دخولتسجيل الدخول

المجلس الأول - كشف الكربة في حال أهل الغربة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وبحمده الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله وبياكم إخوتي وأخواتي جميعاً في مجلس جديد وبداية جديدة قوية بإذن الله، في مجلس سماع آخر ننتقل فيه من كتاب إلى كتاب، وهكذا حال طالب العلم وهو حامل العلم في كتاب، فإذا فرغ منه ارتحل إلى كتاب آخر، ولا يعرف الإجازة ولا يعرف العطلة قدر المستطاع، حتى يكتسب ما بقي من ساعات العمر، ويستغل أنفاس الحياة في طاعة الله سبحانه وتعالى.

كتابنا الجديد أو كتبنا الجديدة هي مجموعة من رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى عليه، وتحرينا أن تكون موضوعاتها في علوم الآخرة وفي علوم التزكية وفي صلاح القلوب، حتى تكون سهلة التناول للأحبة الذين يشاركوننا في هذه المجالس.

والكتاب لم يتم طباعته الآن كاملاً، الإخوة في اللجنة العلمية في غراس إن شاء الله الأسبوع القادم يكون الكتاب كاملاً يباع كاملاً، لكن اليوم إن شاء الله اقتصرنا على طباعة الرسالة الأولى مجاناً لجميع الأحبة حتى يتسنى لنا عقد المجلس الأول، فسامحونا لكن أحياناً الأشغال والتزاحمات تكون كثيرة.

الرسالة الأولى بين أيدينا للحافظ ابن رجب، والحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عليه من أفضل من كتب في علوم التزكية وفي علوم السير إلى الله على منهج السلف، من أفضل من يكتب في علوم التزكية والسلوك إلى الله سبحانه وتعالى بعد ابن القيم وابن الجوزي، الحافظ ابن رجب الدمشقي رحمه الله تعالى عليه صنف رسائل عديدة في السلوك إلى الله، ومنها هذه الرسالة التي عنونها بماذا؟ بكشف الكربة في وصف حال أهل الغربة.

يتكلم فيها عن غربة المؤمن في الحياة الدنيا وغربة المؤمن في آخر الزمان، والكلام عن غربة أهل الإيمان له فوائد ومقاصد، منها: أنه يعود الإنسان على الصبر على لأواء الطريق، يعودك الصبر على لأواء الطريق، ويعودك الثبات على دين الله سبحانه وتعالى، حتى لا تشعر بالضجر أو السأم حينما ترى الناس في واد وأنت في واد، فتعرف أن طبيعة هذا الدين سيعود غريباً كما بدأ، كما قال سيد أبو القاسم صلوات ربي وسلامه عليه.

أيضاً الكلام عن غربة المؤمن في آخر الزمان يجعلك تشعر بالسكوت يعني يبعث الطمأنينة في نفس الإنسان المؤمن، أن هكذا طبيعة الدين الغربة وهذا حال أهلها، فأنت عندما تأامر بالمعروف وتنهى عن المنكر تتوقع أن من أكثر ممن يتقبل منك؟ تعرف أن الناس الذين سيكونون في طريقك معدودون على الأصابع، يعني لن يكثروا كثيراً، وهذا فيه من تسلية القلب وثباته على طاعة الله سبحانه وتعالى ما فيه.

لكنني أريد أن أوجه بنصيحة مهمة حقيقة في بادئ الأمر، واسمعوني أقف لأهمية هذه النصيحة ولكثره من يخطئ فيها: قضية الغربه، هذا سؤال أسأله، قضية الشعور بغربه المؤمن هل هذا الشعور ينبغي للمؤمن أن يستجلبه وأن يعيشه في حياته، أم ليس المطلوب منه أن يستجلب الغربة وهو يسير إلى الله سبحانه وتعالى؟

بعباره أخرى، أحياناً بعض الشباب المتدين -أنا هنا أشار إلى خطأ سلوكي يقع في كثير من الشباب المتدينين- عندما يسمعون مفهوم الغربة «وبدأ الإسلام غريباً»، فيحاول أن يعيش هذه الوضعية في حياته، فيختار آراء يخالفه فيها العلماء وأهل الزمان، فيقول: هذه الغربة يا شيخ، خالفني علماء العصر، هذه غربة أهل الدين، ماذا نفعل؟ تجده يقول أقوالاً بعيدة ويشطح ويغلو ويقول لك: هي غربة الإسلام يا شيخ، ماذا نفعل؟ لا، أخي الكريم، أولاً: الغربة، كما قال الشيخ يوسف الغفيص، الغربة ليس شيئاً يستجلب، يعني ليس المطلوب منك أن تستشعر وأنت تمشي في الحياة نفسية الغريب الذي هجره الناس وتركوه وبقي وحيداً على الصحراء، حتى إذا خالفت الناس في آرائك واختياراتك وكانت آراؤك بعيدة عن أهل العلم تقول: هي غربة الإسلام! ما أسهل أن تجد قولا غريباً، تقول: والله غربة الدنيا يا شيخ، هذا خطأ كبير وقع فيه كثير من الشباب فغلو في دين الله، فخالفوا أهل العلم وخالفوا الصادقين والناصحين لهم، وعندما تقول لهم: ترى هذه مخالفة وهذا ليس علم، ماذا يقول لك؟ غربة الدين يا شيخ! لا، لا تجعل الغربة شماعة تعلق عليها غلوك، أو تعلق عليها تفردك أو ابتعادك عن مجالس العلماء وعدم تعلمك وضبطك للعلم الشرعي.

خذوا مني أحبابنا الكرام، الغربة في الدين لا تعني أن تأخذ الآراء الغالية، وإنما تعني أن تأخذ الآراء المتزنة.

ما معنى غربة الدين؟ من الذي سيكون غریباً في آخر الزمان؟ ليس هو الغالي في اختياراته الذي دائماً يكون فيه شدة وعنف، الغربة في آخر الزمان كيف تكون متزناً في اختياراتك الفقهية والعقدية فلا تكون مميعاً ولا تكون غاليا؟ هذه الغربة، هذا التوازن هو الصعب، هذا التوازن هو الصعب حقيقة.

كيف استطيع أن أخرج من هذه المحارات ومن هذه المتاهات من دون أن يغلو شدة فلا أنا أضل وأقول أقوالاً تخالف دين الله سبحانه وتعالى في جهة القلوب، ولا أنا أضيع وأفكك ثوابت الملّة وأسمي هذه وسطية وأنت حقيقة بعيد عن التوسط؟ فالغربة الحقيقية في آخر الزمان هو أن أكون متزناً في اختياراتي الفقهية والعقدية وأسير على منهج السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، هذا لا يتقنه أي أحد، وبالتالي حتى يكون غريباً حقاً عليك أن تتمسك بطلب العلم ومجالسه العلماء والحضور في المجالس والتوسع في طلب العلوم الشرعية حتى يرزقك الله فهماً كفهم السلف، حينئذ تتحقق الغربة وتجد نفسك لست دائماً في الطرف الغالي ولا في الطرف الجافي، تجد نفسك دائماً في المنتصف.

ومن يقف في المنتصف هم القلة، من يكتب في المنتصف، وكذلك جعلناكم أمة وسطاً، من يقف في المنتصف هم القلة في العادة، لأن النفس البشرية في العادة إما تحب التمييع والتسهيل وتتطرف نحو هذه الجهة، أو تحب الغلو والتجديد وتتطرف إلى الجهة الأخرى.

أن أحافظ على توازني النفسي والإيماني لأكون في المنتصف وأحافظ على نفسي هادئة طوال المسير إلى الله، هذا هو النجاح، وهذا الذي لا يحسنه إلا القليل، وهذا معنى «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ»، فهذه فكرة أتمنى من الشباب الملتزم أن يفهمها، ليس المطلوب منك أن تستحضر وتستجلب شعور الغربة وكأنك في كهف ومغاره ولا أحد حولك وتحزن وتبكي على نفسك، ليس هذا هو المطلوب منك، المطلوب أن تتزن، أن تعرف حكم الله، أن تطلب العلم الشرعي على منهج السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، أن تتوسع في معارفك الشرعية لتصل إلى علوم السلف وتستحكم منها وصولك إلى علوم السلف، وأن تكون ضابطاً لها.

هذه غربة، بالله عليكم من اليوم من تجدونه محكماً لعلوم السلف؟ من في حياتكم لو طلبت منك أن تعدد أسماء -أنا ما بحكيش دكاتره شريعة هؤلاء ما أكثرهم- لكن باتكلم عن من؟ عن من هو ضابط لعلوم السلف وفهمهم بالكاد تعدد على الأصابع، اثنين، ثلاثة، أربعة، بحيث يكون متوازناً وتشعر أنه يتقي الله في أقواله وأفعاله ويسير على خطى مستقيمة ورشاد، بالكاد تعدد على أصابعك! لأنه هذه هي الغربة في آخر الزمان، فهذا عليكم.

والأصل فإن كثيراً من الشباب المتدين يخطئ في فهم الغربة ويظنها شعوراً ينبغي أن يعيشه في الحياة، فيكون منعزلاً منفتحاً على نفسه، لا يشارك الناس ويخالف العلماء ويكون دائماً باراء غريبه وباساليب وملابس وأشكال لا ترضي الله سبحانه وتعالى، فإن أخبرته قال: غربة الدين! لا، هذه ليست غربة الدين، هذا نوع من الجهل، وأنت لم تعرف كيف تلتزم في حياتك في منهج الإسلام المتكامل، هذا الاتزان هو الذي نريد أن نصل إليه من خلال المجالس الشرعية من خلال طلب العلم، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا بصيرة ونوراً.

لكن كما قلنا لا مانع عندما ترى أهل العلم وأهل الصلاح يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ثم يسجنون ثم يغيبون هنا يمكن استشعار الغربة، هنا يمكن استشعار شيء من الغربة، عندما ترى أهل العلم والعلماء الراسخين يتعرضون للإذلال أو للمهانة أو لا يعبأ بهم ولا بارائهم، يمكن هنا أن نقول فعلا: «بدأ الإسلام غريباً»، وليس أنت الذي تعتبر نفسك معيار الغربة -يعني لست أنت معيار الغربة وميزانها- معيار الغربة أهل العلم الصادقون الذين درسوا وتعلموا ومحاضراتهم وكتبهم تشهد برسوخهم العلمي، هؤلاء فعلا هم السادة الأفاضل كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم وكما سنمر عليه في مجلس اليوم.

لا أريد أن أطيل حتى يتسع المقام لإنهاء هذه الرسالة قدر المستطاع، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين، وبسم الله نبدأ.

