دخولتسجيل الدخول

المجلس الخامس عشر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

هذا نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً فيه إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. رحمه الله تعالى عليهم، ونحن في الرسالة الأخيرة من هذه الرسائل. تكلمت عن التخويف، وهذا موضوع مهم؛ يبقى الإنسان دائماً على خوف الله سبحانه وتعالى حتى لا يتجاسر ولا يحارب.

هنا فائدة لطالب العلم: حاول إذا شرعت في كتاب أن تنهيه، حتى ولو كان الكتاب كاللغة أو كالأسلوب ما عنده منافسة، الاستمرارية حتى نهاية الكتاب. هو دائماً يقفز من كتاب إلى آخر، يعني ويصبح نمطاً في حياته، نمط عدم الإنجاز، وهذا خلل كبير في البناء العلمي. لذلك كان المشايخ أهل العلم: اقرأ الكتاب إلى نهايته حتى ولو لم تفهم كله، ما دام مفهوماً؛ الكتاب لا يُفهم كله من القراءة الأولى، لكن الكتاب إذا كان مفهوماً في الجملة ولكن ربما ليست جميلة بالنسبة لك أو لم تفهم كل شيء، في هذه الحالة اقرأ واستمر إلى نهايته. لماذا؟ حتى لا تعود نفسك على منهجية القفز، لا تعود نفسك على القفز وأنني دائماً متقلب المزاج، دائماً الإنسان يكمل ما دام كتابه مفهوماً ومستفيداً منه في الجملة، بعض الفوائد مقبول، لكن النمط العام ليس هو النمط الأفضل أو المحبب.

حاول أن تتجاسر على نفسك وأن تكون قوياً معها في قضية الانهار وهذا العادة وما في هذه الحياة. في أي كتاب، لأي شيء، دائماً حاول أن أنهيه؛ لأنك إن اعتدت القفز يصبح هذا نهجاً، وستصبح إنساناً متقلباً في الدورات الشرعية؛ تحضر دورة، إلى المجلس العاشر، خلص تمل، تذهب إلى دورة أخرى، في منتصفها تمل، ويسهل عليك الاعتذار؛ لأنك ربيت نفسك على منهجية التقلب وعدم الثبات. اثبت دائماً إلى النهاية، والبركات دائماً إنما تأتي في الإنجاز. البركات تأتي في ماذا؟ في الإنجاز؛ عندما تشعر أنك نفسية جادة، ونفسية تختم، ونفسية أنجزت كتاباً بعد كتاب، بغض النظر عن كمية المعلومات التي حصلتها الآن، لا يهمني، المهم أن أعتاد النمط، أن أصبح هذا نمطي، نمطي أنني أنجز ولا أكون متقلب المزاج. هذا مهم، وهذا ما يعني مثل نفعك في رسائل ابن رجب، ربما البعض شعر أن الرسائل طالت عليه، وربما أسلوب الكاتب ليس هو الأفضل الذي قد يتلائم مع أبناء اليوم، لكن في النهاية أنجز واقرا الكتاب حتى آخر صفحة منه.

ما أسهل أن تعلن عن دورة أخرى وتستقبل ناس جدد، تقول: خلاص، الكتاب، دعونا ننتقل إلى كتاب آخر لعلنا نضخ دماء جديدة في العروق! لكن هذا خطأ، هذا كارثة؛ لأنني ساصبح أعتمد هذا دائماً، أنني أتماشى مع الرغبات وأتماشى مع سلم الملل والانتعاش، خلص، والله ملينا، إذن ننتقل! لا، ما فيش، تستمر إلى آخر نقطة في الكتاب، بعد ذلك تنتقل إلى كتاب آخر، هكذا تشعر بالإنجاز، بالاستفاده، بالارتقاء، أنك تمتلك معلومات متكاملة حول أي موضوع، وعندك رؤية من كتب متعددة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا وأن يرزقنا دائماً الإنجاز وحسن الاختيار، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

ونحن نستغل اليوم يعني هذا العدد القليل في أن ننجز أكثر في المقروء، يعني مع أنني أريد أن أنجز، لكن سنسحب اليوم إن شاء الله كمية جيدة حتى ننهي الكتاب في أقرب فرصه لننتقل إلى فكرة أخرى وإلى عالم آخر بإذن الله. وصلنا إلى صفحة 387 من رسائل الحافظ ابن رجب، قال رحمه الله: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين. قال المصنف رحمه الله تعالى: فصل في إحاطة سرادق جهنم بالكافرين. قال الله تعالى: السرادق هو الجدار الذي يحيط بماذا بالكافرين فيها، ولا يستطيعون أن يتجاوزوه أو أن يتخطوه. نعم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29]. قال الزجاج: السرادق كل ما أحاط بشيء، نحو الشقة في المضرب؛ المضرب ما هي؟ الخيمة. قال: والشقة يفسرونها بأنها شيء كانوا يضعونه حول الخيمه للجدار أو كالحفره المحيط بها تحيط بها تماماً. فهكذا هو أصلاً الصوره، هو شيء يحيط بالكافرين في النار كإحاطة الشقة بالخيمة وإحاطة الحائط، كما قال المشتمل على الشيء. وقال ابن قتيبه: الحجرة التي تكون حول الفسطاط، وقيل هو التهليز. شرك الإبل الشوي دائماً يجعلون حول الفسطاط، حول الخيمة، حفره، هذه تمنع إيش يا شيخ؟ دخول الماء، السيول، وما شابه ذلك إلى جسد الخيمة. نعم، وقيل معرب واصله بالفارسية سورادار. وقال ابن عباس: هو سرادق من نار. قال هذه الكلمة ليست عربية، سرادقها فارسي وأصلها كما قال ابن سوردار ثم عربت بعد ذلك، وهذه أقوى، البعض جعلها معربة والبعض جعلها عربية أصيلة.

قال: روى ابن لهيعة عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سرادق النار أربعة جدر كثكف كل جدار مسيرة أربعين سنة». خرجه الترمذي. مسيرة أربعين عاماً، تكلم أنت عن مسافة ضخمة جداً. قال: ويحيط الصرادق بهم، قريبة من المعنى المذكور في غلق الأبواب، وهو شبه شبه قول من قال إنه حائط لا باب له؛ هذه الصرادق هي عبارة عن جدران لا يوجد فيها أبواب، حائط لا باب له، هذه صورة بهم، موجبة لهمهم وغمهم وكربهم وعطشهم لشدة وهج النار عليهم. قال الله تعالى: وإن مخنوق، تخيل أنت في جهنم وحواليك جدران لا، هذا سبب خنقة وكبت. نعم، أنك تعرف أنك لن تستطيع أن تتخطى هذه الجدران وأن تخرج خارج هذه الأسوار. قال تعالى: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: 29]. وقال تعالى: ﴿وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: 21-22].

قال أبو معشر: كنا في جنازة مع أبي جعفر القارئ فبكى أبو جعفر ثم قال: حدثني زيد بن أسلم: أهل النار لا يتنفسون، فذلك الذي أبكاني. خرجه الجوزجاني.

وفيه أنهم يهون من باب إلى باب خمسمائة سنة، وهو غريب ومنكر، وإبراهيم بن الحكم بن أبان ضعيف تركه الأئمة. غريب ومنكر وإبراهيم ضعيف، يعني أحياناً لذلك، كما قلت لك، بعض الكتب يعني قد لا يروقك فيها بعض الأمور؛ يعني الحديث غريب ومنكر ولا يصح أصله، يعني الأصل ما أوردته خاصة لما فيه من العجائب التي لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس فيها يعتمد عليه، فقد نناقشه لماذا تورد مثل هذه الأمور؟

نعم، قال رحمه الله تعالى: فصل: أبواب جهنم مغلقه وقبل دخول أهلها. قال: وأبواب جهنم قبل دخول أهلها إليها يوم القيامة مغلقة، كما دل عليه ظاهر قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: 73]. إن أبواب جهنم الآن مغلقة وليست مفتوحة، وإنما تفتح إذا جاء وفد النار ليدخلوها، بناء على الآية، يعني مفهوم المخالفة أن قبل ما يأتوها كانت مغلقة، هذا وجه الاستدلال بالآية.

طيب، قال: وفي حديث أبي هارون العبدي، وهو ضعيف جداً، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصه الإسراء قال: ثم عرضت علي النار فإذا فيها غضب الله وزجره ونقمه، لو طرح فيها الحجار والحديد لأكلتها ثم أغلقت دونه، وقد روي وأغلق دونه؛ لأنه بعدها النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء أغلقت أبوابها ولم تفتح، يعني كأنها فتحت لحظات ثم أغلقت. هذا هو القول الأول: أن أبواب النار مغلقة حتى ياتي يوم القيامة فتفتح للكفار، هذا هو القول الأول في المسألة.

قال: وقد روي أن أبوابها تفتح كل يوم نصف النهار من أيامنا عند الظهيرة، لذلك لا تجوز الصلاة عند وقت من اوقات النهي عن الصلاة إذا أصبحت الشمس في كبد السماء؛ لأنها وقت قد تسعر فيه النار، وقيل تفتح فيه أبواب النار، لكن المشهوره أنها تسعر وليس تفتح. طيب، قالوا: سنذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى. وروى الإمام أحمد عن إسحاق الأزرق عن شريك عن الركين عن أبيه قال: رأى خباب بن الأرت رجلا يصلي نصف النهار فنهاه وقال: إنها ساعة تفتح فيها أبواب جهنم فلا تصلي فيها. هذا ورد إذاً في أقوال الصحابة وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه في نصف النهار تفتح أبواب جهنم، هذا ورد من آثار الصحابة. وأما ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه في نصف النهار تسعر جهنم، فهذا شيء آخر؛ تسعيرها غير فتح أبوابها، هذا الذي صحح الحديث.

قالوا: وقد ورد ما يستدل به على أنها مفتحة. القول الثالث: أن أبواب جهنم مفتحة الآن وليست مغلقة، وقضية أن الكفار يوم القيامة إذا جاؤوها فتحت لهم، هذا قد يحمل أنها يوم القيامة تغلق الأبواب انتظازاً لأهل النار، فإذا جاءوا فتحت لهم في ذاك الموقف، وأما الآن في الحياة الدنيا فهي مفتحة. ما الدليل على ذلك؟ حقيقة أدلة قوية، اقرأ. قال: ففي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار». غلقت أبواب النار، إذن ما مفهوم المخالفه؟ أنه في غير رمضان تكون مفتوحة، وهذا استدلال ظاهر قوي، ولو صفدت الشياطين ومردة الجن. قال: وروى الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وأغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب». ولكن قد قيل إن إغلاق أبواب النار إنما هو عن الصائمين خاصة، وكذلك فتح أبواب الجنة هو له خاصة، أبواب النار في رمضان هذا خاص بالصائمين، وأما الكفار اللي في الغرب وغيرهم اللي ما بيصوموا، حتى في رمضان تكون أبواب النار مفتوحة لهم، يعني فتغليق أبواب النار في رمضان خاص بالصائمين فقط.

قال رحمه الله تعالى: وفي حديث القاسم العراني عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل رمضان قال فيه: فيفتح فيها إيه في أول ليلة منه أبواب الجنة للصائمين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. للصائمين، للصائمين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فيكون هذا التقييد للفتح والإغلاق. نعم، فيقول الله يا رضوان افتح أبواب الجنة ويا مالك اغلق أبواب الجحيم عن الصائمين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا منقطع؛ فإن الضحاك لم يسمع من ابن عباس رضي الله عنهما. ما اختاره أ تغلق ففتحت لهم مرة الذي يجمع والله أعلم بين الآثار الواردة في المسألة.

قال رحمه الله تعالى: الباب التاسع في ذكر ظلمة النار وشده سوادها. قال: روى شريك عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أوقد على النار ألف سنة حتى بيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء كالليل المظلم»، حتى اكتمل نموها ثلاثة آلاف سنة من الطبيب، ثلاثة آلاف سنة تطبخ النار حتى وصلت إلى حالة الكمال. قال: اخرجه ابن ماجه، وقال حديث أبي هريره في هذا موقوف أصح، ولا أعلم أحد رفعه غير يحيى بن أبي كثير عن شريك.

قال: رواه معلن عن مالك عن أبي سهيل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ترونها حمراء كناركم هذه جهنم حمراء كنارك في الدنيا؟ حمراء؟ لا، نار جهنم ليست حمراء، نار جهنم سوداء مظلمه والعياذ بالله». شوف المصائب كيف تجتمع على من يدخل نار جهنم؛ سوداء مظلمة، حول الصرادق أعمده، كل الكآبة التي يمكن تتخيلها في الحياة موجودة في نار جهنم والعياذ بالله. قال صلى الله عليه وسلم: من القار خرجه البيهقي، التي توضع في الشوارع تسمى ماذا؟ هذا قار، فيقول له اشد سوادا من ماذا من القار؟ أي اشد سواداً من الزفتة التي توضع على الشوارع في سوادها، قال: لو خرجه البزار ولفظه له: «أشد من دخان ناركم هذه سبعين ضعفا»، ويرى موقوفاً على أبي هريرة وهو صح. قال له: هذا الحديث صحيح، أنه موقوف، قضية فهي أشد سواداً من موقوفاً على أبي، لكن حتى لو كان موقوفاً، فله حكم المرفوع؛ لأن أبا هريرة لا يقول هذا باجتهاد، ليست أمور اجتهادية حتى يشتهد فيها، فهذا ولو كان موقوفاً فله حكم المرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قال رحمه الله تعالى: وقال الجوزجاني: حدثنا عبيد الله الحنفي، حدثنا فرقد بن الحجاج، سمع عقبة اليماني يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن نار جهنم أشد حراً من ناركم هذه بتسعين وتسعين جزءاً، وهي سوداء مظلمة لا يطول لها لهاء، أشد سوادا من القطران». قريب جداً قطران، وهذا غريب فعلاً؛ لأن المشهور أن نار جهنم بسبعين من نار الدنيا، أو نار الدنيا بسبعين من نار جهنم، وليست تسعة وتسعين، لذلك استغربه الحافظ ابن رجب هذه الرواية.

نعم، قال رحمه الله تعالى: وروى عن سهل بن حماد عن مبارك بن فضالة عن ثابت عن أنس قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ناراً وقودها الناس والحجاره»، قال: أوقد عليها ألف عام حتى بيضت، ثم أوقد عليها ألف عام حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداء لا يضيء لهبها. خرجه البيهقي والكتاب ليس بحجه. وخرج البزار من حديث زائدة بن أبي الرقاد.

