دخولتسجيل الدخول

المجلس السادس عشر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حياكم الله معاشر طلبة العلم في مجلس جديد في التعليق على رسائل الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عليه، ورسالتنا رسالة التخويف من النار، رسالة طويلة لكنها عظيمة في معانيها في التذكير بدار البوار.

وهذا التذكير هو الذي يجعل الإنسان دائما على خوف وجل؛ فإن الإنسان كلما كانت معاني هذه الديار وما فيها من الأضرار وما فيها من العذاب الشديد على ذهنه وخاطره، كلما حسب حسابا قبل أن يعصي وقبل أن يخطئ وقبل أن يقدم على ما يظنونها رحلة قصيرة يمكن يعني أن يجتازها الإنسان سريعا.

وبالتالي تأتي أهمية مثل هذه المجالس في تذكر الدار الآخرة وتذكر العذاب الشديد، حتى يبقى الإنسان كما قلنا مستيقظا منتبها معتبرا مستبصرا، ولا تزل قدمه وهو بعيد عن تذكر هذه المعاني والتبصر بها. نسال الله سبحانه وتعالى أن لا يحرمنا العبرة والعظة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وبسم الله نبدأ.

قال المصنف رحمه الله تعالى: الباب التاسع عشر في ذكر كسوة أهل النار ولباسهم فيها. قال الله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ﴾ [الحج: 19].

وكان إبراهيم التيمي لهذه الآية يقول: سبحان من خلق من النار ثيابه. وروي: قطعت لهم ثياب من نار يعني فصلت لهم على مقاسهم.

سبحان من خلق من النار ثيابه! من وشى مسلما وشية ظلم فأعطي عليها مالا فإنه ماذا سيحدث به في نار جهنم؟ أطعمه الله بها مثلها في جهنم. باختصار: هذا مسلما، ومن خلال أذيته للمسلم اكتسب مالا، تقرير طيبة، تمام أعطى عنه معلومة معينة، كل هذا عند الله سبحانه وتعالى لن يذهب وسيجده عند الله عز وجل.

إذا كان المال الذي أخذ مقابل هذه الشكوى أكل به طعاما سيطعم به في جهنم، اشترى به ثيابا سيقطع له ثياب في جهنم، وهكذا.

قالوا في مسند الإمام أحمد عن حبيب بن المغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من وطيء إزاره خيلاء وطئه في النار».

وهو يبين معنا ما في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما تحت الكعبين من الإزار في النار»، أن المراد ما تحت الكعب من البدن والثوب معه، وانه يسحب ثوبه في النار كما يسحبه كما يسحبه في الدنيا.

وسياتي حديث أهون أهل النار عذابا من في قدميه نعلين يغلي منهما دماغه فيما بعد إن شاء الله تعالى. هو لماذا يستعرض هذه الآثار كلها؟ تدل على أن أهل النار لهم ثياب في نار جهنم يكتسون بها ومن مواد مختلفة كما سياتي معنا نعم.

قال وفي سنن أبي داود والنسائي والترمذي عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجل خاتم من حديد فقال: «عليك حلية أهل النار».

فأهل النار أيضا لهم حلية يتزينون بها لكنها زينة وبر وهلاك، ومنها خاتم الحديد كما جاء في بعض الروايات يوضع في أيديهم في نار جهنم.

قال الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أول من يكسى حلة من النار إبليس، يضعها على حاجبه ويسحبها من خلفه ذرية وهو يقول: يا ثبوره، وهو ينادون يا ثبورهم يا ثبورهم حتى وقفوا على النار فيقولون ويقولون يا ثبورهم فيقال: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: 14].

خرجه الإمام أحمد. وفي حديث عدي الكندي عن عمر أن جبريل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي بعثك بالحق، لو أن ثوبا من ثياب النار علق بين السماء والأرض لمات من في الأرض كلهم جميعا من حرها». خرجه الطبراني وسبق ذكر إسناده.

قال وفي موعظة الأوزاعي للمنصور قال: بلغني أن جبريل قال النبي صلى الله عليه وسلم فذكر بنحوه.

قال فصل في أن سرابيل أهل النار من قطران. قال الله عز وجل مثل السراويل الذي تلبسه تحت ثوبك أنها تكون من قطران، وسياتي معنا تفسير القطران نعم.

قال الله عز وجل: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُم مِّن قَطْرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ﴾ [إبراهيم: 49-50].

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله قطران قال: هو النحاس المذاب. وروى حصين عن عكرمة في قوله سرابيلهم من قطران قال: من صفر يحمى عليها.

من النحاس قال عمر. وقال الحسن: قطران الإبل. وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري: قطران الإبل وهو الزفت، الإبل الأجرب. نعم هذا قول آخر أنه قطران الإبل الزفت الذي يطلى به الإبل الأجرب حتى يعالج الجرب له، هذا كانت العرب تفعل.

قالوا في صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب».

وخرجه ابن ماجه ولفظه: «النائحة إذا ماتت ولم تتب، قطع الله لها ثيابا من قطران ودرعا من لهب النار». وخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «النائحة إذا لم تب قبل أن تموت فإنها تبعث يوم القيامة عليها سرابيل من قطران يغلى عليها بدروع من لهب النار».

قال فصل تفسير قوله تعالى: ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: 41]. قال الله تعالى: ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: 41].

قال محمد بن كعب والضحاك والسدي وغيرهم: المهاد الفراش، والغواش اللحف. وقال وقال الحسن في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: 8] قال: فراشا ومهادا. وقال قتادة: محبسا حصورا فيها، محصورا فيها حصروا فيها.

وعن الحسن أنه كان إذا ذكر أهل النار قال في وصفهم: قد حذيت لهم نعال من نار، وسرابيل من قطران، وطعامهم من نار، وشرابهم من نار، وفرش من نار، ولحفهم من نار، ومساكن من نار في شر دار وأسود عذاب في الأجساد أكلا وصهرا.

قال صحيح شيخنا سهرا وحكما. قال روح بن المحبر عن الحسن بن واصل وعبد الواحد بن زيد عن الحسن قال: إن رجلا من صدر هذه الأمة كان إذا دخل المقابر نادى: يا أهل القبور بعد الرفاهية والنعيم معالجة الأغلال في النار، وبعد القطن والكتان لباس القطران ومقطعات النيران، وبعد تلطف الخدم والحشم ومعانقه الأزواج مقارنة الشطان في نار جهنم مقَرنين في الأصفاد.

نا بالدنيا بإسناده عن وهب بن منبه قال: أما أهل النار الذين هم أهلها، فهم في النار لا يهدؤون ولا ينامون ولا يموتون، ويمشون على النار، ويجلسون على النار، ويشربون من صديد أهل النار، وياكلون من زقوم النار، فرشهم ولحفهم نار، وقمصهم نار، وقطران، وجميع أهل النار في سلاسل بأيدي الخزنة أطرافها يجذبون مقبلين ومدبرين فيسيل وصديدهم إليه في النار فذلك شرابهم.

ثم بكى وهب حتى سقط مغشيا عليه. وغلب بكر بن خنيس عند رواية هذا الحديث البكاء حتى قام فلم يقدر أن يتكلم، وبكى محمد أبو جعفر بكاء شديدا.

عن هداب قال: قبلت أم يحيى بن زكريا على يحيى في ثوب تعالجه ليلبسه ليلبسه فقال لها أفعل؟ قالت: من أي شيء؟ قال: من شعر. قالت: يا بني إذا يأكل لحمك. قال: يا أمه إذا ذكرت مقطاعات أهل النار الآن كان على جلدي.

وعن عطاء الخراساني ينادي أصحابه في السفر: يا فلان ويا فلان، قيام هذا الليل وصيام هذا النهار أيسر من شراب الصديد ومقطعات الحديد! الواحة ثم الواحة ثم الواحة! ثم يقبل على صلاته.

ولما ماتت النوار امرأته، قالوا: لما ماتت النوار امرأته الفرزدق ودفنت، وقف الفرزدق على قبرها وأنشد بحضور الحسن رحمه الله تعالى هذه الأبيات قال: أخاف وراء القبر إن لم يعافني أشد من القبر التهابا وأضيق.

قال: إذا جاءني يوم القيامة قائد عنيف وسواق يسوق، الفرزدق لقد خاب من أولاد آدم من مشى إلى النار مغلول القلادة أزرق ينساق إلى نار الجحيم مسربلا سرابيلا قطران لباسا محرقة إذا شربوا فيها الصديد رأيتهم يذوبون من حر الصديد تمزقا! فبكى الحسن رحمه الله تعالى.

قال رحمه الله تعالى: الباب العشرون في ذكر عظم خلق أهل النار فيها وقبح صورهم وهيئاتهم.

خرج البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما بين منكبين الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب السريع» يعني مسافه ما بين المنكبين. حجم العذاب الشديد الذي ستنال هذه الأجساد الضخمة نعم.

وقال وخرج الحاكم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: يوم القيامة مثل أحد، وعرض جلده سبعون ذراعا، وعضده مثل البيضاء، وفخذه مثل ورقان، سبعون ذراعا سمك الجلد، ومقعده من النار مثل ما بيني وبين الربذة. قال آخرجه الإامام أحمد ولم يذكر فيه عضده، وخرجه الحاكم وقوفا على أبي هريرة وزاد فيه: قال أبو هريرة وكان يقول: بطنه مثل بطن أيظم.

خرج البطن هذا جبل من والله سبحانه وتعالى إذا كان المقصود بها نعم. قال وخرج الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: يدرس الكافر يوم القيامة مثل أحد، وفخذه مثل البيضاء، ومقعده من النار مسيرة ثلاثة أيام مثل الربذة.

قال وقال: قوله مثل الربذا يعني كأنها جبل اسم جبل معين يعني مثل هذا الجبل من حيث ضخامتها. نعم قال يعني كما بين المدينة والربذة والبيضاء جبل.

وخرج أيضا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عرض جلد الكافر اثنان واربعون ذراعا، وإن ضرسه مثل أحد، وإن مجلسه من جهنم كما بين مكة والمدينة».

وخرج الإمام أحمد من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يعظم أهل النار في النار حتى أن ما بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، وإن عرض جلده سبعون ذراعا».

وخرج الإمام أحمد والحاكم من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن مقعد الكافر من النار مسيرة ثلاثة أيام، وكل ضرس مثل أحد، وفخذه مثل ورقان، وجلده سوى لحمه وعظامه أربعون ذراعا».