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم.

ابن رجب، فكلمة رجب من الكلمات التي اختلف فيها هل هي ممنوعة من الصرف أم ليست ممنوعة من الصرف؟ إيش هذا الممنوع من الصرف يا جماعة؟ يعني هذه عيب، يعني ما نحكيش مع حد ما يعرفها!

طيب، بسم الله، قال رحمه الله تعالى: الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وقت ما ينبغي لكرامة وجهه وعز جلاله، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

خرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، عليه الصلاة والسلام: «بدا الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء».

وخرج لي فطوبى للغرباء -هي الشجرة في الجنة، يسير الراكب فيها مائة عام لا يقطعها، يسير الراكب في ظلها خمسمائة عام لا يقطعها، وقيل طوبى أي ثناء ومدح- كلمة طوبى اختلف في معناها هل هي شجرة في الجنة، أم المراد فطوبى أي ثناء ومدح للغرباء.

نعم، الآن سياتي بأحاديث تبين صفات الغرباء الذين تكلم عنهم النبي صلى الله عليه وسلم، ما هي الصفات لهم؟ سواء الصفات من حيث عددهم ومن حيث المواصفات الخلقية والدينية التي تحلوا بها، فقال رحمه الله: وخرجه الإمام أحمد وابن ماجه من حديث ابن مسعود بزيادة في آخره وهي: قيل يا رسول الله ومن الغرباء؟

هذا طلب للتعريف، من الغرباء؟ هذا طلب للتعريف الصحابي يريدون أن يعرفوا من هم الغرباء، ففي رواية الإمام أحمد ماذا قال في تعريف الغرباء؟ قال: النزاع، النزاع أي الغرباء، أي الغرباء في القبائل، والمراد بالغربة هنا ليس الذين هجروا قبائلهم، وإنما المراد أنهم أفراد قليلون في أناس كثيرين، هذا المراد بالغربة.

أنت عندما تكون بين ألك وفي وطنك ومعقلك، ولكن لا أحد يتبعك على نهج الاستقامة، فأنت كالغريب حتى ولو كنت بين أبي وأمي وإخواني ومعشري ما دام لا أحد يسير معي على منهج الاستقامة فأنا غريب في هذا المجتمع، ولو كان هو مسقط رأسي، فالنزاع، إذاً الغرباء، والغرباء في العادة يكونون قلة، يكونون قلة وليس يعني بهذا بالضرورة أنهم هجروا أوطانهم، لكنهم غرباء بتمسكهم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا هو سبب غربتهم، تمسكهم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم كما سياتي في الأحاديث الأخرى.

قال: وخرجه أبو بكر الآجري وعنده: وقيل منهم يا رسول الله؟ قال: هذا حديث آخر، تعريف آخر، من هم يا رسول الله؟ شوف الصفة الأخرى لأهل الغربة الحقيقية، قال: «الذين يصلحون إذا فسد الناس».

جميل، إذا الصفة الثانية لهم القلة، الغرباء الصفة الثانية لهم أنهم هم الذين ينعزلون عن المجتمعات؟ بعض طلاب العلم يقول لك: أنا غريب بدي أنعزل، لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، قال: الغرباء الذين ماذا يفعلون؟ يصلحون، يعني يستمرون في عملية الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإرشاد الناس إلى السنة، حتى ولو لم يستجب لهم إلا القليل، فالغريب ليس هو المنعزل، بل هو المتمسك بالسنة ويسعى للإصلاح على قدر استطاعته، هذه الصفة الثانية له.

طيب، وعنده: قال: «الذين يفرون بدينهم من الفتن».

هذه الصفة الثالثة لهم، ما هي؟ «الذين يفرون بدينهم من الفتن»، وليس بالضرورة معناها الهجره إلى الجبال والأودية والبحار، لا، المراد بالهجرة أو الذين يفرون بدينهم ألا يعرضوا دينهم لمواطن الفتنة، وجد مكان معين فيه فتنة في دينه، بعض طلاب الجامعة فتنة عليه في دينه، هل يجوز أن يستمر فيها؟ بعض الناس الجامعة فتنة له في دينه، إذا كانت الجامعة، تمام ولا هي عند أهل العلم ما أحد يختلف، إذا كان مكان معين أشعر أنني سأقع والعياذ بالله في الزنا وأنني لا استطيع قدري، فأفر بديني من الفتن، تمام.

ممكن أحياناً السوشيال ميديا بعض الشباب الفيسبوك بالنسبة له فتنة، لا يجوز، والتطبيقات أصلاً هي محرمة مثل التيك توك وغيرها، هذه الأصل فيها التحريم إخواني، هذه الأصل فيها التحريم لأنها مرت على الفساد من الملاهي والعياذ بالله، فهناك أمور كثيرة في حياتنا علينا أن نفر بديننا منها، وليس الفرار والهجره بالضرورة كما يتوخاها، ممكن تصل للهجره فقد اخبر النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان، في هذا في آخر الزمان لم نصل إليه بعد وهذا يدركه وحده، أن هناك من يتتبع شعف الجبال ومواطن القطر يفر بدينه من الفتن، لكن لم نصل بعد إلى هذه المرحلة، لكن اليوم عليك أن تفر بدينك من الفتن وأنت في مجتمعك، كيف؟ أي مكان يضرك في دينك أو دنياك تبتعد عنه، إذا كان سوشيال ميديا، إذا كان اختلاط في بيئة عمل، إذا كان اختلاق في أي مكان في الرايب.

دينك مثلا بعض أهل البدع وشبهاتهم؛ تقهرت. يا أخي لا تجلسهم، فالفرار من الدين بالمعنى الشامل، وليس بالضرورة لابد أن أهاجر من وطني كما يتصور البعض. فانظر في نفسك، من أين تاتيك المعاصي ومن أين ياتيك التقصير؟ فاهجر المكان الذي يكون سببا في معصيتك، فهذا جزء من غربتك في آخر الزمان.

إذاً، هذه الموافقة الثانية؛ إذا هم النُّزاع من القبائل هم الذين يصلحون إذا فسد الناس، هم الذين يفرون بدينهم من الفتن. وهذا يدل على أن الفتن في آخر الزمان تتكاثر، حتى الإنسان بقول لك: والله يا شيخ ما أنا عارف إيش بدي أشتغل. لو رحنا على الجامعة اختناق، إذا دخلنا بيئة العمل اختراق، أليس هكذا يقول الناس والعامة؟ فالفرار من الفتن يدل على أن الفتن تلاحقه وأنت تفر منها. وهذا المصطلح «يفرون بدينهم من الفتن»، ما دلالته البلاغية؟ أن الفتن تتكاثر في آخر الزمان كما هو حالنا، وأنت تريد تهرب منها بالكاد بالكاد تسلم.

ولكنك عليك أن تبقى مستمرا على هذه المواجهه وعلى هذا الصبر حتى يسلم الله سبحانه وتعالى. طيب، إذاً نضع، يعني جيد أنك تضع واحد اثنين ثلاثة حتى تعرف مواصفات أهل الغربة.

رحمه الله تعالى وخرجه الترمذي ومن حديث كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الدين بدأ غريبا وسيرجع غريبا فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي». هذا نفس الحديث السابق لكن باضافة «الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي». طبعا السنة هنا هي المنهج، السنة ليس المراد يعني أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بالمعنى الدقيق، لأن المراد بسنة النبي صلى الله عليه وسلم هنا منهج وطريق السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم الذي تركنا النبي عليه الصلاة والسلام عليه.

قال رحمه الله تعالى وخرجه الطبراني من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حديثه قيل: ومنهم يا رسول الله؟ قال: «الذين يصلحون حين فساد الناس». لاحظوا العبارة السابقة: «الذين يصلحون إذا فسد الناس»، هنا فقط بدل إذا حين، المعنى متقارب يعني هذا ليس وصفا جديدا. نعم قال هو أخرجه أيضا.

وخرجه الإمام أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي حديثه: «فطوبى يومئذ للغرباء». يشعر بالفخر، يجعلني أعر أنني أطلب العلم في زمن كسد فيه هذا السوق والناس قصار أمرها الدينار والدرهم والملهيات والمشغلات. غربتك يا طالب العلم أنك تجلس في حلقات العلم وتترك السوشيال ميديا والطعام والشراب والمنهيات وتأتي تحضر على بعد المشقة وعلى قلة اليد، هنا نقول: طوبى للغرباء. من أعظم الغربات التي نعيشها غربة العلم وغربة المجالس العلمية الصحيحة المتقنة التي تسير على منوال السلف، هذه غربة وما أشدها من غربة لأن بها ينتشر الجهل وتنتشر الرذيلة ويبعد الناس عن دين الله سبحانه.

فأنا أقول دائما للأحبة: إحياء هذه المجالس وعمارتها هذا واجب، ليس أنت متفضل على أحد أنك تحضر هنا، يمنون عليك أن أسلموا، بعضهم يمنون عليك أن حضروا مجلس العلم، ﴿لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 17] إن هداكم لحضور مجلس العلم إن كنتم صادقين. فهذا أداء نعمة وواجب، الكل يتشارك في إحياء هذه الشعائر بعد أن اندثر شعارها.

نعم قال رحمه الله تعالى: وخرج الإمام أحمد والطبراني ومن حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: «طوبى للغرباء». قلنا: ومن الغرباء؟ قال: «قوم صالحون قليل في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر من من يطيعهم». هذا شرح من القبائل، مش احنا قلنا ما معنى النزاع من القبائل؟ يعني الغرباء في مواطنهم القلة. فهذا كأنها شرحا مفصلا: قوم صالحون قليل في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر مما يطيعوهم. يعني أنت تأامر بالمعروف وتنهى عن المنكر، كم يسمع لك من أقاربك؟ اثنين، ثلاثة، أربعة، والباقي ما يسمع لكم. من يعصيهم ولا يقبل كلامهم أكثر من من يطيعهم، فلا تحزن فهكذا الحياة الدنيا وهكذا إرادة الله أن تكون في آخر الزمان.

نعم رحمه الله تعالى وروي عن عبد الله بن عمرو مرفوعا وموقوفا في هذا الحديث: وقيل من الغرباء؟ قال: «الفرارون بدينهم، يبعثهم الله تعالى مع عيسى بن مريم عليه السلام». هم الذين بقاياهم هم الذين يخرجون عيسى بن مريم في آخر الزمان، بقايا أهل الغربة. نعم، وليس المراد جميعهم لا، قد تكون أنت غريب وأنت في هذا الزمن وقد لا يبعث في زمن عيسى ابن مريم في زمانك، فالمراد بقايا الغرباء هم الذين يخرجون مع عيسى بن مريم في آخر الزمان عندما يقتل المسيح الدجال ويحكم الأرض بشريعة الإسلام.