عن زياد النميري أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر نهاركم هذه فقال إنها لجزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، سبعون جزءاً وليس تسعة وتسعين جزءاً. قال: وما وصلت إليكم حتى أحسبه، قال: نضحت نضحت بالماء مرتين، الدنيا هي نضحك، كان هناك من الملائكة من نضحتها بالماء مرتين حتى أصبحت بهذه الحرارة، يعني نار الدنيا هذه مخففة جداً لدرجة أنها نضحت النضح والرش، رشت مرتين بالماء حتى أصبحت حرارتها كما تجدونها اليوم.

قالوا: نار جهنم سوداء مظلمة، وفي حديث عدي بن عدي عن عمر مرفوعةً ذكر الإيقاد عليها ثلاثة آلاف عام أيضاً، فهي سوداء مظلمة لا يضيء جمرها ولا لهبها. أخرجها الطبراني وقد سبق اسناده والكلام عليه. قال ابن أبي الدنيا من طريق الحكيم بن ظهير وهو ضعيف عن عاصم عن زر عن عبد الله: وإذا الجحيم حتى أحمرت، ثم ألف سنة حتى اسودت مظلمة. ظهير ضعيف، وصحيح رواية عاصم عن أبي هريرة كما سبق: النار طبخت ثلاثة آلاف سنة حتى وصلت إلى كمالها.

قال رحمه الله تعالى: وروى عبس عن أبي ضبيان عن سلمان قال: لا يطفى جمره ولا يضيء لهبها، ثم قرأ: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. خرجه البيهقي من طريق أحمد بن عبد الجبار عن أبي معاوية عن الأعمش مرفوعاً. وقال رفعه ضعيف. وقال أبو جعفر الرازي عن ربيع بن انس عن أبي العالية ابن كعب: ضرب الله مثلاً للكافرين قال أو كظلمات. عن أبي بن كعب ضرب الله مثلاً للكافرين قال: أو كظلمات في بحر لجي فهو يتقلب في خمس من الظلم، كلامه ظلمة وعمله ظلمة ومدخله ظلمة ومخرجه ظلمة الأولى في الدنيا، كلامه وعمله ومدخله ومخرجه في الدنيا، وفي الأخيرة ايش قال؟ ومصيره إلى الظلمات في النار، فهو في ظلمة في الدنيا وفي ظلمة يوم القيامة نسأل الله السلامة.

وقال أيضاً أبو جعفر عن الربيع بن انس إن الله جعل هذه النار -يعني نار الدنيا- نوراً وضياءً ومتاعاً لأهل الأرض، وإن نار الكبرى سوداء مظلمة مثل القبر نعوذ بالله منها. وعن الضحاك: حق لجهنم سوداء وماؤها أسود وشجرها أسود وأهلها سود. وقد دل على سواد أهلها قوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً﴾. واضحة الدلالة على أن أهل النار سود لأن الله وصفهم ماذا قال؟ كأنما أغشيت أي وضع على وجوههم قطع من الليل، كأنما جعل على وجوههم قطع من الليل وهذا دلالة أن وجوه اهل النار تكون سوداء في نار الجنة والعياذ بالله. قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن من عصاة الموحدين من يحترقوا في النار حتى يصيروا فحماً فاحوال سوداً من التفحم.

قال رحمه الله تعالى: الباب العاشر في شدة حرها وزمهريرها. قال تعالى: وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون. وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضاً فنفس لي، يعني اجعل لي نفسين، اتنفس، نفس لي يعني اعطيني نفسين حتى أُخفف من الضغط الموجود في داخلي. فاذن لها في نفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر من سمومها، وأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها هو من نار جهنم وأشد حر الصيف ومن نار جهنم لعل الإنسان يتعظ قبل أن يفوت الأوان. وفي الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءاً من نار جهنم. قالوا: والله إن كانت لكافيه. قال: انها فضلت بتسعة وستين جزءاً كلهن مثل حرها. وأخرجه الإمام أحمد وزاد فيه: ضربت بالبحر مرتين ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد، نار الدنيا كما قلنا قد نضحت بالماء مرتين حتى وصلت إلى الحرارة التي هي عليها الآن وهذا معنى ضربت بالبحر مرتين، أن هي عبارة عن مخففة خلقت شديدة ثم خففها الله حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن، ويدل على أن الله خفف من حرها لننفَع بها، أحد لما استطاع أحد أن ينتفع بنار الدنيا.

قال رحمه الله تعالى: وقد سبق من حديث أنس نحوه. قالوا عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من جهنم، لكل جزء منها مثل حرها. خرجه الترمذي. وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا عبد العزيز هو الدراوردي عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن هذه النار جزء من مئة جزء من جهنم، مسعوداً أن ناركم هذه ضرب بها البحر ففترت، ولولا ذلك ضرباً بها البحر ففترت لولا ذلك كما قلنا ذلك ما انتفعتم بها، وهي جزء من سبعين جزءاً من جهنم. أخرجه البزار والموقوف أصح. وخرجه الطبراني من طريق الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو أن غرباً من جهنم جعل في وسط الأرض -الغرب الدلو العظيم الممتلئ- فقال: لو أن غرباً من جهنم لو أن يعني دلواً أخذ من جهنم ووضع في وسط الدنيا، ماذا يحدثنا؟ قال: جعل في وسط الأرض لأنتن ريحه وشده حره ما بين المشرق والمغرب، ولو أن شرارة من شرار جهنم بالمشرق لوجد حرها من المغرب. قال بالمغرب: لو أن شراره اصابت اهل المشرق لوجد حرها كل ما فيه. وخرج أيضاً من طريق عدي بن عدي الكندي عن عمر بن جبريل قال: النبي صلى الله عليه وسلم لو أن قدراً ثقب قدر ثقب ابرة فتح من جهنم لمات من في الأرض كلهم جميعاً من حره. وقد سبق الكلام على اسناده، وروي من وجه ضعيف عن الحسن مرسلاً نحوه أيضاً.

وخرجه أبو يعلى الموصلي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو كان في هذا المسجد مئة ألف أو يزيدون وفيهم رجل من اهل النار فتنفس فأصابهم لأحرق من في المسجد أو يزيدون، لكن قال الإمام احمد هو حديث منكر. وقال كعب بن عمر بن الخطاب: لو فتح من جهنم قدر منخر ثور بالمشرق والرجل بالمغرب لغلا دماغه حتى يسير من حره، يعني لو بقدر الثور لو بقدر منخر الثور فتح عند اهل المشرق لغلا منه دماغ أهل المغرب من شدة النفس الحار جداً الذي يخرج من هذا الأنف.

وقال عبد الملك بن عمير: لو أن أهل النار كانوا في نار الدنيا لقالوا فيها أهل النار يوم القيامة لو أنهم أعيدوا إلى نار الدنيا لحتى راسهم وناموا في نار الدنيا نومة، وهذا والعياذ بالله يدلك على شدة حر جهنم حتى اصبحت نار الدنيا تعتبر نعيم مقارنة بها والعياذ بالله. قال رحمه الله تعالى: وقال عبد الله بن احمد أخبرت عن سيار عن ابن المعزه وكان من خيار الناس قال: بلغني أن رجلاً لو خرج منها إلى نار الدنيا لنام فيها ألف سنة. قال معاويه صالح عن عبد الملك بن أبي بشير يرفع الحديث: ما من يوم إلا والنار تقول: اشتد اشتد حري وبعد قعري وعظم جبري وعجل إلهي إلي بأهلي. قال ابن الله أن يعجل به وفدي النار.

وقال ابن عين البشير بن منصور قلت لعطاء السلمي وهو إنسان أوقدت له نار فقيل له: من دخل هذه النار نجا من النار؟ فقال عطاء: لو قيل لي ذلك لخشيت أن تخرج نفسي فرحاً قبل أن أقع فيها. يعني لو أوقدت نار في الدنيا وقيل له إذا دخلت نار الدنيا ستنجو من نار الآخرة، قال عطاء لبكيت أو لمت فرحاً بسبب هذه البشارة، تخيل يعني لو قيل لادخل نار الدنيا في المقابل خلاص ما فيش نار في الآخرة، قال لمت فرحاً بهذه القضية يدخل النار لكن بقول لك نار الدنيا ولا نار الآخرة هكذا السلف كانوا يعني يعادلون هذه القضية.

قال رحمه الله تعالى في زمهرير جهنم: بيت يتميز فيه الكافر من جلده، وقد سبق في حديث: جهنم بيت يتميز فيه الكافر من جلده، يعني يتقطع ويتمزع في جهنم إذا دخل فيه الكافر يتمزق الكافر من شدة البرد، تتمزق أعضاؤك ومفاصلك من شدة البرد في هذا البيت، هذا تفسير الزمهرير على أحد الاقوال. قال رحمه الله تعالى وهو ابن أبي الدنيا من طريق الأعمش عن مجاهد قال: إن في النار زمهريراً يغلون فيه فيهربون منها إلى ذلك الزمهرير، فاذا وقعوا فيه حطم عظامهم حتى يسمع لها نقيض، هم يههربون من حر جهنم إلى ذاك البيت البارد يظنون أن هذا البرد راح يخفف حر النار الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من برده. وعن قابوس بن أبي ضبيان عن ابن عباس قال: يستغيث اهل النار من الحر فيغاثون بريح باردة يصدع العظام بردها فيسألون الحر. وعن عبد الملك بن رجعون على حرج جهنم فيأتون الحر بدناً برد وهكذا. نسأل الله عز وجل أن يرحمنا وأن يلطف بنا.

قالوا عن عبد الملك بن عمير قال: بلغني أن أهل النار يسألون خازنها أن يخرجهم إلى جانبها فيخرجهم فيقتلهم البرد والزمهرير حتى يرجعوا إليها فيدخلوها مما وجدوا من البرد. وروى نعيم بن عباس بن كعب قال: في جهنم برداً هو الزمهرير يسقط اللحم حتى يستغيثوا بحر جهنم، يسقط اللحم حتى يصيح ويقول يا مالك جيب لنا حر جهنم، إذا كان البرد يسقط اللحم فياتوه بالحر فإذا الحر يسقط اللحم وهكذا لا راحة لا راحة في نار جهنم والعياذ بالله، وإنما هي القضية صبر ساعة أحبابي. لما تقرا هذا الكلام ماذا تحتاج فيه؟ أن تعرف أن العمر كم هو يا شيخ؟ صبر ساعة، الستين سبعين سنة بدك تعيشها في الدنيا اصبر على ما فيها من الفتن والشهوات والمحرمات حتى تنجو من كل هذه الأمور المرعبة التي لا يستطيع العقل أن يتصورها أو أن يتحملها.

قال وروي عن ابن مسعود قال: الزمهرير لون من العذاب وأن يكرمه قال هو البرد الشديد. وروي عن زبير اليماني أنه قام ليلة للتهجد فعامد إلى مطهرة له وقد كان يتوضأ فيها، فغسل يده ثم أدخلها في المطهرة فوجد الماء الذي فيها بارداً برداً شديداً قد كاد أن يجمد فذكر الزمهرير ويده في المطهرة فلم يخرج يده من المطهرة حتى أصبح. فجاءته الجارية وهو على تلك الحال فقالت: ما شأنك يا سيدي لم تصل الليلة كما كنت تصلي؟ حوض فيه ماء شديد البرودة فلما ذاق برودته الشديدة تذكر زمهرير جهنم فبقيت يده حتى يبقى متذكرا لتلك الساعة أبقى يده حتى الفجر. نعم قال: ما شأنك يا سيدي لم تصل الليلة كما كنت تصلي؟ قال: ويحك إني أدخلت يدي في هذه المطهرة فاشتد علي برد الماء فذكرت فذكرت به الزمهرير، فوالله ما شعرت بشدة برده حتى وقفت عليه، انظري لا تخبري بهذا أحداً ما دمت حياً فما علم بذلك أحد حتى مات رحمه الله.

قال رحمه الله تعالى: الباب الحادي عشر في ذكر سجَر جهنم وتسعير وجهها. لقد سبق في غير حديثنا أنه قد أوقد عليها ثلاثة آلاف عام، جهنم سعرت وتم تسجيرها ثلاثة آلاف سنة حتى اكتمل حرها. فلو روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما خلق الله النار ارسل جبريل قال له: اذهب فانظر إليها وإلى ما عددت لأهلها، قال: فنظر إليها فإذا هي يركب بعضها بعضاً فرجع فقال: وعزتك لا يدخلها أحد سمع بها. فأمر بها فحفت بالشهوات، ثم قال له: اذهب فانظر إلى ما عددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها ورجع فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها. خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي.

وفي حديث سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ملكين أتياهه في المنام فذكر الرؤيا طويلة وفيها قال: فانطلقت فأتيني على رجل كريه المرة كأكراه ما أنت راء فإذا هو عند نار يحشها، قال: فإذا هو يعني الا يحشها ويسعى حولها. قال: قلت ما هذا؟ قال لي انطلق انطلق. وفي آخر الحديث قال: فأما الرجل الكريه المرة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها فإنه مالك خازن جهنم، وقد خرجه البخاري بتمامه وخرج مسلم له ولم يتم. وقوله كَريه المرة أي المنظر. وقوله يحشها، روى هذا الحديث أبو خلد عن أبي رجاء عن ثورة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث بطوله. وفي حديثه قال: فرایت شجرة لو اجتمع تحتها خلقاً كثيراً لأظلتهم وتحتها رجلان أحدهما يوقد نار والآخر يحتطب الحطب، وفي آخر الحديث قلت: فالرجلان اللذان رايت تحت الشجرة؟ قال: ذلكم ملكا جهنم يحمون جهنم لأعداء الله يوم القيامة.

قال رحمه الله تعالى: فاسكن تزجر جهنم كل يوم نصف النهار، وجهنم تزور كل يوم نصف النهار نصف النهار كما قيل إنها تفتح أبوابها، لكن الصحيح أو المشهور أنها تشجر وتسعر في

هذا الوقت، لذلك لا يجوز الصلاة عند منتصف النهار وأنه من أوقات النهي كما هو معلوم عندكم. قال رحمه الله تعالى: وجهنا متجر كل يوم نصف النهار. وفي صحيح مسلم عن عمرو بن عبسة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صل صلاة الصبح، ثم اقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس وترتفع، فإنها تطلع بين قرنين شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل؛ فإن الصلاة مشهودة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم اقصر عن الصلاة؛ فانه حينئذ تسجر جهنم». فإذا أقبل الخير، إذا اصبحت الشمس في منتصف السماء وهذا وقته تسعر جهنم والعياذ بالله.

قال رحمه الله تعالى: وذكر بقية الحديث. وقد روى هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه من حديث أبي أمامة وغيره. وفي حديث صفوان بن معطل عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا طلعت الشمس فصلي حتى» قال صلى الله عليه وسلم: «إذا طلعت الشمس فصلي حتى تعتدل على رأسك مثل الرمح، فإذا اعتدلت على رأسك فإن تلك الساعة تسجر فيها جهنم وتفتح فيها أبوابها حتى تزول عن حاجبك الأيمن». خرجه عبد الله بن الإمام أحمد رضي الله عنه.

حتى تميل الشمس إلى الجهة الأخرى، هذا المعنى إذا الشمس دخل وقت الظهر. قال: وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإذا انتصف النهار فاقصر عن الصلاة حتى تميل الشمس؛ فإنها تسعر جهنم، وشدة الحر من فيح جهنم». وروى أبو بكر بن عياش عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود قال: إن الشمس تطلع بين قرنين شيطان، أو في قرنين شيطان، فما ترتفع قسمة في السماء يرتفع بقرن، وهذا معنى أن الشمس تطلع بين قرنين شيطان أن الشيطان يطلع بقرنيه وبرأسه عند طلوع الشمس تماماً، حتى أن الرائي لو رأى لرى أن الشمس تطلع بين قرنين، وهذا في علم الغيب والله تعالى أعلم بكيفيته.

قال: فما ترتفع قسمة في السماء إلا فتح لها باب من أبواب النار، فإذا كانت الظهيرة فتحت أبواب النار كلها. فقلنا: ننهى عن الصلاة عند طلوع الشمس، ونعود... فكنا ننهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها ونصف النهار. خرجه يعقوب بن شيبة ورواه الإمام أحمد عن أبي بكر بن عياش أيضاً.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن شدة الحر من فيح جهنم». وفي رواية خرجها أبو نعيم: «من فيح جهنم» أو «من فيح أبواب جهنم». وخرج أبو داود من حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كره صلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: «إن جهنم تسجر مدى الأيام إلا يوم الجمعة». أخذ به بعض المذاهب ولم يأخذ به البعض الآخر بناء على صحة هذا الاستثناء (إلا يوم الجمعة)، بعض العلماء صحح هذه ولم يصححها، فاختلف الفقهاء: هل يوم الجمعة مستثنى ولا غير مستثنى؟ قال: وفي إسناده انقطاع وضعف.

قال رحمه الله تعالى: تسجر جهنم في غير نصف النهار. قالوا: أحياناً في غير نصف نهار، كما خرجه الطبراني من حديث ابن أم مكتوم قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات غداة فقال: «سعرت النار وجاءت الفتن» فذكر الحديث. ومن طريق جهنم قد تسعر في غير نصف النهار، سعرت النار. وكذا هذا متى غدا؟ ما معنى الغداء؟ عند الفجر أو عند الصبح، وهذا يدل على أن جهنم قد تسعر في غير وقت الظهيرة أيضاً.

قال رحمه الله تعالى: ومن طريق عبيد الله بن سعيد قال الأعمش، عن الأعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا أهل الحجرات، سعرت النار، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً». قال عبيد الله بن سعيد: فيه ضعفاً، صحيحاً، صلى الله على النبي، سفيان عن عبيد بن عمير مرسلة، وقيل إن الأعمش أبي سفيان عن ابن عمر ولا يصح. وفي حديث علي بن علي عن عمر بن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: جئتك حين أمر الله عز وجل بمنافيخ النار فوضعت على النار الحديث. وروي أيضاً من حديث الحسن مرسلة، وفي الإسنادين ضعف.

قال فصل: تسجر جهنم بخطايا بني آدم أيضاً يوم القيامة. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: 12]. منافيخ النار، يعني كانه يقول: أنا الآن أتيتك وقد علمت في علم الغيب أن المنافيخ وضعت على جهنم حتى تسعرها، منافيخ مثل كير الحداد وضعت على جهنم، وهذا يدل أيضاً على أن جهنم تسعر عموماً، وليس هذا مختصاً بوقت الظهيرة.

قال رحمه الله تعالى: وتسجر أيضاً يوم القيامة، قال الله تعالى إلى قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: 14]، وقرأ: سعرت وسعرت بالتجديد والتخفيف. قال الزجاج: المعنى واحد إلا أن معنى المشدد أو أقِدت مرة بعد مرة، سعرت أبلغ، الجحيم وسعرته وأوقدته. وقال السدّي: أحميت. وقال سعيد بن بشير عن قتادة: يسعرها غضب الله وخطايا بني آدم، خرجه ابن أبي حاتم. وهذا يقتضي أن تسعير جهنم حيث سعرت إنما سعرت بخطايا بني آدم التي تقتضي غضب الله عليهم، فتزداد جهنم حينئذ تلتهباً وتسعراً.

هذا وكما أن بناء دور الجنة وغرس الأشجار يحصل بأعمال بني آدم الصالحة من الذكر وغيره، وكذلك حسن ما فيها من الزوجات، وكذلك حسن ما فيها من الزوجات وغيرهن يتزايد بتحسين الأعمال الصالحة، فكذلك جهنم تسعر وتزداد آلات العذاب فيها بكثرة ذنوب بني آدم وخطاياهم وغضب الرب تعالى عليهم، نعوذ بالله من غضب الله ومن النار.

يوم القيامة خطايا بني آدم، هذه الفكرة التي أراد أن يوصلني: كما أن الجنة إنما تعمر بـ: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، تعمر فيها القصور والاشجار، كذلك نار جهنم تسعر بالخطايا. نعم، قال: نعوذ بالله من غضب الله ومن النار وما قرب إليها من قول وعمل بمنه وكرمه.

قال: وقد سبق في الباب الخامس صفة تسعر النار يوم القيامة ومزيدها بإيقاد البحر وإضافته إليها. قال رحمه الله تعالى: تسعر جهنم بعد دخول أهلها وتجرو على أهلها بعد دخولهم إليها. قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ ۖ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ۖ مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: 97]. فلهيبها زدناهم سعيراً. وفيها قال ابن عباس: كلما طفيت أووقدت. وقال ابن عباس: خبت سكنت. وقال ابن قتيبة: خبت النار إذا سكن لهبها، فاللهب يسكن والجمر يعمل.

وقال غيره من المفسرين: تأكلهم، فإذا صاروا فحماً ولم تجد النار شيئاً تأكله أعيد خلقهم خلقاً جديداً فتعود لأكلهم. وقوله: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ ناراً تتسعر وتتلهب. وقد روي عن عمرو بن عبسة أن في جهنم بئراً يقال له الفلق منه تسعر جهنم إذا سعرت، وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى، قل أعوذ برب الفلق، إن هو استعاذ من هذا البئر الذي في جهنم وإن كان المشهور أن الفلق هو الصبح.

قال: والمعنى أن يكشف ذلك البئر فيخرج منه نار تلهب جهنم وتوقدها. وقال الله تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ﴾ [الليل: 14]. قال مجاهد وغيره: توقد، توهج. قرأ عمر بن عبد العزيز ليلة في صلاته سورة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾، فلما بلغ قوله: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ﴾ بكى فلم يستطع أن يتجاوزها، ثم عاد فتلى السورة حتى بلغ الآية فلم يستطع أن يتجاوزها مرتين أو ثلاثاً، ثم قرأ سورة أخرى غيرها، حاضر يكمل السورة. رضي الله عنهم، شدة الخشوع والانتباه والاتعاظ بالقرآن.

نعم، قال رحمه الله تعالى: الباب الثاني عشر في ذكر تغيضها وزفيرها. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ۖ وَهُمْ فِي ما اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: 101-102]. وقال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا * إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَان بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: 11-12]. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ۖ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهُمْ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: 6-8].

والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. قال الربيع بن انس: الشهيق الواضحاتنا. قال الربيع بن أنس: الشهيق في الصدر. وقال مجاهد في قوله: وهي تفور، قال: تغري بهم كما يغلي القدر. وقال ابن عباس: تميز، تفرق عنه، قال: يكاد يفارق بعضها بعضاً وتتفطر. عن الضحاك: تميز تتفطر. وقال مزيد من التميز: التفرق من شدة الغيظ على أهل معاصي الله عز وجل غضباً له عز وجل وانتقاماً له.

وقال وخرج ابن أبي حاتم من حديث خالد بن مَعْدان عن رجل من الصحابة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تقوَّل عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار». قيل يا رسول الله: وأهلها عينان؟ قال: «نعم، أو لم تسمع قول الله عز وجل: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَان بَعِيدٍ﴾». راتهم النار، ترى كيف مش كيف هذا ليس لنا؟ كما نقول في صفات الله آمنا بالصفة ولا نعرف الكيفية، وإذا كان هذا في مخلوق لا نعرف الكيفية، فما بالك بالخالق سبحانه وتعالى؟

روى أبو يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس قال: إن العبد ليجر إلى النار فتجشمه إليه شقجة البغلة إلى الشفير، ثم تزفر زفره لا يبقى أحد إلا خاف. خرجه ابن أبي حاتم. وخلق كعب: ما خلق الله من شيء إلا وهو يسمع زفير جهنم غدوة وعشية إلا الثقلين الذين عليهم الحساب والعذاب. خرجه الجوزجاني الإسرائيليات يروي إسرائيلية في كتاب الزهد لها النادي ابن السريع المغيث بن سامي قال: إن لجهنم كل يوم زفرتين يسمعهما كل شيء إلا الثقلين عليهم الحساب والعذاب. وعن الضحاك قال: إن لجهنم زفرة يوم القيامة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا ساجداً يقول: ربي نفسي نفسي.

قالوا وعن عبيد بن عمير قال: تزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك ولا نبي إلا وقع لركبتيه ترعد فرائصه يقول: ربي نفسي نفسي. الله سبحانه في بهائه وملكه مجنبته اليسرى جهنم، على يساره جهنم، قال: فيسمعون شهيقها وزفيرها فيندون. قالوا وعن وهب بن منبه قال: إذا سيرت الجبال صرخت الجبال كما تصرخ النساء ثم يرجعونها على أواخرها يدق بعضها بعضاً. خرجه الإمام أحمد، جمال تدخل في بعضها البعض.

نعم، قال ابن أبي حاتم، محمد بن الفضل عن علي بن زيد بن جُدعان عن أبي عباس قال: تزفر جهنم زفرا لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثى على ركبتيه حول جهنم فتطيش عقولهم، فيقول الله عز وجل: ماذا أجبتم المرسلين؟

عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَان بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ المكان البعيد مسيرة المئة عام، وذلك أنه إذا أتي بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام يشد بكل زمام سبعين ألف ملك، ولو تركت لآتت على كل بر وفاجر، ثم تذكر زفرة لا يبقى قطرة من دمع إلا بدر، ثم تسفر الثانية فتنقطع القلوب من أماكنها، تبلغ اللهوات والحناجر، فهو قوله: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: 10]، لحم متدلية في جوف عاصم الكوزي ضعيف جداً.

وقال ليث بن سعد بن عبيد الله بن جعفر: جهنم تنشق منها قلوب الظلمة، ثم تذكر قلوب الظلمة، ثم تزفر أخرى فيطيرون في الأرض حتى يقعوا على رؤوسهم. خرجها عبد الله بن الإمام أحمد. وروى أسد بن موسى عن إبراهيم بن محمد عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه أبو نعيم وغيره من رواية عبد الرحمن بن حاتم قال عمر رضي الله عنه لكعب: خوفنا، هذا والذي نفسي بيده تقرب إلا تقرب يوم القيامة لها زفير وشهيق، حتى إذا دنت وقربت زفرت زفرة ما خلق الله من نبي ولا شهيد إلا وجب لركبتيه الساقطة حتى يقول كل نبي وكل صديق وكل شهيد: اللهم لا أكلّفك اليوم إلا نفسي، ولو كان لك يا بن الخطاب عمل سبعين نبياً لظننت أن لا تنجو. قال عمر: والله إن الأمر لشديد. وهذا يدل على أنها في شيء مرعب، هذه الأسانيد لكن يدل في مجموعها على أن شهيقها وزفيرها أمر مرعباً حتى لأهل الإيمان عندما يرونه.

نعم، الأوامر روايته شريح بن عبيد قال: قال عمر لكعب: خوفنا. قال: والله لتزفرن لَتَزْفَرَنَّ قال: والله تزفرن جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا غيره إلا خرجات على ركبتين يقول: ربي نفسي نفسي. وحتى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإراهيم وإسحاق عليهم الصلاة والسلام، قال: فأبكى القوم حتى نشجوا. قالوا في رواية المطرف من الشفير الكعبة قال: كنت عند عمر فقال يا كعب... كانوا إذا سمعوا هذه الأمور... رحمنا الله ضعفنا، نحن نسمع هذه الأمور وكأنها قصص طروه سنف، قال: فأبقى القوم حتى يعني مثل هذه الأمور كانت بالنسبة للسلف شيء يستدعي البكاء، اليوم بسبب أسود قلوبنا نسمعها وكأنها يعني في حزن في تالم لكن.

ليس هناك حال السلف في التأثر والانتباه والانتعاظ من هذه المشاهد المهيبة. فقال: يا كعب خوفنا. فقلت: يا أمير المؤمنين، إن جهنم لتزفر يوم القيامة زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خرّ ساجداً على ركبتيه، حتى إن إراهيم خليله عليه السلام لا يخلو جاثياً، ويقول: نفسي نفسي، لا أسألك اليوم إلا نفسي، أتجدون هذا في كتاب الله عز وجل؟

قال عمر: كيف قلت؟ يقول الله عز وجل في هذه الآية: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل: 111]. يوم القيامة والدك، والدتك، أبناؤك، زوجتك، ما حدا معك. قال: وكان سعيد الجريري يقول في موعظته: إذا وصف الخائفين كان زفير النار في آذانهم. وعن الحسن أنه قال إنها تزفر في آذانهم لشدة ارتفاع هذا الصوت.

قال رحمه الله تعالى عن الحسن أنه قال في وصفهم: إذا مروا بآية فيها ذكر الجنة بكوا شوقاً، وإذا مروا بآية فيها ذكر النار ضجوا صراخاً كأن زفير جهنم عند أصول آذانهم، كأنهم يسمعون الآن صوت زفيرها من شدة وعظه وانتباههم، كأنهم يسمعون الآن زفيرها وهم ما زالوا في الدنيا، هذا الذي يظهر.

قالوا وروى ابن أبي الدنيا: كأن جهنم الآن الآن تزفر مع أنهم ما زالوا في الدنيا لم يخرجوا منها بعد إلى الدار الآخرة، وهذا من شدة الابتعاد والاعتبار.

قال رحمه الله تعالى: أخرجنا مع ابن مسعود رضي الله عنه عن الربيع بن خيثم، فأتي نعل النور على شاطئ الفرات، فلما رأاه عبد الله والنار تلتهب في جوفه قرا هذه الآية: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: 12] إلى قوله: ﴿ثُبُورًا﴾ [الفرقان: 13]، فساق الربيع بن خيثم فاحتملناه إلى أهله، فرابطه عبد الله حتى صلى الناس عنده، يحاول أن يوقظه، قال: حتى صلى الناس وظهر فلم يفق، ثم ربطه العصر فلم يفق، ثم ربطه إلى المغرب فأفاق فرجع من آية واحدة.

قالوا وروى مسمع بن عاصم قال: بتُّ أنا وعبد العزيز بن سليمان وكلاب بن الجري وسلمان الأعرج على ساحل من بعض السواحل، فبكى كلاب حتى خشيت أن يموت، ثم بكى عبد العزيز لبكائه، ثم بكى سلمان لبكائهما، وبكيتُ والله لبكائهم لا أدري ما أبكاهم، فلما كان بعد، ما الذي أبكاك ليلة؟ قال: إني والله نظرت إلى أمواج البحر تموج وتجيل، فذكر الاعتبار الاعتبار من الواقع، وتخيل يوم القيامة من خلال الواقع. هكذا كان السلف البحر الجبال السماء كلها تذكرهم بالدار الآخرة.

قال: فتذكرت أطباق النيران وزفراتها فذلك الذي أبكاني، ثم سألت كلاباً أيضاً نحو مما سألته عبد العزيز، فوالله لكانما سمع قصته فكان نفس الموضوع هو الذي أبكى تحكي كأنه ماخدين من بعض. فسألتهما فقال لي: ما كان في القوم ما كان بكاء إلا لبكائه، ما في القوم شر مني أنا بكيت لأنهم ما تخيلت هذا المشهد كما هو متخيله الثلاثة. قال: ما كان بكاء إلا لبكائهم رحمة لهم مما كانوا يصنعون بأنفسهم رحمهم الله تعالى.

قال رحمه الله تعالى: الباب الثالث عشر في ذكر دخانها وشرارها ولهبها. قال الله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ * لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: 41-44]. قال ابن عباس: ظل من دخان. وكذا قال مجاهد وعكرمه. ما معنى وظل من يحموم؟ أي ظل من دخان، هذا قول بعض المفسرين.

قال رحمه الله تعالى عن مجاهد قال: ظل من دخان جهنم وهو السموم. وقال مالك بن أنس: يحموم ظلاً من دخان جهنم. قال الحسن وقتاده في قوله: ﴿لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: 44]، لا بارد المدخل ولا كريم المنظر، هو الريح الحارة قاله قتاده وغيره. وهذه لا يتضمن الذكر ما يتبرد به في الدنيا من الكرب والحر، وهو ثلاثة: الماء والهواء والظل، فهواء جهنم السموم وهو الريح الحارة الشديدة الحر، وما هو الحميم الذي قد اشتد حره، وظل يحموم. مشاكل آية في سموم وحميم وظل، هذه عناصر الراحة في الحياة الدنيا.

قال هذه الآية مرة أخرى: قال وهذه الآية تضمن الذكر ما يتبرد به في الدنيا من منطقة باردة تحتاج إلى هذه العناصر الثلاثة، أليس كذلك؟ الريح الباردة والماء البارد والظل الجيد صحيح. قال هذا في جهنم كله معدوم. نعم قال ما يتبرد به في الدنيا من الكرب والحر وهو ثلاثة: الماء والهواء والظل، فهواء جهنم السموم وهو الريح الحارة الشديدة الحر، وما هو الحميم الذي قد اشتد حره، وظلها ليحموم وهو قطع دخانها أجارنا قطع دخانها أجارنا الله من ذلك كله بكرمه.

وقال تعالى: ﴿انطَلِقُوا إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: 30]. قال مجاهد: هو دخان جهنم اللهب الأخضر والأسود والأصفر الذي يعلو النار إذا وقّدت. وقال شعَب: ما هو اللهب الأخضر والأسود والأصفر الذي يعلو النار إلى آخره، وهذا ترونه في حياتكم.

قال السدي رحمه الله في قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: 32]. قال: زعموا أن شررها ترمي به كأصول الشجر، ثم يرتفع فيمتد. وقصروا على هذا التفسير هو أصول هذه جذوع الشجر. هذا على أحد التفاسير أن القصر لماذا جذوع الأشجار؟ فشررها كأنه شجرة نخيل، ولكن هناك من قال القصف والبناء الضخم كما سياتي.

قال رحمه الله تعالى: وقال القرظي: على جهنم سور، فما خرج من وراء سورها يخرج منها في عظم القصور ولون القار. وقال الحسن والضحاك في قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَاتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: 33]، هو كأصول شجرة العظام. وكان مجاهد: قطع الشجر والجبل. ترمي بشرر كالقصر، إما نقول القصر هي أصول الشجر وجذوعه وإما نقول القصر والبناء العظيم الذي يسمونه قصراً وهو المتوارد إلى أذهانكم.

وصح عن ابن مسعود قال: شرر كالقصور والمدائن. وروي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَاتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: 33] يقول: كالقصر العظيم. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: كنا نرفع من الخشب بقصر ثلاثة أذرع أو أقل نرفعه للشتاء نسميه القصر، تسمى قصر هذا الذي أراد أنها.

وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَاتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: 33]. قال ابن عباس: حبال السفن يجمع بعضها إلى بعض تكون كأوصاف الرجال على أحد الحبال التي تعرفونها توضع عند المساجد فهذا رأيي. وقيل إن الجمال هي الجمال نفسها وهذا رأي آخر في تفسير الآية. وقال مجاهد: حبال الجسور. وقالت طائفة: هي الإبل منهم الحسن وقتاده والضحاك، وقالوا الصفر هي السود. وروي عن مجاهد: عند العرب هي الجبال السود. جمال السفر عند العرب هي الجمال التي لونها على سواد.

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَاتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: 33] قال: يقول قطع النحاس. قال الله عز وجل: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾ [الرحمن: 35]. قال علي بن أبي طلحه عن ابن عباس: شواظ من نار يقول لهب النار، ونحاس يقول دخان النار. وكذا قال سعيد بن جبير وأبو صالح وغيرهما: إن النحاس دخان النار. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: شواظ من نار قال دخان. وقال أبو صالح: اللهب الذي فوق النار ودون الدخان. وقال منصور عن مجاهد: ونحاس شواظ من نار ونحاس، فلهيب جهنم عبارة عن نار مخبوطة بماذا؟ بالنحاس، هذا على رأي بعض المفسرين.

قال منصور عن مجاهد: الشواظ هو اللهب الأخضر المتقطع. وعنه قال: الشواظ قطعة من النار فيها خضرة. قال الحسين بن منصور: أخرج الفضيل بن عياض رأسه من خوخة فقال: «منصور عن مجاهد يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا». خوخة: يعني منفتحة في جداره وخيمة مش الخوخ الخوخ، ثم أدخل رأسه فانتحر، ثم أخرج رأسه فقال: هو اللهب المنقطع، ولم يستطع أن يجيز الحديث لو خرج النسائي لجدي خوفه، لم يستطع أن يكمل موعظته. ولو خرج النسائي والترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف امرئ أبدا». وخرج الإمام أحمد جهنم وعن لهيبها ودخانها.

نعم قال: لو خرج الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. قال رحمه الله تعالى: الباب الرابع عشر في ذكر أوديتها وجبالها وآبالها وجبابها وعيونها وانهارها. وروى الرجل عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره». خرجه الإمام أحمد والترمذي. وعن هذا يفسر ويل للمطففين عند كثير من أهل العلم، قالوا: ويل واد بين جبلين يهوي فيه الكافر سبعين خريفا قبل أن يبلغ قعره. وذكر أنه لا يعرفه إلا من حديث ابن لهيعة عند دراج، ولكن أخرجه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما من حديث عمرو بن الحارث عن دراج به. وخرج ابن جرير الطبري باسناد فيه نظر عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الويل جبل من نار في جهنم. وخرج البزار بإسناد مجهول عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن في النار حجرا يقال له ويل يصعد إليه العرفاء وينزلون منه». هذا غريب، هذا غريب ليس صحيحاً.

روى ابن أبي هاتم من طريق الحماني حدثنا خلف بن خليفه عن العلاء بن المسيب عن أبيه عن أبي عبيده عن عبد الله قال: ويل في جهنم من قيح. ومن طريق المحاربي على العلاء بن المسيب عن أبيه وعاصم بن أبي النجود قال: واد في جهنم قال له ويل ينصب فيه صديد اهل النار لمعت من حره. وعن مالك بن دينار قال: ويل واد في جهنم في جهنم فيه ألوان العذاب، قال: ويل واد يسير من صديد.

وخرج ابن جرير يعني واضح أنه مصيبة عافانا الله وإياكم، قال: وخرج أبو جرير باسناده عن أبي صهريج في أصل جهنم يسيل فيه صديد اهل النار. وعن سفيان نحو. روى الأعمش عن زر عن وائل بن مهانة قال: الويل واد في جهنم من القيح.

قال رحمه الله تعالى: فصل في تفسير قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: 17]. الصعود ويل وادي الصعود جبل. الرجل عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: 17] قال: «جبل من نار يكلف أن يصعده، فاذا وضع يده عليه ذابت، واذا رفعها عادت، واذا وضع رجله عليه ذابت، فاذا رفعها عادت». هذا الجبل إذا حطيت رجلك عليه بتذوب، حطيت إيدك عليه بتذوب، إذا رفعتها بترجع بعدين درجات حطيتها تذوب من شدة والعياذ بالله. قال: «يصعد سبعين خريفا ثم يهوي مثلها كذلك». وهذا الحديث قالوا: هذا الحديث خرجه الإمام أحمد وغيره بمعناه، وخرج الترمذي مختصره، ولفظه: «الصعود جبل من نار يصعد فيه الكافر سبعين خريفا ويهوي فيه كذلك». بدا وقال: حديث غريب لا نعرف مرفوعاً.

وقال: حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من اللي هي عند دراج، ولكن وهو أيضاً عمرو بن الحارث عند الرجل به، خرجه من طريق الحاكم فقال صحيح الإسناد. وروى هذا الحديث أيضاً شريك بن عمار الدهني عن عطية عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، خرجه من طريق البزار وقال: تفرد برفعه شريك، ووقفه سفيان على عمار، يعني أنه وقفه على أبي سعيد ولم يرفعه. ورواه أيضاً عمرو بن قيس بن ملائي عن عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه عن عكرمة عن ابن عباس في ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: 17] قال: جبل في النار. ورويناه من طريق فيه ضعف عن الضحاك عن ابن عباس قال: هو جبل من نار جبل من النار كلما صعده الفاجر زلق فهوى في النار.

وعن ابن السائب قال: هو جبل من صخرة ملساء في النار يكلف أن يصعدها حتى إذا بلغ عليها رد إلى أسفلها، ثم يكلف أيضاً أن يصعدها فذلك دأبه أبدا، ويجذب من أمامه بسلاسل الحديد، ويضرب من خلفه بمقامع الحديد فأصعدها في أربعين سنة. وقال أيوب بن بشير عن شفيع بن ماتع قال: في جهنم جبل يدعى صعوداً يطلع فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يلقاه، خرجه ابن أبي الدنيا.

قال رحمه الله تعالى: فصل في أودية جهنم. روى عطية عن ابن عامر في قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: 11] قال: جبل في جهنم، ذكره في الباب السادس. وقد سبق ذكره في الباب السادس وذكرنا فيه عن أبي رجاء قال: بلغني أن مطلعها سبعة آلاف سنة وأن مهبطها سبعة آلاف سنة. روى لقمان بن عمرو عن أبي همام مرفوعاً عن غي وأثام نهران في أسفل جهنم يسير فيهما صديد اهل النار، وقد سبق ذكرهم مذكورة في القرآن. قيل: ما نهران في أسفل جهنم؟ قال: وقد سبق ذكره مرفوعاً وموقوفاً بلفظ آخر وهما بئران. وروي أيضاً عن ابن عباس مرفوعاً عن الغي واد في جهنم ولا يصح رفعه. وعن إسحاق عن أبي عبيد الله بن عبد الله ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59] قال: وادي في جهنم. ما معنى الغي؟ قال: وادي في جهنم خبيث والطعم بعيد، خرجه ابن أبي الدنيا وغيره. أخرجه البيهقي ولفظه: والغي نهر حميم في النار يخلف فيه الذين يتبعون الشهوات. أخرجه أيضاً من وجه آخر عن.

روى ابن إسحاق عن البراء بن عازب من نحوه، ورواه عمرو بن قيس عن عطية عن أبي عبيدة قال: ونهرب في جهنم وقال لهم في جهنم. وكذا قال ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال: وقال شفي بن ماتع في جهنم قصراً، قالوا له: يرمى الكافر من أعلاه أربعين عاماً قبل أن يبلغ أصله. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبُهُ فَقَدْ هَوَى﴾ [طه: 81].

لا تركز كثيراً على المدد أربعين أو خمسين، تأخذ الفكرة العامة لأن هذه الأمور تختلف فيها الروايات. قالوا: إن في جهنم وادياً يدعى أثامى فيه حيات وعقارب ففقار إحداهن مقدار سبعين قلة، العمود الفقري والله مقداره سبعين قلة سم، والعقرب منهن مثل البغل الموقفة تلدغ الرجل فلا يلهبه ما يجد من حرج جهنم حمى حمولة لدغتها فهو لمن خلق لها لمن خلق له.

وإن في جهنم وادياً يدعى غياً يسير قيحاً ودماءً سريعاً سبعين كل داء مثل جزء من أجزاء جهنم. خرجهم في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً﴾ [الكهف: 33] قال: هو وادي طيح في جهنم. وفي رواية: نهر في جهنم، خرجه عبد الله بن الإمام أحمد رضي الله عنهم. وعن عبد الله بن عمرو قال: هو واد في النار عميق، قال له أحد وديان النار. ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً﴾ [الكهف: 33] إلى موبق، أحد وديان النار لذلك ذكره.

نعم، قال رحمه الله تعالى: وروى النعمان بن عبد السلام، حدثنا أبو مغلس بن علي عن أيوب بن يزيد عن عمرو بن عبسة قال: الفلق بئر في جهنم فإذا سعرت قال: فإذا سعرت فيه تسعر، وإن جهنم تأذى منه كما يتأذى من جهنم. خرجه ابن أبي الدنيا، وخرجه ابن أبي حاتم، وعنده عن ابن يزيد عن يحيى بن أبي حاتم من طريق السدي عن زيد بن علي عن آبائه قالوا: الفلق جب في قعر جهنم عليه غطاء، فإذا كشف عنه خرجت منه نار تضج منه، قال: خرجت منه نار تضج منه جهنم من شدة حر ما يخرج منه. ومن طريق ابن الهيئة نار تضج منه، هذا البئر النار تضوج منه.

فقال: أحسن عملا وأضل قومه، ما أجمل هذه. قال: رضيت لهم الفلق، فقالوا: وما الفلق؟ قال: بيت في جهنم إذا فتح صراخ جميع أهل النار من شدة حره. وفي تفسير ابن جرير من طريق عبد الجبار الخولاني قال: قدم رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الشام، فنظر إلى دور أهل الذمة وما هم فيه من العيش والنضارة وما وسع عليهم في دنياهم فقال: لا أبالي أليس من ورائهم الفلق؟ قيل هم الفلا، قال: بيت في جهنم إذا فتح هوى أهل النار وفيها بيوت الكفار هكذا يعتبرون هناك.

اليوم إذا نظرت إلى الحياة الغربية وحجم ما فيها من المتعة والملذات نفعل كما فعلوا، أما في النهاية مأواهم فلق، يعني هذا كله يذهب سريعا ولا يبقى إلا النار والعياذ بالله. نعم، قال رحمه الله تعالى: وفيها أيضا من حديث أبي هريرة مرفوعا عن الفلق جب في جهنم مغطى، وروي عن ابن عباس: الفلق سجن في جهنم. وروى يحيى بن اليماني عن سفيان عن سلمة بن فهيم عن سعيد بن جبير قال: السعير وادي من طيح في جهنم، خرجها ابن أبي حاتم. وقال خالد بن زيد بن أبي مالك عن نبيه: جهنم من القي فيها ترد ثم ينزع بهذه الآية: ﴿اليَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: 34]. خرجه ابن أبي الدنيا.

قال رحمه الله تعالى: فصل في جهنم واد هو جب الحزن. قال: روى عمار بن سيف عن أبي معان عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعوذوا بالله من جب الحزن». قال: وما جب الحزن؟ قال: «وادي في جهنم تتعوذ منه جهنم كل يوم مئة مرة». قيل: يا رسول الله، من يدخله؟ قال: «القراء المرائون بأعمالهم»، يعني طلبت العلم المرائون بأعمالهم أعد لهم هذا الوادي. نسأل الله السلامة والعافية أن ينتبه الإنسان على نيته ومقصده في سلوك هذا الطريق. قال: خرجه الترمذي وقال: غريب. وأخرجه ابن ماجه بمعناه.

وقال في رواية: أربعمائة مرة. وزاد في آخره: «وإن من أبغض القراء إلى الله عز وجل الذين يزورون الأمراء الجورة»، قالوا: يطلبون منهم متاع الحياة الدنيا. قالوا: في هذا الإسناد ضاع. فخرج الطبراني نحوهم من حديث الحسن بن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرج العقيلين نحوهم من حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق أبي بكر الداهري وهو ضعيف جداً.

روا الإمام أحمد في الزهد بإسناده عن عمران القصير قال: بلغني أن في جهنم والياً يستعيذ أربعمائة مرة مخافه أن يرسل عليها فيأكلها، أعد الله ذلك الوادي للمرائين من القراء. وقال بكر بن محمد العابد عن سفيان الثوري: في جهنم واد تتعوذ منه جهنم في كل يوم سبعين مرة، يسكنه القراء الزائرون الملوك. من حديث معروف الكرخي رحمه الله تعالى.

قال بكر بن خنيس: جهنم من ذلك الوادي كل يوم سبع مرات، وإن في الوادي لجباً يتعوذ الوادي وجهنم من ذلك كل يوم سبع مرات، وإن في الجب لحية يتعوذ الوادي والجب وجهنم من تلك الحية كل يوم سبع مرات، يبدأ بفسقة القراء فيقول: يبدأ بفسقة القراء فيقولون: أي ربنا، بدأ بنا قبل عبدة الأوثان؟ قيل لهم: ليس من يعلم كمن لا يعلم كالجاهلين، الله المستعان. قال: ورووه بإسناده عن حميد بن هلاب قال: إنه كعباً قال: إن في أسفل درك جهنم تنانير ضيقها كضيق يزجي أحدكم من الأرض، يقال له جب الحزن، يدخلها قوم بأعمالهم فيطبق عليهم.

وقال: خرجه ابن أبي الحاتم إلا أن عنده عن حميد بن هلال قال: لا أعلمه إلا عن بشير بن كعب قال: إن في النار جنباً يقال له جب الحزن، لهو أضيق على من دخل فيه من زج أحدكم على رمحه، يطبقها الله على من يشاء من عباده، أو قال: يضيقها على من يشاء من عباده سخطا عليهم ثم لا يخرجهم منها آخر الأبد.

قالوا: رأهم المبارك عن يحيى بن عبيد الله عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن في جهنم أودية يقال له لم لم»، إن أودية جهنم تستعيذ بالله من حر يخرجه ابن أبي الدنيا وغيره. ويحيى قالوا رواه ابن الدنيا وغيرهم. رواية الأزهر بن سنان القرشي عن محمد بن واسع عن أبي بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في جهنم مواضيع ولذلك الوادي يقال له هبهب، حق على الله أن يسكنها كل جبار». أزهر بن سنان ضعفوه وصحيح. فخرجه الإمام أحمد وغيره من طريقه هشام بن حسان عن محمد بن واسع قال: قلت، وأرسل إليه أنه بلغني أن في النار بئرا يقال له جب الحزن، يؤخذ المتكبرون فيجعلون في توابيت من حديد من نار، ثم يجعلون في تلك الباب ثم تطبق عليهم جهنم من فوقهم فبكى هلال.

روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صورة الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار في الدنيا، ويحشرهم الله كالنمل ذر تحقيرا لهم». نعم قال: يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنا في جهنم يقال له بولس، سجن أعده الله للمتكبرين في جهنم، قال: تعلوهم نار الأنوار يسقون من طين الخبال عصارة أهل النار. خرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وقال: حسن. وروي موقوفا عن عبد الله بن عمرو وروي من وجه آخر. قال في النار قصر يقال له بولس، يدخلون الجبارون والمتكبرون فيه نار الأنهار وشر الأشرار وحزن الأحزان وموت الأموات، والشر يعني أنواع النار هذا معنى النار.

قال ابن لهيعة: حدثنا أبو قبيل قال: سمعت رجلا يقول له سمعت عبد الله بن عمرو يقول: إن في النار سجن لا يدخله إلا من كان من شر الأشرار، قرار وهار وسقف قراره نار وسقوفه نار وجدران نار تلفح منه نار. خرجه عبد الله بن أحمد، وخرجه ابن أبي الدنيا، وعنده فإذا دخلوا قيل بالنار على أفواههم.

قالوا: إبراهيم بن الفضل المدني عن سعيد عن أبي هريرة عن بشر بن عاصم الجشيمي حدثنا عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليالي أحدهم من أمر الناس شيئا إلا أوقفه الله على جسر جهنم، فزلزل به الجسر زلزلة فنجا أو غير نان أو غير ناج، لا يبقى منه عضو إلا فارقه صاحبه، فإنه لم ينج ذهب به في جب مظلم كالقبر في جهنم لا يبلغ قعره سبعين خريفا». وأن عمر سال سلمان وبذر هل سمعت ما ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. خرجه ابن أبي الدنيا، وإبراهيم بن الفضل ضعيف.

وروى إسماعيل بن عياش عن سعيد بن يوسف عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلام عن الحجاج بن عبد الله الشمالي وكان قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم وحج معه حجة الوداع قال: إن سفيان بن مجيب حدثه وكان من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدماءهم قال: إن في جهنم سبعين ألف واد، في كل واد سبعون ألف شعب، في كل شعب سبعون ألف ثعبان وسبعون ألف عقرب، لا ينتهي الكافر والمنافق حتى يواقع ذلك كله. قال أبو عمر بن عبد البر: هذا حديث منكر لا يصح. فخرج ابن أبي الدنيا من طريق إسماعيل بن عياش محمد بن عمرو بن طلحه وعن ابن يسار قال: إن في النار سبعين في كل جحر حية تاكل وجوه اهل النار.

وقال ابن المبارك الرياحي: إنه بلغه أن في النار أودية في ضاحضاح من نار، في تلك الأودية حيات من أمثال وأجواز الإبل، وعقارب كبغال الحبش، فإذا سقط إليهن شيء من أهل النار أنشأنا فيه لسعاً ونشطاً حتى يستغيث بالنار فراراً منهن وهرباً منهن. خرجه ابن أبي الدنيا.

وخرج الجوزجاني من رواية الأعمش عن مجاهد عن عبيد بن عمير قال: إن لجهنم جباً فيه هوام فيه حيا امثال البخت، وعقارب أمثال البغال أمثال الجمال، قال: يستغيث أهل النار إلى تلك الحيات أو الساحل فتثب إليهم فتثب إليهم فتاخذهم بأشعارهم وشفاهم فتكشطهم حتى تبلغ أقدامهم بالرجوع إلى النار، فيقولون: النار النار، تتبعهم حتى تجدوا حرها فترجع وهي في أسراب.

وقال مطهر بن الهيثم للحجاج عن بهن طاوس قال: سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين: أن الصخرة كانت على شفير جب في جهنم حوت فيها سبعين خريفا حتى استقرت قرارها. اتدري لمن أعده الله؟ قال: لا. قال: ويلك، لمن أعدها الله؟ قال: لمن أشركه الله في حكمه، فجاء فجار فجار. قال: فبكى لها. خرجه أبو نعيم في الحلية.

وقال أحمد بن أبي الحواري: حدثنا طيب أبو الحسن علي بن الحسن بن يحيى في الحلية عن الحسن بن يحيى الخشاني قال: ما في جهنم دارو ولا مغار ولا غل ولا قيد ولا سلسلة إلا اسم صاحبها عليها مكتوب. قال أحمد: فحدثت به أبا سليمان فبكى ثم قال: ويحك، فكيف به إنه جميع هذا عليه؟ فجعل الغل في عنقه، والقيد في رجله، والسلسلة في عنقه، ثم أدخلنا أدخل النار وأدخل المغار، نعوذ بالله من ذلك.

قال رحمه الله تعالى: الباب الخامس عشر في ذكر سلاسلها وأغلالها وأنكارها. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالاً وَسَعِيراً﴾ [الإنسان: 4]. وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ: 17]. وقال تعالى: ﴿فِي أَعْنَاقِهِمُ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: 71]. هي التي توضع.

قال تعالى: ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: 72]. وقال: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: 30-32]. فقال تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً﴾ [المزمل: 12-13]. وقرأ ابن عباس: ﴿وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ بنصب السلاسل وفتح يسحبون، قال: هو أشد عليهم هم يسحبون السلاسل، خرجهم ابن أبيحاتم.

فهذه ثلاثة أنواع: أحدها الأغلال وهي في الاعلام يسحبون سلاسلهم التي معهم منهم، يسحبون بأنفسهم سلاسلهم لثقلها. كما ذكر سبحانه قال الحسن بن صالح: الغل تغلو اليد الواحدة إلى العنق، والصَفَد اليدان إلى العنق. خرجه ابن الدنيا، يعني على هذا الرأي نعم. وقال أسباط عن السدي: الأصفاد تجمع اليدين تجمع اليدين إلى العنق وأنا مع ملعقة في قوله: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ [ابراهيم: 49] قال: مقرنين في القيود والأغلال. قال عينا بن الغصن على الحسن: لأن الأغلال لم تجعل في أعناق أهل النار لأنهم أعجزوا الرب عز وجل. مقرنين في تكون الأصفاد أعم تشمل السلاسل والأغلال، تكون الأصفاد عامة تشمل السلاسل والأغلال كله يسمى أصفاد، من عندك أصفاد وسلاسل وأغلال، قلنا السلاسل في اليد والرجل والأغلال في العنق الأصفاد ماذا تكون هي الأعم تشمل كلها، كل يسمى.

قال: ولكنها إذا طفى بهم اللهب أرسلتهم، قال: ثم خر الحسن مغشيا عليه. وقال سيارة بن حاتم حدثنا عن حوشب عن الحسن أنه ذكر النار فقال: لو أن غلا منها وضع على الجبال لقاسمها إلى الماء الأسود.

ولو أن ذراعاً من السلسلة وضع على جبل لرضه. قال وروى ابن أبي حاتم، موسى بن أبي عائشة أنه قرأ قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: 24] قالت: تشد أيديهم بالأغلال في النار، فيستقبلون العذاب بوجوههم قد شدت أيديهم، فلا يقدرون على أن يتقوا بها، كلما جاء نوع من العذاب يستقبلون بـ... وبإسناده عن فيض بن إسحاق، عن فضيل بن عياض قال: الرب تبارك وتعالى: خذوه فغلّوه، تَبَدَّرُه سبعون ألف ملك، كلهم يتبدر أيهم يجعل الغلّ في عنقه، أن يسرعوا يتسابقوا حتى يوضعوا الأغلال في عنقك، الملائكة تتسابق حتى تضع الأغلال في أعناق الكافرين لمقتهم إياهم.

قال النوع الثاني: الأنكال وهي القيود، قال مجاهد والحسن وعكرمة وغيرهم: من نار. قال أبو عمران الجوني: قيود لا تحل والله أبداً، وواحد الأنكال نِكْل، وسميت القيود هكذا لأنه يُنْكَل بها أي يمنعوا. سئل الحسن: أما وعزته ما قيدوهم مخافة أن يعجزوه، ولكن قيدوهم لترسى في النار. لما يقيدوك ليش تكون الشرطة خايف تهرب؟ والأنكال هي نفس السلاسل والقيود، وهذه تكون في الأقدام، لكن هنا هو جعل الأنكال شيئاً يختلف عن السلاسل، وهذا يدل أن هذه الأمور فيها خلاف كبير بين أهل العلم في بيان الفروق بينهم، بعض التفريقات اللغوية لا يتفقوا فيها شيء من الخلاف.

قال النوع الثالث: السلاسل. خرج الإمام أحمد وغيره من طريقه، بَسْبَح، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال صلى الله عليه وسلم: «لو أن الرصاصة مثل هذه -وأشار مثل الجمجمه- أرسلت من السماء إلى الأرض وهي مسيرة خمسمائة وهي مسيرة خمسمائة عام لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنه أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفة الليل والنهار قبل أن تبلغ وصولها»، غريب وفي رفعه نظر والله أعلم. وفي حديث عدي الجندي عن عمر بن جبريل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أن حلقة من سلسلة أهل النار التي نعت الله في كتابه وضعت على جبال الدنيا لانقضت ولم يردها شيء، لانقضت ولم يردها شيء حتى تنتهي إلى الأرض السابعة السفلى»، خرجه الطبراني وسبق على إسناده. وروى سفيان عن نوف الشامي في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ [الحاقة: 32].

لما نقسم الأغلال والأنكال والقيود والسلاسل، يكون القيود هي التي توضع أي في اليدين، والسلاسل هي التي توضع في القدمين، يعني أعطاك تفصيل أدق من التفصيل الذي قدمته لكم، وقال لك عندك ثلاثة أشياء: عندك أولاً الأغلال هذه توضع في العنق، ثم قال النوع الثاني: الأنكال وهي القيود وهذه توضع في الأيادي، ثم ثالثاً عندك ايش السلاسل وهذه التي توضع في الأقدام، هكذا يعني.

قال إن الذراع سبعون باعاً، والباع منها هنا إلى مكة وهو يومئذ بالكوفه. الحلقة الواحدة منها بقدر حجم الحديد الموجود في الدنيا. نعم، وقال ابن جرير في قوله: ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ﴾ [الحاقة: 32] قال: بذراع الملك، وغلب: لو جمع حديد الدنيا كله... لما قال درعها سبعون ذراعاً، مش ذرائع ذراع الملائكة.

قال: وقال ابن المنكدر: لو جمع حديد الدنيا كلها ما خلا منها وما بقي ما عدا حلقة من الحلق من الحلق التي ذكر الله في كتابه تعالى، فقال: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ [الحاقة: 32] اخرجه ابن أبي الدنيا: الدنيا عبارة عن حلقة واحدة.

تخرج... تخرج ابن عباس: سلسلة تدخل في استه ثم تخرج من فيه. قال: ثم تخرج من فيه ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود حتى يشوى... حتى يشوى أنت توضع فيها كما توضع يعني الخرزة في المسبحة، توضع أنت داخل السلسلة كما يوضع الجراد يشوى خروف تشويه على النار وتقلبه في الحديدة. نعم، قال أخرجه ابن أبي حاتم. قال وخرج أيضاً من رواية العوفي عن ابن عباس قال: تسلك... تسلك في دبره حتى تخرج من خرومه حتى لا يقوم على رجليه. قال: لو خرج ابنها بالدنيا... من تاريخ خلف بن خليفه عن أبي هاشم قال: يجعل لهم أوتاداً في جهنم فيها سلاسل فتلقى فيها أعناقهم، فتسفر جهنم زفرة فتذهب بهم مسيره خمسمائة سنة ثم تجي بهم في يوم، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: 47]. ومن طريق أشعث عن جعفر قال: فلّت رجل من أهل النار بسلسلة لأزالت الجبال. فوق عن الضحاك في قوله: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: 41] يجمع... يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره. وقال السدي في هذه الآية: يجمع بين ناصية الكافر وقدميه، فتربط ناصيته... فتربط ناصيته بقدمه وظهره ويفتل. وذكر الأعمش عن مجاهد عن علي بن عباس قال: يؤخذ من ناصيته ويكسر ظهره كما يكسر الحطب في التنور.

وقال سيار بن حاتم عدتنا قال: إن جهنم لا يغلى عليها من الدهر إلى يوم القيامة، يحمى طعامها وشرابها وأغنامها، ولو أن غلاً منها وضع على الجبال لقسمها إلى الماء الأسود، ولو أن ذراعاً من السلسلة وضع على جبل لرضّه، ولو أن جبلاً كان بينه وبين عذاب الله عز وجل مسيرة خمسمائة عام لذاب ذلك الجبل، وإنهم ليجمعون في السلسلة من آخرهم فتاكلهم النار وتبقى الأرواح، رواه ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن عمر بن عيسى العبدي عن حوش بن علي الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر معناه، وزاد في آخره: تبقى الأرواح في الحناجر تصرخ. والموقوف أشبه، فقال عبد الله بن الإمام أحمد: أخبرته عن يسار عن المعزى وكان من خيار الناس تذهب وتبقى الأرواح في السلاسل.

وخرج الطبراني وابن أبي حاتم من طريق منصور بن عمار، حدثنا بشير بن طلحة، خالد بن دريج، عن يعلى بن منية الرفع على الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ينشئ الله سبحانه وتعالى لأهل النار سحابة سوداء مظلمة، فيقالوا يا أهل النار أي شيء... أي شيء تطلبون بها سحابة الدنيا؟ تجيب مطر». مخرجهم بالدنيا موقوفاً لم يرفع.

وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن انس عن أبي العالية وغيره عن أبي هريرة، فذكر قصة الإسرائيلي بطولها وفيها قال: ثم أتى على واد -يعني النبي صلى الله عليه وسلم- فسمع صوتاً منكراً ووجد ريحاً منتناً فقال: ما هذا يا جبريل؟ فقال: هذا صوت جهنم تقول: ربي آتني ما وعدتني فقد كثرت سلاسل وأغلالي وسعيري وحميمي وغساقي وعذابي والساقي وعذابي، وقد بعد قعري واشتد حري فآتني... فاتني ما وعدتني. قال: لكل مشرك ومشركة وكافر وكافرة وكل خبيث وخبيثة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب.

والذي عبد الله وعبد غيره الكافر ملحد من عبد غير الله فالكافر، لذلك فرق بينهما أن الكفر أعم من الشرك. نعم.

قال رحمه الله تعالى: فصل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج: 21] قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج: 21-22]. قالت: أي مطارق. قال روى ابن لهيعة عن دراج عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن مقمعاً من حديد وضع في الأرض فاجتمع له الثقلان لما قال... لما أقلوه من الأرض» مطرقة واحدة فقط. نعم قال أخرجه الإمام أحمد.

وخرج أيضاً بهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لو ضرب الجبل بمقامع من حديد لتفتت ثم عاد». قال الإمام أحمد في الكتاب: حدثنا سيار، وحدثنا نجاح سمعت مالك بن دينار قال: إذا أحس أهل النار في النار بضرب المقامع غمسوا في حياض الحميم، فيذهبون سفالاً كما... كما يغرق الرجل في الماء في الدنيا ويذهب.

قال عمر بن الخطاب: ذكروهم النار لعلهم يفرقونها، فإن حرها شديد وقعرها بعيد، وشرابها... وشرابها الصديد، ومقامها الحديد. تذكر بالنار حتى لا يغفل عن هذه المشاهد العظيمة. نعم.

ابن أبي الدنيا بإسناده عن صالح المري أنه قرأ على بعض العباد: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: 71-72] قال: فشهق الرجل شهقة فاذا هو قد يَبِس مغشياً، قال فخرجنا من عنده وتركناه. وقرا رجل على يزيد الضبي: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [إبراهيم: 49] فجعل يزيد يبكي حتى غُشي عليه، خرجه عبد الله بن الإمام أحمد. وقد سبق عن مالك بن دينار أنه قام ليلة في وسط الدار إلى الصباح فقال: ما زال أهل النار يعرضون عليّ في سلاسلهم حتى الصباح.

قال رحمه الله تعالى: الباب السادس عشر في ذكر حجارتها. قال الله تعالى في ذكر حجارتها... تجارتها قال الله... قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6] فقال: فان لم تفعلوا ولن تفعلوا، فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجاره وُعِدَت للكافرين. واختلف المفسرون في هذه الحجاره، فقال طائفة منهم الربيع بن أنس: الحجاره هي أصنام التي عبدت من دون الله. واستشهد بعضهم بهذا.

قالوا استشهد بعضهم لهذا بقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: 98-99]. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو صالح، حدثنا معاوية بن أبي صالح، عن أبي بكر بن أبي مريم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: 1] على كورت في جهنم، وإذا النجوم كورت في جهنم، وكل من عبد من دونه... وانكدرت أي تساقطت في جهنم. قال: وكل من عبد من دون الله وكل ما عبد من دون الله فهو في جهنم إلا ما كان من عيسى وأمه رضي الله... لكنهما ليس في جهنم. قال: غريب جداً، وأبو بكر بن أبي مريم فيه ضعف. إلا وقد روي أن الشمس والقمر يكوران في النار. رواه عبد العزيز بن المختار عن عبد الله بن فيروز قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يحدث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشمس والقمر ثوران يكوران في النار يوم القيامة» خرجه... خرجه البزار وغيره، أخرجه البخاري مختصراً ولفظها: «الشمس والقمر مكوران يوم القيامة».

وخرج أبو يعلى رواية درسدي بن زياد عن يزيد الرقاشي على الناس أن النبي صلى الله عليه... يعني المراد أنها تكور حتى تصبح مثل رأس الجميل الملقى في جهنم. نعم، قال أنا أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشمس والقمر ثوران عقيران في النار» وهذا إسناد ضعيف جداً.

وقد قيل إن المعنى في ذلك أن الكفار لما عبدوا الآلهة من دون الله واعتقدوا أنها تشفع لهم عند الله وتقربهم إليه، عوقبوا بأن جعلت معهم في النار إهانة لها وإزالة ونكاية لهم وإلاباً في حسرتهم وندامتهم، فإن الإنسان إذا قرن في العذاب بمن كان سبب عذابه كان أشد في المئة... تعبتنا فيها في الدنيا مع بعض حتى تزداد حسرة عن هذه الأصنام مش من نفعتني لا هي ما عايشة في نار جهنم.

ولهذا المعنى يُقرن الكفار بشياطينهم التي أضلتهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: 36-39]. قال سعيد الجريري في هذه الآيات: بلغنا أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره شُفِع... شُفِع بشيطان به قال: فلم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار، فذلك حين أقول: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾. وقال أبو الأشعب عن سعيد الجريري عن عباس الجشمي أن الكافر إذا خرج من قبره وجد عند رأسه مثل السَّرْحة المحترقة شيطاناً، فتأخذه بيده فتقول: أنا قرينتك أدخل أنا وأنت جهنم، فذلك قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ خرجه ابن أبي حاتم وغيره. وسرحة شجرة كبيرة.

وهذا أخبر الله تعالى عن حمق الكفار على من أضلهم بقوله: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: 29]. فإذا قُريء أحدهم بمن أضله في العذاب كان أشد لعذابه، فإن المكان المتسع يضيق على المتباغضين المتباغضين متباغضين، فكيف باقتران الضيق؟!

وأخبر الله تعالى عن اختصام الكفار مع من كان معه من الشياطين ومن عبدوه من دون الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَبُرِزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الش شعراء: 91-99] الآيات. ومن جملة أنواع عذاب أهل النار فيها تلاعنهم وتباغضهم وتبري بعضهم من بعض ودعاء بعضهم على بعض مضاعفة العذاب، كما قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف: 38]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [غافر: 47]. وقال الله تعالى: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ [ص: 59] إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: 64]. وحينئذ فلا يبعد أن يُقرن كل كافر بشيطانه الذي أضل، وبصورة من عبده... وبصورة من عبده من عبده من دون الله من الحجارة.

وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا عبد الله بن وضاح، حدثنا عبادة بن كليب عن محمد بن هاشم قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6] وقراها النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعها شاب إلى جنبه فصعق، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه في حجره رحمة له، فما كتم شاء الله أن يمكث ثم فتح عينيه فقال: بأبي أنت وأمي مثل أي شيء الحجر؟ قال: أما...

يكفيك ما أصابك على أن الحجر الواحد منها لو وضع على جبال الدنيا كلها لذابت منه، وإن مع كل إنسان منها حجراً وشيطاناً.

وقال الحسن في موعظته: أذكرك الله إلا ما رحمت نفسك، فإنك قد حذرت ناراً لا تطفي، يهوي فيها من صار إليها، ويتردد بين أطباقها قرين وشيطان، ولذيق حجر يلتهب في وجهه شعلها.

قال تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: 36].

وأكثر المفسرين على أن المراد بالحجارة حجارة الكبريت. القول الأول: إن الحجارة هي ماذا؟ هي الأصنام التي عبدوها من دون الله. القول الثاني: إن الحجارة التي ذكرت في القرآن التي تكون في النار هي -لا مش الأصنام- حجارة الكبريت؛ لأنها حجارة قالوا تتفاعل مع النار وتزيد من لهيبها، فلذلك اختارها الله عز وجل لتكون حجارة للنار، حجارة الكبريت نعم.

قال رحمه الله تعالى: واكثر المفسرين على أن المراد بالحجارة حجارة الكبريت توقد بها النار. ويقال إن فيها خمسة أنواع من العذاب ليس فيها غيرها من الحجارة: سرعة الإيقاد، ونتن الرائحة، وكثرة الدخان، وشدة الالتصاق بالأبدان، وقوة حرها إذا أحميت.

يعني لو سئلت: لماذا اختار الله حجارة الكبريت؟ لأنها في الدنيا ايش مواصفاتها؟ قال: واحد ايش؟ سرعة الإيضاح سريعة الاشتعال، اثنين قال نتن الرائحة فيها حجارة كبريتية، ثالثاً كثرة الدخان، رابعاً شدة الالتصاق بالأبدان يعني إذا أحميت ووضعت على أجساد، خامساً قالوا قوة حرها إذا أحميت. هذه خمس صفات في حمام.

قال عبد الله بن عبد الرحمن بن ثابت عن عمرو بن ميمون عن ابن مسعود في قوله تعالى -قال عن أبي مسعود في قوله تعالى-: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: 24] قال: هي حجارة من الكبريت خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض في السماء الدنيا يعدها للكافرين. أخرجه ابن أبي حاتم، والحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين. وقال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس -بدنا معلومات أساسية تكون عندك يا طالب-: قال عن ابن عباس من الصحابة في قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: 24] أما الحجارة فحجارة في النار من كبريت أسود يعذبون به مع النار.

وقال مجاهد: حجارة من كبريت أنتن من الجيفة. وهكذا قال أبو جعفر بن جريج وعمرو بن دينار وغيرهم.

وقال ابن وهب: حدثني عبد الله بن عياش، أخبرني عبد الله بن سليمان، عن دراج، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الأراضي بين كل أرض إلى التي تليها مسيرة خمسمائة سنة، فالعليا منها على ظهر حوت قد التقت طرفاه في السماء، والحوت على صخرة، والصخرة بيد ملك سجن الريح، فلما أاراد الله هلاك عاد أرسل عليهم ريحاً تهلك عاداً، قال: يا رب أرسل عليهم من الريح قدر منخر ثور، قال له الجبار تبارك وتعالى: إذاً يكفي الأرض ومن عليها، ولكنها بقدر خاتم، فهي التي قال الله في كتابه: ﴿مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: 42]، والثالثة فيها حجارة جهنم، والرابعة فيها كبريت جهنم -رسول الله عن النار كبريت قال: نعم، والذي نفسي بيده إن فيها لأودية من كبريت لو أرسلت فيها الجبال لو أرسلت فيها الجبال الرواسي لمعت-، والخامسة فيها حيات جهنم وإن فيها لأودية تلسع الكافر اللسعة فلا يبقى منه لحم على وضم، والسادسة فيها عقارب جهنم، وإن أدنى عقرب منها كلب عالي المنكفة تضرب الكافر ضربة تنسيه ضربتها حر جهنم، والسابعة سقر وفيها إليس مصفد بالحديد أماماه ويده من خلفه، فإذا أراد الله أن يطلقه لما يشاء من عباده أطلقه».

أخرجه الحاكم في آخر المستدرك، ولا تفرد به أبو السمح، وقد ذكرت عدالته بنص الإمام يحيى بن معين، والحديث صحيح ولم يخرجه، وقال بعض الحفاظ المتاخرين: وهو حديث منكر، وعبد الله بن عياش القبطاني ضعفه داود، وعند مسلم أنه ثقة، ودراج كثير المناكير والله أعلم. قلته: رفعه منكر جداً. وروى عطاء بن يسار عن كعب من قوله نحو هذا الكلام.

عبد العزيز بن أبي رواد قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]، وعنده بعض أصحابه وفيهم شيخ، فقال الشيخ: يا رسول الله، حجارة جهنم كحجارة الدنيا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إن صخرة من صخر جهنم أعظم من جبال الدنيا كلها». فوقع الشيخ مغشياً عليه، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على فؤاده فإذا هو حي فناداه: «قل لا إله إلا الله»، فقال فبشره بالجنة، فقال أصحابه: يا رسول الله، أمن بيننا؟ قال: «نعم، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: 14]». فرجح نوى بالدنيا.

قال رحمه الله تعالى: الباب السابع عشر قال في ذكره حياتها وعقاربها -عفوًا حياتها وأقاربها، قلت قدم في الباب الثامن والرابع عشر والسادس عشر بعض ذكر حيات جهنم وعقاربها-.

وخرج الإمام أحمد من حديث بن الهيعة عن دراج سمعته من جزء بن جزء الزبيدي قال: قال صلى الله عليه وسلم: «إن في النار حيات كأعناق البخاتي، تلسع إحداهن اللسعة فيجد حموهما إلى أربعين خريفاً، قال: وإن في النار عقارب قال وإن في النار عقارب كأمثال البغال الموقفة تلسع إحداهن لسعة فيجد قال فيجد حموتها أربعين سنة».

قال: أخرجه الحاكم من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن دراج به، قال: روى المش عن عبد الله بن عمرو بن مسعود في قوله تعالى: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: 88] قال: عقارب لها أنياب كالنخل الطوال.

وخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين لمعنى الزيادة. ما هي الزيادة؟ قالوا في رواية عنه قال: زيدوا قال زيدوا عقارب قال زيد زيد قال: زيدوا عقارب من نار كالبغال الدهن أنيبها كالنخل. خرجه آدم بن أبي إياس في تفسيره عن المسعودي علينا بقوله: عذابا ضعفا من النار قال: أفاعي في النار.

وعن عبد الله بن عمرو قال: إن لجهنم لسواحل فيها حيات وعقارب أعماقها كأعناق البخت قال أخرجها. قال وخرج ابن أبي الدنيا وغيره من طريق مجاهد عن يزيد بن شجرة قال: إن لجهنم جباباً في سواحل كسواحل البحر فيه هوام وحيات كالبخاتي وعقارب كالبغال الذل، سال اهل النار التخفيف قيل لهم أخرجوا إلى السواحل فتأخذهم تلك الهوام بشفاههم وجنوبهم وما شاء الله من ذلك فتكشطها فيرجعون فيبادرون إلى معظم النيران ويسلط عليهم الجرب -جرب- حتى إن أحدهم ليحك جلده حتى يبدو العظم فيقول يا فلان هل يؤذيك هذا؟ فيقول: نعم، فيقول له: ذلك بما كنت تؤذي المؤمنين.

قال وروى عبيد الله بن موسى عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: في جهنم عقارب كأمثال الذل لها أنياب كرماح إذا ضربت احداهن -إذا ضربت إحداهن الكافر على رأسه ضربة تساقط لحمه على قدميه-.

وقال وروى حماد بن سلمان عن جرير عن أبي عثمان قال: قال الصراط حيات يلسعن أهل النار فيقولون: حس حس. فذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: 102]. وكان إبراهيم العجلي رحمه الله تعالى يقع على كتفيه وظهره فيتأذى به فيقول لنفسه: من أنت وتأتي من حسيس بعوضة؟ فلنار أشق ساكنين وأوجاع!

لم يقرأ كل هذا يعني يهون عليه ما يفعله الكافرون اليوم مما ينتظرهم من العذاب الرهيب في الآخرة شيء فظيع جداً، خليهم يتمتعون في الحياة الدنيا إلى أن هذا كل شيء مرعب وأبدي، وهذا يعني يجعل الأمر مخيف أكثر وأكثر، متعب أكثر وأكثر نعم.

قال رحمه الله تعالى: الباب الثامن عشر في ذكر طعام أهل النار وشرابهم فيها. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: 43-46]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 62-68]، وقال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ * نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ [الواقعة: 51-57]، فقالوا وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً.

وخرج ابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن قطرة من الزّقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت معيشتهم -لأفسدت معاييشهم- فكيف بمن تكون طعامه؟». وقال الترمذي صحيح، وروي موقوفاً على ابن عباس. إذا كانت قطرة تفعل هكذا فما بالك بمن طعامه الدائم والعياذ بالله!

وقال ابن إسحاق: حدثني حكيم بن حكيم عن علي بن عباس لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم شجره الزقوم يخوفنا بها محمد يا ماشعل قريش: أتدرون ما شجرة الزقوم بها محمد؟ قالوا: لا، قال: عجوة يثرب بالزبد، والله لإن استمكنا منها لنتزقمنها. فانزل الله: قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: 43-44] الآية، ليس كما تقول، وأنزل الله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تُخْوَفًا﴾ [الإسراء: 59] والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم لطغياناً كبيراً.

وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: ﴿فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ﴾ [الصافات: 63] قال: زادتهم تكذيباً حين أخبرهم أن في النار شجرة، قد يخبرهم أن في النار شجرة والنار تحرق الشجر، فأخبرهم أن غذاء -كذب بها فازدادوا كفرا على كفرهم، أخبرهم أن غذائها من النار-.

وقد تقدم عن ابن عباس: شجرة في اصل صقر. وقال وروى عن الحسن أن اصلها في جهنم وأغصانها ترتفع لدركاتها. وقال سلام بن مسكين: سمعت الحسن: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: 43-46] على أنها هنالك قد حنيت عليها جهنم. وقال المغيرة عن إبراهيم وأبي رزين: ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان: 45] قال: الشجر يغلي. قال جعفر بن سليمان: سمعت أنه لا ينهج منها نهش إلا نهشت منه مثلها.

وقد دل القرآن على أنهم يأكلون منها حتى تمتلئ منه بطونهم فتقضيه في بطونهم، كلما أكل منها لقمة هي اخذت من جسده لقمة إلا وهو الماء الذي انتهى حره. ثم بعد أكلهم منها يشعرون عليه من الحميم شرب الهيم -ماء حميماً وهم عطاش، نعم الإبل العطاش-.

قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: الهيم هي العطاش. وقال الصديق: هو داء يأخذ الإبل فلا تروى أبدا حتى تموت، فكذلك اهل الجيم -يأخذ الإبل، لكن المشهور قال فكذلك اهل جانب لا يرون من الحميم أبدا-. وعن مجاهد نحوه، وعن الضحاك في قوله في نفس الوقت: لا يرويهم أبداً. وعن الضحاك في قوله تعالى: ﴿شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: 55]: من العرب من يقول هو الرمل، ومنهم من يقول الإبل العطاش. وقد روي عن ابن عباس القولين.

ودل قوله سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات: 67] لشوب من حميم، قال: على أن الحميم يشاب بها به ما في بطونهم من الزقوم فيصير شوباً له. وقال عطاء الخراساني في هذه الآية وقال: يخلط طعامهم والحميم يختلط داخل بطونهم فايش النتيجة؟ يعني من خلط الزقوم بالحميم في داخل تلك البطون يعني ألم رهيب جداً نعم.

وقال قتادة: لشوبة من حميم مزاجاً من حميم. وعن سعيد بن جبير: إذا جاء اهل النار استغلته من الجوع فاغيث بشجره الزقوم فاكلوا منها فانسلقت وجوههم حتى لو أن مهراً مر عليهم يعرفهم لعرف جلود وجوههم، فاذا أكلوا منها القي عليهم العطش فاستغاوا من العطش فاويتوا بماء كالموت الذي قد انتهى حره فإذا أدنوه من أفواههم أمض جاحهم -أنضج حره الوجوه من وجوههم قبل ما يشربوا- بيسلخ وجودهم من حرهم الماء يسلق وجوههم يشدد هذا قبل ما يشربوه، فما بالك بعد أن يشربوا؟ قال: فيظهروا به ما في بطونهم ويضربون بمقامع من حديد، وكنا في قالوا يضربون بمقامع من حديد فيسقط فيسقط كل عضو على حياله يدعون.

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 68] يدعونا بالثورة. ما في عذاب يستحمل بهذه الطريقة، ولكن لو دعوا بالهناك هل سيرب لهم حتى الموت؟ يعني المصايب من كل جهة.

هذا كله لسبب أنه لا يريد أن يصبر في هذه الدنيا على شهوة، على معصية، على ظلمة ما بده يريد أن يتبع خطوات الشيطان حتى يوقعوه والعياذ بالله في الكفر. فالإنسان ينتبه حتى لا يضع نفسه في هذا المكان، حتى عصاة الموحدين يسقطون، ممكن بعضهم سيسقط في نار جهنم وسيذوق من هذا فترة قدرها الله سبحانه. أنت لا تطيق ذلك، فلا تحرج نفسك.

قال رحمه الله تعالى أي بعد أكل الزقوم وشرب الحميم عليه، ويدل هذا على أن الحميم خارجة من الجحيم فهم يريدونه كما تريد الإبل للماء ثم يريدون إلى الجحيم. ويدل على هذا أيضاً قوله تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ānٍ﴾ [الرحمن: 43-44]. والمعنى أنهم يترددون بين جهنم والحميم فمرة إلى هذا ومرة إلى هذا، قاله قتادة ومجريح وابن جريج وغيرهما.

وقال قرظي في قوله تعالى: الحم ثم يعودون إلى النار، وكل أسوء كما يقول نعم. وقرروا في قوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ānٍ﴾ [الرحمن: 44] قال: إن الحميم دون النار.

فيؤخذ العبد بناصيته فيجر في ذلك الحميم، حتى يذوب اللحم ويبقى العظم والعينان في الرأس، وهذا الذي يقول الله عز وجل في الحميم ثم في النار يسجرون.

قال رحمه الله تعالى: فصل في تفسير قوله تعالى وطعام ذا غصة، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: 12-13]، وقال: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: 6-7].

روى الإامم أحمد بإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى طعاماً ذا غصة قال: شوك يأخذ بالحلق، لا يدخل ولا يخرج. وروى الطعام الذي لا يستطيع النزول في المريء لأن فيه أشواك فينشب في الحلق.

قال، وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله من ضريع قال: شجر في جهنم. وقال مجاهد: الضريع الشبرق اليابس. وروي أيضاً عن عكرمة وقتادة والعوفي عن ابن عباس قال: نبت ذو شوك لاطئ بالأرض، فاذا هاج سمي ضريعاً. وقال قتادة: أضرع الطعام وأبشعه. وعن سعيد بن جبير في قوله تعالى من حجارة عنه قال: الزقوم. وعن أم الدرداء قالت في تفسير النحر: خرجت أرمي من حديث أم الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يلقى على أهل النار الجوع فيعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون بطعام من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون بالطعام فيغاثون بالطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب».

فيدفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد، فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم، فإذا وصلت بطونهم قطعت. وتنزل لهم دلاء فيها ماء الحميم، فإذا اقترب هذا الماء من وجوههم سلخ وجوههم. وقالوا ذكر بقية الحديث، وقد روي الحديث موقوفاً على أم الدرداء وقيل.

وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة: 35-37]. روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الغسلين قال: هو صديد أهل النار. قال: وقال ابن رجب يجمع لك المتفرقات في القرآن، هنا جمع لك طعام أهل النار الزقوم والضريع والغسلين، ويعطيك تعريف لكل واحد منها.

فالغسلين ما هو؟ قال أبو جعفر عن الربيع بن أنس عن الغسلين: شجارة في جهنم. عن الضحاك مثل، ورواه خصيف جهنم من شر طعامهم. ابن سلام هو رسالة أجوافهم. ابن قتبة هو فعلين من وزن فِعْلِيٍّ من غسلت كأنه الغسالة. قال شريح بن عبيد قال كعب: يقول لو دلي من غسيل دلو واحد في مطلع الشمس ثم تخرج فيأكلون الذي خرج، لغلت منه جماجم قوم في مغربها، خرجه أبو نعيم.

وقد روي أن بعض أهل النار يأكل لحمه، وسنذكر الحديث في ذلك فيما بعد إن شاء الله. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10]. وقد روي في حديث أن آكلة الربا يبعثون تأجج أفواههم ناراً ثم تلا هذه الآية، يخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي برزه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قال رحمه الله تعالى: فصل في شراب أهل النار، وأما شرابهم فقال تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾ [الواقعة: 54]. وقال تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: 15]. وقال تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: 24-25]. وقال تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: 57-58]. وقال تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: 16-17]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: 29]. هذه أربعة أنواع ذكرناها من شرابهم وقد ذكرها الله في كتابه.

النوع الأول الحميم: قال عبد الله بن عيسى الخراز عن داوود عن عكرمة عن ابن عباس: الحميم الحار الذي يحرق. وقال الحسن والسدي: الحميم الذي قد انتهى حره. وقال جويبر عن الضحاك: يسقى من حميم يغلي من يوم خلق الله السماوات والأرض إلى يوم يسقونه، ويصب على رؤوسهم. وعن ابن زيد: الحميم دموع أعينهم في النار يجتمع في حياض النار فيسقونه.

وقال تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: 44]. قال محمد بن كعب: حميم آن حاضر. وخالفه الجمهور فقالوا: بل المراد بالآن من انتهى حره، الآن هنا ليس الحاضر من الآن يعني الوقت لا، وإنما المراد اشتد حره. وقال شبيب عن عكرمة عن ابن عباس: حميم آن الذي قد انتهى غليانه. وقال سعيد بن بشير عن قتادة قال: قد آن طبخه من ذلك منذ خلق الله السماوات والأرض.

وقال تعالى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: 5]. قال مجاهد: قد بلغ حرها وحان شربها. وعن الحسن قال: كانت العرب تقول لشيء إذا انتهى حره حتى لا يكون شيء أحَرُّ منه قد آن حره، فقال الله عز وجل: من عين آنية، يقول: وقد أوقد الله عليه جهنم منذ خلقت وآن حرها. وعنه قال: آن طبخها منذ خلق السماوات والأرض. وقال السدي: انتهى حرها فليس بعده حر. وسبق حديث أبي الدرداء في دفع الحميم إليهم بكلاليب الحديد.

النوع الثاني الغساق: قال ابن عباس: الغساق ما يسير من بين جلد الكافر ولحمه. وعنه قال: الغساق الزمهرير البارد الذي يحرق من برده، يحرق من الشدة البرد نسأل الله العافية. وقال عن عبد الله بن عمرو قال: الغساق القيح الغليظ، قطرة منه تهرق في المغرب لانتنت أهل المشرق، ولو أعرقت في المشرق لانتنت أهل المغرب. وقال مجاهد: الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من برده. وقال عطية: هو ما يغصق من جلودهم، يعني يسير من جلودهم. وقال كعب: الغساق عين في جهنم، ما يسيل من جلودهم.

ومنهم من قال: ماء شديد البرودة، يعني في خلاف في تفسيرنا. قال وقال كعب: غساق عين في جهنم يسير إليها حومة كل ذات حمى، من حية وعقرب وغير ذلك فيستنقع، فيؤتى بالآدمي فيغمس فيها غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام، ويتعلق جلده ولحمه في عقبيه وكعبيه، ويجر لحمه كما يجر الرجل ثوبه الطويل على الأرض. يعني هذا يعني يجعل اللحم يتساقط لكن ما بيروح، يبقى اللحم معلق في يديك وأقدامك وتجره كما تجر ثوبك المتدلي خلفك، يعني المشاهد كلها مرعبه ومتعبه.

قال وقال: الذي يسيل من عيونه من دموعهم يسقونه مع الحميم ورود الرجل عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن دلوى من غساق يهْرَقُ في الدنيا لانتن أهل الدنيا»، يخرجه الإمام أحمد والترمذي. وقد صرح ابن عباس في رواية عنه مجاهد بأن الغساق هنا هو البارد الشديد البرد، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: 24-25]. فاستثنى من البرد الغساق ومن الشراب الحميم. وقد قيل إن الغساق هو البارد المنكم وليس أن يكون هو بارد ومنطر في نفس الوقت هذا لا يتعارض فيه، وقيل إنه عربي وليس للعربي ولا عربية أصيلة وهذا، وقيل إنه عربي وانه وانه فعال من غسق يغسق والغاسق الليل وسمي غاسقاً لبرده.

النوع الثالث الصديد: أما مجاهد بقوله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 16] يعني القيح والدم. خلق قتادة وفقاً هو الغساق وشديد البرودة، ويسقى من ماء صديد قال: ما يسيل من بين لحمه وجلده. قال: يتجرعه ولا يكاد يسيغه. قال قتادة: هل لكم بهذا يدان أم لكم على هذا الصبر؟ طاعة الله أهون عليكم حتى لا تضع نفسك في هذا الموقف الذي يعني لا ساعة مندم كما يقولون، فقالت: طاعة الله أهون عليكم يا قوم فأطيعوا الله ورسوله.

وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: 16-17] قال: يقرب إليه فيقذع، فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره، يقول الله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: 15] وقال: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف: 29].

رواه أبو يحيى القتات المجاهد عن ابن عباس قال: في جهنم أودية من قيح تكتاز ثم تصب في فيه. وفي صحيح مسلم عن جابر داخل الكوز ثم الكوز زي الوعاء ثم يشرب منها أهل النار. نعم، قالوا في صحيح مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن على الله عهداً لمن شرب المسكرات ليسقينه من طينة الخبال»، فقالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: «عرق أهل النار أو عصارة أهل النار».

وخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، إلا أنه ذكر ذلك في المرة الرابعة. وفي بعض الروايات من عين الخبال أخرجت من حديث عبد الله بن عمر نحوها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من نهر الخبال عبد الرحمن ماهر قال نهر من صديد أهل النار وقال حديث حسن.

وخرج أبو داوود من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وقال: ما من سنة الخبائن يا رسول الله وفي رواية أخرى قال: ما يخرج من زهومة أهل النار وصديدهم. وخرج الإمام أحمد بمعناه أيضاً من حديث أبي ذر وأسماء بنت يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وخرج الإمام أحمد وابن حبان في صحيح على حديث من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مات وهو مدمن خمر سقاه الله من نهر الغوطة»، قيل: وما نهر الغوطة؟ قال: «نهر يخرج من فروج المومسات يؤذي أهل النار متى نفور يأخذوا من فروج الزانيات والعياذ بالله».

وقد سبق حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم في المتكبرين وفيه: يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال.

الرابع الماء كالمهل: خرج الإمام أحمد والترمذي من حديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله كالمِهل قال: كعكر الزيت، فإذا قرب إلى وجهه سقطت في آخر زجاجة الزيت. أو إذا أحد منكم اشترى الآخر من الزيت شو بيقول لونه معكر ما بكون زيت صافي، زيت معاه شوية لون بني أو ما شابه ذلك، هذا يسمى عكر الزيت.

قال عطية: سئل ابن عباس عن قوله كالمهل قال: غيظ كدرد الزيت. قال علي بن أبي طالب عن ابن عباس: أسود كمهل الزيت. وكذا قال سعيد بن جبير وغيره. قال الضحاك: أذاب ابن مسعود من بيت المال ثم أرسل إلى أهل المسجد فقال: من أحب أن ينظر إلى المهل فلينظر إلى هذا. وقال مجاهد بماء كالمهل: مثل القيح والدم أسود كعكر الزيت. وخرجت عمران من طريق تمار بن نجاح عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أن غرباً جعل من حميمي جهنم وجعل وسط الأرض لآذنت ريحه وشده حره ما بين المشرق والمغرب».

وفي موعظة الأوزاعي للمنصور قال: بلغني أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «لو أن ذنوباً من شراب جهنم صب في ماء الأرض جميعاً لقتل من ذاقه». خرج بعض المتقدمين فمره بكروم بقرية يقال لها طيزنابات وكانه كان يعصر فيها الخمر فانجد يقول: بطيزنابات كرم ما مررت به إلا تعجبت ممن يشرب الماء، فهتف به هاتف فنقول: وفي جهنم ماء ما تجرعه حلق فأبقى له في البطن أمعاء هذه المدينة لحاله عشر سنين.

قال رحمه الله تعالى: فصل في تنغص السلف على طعامهم عند ذكر طعام أهل النار، وكان كثير من الخائفين من السلف ينغص عليهم ذكر طعام أهل النار وشرابهم طعام الدنيا وشرابها حتى يمتنعوا من تناوله أحياناً لذلك. فكان الإامم أحمد يقول: الخوف يمنعني من أكل الطعام والشراب فلا أشتهيه.

روى شعبة عن سعد بن ابراهيم قال: أوتي عبد الرحمن بن عوف بعشائه وهو صائم فقرا: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: 12-13] فلم يزل يبكي حتى رفع طعامه وما تعشى وانه لصائم، خرجه جوزجاني. رواه بالدنيا من طريق يونس عن الحسن قال: رجل رجلا فقال له يا هذا فتغير لونك ونحل جسمك فمما هو فقال آخر: واني لارى ذلك فمما هو قال: اصبحت منذ ثلاثة ايام صائماً فلما أتيت بعشائي عرضت لي هذه الآية: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: 16-17] الى قوله عذاب غليظ فلم أستطع أن أتشعاه. فاصبحت صائماً فلما أتيت بعشائي أيضاً عرضت عليه فلم نستطع أن أتشعاه فلي ثلاثاً ثلاث ثلاث منذ.

أن منذ أنا صائم. قال يقول الرجل الآخر وهي التي عملت به هذا العمل، ومن طريق الخليْد بن حسان الهجري قال: أمسى الحسن صائماً فأتي، أي عرضت له هذه الآية: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: 12-13]. فقالوا: ارفعوه، فأصبح صائماً، فلما أمسى.

فلما باطفاله فعرضت له الآية فقال: يا أبا سعيد تهلك وتضعف. فأصبح اليوم الثالث حتى لا تهلك ولا تضعف، نعم. فأصبح اليوم الثالث صائماً، فذهب ابنه إلى يحيى البكاء وثابت البنانِي وزيد الضبي فقال: ادركوا أبي فإنه هالك، فلم يزالوا به حتى سقوه شربة ماء من سويق.

قال ومن طريق صالح بن بري قال: كان عطاني القمح أو الشعير قال: كان أعطاهم السلمي قد ضر بنفسه حتى ضعف، فقلت له: إنك قد أضَررت بنفسك وأنا متكلف لك بشيء فلا ترد كرامتي، قال: افعل.

سويقاً من أجود ما وجدته وسمّناه، قال: فجعلت له شريباً فللتها وحليتها وارسلت بها مع ابني وكوزاً مما، فقلت له: لا تبرح حتى يشربها، فرجع فقال: قد شربها.

قال: فلما كان من الغد جعلت له نحوها ثم سرحت بها مع ابني فرجع بها لم يشربها، قال: فأتيتُه فلمتُه وقلت: سبحان الله أردتَ علي كرامتي، أن هذا مما يعينك ويقويك على الصلاة وعلى ذكر الله تعالى، فلما أنا قد وجدت من ذلك قال: يا أبا بشر لا يسؤوك والله، لقد شربتها أول ما بعثت بها، فلما كان الغد راودت نفسي على أن أسيغها فما قدرت على ذلك إذا أردت شربه وذكرتها إذا أردت شربه.

قوله تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: 17]. فبكى صالح عند هذا وقال: قلت لنفسي ألا أراني في واد وأنت في آخر بطريقه.

في عالم آخر تتذكر الآخرة وتعتبر بها، نعم الإمام أحمد. إذا ذكرت جهنم ما يسيغني طعام ولا شراب، روى عبد الله بن الإمام أحمد من طريق مرجا بن وداع قال: انطلقت مع صالح المري فقلنا له: يا أبا عاصم تركت الطعام والشراب؟ قال: إني إذا ذكرت صلي.

قال ابن أبي الدنيا بإسناده عن المؤمن الصادق قال: دعوت رباحاً الليل إلى منزل فجاءني في السحر فقربت إليه طعاماً فأصاب منه شيئاً فقلت: ازدد فما أراك شبعت. قال: فصاح صيحة افزعتني فقال: كيف أشبع أيام الدنيا وشجرة تقوم بين يدي ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: 44]. فقال فرفعت الطعام من بين يديه فقلت: أنت في شيء ونحن في شيء.

وبإسناده عن أبي سعيد قال: دخل عبيد الله بن الوليد التيمي على حبابة التميمية فقدمت إليه سمناً وخبزاً وعسلاً فقال: يا حبابة أما تخافين أن يكون بعد هذا الضريع؟ عرف ما زال يبكي وتبكي حتى قام ولم يكن شيئاً.

وبإسناده عن سوار بن عبد الله القريعي قال: كنا مع عمر بن درهم في بعض السواحل قال: وكان لا يأكل إلا من السحر إلى السحر، فجانب طعام، فلما رفع طعام إلى فيه سمع بعض المتهجدين يقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: 43-46]. فغشي عليه وسقطت اللقمة من ييده فلم يفق إلا بعد طلوع الفجر بذلك سبعاً لا يطعم شيئاً، كلما قرب إليه طعام عرضت له الآية فيقوم ولا يطعم شيئاً، فاجتمع إليه اصحابه فقالوا: سبحان الله تقتل نفسك؟ فلم يزالوا به حتى أصاب شيئاً.

محمد بن سويد قال: كان إذا رجع من المسجد أحدهما فيه رواس، وكان يرجع إذا صلى المغرب، فاذا اخذ الطريق الذي فيه الرواس لم يتعشى، فقيل له فقال: إذا رأيت الرؤوس كالحة لم استطع الأكل. قال: لو ذكر أنه أنس هذه الحكاية عن طاووس قال: مالكم لقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: 104].

وروى ابن أبي الدنيا أيضاً من كتاب الله تعالى قوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: 54]. فعرفت أن أهل النار لا يشتهون شيئاً شهوتهم الماء البارد، وقد قال الله تعالى: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: 50].

عن سلام بن أبي مطيع قال: أوتي الحسن بفوز من الماء ليفطر عليه فلما أناه إلى فيه فبكى وقال: ذكرت أمنية أهل النار وقولهم: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: 50]، وذكرت ما أجيبوا به أن الله حرمهما على الكافرين.

وعلى عبد الملك بن مروان أنه شرب ماء بارداً فقطع وبكى، فقيل: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال: ذكرت العطش يوم القيامة وذكرت أهل النار وما منع من بارد الشراب، ثم قرأ: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: 17].

وروى عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده عن إراهيم النخعي قال: ما قرأت هذه الآية إلا ذكرت بارد الشراب، وقرأ: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: 54]. واستقى محمد بن مصعب العابدي فسمع صوت الباب برادة فصاح وقال لنفسه: ألن لك في النار برادة؟ ثم قرأ: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: 29].

أسأل الله أن هذه الأهوال صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.