وخرج ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الكافر لا يعظم حتى أن ضلعه لأعظم من أحد، وفضيلة جسده على ضرسه كفضيلة جسد أحدكم على ضرسه» المئوية. يعني نسبة وتناسب؛ كما أن نسبتك إلى ضرسك هكذا، فنسبة جسد الكافر إلى ضرسك كمسبته في الدنيا؛ يعني إذا كان ضرسك بهذا الحجم في الدنيا أنت جسدك أكبر من ضرسك، وبالتالي إذا كان ضرس الكافر لمثل جبل أحد فبماذا سيكون حجم جسده؟ نفس النسبة والتناسب يقول.

نعم قال وخرج البزار من حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اضرس الكافر مثل أحد، وغلاظ جلده أربعون ذراعا بذراع الجبار».

وخرج الطبراني وغيره من حديث المقداد بن معد يكرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يعظم الكافر النار حتى يصير غلظ جلده أربعين أربعين، وحتى يصير الناب منه مثل أحد».

وخرج الطبراني أيضا عن المقدام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان من أهل النار عظموا وفخموا كالجبال».

قال زيد بن أرقم إن الرجل من مراته وعظمه الأجساد أشخاص تعظيم الأجساد قال زيد بن قال وقال زيد بن أرقم: إن الرجل من أهل النار لا يعظم للنار حتى يكون الضرس من أضراسه كأحد. خرجه الإمام أحمد. ويزداد حجم عظمه.

نعم قال وعن ابن عباس: لا يسمع بين جلد الكافر ولحمه جلبت الدود كجلبت الوحش.

وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الكافر يجر لسانه يوم القيامة من ورائه قدر فرسخين يتوطؤه الناس».

وقد ورد نحو ذلك في حق عصاة الموحدين أيضا. فخرج الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم من حديث الحار الناس بتدعس على لسانه هذا معنى يدعس الناس على لسانه من طول لسانه وقبحه.

قال من حديث الحارث بن قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من أمته من يعظم للنار حتى يكون أحد زواياها». وخرج الطبراني من حديث أبي ظلم الكلاعي عن أبي غسان الحيرة تعرف عبد الله بن الخداء ابن خداش؟ فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «فخذه في جهنم مثل أحد، وأضراسه مثل البيضاء». قلت لم ذلك يا رسول الله؟ قال: «كان عاقا بوالديه».

روى أغرب من تميم وفيه ضعف عن ثابت على نفس مرفوعة: «يجاء بالأمير الجائر يوم القيامة فتخاصمه الرعية فيفلج عليه فيقولون له: سد عنا ركنا من أركان جهنم».

وخرج الخلال في كتاب السنة من حديث الحكم بن العرج عن أبي هريره عظم جسده كأنه بعظم هذا الجسد يسد منطقة كبيرة في جهنم دلالة الجسد العظيم الضخم جدا.

قال عن أبي هريرة قال: يعظم الرجل في النار حتى يكون مسيرة سبعة ليال، وضرسه مثل أحد، شفاههم على صدورهم مقبوحين يتهافتون في.

روى مسكين عن الحوشب عن الحسن أنه ذكر أهل النار فقال: قد عظموا لجهנם مسيرة ثلاثة أيام ولياليهن للراكب المسرع، وإن أحدهم مثل النخل الطوال، وأن ناب أحدهم مثل الشعب، مغلولة أيديهم إلى أعناقهم، قد جمع بين نواصيهم وأقدامهم، والملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم يسوقونهم إلى جهنم، فيقول الرجل منهم للملك: ارحمني، فيقول: كيف أرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟

قال رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: 104] قال الله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: 104] رواه الرجل عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وهم فيها كادحون» قال: تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته، خرجه الإمام أحمد والترمذي والحاكم وقال صحيح.

وعن ابن مسعود أنه قال في قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: 104] قال: ككلوح الرأس النضيف. وعنه: ككلوح الرأس المشيط بالنار، قد بدات أسنانهم وتقلصت شفاههم عنه، قال: ألم تر إلى الرأس المشيط بالنار وقد تقلصت شفته وبدت أسنانه؟ وخرج الخلال في كتاب السنة من حديث الحكم عن أبي هريرة قال: يعظم الرجل في النار حتى يكون مسيرة سبعة ليال، ضِرْسُه مثل أحد، شفاههم على صدورهم، مقبوحين يتهافتون في النار.

هكذا يحدث في الشفتين عندما تعرضان في نار جهنم، تقلصان فتظهر الأسنان، كما يحدث في المشط تماماً عندما يعرض على النار ويذوب رأسه فتظهر الأسنان منه هكذا المدببة. قال أبو بكر بن عياش عن محمد بن سويد: كان لطاوس طريقان إذا رجع من المسجد أحدهما فيه رواس، وكان يرجع إذا صلى المغرب، فإذا أخذ الطريق الذي فيه الرواس يَتَعَشَّى؟ فقيل له فقال: إذا رأيت الرؤوس كالحة لم أستطع أكول. قال أبو بكر: فكرته السريع المكي لقد رايته يقف عليها، وقال أبو غندر الدمشقي: كان أويس إذا نظر إلى أن يتعشى لم يتعشى، فقيل له يعني لماذا إذا أخذت الرؤوس؟ قال: يا بني إذا رأيت الرؤوس كالحة لم أستطع أن آكل. نعم، أما كانت رؤوس معلقة أو ما شابه ذلك في ذاك الطريق والله أعلم، كان أويس إذا نظر إلى الرؤوس المشوية يذكر هذه الآية: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ فيقع مغشياً عليه حتى يظن الناظرون إليها وما شابه، فيتذكر إذا رآه ماذا بنار جهنم فيمنع ذلك من الطعام.

نحن بالعكس نشتهي أكثر وأكثر، إذا رأيت رؤوساً مشوية وغنى وكذا ومشاوي تنفتح نفسك، ما عندك هذا الاعتبار له، بالعكس يعني هذا الموضوع بالنسبة لموطن اعتبار وليس موطن تشهي للطعام. نعم، قال رحمه الله تعالى أخرجهما ابن أبي الدنيا وغيره، قال الصقر بن حبيب قال: مر ابن سيرين برواس قد أخرج رأساً فغشي عليه، لأنه قال مرة ابن سيرين برواس قد أخرج رأسه، لعل الرواس هو مهنة يعني الإنسان الذي يطبخ الرؤوس ويشويها يسمى حينئذ رواساً أي طابخ الرءوس، طبعا الرءوس المراد المشاوي.

قال رحمه الله تعالى: فصل في تفسير قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَت جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: 56] قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِم نَارًا كُلَّمَا نَضِجَت جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُم جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: 56] قال روى نافع المولى يوسف السلمي نافع عن أبي عمر قال رجل عند عمر هذه الآية: ﴿كُلَّمَا نَضِجَت جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: 56] فقال عمر: أعد عليه، فأعاد عليه، فقال معاذ بن جبل: عندي تفسيرها تبدل في الساعة الواحدة مائة مرة، فقال عمر: هكذا سمعتُ سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجه ابن أبي حاتم.

هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه، قال أخرجها، وخرجه ابن مردويه أيضا من طريق نافع أبي هرمز، أما أن نافعاً عن ابن عمر قال: كل رجل عند عمر هذه الآية ﴿كُلَّمَا نَضِجَت جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: 56] فقال عمر أعده علي، وثم كعب فقال: يا أمير المؤمنين أنا عندي تفسير هذه الآية كعب الأحبار نعم، قال قراتها قبل الإسلام، قال فقال: هاتها يا كعب فإن جئت بها كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقناك وإلا لم ننظر إليها، قال: إني قراتها قبل الإسلام ﴿كُلَّمَا نَضِجَت جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: 56] في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة، فقال عمر: هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ نافع أبو هرمز ضعيف جداً وهو نافع مولى يوسف السلامي أيضا عند طائفة من الحفاظ منهم ابن عدي ومنهم من قال هم اثنان وكلاهما ضعيف، إلا وروى الربيع بن البر عن الفضل الرخاشي أن عمر سأل كعباً عن هذه الآية فقال: أن جلده يحرق ويجدد في ساعة أو مقدار ساعة مائة ألف مرة، قال عمر: صدقت، وهذا منقطع ورواته ثوير بن أبي فاخته وهو ضعيف، عن ابن عمر أنه قال في هذه الآية: إذا أحرقت جلودهم بدلوا جلوداً بطاء أمثال القراطيس، خرجه ابن أبي حاتم، وخرج أيضا باسناده عن يحيى بن يزيد الحضرمي أنه بلغه في هذه الآية قال: يجعل الله للكافر جلد بين كل جلدين لون من العذاب، عن هشام عن الحسن وفي هذه الآية قال: تاكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم قيل لهم عودوا فيعودون كما كانوا.

وعن الربيع بن أنس قال: مكتوب في الكتاب الأول أن جلد أحدهما أربعون ذراعا وسنة، وبطنه لو وضع فيه جبل لوسع، فاذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلودا غيرها.

قال رحمه الله تعالى: فصل في تسويد وجوه أهل النار ومد جسومهم، قال خرجت المذيوم من حديث السدي عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: 71] قال: يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه ويمد له في جسمه ستون ذراعاً ويبيض وجهه، ويجعل على راسه تاجاً من نور يتلالأ، فينطلق إلى اصحابه فيرونه من بعيد فيقول: اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا في هذا، حتى ياتيهم فيقولون لهم: أبشروا لكل رجل منكم مثل هذا، قال: واما الكافر فيسود وجهه ويمد له في جسمه ستون ذراعاً في صورة آدم، ويلبس تاجاً من نار، فيراه أصحابه فيقولون: نعوذ بالله من شر هذا اللهم لا تأتينا بهذا، فيقولون: اللهم أخره عنا فيقول وأبعده أبعدكم الله فإن لكل رجل منكم مثل هذا، وقال حسن غريب.

وروى أعطاهم يسال عن كعب قال: يؤتى بالرئيس في الشر فقال له: أجب ربك، فانطلقوا به إلى ربه فيحتجب عنه ويأمر به إلى النار، فيرى منزله ومنزلة أصحابه فيقال له: هذه منزلة فلان هذه منزلة فلان، فيرى ما أعد الله لهم فيها من الهوان ويرى هو شر من منازلهم، قال: فأسود وجهه وتزرق عيناه ويوضع على راسه يقولون من نار، فيخرج فلا يراه أهل ملا إلا تعوذوا بالله منه، فياتي أصحابه الذين كانوا يجتمعون به على الشر ويعينونه عليه، فلا يزال يخبرهم بما عهد الله لهم في النار حتى يعلو وجوههم من السواد مثل ما على وجهه، أعرفهم الناس بسواد وجوههم فيقولون هؤلاء اهل النار، خرجه أبو نعيم وغيره.

وهذا إنما هو قبل دخولهم إلى النار، فإذا دخلوا النار عظم خلقهم على ما تقدم في الأحاديث السابقة، وأما سنهم فعلى سن أهل الجنة لا يزادون عليه، قال وروادا الرجل على أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: من أهل الجنة من مات وهو من أهل الجنة من صغير وكبير يردون بني ثلاثين في الجنة لا يزيدون عليها أبدا، وكذلك أهل النار، خرجه الترمذي وفي رواية غير الترمذي بني 33، وخرج الطبراني من طريق سليم بن عامر عن مقدام بن معدي كرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وما أحد يموت سقطاً أو هريماً وإنما الناس بين ذلك إلا بعث ابن ثلاثين سنة، فإن كان من أهل الجنة كان على مسحة آدم وصورة يوسف وقلب أيوب، ومن كان من أهل النار عظموا وفخموا كالجبال، ورواه غير الطبراني وقال أبناء 33 سنة.

قال رحمه الله تعالى: فصل ذو الوجهين في الدنيا له وجهان في النار، وقد ورد أن بعضهم له لسان من نار ووجهان من نار، ففي سنن أبي داود عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار». وروي نحوه من حديث ما معنى وجهان في الدنيا؟ خيانه هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، يمدحك أمامك يعني ينزل في ساحتك ويذكرك باستمرار السوء، فهذا صاحب الوجهين.

قال رحمه الله تعالى: ويروى نحوه من حديث أنس وأبي هريرة أيضا، أخرج الطبراني من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ذو الوجهين في الدنيا يأتي يوم القيامة له وجهان من نار».

قال رحمه الله تعالى: فصل فيمن تمسخ صورهم إلى صورة قبيحة ومنهم من تنسخ صورته على صورة قبيحة، وفي الصحيح أن إبراهيم عليه السلام إذا شفع في أبيه قيل له يا إبراهيم انظر ما وراءك، فاذا هو بذيخ ملطخ فيؤخذ بقوائمه ويلقى في النار، والزيخ الضبع الذكر، وقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 5] قال: في النار في صورة خنزير، خرجه ابن أبي hatim. قال ابن مسعود: إذا أراد الله تعالى لا يخرج منها أحداً غير صورهم وألوانهم غير صورهم وألوانهم فلا يعرف منهم أحد، وسنذكر كلامه بتمامه فيما بعد إن شاء الله تعالى.

قال فصل في نتن ريح أهل النار، قال لو زعيوا في موعظته للمنصور بلغني أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أن رجلاً أدخل النار ثم أخرج منها لما مات أهل الأرض من ريحه وتشويه خلقه، وقد رواه أيضاً بكر بن عبد الملك الجسري عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم ومُرسلاه عن أبي قابيل عن عبد الله بن عمرو قال: لو أن رجلاً من أهل النار أخرج إلى الدنيا لما مات أهل الدنيا من وحشة منظره ونتن ريحه، ثم بكى عبد الله بكاء شديداً خرجه ابن أبي الدنيا.

وخرج أيضا من طريق النظر بن إسماعيل قال: مر الربيع بن أبي راشد برجل به زمانة فجلس يحمد الله -يعني مقعد- فجلس يحمد الله ويبكي، فمر به رجل فقال: ما يبكيك رحمك الله؟ قال: ذكرت أهل الجنة وأهل النار فشبهت أهل الجنة باهل العافية وأهل البلاء بأهل النار، فذلك الذي أبكاني.

قال رحمه الله تعالى باب الحادي والعشرون في ذكر أنواع عذاب أهل النار فيها وتفاوتهم في العذاب بحسب أعمالهم، قال خرج مسلم من حديث سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «منهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار، ومنهم من تأخذه النار إلى ترقوته».

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهون أهل النار عذابا الرجل منتعل بنعلين من النار يغلي منهما دماغه مع أعزاي العذاب، ومنهم من في النار إلى ركبتيه معزاء العذاب، ومنهم من في النار إلى أرنبته معزاء العذاب، ومنهم من في النار إلى صدرهم أعزاي العذاب، ومنهم من قد اغتمر». قال وفي صحيح من اغتمر قالوا في صحيح من حديث النعماني غمرة العذاب كاملا.

من حديث النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهون أهل النار عذابا الرجل في أخمص رجليه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل».

هذه مش بالخطا المرجل أول قنقم زي المرجل كانوا يستعملونه لغليه. قال ولفظ مسلم: «إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشركان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا وانه لأهونهم عذابا». الذي يكون على النعل المسلم بالحديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن أدنى أهل النار عذابا دعلان من نار دماغه من حر عليه». وفي الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار تبلغ كعبيه يغلي منهما دماغه». وفيهما أيضا على العباس بن عبد المطلب أنه قال: يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء فانه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: «نعم هو في ضحضاح من نار ولولا ذلك كان في الدرك الأسفل من النار». وفي رواية لمسلم قال: «قال وجدته في غمره من النار فخرجته إلى ضحضاح». وفينا أيضا مسلم من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه».

روى الحكم أن ظهير وهو ضعيف عن السديع المره عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: من أشد الناس عذاباً الرجل ليرمي به فيها سبعين خليفة من النار يغلي منه دماغه حتى يخرج من من خلقه.

قال روى مسكين أبو فاطمة عن الجمال بن يزيد عن محمد بن حميد عن محمد بن علي عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر أهل الكبائر من الموحدين فقال: منهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته، قالوا ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه على قدر ذنوبهم وأعمالهم، وذكر الحديث وهو منكر.

قاله الدارقطني وغيره. وقال عبيد بن عمير: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أدنى أهل النار عذابا لرجل عليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه كأنه مرجل، مسامعه جمر، وأطرافه جمر، وشفاه لهب النار، وتخرج أحشاء جوفه من قدميه وسائره كالحب القليل في الماء الكثير، فهو يفور».

خرجه ابن أبي شيبة في كتاب الزهد بإسناده صحيح إلى عبيد، وهو مرسل، وقد روي عن عبيد موقوفا غير مرفوع. وروي أيضا بإسناده عن مسعود في قوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 55]، قال عبد الله: اطلع ثم اطلع إلى أصحابه فقال: لقد رأيته جماجم القوم تغلي. وبإسناده عن مجاهد في قوله: ﴿سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾ [الملك: 7]، قال: تفور بهم كما يفور الحب القليل في الماء الكثير. وعن سفيان الثوري قال في هذه الآية: تغلي بهم كالحب القليل في الماء الكثير. وفي مصنف عبد الرزاق عن إسماعيل بن أبي سعيد عن مولى ابن عباس أخبروه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الرجل ليعضد الشجرة ويعزيه» يعني زرع غيره ويؤذيها. انظر ما يعتبره الناس له شيء بسيط، هذا الجرم البسيط انظر ماذا فعل، نعم ما في شيء بسيط عند الله.

قال في صحيح مسلم على نسله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى من أهل الدنيا من أهل النار ثم يقال له يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط، هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب».

واعلم أن تفاوت أهل النار في العذاب هو بحسب تفاوت أعمالهم التي دخلوا بها إلى النار، كما قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف: 19]، فقال تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: 26]. قال ابن عباس: وفاق أعمالهم. فليس عقاب من تغلظ كفره وأفسد في الأرض ودعا إلى الكفر كما ليس كذلك، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: 88]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46]. وكذلك تفاوت عذاب عصاة الموحدين في النار بحسب أعمالهم، فليس عقوبته عقوبة أهل الكبائر كعقوبة أصحاب الصغائر، وقد يخفف عن العذاب بحسنات أخرى لهم أو بما شاء الله من الأسباب، ولهذا يموت بعضهم في النار كما سيأتي ذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.

وأما الكفار إذا كان لهم حسنات في الدنيا من العدل والإحسان إلى الخلق فهل يخفف عنهم بذلك من العذاب في النار أو لا؟ هذا فيه قولان للسلف وغيرهم. أحدهما: أنه يخفف عنهم بذلك. وروى الأسود بن شيبان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس هذا القول واختاره ابن جرير الطبري وغيره. روي الأسود بن شيبان عن أبي نوفل قال: قالت عائشة: يا رسول الله أين عبد الله بن جدعان؟ قال: «في النار». فجزعت عائشة واشتد عليها، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: «يا عائشة ما يشتد عليك من هذا؟» قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله إنه كان يطعم الطعام ويصل الرحم. قال: «إنه يهون عليه بما قلتيه». خرجه الخرائطي في كتاب مكارم الأخلاق، لأنه مات على الشرك، الرجل لكن كان فيه خصال الرجولة والمروة يعني.

قال قال صلى الله عليه وسلم: «ما أحسن من محسن كافر أو مسلم إلا أثابه الله عز وجل في عاجل الدنيا أو ادخر له في الآخرة». قلنا: يا رسول الله ما إثابة الكافر في الدنيا؟ قال: «إن كان قد وصل رحما وتصدق بصدقة أو عمل حسنة أثابه الله المال والولد والصحة وأشباه ذلك». قلنا: إثابة الكافر في الآخرة؟ قال: «عذابا دون العذاب». ثم تلا: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46]. خرجه ابن أبي حاتم والخرائطي والبزار في مسنده والحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد، وخرجه البيهقي في كتاب البعث والنشور وقال في إسناده: النظر انتهى. وعقبة بن يقظان كل ما فيه تكلم فيه بعضهم، وقد سبقت الأحاديث في تخفيف العذاب عن أبي طالب بإحسانه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

وخرج الطبراني بإسناد ضعيف عن أم سلمة عن الحارث بن هشام أتى النبي صلى الله عليه وسلم يوم حجة الوداع فقال: انك تحث على صلة الرحم والإحسان والضعيف والمسكين وكل هذا كان في الدنيا، واما المؤمن فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة ويعقب له رزقا في الدنيا على طاعته. وفيه أيضا عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذاك نافعه؟ قال: «لا ينفعه، لأنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين». وهؤلاء جعلوا تخفيف العذاب عن أبي طالب من خصائصه بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم له، وجعلوا هذه الشفاعة من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم لا يشركه فيها غيره. والقول الأظهر أدلة أن الكفار يتفاوتون بأعذابهم وأن أعمالهم الصالحة قد تخفف عنهم شيئا من العذاب، والقول الأول قد يكون أسعد بالأدلة وما ورد في أدلة القول الثاني فالمراد بعدم الانتفاع عدم الانتفاع بالمغفرة أو دخول الجنة وما شابه ذلك، ولا يدل هذا على أنهم لا ينتفعون بماذا في النار بتخفيف العذاب عنهم، فما نفي غير ما أثبت، والله تعالى جل وعلا.

قال رحمه الله تعالى: فصل ومن عذاب أهل النار الصهر.

قال ومن أنواع عذابهم الصهر، قال الله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يَصْهَرُ بهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج: 19-21]. قال مجاهد: يصهر به ما في بطونهم يذاب به إذابة. وقال عطاء الخراساني: يذاب به ما في بطونهم كما يذاب الشحم. فخرج الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر، ثم يعود كما كان». وقال: حسن غريب صحيح. فقال الله عز وجل: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 47-49]. قال كثير من السلف: نزلت هذه الآية في أبي جهل.

قال السدي: يؤخذ أبو جهل يوم القيامة في رأسه خرق، ثم يؤتى بسجل من الحميم يصاب في ذلك الخرق. ثم يققال له: نعم، ثم يققال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49]. قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾ [الرحمن: 35] قال: النحاس الصفر المذاب فيصب على رؤوسهم يعذبون به. وقال الخراساني في قوله تعالى: ﴿وَنُحاسٌ﴾ قال: الصفر أذاب فيصب على رؤوسهم فيعذبون به. وقد سبق في الباب الثاني عشر آثار متعددة تتعلق بهذا الفصل أيضا.

قال رحمه الله تعالى: فصل في تفسير قوله تعالى التي تطلع على الأفئدة.

قال الله تعالى: ﴿كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: 4-7]. قال محمد بن كعب القرظي قال في قوله تطلع على الأفئدة: تأكله النار إلى فؤاده، فاذا بلغت فؤاده انشئ خلقه. قال عن ثابت البناني أنه قرأ هذه الآية خلقه يعني اعيد خلقه مرة أخرى. نعم قال عن ثابت البناني أنه قرأ هذه الآية ثم قال: تحرقهم إلى الأفئدة وهم أحياء لقد بلغ منهم العذاب. ثم يبكي. وقال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾ [المدثر: 27-29]. قال صالح بن حيان عن ابن بريدة في قوله: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ قال: تأكل العظم واللحم والمخ لا تذره على ذلك. وقال السدي: لا تبقي من جنودهم شيئا ولا تذرهم من العذاب. وقاله أبو سنان: لا تذرهم إذا بدلوا خلقا جديدا. وقال أبو رزين في قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾ قال: تلفح وجهه لفحة تدعه أسود سوادا من الليل. قال قتادة: لوَّاحة للبشر حراقة للجلد. خرجه كله ابن أبي حاتم وغيره. قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّشَّوَىٰ﴾ [المعارج: 15-16]. قال: تحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده يصيح. وعن ابن زيد قال: تقطع عظامهم ثم يجدد خلقهم وتبدل جلودهم. وعن مهاجر عن مجاهد في قوله: ﴿نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ﴾ قال: تنزع الجلد عنه، قال: تنتزع اللحم من دون العظم.

قال رحمه الله تعالى: فصل ومن عذاب أهل النار سحبهم على وجوههم.

ومن أنواع عذابهم سحبهم في النار على وجوههم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: 47-48]. وقال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: 70-72]. قال قتادة: يسجرون في النار مرة وفي الحميم مرة. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: 66]. قال: صخرة صعودا، قال: صخرة في جهنم يسحب عليها الكافر على وجهه. وقال كعب: يقول الله عز وجل للإمام الجائر: خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه، فيسحب على وجهه في النار فينتشر لحمه وعظامه ومخه. وقال ثابت أبو زيد القيسي عن عاصم الأحوال مولى سليم عن ابن عباس قال: يسحبون في الحميم. قال أبو زيد: أراه قال: ينسرق كل شيء عليه من جلد ولحم وعروق وأعصاب حتى يصير في عقبيه جسده حتى يصير في عقبيه جسد من لحمه مثل طوله وطوله ستة أذراعا ثم يكسى جلدا آخر ثم يسجروا في الحميم. خرجه كله ابن أبي حاتم.

قال رحمه الله تعالى: فصل ومن أهل النار من يعذب بالصعود إلى أعلى النار ثم يهوى فيها.

ومنهم من يعذب بالصعود إلى أعلى النار ثم يهوي فيها كذلك أبدا، ومنهم من يكلف صعود جبل في النار والتردي منه، وقد سبق في الباب الرابع عشر ما ورد في تفسير قوله تعالى: سأرهقه صعودا. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل نفسه بحديدَة فحديدته في يده يجئ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا».

روى شريك عن الأعمش عن زادان عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القتل في سبيل الله مكفر كل شيء» أو قال: «يكفر الذنوب إلا الأمانة. يؤتى بصاحب الأمانة فيقال: يا رب قد ذهبت الدنيا فيقال: اذهبوا به إلى الهاوية فيها حتى ينتهي إلى قعرها فيجد الأمانة هنالك كهيئتها فيحملها ويضعها على عنقه فيصعد بها في نار جهنم حتى إذا رأى أنه قد خرج منها زلت عن منكبيه فهو في إثرها أبدا أبدا». وقال: والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الحديث، قال: وأشد ذلك الودائع. فلقيت البراء فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول ذلك الوداع؟ الهيئات أمانات الناس، فالصلاة أمانة والصوم أمانة وغير ذلك، لكن أشد أنواع الأمانات هي الأمانات التي يضعها الناس عندك؛ لأن الله يسامح في حقه، لكن لا يسامح في حقوق الناس. فقلت: ألا تسمع لما يقول أخوك عبد الله؟ قال: صدق.

قال شريك: وحدثنا عياش العامري عن زادان عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ولم يذكر الأمانة في الصوم والأمانة في كل شيء. كذا رواه إسحاق الأزرق عن شريك مرفوعا، ورواه منهاء بن الحارث عن شريك موقوفا. وقد رواه عن ابن مسعود وزاد فيه في خصال الأمانة الكيل والميزان والغسل من الجنابة قالوا: تعتبر من الأمانة ورد فيها الأحاديث: «إذا القي الرجل في النار لم يكن لمنتهى حتى يبلغ قعرها، ثم تجيش به جهنم فترفعه إلى أعلى جنة وما على عظامه مزعة لحم، فتضربه الملائكه بالمقامع فيهوي بها إلى قعرها، فلا يزال كذلك»، أو كما قال. أخرجه البيهقي. وفي هذا المعنى يقول ابن المبارك رحمه الله في صفة النار: تهوي بسكانها طورا وترفعهم إلى رجوع مخرج من غمها قمعوا.

قال رحمه الله تعالى: فصل ومن أهل النار من يدور في النار ويجر أمعاءه معه.

ومنهم من يدور في النار ويجر أمعاءه معه، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، القصبه هو أن يجر أمعاءه في النار، وهو أول من أدخل عبادة الأصنام إلى جزيرة العرب. نعم قال في الصحيح عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يعتر الرجل فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار فيقولون: أي فلان ما شأنك؟ ألم كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قال: بلى كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه». قال أبو المثنى الأملوكي: إن في النار أقواما يربطون بنواعير من نار تدور بهم النواعير، وما لهم فيها راحة ولا فترة.

قال فصل ومن أهل النار من يلقى في مكان ضيق لا يتمكن فيه من الحركة.

ومنهم من يلقى في مكان ضيق لا يتمكن فيه من الحركة الضيقة، قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: 13]. قال كعب: إن في جهنم تنانير ضيقها كضيق زج رمح أحدكم ثم يطبق على أناس بأعمالهم. وقد سبق ذكرهم. قال آدم بن أبي إياس المسعودي عن يونس بن خباب عن ابن مسعود قال: إذا بقي في النار من يخلد فيها جعلوا فيها توابيت من نار.

جعلوا في توابيت من نار، فيها مسامير من نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت من نار، ثم قذفوا في نار الجحيم، فيرون أنه لا يعذب في النار غيرهم، ثم تلا ابن مسعود: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: 100]. أخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن مسعود، وعنده: فلا يرى أن أحدا يعذب في النار غيره.

قال المنهال بن عمرو عن نعيم، وقيل إنه ابن الدجاجة عن سويد بن غفلة قال: إذا أراد الله أن ينسي أهل النار جعل الرجل صندوقا على قدره من نار، ولا ينبض عرق إلا فيه مسمار من نار، ثم تضرب فيه النار، ثم يقفل بقفل من نار، ثم يجعل ذلك الصندوق في صندوق من نار، ثم تضرب بينهما نار، ثم يقتلوا ثم يطرحوا أو يلقى في النار، فذلك قوله تعالى: ﴿لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: 16] وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: 100]. قال: فما يرى أن في النار أحدا غيره. خرجه البيهقي وخرجه أبو نعيم، إلا أن عنده عن المنهال عن خيثمة عن سويد فذكره.

قال رحمه الله تعالى: فصل في جهنم سبعون داء. قال: وربما يبتلى أهل النار بأنواع من الأمراض الحادثة عليهم، وقد سبق عن شفيع بن ماتع في جهنم سبعين نداء، كل داء مثل جزء من أجزاء جهنم. وقال الأعمش عن مجاهد: يلقى الجرب على أهل النار فيحتكون حتى تبدو العظام، فيقولون: بما أصابنا هذا؟ فيقال: بإذاكم المؤمنين. رواه شعبة عن منصور عن مجاهد عن يزيد بن شجرة فذكره بمعناه.

قال رحمه الله تعالى: فصل. ومن أهل النار من يتاذى أهل النار بعذابهم لنتن ريحهم. قال صالح بن حيان عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن ريح فروج الزناة ليؤذي أهل النار. وقال أبو بكر بن عياش حدثنا رجل عن مكحول رفعه قال: تروح أهل النار برائحة فيقولون: ربنا ما وجدنا ريحا منذ دخلنا النار أنتن من هذه الرائحة. فيقول: هذه رائحة فروج الزناة.

قال وروى إسماعيل بن عياش عن ثعلبة بن مسلم الخزاعي عن بشير العجلي عن شفيق عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربعة يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى، يسعون ما بين الجحيم والحميم، يدعون بالويل والثبور، فيقول أهل النار بعضهم لبعض: ما بال هؤلاء قد آذونا على ما بنا من الأذى؟ رجل مغلق عليه تابوت من جمر، ورجل يجر أمعاءه، ورجل يسيل فاه قيحا ودما، ورجل يأكل لحمه. فيقال لصاحب التابوت على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد قد مات وفي عنقه أموال الناس. ثم قالوا للذي يجر أمعاءه: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد كان لا يبالي أن أصاب البول منه لا يغسل. ثم يقال للذي يسيل فيه قيحا ودما: ما باله قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد كان ينظر إلى كلمة خبيثة فيستلدها كما يستلذ الرفث. كما يقال للذي يأكل لحمه: ما شأنك؟ فيقول: إن الأبعد كان يأكل لحوم الناس». خرجه الحافظ أبو نعيم، وقال: شفيق مختلف فيها وقيل إن له صحبة. قال: أخرجه أيضا بإسناد آخر لإسماعيل بن عياش. وفي لفظه قال: في عنقه أموال الناس مات ولم يدع لها وفاء ولا قضاء، وقال: يعمد إلى كل كلمة خبيثة فيستلذها، وقال: كان يأكل لحوم الناس ويمشي بالنميمة.

أخرج الإامام أحمد بإسناده لمنصور بن زاذان قال: نبئت أن بعض من يلقى في النار يتاذى أهل النار بريحه، فيقول له: ويلك، ما كنت تعمل؟ أما يكفينا ما نحن فيه من الشر حتى ابتلينا بك ونتنت رائحتك؟ فيقول: كنت عالما فلم أنتفع بعلمي. أما أن يكون لك أو عليك، فالانسان إذا تعلم شيئا يسعى أن يعمل به حتى لا يعذب بعلمه.

قال رحمه الله تعالى: فصل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ [إبراهيم: 17]. قال الله تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وُرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: 17]. فقال إبراهيم في قوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ حتى من تحت كل شعرة في جسده. وقال الضحاك: حتى من إبهام رجليه. وقال والمعنى: أنه يأتيه مثل شدة الموت وألمه من كل جزء من أجزاء بدنه، حتى شعره وظفره، وهو مع هذا لا تخرج نفسه فيستريح. قال ابن جريج: تعلق نفسه عند حنجرته فلا تخرج من فيه فيستريح، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه. وتأول جماعة من المفسرين على ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: 13]. قال: وزعم بلال بن سعد أن النار تنادي يوم القيامة: يا نار احرقي، يا نار استشفي، يا نار ضجي كلي ولا تقتلي.

قال رحمه الله تعالى: فصل وعذاب الكفار في النار متواصل أبدآ. إن عذابها لا ينتهي، يعني لو أن هناك نهاية سهل بيصبر نفسه، لكن لا نهاية لهذا العذاب، وهذا أصعب ما في النار.

قال رحمه الله تعالى: فصل. وعذاب الكفار في النار متواصل أبدا، قال: وعذاب الكفار في النار لا يفتر عنهم ولا ينقطع ولا يخفف، بل هو متواصل أبدا. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِم مُُّبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: 74-75]. فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: 36]. وقال تعالى: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: 162]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: 49-50].

وقال أحمد بن أبي الحواري سمعت إسحاق بن إراهيم يقول على منبر دمشق: لا يأتي على صاحب الجنة ساعة إلا وهو يزداد ضعفا من النعيم لم يكن يعرفه، ولا يأتي على صاحب النار ساعة إلا وهو مستنكر للنوع من العذاب لم يكن يعرفه. قال الله عز وجل: ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: 30]. مستنكر يعني يستغرب على سبيل أنه يرى نوعا جديدا من العذاب، كأنما كان قبل ذلك كل ساعة عذاب جديد، نسأل الله العافية.

قال جسر بن فرقة عن الحسن: سألت أبا برزة عن أشد آية في كتاب الله على أهل النار؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: 30]. فقال: أهلك القوم بمعاصيهم لله تعالى. خرجه ابن أبي حاتم وجسر ضعيف، وأخرجه البيهقي ولم يرفع، ولفظه: سألت أبا برزة عن أشد آية على أهل النار؟ قال: قوله عز وجل: ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: 30]. وقال مجاهد: بلغني أن استراحة أهل النار أن يضع أحدهم يده على خاصرته. ولاهل النار انواع من العذاب لم يطلع الله عليها خلقه في الدنيا.

قال مبارك عن الحسن: ذكر الله السلاسل والأغلال والنار وما يكون في الدنيا، ثم قرأ: ﴿وَآخَرُونَ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: 58]. قال: آخر لا ترى في الدنيا. خرجه ابن أبي حاتم. وقال أبو يعلى الموصلي حدثنا شريح حدثنا إبراهيم بن سليمان عن الأعمش عن الحسن عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: 88] على هي خمسة أنهار تحت العرش، يعذبون ببعضها في الليل وبعضها في النهار، قال: نعرف النهار، شيخ قصده بعضها في الليل وبعضها في النهار.

قال رحمه الله تعالى: فصل أعظم عذاب أهل النار حجابهم عن الله عز وجل. قال: واعظم عذاب أهل النار حجابهم عن الله عز وجل واحتجابهم عنه وإعراضه عنهم وسخطه عليهم، كما أن رضوان الله تعالى على أهل الجنة أفضلهم أفضل من كل نعيم الجنة، وتجليه لهم ورؤيتهم إياه أعظم من جميع أنواع نعيم الجنة. قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: 14-17]. فذكر الله تعالى ثلاثة أنواع من العذاب: حجابهم عنه، ثم صليهم الجحيم، ثم توبيخهم بتكذيبهم به في الدنيا. ووصفهم بالران على قلوبهم، وهو صدى الذنوب الذي سود قلوبهم فلم يصل إليها بعد ذلك في الدنيا شيء من معرفة الله ولا من إجلاله ومهابته ولا من خشيته ومحبته، فكما حجبت قلوبهم في الدنيا عن الله ففي الآخرة عن رؤيته، وهذا بخلاف حال أهل الجنة. قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ۖ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: 26]. والذين أحسنوا هم أهل الإحسان، والإحسان أن يعبد العبد ربه كأنه يراه، كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله عنه جبريل عليه السلام، فجعل جزاء الإحسان الحسنى وهو الجنة، والزيادة وهي النظر إلى وجه الله عز وجل، كما فسره بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث صهيب وغيره.

قال جعفر بن سليمان سمعته قال: إن الله لم ينظر إلى إنسان قط إلا رحمه، ولو نظر إلى أهل النار لرحمهم، ولكن قضى أن لا ينظر إليهم. وقال أحمد: يعني لماذا الله لا ينظر إلى أهل النار؟ لأنه لا يريد أن يرحمهم، ولو نظر إليهم لرحمهم، سبحان الله.

وقال أحمد بن الحواري حدثنا أحمد بن موسى عن أبي مريم قال: يقول أهل النار: إلهنا أرض عنا وعذبنا بأي نوع شئت من عذابك، فإن غضبك أشد علينا من العذاب الذي نحن فيه. قال أحمد: فحدثت به سليمان بن أبي سليمان فقال: أليس هذا كلام أهل النار؟ هذا كلام المطيعين لله. قال: فحدثت به أبا سليمان فقال: صدق سليمان بن أبي سليمان، وسليمان وهو ولد أبي سليمان الداراني وكان عارفا كبير القدر رحمه الله. وما قاله حق فإن أهل النار جهال لا يتفطنون لهذا وإن كان في نفسه حقا، وإنما يعرف هذا من عرف الله وأطاعه. ولعل هذا يصدر من بعض من يدخل النار من عصاة الموحدين، كما أن بعضهم يستغيث بالله لا يستغيث بغيره فيخرج منها، وبعضهم يخرج منها برجائه لله وحده، وبعض من يؤمر به إلى النار يتشفع إلى الله بمعرفته فينجيه منها.

قال أبو العباس ابن مسروق سمعت سويد بن سعيد يقول سمعت الفضيل بن عياض يقول: يوقف رجل بين يدي الله عز وجل لا يكون معه حسنة، فيقول الله: اذهب هل تعرف أحدا من الصالحين أغفر لك بمعرفته؟ فيذهب فيدور مقدار ثلاثين سنة فلا يرى أحدا يعرفه، فيرجع إلى الله عز وجل فيقول: يا رب لا أرى أحدا. فيقول الله عز وجل: اذهبوا به إلى النار. فتتعلق به الزبانية يجرونه، فيقول: يا رب إن كنت تغفر لي بمعرفة المخلوقين فإني بوحدانيتك أنت أحق أن تغفر لي. يقول الله للزبانية: ردوه، فإنه عرفني. وخلعوا عليه خلعة كرامته، وقال: ادعوه يتبحبح في رياض الجنة، فإنه عارف بي وأنا له معروف.

قال رحمه الله تعالى: فصل فيما يتحف به أهل النار عند دخولهم إليها جارنا الله منها. قال الله عز وجل: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: 56]. وهذا نوع من الاستهزاء بهم. نعم قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ * فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعع: 51-56]. والنزُل هو ما يعد للضيف عند قدومه. فدلت هذه الآية على أن أهل النار يتحفون عند دخولها بالأكل من شجرة الزقوم والشرب من الحميم، وهم إنما يساقون إلى جهنم عطاشا، كما قال الله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: 86]. قال أبو عمران الجوني: بلغنا أن أهل النار يبعثون عطاشا ثم يقفون مشاهد القيامة عطاشا، ثم قرأ: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: 86]. وقال مجاهد في تفسير هذه الآية: متقطعة أعناقهم عطشا. وقال مطر الوراق: عطاشا.

وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة الطويل أنه يقال لليهود والنصارى: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا ربنا فاسقنا. فيشار ألا ترون؟ فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا يتساقطون في النار. وقال أيوب عن الحسن: ما ظنك بقوم قاموا على أقدامهم خمسين ألف سنة، لم يأكلوا فيها أكلة ولم يشربوا فيها شربة حتى انقطعت أعناقهم عطشا، واحترقت أجوافهم جوعا، ثم انصرف بهم إلى النار فيسقون من عين آنية قد اشتد حرها واشتد نضجها.

قال ابن المبارك بإسناده عن كعب قال: إن الله ينظر إلى عبده يوم القيامة وهو غضبان فيقول: خذوه. فيأخذه مائة ألف مائة ألف ملك أو يزيدون، فيجمعون بين ناصيته وقدميه غضبا لغضب الله عز وجل، فيسحبونه على وجهه إلى النار، قال: فالنار أشد عليه غضبا من غضبهم سبعين ضعفا. قال: فيستغيث بشربة فيسقى شربة يسقط منها لحمه وعصبه، ثم يركس في النار أو يكس في النار، فويل له من النار. قال ابن المبارك: حدثت عن بعض أهل المدينه أنه يتفتت في أيديهم إذا اخذوه، فيقول: ألا ترحموني؟

فيقولون: كيف نرحمك، ولن يرحمك يرحم الراحمين؟ روى الأعمش، عن مالك بن الحارث قال: إذا طرح الرجل في النار هوى فيها، فإذا انتهى إلى بعض أبوابها قيل: مكانك حتى تتحف، نعطيك الهدايا. قال: فيسقى كأساً من السم والعقارب. قال: فيتميز الجلد على حدة، والشعر على حدة، والعصب على حدة، والعروق على حدة، كل أعضائه تتميز.

روى محمد بن سليمان، عن أبي سنان ضرار بن مرة، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن جهنم لما سيق إليها أهلها تلقتهم فنفحتهم لفحة فلم تدع لحماً على عظم إلا ألقته على العرقوب». قال: أخرجه الطبراني ورفعه، ورفعه منكر، قد رواه ابن سنان عبد الله أو غيره من قوله لم يرفع. ورواه محمد بن فضيل، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن أبي هريرة من قوله في قوله تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾ [المدثر: 29]، قالت: تلقاهم جهنم يوم القيامة فتلفعهم لفحة فلا تترك لحماً على عظم إلا وضعته على العراقيب.

قال رحمه الله تعالى: الباب الثاني والعشرون في ذكر بكاء أهل النار وزفيرهم وشهيقهم وصراخهم وعويلهم الذي لا يستجاب لهم. قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: 100]. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: 106]. قال الربيع بن انس: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر. وقال معمر، عن قتادة: صوت الكافر في النار مثل صوت الحمار، أوله زفير وآخره شهيق. وقال تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا يَصْطَرِخُونَ﴾ [فاطر: 37].

وفي حديث حارثة وكان ينظر إلى أهل النار يتعاون فيها وقد سبق، وروى معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت رؤيا» فذكر حديثاً طويلاً وفيه قال: «ثم انطلقنا فإذا نحن نرى دخاناً ونسمع عواءً». قلت: ما هذا؟ قال: «هذه جهنم». خرجه الطبراني وغيره.

وعن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يلقى الكافر على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود، لو أرسلت فيه السفن لجرت». خرجه ابن ماجه. وروي عن الأعمش، عن عمر بن مرة ويزيد الرقاشي، عن أنس موقوفاً من قوله. ورواه سعيد بن سلم عن يزيد الرقاشي قال: بلغنا هذا الكلام ولم يسنده ولم يرفعه. ورواه سلمة بن مسكين، عن قتادة، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن أبيه قال: إن أهل النار ليكون الدموع في النار حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت، ثم إنهم لا يبكون بالدم بعد الدموع ولمثل ما هم فيه. فقال: مثل هذا فليبكِ الباكون، والله. وقال صالح المري: بلغنا أنهم يصرخون في النار حتى تنقطع أصواتهم، فلا يبقى منهم إلا كهيئة الأنين من المدن.

قال رحمه الله تعالى: وقال ابن إسحاق، عن محمد بن كعب: زفروا في جهنم فزفرة النار تشهر، وشهقوا فشهقة النار بما استحلوا من محارم الله، قال: والزفير من النفس، والشهيق من البكاء. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: 106] قال: صوت شديد وصوت ضعيف. وروى مالك، عن زيد بن أسلم في قول الله عز وجل: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: 21] قال زيد: صبروا مائة عام، ثم بكوا مائة عام، ثم قالوا: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص.

وروى الوليد بن مسلم، عن أبي سلمة الدوسي -واسمه ثابت بن شريح-، عن سالم بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو: «اللهم ارزقني عينينهاّطالتين تشفيان القلب بظروف الدموع من خشيتك، قبل أن يكون الدمعة دمعة والاضراس جمرا». سالم بن عبد الله والمحاربي وحديثه مرسل، قال: لو ظن بعضهم أنه سالم بن عبد الله بن عمر وزاد بعضهم في الإسناد على أبيه، ولا يصح ذلك كله.

قال: وروى الوليد بن مسلم أيضاً، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن إسماعيل بن عبيد الله قال: إن داود عليه السلام قال: رب ارزقني عينينهاّطالتين يبكيان بظروف الدموع وتشفيا ن من خشيتك، قبل أن يعود الدمع دما والاضراس جمرا. وكان داود عليه السلام يعاتب في كثرة البكاء فيقول: دعوني أبكي قبل يوم البكاء، قبل تحريق العظام واشتعال اللحى، وقبل أن يؤمر بي ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

وروى يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس الخولاني قال: إن داود عليه السلام قال: أبكي نفسي قبل يوم البكاء، أبكي نفسي قبل أن لا ينفع البكاء. ثم دعا بجمر فوضع يده عليه حتى إذا حره رفعها فقال: أوَه لعذاب النار، أوَه قبل أن لا ينفع. وروي أن يقال لداود عليه السلام يوم يتأوه فيه: يقول أوَه أوَه من عذاب الله عز وجل قبل أن لا ينفعه. فذكرها صفوان ذات يوم في مجلس فبكى طلبة البكاء فقام.

وقال عبد الله بن رياح الأنصاري: سمعت كعباً يقول: إن إبراهم لحليم أواهم منيب، كان إذا ذكر النار قال: أوَه من النار، أوَه من النار. وعن أبي الجوزاء وعبيد بن عمير نحو ذلك أنه كان يتأوه من عذاب جهنم، هذا أحد المعاني.

وعن رياح القيسي أنه مر بصبي يبكي فوقف عليه يسأله: ما يبكيك يا بني؟ وجعل الصبي لا يحسن يجيبه ولا يرد عليه شيئاً فبكى رياح ثم قال: ليس لأهل النار راحة ولا معول إلا البكاء، وجعل يبكي. وبإسناد له آخر: أن رياحاً القيسي زار قوماً فبكى صبي لهم من الليل، فبكى رياح لبكائه حتى أصبح، فسئل بعد ذلك عن بكائه فقال: ذكرته ببكاء الصبي بكاء أهل النار في النار ليس لهم نصير، ثم بكى.

قال رحمه الله تعالى: فصل في طلب أهل النار الخروج منها. قال الله عز وجل: ﴿قَالُوا رَبِّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: 106-107]. قال: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: 49-50]. وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ [فاطر: 37].

وفي حديث الأعمش، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر أهل النار قال: «فيقولون: ادعوا خزنة جهنم، فيقولون: أو لم تكن تأتيكم رسلكم بالبينات؟ قالوا: بلى، قالوا: فادعوا، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال. قال: فيقولون: ادعوا مالكاً. فيقولون: يا مالك ليقض علينا ربك. قال: إنكم...». ونبئت أن بين دعائهم وبين إجابة مالك لهم ألف عام. قال: «فيقولون: ادعوا ربكم فإنه ليس أحد خيراً من ربكم. فيقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: 106-107]. قال: فيجيبهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108]. قال: فعند ذلك يئس من كل خير، وعند ذلك يؤخذون في الحسرة والزفير والويل». خرجه الترمذي وموقوفاً على أبي الدرداء.

روى أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي قال: لأهل النار خمس دعوات يكلمون في أربع منها ويسكت عنهم في الخامسة فلا يكلمون. يقولون: ربنا أمَتَّنَا اثنتين وأحييتَنَا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل؟ فيرد عليهم ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا. ثم يقولون: ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون. فيرد عليهم: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: 13] إلى آخر الآيتين. ثم يقولون: ربنا آخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل. فيرد عليهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: 44]. ثم يقولون: ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل. فيرد عليهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: 37]. ثم يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: 106-107]. يرد عليهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108] إلى قوله تعالى: ﴿وَكُنتُم مِّنْهَا تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: 110]. قال: فلا يتكلمون بعد ذلك. خرجه أحمد بن إياس وابن أبي حاتم.

قال ابن أبي حاتم من رواية قتادة، عن أبي أيوب العتكي، عن عبد الله بن عمرو قال: نادى أهل النار: يا مالك ليقض علينا ربك. قال: فخلى عنهم أربعين عاماً ثم أجابهم: ﴿إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77]. فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: 107]. قال: فخلى عنهم مثل الدنيا ثم أجابهم: اخسئوا فيها. قال: ثم أجابهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108]. قال: فأطبقت عليهم. فيسأل القوم بعد تلك الكلمة، وإن كان إلا الزفير والشهيق.

وعن عطاء بن السائب، عن أبي الحسن، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: 77] قال: فيدركهم ألف سنة، ثم يقولون ثم يقولون إنكم ماكثون. وخرجه البيهقي وعند الطبراني عن ابن عباس قال: وقال سنيد في تفسيره: قال حدثنا حجاج، عن أبي جريج قال: نادى أهل النار خزنة جهنم: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب. فلم يجيبوهم ما شاء الله، ثم أجابوهم بعد حين وقالوا لهم: ادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال. ثم نادوا يا مالك ليقض علينا ربك، فيسكت عنهم مالك خازن جهنم أربعين سنة ثم أجابهم: إنكم ماكثون. ثم نادى الأشقياء ربهم قالوا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: 106] الآيتين. فسكت عنهم مثل مقدار الدنيا، ثم أجابهم بعد: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108].

وقال صفوان بن عمرو قال: سمعت عبد الله بن بسر الخزاعي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، قال الله: يا أهل الجنة كم لبثتم في الأرض عدد السنين؟ قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم». وذكر عبد الرزاق في تفسيره، عن عبد الله بن عيسى، عن زياد الخرساني، استندوا إلى بعض أهل العلم قال: إذا قيل لهم ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108] سكتوا فلم يسمع لهم فيها حس إلا كطنين. فصعق أهل النار لا يزالون في رجاء حتى يذبح الموت، ولا يزال أهل جهنم في رجاء الفرج إلى أن يذبح الموت، فحينئذ يقع منهم الإياس وتعظم عليهم الحسرة والحزن.

وفي الصحيحين، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يجيء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرفون وينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت. ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرفون وينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت. قال فيؤمر به فيذبح. فيقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت». ثم قرا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: 39]. وخرجه الترمذي بمعناه وزاد: «فلولا أن الله قضى لأهل الجنة بالحياة والبقاء لما ماتوا فرحاً، ولولا أن الله قضى لأهل النار بالحياة والبقاء لماتوا حزناً».

قال: إن أهل الجنة يطلعون فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، وإن أهل النار يطلعون مستبشرين فرحين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه. وفي رواية: «مستبشرين يرجون الشفاعة». وخرجه في الصحيحين من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه، وفي حديث: «فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم».

قال فصل: عصاة الموحدين يرفعهم الدعاء في النار. واما عصاة الموحدين فانه ربما يرفعهم الدعاء في النار. خرج الإمام أحمد من حديث أبي ظلال، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن عبداً في جهنم لا ينادي ألف سنة: يا حنان يا منان. فيقول الله عز وجل لجبريل عليه السلام: اذهب فأتني بعبدي هذا. فيذهب جبريل فيجد أهل النار منكبين يبكون، فيرجع إلى الله عز وجل فيخبره. فيقول: ائتني به فانه في مكاني كذا وكذا. فيجيء به ويوقفه على ربه فيقول له: يا عبدي، كيف وجدت مكانك؟ فيقول: يا رب، شر مكان وشر ما قيل. فيقول: ردوا عبدي. فيقولون: يا رب ما كنت أرجو إن أخرجتني منها أن تردني. فيقول: ردوا عبدي». أبو ظلال اسمه هلال ضعفوه. قال أخرجه الترمذي من طريق الرشدين رشدين بن سعد، حدثني ابن أنعم وهو الأفريقي، عن أبي عثمان أنه حدثه عن أبي هريرة، عن بنان أيضاً أضعف ضعيف جداً، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن رجلين ممن دخل النار اشتد صياحهما، قال الرب عز وجل: أخرجوهما أخرجوهما. قال: فلما خرج قال لهما لأي شيء اشتد صياحكما؟ قالا: فعلنا ذلك لترحمنا. قال: رحمتكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار. قال: فينطلق فيلقي أحدهما نفسه فيجعلها عليه بردا وسلاما، ويقوم الآخر فلا يلقي نفسه. ويقول له الرب عز وجل: ما منعك أن تلقي نفسك كما ألقى صاحبك؟ قال: يا رب، إني أرجو أن لا تعيدني فيها بعد ما أخرجتني. فيقول الرب عز وجل: لك رجاؤك. فيدخلها جميعاً الجنة برحمه الله عز وجل».

قال الترمذي: إسناده هذا الحديث ضعيف. وفي صحيح مسلم، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج من النار أربعة فيعرضون على الله عز وجل، فيلتفت أحدهم...».

فيقول: رب إذا أخرجتني منها فلا تعتدني فيها، قال: فينجيه الله منها. وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وعنده: فلتفت فيقول: يا رب ما كان هذا رجائي، فيقول: فما كان رجاؤك؟ قال: أنا رجائي إذا أخرجتني منها لا تعيدني فيها، فارحمه الله فيدخله الجنة.

فخرج الإام أحمد برواية علي بن زيد بن جدعان عن ابن المسيب عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة أيضاً، نعم قال عن ابن المسيب عن أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن آخر رجلين يخرجان من النار، فيقول الله عز وجل لأحدهما: يا بن آدم ما أعددت لهذا اليوم؟ هل عملت خيراً قط؟ هل رجوتني؟ فيقول: لا، لا، فيؤمر به إلى النار فهو أشد أهل النار حسرة، ويقول الآخر: ما أعددت لهذا اليوم؟ هل عملت خيراً قط أو رجوتني؟ قال: لا أي رب إلا أني كنت أرجوك، قال: فيرفع له شجرة» وذكر الحديث في دخوله الجنة وما يعطى فيها.

وخرجها النديم السليم من طريق أبي هارون العبدي وفيه ضعف شديد على أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجالاً يدخلهم الله النار فيحرقهم بها حتى يكونوا فحماً أسود، وهم أعلى أهل النار، فيجعلون إلى الله عز وجل يدعونه فيقولون: ربنا أخرجنا منها فاجعلنا في أصل هذا الجدار، فإذا جعلهم في أصل الجدار رأوا أنه لا يغني عنهم شيئاً، قالوا: ربنا اجعلنا من وراء هذا السور لا نسألكم شيئاً بعده، فيرفع لهم شجرة حتى تذهب عنهم سخنة النار. وذكر الحديث.

قال رحمه الله تعالى: الباب الثالث والعشرون في ذكر هداية أهل النار أهل الجنة وأهل الجنة أهل النار وتكليم بعضهم بعضاً. قال الله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: 44-50].

قال سفيان الثوري عن عثمان الثقفي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية قال: ينادي الرجل أخاه: إني قد احتريت فأفض علي من الماء، فقال: أجبه، فيقول: إن الله حرمهما على الكافرين.

وقال سنيد في تفسيره: حدثنا حجاج عن أبي بكر بن عبد الله قال: ينادي أهل النار يا أهل الجنة فلا يجيبونهم ما شاء الله، ثم قالوا: أجيبوهم وقد قطع الرحم والرحمة، يقول أهل الجنة لأهل النار: عليكم لعنة الله يا أهل النار، عليكم غضب الله يا أهل النار، لا لبيك ولا سعديكم، ماذا تقولون؟ فيقولون: ألم نكن في الدنيا آباءكم وأبناءكم وإخوانكم وعشيرتكم؟ يقولون: بلى، فيقولون: أفيضوا علينا من الماء ومما رزقكم الله، قالوا: إن الله حرمهما على الكافرين.

قال الله عز وجل: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ الآيات [الصافات: 27-33].

قال خُلَيْد العَصْرِي في قوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 55] قال: في وسطها، ورأى جماجم تغلي، فقال: فلان والله لولا أن الله عز وجل عرفه إياه لما عرفه، لقد تغير خبره وصبره وسبره، قال: فعند ذلك يقول: ﴿إِنْ كُنْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: 56].

وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ الآيات [المدثر: 38-42].

روا أبو الزعراء عن ابن مسعود أنه لا يترك في النار غير هؤلاء الأربعة، قالوا: ليس فيهم من وفي.

وفي حديث مسكين أبي فاطمة عن يمان بن يزيد عن محمد بن حمير عن محمد بن علي عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم في خروج أهل التوحيد قال: «ثم يقول الله لأهل الجنة: اطلعوا لمن بقي في النار، فيطلعون إليهم فيقولون: ما سلككم في سقر؟ قالوا لم نكن من المصلين» أي أن لم نكن منهم، لو كنا لخرجنا معهم، خرجه الإسماعيلي وغيره وهو منكر كما سبق ذكره.

قال الإام أحمد: حدثنا علي بن حفص، حدثنا الثوري عن أبي خالد عن الشعبي قال: يشرف قوم في الجنة على قوم في النار يقولون: ما لكم في النار؟ وإنما كنا نعمل بما كنتم تعلمون، فيقولون: أنا كنا نعلمكم ولا نعمل به.

وقال سعيد بن بشير عن قتادة أن في الجنة كوى إلى النار فيطلع أهل الجنة من تلك الكوى إلى النار فيقولون: ما بال الأشقياء وإنما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم، فقالوا: أنا كنا نأمركم ولا نعتبر وننهاكم ولا ننتهي. وهذا يحذر منه طالب العلم عدم العمل بعلمه.

نعم قال: وقال كعب: إن بين أهل النار وأهل الجنة كوة، لا يشاء الرجل من أهل الجنة أن ينظر إلى عدوه من أهل النار إلا فعل.

فقال أحمد بن أبي الحواري: حدثنا عبد الله بن الغيات عن الفزاري قال: لكل مؤمن في الجنة أربعة أبواب: يدخل عليه زواره من الملائكة، ويدخل عليه أزواجهم من الحور العين، وباب مقفل فيما بينه وبين أهل النار يفتحه إذا شاء أن ينظر إليهم لتعظم نعمة عليه، وباب فيما بينه وبين دار السلام يدخل فيه على ربه إذا شاء.

وقال خرج ابن أبي حاتم بإسناده عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ مِنَ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: 34-35] قال: على سرر ينظرون. كان ابن عباس يقول: السرر بين الجنة والنار، فيفتح أهل الجنة الأوابد فينظرون على السرر إلى أهل النار كيف يعذبون ويضحكون منهم، ويكون ذلك مما يقر الله به أعينهم أن ينظروا إلى عدوهم كيف ينتقم الله منه.

فخرج البيهقي وغيره من حديث علي بن أبي سارة عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن رجلاً من أهل الجنة يسلف يوم القيامة على أهل النار فيناديه رجل من أهل النار».

هم الخزنة بدلالة ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً﴾ وهذا يدل على أن العدد لا يكون فتنة إلا إذا كان كبيراً وكثيراً.

نعم قال: فعلى قول أبي العوام ومن وافقه الفتنة للكفار إنما جاءت من ذكر العدد المهم للقلة، حيث عدد مهم من القلة لكنه في الحقيقة كبير جداً.

قال حيث لم يذكر المميز له، قالوا: هذا ما روى سعيد بن بشير عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: 31] أي من كثرتهم.

وكذلك روى إبراهيم بن الحكم بن أبان وفيه ضعف عن أبيه عن عكرمة قال: إن أول من وصل من أهل النار إلى النار وجدوا على باب أربع مئة ألف من خزنة جهنم مسودة وجوههم كالحة أنيابهم، قد نزع الله الرحمة من قلوبهم ليس في قلب واحد منهم مثقال رحمة، يأتي الرجل من الكفار فيقول له خازن من خزان جهنم: هل لك في أن أدفع عنك بمنكبك الأيمن عشرة من الملائكة وبمنكبك الأيسر تسعة، ثم تمرون إلى الجنة؟ يقوله مستهزئاً.

فقال السلف: إن خزنة جهنم تسعة عشر، ليس تسعة عشر ألفاً بل تسعة عشر، لكن كل ملك منهم قادر أن ينهي كل كفار قريش ومن شابه ذلك، فإنما كان العدد فتنة لأنهم استهزءوا بهذا العدد وتهكموا به، هذا وجه الفتنه وليس في كثرتهم.

نعم فقال الله عز وجل: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: 31]. فقلت: هذا ذكر لنا أن أبا جهل حين نزلت هذه الآية قال: يا معشر قريش أما يستطيع كل عشرة منكم أن يأخذ واحداً من خزنة النار، وأنتم وصاحبكم هذا يزعم أنهم تسعة عشر!

وقال قتادة: في التوراة والإنجيل أن خزنة النار تسعة عشر. وروي حديث عن الشعبي عن البراء في قول الله العدد الكبير، يعني حديثاً عن الشعبي عن البراء في قول الله عز وجل: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: 30] قال: إن رهطاً من يهود سألوا رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن خزنة جهنم فقال: الله ورسوله أعلم، فجاء رجل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فانزل الله عليه ساعته: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فأخبر أصحابه وقال: ادعوهم، فجاؤوا فسألوه عن خزنة جهنم، فأهوى بأصابع كفيه مرتين وأمسك الإبهام في الثانية، خرجه ابن أبي حاتم وحريث هو ابن أبي مطر ضعيف.

قال: أخرجه الترمذي من طريق مجاهد عن الشعبي عن جابر قال: ناس من اليهود لناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ قالوا: لا ندري حتى نسأل، فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد غلب أصحابك اليوم، قال: وما غلبوا؟ قال: سألتهم يهود: هل يعلم نبيكم عدداً خزنة جهنم؟ قال: فما قالوا؟ قالوا: لا ندري حتى نسأل نبينا صلى الله عليه وسلم، فقال: أغلب قوم سئلوا عما لا يعلمون فقالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا، لكنهم قد سئلوا، سألوا نبيهم فقالوا: أرنا الله جهرة، قال: علي بأعداء الله، فلما جاؤوا قالوا: يا قاسم كم عدد خزائن جهنم؟ قال: هكذا وهكذا، في مرة عشرة وفي مرة تسعة، قالوا: نعم. هذا صح من حديث حريث المتقدم.

قاله البيهقي وغيره. خرج الإام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً كالمودع فقال: «أنا محمد النبي الأمي ثلاثة ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه، وعلمت كم خزنة النار وحملة العرش»، وذكر بقية الحديث.

قال رحمه الله تعالى: فصلاً في تفسير قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم: 6]. وقد وصف الله تعالى الملائكة الذين على النار بالغلظة والشدة، قال الله تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6].

وروى ابن نعيم بإسناده عن كعب قال: إن الخازن من خزان جهنم مسيرة ما بين منكبيه سنة، وإن مع كل واحد منهم عموداً له شعبتان من حديد يدفع به الدفعة فيكب به في النار سبعمائة ألف.

وروى عبد الله بن الإام أحمد عن أبي عمران الجوني قال: بلغنا أن الملك من خزنة جهنم ما بينهما مسيرة خريف، فيضرب الرجل من اهل النار الضربة فيتركه طحيناً من لدن قرنه إلى قدمه. قالوا: وفي رواية أخرى له قال: بلغنا أن خزنة النار تسعة عشر، ما بين منكبي أحدهم مسيرة الخريف، وليس في قلوبهم رحمة إنما خلقوا للعذاب.

الجوزجاني بإسناده عن صالح أبي الخليل قال: قال: ليلة أسرى بالنبي صلى الله عليه وسلم بعث الله إليه نفراً من الرسل فتلقوه بالفرح والبشر أو في ناحية المسجد مصلى يصلي، لا يلتفت، فقام إليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك موسى، فقال: من غير صاحب هذه الزاوية؟ فقالوا: أما إنه قد فرح بك كما فرحنا، ولكنه خازن من خزان جهنم. رواه بكر بن خميس عن عبد الله الجسري عن الحسين أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أن خازناً من خزان جهنم أشرف على أهل الأرض لما مات أهل الأرض مما يرون من تشويه خلقه. مرسل ضعيف.

قال رحمه الله تعالى: فصلاً في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ [الزخرف: 77] قال الله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77] ومالك هو خازن جهنم وهو كبير الخزن ورئيسهم، وقد راه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء وبدأه مالك بالسلام، خرجه مسلم من حديث أنس. ورأى النبي محمد صلى الله عليه وسلم في منامه وهو كريه المرآة أي كريه المنظر كأكراه ما أنت راء من الرجال، وقد سبق هذا من حديث سمرة بن جندب.

قال فصل في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: 17-18].

قال الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ قال أبو هريرة: الزبانية الملائكة. وقال أعطاكم الملائكة الغلاظ الشداد. وقال مقاتل: هم خزنة جهنم. وقد قال قتادة: الزبانية في كلام العرب الشرط. فقال عبد الله بن الحارث: الزبانية رؤوسهم في الأرض. الشرط، الشرط. قال عبد الله بن الحارث: الزبانية رؤوسهم في الأرض وأرجلهم في السماء، أخرجه ابن أبي حاتم. سبعين ألفاً في النار.

قال رحمه الله تعالى: الباب الخامس والعشرون في ذكر مجيء النار يوم القيامة خروج عنق عنق منها يتكلم.

إن شاء الله اليوم المجلس القادم إن شاء الله نختم رسائل بالرجب بإذن الواحد. قال رحمه قال الله سبحانه وتعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجيِءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: 21-24].

وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات: 34-36]. فقال الربيع بن أنس في قوله: ﴿وَبُرِزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ قال: كشف عنها غطاؤها.

وقال تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: 5-7].

روى العلاء بن خالد الكاهلي عن أبي مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى يومئذ بجهنم لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها». خرجه مسلم من طريق حفصة بنت غيات عن عداينة، وخرجه الترمذي من طريق سفيان عن العلاء موقوفاً على ابن مسعود، ورجح وقفه العقيلي والدارقطني.

وخرج ابن أبي حاتم من طريق عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ تغير لون النبي صلى الله عليه وسلم وعرف ذلك في وجهه، حتى اشتد ذلك على أصحابه فسألوه فقال: «إنه جاء لجبريل».

فقراني هذه الآية قال: كيف يجاء بها؟ قال: يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام تشرد مرة لو تركت لأحرقت أهل الجمع ومن عليه، ثم تعرض تعرض تعرض جهنم فتقول: مالي ومالك يا محمد، لقد حرم الله لحمك عليه، فلا يبقى أحد إلا قال: نفسي نفسي، ومحمد صلى الله عليه وسلم يقول: أمتي أمتي. الوصافي شيخ صالح لا يحفظ فكثيرة المناكير في حديثه. أخرج أبو علال الموصلي من حديث أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جمع الله الناس في صعيد واحد يوم القيامة أقبلت النار يركب بعضها بعضاً لخزانتها يكفونها»، قال: وهي تقول: وعزتي وعزة ربي وعزة ربي لا تخلن بيني وبين أزواجي أو لأغشين الناس عنقاً واحدة، فيقولون: من أزواجك؟ فيقول: كل متكبر جبار. وخرج الإمام أحمد وترميه من حديث.

صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج يوم القيامة عنق من النار لها عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق تقول: إني وكلت بثلاثة، بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله لها آخر، والمصور والمصورين»، وصححه الترمذي، لا ينحتون ويصنعون الرسوم، وليس المصور الذي يصور بأدوات التصوير هذه لا أشكال فيها، وإنما المصورون الذين ينحتون أو يرسمون وما شابه ذلك لتوات الأرواح وهذا تهديد، نعم. قال: وقد قيل إنه ليس بمحفوظ بهذا الإسناد، وإنما يرويه الأعمش عن عطية عن أبي سعيد، و غير واحد عن عطية عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج عنق من النار يتكلم يقول: كلت اليوم بثلاثة، بكل جبار عنيد، ومن جعل مع الله لها آخر، ومن قتل نفساً»، فتنطوي عليهم فتقذفهم في غمرات جهنم. خرجه الإمام أحمد وخرجه البزار ولفظه: «يخرج عنق من النار يتكلم بلسان طلق ذلق لها عينan تبصر بهما ولها لسان تتكلم به فتقول: إني أمرت بمن جعل مع الله إلهاً آخر، بكل جبار عنيد، وبكل من قتل نفسه»، فتنطلق بهم قبل سائر الناس بـ500 عام. روي عن عطية عن أبي سعيد موقوفاً، وروى ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن قاسم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج عنق من النار فتنطوي عليهم وتتغير فيقول ذلك العنق: وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة، وكلت بمن دعا مع الله إلهاً آخر، وكتب بمن لا يؤمن بيوم الحساب، وكلت بكل جبار عليهم»، فتطرحهم في غمرات جهنم.

خرجه الإمام أحمد. روي عن شهر بن حوشب عن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج عنق من النار فيضل الخلائق كلهم فيقول: أمرت بكل جبار عنيد، ومن زعم أنه عزيز كريم، ومن دعا مع الله إِلهاً آخر». رواه من منهاج سيار بن سلامة عن شهر بن حوشب عن ابن عباس موقوفاً قال: إذا كان يوم القيامة خرج عنق من النار فأشرفت على الخلائق لها عنان ولسان فصيح تقول: إنه وكلت بكل جبار عنيد، فتلتقطه فتلتقطهم من الصفوف فتحبسهم في نار جهنم، ثم تخرج ثانيا فتقول: إنه كنت بمن آذي الله ورسوله من الصفوف فتحبسهم في نار جهنم، ثم تخرج ثالثاً، قال أبو المنهال: أحسب أنها قالت: إني وكلت اليوم بأصحاب التصاوير فالتقطه من الصفوف وتحبسهم في نار جهنم.

وفي حديث الصور الطويل الذي أخرجه إسحاق بن الراهاوي وأبو يعلى وغيرهما بإسناده فيه ضعف عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم يأمر الله تعالى جهنم فيخرج منها عنق ساطعة مظلمة يقول: وممتاز اليوم أيها المجرمون»، إلى قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: 66]. وخرج الله بالدنيا من طريق الشعبي عن أبي هريرة قال: يؤتى بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، أخذ بكل زمام سبعون ألف ملك، وهي تمايل عليهم حتى توقفوا عن يمين العرش، ويلقي الله عز وجل عليها ذل يومئذ فيحله إليها ما هذا الذل؟ فتقول: يا رب أخاف أن يكون لك في نقمة، فيوحي الله إليها: إنما خلقت في نقمة وليس لي فيك نقمة، ويوحي الله إليها فتسفر زفرة لا تبقى دمعة في عين إلا جرت، ثم تسفر زفرة ثم تسفر تزفر أخرى فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا صعق إلا نبيكم نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم يقول: يا رب أمتي أمتي. روى عبد الله بن الإمام أحمد باسناده عن أبي عبد الله الجدلي عن عبادة بن الصامت وكعب قال: «يخرج عنق من النار فيقول: أمرت بثلاثة: بمن جعل مع الله إلهاً آخر، وبكل جبار عنيد، وبكل معتد»، إلا أني أعرف من رجل من الوالد بولده، ولأنا أعرف الرجل من الوالد بولده والمولود بوالديه.

إن شاء الله وفي المجلس القادم يكون ختام كتابنا هذا المبارك، فمن أراد إسناداً إن شاء الله الإخوة يرفعون أسامينا إلى الحافظ ابن رجب لمن أراد الإسناد في هذا الكتاب بإذن الله في المجلس القادم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، جزاك الله خيراً.