قوله: «بدأ الإسلام غريبا»، يشرح بعض العبارات في الأحاديث السابقة. رحمه الله تعالى قوله: «بدأ غريبا»، يريد به أن الناس كانوا قبل مبعثه على ضلالة عامة عليه الصلاة والسلام. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عياض بن حمار: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب»، لأن الناس كانوا على الشرك قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم.

وصلى الله عليه وسلم لم يستجب له في أول الأمر إلا الواحد بعد الواحد من كل قبيلة، وكان المستجيب له خائفا من عشيرته وقبيلته. فهذا معنى بدأ الإسلام غريبا، كان الذي يسلم يخاف على نفسه من عشيرته وأقاربه يؤذى الأذى وينال منه وهو صابر على ذلك في الله عز وجل. وكان المسلمون إذ ذاك مستضعفين يشردون كل مشرد ويهربون بدينهم إلى البلاد النائية، كما هاجروا إلى الحبشة مرتين ثم هاجروا إلى المدينة. وكان منهم من يعذب في الله ومنهم من يقتل، فكان الداخلون في الاسلام حينئذ غرباء.

ثم ظهر الإسلام بعد الهجرة إلى المدينة وعز وصار أهله ظاهرين كل الظهور، ودخل الناس بعد ذلك في دين الله أفواجا وأكمل الله لهم الدين وأتم عليهم النعمة، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والامر على ذلك وأهل الإسلام في غاية من الاستقامة في دينهم وهم متعاقدون متناصرون، وكانوا على ذلك في زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

ثم أعمل الشيطان كائده على المسلمين وألقى بأسهم بينهم وأفشى بينهم فتنة الشبهات والشهوات. الفتنة بدأت بعد زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان بدايتها مقتل عثمان بن عفان، فبدأت فتنتان في الأمة: فتنة الشبهات في العقائد، وفتنة الشهوات في اللذائذ. هي فتن الأمة بين هاتين: وأما فتنة في الشبهات فتنة العقائد، وأما فتنة الشهوات وهذه في اللذائذ وما تشتهيه الأنفس.

قال رحمه الله: ولم تزل هاتان الفتنتان تتزايدان شيئا فشيئا حتى استحكمت مكيدة الشيطان وأغوا فيها أكثر الخلق، فمنهم من دخل في طاعته في فتنه الشبهات ومنهم من دخل في فتنة الشهوات. والفرق التي ضلت من أين خطؤها؟ من فتنة الشبهات، وأما أهل الفجور والخنا فأخذوا من جهة فتنة الشهوات، هكذا فعل الشيطان بأمة الإسلام. قال هو: ومنهم من جمع بينهما. من جمع بينهما؟ يعني شبهات كحال كثير من غلات أهل التصوف الذين يعني ضلوا في جهة الشبهات وضلوا في جهة الشهوات وإضاعة واستباحة الأعراض وما شابه ذلك. نعم قال هو: وكل ذلك مما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

فأاما فتنه الشبهات فقط يعني النبي صلى الله عليه وسلم وجهه أنه أمته ستفترق على أزيد من سبعين فرقة، هنا الافتراق العقدي، ستفترق أي في العقيدة على أزيد من سبعين فرقة. وليس من شغل المسلمين الضابطة بينها أو الجامعة بينها أنها تركت منهج النبي صلى الله عليه وسلم، أما اتخاذ فلسفة غيره أو اتباعا للروافض أو ما شابه ذلك، وأاما تعداد السبعين فهذا وإن شغل به بعض العلماء في القدم لكنه لا يمكن الجزم بشيء منه.

نعم قال رحمه الله على اختلاف في الروايات في عدد الزيادات على سبعين، لأنه في رواية «ستفترق أمتي على إحدى وسبعين» وفي رواية «على اثنين» وفي رواية «على ثلاث». الحديث فيه اختلاف في طرقه: كم عدد الفرق التي ستفترق عليها الأمة؟ المهم أنه فوق السبعين. المهم أنه فوق السبعين؛ في 71، 72، 73، الله أعلم.

قالوا: إن جميع تلك الفرق في النار إلا فرقة واحدة. الخلود الأبدي ليس لا يشترط أنهم يخلدون في النار، قد يدخلونها ويخرجون منها، فلا يشترط أن يكون دخوله النار دخولا مؤبدا كحال الكفار. نعم قال: وهي ما كانت على ما هو عليه هو وأصحابه صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كيف أنتم إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم؟ أي قوم أنتم؟». قال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله يا رسول الله، لا تقلق! فالنبي عليه الصلاه والسلام قال هو غير ذلك: «لن تكونوا كذلك كما تتوهم يا ابن عوف، ماذا سيحدث؟ قال: أو غير ذلك تتنافسون ثم تتحاسدون على الدنيا ثم تتدابرون أن يقطعوا بعضكم بعضا»، هكذا سيكون الحال إذا فتحت الدنيا. نعم، وهذه من فتنة الشهوات: الدنيا الأموال النساء إلى غير ذلك من مواطن الشهوة.

قال هو: وفي صحيح البخاري عن عمرو بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم: «فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم». وفي الصحيحين من حديث عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم.

على عمر بن الخطاب رضي الله عنه بكى فقال أبو عمر: كيف بكى لما فتحت كنوز كسرى؟ ما الذي أبكى عمر في يوم أعز الله فيه الإسلام؟ أنظروا سبب بكاء عمر: كان لما فتحت كنوز بكى فقال إن هذا لم يفتح على قوم إلا جعل الله بأسهم بينهم. أمر يعني صاحب نظر ثاقب والملهم حقيقة قال: هذه الدنيا عم تفتح علينا وانفتاح الدنيا علينا هو مؤشرا على أننا سنقتتل فيما بيننا على الملك وعلى دعاء الحياة الدنيا. هذا من استشرافه للمستقبل رضي الله عنه.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخشى على أمته هاتين الفتنتين، كما في مسند الإام عن أبي برزة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أخشى عليكم الشهوات». المهم هذا الحديث مهم، ما الذي يخافه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته؟ «إنما أخشى عليكم الشهوات التي في بطونكم وفروجكم الطعام والشراب والنساء هذه الشهوات وفتنة شديدة ومضلات الفتن»، هذه الشبهات مضلات الفتن هذه هي الشبهات وفي رواية «مضلات الهوى». في هذا الحديث جمع الشر الذي سيكون في آخر الزمان في الشهوات والشبهات.

نعم قال: فلما دخل أكثر الناس في هاتين الفتنتين أو إحداهما، أصبحوا متقاطعين متباغضين بعد أن كانوا إخوة متحابين متواصلين فعلا. لاحظوا كيف الفرق، جميع الفرق ما في بينها تألف وتراحم أليس كذلك؟ هذا تشاهدونه في واقعكم، كيف أن الفرق الإسلامية على اختلافها لا تجدهم يجلسون مع بعضهم ويبغض بعضهم بعضا ويحارب بعضهم بعضا، الاختلاف في الدين يسبب فرقة، هذا الشيء متوقع.

نعم قال: فان فتنة الشهوات عامة غالب الخلق، ففتنوا بالدنيا وزهرتها، وصارت غاية قصدهم لها يطلبون وبها يرضون ولها يغضبون ولها يوالون وعليها يعادون، فقطعوا لذلك أرحامهم وسفكوا دماءهم وارتكبوا معاصي الله بسبب ذلك. وأما فتنة الشبهات والأهواء المضلّة فبسببها تفرق أهل القبلة وصاروا شيعا وكفّر بعضهم بعضا وأصبحوا أعداء وفرقا وأحزابا بعد أن كانوا إخوة قلوبهم على قلب رجل واحد. فلم ينجو من هذه الفرقة إلا الفرقة الواحدة الناجية من هذه الفرق.

وهم المذكورون في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». وهم في آخر الزمان الغرباء والمذكورين هذه الطائفة الظاهرة هم الغرباء في آخر الزمان، لأنهم تمسكوا بنهج النبي صلى الله عليه وسلم، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم. كما قلت استحضار هذه الأحاديث عندما يكون للعلماء لذلك الإمام البخاري من علمه لما قال «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين» من هم؟ قال العلماء، هكذا قال البخاري، فسرهم بأهل العلم لأنه هؤلاء هم أحق الناس بأن يوصَفوا بأنهم على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين. لكن من أهل العلم الذين يتكلم عنهم؟ طبعا أهل العلم العاملون بعلمهم وليس المتاجرون بدينهم.

قال المذكورون في هذه الأحاديث الذين يصلحون إذا فسد الناس، وهم الذين يصلحون ما أفسد الناس من السنة، وهم الذين يفرون بدينهم من الفتن وهم النُّزاع. قال لأنه قال: فلا يوجد في كل قبيلة منهم إلا الواحد والاثنين وقد لا يوجد في بعض القبائل منهم أحد، كما كان الداخلون في الإسلام في أول الأمر كذلك. فسر الأئمة هذا الحديث قال الأوزاعي رضي الله عنه في قوله صلى الله عليه وسلم -أحد أئمة السلف رضوان الله تعالى عليه- «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ»، أما أنه ما يذهب الإسلام ولكن يذهب أهل السنة حتى ما يبقى في البلد منهم إلا رجل واحد، فالاسلام لا يذهب وإنما يذهب أهل السنة الحقة وأهل المنهج المحمدي صلوات ربي وسلامه عليه.

ولهذا المعنى يوجد في كلام السلف كثيرا مدح السنة وصفها بالغربه وصف أهلها بالقله، فكان الحسن رحمه الله يقول لأصحابه: يا أهل السنة، ترفقوا رحمكم الله.

فإنكم من أقل الناس، وهذا في زمن الحسن البصري من التابعين. هذا لو جاء إلى زماننا ماذا سيقول الحسن البصري؟ يعني الحسن البصري يقول لأهل زمانه: يا أهل السنة إنكم قليلون. طب هذا في زمن التابعين، لو جاء إلى زماننا ماذا سيكول الحسن البصري عن أهل السنة؟

وقال يونس بن عبيد: ليس شيئاً أغرب من السنة، وأغرب منها من يعرفها. ليس شيء أقرب من منهج النبي صلى الله عليه وسلم في غربته، وأغرب من المنهج هو من يعرف هذا المنهج ويصل إليه. هذا الاتزان في معرفة منهج النبي صلى الله عليه وسلم ليس من السهل الوصول إليه إلا بشق الأنفس. نحن في زمن حتى طالب العلم وإن كانت الكتب متوفرة، قال لا أن تجد عالماً تدرس على يديه وتثني الركب عنده، وهذا يسبب قلة معرفة الناس بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم، أنك تحتاج تخوض غماراً طويلة في قراءة الكتب وحدك أحياناً حتى تصل إلى ما هو الحق في المسائل الشرعية ابتداءً، من دون أن يعرف بها. يعني هناك من هو جاهل ولا يعرف، وهناك من يعرفها ابتداءً. الذي يعرفها ابتداءً هذا أصلاً أغرب الناس، وأما من يعرف بالسنة فيعرفها هذا غريب، لكن غربته لسة أخف.

استوصوا بأهل السنة خيراً فإنهم غرباء في آخر الزمان. نعم قال: ومراد هؤلاء الأئمة خاصة الذين يبحثون في العقيدة تعريف أهل السنة والجماعة. ما هو تعريف أهل السنة والجماعة؟ وكلمة السنة إذا طرحت في العقيدة قال: المراد بالسنة ما هو طريقة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان عليها هو وأصحابه السالمة من الشبهات. هذا تعريف السنة عندما تطلق في كتب السلوك والعقائد: طريقة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان عليها وأصحابه، سواء في العقائد أو في السلوك. ما جعل السنة فقط في العقائد، أدخل فيها السلوك، لأنه قال السالم من الشبهات وهي في العقائد، والشهوات في السلوك إلى الله سبحانه وتعالى، فالصنة تشمل أيضاً علم السلوك عند علماء العقائد. نعم.

يقول أهل السنة يدل على أن السلوك هو جزء من السنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تظن أن السنة هي فقط علم العقائد. نعم، وذلك لأن أكل الحلال من أعظم خصائل السنة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم. ثم صار في عرف كثير من العلماء المتأخرين من أهل الحديث وغيرهم، السنة عبارة عما سلم من الشبهات في الاعتقادات. العرف المتأخر أصبحت كلمة السنة في علم العقائد تطلق على من سلم من الشبهات فقط، وأصبح السلوك لا يدخل فيها. لكن عند الأوائل كلمة السنة كانت تشمل العقائد والسلوك، في عرف المتأخرين أصبحت كلمة السنة مختصة فقط بالعقائد، ونحن يهمنا المصطلح الأول الذي كان في زمن السلف.

الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكذلك في مسائل القدر وفضائل الصحابة، وصنفوا في هذا العلم باسم السنة العقيدة اسمها كتاب السنة. من يعطيني كتاب السنة لمن؟ علي صوتك شيخ. لعبد الله بن الإمام أحمد، كتاب السنة للخلال أيضاً، لابن أبي عاصم. كذلك شرح السنة للمزني، شرح السنة للبهبهاني وغيره كثير من كتب العقائد اسمها السنة أو شرح السنة. والمراد بالسنة هنا العرف المتأخر العقائد فقط، لكن في العرف المتقدم السنة تشمل العقائد والسلوك، هذه فائدة نفيسة احتفظ بها. نعم قال: وصنفوا في هذا العلم باسم السنة عظيم، والمخالف فيه على شفا هلك، لأن علم العقائد يبقى أخطر من علم السلوك، لأن الخطأ في العقيدة قد يوقعك في نار جهنم والعياذ بالله، كما قال على شفا هلك. قال له إن السنة تركها فهي طريق السالمة من الشبهات، يسير على المصطلح الأول أن السنة هي ما جمع العقيدة والسلوك وليس فقط العقيدة، هذه السنة الكاملة.

السنة عند الحسن البصري ويونس وسفيان كانوا يرونها ما يجمع العقيدة والسلوك إلى الله، ما سلم من الشبهات والشهوات بغربة في آخر الزمان لقلتهم وغربتهم فيه، ولهذا ورد في بعض... تجد رجل في العقيدة على منهج السلف تماماً، لكن في الأخلاق ليس على منهج السلف، هذا ليس من الغرباء، الغريب هو الذي جمع بين منهج السلف عقيدة وسلوكا. صحيح صحيح الكرام، وأن يتحرى الحلال، وألا يكون من علماء السلاطين، هل هذا سهل؟ مش سهل يعني.

نعم قال: ولهذا ورد في بعض الروايات كما سبق في تفسير الغرباء: قوم صالحون قليل في قوم سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعونهم. وفي هذا إشارة إلى قلة عددهم وقلة المستجيبين لهم والقابلين منهم وكثرة المخالفين لهم والعاصين لهم، ولهذا جاء في أحاديث متعددة في أحاديث متعددة مدح المتمسك في آخر الزمان مدح المتمسك بدينه في آخر الزمان وأنه كالقابض على الجمر، وأن أجر العامل منهم أجر خمسين ممن قبلهم، لأنهم لا يجدون أعواناً في الخير. يعني في آخر الزمان أجر العامل كأجر خمسين من سبقه، لماذا يضاعف الأجر للعاملين في آخر الزمان حيث جاء مكتوب عندكم لأنهم لا يجدون أعواناً في الخير؟

النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: إن الذين يعملون في آخر الزمان أجرهم كأجر خمسين منكم. فقالوا: لماذا يا رسول الله؟ فقال: لأنهم لا يجدون أعواناً يعينونهم على طاعة الله سبحانه وتعالى، وأنتم تجدونه. لكن سؤال: هل هذا يعني أن أهل آخر الزمان هم أحسن من الصحابة؟ الطاعة الواحدة بـ٥٠ أجر من طاعة الصحابة، مهما فعل لم يبلغ غزوة من غزواتهم في أحد أو بدر أو الخندق أو غيرها، لكن فالمضاعفة لا تعني أنه وصل إلى مستوى حسناتهم، هذا معلوم بالقطع.

نعم قال رحمه الله تعالى: وهؤلاء الغرباء أحدهما من يصلح نفسه... يصلحون إذا فسد الناس. شوف كلام ابن رجب الفخم هنا، كيف وسع الدلالة: الذين يصلحون، يصلحون ماذا؟ قال أولاً أنفسهم. أنتم دائماً الذين يصلحون يروح بالك أنك تصلح ايش؟ المجتمع، يعني قبل ما تصلح المجتمع صلح نفسك. انظر في بيتك الداخلي قبل أن تصلح بيتك الخارجي. فقال وهؤلاء الغرباء قسمان: أحدهما من يصلح نفسه عند فساد الناس، والثاني من يصلح ما أفسد الناس وهو أعلى القسمين.

نفسه هو شخص اشتغل بصلاح نفسه، بصلاح غيره، أيهما أعلى؟ الثانية التي اشتغل بصلاح نفسه وإصلاح غيره. قال وهو أعلى القسمين وأفضلهما للذي يصلح نفسه وغيره، بخلاف الذي يصلح نفسه ولا يهتم بغيره. قال رحمه الله: وقد خرج الطبراني وغيره بإسناد فيه نظر عن النبي صلى الله عليه وسلم... فأقبل الله بالنبي صلى الله عليه وسلم فعلمهم وبين لهم أمور دينهم.

طيب قال: وإن من إقبال هذه الدنيا أن تبقى القبيلة بأسرها حتى لا يوجد فيها إلا الفاسق والفاسقة. إقبال الدين على الإقبال هو أن الدين يأتي ويعمد، فمن إقبال الدين أيضاً أنه كان يأتي على القبيلة كلهم فقهاء ما شاء الله، ولا يوجد فيها بالكات إلا فاسق أو فاسقة. نعم فهما مقهوران.

ماذا سيحدث في آخر الزمان؟ إدبار الدين، كيف سيدبر الدين وما علاماته؟ والقبيلة بأسرها حتى لا يراه يعني نعم حتى لا يراضيها إلا الفقيه والفقيهان فهما مقهوران ذليلان. أمر بالمعروف ونهى عن المنكر قمع واضطهد فهما مقهوران دائماً. العالم بالسنة الفقيه في الدين بأنه سيكون في آخر الزمان عند فساده مقهوراً ذليلاً لا يجد أعواناً ولا أنصاراً، بعضنا ظن أن هذه المرحلة بهذا النفس لم تصل بعد، يعني هذه المرحلة لم تصل بعد، هذه ستكون في آخر الزمان. ماذا يحدث داخل... في المايك طيب، هذا يكون في آخر الزمان ولم نصل إليه بعد، ونسأل الله ألا ندرك الفتن، نسأل الله ألا ندرك الفتن وأن نحيا على السنة وأن نموت على السنة، فهذا والله خير.

نعم قال رحمه الله: وخرج الطبراني بإسناد فيه ضعف عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل في ذكر أشراط الساعة قال: وإن من أشراطها أن يكون المؤمن في القبيلة أذل من النقد -بفتح القاف- من النقد، والنقد وهم الغنم الصغار. يكون أذل من الشاه الصغيرة التي ما أحد شايفها ولا أحد بها. نعم قال: وفي مسند الإام أحمد عن عبادة بن الصامت أنه قال لرجل من أصحابه: يوشك إن طالت بك الحياة أن ترى الرجل قد قرأ القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم أو على من قطع على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فعاده وأحل حلاله وحرم حرامه، ونزل عند منازل لا يجوز فيه إلا كما يجوز رأس الحمار الميت.

ما معنى لا يجوز فيكم إلا كما يجوز رأس الحمار الميت؟ يعني لو أجيت أنا أبيعك رأس حمار ميت يمشي معك بينفق في السوق؟ لا. وهذا حامل مؤمن الصالح في آخر الزمان لا يجوز عند الناس ولا يعبأ به إلا كما يعبأ برأس الحمار الميت. هل أحد يعبأ برأس حمار الميت؟ لا. فكذلك لا يعبأ بالمؤمن المتمسك بالسنة في آخر الزمان، فهذه هي الغربة المتحدث عنها. نحن كما قلنا هذا لم نصل إليه بعد والحمد لله، هذا شيء لم نصل إليه بعد.

نعم قال: استغفر الله. ومثله قول ابن مسعود: ياتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه أذل من الأمة. وإنما الأمة ليس كذلك؟ الخادمه يعني. طيب قال: وهنا ما ذل المؤمن آخر الزمان؟ ذل المؤمن وإنما ذل المؤمن آخر الزمان لغربته بين أهل الفساد من أهل الشبهات والشهوات، فكلهم يكرهه ويهديه لمخالفة طريقتهم لطريقاته لطريقتهم، ومقصوده لمقصودهم، ومباينته لما هم عليه. المسلمين في آخر الزمان وفي كل زمان أهل الفساد ينقطونه بذلك، عادة إذا أردت تعرف أن فلان مصلح انظر في خصومه، تجد خصومه الذين يفسدون، يتامرون، يلعبون بدين الله، العراة العاريات من الرجال والنساء، المنافقون والمنافقات، العلمانيون والعلمانيات، الليبراليون والبرانيين، النسويون والنسويات وغيرهم، إذا رايت شخص هؤلاء خصماؤه فاعرف أنه مصلح، لا يمكن اجتماع هؤلاء إلا على إنسان صالح. نعم صالح في الجمله، لا يعني أنه لا ينقد، قد يخطئ، لكن في الجملة نقدهم دائماً لهذا الرجل هو دلالة على خير وصلاح فيه.

نعم قال رحمه سبحانه وتعالى: ولما مات داود الطائي يقال ابن السمان، أن داود نظر بقلبه إلى ما بين يديه فأخشى بصر قلبه. أحد علماء السلوك والزهد من علماء السلف، وليس عالم دين بمعنى أنه متخصص في العلوم الشرعية، لكنه من علماء السلوك والورع والتصوف الصحيح. نعم أن داود نظر بقلبه إلى ما بين يديه فأغشى بصر قلبه بصر العيون يعني بصيره قلبه كانت أقوى من بصرنيه، بصيره قلبه لأنه زاهد العابد، بصيره قلبه أقوى من بصري عينيه، فكانه لم ينظر إلى ما أنتم إليه تنظرون، أنتم لا تنظرون إليها وكأنكم لا تنظرون إلى ما إليه ينظرون. بطريقة أخرى للحياة وإلى موازين العمر، هكذا حال داود الطائي في زمن السلف. الله المستعان.

قال: فانتم منه تعجبون وهو منكم يعجب من شاب يطلب العلم من يطلب العلم، أن الناس تتعجب ممن تتمسك بالنقاب وبعفتها وبطهارتها وأنها معقدة ومسكينة ولم ترى الحياة الدنيا وغيرها أسعد منها. يتعجب الناس لأنك تنظر بعين وهم ينظرون بعين أخرى، أنت تنظر بعين وهم ينظرون بعين أخرى، والله نعم. قال: استوحش منكم إنه كان حيا وسط الموت. هذه العبارة تكفي أنه كان حيا وسط موت، إن كنت موته القلوب وهو الذي كان حيا بينكم سبحانه. قالوا: ومنهم من كان يكرهه أهله وولده. استكار حاله سمع عمر بن عبد العزيز امرأته مرة تقول: أراحنا الله منك. قال: آمين.

عمر بن عبد العزيز كان قبل أن يتولى الخلافة كان من أغنى الناس، لكن لما وصل الخلافة قال: إن لي نفسا طواقة، وأنني الخلافة فللتها، وأما الآن أشفق بعد خلافة الأرض قال: وأنا أتوق إلى لقاء ربي، أخرج الزائدة في الدنيا حتى يعني ما كان أولاده يجدون طعاماً رحمه الله تعالى عنه. فلذلك يعني امرأته مش من الجنين يعني حتى بس نحطها يعني واضع أنها صبرت على صدى في الحياة الدنيا، رحمه الله عليهم جميعاً.

وقال: وقد كان السلف قديماً يصفون المؤمن بالغربه في زمانهم كما سبق مثله عن الحسن والأوزاعي وسفيان وغيرهم، ومن كلامه أحمد بن عاصم الأنطاكي وكان من كبار العارفين في زمان أبي سليمان الداراني الحقيقيين هذول.كلك فلان عارف بالله ايش هذا العارف بالله؟ معرفته بما عند الله وشدته. هذا معنى العارفين على عرف الله حق المعرفة. نعم وهذا طبعا ما يأخذه يا جماعه مش بطول العمامه ولا بطول اللحيه ولا بعدد الانصار وإنما سلوك منهج حياة. يعني هذه مش تزكيه تاخذها من جماعة ومن طريقة بالله لأن اليوم بعض الناس يوصفون بانهم عارفون بالله وهم أجهل الناس بالله رب العالمين.

كما بدأ عنه بيتكلم عن زمن السلف ويتكلم عن زمن السلف زمن التابعين: إني عشت في زمان الإسلام عاد غريبا. فماذا سيقول في زماننا بعد ١٥ ١٣ قرناً لو أتى ليرى ربما لا يعرف شيئاً من أمرنا حتى السلامة؟ قال: إن ترغب فيه إلى عالم وجدته ممتوناً بحب الدنيا يحب التعظيم والرئاسة، وإن ترغب فيه إلى عابد وجدته جاهلاً في عبادته مخدوعاً سريعاً قدره إبليس وقد صعد به إلى أعلى درجة من العبادة وهو جاهل بادناها فكيف له بأعلاها؟ وسائر ذلك من الرعاء الهم من الرعاء وثعالب مفتوح من الناس ذئاب، وكل واحد يريد يقفز على لقمة الآخر، يتنافسون عليها. هذا معنى أنهم كالذئاب، أنهم كالسباع، كلهم يريد أن يتنافس مع أخيه على قطعته من الحياة. قال: وهذا وصف عيون أهل زمانك من حملة العلم والقران ودعاة الحكمة، قال هذا وصف أفاضل الزمان من دعاة القران أو من حملة القران ودعاة الحكمة يا عالم مفتون يا

جاهل يا عابد؟ جاهل طبعا، واضح إنه بيتكلم عن أشياء رآها. طبعا هذا الشيء من المبالغة في زمانهم، أكيد كان في صالحين وصادقين، لكن لاحظوا في زمانهم يقول: هذا حال حملة العلم والقرآن ودعاة الحكمة، أنهم ينقسمون ما بين عالم مفتون وما بين جاهل عابد. قس على زماننا الذي هو بالتأكيد شر من زماني.

أخرجه أبو نعيم في الحلية في كتاب حلية الأولياء. لا، وصف أهل زمان، فكيف بما حدث بعده من العظائم والدواهي التي لم تخطر بباله ولم تدر في خياله؟ فما بالك في زماننا نحن اليوم؟

قال رحمه الله: وأخرج الطبراني من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «المتمني عند فساد أمتي له اجر شهيد».

السلف، أحد علماء العقيدة الحقة رضوان الله تعالى عليه، قال: لو أن رجلا من الصدر الأول بعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئا إلا هذه الصلاة. هذا الحسن البصري بقوله: لو أن رجلا من الصحابة بعث في زماننا لم يعرف شيئا من أمورنا إلا الصلاة. يعلق على جملة الحسن البصري، ثم قال أبو الشيخ الأصبهاني معلقا على جملة الحسن البصري: أما والله لئن عاش الحسن البصري إلى زماننا فرأى ما نحن فيه في القرن الرابع والسادس الهجري، أدعو إلى بدعته أو صاحب دنيا يدعو إلى دنياه، فعصمه الله عز وجل وقلبه يحن إلى السلف الصالح فيتبع آثارهم ويستنوا بسنتهم ويتبع سبيلهم، كان له أجرا عظيما.

قال: وروي عن ورقاء بن المبارك، عن الفضيل بن عياض، عن الحسن أنه ذكر الغني المترف الذي له سلطان يأخذ المال ويدعي أنه لا عقاب فيه، وذكر الضال الذي خرج بسيفه على المسلمين وتولى ما أنزل الله في الكفار على المسلمين.

ذكر الغني، وذكر الضال الذي خرج بسيفه على المسلمين. يعني حتى هؤلاء ليسوا على السنة، ليسوا على السنة! فالسنة هي الاتزان كما قلت لكم، وليس الغلو. السنة هي الاتزان في اختياراتك الفقهية والعقدية، وليس أن تكون دائما متشددا في أقصى الشمال لتظن نفسك هكذا أصبحت غريبا، هذا ليس بصحيح.

فيقول الحسن البصري عن هؤلاء: الزموا سنتكم. هذا مفعول به منصوب على الإغراء، الزموا سنتكم! الزموها، حافظوا عليها، والذي لا إله إلا هو بين الغالي والجافي والمترف والجاهل، فاصبر عليها! التشكيل فيه إشكال، الذي يظهر أنها ليست سنتكم إذا كانت بالنصب فهي عن الإغراء، لكن الذي يظهر أنها مرفوعة وأنها على الخبرية؛ سنتكم بين الغالي والجاهل هذا الذي يظهر لي، اضبطها بالرفع أفضل؛ سنتكم والله الذي لا إله إلا هو بين الغالي والجافي هذا أفضل أن تكون مبتدأ، وبين الغالي والجافي خبر عن المبتدأ، هذا أفضل.

سنتكم بين الغالي والجافي، بين أهل القلوب وأهل التميع، بين أهل الطرف وأهل الجهالة. فإن أهل السنة كانوا أقل الناس الذين لم يأخذوهم مع أهل الأطراف في أطرافهم ولا مع أهل البدع في هواهم، وصبروا على سنتهم متابعة ربهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا.

ثم قال: والله لو أن رجلا أدرك هذه المنكرات، ثم يقول: هلم إلي، وكل فرقة بتقول لك: تعال عندنا احنا الصح. صحيح، كل جماعة إسلامية بتقول لك: هلم إلي، نحن أهل الراية، نحن أهل النصر، ونحن أهل الحق، ونحن الظاهرون. لكن هل هذا بصحيح؟ الحقيقة أهل السنة هم أهل العلم بالله، المتمسكون بمنهج السلف وغير ذلك، فيقول: لا أُريد إلا سنة محمد صلى الله عليه وسلم، يطلبها ويسأل عنها؛ إنها تحتاج إلى طلب علم في آخر الزمان حتى تصل إلى السنة، وليس الأمر بالهين.

قال: إن هذا لا يعرض له أجر عظيم، فكذلك فكونوا إن شاء الله تعالى. الحسن البصري حقيقة دائما كلامه يكون دقيقا، كلام عارف بالله حقا رحمه الله تعالى عليه.

قال رحمه الله: ومن هذا المعنى ما رواه أبو نعيم وغيره عن كميل بن زياد عن علي بن أبي طالب، اهتموا به فهي وصية شهيرة عند أهل العلم، وصية علي بن أبي طالب لكميل بن زياد، اهتم بها أهل العلم وشرحوها، والحديث وإن كان فيه ضعف كما قال ابن عبد البر، شهرته تغني عن الإسناد. حديث فيه ضعف من ناحية الإسناد، لكن ابن عبد البر قال: شهرته وتناقله بين أهل العلم يغني عن الإسناد، وصية علي بن أبي طالب.

رباني الناس في، معك يا إخواني ثلاثة أصناف لا رابعة له. الناس في المجتمعات ثلاثة أصناف؛ أولهم قال: عالم رباني، هذا أولهم العلماء الراسخون في العلم. القسم الثاني: ومتعلم على سبيل النجاة، مثلي ومثلكم، الذين يتعلمون للوصول إلى النجاة. والصلف الثالث قال: همج رعاع اتباع كل ناعق. هذا هو القسم الثالث، وهو السواد الأعظم.

القسم الثالث في المجتمعات هم الهمج الرعاع، عوام الناس الذين يتبعونه كلنا، كل جماعة بتطلع، كل وسائل التواصل الاجتماعي، الإعلام هو الذي يسوسهم وهو الذي يقودهم. الهمج الرعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ناصح، لم يستصيغوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن الوثيقة.

ثم ذكر كلاما في فضل العلم، إلى أن قال: إنها هنا لعِلماً -وأشار بيده إلى صدره- بن أبي طالب إلى صدره؛ إنها هنا لعِلماً لو أصبت له حملة. لو يعني يتمنى أن يجد من يستحق أن يعطيه هذا العلم، لماذا لا يجد علي بن أبي طالب من يستحقه؟ أنظر إلى أصناف الناس الذين يتكلم عنهم! قال: بل أصيب لقنا غير مأمون عليه. الإنسان ممكن أنه يتلقى، شاطر، لكنه مش أمين. اللقن هو يعني اللي بيفهم بسرعة، لكنه ليس، قال: بل أصيب أحيانا انسانا ذكيا لقنا، لكنه ليس أمينا على العلم يضعه في غير موضعه.

قال: ومستعملا آلة الدين للدنيا. اه، يعني راح أعطاه علم يفهمه ويصير أستاذ ودكتور جامعي، ممكن عنده مصنفات، لكنه يستعمل الدين من أجل ماذا؟ الحصول على الدنيا والعياذ بالله.

قال: ومستطهرا بنعم الله على عباده وبحجته على أوليائه، أو منقادا لحملة الحق لا بصيرة في أحيائه ينقدح الشك. الدين بالدنيا أو منقاد لحملة الحق، لكنه لا ما عنده بصيرة، بل هو جاهل. قال: أو منقادا لحمله الحق لا بصيرة في أحيائه، ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة، لأنه ضعيف الفهم. قال: لا، لا، ذاك يعني هذا ما تنفعني، وهذا ما بينفعني، لا ذكي غير مأمون بيفيدني، ولا الجاهل الضعيف اللي أي شبهة بتزعزعه بيخدمني حتى أعطيه هذا العلم.

جيد، لكنه إنسان سهل أن يقع في مستنقع الشهوات، سهل أنه الفيسبوك أو مقطع أو كذا يقع في الرذيلة أو يشاهد مقطعا لا يرضي الله سبحانه، مع أنه طالب علم جيد ويحضر وما شاء الله يحفظ، لكن سهل ماذا؟ الانقياد للشهوات، وهذا صنف ثالث تكلم عنهم علي بن أبي طالب، يعني دائما خطراته كلها لطلب الحياة الدنيا.

قال: أو مغرما بالجمع والادخار. محبا يعني للمال، مهتم الرواتب والوظيفة وما يجمع المال والدرار. قال: ليس من رعاة الدين في شيء، أقرب شبها بهما الأنعام السائمة. أقرب شبها بهما أي بالذي ينقاد للشهوات أو يهتم بادخار المال. هذان النوعان قال: شبههما بشبه الأنعام السائمة، مثل الحيوانات!

اللهم بلغ! لا تخلو الأرض من قائم لله. بلا أسلوب استدراك، لم يخلوها كل زمان من عالم من رباني لن يخرج. قال: اللهم بلغ! لا تخلو الأرض من لله بحجة إما ظاهرة مشهورة أو خائفة مغمورة، وهذا الذي هو العالم الرباني، قد يكون ظاهرا مشكورا أو يكون مغمورا لا أحد يعرف به إلا من وفقه الله. قال: لئلا تبطل حجج الله وبينات الأرض من عالم رباني، حتى لا تذهب حجج الله وبيناته على الخلق. فوجود هذا العالم الرباني هو أمنة لأهله.

وهذه مسألة شهيرة عند الأصوليين يذكرونها؛ هل يجوز أن يخلو الزمان من قائم لله بحجته؟ هذه مسألة تدرس في علم الأصول؛ هل يجوز أن يخلو الزمان من عالم قائم لله بالحجة؟ الصحيح أنه لا يخلو إلا في آخر الزمان عندما تقوم القيامة على الكفار شرار الناس، وإلا في كل زمان هناك عالم رباني تبقى به الحجة قائمة على الخلق.

قال: واين أولئك والله الأقلون عدد والأعظمون عند الله قدرا! هؤلاء العلماء الربانيون أخذ الآن في وصفهم فقال: هم الأقلون. قال: الأقلون عددا والأعظمون عند الله قدرا، يحفظ الله بهم حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم. العلم على الحقيقة، على حقيقة البصيرة وبشر روحا يقين والسلام. واستوعره المترفون، ما استوعره المترفون، يعني المترفون يستوعرون طلب العلم ويستثقلونه، لكن طالبو علم الحق لا يستوعرون طريق العلم يقول إذا.

واستلانوا ما استوعره المترفون. المترفون الإنسان المترف في الحياة اللي عايش في دعة وسعة من الحياة، يستوعر طريق العلم ويستوحش منه فقيرا. لكن أهل العلم الحق لا يستوعرون هذه الطرق، بل يسرون على الاستمرار فيها.

قال: وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون وصاحب الدنيا بابداه، أرواحهم متعلقه بالمحل الأعلى عند الله سبحانه وتعالى. أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه، اه اه شوقا إلى رؤيتهم. انصرف إذا شئت خلاص.

قال: لكم الله يسهل عليك. تمام، هذا الحديث فيه ضعف من ناحية الإسناد، لكن كما قال ابن عبد البر، شهرته وتناقله على الألسنة تكفي في قبوله، لذلك شرحه ابن رجب وغيره من أهل العلم بعض العبارات الواردة في هذه النصيحة، فقال:

فقسم أمير المؤمنين رضي الله عنه حملة العلم إلى ثلاثة أقسام؛ قسم من أهل الشبهات وهم لا بصيرة لهم من حملة العلم، الذين كما قال هو ضعيف أي شبهة تزعجه في دينه وتوحيده لله رب العالمين، قال: ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، فتاخذه الشبهة فيقع في الحيرة والشكوك ويخرج من ذلك إلى البدع والضلالات.

وقسم هم أهل الشهوات وجعلهم نوعين؛ أحدهما من يطلب الدنيا بنفس العلم فيجعل العلم آلة لكسب الدنيا، اللقن لكنه غير مأمون، فهذا يطلب الدنيا من خلال العلم، هو شيخ، أستاذ، كذا، لكن همه في إظهار علمه أن يحفظ الجماهير ويأتي بالأموال ويطلب الرفعة وأن يشار إليه بالبنان، استعمل العلم وسيلة ليجد الرفعة في الدنيا والعياذ بالله.

قال: والثاني من يطلب الدنيا بغير علم، وهذا النوع ضربان؛ أحدهما من همه من الدنيا لذاتها وشهواتها، فهو ممن هم بذلك سريع الانقياد له، والثاني من همه جمع الدنيا واقتنازها وافتخارها، وكل أولئك ليسوا من رعاة الدين وهم وإنما هم.

ولهذا شبه الله تعالى من حمل التوراة ثم لم يحملها بالحمار يحمل أسفارا، وشبه عالم السوء الذي سلخ من آيات الله وأخرج إلى الأرض واتبع هواه بالكلب، والكلب والحمار أخس الأنعام وأضل سبيلا.

والقسم الثالث من حملة العلم هم أهله وحملته ورعاته والقائمون بحجج الله وبيناته، وذكر أنهم الأقلون عددا الأعظمون عند الله قدرا، إشارة إلى قلة هذا القسم وغربته من حملة أهل العلم.

وقد قسم الحسن البصري رضي الله عنه حملة القرآن إلى قريب من هذا التقسيم الذي قسمه علي رضي الله عنه لحملة العلم. قال الحسن: قراء القرآن ثلاثة أصناف؛ صنف اتخذوه بضاعة فيتاكلون به، وصنف أقاموا حروفه -توصيف لحملة القرآن تخيلوا هذا الكلام لحملة القرآن! يعني لا تظن بيتكلم عن فجار أو أصحابنا، يتكلم عن حملة القرآن وانقسامهم في زمنه- الصنف الأول الذين يتجرون بالقران فيتاكلون به.

قال: اتخذوه، بيذكرون به، وصنف أقاموا حروفه وضيعوا حدوده، واستطالوا به على أهل بلادهم، واستدنوا به لطلب الولاية، كثر هذا يستعملونه سبيلا لطلب الولاية أن احنا والله أهل في قوله حافظين القرآن، حقنا إنه نسير زعماء أو أمراء أو ما شابه ذلك. قال: كثر هذا الضرب من حملة القرآن.

لكن السنة الثالثة قال: وضرب عمدوا إلى دوائر القرآن فوضعوها على داء قلوبهم. هذا الصنف هو أرفع الأصناف، العبارة التي عبر فيها هؤلاء الصادقون؛ عمدوا إلى دواء القرآن فوضعوه على داء قلوبهم. شيخ العبارة المميزة! يعني قلوبهم المريضة طلبوا لها الشفاء من كتاب الله سبحانه وتعالى، ذهب إلى القرآن فوضعوه على أمراض القلوب فشفاهم الله مما ابتلى به غيرهم من بالشهرة، بحب الدنيا، من الاقبال عليها وغير ذلك.

فركدوا به في محرابهم، أسهر القرآن ليلهم وحنوا به برانسهم. حنوا أي صابوا به برانسهم من البكاء، المراد البكاء، أصبح كأنه صبغة صبغه به، يعني ما يضعونه على رؤوسهم من العمائم والغطى وما شابه ذلك، قال: واستشعروا الخوف وارتدوا الحزن، فأولئك الذين يسقي الله بهم الغيث وينصرهم بهم على الأعداء، الذين يستجيب الله دعاءهم فينزل بدعائهم الغيث وينصرنا بسبب وجودهم بيننا على أعدائنا.

قال: والله لهؤلاء الضرب في حملة القرآن أعز من الكبريت الأحمر بين قراء القرآن، قليل جدا جدا الذي حالهم مع القرآن كالحادث. فاخبر أن هذا القسم وهم الذين قرروا بالقرآن بالله وجعلوه دواء قلوبهم الخوف، فجعلوه دواء لقلوبهم فأثار لهم الخوف والحزن، أعز من الكبريت الأحمر بين قراء القرآن.

ووصف أمير المؤمنين رضي الله عنه، ووصف أمير المؤمنين رضي الله عنه هذا القسم من حملة العلم بصفات منها القسم الصالح من حملة العلم في وصيته السابقة لكميل بن زياد سيشرح بعض منها، فصفهم أنهم هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة. ليس هذا ما قاله علي بكميل، أن هؤلاء الصادقون هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة؟ ما معنى هذا الكلام في كلام علي؟

بن أبي طالب قال: ومعنى ذلك أن العلم دلهم على المقصود الأعظم، وهو معرفة الله فخافوه وأحبوه إلى الغاية. من طلب العلم؟ لو سالتك: ما هي الغاية من طلب العلم؟ أن تعرف الله وأن تصل إلى خشية الله. فدائما طلب العلم إذا لم يوصلك لهذه المرحلة، اعلم أن هناك خطأ في منهجك العلمي، اعلم أن هناك خطأ في منهجك العلمي إذا لم تزداد خشية مع الوقت.

قال: حتى سهل ذلك عليهم، كما تعثر على غيرهم فلم يصل إلى ما وصلوا إليه، ممن وقف مع الدنيا وزينتها وزهرتها واغتر بها ولم يباشر قلبه معرفة الله وعظمته وجلاله. ولذلك قال: واستلام واستوعى منه المترفون وشرحتها قبل قليل، فإن الموت رفع شهوات الدنيا إذا تركها فهو لا يصبر على تركها، فهؤلاء في قلوبهم العوض الأكبر بما وصلوا إليه من لذة معرفة الله. يعني أهل الدنيا لماذا لا يتركون الدنيا؟ لأنهم يشعرون أنه إذا ترك الدنيا لا يوجد شيء يعوض هذا الفراغ القلبي عنده، لكن المؤمن الصادق المحب لله هو يترك شهوات الدنيا لأن عنده عبطا كبيرا سيحل في قلبه وهو ماذا؟ معرفته بالله.

نعيد الكلام مرة أخرى، هذا الكلام ترى دقيق في علم السلوك والسير إلى الله: لماذا تشعر نفسك أحيانا مش قادر تترك شهوة معينة؟ ليه؟ لأنك تشعر أنك إذا فقدتها ما في شيء عم يملأ قلبك مكانها. تشعر أني انسان مبتلى بإطلاق البصر إلى النساء أو بحضور الأفلام القبيحة أو مبتلى بما هو مبتلى به، هو مش قادر يترك هذه الأمور لأسباب، من أسبابها أنه يشعر أنه إذا ترك هذه الأمور هناك ماذا؟ فراغ في القلب، ما في شيء حتى يشغلني عن هذه المعاصي والشهوات.

لكن الإنسان المحب لله وطالب العلم -أنا دائما أقول للأحبة: والله لو لم يكن من فضل طلب العلم وهذه المجالس إلا أنها تشغلك عن الخواطر المدمنية المقلمة- يكفي انشغالي بالعلم يجعلني أملأ خواطري وقلبي في شيء يعوض عن ماذا؟ عن التفكر بالشهوة والخواطر السيئة. فأهل العلم الصادقون في قلوبهم ما يعوضهم عن شهوات الدنيا، بل هو عوض أكبر، ومما رزقهم الله من معرفته والإقبال عليه، هذا هو العوض الذي يجعل لك تترك المعاي والذنوب، إذا لم تحصله يصعب أن تترك المعاصي والذنوب.

قال: فإن المترف الواقع مع شهوات الدنيا وشهواتها، لأنه وضع عنده من لذات الدنيا، إذا ما في شيء يملأ به قلبه، لا عوض عنده من لذات الدنيا إذا تركها. ما بدي أطلع على النساء، ما بدي أنظر للأفلام، طب ما انت سأفعل ما في شيء الوقت؟ لكن أهل الحق ماذا يقول؟ قال: فهو لا يصبر على تركها، في قلوبهم العوض الأكبر وهو معرفة الله سبحانه وتعالى، فاستطاعوا أن يتركوا شهوات الدنيا، هناك ما يملأ الذهن والعقل والفكر. قال: فهؤلاء في قلوبهم العوض الأكبر بما وصلوا إليه من لذة معرفة الله ومحبته وإجلاله، كما كان الحسن يقول: إن أحباء الله هم الذين ورثوا طيب الحياة وذاقوا نعيمها بما وصلوا إليه من مناجاة حبيبهم وبما وجدوا من لذة حبه في قلوبهم.

والله إذا هذه العبارة واستمتع وانت تقراها، استمتع وانت تقرأ كلام الحسن البصري، هذا الرجل كان يقول كلاما يشبه كلام الأنبياء. الحسن البصري عندما وصفه بعضهم قال: كلام يشبه كلام الأنبياء لدقة توصيفه. ماذا قال؟ إن أحباء الله هم الذين ورثوا طيب الحياة، هم الذين هم المستدعون. طالب العلم والإنسان الصادق وعلى من أجل الاستقامة صدقوني هو المستريح، تظنون أهل الشهوات وأهل الخنا والزينة مستريحون في قلوبهم؟ كلا، ومتوترون دائما، خواطرهم مضنية وحياتهم قمت عيسى. أهل الاستقامة هم الذين ورثوا طيب الحياة لماذا وذاقوا نعيمها، وذاقوا نعيم، وبما وجدوا من لذة حبه في قلوبهم. فهذه تكفيهم عن كل نبذة وعن وصال أي وصال.

قال من كلام يطول ذكره في هذا المعنى، وإنما أنيس هؤلاء بمستوحش منه الجاهلون. لأن الجاهلين بالله يستوحشون من ترك الدنيا وشهواتها لأنهم لا يعرفون سواها، لا يعرفون إلا الدنيا، فإذا تركها ما في شيء يملأ القلب كما قلنا قبل قليل. قال: لأنهم لا يعرفون سواها فهي أنسهم، وهؤلاء يستوحشون من ذلك ويستأنفون، بالعكس، يستوحشون من ماذا؟ من الدنيا، لأن قلوبهم منشغله عنها بمناجاة الله سبحانه وتعالى. قال: ويستأنسون بالله كتابه، والجاهلون بالله يستوحشون من ذلك ولا يجدون الأنس. بين كل واحد يستوحش مما يأنس به الآخر، كل طرف يستوحش مما يأنس به الطرف الآخر، هذا حال أهل الدنيا مع أهل العلم.

قال: ومن صفاتهم التي وصفهم بها أمير المؤمنين علي رضي الله عنهم أنهم صاحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالنظر الأعلى. يعني هم في الدنيا مجرد أبدان، واما القلوب والعقول فهي دائما تحلق عند الله سبحانه وتعالى في قيام الليل، بقراءة القرآن، في الخواطر وما يجب على نفوسهم، دائما أفكارهم ثانية علويه وليست أرضية سفلية. قال: وهذا إشارة إلى أنهم لم يتخذوها وطنا، حين لم يتخذوا الدنيا وطنا ولا مسكنا، وإنما اتخذوها ممر ولم يجعلوها مقر. وجميع الكتب والرسل أوت وصت بهذا، وقد أخبر الله تعالى في كتابه عن مؤمن آل فرعون أنه قال لقومه في وعظه لهم: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: 39].

صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، فكأنك بالدنيا ولم تكن وبالآخرة ولم تزل»، وفي رواية: «وعد نفسك من أهل القبور». يعني احسب نفسك أنك ميت من الليلة.

قال: ومن وصايا المسيح المروية عنه عليه السلام أنه قال لأصاورة مريم، مما نقل عنهم: أعذروها ولا تعمروها الدنيا ولا تأمروها. مراد على العمارة الاستيطان، وليس المراد أنك لا تبني شيئا، ليس هذا هو المراد. عليه السلام أنه قال: من الذي يبني على موج البحر دار؟ تلك الدنيا الدنيا أمواج البحر، من الذي يبني على موج البحر؟ قالت: أنت الدنيا فلا تتخذوها قرارا. فالمؤمن في الدنيا كالغريب المجتاز ببلده غير مستوطن فيها، فهو يشتاق إلى بلده وهمه الرجوع إليه، وتزود بما يوصله في طريقه إلى وطنه، ولا ينافس أهل ذلك البلد المستوطنين فيه في عزهم، ولا يجزع مما أصابه عندهم من الذل، بأنها ليست دارا لهم.

قال الفضيل بن عياض: المؤمن في الدنيا مهموم حزين، همه مره جهازي، أين متاع المتاع؟ همه أن يجمع متاع الرحيل إلى الدار الآخرة. الجهاز هو بيجهز نفسه، بده يرجع لوطنه، وأين الوطن؟ في جنات الناس هم المؤمنين أن يجمع متاع الرحيل، هذا معنى رمته جهازي. وقال الحسن: المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها ولا ينافس في عزها، له شان وللناس شان.

وفي الحقيقة فالمؤمن في الدنيا غريب، لأن أباه لما كان في دار البقاء ثم خرج منها فهمه الرجوع إلى مسكنه الأول، أباه يعني آدم عليه السلام، فهو أبدا يحن إلى وطنه الذي أخرج منه، كما يقال: حب الأوطان من الإيمان، وكما قيل: كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدا لأول منزلي.

واللي بعده شيوخنا في هذا المعنى. شيوخنا ابن القيم، لأن ابن القيم هو شيخ ابن رجب الحمداني رحمه الله تعالى عليه، فهذا معنى قوله ولبعض الشيوخ: فإن هذا ذكره العدوي، هل ترى العدو من اللي سببانه إبليس لما أخرجنا من الجنة بالمعصية، ولكننا سبيل العدو، فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم؟ وقد زعموا أن الغريب إذا ناوي شطت به أوطانه فهو مغرمه العودة من قلبهم لعلكم بالجنة، ومنهم من قلبهم وعلّق عند خالقه وهم العارفون.

العارفون أعلى من المؤمنين، يعني هناك إنسان متعلق قلبه بالجنة، هناك إنسان قلبه متعلق بما هو أعلى من الجنة، بالله رب العالمين، وهؤلاء العارفون بالله. ولعل أمير المؤمنين رضي الله عنه إنما أشار إلى هذا القسم العارفين بالله، وقلوبهم عند المولى. وفي مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم: فإذا كان كذلك لم ينسني على كل حال، وإن كان كذلك من أنت عليه بالاشتغال بي كي لا ينساني، فاذا لم ينسني، فاذا لم ينسني حركت قلبه، فاذا تكلم تكلم بي، وإذا سكت سكت بي، فذلك الذي تاتيه المعونه من عندي وأهله. هذا الشاني هم الغرباء، هم غرباء الغرباء، الغرباء المتعلقون بالله، الغرباء المتعلقون بالجنة، كده، لكن كله خير وبركة يا جماعة.

وأهله هذا الشاني هم غرباء، والغرباء الغربتهم أعز الغربة. فإن الغربة عند أهل الطريق، غربتها غربة ظاهرة. الطريق يعني التصوف، لكن التصوف الحق ظاهره: غربة أهل الصلاح بين الفساد، وغربة الصادقين بين أهل الرياء والنفاق. فهذه الغربة الظاهرة لكل يعرفها، والكل يحاول أو ينبغي أن يصل إليها: غربة أهل الصلاح بين الفساد، وغربة الصادقين بين أهل الرياء والنفاق، وغربة العلماء بين أهل الجهل وسوء الأخلاق، وغربة علماء الآخرة بين علماء الدنيا الذين سلبوا الخشية والإشفاق، وغربة الزاهدين بين الراغبين فيما ينفذ وليس ببعض.

وأما الغربة الباطنية فغربة الهمة، وهي غربة العارفين بين الخلق كلهم، حتى العلماء والعباد والزهاة، فإن أولئك واقفون مع علمهم وعبادتهم وزهدهم، وهؤلاء واقفون مع معبودهم حتى لا يعرجون بقلوبهم عنها. فكان أبو سليمان الداراني يقول في الغربة الباطنة: غربة أهل السلوك، وهؤلاء غرباء حتى بين الصالحين، هؤلاء غرباء حتى بين أهل الخير والصلاح، هم غرباء، ومنهم أبو سليمان الداراني وهذا أحد فعلا العارفين بالله الصادقين، أحسبهم الله وحسبهم زكي على الله أحدا، الإمام العارف أبو سليمان الداراني.

لهم أذواق خاصة في الشوق إلى الآخر. ودعاؤهم غير دعاء الناس، حتى لو دعا الناس الله هؤلاء يدعون بطريقة مختلفة، لأنهم العارفون بالله حقا. قال: وسئل عن أفضل الأعمال فبكى وقال: أن يطلع الله على قلبك فلا يراك تريد من الدنيا والآخرة غيره. ما أفضل عمل تتقرب به إلى الله؟ قال: أن يطلع الله على قلبك فلا يجد لك مطلب في الدنيا ولا في الآخرة إلا هو. بس هذه سهلة يا جماعة؟ هذه ما هي سهلة علينا، لكن الوصول إلى هذه المراتب، هذه أنها يوصل إليها بالاجتهاد في العبادة والعلم.

وقال يحيى بن معاذ الزاهد: غريب الدنيا والعارف غريب الآخرة. وأما العارف بالله فهو غريب حتى بين الصالحين أهل الآخرة، أنهم نظرتهم للآخرة، في ناس حالتنا نظرتنا مادية جنة وقيصور، مش هذا قمة شغفهم، قمة شغفهم التردد بوجه الله سبحانه وتعالى، هذه درجة ليس بالسهل أن يصل إليها الإنسان إلا بعد ممارسة في العلم والعبادة ومراقبة القلب.

قال رحمه الله يشير إلى أن الزاهد غريب بين أهل الدنيا، والعارف غريب بين أهل الآخرة، هو غريب بين الصالحين لأن الصالحين نظرتهم محدودة، وهو نظرتته أوسع وأجل وأعلى. لا يعرفه العقاد، بالكاد يعرفون العالم بالله، لأن هو أمر في الأغلب أمر ماذا؟ قلبي، صعب أن فلان يختلف عني في العبادة والسلوك. قال: وإنما يعرفه من هو مثله وهمته، وربما بالله بعضهم البعض، يعني بس طيب أنا ربما ما اجتمعت للعارف في هذه الغربات، الغربات كلها أو كثير منها أو بعضها، فلا يسأل عن غربته، فالعارفون ظاهرون لاهل الدنيا والآخرة.

شويه أنا أظن أن العبارة: في العارفون غير ظاهرين لاهل الدنيا والآخرة. أظن هنا في تصحيف، لأنه وصلوا ساعتين بقول لك إن أهل العارفون ما حدا بيعرفهم، فكيف يكون في النهاية فالعارفون ظاهرون لأهل الدنيا والآخرة؟ لا، الذي يظهر أن هناك كلمة ساقطة: فالعارفون غير ظاهرين لأهل الدنيا والآخرة، لا يعرفكم أهل الدنيا ولا أهل الآخرة، لأن معرفتهم بالله شيء في قلوبهم.

طيب أكمل، يؤيد الان الآن سوف يأتي بالله الكلام، بيجي يأكد هذا المعنى. قرأ يحيى بن معاذ: العابد مشهور، والعارف مستور. والعارف إذا كيف ظاهر لأهل الدنيا؟ واضح أن الكلام في سقط. قال: ربما خفي حال العارف على نفسه، لا طبعا، ويسيء الظن بنفسه، ولا يقول عن نفسه أنه أبو سليمان الدوراني، عمره ما حكي هذا العالم بالله، وإنما الناس هي التي لقبته لهذا اللقب، إلا هو يسيء الظن بنفسه.

قال: وفي حديث سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب العبد الخفي الثقيل». وفي حديث معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب من عباده الأخفياء الأتقياء، الذين إذا حضروا لم يعرفوا وإذا غابوا لم يفتقدوا، أولئك أئمة الهدى ومصابيح العلم».

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: طوبى لكل عبد لم يعرف الناس ولم تعرف الناس، وأعرفه الله منه برضوان، أولئك مصابيح الهدى، تجلى عنهم كل فتنة مظلمة، أي يصرف الله عنهم كل فتنة مظلمة.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: كونوا وجود القلوب، خُلق الثياب، مصابيح الظلام. قلوبكم هي القوية الجديدة، أما الثياب مش مشكلة، حتى لو كانت بالية، ليس بذاك الأمر، كونوا وجود القلوب، خُلق الثياب، مصابيح الظلام. قيام الليل، لأنه قائم في ظلام الناس. قال: لا تخفون على أهل الارض وتعرفون في أهله في أهل السماء. كلام نفيس من ابن مسعود عن أهل الإيمان.

نعم، قال: فهؤلاء يخص أهل الغربة وهم الفرارون بدينهم من الفتن، وهم النزاع ومن القبائل الذين يحشرون مع عيسى عليه السلام وهم بين أهل الآخرة أعز من الكبريت الأحمر، فكيف يكون حاله بين أهل الدنيا؟ وتخفى حالهم غالبا على الفرقتين، كما قال: أهل الدنيا وأهل الآخرة.

بظل جناحيه في عيني ترى دهره وليس يراني. ولو تسألوا الأيام، ولو تسألوا الأيام ما...

اسمي لما درت واين ما كان ما عرفنا مكاني. ومن ظهر منهم للناس فهو بينهم ببدنه وقلبهم معلق بالنظر الأعلى، بالنظر النظر الأعلى عند الله سبحانه وتعالى، كما قال أمير المؤمنين رضي الله عنه في وصفهم: جسمي معي، غير أن الروح عندكم؛ فالجسم في غربة والروح في وطن جميل، فالجسم معاكم لكن الروح هي ماذا في وطن آخر.

مثلما قالت إحدى الزاهدات العابدات المشهورات، رابعة العدوية: ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي وأباح جسمي من أراد جلوسي. يعني أنا أجلس مع الناس جسماً لكن قلبي يحدثك يا الله، الناس بتحكي معي، بتحكي مع بدر فقط: فالجسم مني للحبيب ونازح، وقلبي في الفؤادي أنيسي، وهو الله سبحانه وتعالى.

قال وأكثرهم لا يقوى على مخالطه الخلق، لا يتحمل مجالسة الناس بحبيبه، ولهذا كان أكثرهم يطيل الوحدة. وقيل لبعضهم ألا تستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني، والله يقول أنا جالس من ذكرني، هل يستوحش من يستانس بالله؟ نعم، فقال آخر: وهل يستوحش مع الله أحد؟ وإن بعضهم من استوحش في وحدته فذلك بقله أنسه بربه، حتى في وحدته، فهذا سببه قلة أنسه بالله.

لا يعوض نفسه على الذكر، بعض الناس ما بيعرف يجلس وحده، دائماً على التليفون، على الواتساب، لا يعرفون كيف يملؤون أوقاتهم بذكر الله سبحانه وتعالى. نعم، وكان يحيى بن معاذ كثير العزلة والانفراد، فعاتبه أخوه فقال له: إن كنت من الناس فلا بد لك من الناس. فقال يحيى: إن كنت من الناس فلا بد لك من الله، هذه الحقيقة، لابد لك مش من الناس، أنت تحتاج إلى الله إذا كنت إنساناً، فالإنسان أبرز وصف له ما هو؟ الافتقار والضعف، فلا بد لك من الله وليس من الناس. كلام يحيى بن معاذ، طبعا كلام إنسان عرف حقيقة الأمر.

نعم، إذا هجرت الخلق فمع من تعيش؟ قال: مع من هجرتهم له، أي مع الله. إذا هجرت الخلق فمع من تعيش ببدك تعيش؟ قال: أعيش مع من هاجرتهم له، أي مع الذي هجرت الناس من أجله، هذا الخسر، وأنت هجرت الناس من أجل من؟ من أجل الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: وأنشد إبراهيم بن أدهم: هجرت الخلق طرا في هواك. هجرت الخلق طرا أي مطلقاً دائماً، وأي تركت الجميع. فلو قطعتني في الحب إرباً لما حن الفؤاد إلى سواك. وعتب ابن غزوان أدخلته فقال: إني أصبت رائحة قلبي في مجالستي من لديه حاجتي سبحانه وتعالى.

ولغربته من الناس ربما نسب بعضهم إلى الجنون لبعد حاله من أحوال الناس، كما كان أويس يقال ذلك رحمه الله. وكان أبو مسلم الخولاني كثيراً له بالذكر، لا يفتر لسانه، فقال رجل: فقال أبو مسلم: لا يا ابن أخي، لكن هذا دواء الجنون، أنك تذكر الله سبحانه، وليس به جنون. نعم، وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اذكروا الله حتى يقولوا مجنون» كان فيه ضعف. نعم وقال: