني الذي يظهر يدخلون الجنة دون أن يستنطقوا بأعمالهم السيئة التي فعلوها، ما في إنسان ما في في ذنوبه خطايا. هؤلاء كتابه بيمينه، وإن شاء الله يدخل الجنة مباشرة، والله أعلم.
قال الرهيط بضم الراء تصغير رهط، وهم دون عشرة أنفس، والأفق الناحية والجانب. وعكاشة بضم العين وتجديد الكاف وبتخفيفها، والتجديد أفصح. يعني البعض يقول عكاشة والبعض يقول عكاشة، يعني هذا الصحابي اسمه ضبط أكثر من ضبط، عكاش وعكاشة بالتخفيف والتشديد أفصح عكاش. نعم، تساقط، نعم أحسنت، في عندك هذه الأمور.
قال الثاني عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت. اللهم إني أعوذ بعزتك -لا إله إلا أنت- أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون» متفق عليه، وهذا لفظ مسلم واختصره البخاري. حديث جميل ودعاء فخم من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً يرويه لنا ابن عباس رضي الله عنهما عنه وعن والده، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من أدعيته أنه يقول: «اللهم لك أسلمت»، وهذا توكل تمام، يعني أنا سلمت أموري إليك. اللهم لك أسلمت، سلمت كل شيء في حياتي إليك، وبك آمنت، وهذا أسلوب حصر، وبك أي دون غيرك آمنت وأيقنت، فهنا جمع بين الاستسلام واليقين والتوكل بعبارته الصحيحة: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت».
وقد يؤخذ من هذا الحديث التفريق بين الإسلام والإيمان، أليس كذلك؟ لما قال: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت»، إذاً الإسلام شيء والإيمان شيء آخر، وهذا هو القول الصحيح عند جمهور أهل السنة والجماعة، أن الإسلام عادة هو عمل الظاهر. إذا الإسلام إذا اجتمع مع الإيمان في سياق واحد، فالإسلام يكون علانية يعني أعمال الجوارح، ويكون المراد بالإيمان أعمال الباطن. فإذا أردنا أن نقول إن الإسلام هنا ليس التوكل ابتداءً وإنما هو الاستسلام الظاهري، فيقول: اللهم لك أسلمت، يعني جوارحي الظاهرة، وبك آمنت، الإيمان بالقلب أيقن قلبي بك، وعليك توكلت، هنا جاء مفهوم التوكل، وإليك أنبت أي رجعت. والإنابة إلى الله سبحانه يعني الرجوع إليه في كل أمورك الشرعية والحاجية، وكل ما تحتاجه تنوب وتعود إلى الله سبحانه، وإذا عصيت أيضاً تنيب إليه. وبك خاصمت، تمام، أي بك خاصمت أي قاتلت وواجهت أعداء الدين، خاصمت بك، مش تأخذ الله، بك أصول وبك أجول. يعني أنت لما تجاهد وتقاتل وتعيش الحياة الدعوية بخضمها، أنت تخاصم مستعيناً بالله، تخاصم وعدوك تحتاج إلى الله عز وجل وبك خاصمت.
ممكن وبك خاصمت يعني ما بخاصم أحداً إلا بسبب إذا أنت تعذب في الدين مثلاً. أو ممكن أيضاً ممكن نقول وبك خاصمت من أجلك، يعني وبك خاصمت، يعني ما خاصمت إلا من أجل الأمور الدينية، ولم أخاصم من أجل أمور دنيوية. إن النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يغضب لأمر شخصي وإنما كان غضبه لله، فيمكن يحمل على هذا: وبك خاصمت، يعني في الأمور المتعلقة بشريعتك وأحكامك ومقامك وذاتك خاصمت وليس في أمور أخرى، وهذا معنى جميل أيضاً.
اللهم إني أعوذ بعزتك، وهذا يدل على جواز الاستعاذة بالصفات، أنت قد تستعيذ بالله تقول أعوذ بالله، ويجوز أن أستعيذ بعزة الله، أعوذ بعزة الله وبرحمة الله، لأن الصفة لا تنفك عن الذات، فأنت لما تستعيذ بعزة الله أنت تستعيذ بالله فعلاً، لأن الصفة ليست منفصلة عنها هي قائمة في ذاته سبحانه وتعالى. أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت، هي كأنها جملة معترضة يستحضر فيها العبودية، أعوذ بعزتك من ماذا؟ أن تضلني، أن تضلني يعني أن أنحرف عن الخير والصواب بعد إذ هديتني، وهذا من أهم أصول الدعاء أن يدعو الإنسان ربه بالثبات على الدين، كان من أكثر دعائه: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، وكان إذا اجتهد هذا في القسم صلى الله عليه وسلم يقول: لا ومقلب القلوب، فأهم شيء الإنسان يسأل الله عز وجل أن يحقق له في الدنيا ليس الطعام والشراب والزواج والمال والثروات، هذه مطلوبة لكن ليست هي في المقام الأول، أهم شيء في حياتك أن الله عز وجل يثبتك إلى الممات على هذا الدين ولا يفتنك.
اللهم إني أعوذ بعزتك أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، الله لا إله إلا هو الحي القيوم، وكمال حياته يقتضي أن يكون هو الذي يُلتجأ إليه ويُطلب منه، لأنه قال: والجن والإنس يموتون، فكل من سواك يأفل، زائل، لا أحب الآفلين، الكل يأفل، نجمه ويغيب رسمه ويطوى تحت الثرى، فتعلق القلب بمن يزول وترك من لا يزول ضعف. أن يتعلق قلبك بمن يزول فتخافهم وترجاهم وتكون نظرك إليهم هذا ضعف. بعض الناس يتعلق بمسؤول أو يتعلق بوزير، يظن أن الرزق سيأتي منه، فيخاف إذا ذهب أن تنقطع حياته وتنتهي آثاره، هذا ضعف، لأنه كل من تتعلق به مما سوى الله فهو يزول، وأما الله عز وجل حي لا يموت، أنت الحي الذي لا يموت، فالتعلق بالله هو المكسب والتعلق بغير الله هو تعلق بمن يأفل، لذلك قال: والجن والإنس يموتون، تذكر قصة محاجة إبراهيم مع هؤلاء لما قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: 76]. أنا شيء بيموت أنا أعلق قلبي فيه ليه؟ شيء بيغيب أعلق قلبي فيه ليه؟ طيب، متفق عليه، موطن الشاهد معاني اليقين وبك آمنت، معاني اليقين وعليك توكلت، أيضاً أنت الحي الذي لا يموت يعني فيها معنى أيضاً التوكل على الله عز وجل والتعلق به وحده دون التعلق بمن يأفل.
قال الثالث عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين أُلقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]، رواه البخاري. وفي رواية له عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان آخر قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل.
ابن عباس رضي الله عنهما اليوم صاحبنا كثيراً، ثلاثة أحاديث متواصلة عن ابن عباس رضي الله عنهما. ماذا يقول عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، هذه العبارة، الحسب هو الكافي كما مر معنا، كافينا الله ونعم الوكيل الذي يتوكل عليه الله. قال هذه العبارة إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، والرواية الطويلة أنه لما أُلقي في النار وهو بين السماء والأرض جاءه جبريل فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. شوف هذا قمة التوكل، هذه هي ملة إبراهيم، وهذه مدرسة إبراهيم عليه السلام، أن الإنسان في أشد لحظات ضعفه وافتقاره إلى من يعينه، يأتيك بشر وصادق بده يساعدك، أو يأتيك ملك وأعلى من البشر ويقول لك أنا بشيلك، وتكون نحن الواحد فينا بس يجي واحد متمسك فيه، اه أنت تعال يا فلان ساعدني لما تعرف أنه قادر، لا، أنك تقول أما إليك فلا! شوف الإيمان هذا الذي عند سيدنا إبراهيم، اللي بكون في أشد لحظات ضعفه، وأن النار تلتهب أمامه وسيلقى فيها وهو بين السماء والأرض، يعني أنت بينك وبين النار ثوانٍ معدودة، ثوانٍ، ويأتيك جبريل، مش رجل بشر، يعني جبريل الذي أنت بتعرف قدراته وإمكانياته ويعرض عليك أنه بدك أساعدك، فتقول لجبريل لا، أما إليك فلا، أما إلى الله فنعم، حسبنا الله ونعم الوكيل.
يا شيخ كيف نجمع بين العمل بالأسباب مع القمة العالية هذه من التوكل؟ شوف هذه مقامات إيمانية، خلينا نقول هذه مقامات إيمانية لإنسان يعني يعيش في هذا المقام. لذلك حتى في مقام النفقة بكل المال، يعني كانوا يقولون سيدنا أبو بكر أنفق ماله كله، يجي شخص يقول لك أنا بدي أعمل زي أبو بكر فبيضيع عائلته وأسرته، لا، هذا مقام أبو بكر، هو مقام إيماني لرجل يعرف صبره وتحمله ويعرف من أين تؤكل الكتف لعائلته، وقادر أن يفتح تجارة جديدة، مش كل شخص يستطيع يفعل كأبي بكر، وخطأ أن يفعل كل شخص كأبي بكر، خطأ، مش كل الناس في هذه المراتب. فسيدنا إبراهيم عليه السلام هو في تلك اللحظة عنده من عين اليقين إذا بدنا نسميها ما جعله موقناً أن الله عز وجل سيفرج عنه كربه، ما جعله موقناً بأن ثقتي بالله العالية تجعلني أثق أن إلهي لن يتركني في خضم هذه النار، فهذه مقامات إيمانية عالية، لا يدعيها الإنسان لنفسه لكن يسعى الإنسان أن يكون على خطى إبراهيم عليه السلام في تحقيق شيء من هذه المقامات.
وقالها أيضاً محمد عليه الصلاة والسلام حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾، الصحابة لما أخبروا أن جيش أبي سفيان بعد غزوة أحد يريد أن يغير على المدينة وينهي الوجود النبوي في المدينة، وصلت هذه الأنباء، فماذا كانت إجابة الصحابة أيضاً وليست فقط إجابة النبي عليه الصلاة والسلام؟ فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء. كلاهما سيدنا إبراهيم وسيدنا النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة لما قالوها بمقام إيماني صادق جاءهم الفرج، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله حين لم يتسخطوا على قدر الله ولم يعترضوا على الله، بل استقبلوا القضاء والقدر بكل صدر رحب وكان دعواهم حسبنا الله ونعم الوكيل. والدعاء ترى هو أيضاً هذه انتبه لها أخي الحبيب، هو أيضاً جزء من الأسباب، يعني هو الدرس أتكلم فيه عن الصوفية والجبرية، طريق الهجرتين، أنه كنا نتكلم فيه عن قضية أن الصوفية، الحال أن ما بيدعي ربنا، بيقول لك أن الدعاء ينافي الاستسلام لله، لا يا عم هيك بلشنا نتخربط. الدعاء لا ينافي الاستسلام لله، لأنه هو قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60] هو طلب مني فكيف تقول هم عندهم لازم الجبر أنك تستسلم للقدر حتى دعاء ما تدعي، خلص تقول ما فعله حبيبي فهو أحب إليّ، فلا تدعو الله عز وجل أن يكشف عنك ما يمكن أن يكشف. فقال ابن القيم هذا خطأ، فإن الله أمرنا أن ندافع القدر بالقدر، ولا في إنسان عاقل ما بدافع القدر بالقدر، فسيدنا إبراهيم هو دافع القدر بالقدر، هو أخذ بالأسباب بس سببه اللي كان ثقته فيه هو الدعاء، هذا هو لا نقول لم يأخذ بالأسباب، نقول أخذ بالأسباب لكن ما هو السبب؟ الدعاء، حسبنا الله ونعم الوكيل، دعاء، فهو أخذ بسبب مش مادي سبب شرعي، ثقته في السبب الشرعي كانت أعلى من ثقته بجبريل اللي هو السبب المادي، هيك بتقول، نعم. كمل.
قال الرابع عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير، قيل معناها متوكلون، وقيل قلوبهم رقيقة، تمام، وهذا بالتالي الحديث يتناسب مع الباب على المعنى الأول. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير»، رواه مسلم. قال ما معنى أن أفئدتهم مثل أفئدة الطير؟ قال أنهم متوكلون، ايش يعني ليش أفئدة الطير متوكلة؟ هي تشير إلى أي حديث؟ أحسنت، «لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو» يعني في وقت الصباح تروح خماص جوعانة تبحث عن طعامها «وتروح بطاناً» شبعانة، عمرك شفت الطير قاعد في الصباح مهموم حاط إيده على إيده يفكر اليوم أكل؟ عمرنا ما شفنا هذا المشهد صح؟ الطير عنده ثقة بالله عالية، بيمسك حاله من الصباح وبدور على رزقته وبيرجع على المساء شبعان وماكل، والحمد لله لم نرى طيراً مهموماً لأنه متوكل. فيقول هناك أناس سيدخلون الجنة أفئدتهم مثل أفئدة الطير، يعني عنده في فؤاده يقين بالله أنه سيرزقه كما هو يقين الطير أن الله سيرزقه، فهمت ما معنى؟ قال هؤلاء هم المتوكلون. والبعض قال، وقيل لا، وقيل أفئدتهم كأفئدة الطير، هذا تشبيه آخر، أنتم دائماً أي تشبيه لازم تعرف ايش وجه الشبه. على الوجه الأول ما وجه الشبه؟ الثقة، أنه شبه المتوكلين ثقتهم بالله شبهها بثقة الطيور بالله. صح؟ التشبيه الثاني ما هو؟ وقيل أن المراد في الطير أي رقيقة، إشارة إلى ماذا؟ مين يحكي لي إذا قلنا المراد الرقة؟ لا يعني لما أقول والله فلان قلبه قلب الطير من حيث الرقة دلالة ايش؟ الضعف، أحسنت، أو الخفة، الخفة أنه فلان قلبه خفيف، أي شيء بتحكيه بتأثر، دمعته على وجهه، دائماً حتقرأ عليه آيات ما شاء الله متفاعل معها في الدروس، بتلاقيه متأثر مقشعر، بتقول والله قلبه زي قلب الطير، فلان دلالة ايش قلب الطير خفيف. وفي أشخاص.
قلوبهم خفيفة، تجلب له آية فيها وعيد من النار يقشعر، وتجلب له قصة فيها عبرة يخاف. هؤلاء أناس رائعون الذين يتأثرون، ليس كمن قلوبهم قاسية تماماً مهما قيل ومهما فعلت لا يتأثر. هذا هو وجه الشبه الثاني؛ شبه قلب المؤمن سريع التأثر الذي تأتي المواعظ عليه فتحركه وتقلبه بقلب الطير الخفيف الذي يعبث به أي شيء من الرياح. هذا تشبيه من حيث الخفة.
قال الخامس عن جابر رضي الله عنه أنه غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل نجد. فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي رجع من الغزوة، قفل معهم فأدركتهم القائلة في وادٍ كثير العضاه. أدركتهم القائلة أي جاء وقت القيلولة؛ كانوا يقيلون في العادة قبل الظهر، فجاء وقت القيلولة وهم في وادي في الطريق كثير الشجر. العضاه نوع من أشجار البادية، يكون له شوك ويستفيدون منه. فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس يستظلون بالشجر، فكل صحابي أخذ له شجرة في هذا الوادي عشان ينام تحتها في وقت القيلولة. ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت سمرة، وهي نوع من أنواع العضاه وتكون كبيرة، فعلق بها سيفه ونمنا نومة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا وإذا عنده أعرابي.
فقال: «إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتًا، فقال: من يمنعك مني؟ قلت: الله». ثلاثًا، ولم يعاقبه وجلس، متفق عليه.
أكمل الرواية الثانية، وفي رواية قال جابر: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها. طبعاً سُميت بذات الرقاع لأن الصحابة تَلِفَت أحذيتهم ونعالهم، فاضطروا أن يأخذوا قطعًا من القماش يلفوها على أقدامهم حتى يمشوا ويكملوا طريقهم. شوف الفقر؛ الإنسان يتلف نعله وما في شيء يعمله إلا أن يأخذ جلدًا أو قطعة رِق فيضعها تحت قدمه ويربطها. فإذا أتينا على شجرة ظليلة لها ظل كبير تركناها للنبي عليه الصلاة والسلام إجلالًا واحترامًا وتوقيرًا؛ خلوها للنبي عليه الصلاة والسلام.
فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلق بالشجرة، فاخترطه فقال: تخافني؟ قال: «لا». اخترطه أي سحبه، فقال: تخافني؟ قال: «لا». قال: فمن يمنعك مني؟ قال: «الله». انظر إلى الثقة والتوكل واليقين دون تردد ودون تلعثم؛ ما فكر ولا جلس يفكر عليه الصلاة والسلام حتى يجيب، قال: «الله» لأنه في قمة اليقين والتوكل عليه الصلاة والسلام.
وفي رواية أبي بكر الإسماعيلي في صحيحه قال: «من يمنعك مني؟» قال: «الله». قال: فسقط السيف من يده، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف. فقال: «من يمنعك مني؟» فقال: كن خير آخذ. قال من يمنعك مني؟ الأعرابي ما عنده شيء يستند إليه، المؤمن يستند إلى ركن شديد إلى ربه عز وجل. فلما شعر الأعرابي بالافتقار قال: كن خير آخذ، أي كن إنسانًا رفيقًا ولا تؤاخذني بما فعلت. فقال: «تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟» قال: لا، ولكني أعاهدك ألا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله. فأتى أصحابه فقال: جئتكم من عند خير الناس.
جئتكم من عند خير الناس الذي يعفو عنك وهو قادر على أن يقتلك مع أنك أنت كنت تريد قتله. وكذلك في الرواية الأولى: «إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتًا»؛ صلتًا أي مسلولًا. فقال: «من يمنعك مني؟ فقلت: الله» ثلاثًا. في الرواية الأولى قال: «الله»، بكل ثقة وبكل قوة وبكل عزة وبكل شموخ أمام ذاك الكافر الذي يملك الأسباب المادية لكنه لا يملك الأسباب المعنوية. هذاك معه سبب مادي معه سيف، لكن أنت معك من هو أعلى من السيف؛ معك الله سبحانه وتعالى. هذا شموخ إيماني يحتاج إلى يقين مسبق، كيف إبراهيم عليه الصلاة والسلام ما عنده أسباب مادية لكن عنده حسبنا الله ونعم الوكيل.
النبي عليه الصلاة والسلام أعرابي ماسك سيف فوق رأسه، عندك قدرة تقول لواحد ماسك لك سيف: معي الله، وتكون ثقتك بالله على قدر كلامك بهذه الكلمة؟ هذه كلمة تقال باللسان لكنها تعب سنوات، هذه الكلمة لا تنطلق بسهولة، هذه تعب سنوات وجهد قلبي وإيماني عالي جدًا حتى تصل إلى ثمرة أن تنطق بها موقنًا بها ومصدقًا بها في ساعة الشدة. هذه لا تأتي من كلمات جماهير ولا منشور على فيسبوك ولا شيء تغني فيه أمام الناس؛ الكلام سهل لكن العبرة في المواقف. قدرة الإنسان فعلاً في المواقف الصعبة أن يستحضر معية الله وأن يستحضر أن الله عز وجل يكفيه ما أهمه ويكشف كربه. بقدر ما يكون يقينك عاليًا بالله بقدر ما يأتي الفرج، بناءً على هذا كثير من الناس يقول لك: يا أخي أنا متوكل. الكلام سهل والشعارات حلوة، لكن هذا شيء لست أنا من سيحكم عليه؛ كن واثقًا أن الله هو الذي يطلع على قلبك فيدرك حجم التوكل في قلبك.
فبالتالي المدد على قدر الإعداد؛ المدد من الله سيأتي على قدر إعداد قلبك. هل أعددت قلبك لما تقول «الله» تكون من كل روحك ووجدانك واعتقادك وثقتك بربك سبحانه وتعالى؟ فهذه المعاني ولاحظ كيف حرص النبي عليه الصلاة والسلام في الرواية الأولى أنه لا يبقي هذا المعنى حبيثًا لما حصل بينه وبين الأعرابي، بل أخذه أمام الصحابة حتى يري ثمرة التوكل. وعلى ذكاء النبوي عليه رحمة الله أنه أحيانًا ما يجيب روايات الحديث، لكن لما يكون الحديث كل رواية تعطي معنى إيماني يجيب لك الروايات كلها؛ فالرواية الأولى معنى كيف أخذه أمام الصحابة حتى يعلمهم أثر التوكل وثمرته، وما خلى الفائدة فقط محصورة في الأعرابي.
الحديث الثاني بين أن هذه الغزوة كانت ذات الرقاع، وفجاء رجل من المشركين وسيف النبي صلى الله عليه وسلم معلق بالشجرة فاخترطه. كأن هذه الرواية ركز فيها على أدب الصحابة من جهة أنه أتينا شجرة ظليلة تركناها؛ أدب الصحابة مع مقام النبي عليه الصلاة والسلام. أيضًا تسمية الغزوة؛ هذه أيضًا تكون أحد المقاصد أن يبين متى وقعت هذه الواقعة، فإن في الرواية الأولى جاءت مجملة غزوة قبل نجد، فالهدف من الرواية الثانية تسمية الغزوة أنها كانت ذات الرقاع. الهدف من الرواية الثالثة تكملة المشهد، لأن الرواية الأولى المشهد فيها مقتضب، الرواية الثالثة لا مفصلة؛ أنه سقط السيف وأن الرجل ذهب إلى قومه و«كن خير آخذ»، زيادات في المعنى وفي الحوار أكثر وأكثر. نكتفي اليوم إن شاء الله بهذا القدر، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل