بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه حمداً ذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين؛ نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله معشر طلبة العلم في هذا المجلس الذي نختم به تعليقنا على رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى عليه، وكنا قد بدأنا في هذا المجلس قبل أشهر واليوم انتهينا. وهذا يدل يا معشر طلبة العلم أن العلم كما قال سلفنا إنما هو اجتماع النقط، وأن الانسان الذي يصبر ينال، وأن طالب العلم لا ينبغي دائماً أن يستطيل الطريق، فإن أكثر انقطاعات طلاب العلم أنه إذا شرع في كتاب يحتاج إلى جهد أو إلى وقت أو إلى مدة حتى ينتهي تثاقلت نفسه، يريد طالب العلم اليوم الوجبات السريعة، يريد الإنجاز السريع، وبالتالي يحرم نفسه كثيراً من العلم.
وكان دائماً الأئمة والعلماء والكبار ينصحون طلبة العلم بأهمية الصبر، وكما قال ابن شهاب الزهري رحمه الله تعالى عليه: إنما العلم بالأيام. يعني كل يوم تأخذ معلومة فكرة، ثم اليوم الثاني تنمو معلومة جديدة، وهكذا تصبح عالماً. لن تصبح عالماً دفعة واحدة، ولم تصبح عالماً برنامج علمي واحد ولا بدورة ولا بدورتين، وإنما بمرور الأيام والليالي والمواظبة والاستمرار على الحضور مع تقييد الفوائد والانتباه للدرس. هكذا يكون طالب العلم، وهكذا يشعر طالب العلم أنه أنجز المصنفات والكتب الجديرة بالاهتمام والنظر. ربما نحن في غراس من أربع خمس سنوات، بعض الإخوة الذين هم معكم الآن استمروا فوق الأربعين كتاباً من كتب التراث تم دراستها وشرحها؛ من كتاب مختصر إلى متوسط إلى مطول. يعني أنت تتكلم خلال أربع سنوات أو خمس سنوات أنت أنجزت أربعين كتاباً من كتب التراث، طبعاً بين ألفية ابن مالك ودليل الطالب وقواعد الأصول ولمعة الاعتقاد وقطر الندى. نحن لا نتكلم فقط عن كتيبات صغيرة، نحن نتكلم عن كتيبات بحجم متوسط إلى مطول.
وهذا أحبابي الكرام إنما يجد الطالب ثماره بعد حين، الطالب الذي يستمر ويرزقه الله أنني أنهي الكتاب لو حجم استفادة من الكتاب عشرين بالمئة ثلاثين بالمئة ما في مشكلة، المهم انك حضرت، المهم أنك عودت نفسك عدم الانقطاع، وكنت طالب علم جاداً. هذا بحد ذاته سينعكس على طريقتك في التحصيل والتعلم في المستقبل، أنك تجد نفسك نفسية جادة، نفسية مهتمة. هذه النفسية الجادة والمهتمة بالعلم هذه لا تتولد فجأة، ليست وليدة أن تخرج من رحم أمك هكذا جاداً ومهتماً. النفسية الجادة في طلب العلم إنما تأتي أحبابي بالحضور والمواظبة والاستمراريه، مع الوقت تجد نفسك سبحان الله الله يقذف فيك الهمة وأنك جاد دائماً في التعامل مع أي قضية علمية. وأما الطالب الذي دابه دائماً الاعتذار، وحضور أول المجالس ثم تفتر همته، ثم ياتيك إن شاء الله في النهاية يسلم عليك ثم يبدأ دورة جديدة ولا يكملها ينقطع، مثل هذا الطالب هذا لن يكون طالب علم جاداً، سيبقى طالب علم يقفز من هنا إلى هنا.
وآفة العلم أحبابي، أو من آفات العلم الكثيرة في هذا الزمان، عدم إنجاز الطالب للكتب والمصنفات العلمية. هذه مشكلة، حتى نفسك الآن أنت راقب نفسك: كم من كتاب شرعت فيه ولم تنجز؟ كم من مصنف أو دورة علمية دخلت في أولها ثم أصبت بالملل، ثم تكاثرت وعَدت أدراجك، ثم حاولت دورة أخرى ثم تقاعست؟ وهكذا يمشي مشوار العلم أو العمر بطالب العلم حتى يصبح عمره في الأربعين وبعد ذلك يندم حظه، والايام التي يقول: لو أنني كنت معهم لفزت فوزاً عظيماً. فأنت معنا، فلا تكن ممن يقول هذه المقالة: لو أنني كنت معهم لفزت فوزاً عظيماً. حاول أن تستمر يا طالب العلم، ها نحن اليوم على عتبات إنهاء مجموعة من الرسائل الجيده والمتينة للحافظ ابن رجب، ثم كتاب آخر وهكذا. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا على طريق العلم، وألا يشغلنا عنه بشواغل الحياة الدنيا، ولا يقطعنا من بركة الحضور وبركة الجدية وبركة المواظبة والاستمرارية، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وبسم الله نبدا هذا المجلس الأخير.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: الباب السادس والعشرون. قال في ضرب الصراط إعلاماً لجهنم وهو جسر جهنم ومرور الموحدين عليه. قال: روى زيد بن أسلم. أغلب الابواب الأخيرة في رسائل الحافظ... الصوت عندك... الرسائل الأبواب الأخيرة جلها سيتكلم عن قضية الصراط وما يتعلق به من مرور، وكيف سيكون أحوال الناس في المرور عليه، سواء أحوال الموحدين وأحوال المنافقين وأحوال الكافرين، فإن الذين يمرون على الصراط ثلاثة أصناف: الصنف الأول من سيلقى به قبل أن يأتي على الصراط وهم الكفار، والصنفان الآخران هما الموحدون والمنافقون. وسيأتي مع أبي رجب رحمه الله تعالى عليه كيف سيكون أنماط مرور الموحدين على الصراط وكيف سيمر المنافقون على الصراط، هذه من اللحظات والمواقف المهيبة في عرصات يوم القيامة.
قال رحمه الله تعالى: روى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه واله وسلم فذكر حديثاً طويلاً قال: ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة فيقولون: اللهم سلم سلم. أي مزلقة الصراط من صفاته الأولى أنه دحض. وما معنى أنه دحض؟ أنه زلق ليس سهل المشي عليه، نعم إلا دحض مذلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسكة التي يوضع عليها الشاعر عندما تسلخ هذه الخطاطيف والكلاليب عندما تسلقها على خطاف هكذا يكون على من تحت من أسفل جهنم حتى تخطف المنافقين الذين يمرون إلا وحسكة، تكون بنجد فيها شوك، حسكة شجر له شوك قال يقال لها السعدان، فيمر المؤمن كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاود الخيل والركاب، فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس على وجهه في النار. قال: أخرجه في الصحيحين. وفي رواية للبخاري: حتى يمر آخرهم يسحب سحباً. وفي رواية لمسلم قال أبو سعيد الخدري: بلغني أن الجسر أدق من الشعر وأحد من السيف. هذه كلها صفاته الصراط أنه أدق من الشعر وأحد من السيف.
قال: روى آدم بن أبي إياس في تفسيره قال: حدثنا أبو عمر الصنعاني عن زيد بن أسلم فذكر الحديث ولفظه: يمر المؤمنون على الصراط بنورهم، فمنهم من يمر كطرف العين. وذكر الحديث. وأخرج في الصحيحين أيضاً من حديث الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم فذكر الحديث وفيه قال: ويضرب الجسر بين ظهراني جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيزه، ولا يتكلم. ويمر على الصراط هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم قبل سائر الأمم. قال: ولا يتكلم في ذلك اليوم إلا الرسل، ودعوة الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم. وفي جهنم الرسل كلهم يقولون: اللهم سلم سلم لشدة هذا الموقف المهيب الذي لا يعرف فيه الوالد ولده ولا الولد والده، نعم.
قال رحمه الله: وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رايتم السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: فانها مثل شوك السعدان غير أن... هذه نبق وليست القرط... حتى تعجز أعمال العباد، وحتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً. قال: وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت بأخذه، فمخدوش ناج ومكردس في النار. والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعين خريفاً. وهذا المخدوش الناجي هم العصاة الذين لن يدخلوا جهنم لكنهم يخدشون وهم على صراطها، هؤلاء بعض العصاة الذين لن يدخلوا جهنم لكنهم يصابون ببعض ذنوبهم وهم يسيرون على الصراط.
قال رحمه الله: وفي حديث الصور الطويل الذي سبقت الإشارة إليه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم كقدر الشعرة أو كحد السيف، له كلاليب وخطاطيف وحسك كحسك السعدان، ودونه جسر دحض مزلقة. وهو يشعر بالتفريق بين الجسر والصراط، وبهذا الحديث إذا نظرت في روايته يظاهره أن هناك فرق بين الصراط وبين الجسر، والصواب أنهما شيء واحد. الصراط هو نفسه الجسر. نعم قال: والأحاديث الصحيحة السابقة تدل على أنهما واحد. وروى أبو خالد الدالاني قال عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة عن مسروق عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه واله وسلم حديثاً طويلاً وفيه قال: والصراط كحد السيف، ضاحية. قال فيقولون: أنجوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر أشد الرجال ويرمي... يرمي الرمل يركض ركضاً كالرمل حوالي الكعبة. نعم قال: فيمرون على قدر أعمالهم حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه تخر يد وتتعلق يد وتخر رجل وتتعلق رجل فتصيب جوانبه النار. قال: خرجه الحاكم. ثم تزل قدمه، هذا الذي يكون أعماله بين بين؛ ليس عملاً صالحاً ولا عملاً سيئاً، خلط.
نعم قال رحمه الله: خرجه الحاكم وصححه، وهو وغيره من الحفاظ. وفي سنن أبي داود عن الحسن عن عائشة رضي الله عنها أنها ذكرت النار فبكت، فقال لها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: «ما لك يا عائشة؟» قالت: ذكرت فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: «أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً». ثلاثة مواطن في عرصات يوم القيامة لا يذكر أحد أحداً، لا الأب يذكر أبناءه ولا الأبناء يذكرون أباهم، نعم. قال: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل؟ قال: وعند الكتب حين يقال: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: 19] حتى يعلم أين يقع كتابه، في يمينه أو من وراء ظهره؟ وعند الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم، حافته كلاليب كثيرة وحسك كثير يحبس الله بها من شاء من خلقه حتى يعلم أينجو أم لا؟
قال روى ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن القاسم عن النبي صلى الله عليه واله وسلم نحوه إلى أنه ذكر الميزان وتطاير الكتب وخروج عنق من النار وقال: ولجهنم جسر أدق من الشعر وأحد من السيف، وعليه كلاليب وحسك تاخذ ما شاء الله، والناس عليه كالطرف وكالبرق وأجاود الخير والركاب، والملائكة يقولون: رب سلم سلم. فناج مسلم ومخدوش مسلم في النار على وجهه. خرجه الإمام أحمد.
وروى أبو سلام الدمشقي قال: حدثني عبد الرحمن قال: حدثنا رجل من كندة قال: أتيت فقلت: حدثتك يا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنه يأتي عليه ساعة لا يملك لأحد فيها شفاعة؟ قالت: لقد سألته عن هذا. قال: «نعم، حين يوضع الصراط لا أملك لأحد فيه شفاعة حتى أعلم أين يسلك بي: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] حتى أنظر ماذا يفعل بي»، أو قال: «يوحى إلي». وعند الجسر حين يستحد ويستحر، قلت: وما يستحد وما يستحر؟ قال: «يستحد حتى يكون مثل شفره السيف، ويستحر حتى يكون مثل الجمرة. فأما المؤمن فيجيزه لا يضره، وأما المنافق فيتعلق، حتى إذا بلغ وسطه خر من قدميه -فهوى بيده إلى قدميه-». قالت: فهل رأيت من يسع حافياً فتاخذه شوكة حتى كادت تنفذ قدميه؟ فإنها كذلك يهوي بيده وراسه إلى قدميه، فتضربه الزبانيه بخطاف في ناصيته... تضربه الزبانيه بخطاف في ناصيته وقدميه فتقذفه في جهنم فيهوي فيها مقدار خمسين عاما. قلت: وما ثقل الرجل؟ قال: ثقل عشرة خلفات. هم النوق السمان، الخليفات هم النوق السيمان، هذا يكون ثقل الرجل على الصراط.
نعم قال: فيومئذ يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام. خرجه بقية بن مخلد في مسنده، وابن أبي حاتم في تفسيره، وفي اسناده جهالة وفي بعض ألفاظه نكارة. ولأحاديث صحيحة تدل على أن الصراط إنما يوضع بعد الأذن في الشفاعة. وخرج الإمام أحمد من حديث أبي بكر عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «يحمل الناس على صراط يوم القيامة فتتقاطع» -المشهورة أنها بالدال- «فتتقادع» أي أن الصراط يقذفهم ويسقطهم بعضهم فوق بعض في نار جهنم، هذا معنى فتتقادع بهم جنبتا الصراط أي أن الصراط يسقطهم على وجوههم في نار جهنم.
قال رحمه الله: فتتقادع بهم جنبات الصراط كتقادع الفراشة في النار، فينجي الله برحمته من شاء. وخرج الحاكم من حديث سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: يوضع الصراط مثل حد الموسى فتقول الملائكة: ما عبدناك لحد موسى -يعني مثل الموسى لأنه كما جاء في الرواية الأخرى أحده من السيف- فتقول الملائكة: ما عبدناك حق عبادتك. وقال صحيح. قلت: المعروف أنه موقوف على سلمان الفارسي من قوله، نعم هذا حديث موقوف وليس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
قال رحمه الله: وخرج الحاكم أيضاً من حديث أبي رزين العقيلي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «وتسلكون جسراً من النار، يطأ أحدكم الجمرة فيقول: حس حس! فيقول ربك: أدنه». نعم يعني من شدة حر الصراط فانت إذا وضعت قدمك على الصراط تشعر كأن هناك جمرة فتقول: حس، يعني كيف الواحد لما يضع يده على النار يطلع منه هذه اللفظة، فكذلك عندما يضع الناس أقدامهم على الصراط لشدة حره لكن الله يأمرك أن تستمر، ويمر المؤمنون على حسب المراتب التي ذكرت في الأحاديث. نعم قال رحمه الله: وخرج
البيهقي من حديث زياد النمري عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الصراط كحد الشفرة، أو كحد السيف، وإن الملائكة ينجون المؤمنين والمؤمنات، وإن جبريل لآخذ بحجرتي، وإني لأقول: يا رب سلم سلم، فالزالون والزلات يومئذ كثير».
فخرج العفو والعافية قال: فالزالون والزلات يومئذ كثير، الذين يسقطون عن الصراط كثر، وقد يكون طالب علم وقد تكون طالبة علم بنفاقهم، فالإنسان لا يأمن على نفسه هذه من المواقف المهيبة التي لا يأمن فيها الإنسان على نفسه في نفسك صلاحا.
وإنك ختمت لك، وإنك تجاوزت الصراط فالموقف مهيب، إذا كان الأنبياء يخافون منه. نعم قال رحمه الله: وخرج أيضا من حديث سعيد بن زربي قال عن يزيد الرقاشي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «على جهنم جسر ميسور أدق من الشعر وأحد من السيف، أعلاه نحو الجنة، بجنبتيه كلاليب وحسكم من النار، يحبس الله بها من يشاء من الزالون والذلات يومئذ كثير، والملائكة بجانبيه قيام ينادون: اللهم سلم سلم، فمن جاء بحق يومئذ جاز، يعطى ويعطون النور يومئذ على قدر إيمانهم بأعمالهم».
فمنهم من يمضي عليه كلمح البصر، ومنهم أن يمضي عليه كمر الريح، ومنهم من يمضي عليه كمر الفرس السابق، هكذا يكون سير المؤمنين، هذا سير المؤمنين على الصراط على حسب أعمالهم.
قال: ومنهم من يشتد عليه شدة، ومنهم من يهرول، ومنهم من يعطى نوره إلى موضع قدميه، ومنهم من يحبو حبوه، وتأخذ النار منهم بذنوبهم، بذنوب أصابها، فعند ذلك يقول المؤمن: بسم الله، ويلتوي وهي تحرق من، وهي تحرق من شاء الله منهم على قدر ذنوبهم.
ثم قال البيهقي في زياد النميري ويزيد الرقاشي قال: وعن سعيد بن رزبي ليس بأقوياء، قال: خرج أيضا من حديث عبيد بن عمير عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «على جهنم مثل حرف السيف، بجنبتيه الكلاليب والحسك، فيركبه الناس فيختطف، فيختطفون والذي نفسي بيده، إنه أي بالخطاطيف والكلاليب، نعم، إنه لا يؤخذ بالكالوب الواحد أكثر من ربيعة ومضر».
الله أكبر، قبيلة ربيعة ومضر، طبعا ربيعة ومضر هم أساس القبائل العربية في شمال الجزيرة، تمام. ربيع ومضر يعني معادن العرب كما يقولون، فالخطاف الواحد يستطيع أن يأخذ بخطفة واحدة عدد هاتين القبيلتين، فانت تتكلم عن شيء رهيب.
قال رحمه الله: وهذا مرسل، وخرجه من وجه آخر موقوفا على عبيد بن عمير مختصره، فخرج أيضا باسناده عن ابن مسعود قال: الصراط على جهنم مثل حد السيف. وخرج الترمذي بإسناد فيه، فيه ضعيف عن المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «شعار المؤمنين على الصراط: رب سلم سلم».
ويروى نحوه من حديث أنس مرفوعا باسناد لا يصح، قال: وروى منصور بن عمار عن ابن لهيعة عن أبي قبيل قال عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «شعار أمتي إذا حمل، إذا حملوا، إذا حملوا على الصراط: لا إله إلا أنت»، وهذا فيه نكاره والله أعلم.
في صحيح مسلم عن مسروق النبي صلى الله عليه وآله وسلم أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ قال: على الصراط.
قال وفي أيضا عن ثوبان أن حبرا من اليهود سال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ قال: هم في الظلمة دون الجسر. قال: فمن أول الناس أجازة؟ قال: فقراء المهاجرين.
أي يمر، فقال: فقراء المهاجرين، نعم قال رحمه الله: ويمكن الجمع بين الحديثين بأن الظلمة دون الجسر حكمها حكم الجسر، يعني أنها تبع للجسر، أنها تبع للجسر فلما قال أنهم على الجسر هم ليسوا على الجسر فعليا، هم في الظلمة التي تكون قبل الجسر؛ لأن الناس قبل الانصارات يكونون في ظلمة، ويقال للناس اذهبوا فخذوا من النور بقدر إيمانكم، فهذا النور الذي سياخذونه هو الذي سيضيء لهم مشيهم على الصراط، فالناس قبل أن يصلوا أو قبل أن يدخلوا على الصراط يكونون في ظلمة، والذي ينير هذه الظلمه هو النور، كل على حسب طاعته يقسم له من النور الذي استضاءوا به على الصراط.
نعم الظلمة باختصار هي تبع للجسر، لكنها قبله، نعم قال رحمه الله: وفيها تقسيم الأنوار للجو، وفيها تقسيم الأنوار أي في هذه الظلمة يقسم الله لكل إنسان كمية النور التي سيحصل عليها، وكمية ستحصل عليها بناء على ماذا؟ عملك الصالح في الحياة الدنيا.
نعم قال: فقد يقع تبديل الأرض والسماوات وطي السماء من حين وقوع الناس في الظلمة، ويمتد ذلك إلى حال المرور على الصراط والله أعلم.
واعلم أن الناس منقسمون إلى مؤمن يعبد الله وحده لا شريك، ولا شريك به شيئا، ولا يشرك به، الله وحده ولا يشرك به شيئا، قال: ولا يشرك به شيئا، ومشركا يعبد مع الله غيره، فإنهم لا يمرون على الصراط، يكونون في النار قبل وضع الصراط.
ويدل على في الصحيحين عن هذه الفائدة: المشركون لا يمرون على الصراط هم مباشرة يحملون ويلقى بهم في جهنم، والمرور على الصراط إنما هو صنفين لأهل الإيمان وللمنافقين، وسنعرف ما حال كل واحد منهم.
ويدل على ذلك ما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبع، فيتبع الشمس من يعبدها، ويتبع القمر من يعبد القمر، ويتبع الطواغيت من يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها»، فذكر الحديث إلى أن قال: «ويضرب الصراط بين ظهرانين جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزه».
هذا الحديث يدل على أن الكفرة لا يمرون على الصراط ابتداء وإنما يلقون مباشرة في نار جهنم، يتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق غيره من كان يعبد الله من بر وفاجر وغير أهل الكتاب، فتدعى اليهود فيقول: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير وبن الله. فيقال لهم: كذبتم، فاتخذ الله من صاحبة ولا ولد. فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا رب فاسقنا. فيشار إليهم: ألا تريدون؟ فيحשרون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار.
ثم تدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال لهم: كذبتم، فاتخذ الله من صاحبة ولا ولد. فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا. فيشار إليهم: ألا تريدون؟ فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار.
حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر اتاهم رب العالمين، قال فذكر الحديث إلى أن قال: فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يعطى لله من تلقاء نفسه وهم المؤمنون الصادقون.
نعم قال: ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقا واحدا، هكذا يحدث بأهل النفاق أن الله يجعل ظهرهم كالطبق، فكلما حاولوا السجود لا يستطيعون؛ لأن الطبق ظهرك يكون منحني إلى الجهة الأخرى، فكلما حاولت تأتي إلى الجهة الأمامية لا تستطيع، وهذا حال أهل النفاق والعياذ بالله.
نعم قال: كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، ثم يرفعون، ثم يرفعون رؤوسهم، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول من صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا. ثم يضرب الجسر على جهنم، وذكر الحديث.
قالوا عند البخاري في رواية: ثم يؤتى بجهنم تعرض وكأنها سراب، فيقال اليهود ما كنتم تعبدون، وذكر الباقي بمعناه، فهذا الحديث صريح في أن كل من أظهر عبادة شيء سوى الله كالمسيح وعزير من أهل الكتاب، فانه يلحق بالمشركين في الوقوع في النار قبل نصب الصراط، إلا أن عباد الأصنام والشمس والقمر وغير ذلك من المشركين تتبع كل فرقة منهم من كانت تعبد في الدنيا، فتحشر لمعبودها أولا.
وقد دل القرآن على هذا المعنى في قوله تعالى في شأن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: 98]. قالوا: أما من عبد المسيح والعزير من أهل كل أمة تدخل النار، مهما كانت تعبده من حجارة، من أصنام، من آلهة، لكن تبقى المشكلة فيما في من كان يعبد المسيح وعزير؛ لأن المسيح وعزير لا يريدان النار؛ لأنهما من أهل الإيمان، فماذا سيكون حال من عبدهما؟ هذا الاستثناء الذي أراد أن يبينه ابن رجب.
نعم قال رحمه الله: واما من عبد المسيح والعزير من أهل الكتاب، فإنهم يتخلفون مع أهل الملل المنتسبين إلى الأنبياء، ثم يريدون في النار بعد ذلك وفقير أنهم لا يتبعون معبوداتهم؛ لأن معبوداتهم كانت إيش؟ المسيح وعزير، وهؤلاء مؤمنون، فقيل إنهم يتخلفون مع أهل التوحيد، ثم بعد ذلك يذهبون وحدهم بدون معبودهم، يذهبون وحدهم إلى نار جهنم، وهذا قول آخر ذكره.
نعم قال: وقد ورد في حديث آخر أن من كان يعبد المسيح يمثل له شيطان المسيح فيتبعونه، وكذلك من كان لهم العزير والمسيح على شكل شيطان، فيتبعون الشيطان على أنه المسيح ابن مريم أو على أنه عزير، هذا احتمال آخر.
نعم قال رحمه الله: وهو في حديث سوري إنه يمثل لهم ملك على صورة المسيح، وملك على صورة العزير، ولا يبقى بعد ذلك إلى من كان يعبد الله، إنه ملك هو الذي يمثل له.
نعم فلا ولا يبقى بعد ذلك إلى من كان يعبد الله وحده في الظاهر، سواء كان صادقا أو منافقا من هذه الأمة وغيرها، ثم يتميز المنافقون على المؤمنين بامتناعهم من السجود، وكذلك يمتازون عنهم بالنور الذي يقسم للمؤمنين.
وقد اختلف السلف هل يقسم للمنافقين نور مع المؤمنين ثم يطفأ أو لا يقسم لهم نور بالكلية؟ مسائل الخلاف الاجتهادي أن المنافقين هل سيقسم لهم نور على الصراط ثم ينطفئ بهم أم لن يقسم لهم نور أصاله؟ فهذه مسألة فيها قولان للسلف.
قال رحمه الله على قولين: فقال أحدهما أنه لا يقسم له نور بالكلية، هذا القول الأول من يرى أنهم لا يعطون أصلا نورا ليمشوا به على الصراط، وهذا الآن يسرد أدلة هذا القول.
قال صفوان بن عمرو حدثني سليمان بن عامر قال: يغشى الناس ظلمة شديدة يعني يوم القيامة، ثم يقسم النور، فيعطى المؤمن نورا، ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئا، وهو المثل الذي ضربه الله في كتابه.
ويترك الكافر والمنافق فلا يعطى شيئا، وهذا موطن الشاهد في حديث أبي أمامة قال: وهو المثل الذي ضربه الله في كتابه، قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: 40]. خلف لا يستطيع الكافر والمنافق بنور المؤمنين، كما لا يستطيع الأعمى ببصر البصير.
﴿وَيَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: 13] قال: وهي خدعة الله خدع بها المنافقين، قال عز جلاله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142] فيرجع إلى الموضع الذي قسي، إذا قسم فيه النور فلا يجدونه، فيرجعون إلى الموضع الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئا فينصرفون إليه، ادعوا بهذا ويستحقون الخداع؛ لأنهم أمر الله بالخداع في الدنيا فخدعهم الله في الدار الآخرة.
لما كانوا على الصراط نادى المنافقون أهل الإيمان: أنظُرُونا نقتبس بنوركم، فامر الله للإيمان أن يقولوا للمنافقين: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا، فيبحث فيذهب المنافقون إلى الخلف ليقتبسوا نورا فيظلم عليهم، ويضرب بينهم وبين أهل الإيمان بسور له باب، ولا يستطيعون بعد ذلك تجاوز الصراط ويلقون في نار جهنم.
فقوله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِ الْعَذَابِ﴾ [الحديد: 13] إلى قوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة: 15].
وقال سليم: فلا يزال المنافق مغترا حتى يقسم النور، ويميز الله، ويميز الله بين سبيل المؤمنين وسبيل المؤمن والمنافق، خرجه ابن أبي حاتم، قال: وخرج أيضا من رواية مقاتل بن حيان وضحاك عن ابن عباس ما يدل على مثل هذا القول أيضا ولكنه منقطع.
والقول الثاني أنه يقسم للمنافقين النور مع المؤمنين كما كان، أنه يقسم نور للمنافقين كما يقسم نورا للمؤمنين، لكن ماذا سيحدث بنور للمنافقين؟ قال: ثم يطفأ نور المنافقين إذا بلغ السور الذي ذكر الله في سورة الحديد: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ [الحديد: 13].
نعم، ألا وروى عتبة بن يقظان عن عكرمة عن ابن عباس قال: ليس أحد من أهل التوحيد لا يعطى نورا يوم القيامة، فأما المنافق فيطفأ نوره، فهم المؤمن يشفق، يشفق مما يرى من انطفاء نور المنافق، فهم يعني المؤمن لما يشوف المنافق اللي ماشي وراه انطفى نوره يخاف أن يحدث به كما حدث معه، ولذلك قال: في المؤمن يشفق مما يرى من انطفاء نور المنافق الذي يسير خلفه، إن موقف رهيبا، ممكن أنت تكون منافق وينطفئ نورك مثله، فالمشهد ليس سهل أبدا أحباب الكرام.
قال: فالمؤمن يشفق مما يرى من
انطفاء نور المنافق، فهم يقولون: ربنا أتمم لنا نورنا. وهنا جاءت الآية: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: 8]. يقول ذلك أهل الإيمان عندما يرون انطفاء نور المنافقين والعياذ بالله.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد نحوه، وكذا رواه جويبر عن الضحاك. قال وسنذكر في الباب الآتي إن شاء الله من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يدل على صحة هذا القول، فكان يرجح مع أي طائفة؟ مع الطائفة الثانية؛ يرجح أن المنافقين يقسم لهم نور لكنه ينطفئ، هذا يعني ما يظهر.
قال رحمه الله: وقال آدم بن أبي إياس، أنبأنا المبارك بن فضالة قال، عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يدفع يوم القيامة إلى كل مؤمن وإلى كل منافق النور، فيمشون معهم. فبينما نحن على الصراط إذ غشينا ظلمة، فيطفأ نور المنافق، ويضيء نور المؤمن. فعند ذلك يقولون: ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا» حين يطفئ نور المنافقين. وهذا ظهير أنه نص في المسألة، لكنه فيه ضعف للانقطاع بين الحسن والنبي صلى الله عليه وآله وسلم، الحديث فيه انقطاع، لذلك لو كان متصلاً كان نصاً في المسألة وحسمه الحديث، لكن سببه الضعف.
قال رحمه الله: وقد سبق صفة مشي المنافقين على الصراط في حديث عائشة وإن كان في إسناده ضعيف. وروى بشر بن شغف قال، عن عبد الله بن سلمان قال: يوضع الجسر على جهنم، ينادي مناد: أين محمد وأمته؟ فيقوم فتتبعه أمته برها وفاجرها، قال فيأخذون الجسر، فيطمس الله أنظار أعدائه فيتهافتون فيها من شمال ويمين، وينجو النبي والصالحون معه.
ثم ينادي مناد: أين عيسى وأمته؟ فيقوم فتتبعه أمته برها وفاجرها، فيأخذون الجسر، فيطمس الله أبصار أعدائه فيتهافتون فيها من شمال، فينجو النبي والصالحون معه، ثم يتبعهم الأنبياء والأمم حتى يكون آخرهم نوح، رحم الله نوحاً. خرجه ابن خزيمة وغيره.
وقد تبين بما ذكرنا في هذا الباب من حديث ابن مسعود وأنس وغيرهما أن اقتسام المؤمنين الأنوار على حسب إيمانهم وأعمالهم الصالحة، وكذلك مشيهم على الصراط في السرعة والبطء، وهذا أيضاً مذكور في حديث حذيفة وأبي هريرة وغيرهما. وروى أبو الزعراء عن ابن مسعود قال: يأمر الله بالصراط فيضرب على جهنم، فيمر الناس على قدر أعمالهم زمرا زمرا، أوائلهم كلمح البرق، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، ثم كمر البهائم، حتى يمر الرجل سعياً، وحتى يمر الرجل مشياً، حتى يجيء آخرهم يتلبط على بطنه فيقول: يا رب لما بطأت بي؟ فيقول: على بطنه يزحف على بطنه زحفاً -هذا من ضعاف الإيمان يقول، لكنه ليس منافقاً- فيقول: يا ربي لما بطأت بي؟ فيقول: إني لم أبطئ بك، إنما أبطأ بك عملك. شوف الإجابة الواضحة، لست أنا من بطأت بك، عملك في الدنيا هو الذي جعلك في آخر الركب.
فبسير كيف الحياة الدنيا، فالإنسان ينتبه على خطواته ولا تزل قدم بعد ثبوتها، إياك أن تزل قدم بعد ثبوتها؛ لأنه الزلل في الدنيا زلل في الآخرة، وهذه معادلة صعبة.
قال رحمه الله: وروى الأعمش عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 14] قال: من وراء الصراط ثلاثة جسور: جسر عليه الأمانة، وجسر عليه الرحم، وجسر عليه الرب تبارك وتعالى.
ولجهنم سبعة قناطر والصراط عليها، وذكر أنه يحبس الخلق عند القنطرة الأولى فيسألون عن الصلاة فيهلك من يهلك وينجو من ينجو، ويحبسون عند القنطرة الثانية فيسألون عن الأمانة هل أدوها أم أضاعوها فيهلك من يهلك وينجو من ينجو، ثم يحبسون عند الثالثة فيسألون عن الرحم. وقد ذكرنا فيما تقدم غير حديث في حبس الولاة على جسر جهنم وتزلزل الجسر بهم، فخرج أبو داود من حديث معاذ بن انس الجهني عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
المواقف وأنهم يسقطونها على أنفسهم؛ نحن لأننا نشعر بالأمان الزائد نعتبر هذه الأمور محسومة لنا، وإلا السلف يخشون على أنفسهم والله. وكان أبو سفيان يقول: إذا سمعت الرجل يقول لآخر: بيني وبينك الصراط ولا يدري ما هو، لو عرف الصراط أحب أن لا يتعلق به ولا يتعلق به أحد. وكان بعض الناس في الحياة الدنيا بيجي مع واحد بيقول له: بيني وبينك الصراط يوم القيامة، فكثيراً كلمة سهلة يعني، ولو عرف ما معنى الصراط لتمنى أنه لا يعمل، لا بيني وبينك، موضوع الصراط أصعب بكثير من أنه يدخل في حديث الدنيا أو تواعد شخصاً عليه.
وقال أبو مسلم الخولاني لامرأته: يا أم مسلم شدي رحلك فليس على جسر جهنم معبر؛ قال راحة، ما في راحة وهدوء على هذا الجسر، بدنا نشد حيلنا حتى نقطع بسرعة، يا أم مسلم ما في مجال نجلس.
قال وروى ابن أبي الدنيا من طريق معاويه بن أبي صالح عن أبي اليماني أن رجلاً كان شاباً أسود الراس واللحية، فنام ليله فرأى في نومه كأن الناس حشروا، فاذا بنهر من لهب النار، وإذا جسر يجوز الناس عليه يدعون بأسمائهم، فإذا دعي الرجل أجاب فناجى أهلي، قال فدعي باسمي فدخلت في الجسر فإذا حده كحد السيف يمر بي يميناً وشمالاً، كيف الجسر يشوفوها في بعض الأفلام عليه ويصير يده على قلبه، الجسر يميل يميناً وشمالاً، هذا حال أهل النار أو أهل من يمر على الصراط يوم القيامة.
قال: أصبح الرجل وأبيض اللحية والرأس مما رأى، يعني شاب رأسه مما رأى في النوم.
قال: وسمع أسود بن سالم رجلاً ينشد هذين البيتين: أمامي موقف قدام ربي يسائلني وينكشف الغطاء وحسبي أن أمرين على صراط كحد السيف أسفله لضاء قال: فغشي عليه.
وروي عن بشر بن الحارث قال، قال للفضيل بن عياض: يا بشر، مسيرة الصراط خمسة آلاف فرسخ، فانظر كيف تكون على الصراط. قال محمد: سمعت رجلاً من زهاد أهل البصره من حديث النبي صلى الله عليه وسلم المرفوعة؛ هذا التقدير لطول الصراط لا دليل عليه، قد يكون أخذ من الإسرائيليات أو شيء من ذلك.
قال محمد بن السمع: سمعت رجلاً من أهل البصرة يقولون: الصراط ثلاثة آلاف سنة، ألف سنة يصعدون فيه، وألف سنة يستوي بهم، وألف سنة يهبطون منه، وهذا أيضاً كما قلنا ليس فيه حديث صحيح ثابت.
وقال وروى فضل بن إسحاق عن الفضيل قال: الصراط أربعون فرسخاً.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء من حديث جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يسأل علي بن زيد وهو يبكي فقال: يا أبا الحسن، كم بلغك أن ولي الله يحبس على الصراط؟ قال: كقدر رجل في صلاة مكتوبة أتم ركوعها وسجودها، مكتوبة يعني الصلاة المكتوبة إذا أتمت ركوعها وسجودها كم تاخذ منك وقت؟ ثلث ساعة، ربع ساعة. أولياء الله هكذا يكون مرورهم على الصراط أو حبسهم على الصراط.
قال: فهل بلغك أن الصراط يتسع لأولياء الله؟ قال: نعم. قالوا من حديث رشدين؛ رواياته ضعيفة جداً. قالوا من حديث رشدين بن سعد عن عمر بن الحارث قال، عن سعيد بن أبي هلال قال: بلغنا أن الصراط يكون على بعض الناس أدق من الشعر، وعلى بعض الناس مثل الوادي الواسع. وهذا كما قلنا الحديث لا يصح.
وقال سهل: من دق عليه الصراط في الدنيا عرض له في الآخرة، ومن عرض عليه الصراط في الدنيا دق عليه في الآخرة. ما معنى هذا الكلام؟ أعد قراءته.
من دق عليه الصراط في الدنيا عرض له في الآخرة؛ خلينا الجملة: إيش يعني من دق عليه الصراط في الدنيا عرض عليه في الآخرة؟ طيب العكس كأنه معنى الكلام، عرض يعني اتسع، من دق عليه الصراط في الدنيا عرض له، عرض عليه الصراط في الدنيا دق عليه في الآخرة. طيب.
أحسنت، يعني من ضيق على نفسه في الدنيا ابتغاء مرضاة الله، وسع الله عليه الصراط يوم القيامة، ومن توسع في الدنيا بالمعاصي والذنوب دق عليه الصراط يوم القيامة. فهي نسبة عكسية كما يقولون: ضيقت على نفسك في الدنيا من أجل الله الله بيوسع عليك الصراط يوم القيامة، والعكس بالعكس، وسعت على نفسك بالمعاصي والذنوب وغفلت عن الله، يدق عليك الصراط يوم القيامة. هذا معنى كلام سهل التستري، والجزاء من جنس العمل، هذه هي الحياة.
قال رحمه الله: ومعنى هذا أنه من ضيق على نفسه في الدنيا باتباع الأوامر واجتناب النهي -وهو حقيقة الاستقامة على الصراط المستقيم في الدنيا- أن يتسع له الصراط في الآخرة، ومن وسع على نفسه في الدنيا باتباع الشهوات المحرمة والشبهات المضلة حتى خرج عن الصراط المستقيم، ضاق عليه الصراط في الآخرة بحسب ذلك، والله أعلم. هذه قاعدة جيدة ينتبه لها الإنسان في مسيره في هذه.
قال رحمه الله: رأى بعض السلف رجلاً يضحك فقال له: ما أضحكك؟ أليست تقر عينك أبدا أو تخلو جهنم؟ أو تخلو جهنم يعني، إلا أو هنا بمعنى إلا، إلا أن تخلو جهنم وراءك. طبعا هذا ليس مقياساً، يعني هذا الإنسان ممنوع من الضحك في الحياة الدنيا، النبي صلى الله عليه وسلم كان يضحك، لكن بعض السلف كان يأخذ نفسه ومن حوله بالشدة أنه خلاص لا تضحك حتى تترك جهنم وراءك. في بكاء، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام نهجه هو النهج الأكمل، فكان بابي وامي صلوات ربي وسلامه عليه يضحك ويبكي، يخشع ويداعب زوجاته ويمزح، بالتالي الإنسان لا يفرض على نفسه وعلى غيره حياة أصعب مما كلفه الله عز وجل بها. نعم، لكن هذه كما قلنا نحملها في سياقها من فهم السلف.
قال رحمه الله: وقال أحمد بن أبي الحواري قال، حدثنا يونس الحذاء عن أبي حمزة البيساني قال، عن عائذ بن جبل يرفعه قال: إن المؤمن لا تسكن روعته ولا يؤمن اضطرابه حتى يخلف جسر جهنم خلف ظهره. خرجته، نبيحاته وقال أبو حمزة مجهول، ويونس الحذاء قال وأبو حمزة عن معاذ مرسل، معنى صحيح. لذلك أحمد بن حنبل كان يسأل: متى الراحة يا إمام؟ فماذا يقول؟ قال: عند أول قدم تضعها في الجنة، حتى تضع أول قدم في الجنة؛ لأنه أيامك أو أمامك أيام مهولة في الدنيا وفي الآخرة، ولن تجد الراحة الحقيقية حتى تجاوز الصراط؛ لأنه خلاص الصراط آخر شيء، من تجاوز الصراط عرف أنه آمن، فلذلك كان السلف يؤكدون أن الإنسان لا يجد الراحة ولا الأمان التام حتى يتجاوز هذه القنطرة، نسأل الله أن يجيزنا جميعاً.
قال رحمه الله: الباب السابع والعشرون في ذكر ورود النار نجانا الله منها برحمته. قال الله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم: 71-72].
روى إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: بكى عبد الله بن رواحة فبكى امرأته، فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: رايتك تبكي فبكيت. قال: إني ذكرت هذه الآية ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وارِدُهَا﴾ وقد علمت أني داخلها، فلا أدري أناجٍ منها أم لا.
وروى ابن المبارك عجيبة عن النساء تبكي من أجل أنها رأت زوج. هي تبكي فقط لأنها رأت عبد الله بن رواحة يبكي. شوف التفاعل بين الزوجين وكمال الارتباط الوجداني بينهما.
قال: وروى ابن المبارك عن عباد المقبوري قال، عن بكر المزني قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وارِدُهَا﴾ ذهب ابن رواحة إلى بيته فبكى، وجاءت المرأة فبكت، ثم جاءت الخادمة فبكت، ثم جاء أهل البيت، قال ثم جاء أهل البيت فجعلوا يبكون كلهم. فلما انقطعت عبرته قال: يا أهله، ما يبكيكم؟ قالوا: لا ندري، ولكن رأيناك تبكي فبكينا. قال: آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينبئني فيها ربي أني وارد النار ولم ينبئني أني صادر عنها. شوف الجملة هذه الأخيرة اقرأها مرة أخرى: نبأني ربي أنني وارد على النار ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وارِدُهَا﴾، لكن لم يخبرني أنني سأصدر منها أي سانجو. أخبرني سألت أن كل انسان سيرد على جهنم، فالكافر سيدخل في قعرها، والمؤمن والمنافق، المنافق أيضاً سيردها ويسقط فيها، وأما المؤمن كيف يكون وروده على جهنم؟ مروره على الصراط؛ هذا معنى؛ لأن الصراط تحت، أو عفواً لأن جهنم تحت الصراط. عبد الله بن رواحة يقول: أخبرني ربي أنني سأارد على جهنم، لكنه لم يخبرني أنني ساتجاوزها، وهذا مقلق.
وقال موسى بن عقبة في مغازيه: زعموا أن ابن رواحة بكى حين أراد الخروج إلى مؤتة، فبكى أهله حين رأوه. من أهم كتب المغازي التي ينبغي أن يعتني بها طالب العلم لصحتها، لصحتها مغازي موسى بن عقبة رحمه الله تعالى على من أصح كتب المغازي.
قال: فبكى أهله حين رأوه يبكي، فقال: والله ما بكيت جزعاً من الموت ولا صبابة لكم، ولكني بكيت جزعاً من قول الله عز وجل: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وارِدُهَا﴾ فأيقنت أني واردها فلا أدري أنجو منها أم لا.
قال: وقال حفص بن حميد عن شمر بن عطية قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية يبكي ويقول: ربي أنا ممن تنجني ممن تنجني، أم من تذر فيها جثيا.
وروى أبو إسحاق عن أبي ميسرة أنه كان إذا أاوى إلى فراشه قال: يا ليت أمي لم تردني. فقالت له امرأته: يا أبا ميسرة إن الله قد أحسن إليك هداك للإسلام. قال: أجل، إن الله يبين لنا أن واردون وارد النار، ولم يبين أن صادرون منها، صادرون منها خارجون منها.
قال رحمه الله تعالى: وروينا من طريقه
سفيان بن الحسين عن الحسن قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إذا التقوا، ويقول الرجل منهم لصاحبه: هل أتاك أنك وارد في النار؟ فيقولون: نعم. فيقول: هل أتاك أنك خارج منها؟ فيقول له قال: ففيما الضحك إذاً لا تضحك.
قال ابن عيينة عن رجل عن الحسن قال: رجل لأخيه يا أخي هل أتاك أنك وارد النار؟ قال: نعم. خارج منها؟ قال: ففيما الضحك إذاً؟ قال: فما رؤي ضاحكاً حتى مات.
وقال الإامم أحمد: قال حدثنا هاشم. مطلوبا أحبابي، هذا حال بعض السلف أخذ نفسه بعزيمة، لكن منهج النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يجب الاكتساب به حتى لا يقال إن أهل العلم طلبة العلم لا يضحكون؛ لا ابتسم في وجه الناس وضحك لكن بالمساحة المسموحة، ولا تغفل هذا، والمعيار ألا يكون قلبك غافلاً.
أما بعد؛ ما ينقل عن السلف هذا يفهم في سياق معين لكنه ليس منهج النبي صلى الله عليه وسلم الذي عرفناه عنه نعم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم قال: حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن في قوله عز وجل: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71]، قال رجل لأخيه: فقد جاءك عن الله أنك وارد في جهنم؟ قال: نعم. قال: فأيقنت بالورود؟ قال: نعم. قال: فأيقنت وصدقت؟ قال: نعم، وكيف لا أصدق وقد قال الله عز وجل: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: 71]؟ قال: فأيقنت أنك صادر عنها؟ قال: والله ما أدري أأصدر عنها أم لا! قال: ففيما التثاقل؟ وفيما الضحك؟ وفيما اللعب؟
قال أحمد: وحدثنا خلف بن الوليد قال حدثنا المبارك قال: سمعت الحسن يقول: لا والله، إن أصبح فيها مؤمن إلا حزيناً، وكيف لا يحزن المؤمن وقد جاءه عن الله أنه وارد جهنم ولم ياته أنه صادر عنها؟ إن أصبح فيها مؤمن فيها في الدنيا، هذا الذي يظهر لي أي في هذه الحياة الدنيا؛ يقول: لا يصبح المؤمن إلا وهو حزين لأن الله أعلمه أنه سيرد جهنم ولكنه لم يعلمك أنك ستصدر منها وستنجو منها نعم.
قال رحمه الله تعالى: قال أحمد: وأنبأنا حسين بن محمد قال حدثنا عن عبد الله بن دينار أن لقمان قال لابنه: يا بني، كيف يأمن النار من هو واردها؟
واختلف الصحابة ومن بعدهم في تفسير الورود؛ فقال طائفة: الورود هو المرور على الصراط، وهذا قول ابن مسعود وجابر والحسن. الجمهور، قول الجمهور أن الورود على جهنم لأهل الإيمان إنما هو المرور فوق الصراط نعم.
قال قواتة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم والكلبي وغيرهم. قال: وروى إسرائيل عن السدي قال: سالت مرة الهمداني عن قول الله عز وجل: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71]، فحدثني أنه حدثهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: «يرد الناس النار ثم يصدرون عنها بأعمالهم؛ فأولهم كلمح البرق، ثم كالريح، ثم كحضر الفرس، ثم كالراكب في رحله، ثم كشير الرجل، ثم كمهشة».
خرجه الترمذي وقال: حديث حسن، وخرجه الإمام أحمد أوله، وخرجه الحاكم وقال: صحيح؛ رواه شعبة عن السدي عن مرة عن عبد الله موقوفاً، ولم يرفعه شعبة مع أنه قرأ بأن السدي حدثه به مرفوعاً.
قال الدارقطني: يحتمل أن يكون مرفوعاً، فقال: قلت، ورواه إسوات الهمداني عن عبد الله موقوفاً أيضاً فقال: يريد الناس الصراط جميعاً، وورودهم ثيابهم حول النار ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم؛ فمنهم من يمر كالبرق، فذكر الحديث بطوله وفي آخره حتى آخره، حتى أن آخرهم مراً رجل نوره على إبهام قدمه يتكفأ به الصراط، ضحض مذلة، تحته حسك كحسسك القتاد القتاد، حافته ملائكة معهم كلاليب من نار يخطفون بها الناس، وذكر بقية الحديث.
خرجه ابن أبي حاتم قال: روى الحكم بن ظهير عن عبد الله فرفع آخر الحديث ولفظه حديثه؛ قال عبد الله: الورود وليس بالدخول فيها ولكنه حضورها والوقوف عليها مثل الدابه ترد الماء ولا تدخله.
ثم قال عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: «يضع الله الصراط على جهنم فيجوز العباد عليه»، فذكر الحديث بطوله وفي آخره: ولو قيل لأهل النار أنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدنيا سنة لرجوا، وقالوا إنه في النهاية يعني في خروج.
لو أعد العبارة مرة أخرى حتى: لأهل النار أنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدنيا سنة لرجوا وقالوا إن لابد مخرج، يبقى في النهاية في بصيص أمل، لكن جهنم هذه الكافر يخرج منها بعد أن يدخلها لا وإنما هم مخلدون فيها نعم.
ولو قيل لأهل الجنة أنكم ماكثون في الجنة عدد كل حصاة في الدنيا سنة لحزنوا، وقالوا: لو كان هذا هو المعيار نعم! وقالوا أن لابد مخرجون، ولكن الله جعل لهم الأبد ولم يجعل لهم الأمد، الأمد له نهاية أما الأبد لا نهاية له، هذا الفرق بين الأبد والأمد.
قال: ولكن الله جعل لهما أي لأهل النار وأهل الجنة، جعل لهما الأبد يعني الخلود الأبدي، ولم يجعل لهم أمداً أي مدة معينة ثم بعد ذلك يخرجون منها.
قال رحمه الله: والحكم بن ظهير ضعيف، ولعل هذا الكلام في آخر الحديث موقوف على ابن مسعود فإنه روي عنه موقوفاً من آخر بإسناد جيد.
قال أبو الحسن من البراء العبدي في كتابه في كتاب الروضة: حدثنا أحمد بن خالد وهو الخلال قال: حدثنا عثمان بن عمر قال: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال عن عبد الله بن مسعود قال: لو أن أهل جهنم وعدوا يوماً من أبد أو عدد أيام الدنيا لفرحوا بذلك اليوم أن سيخرجون منه من النار، ولو طال أو وعدوا أنهم سيدخلون النار بحسب أيام الدنيا ثم يخرجون منها لفرحوا، ليه؟ لأنه في النهاية سيذهب العذاب ولو بعد حين، لذلك قال: لأن كل ما هو آت قريب، فقالوا خلص بنتحمل العذاب ثم نخرج، لكن الحال ليس هكذا، الحال أنهم خالدون في نار جهنم.
وقد روي أول الحديث من طريق أبي إسحاق موقوفاً أيضاً من مخالفة في الإسناد، فروى عمرو بن طلحة القتاد عن أسعار عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص قال عن أبي الأحوص عن عبد الله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، وقال: الصراط على جهنم مثل حد السيف، فتمر الطائفة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود الإبل والبهائم، ثم يمرون والملائكة يقولون: «رب سلم سلم».
خرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، وكذا خرجه آدم بن أبي إياس في تفسيره عن إسرائيل.
وخرج مسلم في صحيحه من حديث نوح بن عبادة أنبأ ابن جريج قال: أخبرنا أبو زبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن الورود فقال: نحن يوم القيامة على كذا وكذا، انظروا أي ذلك فوق ناس، قال: فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول: من تنتظرون؟ فنقول: ننتظر ربنا. فيقول: أنا ربكم. يقولون: حتى ننظر إليك فيتجلى لهم يضحك فينطلق بهم فيتبعونه، ويعطى كل انسان منهم مؤمن أو منافق نوره، ثم يتبعونه على جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله، ثم يطفئ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون فينجون، فينجو أول زمرة وجوههم كالقمر، وذكر بقية الحديث.
كذا خرجه مسلم عن عبد الله بن سعيد وهو الأشد وإسحاق بن منصور وكلاهما عن روح به.
وخرج الامام أحمد عن روح به وزاد فيه بعد قوله فيتجلى لهم يضحك قال: سمعت النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «فينطلق بهم فيتبعونه»، فساق الحديث فجعله من هذا الموضع مرفوعاً وما قبله موقوفاً.
وقد روى محمد بن شرحبيل السرحاني عن ابن جريج قال هذا عن ابن جريج هذا الحديث فرفع أوله أيضاً وهو ذكر التجلي والضحك، فرواه عبد الرزاق عن رباح بن زيد قال عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه واله وسلم فذكر التجلي.
وروي عنه سبحانه وتعالى فروي عنه الحديث كله أيضاً بهذا الإسناد، يدل على أن أول الحديث لم يكن عند ابن جريج عن أبي الزبير مرفوعاً وإن كان عنده كله مرفوعاً عن زياد بن سعد عن أبي الزبير، هذا كله يهتم به طالب علم الحديث الذي يهتم بسياق الأسانيد ومعرفة المرفوع من الموقوف وتحرير هذه الأمور، فيعني كل جانب له فنه ورجاله نعم.
قال رحمه الله: وكذا رواه أبو قرة عن مالك عن زياد بن سعد قال عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه واله وسلم وقال: «إذا كان يوم القيامة جمعت الأمم»، فذكره كله مرفوعاً.
وكذلك رواه ابن لهيعة عن أبي الزبير قال: سمعت جابرا يسأل عن الورود فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: «نحن يوم القيامة على كوم»، وذكر الحديث كله.
قال: وفي حديثه زيادة بعد قوله: ويعطى كل إنسان منه منافق أو مؤمن نورا أو يغشاه ظلمه، وقوله في هذه الرواية: ونحن يوم القيامة على قوم، هذه الروايات الصحيحة.
قالوا: أما ما ورد في رواية روح عن ابن جريج كان عن كذا وكذا فإن أصله تصحيف من الراوي للفظة كوم فكتب عليه كذا وكذا لأشكال فهمه عليه، ثم كتب انظر أي ذلك يأمر الناظر فيه بالتروي والفكر في صحة لفظه، فأدخل ذلك كله في الرواية قديمة ولم يقع ذلك في نسخ صحيح مسلم كما يظنه بعضهم، فإن الحديث في مسند الإامم أحمد وكتاب السنة لابنه عبد الله كذلك.
وخرج الطبراني في كتاب السنة من طريق أبي عاصم عن ابن جريج قال: أخبرني أبو زبير أنه سمع جابرا يسأل عن الورود فقال: نحن يوم القيامة على كوم فوق الناس، فتدعى الأمم بأوثانها وذكر الحديث إلى قوله فيتجلى لهم يضحك، قال: فسمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول حتى يبدو كذا وكذا فينطلق بهم فيتبعونه وذكر الحديث بتمامه.
قال: وفي سياقه أيضاً وتخشى الظلم، فظهر بهذه الرواية أن الشك والتصحيف إنما جاء من جهة روح بن عبادة، ولعله وقع في كتابه كذلك فحدث به كما في كتابه والله أعلم.
ولكن قد رواه محمد بن يحيى المازني عن ابن جريج كما رواه عنه روح، خرجه من طريق الخلال.
ومما يستدل به على أن الورود ليس هو الدخول، مما خرجه مسلم ومن حديثه أبو الزبير عن جابر قال: أخبرتني أم بشر أنها سمعت النبي صلى الله عليه واله وسلم يقول عند حفصة: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب شجرة أحد ممن بايعوا بيعة الرضوان»، نعم. قالت: بلى يا رسول الله! فانتهرها فقالت حفصة: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71]. فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: «قد قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 72]».
ورواه الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن أم بشر بنحوه، وهذا يركب ما فهمه السلف والجمهور أن الورود على جهنم ليس دخولها، وإنما الورود هو المرور على الصراط نعم.
قال رحمه الله: وفي بعض روايات الأعمش فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: «يريدونها ثم يصدرون عنها بالأعمال».
فقال طائفة: إن الورود هو دخول جهنم حقيقة، هذا قول ينسب إلى ابن عباس وبعض أهل العلم نعم.
قال رحمه الله: وقال طائفة: الورود هو الدخول، وهذا هو المعروف عن ابن عباس، وروي عنه من غير وجه، وكان يستدل لذلك بقوله تعالى في فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: 98]، وبقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: 86]، ورودهم دخولها بالنسبة لفرعون وقومه نعم.
وبقوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾، فكلمة الورد يعني يرى ابن عباس أن استعملت لدخول جهنم وليس للمرور على الصراط، هذا وجهة ضرب ابن عباس رضي الله تعالى عنه.
قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَٰؤُلَاءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: 99]، وقد سبق عن عبد الله من أروَاح نحو هذا إلا أن الرواية عنه منقطعة، وروى قال: إنني أخبرت أنني واردها لكنني لم أخبر أنني صادر عنها، هذا ما ورد عن عبد الله بن رواحة معنى قبل قليل نعم.
قال رحمه الله تعالى: وروى مسلم الأعور عن مجاهد: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71]، قال: داخلها.
وسئل كعب عن الورود المذكور في الآية فقال كعب الأحبار -وهذا ينقل عن كتب بني إسرائيل-: تمسك النار عن الناس كأنها متن إهالة، اللي هي دهن يعني، النار تمسك عن الناس وتصبح كأنها ظهر، ماذا شحمة، تصبح كأنها شحمة بيضاء. ثم ماذا يحدث؟ قال: حتى تسوى عليها أقام الخلق كلهم برهم وفاجرهم، فكل الناس يكونون عليها برهم وفاجرهم. ثم يقول لها الرب عز وجل: خذي أصحابك ودعي أصحابي. خذي أصحابك يعني أهلك أيها النار، وخذي وخلي أصحابي أهل الإيمان. قال: فتخسف بكل ولي لها، وينجي الله المؤمنين ندية ثيابهم، ثيابهم يعني تكون ثيابهم مثل الندى عليها نعم.
قال: وينجي الله المؤمنين ندية ثيابهم، قال كعب: ألم تر إلى القدر إلى القدر الكثيرة، يعني أحد منكم رأى قدراً فيها دهن كثير في الأسفل لما يجمد عليها الدهر كيف يصبح لها، يعني مثل ماذا طبقة طبقة شحمة بيضاء؟ هكذا تكون النار يوم القيامة وعليها الجميع، طبعا هذا كله إسرائيليات تماماً لا أثبته ولا أنفيه.
هذا من كلام كعب الأحبار أنه يقول: إن النار تصبح كأنها دهن شحم جامد عليها الجميع، فأما الكافر والمنافق فالنار تغسل به، كأن الشحم يذوب فيغسل به، وأما المؤمن فينجو. هذا معنى كلام كعب الأحبار. قال: ألم ترَ إذا القدر الكثيرة الشحم إذا بردت استوت بيضاء كالشحم؟ فإذا الودك إذا جبد يشكل طبقة بيضاء في أسفل الإناء نعم. قال: فإذا أوُقدت النار تحتها انخسف الودك، فتذوب لكن تذوب تحتها أقدام الكافرين والمنافقين عنه. قال: فهي أعرف بهم من الوالد بولده. تعرف، يعني تذوب تحت رجل من وتبقى تحت رجل.
وقال ثور بن يزيد عن خالد بن معدان قال: إذا دخل أهل الجنة قالوا: ألم يعدنا ربنا أن نرد النار؟ قال: بلى، ولكن مررتم عليها وهي خامدة. فهذا تفسير من يرى أن ورود النار هو دخولها، لكنه دخول لها وهي منطفئة أو هي جامدة الشحم. فهكذا، يعني هذا تفسير لكيفية دخول المؤمنين النار أنهم يدخلون عليها وهي خامدة، لكن ليس هذا هو التفسير المشهور، والتفسير المشهور للورود هو الورود على الصراط.
ابقوا على المعنى المشهور، قال: وفي رواية عنه قال: إذا جاز المؤمنون الصراط هدى بعضهم بعضاً: ألم يعدنا ربنا أن نمر على جسر جهنم؟ فيقول: بلى، ولكن مررتم عليها وهي خامدة. وقال مسكين سمعت أشعث الحداني يقول: بلغني أن أهل الإيمان إذا مروا بسراط جهنم قال: تقول لهم جهنم: جوزوا عني، قد بردتم، قد بردتم، قد بردتم، وهدّوا، وآثروني.
ومرور أهل الإيمان كان السبب في تخفيف وهجها. هي بتحكي لهم: مرّوا عني، يعني بدّي وهدي يبقى كما هو في لهيبه وقوته. نعم، ولكن هذا والذي قبله قد يدلان على أن الورود هو المرور على الصراط. القول الأول الذي يدل على أن الورود هو ورود على الصراط وليس دخولاً على جهنم أو وقوفاً عليها حقيقة. نعم.
قال: وروى كثير بن زياد البرساني عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضهم: يدخلونها جميعاً، ثم ينجي الله الذين اتقوا. فلقيت جابر بن عبد الله فقلت: أنا اختلفنا في الورود. فقال: يريدونها جميعاً، وقال سليمان: يدخلونها، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: «لا يبقى قبر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار ضجيجاً من بردهم، ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيّة» اخرجه الإمام أحمد. وأبو سمية لا ندري من هو، ويدل على ضعف الحديث لجهالة أبي سمينة.
قال: وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلّة القسم». وتجلّة القسم هو الورود فوق الصراط؛ أن الله أقسم: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وارِدُهَا﴾ [مريم: 71]. هذا فقط معنى الورود لأهل الإيمان. قال: وقد فسر عبد الرزاق وغيره تحلّة القسم بالورود لقوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وارِدُهَا﴾، وظاهر هذا يقتضي أن الورود هو مس النار. وفي رواية: «فليلج النار إلا...» فليلج النار إلا تحلّة القسم، فجعله مستثنى من ولوجها.
قد يكون من أقوى الأدلة لمن رأى أن هذا دخول حقيقي، هذه الرواية تكون من أقوى الأدلة، لكن علينا أن نؤولها مع الروايات الأخرى والله تعالى جل وعلا. وروى عبد الملك بن عمير بن عبد الرحمن بن بشير الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: «مات له ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث لم يرد النار إلا عابر سبيل».
وخرج الإمام أحمد من حديث ابن لهيعة ورشدين بن سعد، كلاهما عن زازان، عن زاذان بن نائل، عن سالم بن معاذ بن أنس، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «من حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعاً لا يأخذه سلطان لم يرد النار إلا تحلّة القسم، فإن الله يقول: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وارِدُهَا﴾». إسناده ضعيف.
وخرج الطبراني من حديث الواقدي قال: حدثنا شعيب بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: حدثني أبي عن أبيه عن جدي عن أبي بكر الصديق عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «إنما حر جهنم على أمتي كحر الحمام، أو حمام الشامي»، هذا الذي يكون حرارته خفيفة، كذلك تكون حر جهنم عندما يمر عليها أهل الإيمان حر خفيف ليس شديداً.
قال: وروى منصور بن عمارة عن... الأحاديث طبعا متروك فيها الواقدي. نعم. قال: وروى منصور بن عمار عن بشير بن طلحة عن خالد بن دريك قال عن ابن منبه عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: «تقول جهنم للمؤمن: جز يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لها». غريب وفيه نكارة أبدًا.
بعضهم فسر الورود بالحُمّى في الدنيا؛ روى مجاهد وعثمان بن الأسود وفيه: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وارِدُهَا﴾. شوف هذا التفسير الغريب، قال: واردها جهنم من خلال الحُمّى التي تُصاب بها في الدنيا! الحُمّى التي تُصاب بها في الدنيا هي معنى ورود المؤمن للنار يوم القيامة! وإن كان تفسيراً بعيداً، إلا وفيه حديث مرفوع: «الحُمّى حظُّ المؤمن من النار»، وإسناده ضعيف لا يُعتمد.
فقال طائفة: الورود ليس عاماً، إنما هو خاص بالمحضَرين حول جهنم المذكورين في قوله تعالى. هذا قول رابع، أن الورود لطائفة معينة وليس لكل الأمم. نعم، ولكن هذا أيضاً ترده الأحاديث الصحيحة على المذكورين في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: 68] إلى قوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وارِدُهَا﴾، وكأنه يققال لهؤلاء الموصوفين: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وارِدُهَا﴾. روي هذا التأويل عن زيد بن أسلم وهو بعيد جداً.
قال: لكم هذا القول الرابع بعيد جداً. نعم. قالوا: إنه كان يقرأ: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وارِدُهَا﴾ يقول: الضمير يعود إلى الظلمة، كذلك كنا نقراها. وروي هذا القول عن ابن عباس من وجه منقطع، وصحيح عنه ما سبق.
على هذا الرأي الخامس: أنه ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وارِدُهَا﴾، الضمير في واردها لا يعود على النار، وإنما يعود على الظلمة التي تكون قبل الجسر، ولكن هذا أيضاً قول ضعيف، الإمام رحمه الله تعالى.
فصل: إذا وقف العبد بين يدي الله تستقبله النار. قد أخبر النبي صلى الله عليه واله وسلم للحساب، فإنها تستقبله النار تلقاء وجهه، وأخبر أن صدقة تقي صاحبها من النار. تستقبلك حتى ولو كنت مؤمناً، طبعا هذا الاستقبال حتى تعرف نعمة الله عليك عندما نجاك منها بإذن الله.
قال في الصحيحين عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة».
وفي صحيح مسلم عنه عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة، بشق تمرة فليفعل».
وفي صحيح البخاري عنه عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «لا يقفن أحدكم بين يدي الله عز وجل ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له، ثم لا يقولن له: ألم أوتِك مالاً؟ فيقولن: بلى، ثم لا يقولن: ألم أرسل إليك رسولاً؟ فيقولن: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا الناس، ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلا النار، فليتقين أحدكم النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة».
قالوا: وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه خرج يوماً فقال: «أرايت الليلة؟ رايت الليلة عجباً»، فذكر حديثاً طويلاً وفيه: «رايت رجلاً من أمتي يتقي النار ويتقي وهج النار وشررها بيده عن وجهه، فجاءت صدقته فصارت ستراً على رأسه وظلّاً على وجهه».
قال رحمه الله تعالى: الباب الثامن والعشرون في ذكر حال الموحدين في النار وخروجهم منها برحمة أرحم الراحمين وشفاعة الشافعين. وقد تقدم في الأحاديث الصحيحة أن الموحدين يمرون على الصراط فينجو منهم من ينجو، ويقع منهم من يقع في النار. فاذا دخل أهل الجنة فقد... فقدّم من وقع من إخوانهم الموحدين في النار، فيسألون... فيسألون الله عز وجل إخراجهم منها. خلاص.
قال رحمه الله تعالى: عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه واله وسلم في حديث طويل سبق منه ذكر المرور على الصراط، ثم قال: «حتى إذا خلص المؤمنون من النار -فالذي نفسي بيده- ما من أحد منكم بأشد مناشدة لله في استيفاء الحق من المؤمنين يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار. يقولون: ربنا إنهم كانوا يصومون معنا ويصلون معنا ويحجون. فيقال لهم: اخرجوا من عرفتم. فتحرم صورهم على النار، فيخرجون... فيخرجون خلقاً كثيراً، وقد أخذت النار إلى أنصاف ساقيه وإلى ركبتيه. فيقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به. فيقول: فيقول لهم: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوهم. فيخرجون خلقاً كثيراً. ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحداً. فيقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه نصف مثقال دينار من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقاً كثيراً. ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا باخراجه أحداً. فيقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوهم. فيخرجون خلقاً كثيراً. فيقولون: ربنا لم نذر فيها خيراً». وكان أبو سعيد يقول: إن لم نأخذ بهذا الحديث فاقرأوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40].
فيقول الله عز وجل: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضه من النار فيخرج بها أقواماً لم يعملوا خيراً قط، قد عادوا حمَماً، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل.
لم يعملوا خيراً قط، لا تدل على عدم وجود أي عمل صالح. إنه عدم وجود أي عمل صالح عند أهل السنة والجماعة يخرج الإنسان من دائرة الإسلام، لكن المراد أنهم لم يعملوا شيئاً يُعتد به، والعرب تعبر عن هذا بأنهم لم يعملوا خيراً قط. وإلا انتفاء جنس العمل كما هو معروف عند أهل السنة والجماعة مخرج من الملة. انتفاء جنس عمل الجوارح لا يدعي للإنسان مؤمناً أصلاً حتى لا يتعلق بعض الناس بهذا الحديث. فلم يعملوا خيراً قط؛ أي لم يعملوا شيئاً يُعتد به، ولا يدل على انتفاء العمل بالجوارح؛ لأن هذا لا يبقى معه إيمان أصلاً.
قال رحمه الله: وذكر بقية الحديث أخرجه في الصحيحين، ولفظه لمسلم. والمراد بقوله: لم يعملوا خيراً قط؛ من أعمال الجوارح، وإن كان أصل التوحيد معهم. ولهذا جاء في الحديث الذي أمر أهله أن يحرقوه بعد موته بالنار أنه لم يعمل خيراً قط غير التوحيد، خرجه الإمام أحمد.
على بقاء شيء من جنس العمل بالجوارح يعني، حتى ظاهر كلام ابن رجب لا يحل المشكلة بل يزيد إشكالاً. حتى ظاهر كلامه ابن رجب لا يحل المشكلة. لا، نقول: لم يعملوا خيراً قط من أعمال الجوارح، لابد من وجود ولو عمل يسير من أعمال الجوارح حتى يصح الإيمان على طريقة أهل السنة، وإلا عدم وجود عمل الجوارح بالكلية، ما يسمى بمسألة انتفاء جنس العمل، هذا يخرج الإنسان من دائرة الإيمان. نعم.
قال: أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعاً ومن حديث ابن مسعود موقوفاً. ويشهد لهذا ما في حديث أنس عن النبي صلى الله عليه واله وسلم في حديث الشفاعة قال: «فأقول: يا رب، ائذن لي فيمن يقول لا إله إلا الله. فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي، لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله». خرجه في الصحيحين. وعند مسلم: «فيقول: ليس ذلك لك»، أو: «ليس ذلك إليك». وهذا يدل على أن الذين يخرجهم الله برحمته من غير شفاعة مخلوق هم أهل كلمة التوحيد الذين لم يعملوا معها خيراً قط بجوارحهم، والله أعلم.
وروى أبو الهيثم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: «بين ظهراني جهنم عليه، ثم يستجيز الناس، فناجٍ مسلَّم، ومجروح به، وناجٍ ومحبَس به، ومحبَس منكوس فيها. فإذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وتفقد المؤمنون رجالاً في الدنيا كانوا يصلون بصلاتهم، ويزكون زكاتهم، ويصومون صومهم، ويحجون حجهم، ويغزون غزوهم. فيقولون: يا ربنا، عبادٌ من عبادنا كانوا معنا في الدنيا يصلون بصلاتنا، ويزكون زكاتنا، ويصومون صومنا، ويحجون حجنا، ويغزون غزونا، ولا نراهم! فيقول الله عز وجل: اذهبوا إلى النار فمن وجدتموه فيها فأخرجوه. فيخرجونهم وقد أخذتهم النار على قدر أعمالهم، فمنهم من أخذته إلى قدميه، ومنهم من أخذته إلى ركبتيه، ومنهم من أخذته إلى أزرته، ومنهم من أخذته إلى ثديه، ومنهم من أخذته إلى عنقه ولم تغشَ ولم تغشَ الوجوه».
قال: فيستخرجونهم ثم يطرحون في ماء الحياة. نبي الله وما معه الحياة قال: غسل أهل الجنات، فينبثون فيها كما تنبت الزرعة في غثاء السيل. ثم تشفع الأنبياء في كل من كان يشهد أن لا إله إلا الله مخلصاً فيستخرجونه منها، ثم يتحنن الله برحمته... ثم يتحنن الله برحمته على من فيها فما يترك فيها عبداً في قلبه مثقال ذرة من الإيمان إلا أخرجه منها. خرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد.
وأخرجه في الصحيحين من حديث مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «يدخل أهل الجنة وأهل النار النار، ثم يقول الله عز وجل: اخرجوا من كان».
في قلبه مثقال ذرة أو حبة من إيمان، فيخرجون منها قد أسودوا فيلقون في نهر الحياة -أو الحياة شك- فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية؟ ولفظه للبخاري.
وعند مسلم: فيخرجون منها حمماً قد امتحشوا سواداً من النار -يعني ابتعشت وجوههم من النار- فينبتون في ماء الحياة، وهذا ماء أعده الله للجهنميين، والجهنميون هم الذين يدخلون نار جهنم فترة من أهل التوحيد ثم يخرجون منها، فلا بد أن يلقوا في نهر الحياة حتى تعاد لهم أجساد جديدة ووجوه جديدة يعيش بعد ذلك مع أهل الجنة.
قال رحمه الله تعالى: وفي الصحيحين أيضاً عن الزهري عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يجمع الله الناس يوم القيامة» فذكر الحديث بطوله، وفيه ذكر جواز الناس على الصراط، ثم قال: «حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل الكبائر من النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً ممن دخل النار ويعرفون باثر السجود، تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون منه كما تنبت البقلة في حميل السيل» وذكر بقية الحديث.
قال رحمه الله تعالى: وخرج مسلم من حديث يزيد الفقير عن جابر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن قوماً يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارت وجوههم حتى يدخلوا الجنة».
وخرج أيضاً من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم -أو قال بخطاياهم- فاماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحماً أذن في الشفاعة فجيء بهم ضبابير فبثوا على أنهار الجنة» قال: «ثم قيل لاهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون كنباء الحبة في حميل السيل».
وظاهر الحديث يدل على أن هؤلاء يموتون حقيقة وتفارق أرواحهم أجسادهم، ويدل على ذلك ما أخرجه البزار من حديث عبد الله بن الرجال قال: يريد أن يعطيهم كما قلنا أجساداً جديدة، إن كان موتاً ليس هو الموت المعروف عندنا، لكنه استبدال الأجساد بأجساد جديدة تصلح للجنة نعم.
قال: وظاهر الحديث يدل على أن هؤلاء يموتون حقيقة وتفارق أرواحهم أجسادهم، ويدل على ذلك ما خرجه البزار من حديث عبد الله بن الرجال قال حدثنا سعيد بن مسلمة قال أخبرني موسى بن جبير عن أبي أمامة بن سالم قال عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن أدنى أهل الجنة حظاً أو نصيباً لقوم يخرجهم الله من النار فيرتاح لهم الرب» قال: «فيرتاح لهم الرب تعالى أنهم كانوا لا يشركون بالله شيئاً فينبذون بالعرائس فينبتون كما تنبت البقلة حتى إذا دخلت الأرواح في أجسادهم قالوا ربنا كما أخرحتنا من النار وأرجعت الأرواح إلى أجسادها فاصرف وجوهنا عن النار فتصرف وجوههم عن النار».
ألا وروا مسكين أبو فاطمة قال حدثنا اليمان بن يزيد قال عن محمد بن حميم عن محمد بن علي عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أصحاب الكبائر من موحدين الأمم كلها إذا ماتوا على كبائرهم غير نادمين ولا تائبين، من دخل النار منهم في الباب الأول من جهنم لا تزرق عيونهم ولا تسود وجوههم ولا يقرنون بالشياطين، قال: ولا يغلون بالسلاسل ولا يلبسون القطران في النار، حرم الله أجسادهم على الخلود من أجل التوحيد، وحرم صورهم على النار من أجل سجودهم، منهم من تأخذه النار إلى قدميه ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه على قدر ذنوبهم وأعمالهم، فمنهم من يمكث فيها شهراً ثم يخرج، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج منها، وأطولهم فيها مكثاً بقدر الدنيا منذ يوم خلقت إلى أن تفنى، فاذا أراد الله أن يخرج منها قالت اليهود والنصارى ومن في النار من أهل الأديان والأوثان لمن في النار من أهل التوحيد: أمنتم بالله وكتبه ورسله فنحن وأنتم اليوم في النار سواء! فيغضب الله لهم غضباً لم يغضبه لشيء مما مضى، فيخرجهم إلى عين في الجنة، وهو قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: 2].
خرجه ابن أبي حاتم وغيره وخرجه الاسماعيلي مطولاً، وقال الدارقطني في كتابه المختلق: وهو حديث منكر واليمان مجهول ومسكين ضعيف ومحمد بن حمير -أو ابن خمير- لا أعرفه في هذا الحديث انتهى.
قال: فلو قد سبق حديث في الذي ينادي في النار ألف سنة يا حنان يا منان ثم يخرج منها، وروي من طريق محمد بن عويق قال حدثنا حازم عن الحسن قال: أهل التوحيد في النار لا يقيدون، فتقول الخزنة بعضهم لبعض: ما بال هؤلاء يقيدون وهؤلاء لا يقيدون؟ فناداهم مناد: أن هؤلاء كانوا يمشون في ظلام الليل إلى المساجد، وبالتالي أهل التوحيد حتى لو دخلوا النار حالهم لا يكون كحال الكفار، يعني هذا ما نستفيد من هذه أن أهل التوحيد حتى لو دخلوا النار الله عز وجل لا يساوي بينهم وبين الكفار في شدة العذاب وقوته هذا والمراد.
قال رحمه الله وقال مروان بن عمر مالك بن أبي الحسن قال عن الحسن قال: يخرج رجل من النار بعد ألف عام، قال الحسن: ليتني ذلك الرجل! يعني هذا يعني كان يقول من جلده الزائد لنفسه خلينا نقول هو جلد نفسه كثيراً يقول يعني أنا راح أكون في النار يا ريتني ذاك الرجل الذي سيخرج من النار بعد ألف عام، لكن نحن نقول نسأل الله لا نقول من أهل النار، دعونا نطلب الفردوس الأعلى من الجنة.
قال رحمه الله فصل حسن الظن بالله.
ليكمل المشهد قال أحمد بن أبي الحواري: دخلت على أبي سليمان وهو يبكي، فقلت ما يبكيك -أحد أئمة السلوك من السلف نعم- فقلت ما يبكيك؟ قال: لان طالبني بذنوبي لأطالبنه بعفوك.
شوف هذا الكلام الجميل من أبي سليمان الداراني وهو يصف علاقته بالله سبحانه وتعالى، ماذا يقول؟ قال: ولئن طالبني بذنوبي لا أطالبنه بعفوه، ولئن طالبني ببخلي لا أطالبنه بجوده، ولئن أدخلني النار لأخبرن أهل النار إني كنت أحبه! شوف هذا الجمال ولئن أدخلني النار لأخبرن أهل النار إني كنت أحبه! هذا من حسن ظنه بالله سبحانه وتعالى، رحمه الله على أبي سليمان.
قال وروى ابن أبي الدنيا في كتاب حسن الظن بالله تعالى باسناده عن علي بن بكار أنه سئل عن حسن الظن بالله قال: ألا يجمعك والفجار في دار واحدة! يعني ما معنى أن تحسن الظن بالله؟ أن يكون حسن ظنك بالله وصل إلى مرحلة أن الله لا يمكن أن يجمعك مع الفجار في النار، هذا معنى أنك تحسن ظنك بالله: أنني أحسن الظن بالله أنني عشت على التوحيد وعلى الصلاة وعلى هذا الدين، نعم عندي معاصي وذنوب، لكن حسن ظني بمولاي أنه لا يجمعني مع أبي جهل ورؤوس الكفر المعاصرين والأقدمين في نار جهنم.
قال رحمه الله عن سلمان بن حكم أن رجلاً دعا بعرفات فقال: لا تعذبنا بالنار بعد أن أسكنت توحيدك قلوبنا، قال ثم بكى وقال: ما أخالك تفعل بعفوك، ثم بكى وقال: لإن فعلت فبذنوبنا، لا تجمعن بيننا وبين قوم ظالمين عادىناهم فيك.
قالوا عن حكيم بن جابر قال إراهيم عليه السلام: اللهم لا تشرك من كان يشرك بك بمن كان لا يشرك بك.
قال ابن أبي الدنيا وحدثني أبو حفص الصيرفي بينهم في النار.
أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا تلا: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: 38] قال: ونحن نقسم بالله جهد أيماننا ليبعثن الله من يموت أتراك تجمع بين القسمين في دار واحدة؟ ثم بكى أبو حفص بكاءً شديداً.
وروى أبو نعيم بإسناده عن عمر بن عبد الله قال: ما كان الله لينقذنا من شر ثم يعيدنا فيه، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها الله، أنقذنا من الشرك فلا نحسب به أنه يعيدنا إلى دار المشركين هذا المعنى.
وما كان الله ليجمع بين أهل القسمين في النار، وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ونحن نقسم بالله جهد أيماننا ليبعثن الله من يموت، نحن قسمنا مخالف لقسم المشركين، فهذا يولد عندنا حسن ظن بالله أن الله لن يجمع بيننا وبين هؤلاء الذين أقسموا قسم الكفر، نحن أقسمنا قسم الإيمان وهم أقسموا قسم الكفر، فحسن ظنك بالله أن توقن أن الله لا يجمع بينك وبينهم في نفس المكان.
قال وقال محمد بن إسحاق سراج قال حدثنا حماد بن المؤمن الكلبي قال حدثني بعض أصحابنا عن ابن السماك قال لما طلبني هارون الرشيد قال اتكلم وادعو، فدعوت بدعاء أعجبه أعجبه وقلت في دعائي: اللهم إنك قلت: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: 38] اللهم إنا نقسم بالله جهد أيماننا لا تبعثن من يموت، افتراك يا رب تجمع بين أهل القسمين في مكان واحد؟ وهارون يبكي.
قال رحمه الله تعالى الباب التاسع والعشرون في ذكر أكثر أهل النار.
قال رحمه الله: أهل النار الذين هم أهلها على الحقيقة هم الذين يخلدون فيها ولهم أعدت كما قال تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 131]، فما إذاً لم تعد للموحدين ودخول الموحدين دخول طارئ وليس دخول استقرار نعم.
وقد ذكرنا حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون» وهؤلاء أهلها الخالدون فيها هم أكثر ممن يدخلها من عصاة الموحدين الذين يخرجون منها بعد أن يهذبوا وينقوا، ويدل على ما روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: يقول الله عز وجل يوم القيامة يا آدم فيقول لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج بعث النار من ذريتك، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون! فحينئذ تضع الحامل ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، يدخلون نار جهنم، يعني الرقم الوحيد هو الذي سينجو بعد ذلك الألف الثاني، فعند ذلك فعلاً تشيب الولدان، الموضوع صعب ما هو سهل.
قال: فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد» جل الأمر على الصحابة، محسوبين معكم ولستم وحدكم نعم.
قال رحمه الله تعالى ثم قال: «أنتم في الناس كشعرة سوداء في جنب ثور أبيض أو كشعرة بيضاء في جنب ثور أسود، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة» فكبرنا، ثم قال: «ثلث أهل الجنة» فكبرنا، فقال: «شطر أهل الجنة» فكبرنا.
خرجه في الصحيحين ولفظه للبخاري.
قال روى هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا المعنى، وفي حديثه: «إنما أنتم جزء من ألف جزء» خرجه الإامم أحمد والحاكم وصححاه، وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث الحسن عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا المعنى أيضاً وفي حديثه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «قاربوا وسددوا فإنها لم تكن نبوة -فإنها لم تكن نبوة- فإنها نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية، فيؤخذ العدد من الجاهلية فإن تمت وإلا كملت من المنافقين، وما مثلكم ومثل الأمم إلا كالسقمة في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير».
وفي رواية قال: «اعملوا وأبشروا، فهو الذي نفس محمد بيده إن مع الخليقتين لمع الخليقتين ما كانت في شيء إلا كثرتاه؛ يأجوج ومأجوج ومن هلك من بني آدم وبني إبليس عن الجن» يأجوج ومأجوج والبشر كلكم محسوبون في هذه الحزمة نعم.
قال وخرج ابن أبي hatim حديث انس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحوه، وفي حديثه: «ومن هلك من كفرة الجن والإنس»، فهذه الأحاديث وما في معناها تدل على أن أكثر بني آدم من أهل النار، وتدل أيضاً على أن اتباع الرسل قليل بالنسبة لغيرهم، وغير اتباع الرسل كلهم في النار إلا من لم تبلغه الدعوة أو لم يتمكن من فهمها على ما جاء فيهم من الاختلاف.
والمنتسبون الذين من فهمها طبعا لسبب عارض هو الذي منعه من فهمها، أما الأصل أن أدلة الإسلام واضحة ولا تشكل على أحد لسبب المانع من فهمها يكون بسبب عارض خارجي، كما يحدث اليوم -يعني كما ذكر البعض في بلاد الغرب- من تشويه للإسلام، فلا يصل الإسلام إلا مشوهاً لبعضهم، فهذا قد يعذر ويكون من أهل الفترة كما ذكر ذلك بعض أهل العلم نعم.
قال: على ما جاء فيهم من الاختلاف، والمنتسبون لاتباع الرسل كثير منهم من تمسك بدين منسوخ وكتاب مبدل، وهم أيضاً من أهل النار كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: 17].
وأما المنتسبون إلى الكتاب المحكم والشريعة المؤيدة ودين الحق
فكثير منهم من أهل نار رضاء وهم المنافقون الذين هم في الدرك الأسفل من النار. وأما المنتسبون إليه ظاهراً وباطناً فكثير منهم أهل البدع والضلال، وقد وردت الأحاديث عن هذه الأمة: «ستفترق على بضع وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة». وكثير منهم أيضاً فتنوا بالشهوات المحرمة المتوعد عليها بالنار وإن لم يقتض ذلك الخلود فيها، فلم ينجوا من الوعيد بالنار، ومن لم يستحق الوعد المطلق بالجنة من هذه الأمة إلا فرقة واحدة، وهو ما كان على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ظاهراً وباطناً، وسلم من فتنة الشهوات والشبهات؛ هؤلاء قليل جداً لا سيما في الأزمنة المتأخرة.
والقرآن يدل على أن أكثر الناس هم أهل النار، وهم الذين اتبعوا الشيطان، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: 20] وقال تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 85]. فأكثر من يدخل النار منهم النساء، كما في الصحيحين عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال في خطبة الكسوف: «رايت النار ورايت اكثر اهلها النساء بكفرهن». قيل: أيكفرون بالله؟ قال: «يكفرون العشير ويكفرون الاحسان. لو احسنت الى احداهن الدهر ثم رات منك سوءا قالت ما رايت منك حسنا قط». وفي صحيح مسلم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه واله وسلم.
ينبغي على النساء أن تتخلص منها وأن تجاهدها لأنها سبب دخول النار، النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنها سبب دخول النار، فعلى النساء أن تقاوم هذه الخصلة السيئة خصلة كفران العشير وتتعلم الإنصاف مع زوجها قدر المستطاع. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «اطلعت في النار فرايت اكثر اهلها النساء». وخرج البخاري من حديث عمران بن الحسين عن النبي صلى الله عليه واله وسلم مثله، وخرج في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال: «يا معشر النساء تصدقن فاني رايتكن اكثر اهل النار». فقلنا: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: «تكثرن اللعنه وتكفرن العشيره. ما رايت من ناقصات عقل ودين اذهب للرجل الحازم من احدىكن».
ولم يعطي النساء حل بديل يعني في حال أنك لم تتخلصي من هذه الخصله السيئة كفران العشير فحاولي أن تكثري من الصدقة حتى تعوضي هذا بهذا قدر المستطاع. وخرج مسلم من حديث جابر بن عبد الله وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم نحوه، وخرج في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «قمت على باب الجنه فكان عامه من دخلها المساكين، وعامه أصحاب الجد محبوسون، غير أن أهل النار قد أمر بهم إلى النار. وقمت على باب النار فإذا عامه من دخلها النساء».
وخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «رأيت في الجنة فرايت اكثر اهلها الفقراء، واطلعت في النار فرايت اكثر اهلها النساء والأغنياء». وفي صحيح مسلم عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «ان اقل ساكن الجنة النساء». وقد أشكل على بعض النساء الجمع بين هذا الحديث وبين حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال في أهل الجنة: «لكل واحد منهم زوجتان».
وفي صحيح مسلم عن أيوب عن ابن سيرين قال: أما تفاخروا وأما تذاكروا الرجال في الجنة أكثر من النساء. فقال أبو هريرة: ألم يقل أبو القاسم صلى الله عليه واله وسلم: «ان اول زمره تدخل الجنه على صوره القمر ليله البدر، والتي تليها على اضواء كوكب دري في السماء، لكل واحد منهم زوجتان اثنتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم، وفي الجنه اعزب»؟ فرامى بعضهم الجمع بين الحديثين بأن قلة النساء في الجنة إنما هي قبل خروج عصاة الموحدين من النار، فاذا خرجوا منها كان النساء حينئذ في الجنة أكثر.
وأصح منها أن أبا هريرة إنما أراد أن جنس النساء في الجنة أكثر من جنس الرجال؛ لأن كل رجل منهم له زوجتان، ولم يرد أن النساء من ولد آدم أكثر من الرجال. قضية أن كل إنسان له زوجتان هذا لا يناهي أنهما من بني آدم، وإنما زوجتان من الحور العين، فجنس النساء أكثر في الجنة عموماً لكن ليس شرطاً أن يكون هذه الكثره من بنات آدم، وإنما من الحور العين الذي خلقه الله سبحانه وتعالى. ويدل على هذا أنه ورد في بعض روايات حديث أبي هريرة هذه الصحيحة: «لكل واحد منهم زوجتان من الحور العين».
كذلك رواه يونس عن محمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم خرجه من طريق الإمام أحمد. وقد رواه هشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم خرجه البيهقي. قال وخرج هذه اللفظة البخاري صحيحة من حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويشهد لذلك أن في بعض ألفاظ حديث أبي هريرة هذه المخرجة في الصحيح أيضاً: «وازواجهم الحور العين» بدل قوله: «لكل واحد منهم زوجتان»، فهتان زوجتان من الحور العين لابد لكل رجل دخل الجنة منهما.
أما الزيادة على ذلك فتكون بحسب الدرجات والأعمال ولم يثبت في حصر الزيادة على الزوجتين شيء، ويدل أيضاً على ما ذكرنا ما خرجه في الصحيح من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «أدنى اهل الجنة منزلة الرجل صرف الله وجهه عن النار قبل الجنة» فذكر الحديث، وفي آخره قال: «ثم يدخل بيته فيدخل عليه زوجتان من الحور العين» وذكر الحديث. وكذلك ورد في الشهيد إذا استشهد أنه يبتدره زوجتان من الحور العين، فيدل هذا على أن لكل رجل من أهل الجنة زوجتين من الحور العين ولو كان أدنى أهل الجنة منزلة والله أعلم.
وروى عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده عن أبي صالح قال: بلغنا أن أكثر ذنوب أهل النار في النساء. كأنه يشير إلى الزنا ومن تعلقاته التي تدخل النار وجودها في النساء أكثر من وجودها في الرجال كالزنا ومحلقاته، وأنتم تعلمون ذلك. قال رحمه الله ابن أبي الدنيا بإسناد منقطع عن ابن مسعود قال: ذنبان لا يغفران، فذكر أحدهما رجل يزين له سوء عمله فيراه حسناً؛ فإن هذه التي يهلك بها من يهلك من هذه الامة، يشير إلى الشبهات والله أعلم.
قال رحمه الله: طريقة أهل السنة والجماعة أن كل ذنب يغفر إلا الشرك، كل ذنب الله عز وجل يمكن أن يغفره للإنسان إلا الشرك.
قال رحمه الله تعالى الباب الثلاثون في ذكر صفات أهل النار وأصنافهم وأقسامهم. قد سبق قول ابن مسعود إنه لا يترك في النار سوى الأربعة وليس فيهم خير، أو من قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: 43-46]. من هم الأربعة الذين يققصدهم في النار؟ قالوا: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ الذين لا يصلون أبداً، ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ يعني لا يدفعون الزكاة، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾.
وفي الصحيحين عن حارثة بن وهب عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره. ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر». والعتل هو الجفا الظلوم. قال أبو رزين هو صحيح، وقال عطاء إنه الدماري. قال: تبكي السماء والأرض من رجل أتم الله خلقه وأرحب جوفه وأعطاه معظماً من الدنيا ثم يكون ظلوماً خشوماً للناس، فذلك العتل الزنيم. وقال إبراهيم في أخلاق الناس.
وروى شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: «لا يدخل الجنة جواظ ولا جعذري ولا العتل الزنيم». فقال رجل من المسلمين: والجواظ والجعذري؟ فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: «الجواظ الذي جمع ومنعه، وأما الجعضري فلم يدفع الزكاة ولم يخرج الحقوق عموماً المطلوبة من زكاة أو نفقات أو ما شابه ذلك، ولو أن الجعضري فظ غليظ».
قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: 159]. فالفظ الغليظ لا تسبب خلوداً في النار، يعني لو أدخل الله بها أليست شركاً فهي لا تسبب خلوداً في النار لكنها من صفات أهل النار هذا هو المراد.
فبما رحمة من الله، غليظ القلب لا ينفض من حولك. وأما العتل الزنيم فشديد الخلق رحيب الجوف مصحح أكون شروب واجد للطعام ظلوم للانام، هل عند كل الصفات الجيدة ربنا أعطاني إياها لكنه يظلم الناس ولا يشكر الله على هذه النعمة؛ فهو شديد الخلق قوي يعني رحيب الجوف مصحح جسم صحيح، أقول شروب كل شيء عنده، لكنه ماذا يفعل؟ قال: يظلم الناس.
روى معاوية بن صالح عن كثير بن حارث عن قاسم مولى معاوية قال: رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن العتل الزنيم قال: «هو الفاحش اللئيم». قال معاوية: وحدثنا عياض بن عبد الله الفهري عن موسى بن عقبة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم بذلك، أخرجه كله ابن أبي حاتم.
وأما المستكبر فهو الذي يتعاطى الكبر على الناس والتعاظم عليهم، وقد قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: 60]. وقد ذكرنا فيما سبق حديث: «يحشر المتكبرون يوم القيامة كأمثال الذر يساقون إلى سجرة في النار يقال له بلس، تعلوهم النار ويغشاهم الذل من كل مكان». فإن عقوبة التكبر الهوان والذل، كما قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأحقاف: 20]. وفي الحديث: العقوبة من جنس معصيتك، أنت تستكبر في الأرض فالله يذلك في نار جهنم.
قال في الصحيح عن النبي صلى الله عليه واله وسلم فيما يحكيه عن ربه عز وجل قال: «الكبرياء رداء والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما عذبته بناري»، يعني القيته في جهنم. وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم. قال الله عز وجل للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكم ملؤها. وأما النار فلا تمتلئ حتى يضع عليها رجله فتقول قط قط، فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحداً. وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقاً».
وفي رواية ابن أبي حاتم فقالت النار: وما لا يدخلني إلا الجبارون والمتكبرون والأشراف وأصحاب الأموال. وخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «افتخرت الجنة والنار، فقالت النار: يا رب يدخلونها الجبابرة والمتكبرون والملوك والأشراف، وقالت الجنة: ربي يدخلون الضعفاء والفقراء والمساكين» ذكر الحديث بمعنى ما تقدم.
وسبب هذا أن الله عز وجل حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّهْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 37-41]. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «حجبت النار بالمكاره، وحجبت الجنة بالشهوات». وخرج مسلم لفظه: «وحفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات». وخرجها أيضاً من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه واله وسلم. وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: «لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها. قال: فجاءها فنظر إليها وإلى ما أعد لأهلها، قال: فرجع إليه فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها. فأمر بها فحفت بالمكاره فقال: ارجع إليها فانظر إلى ما أعددت فيها لأهلها. قال: فرجع إليها فإذا هي قد حفت بالمكاره فرجع إليه فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد. قال: فاذهب إلى النار فانظر إلى ما أعددتها لأهلها فإذا هي يركب بعضها بعضاً. فرجع إليه فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها. فأمر بها فحفت بالشهوات فقال: ارجع إليها فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها».
فتبيّن بهذا أن صحة الجسد وقوته وكثرة المال والتنعم بشهوات الدنيا والتكبر والتعاظم على الخلق -وهي صفات أهل النار ذكرت في حديث حارثة بن وهب- هي جماع الطغيان والبغي، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 6-7]. تملك تحليك بهذه الخصال الذميمة نعم. كلاً إن.
الإنسان ليطغى أن رآه استغنى. وطغيان واثاره الحياة الدنيا وشهواتها من موجبات النار؛ فما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 37-39].
وأما الضعف في البدن والاستضعاف في الدنيا من قلة المال والسلطان مع الإيمان؛ فهو جماع كل خير. ولهذا يقال: من العصمة ألا تجد. فهذه صفة أهل الجنة التي ذكرت في حديث حارثة، وقد روي نحو حديث حارثة من وجوه متعدة، وفي بعضها زيادات. خرج الإام أحمد يناقشه في قضية الضعف في البدن، يعني هل هذا شيء مطلوب؟ أم النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله»؟ نعم، الاستضعاف في الدنيا لأهل الإيمان هذا من شعار أهل الإيمان عبر التاريخ، لكن الضعف في البدن ليس هو شيئاً خيراً يطلب، ليس شيئاً يطلب ويقصد.
ظاهر أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: وأعدوا، يعني في الآية القرآنية: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله»، فهذا ليس شيئاً يطلب، لكن المراد الصبر، يعني حاولت أن تكون قوياً لكن الله عز وجل لم يعطك قوة، فالضعف من صفات أهل الجنة، يعني هكذا ليس أنه مطلوباً ومقصوداً وأنه شيء خير ينبغي أن تبحث عنه، بل المؤمن يبحث عن القوة في الدين والدنيا.
قال رحمه الله تعالى: خرج الإمام أحمد من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «ألا أنبئكم بأهل الجنة؟». قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «الضعفاء المغلوبون». ألا إن المغلوبون، يعني ضعفة، يعني شيء قهري وليس شيء هو اختاره بنفسه. نعم. قال: «ألا أنبئكم بأهل النار؟». قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «كل شديد جعظري مستكبر». وهم الذين لا يعلمون، لا يعلمون، رؤوسهم. قال لهم الحديث سراقة بن مالك بن جحش، قال: إن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال له: يا سراقة، قال أخبرك بأهل الجنة وأهل النار؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: «أما أهل النار فكل جعظري جواظ مستكبر، أما أهل الجنة فالضعفاء المغلوبون». ومن حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «أهل النار كل جواظ مستكبر، وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون». ومن حديث أنس عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «ألا أخبركم بأهل الجنة وأهل النار؟ وأما أهل الجنة فكل ضعيف متضعف أشعث ذو طمرين، لو أقسم على الله لأبره. وأما أهل النار فكل جعظري جواظ مناع ذي تبع». وقد سبق تفسير الجعظري بالفظ الغليظ الجافي.
وخرج الطبراني من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «ألا أخبركم بصفة أهل الجنة؟». قلنا: بلى يا رسول الله. قال: «كل ضعيف متضاعف ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره. ألا أنبئكم بأهل النار؟». قلنا: بلى يا رسول الله. قال: «كل جلظ جعظري مستكبر». فسألت: فما الجلظ؟ قال: الضخم. وما الجعظري؟ قال: العظيم في نفسه. وروى عثمان بن أبي العاتكة عن أبي جعفر الحنفي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم... ليس طيب الريح.
روى سليم بن عامر عن فرات البهراني قال عن أبي عامر الأشعري أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن أهل النار فقال: «لقد سالت عن عظيم، كل شديد قعظري». قال: ومن القعظري يا رسول الله؟ قال: «الشديد على العشيرة، الشديد على الأهل، الشديد على الصاحب». قال: فمن أهل الجنة يا رسول الله؟ سواء مع أهله مع زوجته مع أصحابه نعم، من صفات أهل النار وإن كانت لا تستوجب الخلود هذا نركز عليه، ولكنها من الصفات. نعم، قال: فمن أهل الجنة يا رسول الله؟ فقال: «سبحان الله! لقد سالت عن عظيم، كل ضعيف مزهد».
قال: المعنى أحاديث أخرى في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال في خطبته: «وأهل الجنة ثلاثة: سلطان مقسط متصدق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال. وأما النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبع، لا يبغون أهلاً ولا مالاً، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك»، فذكر البخل والكذب والشنظير، والشنظير الفاحش.
قال: ففي هذا الحديث جعل النبي صلى الله عليه واله وسلم أهل الجنة ثلاثة أصناف؛ أحدها السلطان المقسط المتصدق، وهو من كان له سلطان على الناس فصار في سلطانه بالعدل ثم ارتقى درجة الفضل، والثانية الرحيم الرفيق القلب الذي لا يخص برحمته قرابته، بل يرحم المسلمين عموماً، فتبين أن القسمين أهل الفضل والاحسان، والثالث والعفيف المتعفف ذو العيال، وهو من يحتاج إلى ما عند الناس فيتعفف عنهم، وهذا أحد نوعي الجود، أعني العفة عما في أيدي الناس لا سيما مع الحاجة. وقد وصف الله في كتابه أن تتعفف في أيدي الناس مع حاجتك له هذا يعتبر صنف من أصناف الجواد.
نعم، قال: وقد وصف الله تعالى في كتابه أهل الجنة ببذل الندى وكف الأذى ولو كانت ولو كان الأذى بحق بحق، فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 133-134]. فهذا حال معاملتهم للحق. ثم وصفها قيامهم بحق الحق فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135]. فوصفهم الله عند الذنوب بالاستغفار وعدم الإصرار وهو حقيقة التوبة النصوح. وقريب من هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [البلد: 11-18].
والعقبة بين ابن عباس بالنار، وفسرها ابن عمر بعقبة في النار كما قدم. فأخبر سبحانه أن اقتحامها وهو قطعها وهو قطعها مجاوزتها يحصل بالاحسان إلى الخلق، أما بعتق الرقبة، وأما بالإطعام في المجاعة، والمطعم أما يتيم من ذوي القربى أو مسكين قد لصق في التراب فلم يبق له شيء. ولا بد مع هذا الإحسان أن يكون من أهل الإيمان، والأمر ولغيره بالعدل والإحسان وهو التواصي بالصبر والتواصي بالمرحمة، وأخبر سبحانه أن هذه الأوصاف أوصاف وأصحاب الميمنة.
وأما أهل النار فقد قسمهم النبي صلى الله عليه واله وسلم في هذا الحديث خمسة أصناف؛ الصنف الأول الضعيف الذي لا زبر له، ويعني بالزبر القوة والحرص على ما ينتفع به صاحبه في الآخرة من التقوى والعمل الصالح، فكان هذا ضعف إيمان هذا الضعف سبب في دخول النار، أن تكون ضعيفاً في تحصيل ما ينفعك في آخرتك، لذلك قال: أول صنف من أصناف النار الضعيف الذي لا زبر له. ما معنى لا زبر له؟ أي لا يجاهد ولا يكافح ولا يبذل من أجل تحصيل ما ينفعه في آخرته، فهذا يستحق النار أنه كسول وما يجد الخير أهامه لكنه لا يقدم عليه.
قال: وخرج العقيلي من حديث أبي هريرة مرفوعاً: «أن الله يبغض المؤمن الذي لا زبر له». قال بعض رواة الحديث: يعني الشدة في الحق.
قال رحمه الله: ولما حدث مطرف بن عبد الله بحديث عياض بن حمار هذا وبلغ قوله الضعيف الذي لا زبر له قال فقيل له: أويكون هذا؟ قال: نعم، والله لقد أدركتهم في الجاهلية، وإن الرجل لا يرعى على الحي ماله إلا ولدته. يقال إن عامة أهل النار كله ضعيف لا صبر له، الذي هم فيهم اليوم تبع، لا يبغون أهلاً ولا مالاً. خرجه عبد الله بن الإمام أحمد في هذا في الزهد.
وهذا القسم شر أقسام الناس ونفوسهم ساقطة؛ لأنه ليس لهم همم في الدنيا، الهمم في طلب دنيا ولا الآخرة، وإنما همة أحدهم شهوة بطنه وفرجه كيف اتفق له، وهو تبع للناس خادم له أو طواف عليه من سائل لهم، وما أكثرهم اليوم حتى في بلاد أهل الإسلام من يتصل بهذه الصفات لا عمله إلا شهوة الفرج وشهوة البطن ويمشي مع الناس الناس يعني كما يقول ذهب وذهب معهم، إمعة مع كل صائح يذهب معه. هؤلاء كثر اليوم نسأل الله العفو والعافيه.
قال رحمه الله: وصنف ثانٍ الخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، أي يعني لا يقدر على خيانه ولو كانت يسيرة إلا بادر إليها واغتنمها. ويدخل في ذلك التطفف التطفيف في المكيال والميزان، وكذلك الخيانة في الأمانات القليلة كالودائع وأموال اليتامى وغير ذلك، وهو خصلة من خصال النفاق، وربما يدخل الخيانة وربما يدخل الخيانة من خان الله ورسوله في ارتكاب المحرم سرا مع إظهار مع إظهار اجتنابها. قال بعض السلف: كنا نتحدث عن أصحاب النار لا من لا تمنعه خشية الله من شيء خفي له.
الصنف الثاني المخادع الذي دابه صباحاً ومساءً مخادعة الناس على أهليهم وأموالهم وخداعهم من أوصاف المنافقين، كما وصفهم الله تعالى بذلك، والخداع معناه إظهار الخير وإضمار الشر لقصد التوصل إلى أموال الناس وأهاليهم والانتفاع بذلك، وهم جملة المكر والحيل المحرمة؛ ففي حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: «من غشنا فليس منا»، والمكر والخداع في النار.
قال: والصنف الرابع الكذب والبخل، ولم يحفظ ولم يحفظ الراوي ما قاله النبي صلى الله عليه واله وسلم في هذا حفظاً جيداً، والكذب والبخل خصلتان، وفي مسند الإمام أحمد في هذا الحديث الكذب أو البخل، وقد قيل إنه عدهما أنه عدهما عدوهما واحدا، أنه عدهما أنه عدهما واحدة، كذا قاله مطر الوراق وهو أحد رواة هذا الحديث. والكذب والبخل كلاهما ينشأ عن الشح، كما جاء ذلك في الأحاديث، والشح الشح هو شدة الحرص هو شدة الحرص الإنسان على ما ليس له من الوجوه المحرمة، وينشأ عنه البخل، وهو إمساك الإنسان ما في يديه والامتناع من إخراجه في وجوهه التي أمر أمر بها. فالمخادع الذي سبق ذكره هو الشحيح، وهذا الصنف هو البخيل، فالشحيح أخذ المال بغير الحق، والبخيل من، والبخيل من... فالشحيح أخذ المال بغير حقه، والبخيل منعه من حقه، كذلك تفسير الشحي والبخل عن ابن مسعود وطاوس وغيرهما من السلف. وفي الأثر أن الشيطان قال: مهما غلبني ابن آدم فلم يغلبني بثلاث: يأخذ المال من غير حله، أو ينفقه في غير وجهه، أو يمنعه من حقه. وينشأ عن الشح أيضاً الكذب والمخادعة والتحيل على ما يستحقه الإنسان بالطرق الباطلة المحرمة. وفي الصحيح يعني النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «إن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار». وفي المسند يعني عبد الله بن عمرو قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما عمل أهل النار؟ قال: الكذب؛ إذا كذب العبد فجر، وإذا فجر كفر، وإذا كفر دخل النار».
قال: والصنف الخامس الشنظير، وقد فسر بالسيء الخلق والفاحش والفاحش والفاحش والنعم، والفحاش هو الفاحش المتفحش. وفي الصحيحين عن عائشة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه». وفي الترمذي عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه واله وسلم: «إن الله يبغض الفاحش البذيء». والبذيء الذي يجري لسانه بالسفه ونحوه من لقب الكلام. وفي المسند يعني النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «بحسب امرئ من الشر أن يكون فاحشاً بدياً بخيلاً جباناً».
فالفاحش هو الذي يفحش في منطقه، يستقبل الرجل قبيح الكلام من السب ونحوه، ويأتي في كلامه بالسخف بالسخف وما يفحش ذكره، ويأتي في كلامه الذي سخيف لا قيمة له. فهذه أبرز صفات أهل النار، هذا الصفات الخمس التي ذكرها ابن رجب وأحصاها من الأحاديث هي أبرز صفات أهل النار التي ينبغي على المؤمن أن يتقيها.
نعم، قال رحمه الله تعالى: فصل في ذكر أول من يدخل النار من عصاة الموحدين.
قال رحمه الله تعالى: خرج الإمام أحمد من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة أو أول ثلاثة يدخلون النار؛ فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة فالشهيد، وأعبد مملوك لا يشغله رق الدنيا عن طاعه ربه، وفقير متعفف الدنيا، لا يشغله رق الدنيا عن طاعة ربه، وفقير متعفف ذو عيال. وأول ثلاثة يدخل النار فأمير متسلط، وذو ثروة من مال يمنع حق الله في ماله، وفقير فخور». وخرج الترمذي أوله وقال: حديث حسن.
فهؤلاء أصناف الثلاثة الثلاثة من أهل النار، وضد الاصناف الثلاث، وضد الأصناف الثلاثة أهل الجنة المذكورين في حديث عياض بن حمار؛ فإن سلطاننا المتسلط ضد العادل المحسن، والغني الذي يمنع حق الله ضد الرحيم رقيق القلب الذي يحذي القربى وكل مسلم، والفقير والفخور ضد المتعفف الصابر على شدة الفقر وضره. وأوصاف هؤلاء الثلاثة هي الظلم والبخل والكبر، والثلاثة ترجع إلى الظلم؛ لأن الملك يظلم الناس بيده، والبخيل يظلم الفقراء بمنع حقوقهم الواجبة، والفقير والفخور يظلم الناس بفخره عليهم بقوله وأذاه لهم بلسانه.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم في حديث طويل ذكر فيه المقاتل والقارئ والمتصدق الذين يرائون بأعمالهم وقالوا: «أولئك أول خلق أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة يا أبا هريرة». قال: وقد يجمع بين هذا الحديث والذي قبله بأن هؤلاء الثلاثة أول متسعر بهم النار، وأولئك الثلاثة أول من يدخلوا أول من يدخل النار، وتسعير النار أخص من دخولها، فإن تسعيرها يقتضي تلهبها وإيقادها. وهذا.
قد وهذا قدر زائد على مجرد دخول ما زاد عذاب أهل الرياء على سائر العصاة، لأن الرياء هو الشرك الأصغر، والذنوب المتعلقة بالشرك أعظم من المتعلقة بغيره. وقد ورد أن فسقة القراء يبدأ بهم قبل المشركين؛ فروى عبد الملك بن إبراهيم الجدي قال: حدثنا عبد الله بن عبد العزيز العمري قال، عن أبي طوالة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أذهب، الزبانية أسرع إلى فسقة القراء منهم إلى عبدة الأوثان». فيقولون: يبدأ بنا قبل عبدة الأوثان؟ فيقولون لهم: ليس من علم كمن لم يعلم، فعصيتم. وهم يعني صحيح كفار لكن غلب عليهم الجهال، وإن كان المشهور أن قضية أول من تسعر بهم النار ثلاثة، وأنهم أول من تسعر بهم النار من أهل التوحيد، هذا من أفضل الأجوبة التي أجاب بها أهل العلم على قضية أول من تسعر بهم النار: أول من تسعر بهم النار المرائون، هؤلاء الثلاثة قال لهم ليسوا كفاراً، لكن أول من تسعر بهم النار من جهة عصاة الموحدين هؤلاء، وأما من جهة الكفار الأصليين فهذه قضية أخرى. لكن هنا كلام ابن رجب لا، أنهم أول من تسعر يوم النار حتى قبل الكفار، هذا ظاهر كلامه هنا، هذه يعني بالتالي آراء واجتهادات لأهل العلم في محاولة الجمع بين هذه الأحاديث.
قال رحمه الله: خرجه الطبراني وأبو نعيم، وقال: غريب من حديث أبي طوالة تفرد به عنه العمري، انتهى. العمري هذا هو أبو عبد الرحمن الزاهد رحمه الله، وقد ذكرنا في الباب الخامس والعشرين أحاديث متعددة في خروج عنق من النار يوم القيامة؛ وهو جزء من النار كالعنق يخرج منها ويتحدث ويطلب أهله، نعم. قال: وإنها تلتقط من صفوف الخلق للمشركين والمتكبرين وأصحاب التصاوير، وفي رواية: وإن قتل نفسه بغير نفس، فينطلق بهم قبل سائر الناس بخمسمائة عام، ورؤيا ابن عباس وغيره من السلف أن ذلك يكون قبل نشر الدواوين ونصب الموازين، وجاء في حديث مرفوع أن ذلك يكون قبل الحساب، قبل حساب سائر الناس والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
ورزق الله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عليه خير الجزاء عنا على هذه الرسائل المفيدة. نعم، هذا النمط ربما من الرسائل يعني يصعب على كثير من الطلاب المعاصرين لتزاحم النصوص وكثرتها، وكثرة اشتغال ابن رجب رحمه الله تعالى عليه بالأسانيد والتعليق على الألفاظ، وأحياناً في علوم التزكية، ربما طريقتهم الأوائل أنهم يذكرون حتى الأحاديث المنكرة والضعيفة، وهذا لا يروق للكثير من طلاب العلم المعاصرين؛ يريدون فقط المعلومة الجاهزة في الحديث الصحيح وينتهي الأمر. لكن ليست هذه هي طريقة الأوائل في التعامل مع علوم التزكية ومع علوم السلوك، وهم يتساهلون ويتخففون في رواية أحاديث قد يكون فيها ضعف، بل أحياناً ضعف شديد جداً من باب رجاء صحتها، وأحياناً يكون من باب التنبيه عليها حتى لا يخطئ فيها الإنسان أيضاً ويظنها مما يعتمد عليه. المهم، هذه تجربة عشناها مع الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عليه خلال هذه الأشهر الأربعة التي مضت في ضمن رسائله، عرفنا نمط عالم، أسلوبه في الكتابة، طريقة هذا الجيل في التصنيف، طريقتهم في ذكر مسائل السلوك، وطريقتهم في الاحتفاء بها.
هذه كتب، طبعا طريقة الاستفادة منها دائماً هو اقتناص الفوائد يعني بالتكيد، ويذكر عدد كبير من الفوائد والاسانيد والطرق، أنت تقول كيف أستفيد من هذا الكتاب؟ هذا الكتاب لا يصلح إلا بإنسان معه كتابه ومعه قلمه، يقتنص الفوائد اقتناصاً سريعاً، وكم من كتاب ربما من مئات الصفحات تحتاج الطائفين أن يقرأه ليستفيد منه ربما العشرين والثلاثين فائدة فقط. وهذا ليس إشكاله، لا تظن أن كل الكتب التي ستчитаها لابد أن تكون الفائدة من أولها إلى آخرها أو أنك تحفظ كل ما ذكر فيها، هذا ليس مطلوباً. هناك نوع من العلم، طبعا هناك نوع من العلم المراد فيه السرد والجرد، وهناك كتب علمية رصينة لا، هذه التي تدرس كلمة كلمة وتحفظ سطراً سطراً ويتم تحليلها ومناقشتها، فليست كل كتب العلماء على نفس النمط العلمي، هذا ما اريدك أن تنتبه له وأنت تسير في رحلتك العلمية. هناك كتب مركزة لدرجة عالية أن كل كلمة ينبغي أن تدرس وتحفظ، وهناك كتب لو ربما أمر فيها على العشرين والثلاثين صفحة قد لا أجد فائدة أتقطها، ولكنني أكتفي ببركة سماع هذا الكلام وقراءته، وأستخلص ما يمكن استخلاصه من الفوائد.
بدأ جزاه الله عنا كل خير ورحمه وأوسع له المثوبه، ودائماً من شكر العلم أن تثني على عالمه وعلى من تعلمت منه، وابن رجب تعلمنا منه كثيراً واستفدنا منه كثيراً، جزاه الله عنا خير الجزاء. وخير ما تختم به دائماً مجالس السماع، ودائماً أهل العلم يحرصون على حضور مجالس السماع يعني يرجون فيها البركة ويرجون فيها الخير، فإن من قرأ الشريعة واستقرا نصوصها يعلم أن ختام الأعمال الصالحة دائماً هناك خير، في أي عمل صالح تجد الشريعة الإسلامية تأمرك أن تختم هذا العمل بذكر الله سبحانه وتعالى. فهذا الاستقراء لأهل العلم جعلهم يضعون هذه القاعدة: أن أي عمل صالح تنجزه وتختمه فهو من مظان الخير ومن مظان استجابة الدعاء، فلذلك كان علماؤنا إذا ختموا مجالس الحديث ومجالس السنة ومجالس الكتب والمصنفات عموماً يحرصون على إنهاؤها بدعاء الله سبحانه وتعالى والافتقار والتذلل بين يديه، أولاً شكراً لله على هذه النعمة؛ نعمة التمام نعمة الختم، وسؤال وتضرع إلى الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه القلوب دائماً مقبله على الخير مقبله على التعلم وألا يشغلها بشاغل. وبالتالي نحن نسير على خطى علمائنا وسلفنا الصالح في هذا، فنختم مجلسنا بدعاء وتضرع وإقبال على الله سبحانه وتعالى.
بسم الله، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من غضبك والنار. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا. ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبدا ما أحييتنا واجعله الوارث منا واجعل ثارنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا. واجعل اللهم الجنة هي دارنا وقرارنا برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، اللهم لك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بالسنة، ولك الحمد بالمال والأهل والمعافاة. اللهم لك الحمد على التمام، اللهم ولك الحمد على الختام، اللهم فاختم بالصالحات أعمالنا يا رب العالمين.
اللهم لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، اللهم وفقنا لهداك واجعل عملنا في رضاك، اللهم وفقنا وأعنا على تعلم دينك والتفقه بشريعتك والتعرف عليك والخوف من عقابك ورجاء رحمتك وعفوك يا رب العالمين. اللهم وإنا نسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل صالح يقرب إلى حبك، اللهم إنا ظلمنا أنفسنا ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لنا مغفرة من عندك وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم. اللهم ارحمنا برحمتك واشملنا بعفوك، اللهم يا عفو اعف عنا، ويا غفور اغفر لنا، ويا رحیم ارحمنا، اللهم اعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم يا من أظهر الجميل وستر القبيح ولم يؤاخذ بالجريرة ولم يهتك السريعة، اللهم يا من لا يعرف عباده منه إلا الجميل، يا حي يا قيوم، يا حي يا قيوم، برحمتك نستغيث، برحمتك نستغيث، اللهم أغثنا برحمتك، اللهم أغثنا برحمتك، اللهم أغثنا بعفوك ومغفرتك. اللهم انزل علينا رحمة من عندك تغنينا بها عن رحمة من سواك، اللهم استرنا فوق الأرض، اللهم استرنا فوق الأرض وارحمنا تحت الأرض ولا تخزنا يوم العرض عليك يا رب العالمين. اللهم عاملنا بما أنت أهله ولا تعاملنا بما نحن أهله، فأنت أهل التقوى والجود والاحسان والمغفرة.
اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد، اللهم ونسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، ونسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك، ونسألك قلباً سليماً ولساناً ذاكراً. اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم اهدنا صراطك المستقيم، وثبتنا على صراطك المستقيم، ثبتنا على دينك، ثبتنا على طاعتك يا رب العالمين. اللهم اعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم أعز دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين، وعبادك الصالحين القائمين بدينك المدافعين عن شرعك الغرباء بين الناس.
اللهم إنا نعوذ بك من عذاب القبر، اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القبر، اللهم إنا نعوذ بك من أهوال القبور، اللهم ثبتنا عند سؤال الملكين، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في ذلك الموقف يا رب العالمين. اللهم اجعل قبورنا روضة من رياض الجنة ولا تجعلها حفرة من حفر النيران يا رب العالمين. اللهم إنا نعوذ بك من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار. اللهم إن أجسادنا ضعيفة لا تقوى على نارك فاحقم أجسادنا عن النار يا رب العالمين، اللهم فاحقم أجسادنا عن النار يا رب العالمين.
اللهم إنا نعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، اللهم إنا نسألك خشيتك وخوفك بالغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق بالرضا والغضب يا رب العالمين. اللهم أحسن وقوفنا بين يديك، اللهم قلوبنا بهيبتك وخشيتك عند الوقوف بين يديك يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك قلباً خاشعاً وعيناً دامعة ودعوة يستجاب لها يا رب العالمين. اللهم أغننا بالافتقار إليك، وأعزنا بالذل بين يديك، واجبرنا بالانكسار إليك، وارحمنا بالتضرع إليك، وأغثنا باللجوء إليك يا رب العالمين.
اللهم اجعلنا خير خلف لخير سلف، اللهم اجعلنا من أهلي الاتباع، ولا تجعلنا من أهل الابتداع، اللهم أحينا على الكتاب والسنة وتوفنا على الكتاب والسنة واجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله، عليها نحيا وعليها نموت وعليها نلقى الله. اللهم اجمعنا بنبيك صلى الله عليه وسلم وصحابته وسلف هذه الأمة وعلمائها في الجنة يا رب العالمين، اللهم احشرنا يوم القيامة في زمرتهم، اللهم احشرنا مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه اجمعين.
من لا يشكر الناس لا يشكر الله، فجزاؤهم الله عنا خير الجزاء على الدعم المتواصل وفتح سبل التقاء بالطلبة وطلبة العلم في برامج علمية متنوعة، فحقهم أن تدعو لهم في ظهر الغيب، ونشكرهم على هذا العطاء المتجدد، الله يكرمهم. طيب، بالنسبة للإجازات إخواني الكرام، ربما عرفتم شرط الإجازة أن يكون الطالب لم يغب إلا عن مجلسين فدون، هذا شرط الإجازة في رسائل ابن رجب، كل رسالة وضع لها شرطاً حتى نعود الطالب الالتزام والانضباط، وأنه لا يستوي من حضر وتابع مع من تكاسل وتقاعس. فالإخوة إن شاء الله الآن يعني يقدمون الإجازات، والأخوة في الخلف يوزعون الحلاوة والضيافة، وآخراً الأسماء موجودة.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل