دخولتسجيل الدخول

المجلس الرابع عشر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

هل الصوت جيد؟ إذا أحد الإخوة البث المباشر يعطينا فقط إشارة سريعة.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وبحمده الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء. لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من ظالمين. حياكم الله معاشر طلبة العلم في مجلس جديد نعقده في السماع والتعليق على رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى عليه.

ونحمد الله سبحانه وتعالى أنه ما زال يمدنا ويعيننا على عقد مثل هذه اللقاءات العلمية؛ فإن كما قلنا من أعظم العوائد ومن أفيد العوائد التي يمكن أن تستفيدها في حياتك أيها المسلم أن تعتاد حضور مجالس العلم، وأن تجد هناك سهولة وسلاسة في الاستمرارية في حضورها بحيث تصبح عادة جيدة في حياتك.

فالإنسان حقيقة هو مجموعة من العوائد، لو سألت الإنسان ما أنت؟ أنت عبارة عن مجموعة من العوائد تقضي بها ساعات العمر. فهناك من عاداته سيئة أو لا نفع فيها؛ عاداته الخروج والولوج والجلوس أمام الجوال والضحك والعبث والمطاعم والمشارب، هذا هذا الإنسان هكذا هو مجموعة من العادات التي لا نفع بها.

وهناك إنسان هو عبارة عن مجموعة من العادات الجيدة؛ إنسان عنده ورد من العبادة والصلة بينه وبين الله، عنده ورد من حضور مجالس العلم والتعلم، عنده برامج نافعة يقوم بها في حياته، ويقضي ساعات العمر بهذه الطريقة. اخواني، الوقت يمضي، يعني هذه افهموها، الوقت يمضي شئت أم أبيت أنت لن تستطيع أن تمسك الشمس؛ فالحياة الدنيا سائرة، وكل يوم انقضى وكل يوم تغيب شمسه أفْضَى إلى الله سبحانه وتعالى إما شاهداً لك وإما شاهداً عليك.

وبالتالي المسلم العاق هو الذي ينتبه لمرور ساعات الحياة، ويعرف أن هذه الساعات وهذه الأنفاس هي أغلى ما يملك في هذا الوجود. فإياك أن تتثاقل وأنت تتاخر في اتخاذ قرار اكتساب العادات الجيدة، إياك أن تتاخر، ليس فقط يعني أن لا تأخذ، حتى التأخير خطأ؛ لأن بعض الشباب الصالح عنده مشكلة التسويف، أنه إن شاء الله بعد هذا الشهر سأحضر مجالس العلم، لا أنا إن شاء الله على الصيف سأبدأ أحضر، لا أنا بإذن الله على السنة القادمة سأبدأ في مجالس العلم، ويبقى ملف التأجيل مستمرا معه في حياته.

ومثل هذه الشخصية في العادة لا تنجح، التي دائما تسوف في البرامج العلمية، في الإنجازات الحياتية النافعة، في اتخاذ القرارات المفيدة؛ قرار حفظ القرآن، قرار الالتزام بدورة معينة، قرار القيام بأي برنامج نافع في الحياة. عادة الذي يسوف عادة لا ينجح في هذا الأمر. تمام، يعني أخوكم منذ فترات وهو يحاول أن ينشئ برنامج رياضي وأسوي فيه، تمام، واضح أن القضية فاشلة معي في هذا الميدان؛ لأنه ما دام الأمر يأتي على التسويف لن تمشي الأمور.

فإذا عزمت فتوكل على الله، هذا في أي عادة حياتية تريد أن تكتسبها، والعلم من أهم العوائد ومن أهم الأمور. طبعا أسميها عادة، لكنه في الحقيقة عبادة، لكن أقصده عادة؛ عادة حضور مجالس العلم، عادة القراءة المستمرة، عادة الجدية. الشيء إذا أصبح عادة هان عليك، ترى هي القضية والصعوبة في البدايات، لكن لما يصبح الأمر عادة طبيعية يهون عليك.

أنت مثلا أول الفصل الجامعي تشعر بالتثاقل في الذهاب إلى الجامعه لأنك اعتدت الكسالة والجلوس في المنزل، لكن بعد أول شهر يصبح استيقاظك صباحا للجامعة وذهابك للروتين شيء مستمر. حتى الطالب المدرسي نفس الشيء، بعد عطلة صيفية طويلة تقول له الآن بدأ الدوام الدراسي، تثاقل شديد في الأيام الأولى، لكن بمرور أول أسبوعين خلاص هو اعتاد أن يستمر.

الجامعة أو العمل هناك عنصر خارجي يؤدك، إذن تعرف أنه لا مجال للتفلت. هي المشكلة في العوائد التي يكون انبعاثها من داخل الإنسان، التي ما في ضاغط خارجي يضغطك أن تستمر فيها، وإنما هي نفسك وحبك لهذا الطريق والضغط الوحيد حتى استمر في هذا الميدان، لذلك تجد الطلبة يحرصون على حضور الجامعة والاختبارات، لكن لا يحرص على حضور مجلس العلم، مع أنني أزعم أن مجالس العلم فائدتها العلمية أضعاف أضعاف، أصلا انتفاء التفضيل هنا غير موجودة ليست على بابها؛ لأن الجامعة بالكاد تعطيك فائدة خاصة في المجالات للأسف الإنسانية.

فبالتالي أنت لماذا تحرص على حضور أمور وتجد هناك واسع خارجي يؤدك إليها، لكن الأمور التي تعلم أنها هي السبيل الحقيقي للنجاح وللارتقاء وللاستمرارية ولصناعة طالب علم تجد هناك ضعف؟ كما قلنا لأنك تعتمد على الدافع الداخلي، بالتالي يجب أن تفعيل الوازع الداخلي في حياتك، وأن تطور من هذه النفس لتصبح هذه النفس فعلا تشتاق إلى الأمور الشريفة وتعشقها.

لكن كما قلنا هذا الاشتياق وهذا العشق أوله مر وصعب وفي هناك نوع من الاحتكاك الشديد، هذه مرحلة الاحتكاك لابد منها أن تحتك مع نفسك الأمارة بالسوء، مع نفسك التي تطاردك، وأكثر يصبح الأمر طبيعي جدا. لذلك لما أقرأ في سير العلماء قديما الذين سلكوا هذا الميدان تعجب من هذه الاستمرارية اللافته للنظر في القراءة والتعلم، يعني ما الذي يدفع كل هؤلاء؟ وليس هذا شيئا خاصا بشخص معين، كل علماء القرن الأول والثاني والثالث والرابع والخامس شيء مططرد فيهم جميعا؛ قضية الاستمرارية في العلم والتعليم والارتقاء والقراءة والاطلاع، فأنت فعلا يلفتك هذا أن هؤلاء كيف اكتسبوا هذه العادات المجيده، حتى أن أحدهم لا يصبح في الثمانين والسبعين وما زال محبا للتعلم.

بل أبو يوسف تلميذ أبي حنيفه رحمه الله عليه وهو يحتضر يفكر في مسألة علمية ويسأل عنها وهو يحتضر، عم يفكر في المسألة! أنت متخيل كيف عشق العلم عجنه عقول القوم وأنفاسهم، فتعرف أن هذا بالتاكيد هو نتاج عادات رفيعة عودوا عليها فأصبحت بالنسبة لهم أهم حتى من الطعام والشراب، أحدهم ينسى وجبات الطعام لكن لا ينسى العلم، لا ينسى العلم والقراءة.

هذا أحبابي الكرام هي طبيعة نفس، ليس شيئا خارقا، ليس شيئا لا يمكن تكراره، لكن الإنسان الذي عود نفسه طلب الأمور الشريفة وضبطها على ذلك وجاهد من أجل ذلك يحصل على هذه النتيجة النهائية. لذلك اليوم تنظر في كثير من الناس بلغ من العمر الستين والسبعين، انظروا إلى أجدادكم أو بعضكم إلى آبائكم، تجد في الستين والسبعين الملل عنده حاضر دائما، صحيح، ما عنده شيء يفعله، خاصة لما يتقاعد وينزل الراتب، الآن ماذا سيفعل؟ هو تجد يشعر بحالة من الملل، بل حتى يصبح عنده هبوط سريع يقولون في الحياة وأمراض تبدا تدب فيه.

السبب أحبابي الكرام أن هذا الإنسان خلال رحلة الحياة ورحلة الوظيفة ما حاول أن يكتسب عادات جيده حتى عندما يكبر يجد شيئا آخر يفعله، هو فقط عود نفسه يكون موظفاً؛ موظف في مدرسة، موظف في دائرة حكومية، موظف في مستشفى. طب عندما يصبح عمرك خمسة وخسمن أو ستين، وبعضهم يعني يسرع للتقاعد المبكر، طب أنت تقاعدت مبكرا، ماذا ستفعل؟ هل خططت للحياة المستقبلية أم عمر الستين إلى الموت هذا مش محصور في حياتك ولا تعتبره شيئا؟

فهذه حقيقة أمور يجب أن تنتبه لها حتى إذا كبرت تجد نفسك هكذا. تخيل نفسك في الستينيات والسبعينيات، تخيل نفسك ماذا ستفعل؟ هل سيكون حالك حال كبار السن اليوم؛ جالس على شاشة التلفزيون على أخبار الجزيرة يقلب الخبر، أو يقلب على العربية، يقلب على الحدث، يقلب على هذا؟ أحسن حال الذي لا ينظر إلى المسلسلات، ولا ينظر إلى ماذا يفعل؟

طبعا قضية تكتسب العادة بعد الستين ذهبت الأمور، تقول له الآن يلا اكتسب عادات صعب جدا. فأنصحك حتى من ناحيه حياتية دنيوية، ليس فقط حتى من ناحية شرعية؛ الناحية الشرعية والثواب حاضر، لكن حتى من ناحية حياتية نفسية اكتسابك لهذه العادات الشريفة، عادة القراءة والتعلم المستمر، وحب الاطلاع على ما هو جديد، وأن تفيد الناس، حاول أن تكتسبها حتى إذا كتب الله لك عمرا مديدا تشعر أنك ما زلت إنسانا مفيدا في الحياة وإنسانا مقدما.

لذلك العلماء والمشايخ من اعظم الكنز الذي يقتنصونه في حياتك أنك تجد أحدهم يصل إلى الستين والسبعين وما زال يجد حوله رفقة من طلبة العلم. حقيقة من يعني الأناس الذين يعني بقي لهم في الذاكرة الرصيد؛ كان شيخنا الشيخ عبد المحسن العباد متاعه الله بالصحه والعافيه، الشيخ عبد المحسن العباد كان ونحن في الجامعة الإسلامية في المدينة كان عمره اثنين وثمانين ثلاثة وثمانين وما زال يدرس عندنا في الجامعة على الكرسي متحرك ياتي به كأنه موظف أو شيء، أحد مستأجر ما أعرف إذا كان شيء آخر، لكن كان يأتي على الكرسي المتحرك وتنزل له مواد ويدرس في الجامعة.

وله درس بين المغرب والعشاء في الحرم معروف، يقرأ سنن أبي داود والتعليق عليها، يعني حقيقة وتغبط على هذه يعني الحياة السعيدة أنه ما زال عنده أداء علمي، ما زال عنده شيء يققدم للناس وهو في الثمانين من عمره. كثير من الناس كما قلت في مجتمعاتنا على الستين تنتهي حياته الخدمية كما يقولون، هو فقط الآن يصبح يعيش مع نفسه، لا يوجد شيء يستطيع أن يقدمه لهذه الحياة، وخيرهم هو الذي يتفرغ للتعبد؛ خيرهم يعني في مجتمعنا الذي بعد الستين جزاه الله خيرا يذهب إلى المسجد صباحا، وهذا ثغر عظيم وما أقلل من شأنه أحسبها من حسن الخاتمة أن يوفق للصلاه في المسجد فجرا ظهرا عصرا ويستمر إلى الوفاة.

لكن أنا أقصده عن العمر التشغيلي، العمر النفعي للناس طارق في الأمور النافعة، لأنه كما قلت غير الصلاة في المسجد كثير منهم لا يعرف ماذا يفعل، لأنني أنظر إليهم كثيرا في هذا الحد. بالتالي يا طالب العلم ترى العلم يعني أظنه كنز من كل الجهات، وأن تكتسب عادة التعلم المستمر شيء مفيد من جميع النواحي؛ النفسية والدنيوية والاجتماعية والأخروية.

فحاول أن تسرع في اكتساب هذه العادة قبل أن تحطمك الحياة، لأن الحياة إذا تحطمتك باتعابها ومشاكلها ومشاكلها يصبح اكتساب هذه العادات صعب جدا، يصبح اكتسابها صعبا. وما شاء الله أغلبكم ما زال في ريعان شبابه، ما زاد العمر أمامه، مد في أعماركم بطاعة الله، اكتسب هذه العادات الجيدة في حياتك الآن، وصابر نفسك عليها، فإنك إذا اكتسبتها ستحمد بإذن الله في نهاية الطريق، تحمد الله عز وجل أنك وفقت إلى هذا، وإذا لم تكتسبها فأنت من خسر.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على طاعته، يعيننا على طلب المعالي دوماً، وأن يعيننا على اكتساب ما ينفعنا في ديننا ودنيانا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

طيب، نبدأ التعليق على رسالة الحافظ ابن رجب.

بسم الله الرحمن الرحيم، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وفي الحلية لأبي نعيم أن علي بن فضيل صلى خلف إمام قرأ في صلاته سورة الرحمن: ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ فلما سلما قيل لعلي: أما سمعت ما قرأ الإمام حور مقصورات في الخيام؟ فقال: شغلني عنها ما قبلها: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾.

يعني قضية الحور ما لفتت نظره أكثر من قضية العذاب الذي يخافه، بعض الناس يعني يصلحه الخوف وبعض الناس يصلحه الترغيب، يعني الناس تختلف في طبائعها.

قال: وقال ابن أبي ذئب: حدثني من شهد عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة فقرأ عنده رجل: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ فبكى عمر حتى غلبه البكاء وعلى نشيجه فقام مجلسه ودخل بيته وتفرق الناس.

قال: وقال أبو نوح الأنصاري: وقع حريق في بيت فيه علي بن الحسين وهو ساجد، فجعلوا ينادونه: يا ابن رسول الله النار! فما رفع راسه حتى أطفئت، فقيل: ما الذي أنهاك عنها؟ قال: النار الأخرى.

هو في البيت والنار تشتعل في البيت ورفض أن ينهي صلاته، فقيل له ما الذي جعلك لا تنهي صلاتك والبيت يشتعل؟ قال: شغلني عنها النار الأخرى؛ نار جهنم وتذكرها والتدبر بها.

طبعا هذا كما قلت يعني هو ليس مطلوبا، تمام، ليس مطلوبا منك أن تفعل كما فعل زين العابدين أن يشتعل بك البيت وتموت، لكن هو عذره أنه كان مشغولاً، تمام. فمثل هذه القصص أحبابي الكرام من الجيد أن تفهم لماذا تقرا، هذه لا تقرا لتطبق، يعني لا تأخذ قاعدة أنني إذا كنت أصلي والبيت كان محترقا أبقى، لا لا، خطأ، سلم من صلاتك وأيقظ الناس وانتبه واخرج من البيت حتى لا تحترق، لكن هنا هذا المطلوب مني فقط أخذ العبرة، أن هؤلاء قوم من شدة خشوعهم في الصلاة فعلا الهاهم هذا عن هذا، فهذا عذرهم، فهذا المطلوب من القصة تأخذ العبرة وليس أن تفعل كما فعل.

قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان يقول: ربما مثل لي رأسي بين جبلين من نار، وربما رايتني أهوي فيها حتى أبلغ قرارها، فكيف تنهى الدنيا من كانت هذه صفته؟

قال أحمد: وحدثني أبو عبد الرحمن الأسدي قال: قلت لسعيد بن عبد العزيز: ما هذا البكاء الذي يعرض لك في الصلاة؟ فقال: يا ابن اخي وما سؤالك عن ذلك؟ قلت: يا عمي لعل الله لعل

الله أن ينفعني به. قال: ما قمت من صلاتي إلا مثلت لي جهنم. وهذه قد نقول إنها من طرق الخشوع في الصلاة؛ أن تستحضر جهنم أمامك. يعني هذا الرجل إذا صلى بك بكاء شديدا، فيعني استغرب الناس وسألوه: ما سر هذا البكاء الشديد؟ فقال: ما قمت في صلاتي إلا مثلت لي جهنم، يعني لا أصلّي إلا وكأنّي أرى جهنم أمامي بارزة.

الآن الذي يصلي وهو يستحضر هذا المشهد، لا أظنه أنه سيفكر بأمر آخر، لكن يكون استحضار حقيقي، ليس يعني استحضار سريع هكذا ويذهب. فهذا من طرق الخشوع: أن تستحضر الجنة والنار أمامك، فهذا يعينك إن شاء الله على أن تخشع ما يمكن أن تخشعه في الصلاة.

قال: وقال أسرار أبو عبد الله -عاتبت نفسي- عاتبت عطاء السلمي في كثرة بكائه، فقال لي أسرار: كيف تعاتبني في شيء ليس هو لي؟ إنّي إذا ذكرت أهل النار وما ينزل بهم من عذاب الله عز وجل وعقابه، تمثلت لنفسي بهم، فكيف لنفسه تغلب يداها إلى عنقها وتسحب إلى النار، ألا تبكي وتصيح؟ وكيف لنفس تعذب ألا تبكي؟

قال: لعلاء بن زياد، كان إخوان مطرف عنده، فخاضوا في ذكر الجنة والنار، فقال مطرف: لا أدري ما تقولون، حال ذكر النار بيني وبين الجنة. وقال عبد الله بن أبي -ذكر النار بيني وبين الجنة-. وكما قلت يعني بعض السلف، بعض العباد كان يغلب عليه جانب على جانب الرجاء، فكانت قضية النار بالنسبة له والتفكير في موضوعها أو احتمالية أن أكون أحد من ينزل بها تغشى على قلبه، فلا يعود يتذكر الجنة، هذا حال وهذا حال لبعضهم كما قلت.

نعم قال عبد الله بن أبي هديل: لقد شغلت النار ومن يعقل عن ذكر الجنة. وعتب يزيد بن الرشك على كثرة -يعني هذا ليس شيئا دائما-. لما يقول: لقد شغلت النار ومن يعقل عن ذكر الجنة، هذا ليس شيئا دائما، لما المطلوب مني أنا كمؤمن أن أستحضر الجنة وأن أستحضر النار؟ ولماذا ذكرهم الله؟ ألم يذكر الله الجنة في سياقات وذكر النار في سياقات؟ حتى أتعبد في سياق ذكر الجنة بالتفكير فيها والطمع فيها، وأتفكر في سياق ذكر النار بالتخوف منها. بالتالي ليس المطلوب مني دائما أن أتذكر النار، لكن كما قلنا: مثل هذه القصص أنني أخذ منها العبرة، أن كثيرا من السلف كان فعلا يؤرقهم قضية التفكير في نار جهنم.

هذه هي كل القصص التي سنذكرها، وأصلا ابن رجب لماذا يؤلف في هذا الفصل؟ إنما أراد أن يعلمك أن كثيرا من السلف هكذا كان حالهم؛ كان يؤرقهم ذكر النار حتى طغى على قضية تذكرهم للجنة، وإن لم يكن هذا مطلوبا منك.

نعم قال عتب يزيد على كثرة بكائه وقيل له: لو كانت النار خلقت لك ما زدت على هذا؟ فقال: وهل خلقت لأصحابه لإخواننا من الجن والإنس؟ أما تقرأ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: 31]؟ أما تقرؤون: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾ [الرحمن: 35]؟ فقرا حتى بلغ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ān﴾، وجعل يجول في الدار ويصرخ ويبكي حتى غشي عليه.

وقرأ على رابعة العدوية آية فيها ذكر النار، فصرخت ثم سقطت، فمكثت ما شاء الله لم تفق.

ودخل ابن وهب الإغماء فترة طويلة -يعني نعم قالوا-. دخل ابن وهب الحمام فسمع القارئ أن يقول: ﴿وَإِذَا تُحَاتُّ فِي النَّارِ﴾، فسقط مغشيا عليه، فغسل عنه بالنورة وهو لا يعقل.

ولما أهدت معاذة العدوية إلى زوجها، صلة بن أشيم، قال: أدخله ابن أخيه الحمام، ثم أدخله بيتا مطيبا، فقام يصلي حتى أصبح، وفعلت معاذة كذلك، وهي اخذت زاويه أخرى وجلست طول الليل تصلي. فلما أصبح ابن أخيه على فعله فقال له: ليلة الدخلة! يا سيداه، لا أحد فيكم قرب على الآخر؟ أنت تصلي بزاوية وهي تصلي في زاوية أخرى؟

نعم قال له: انك أدخلتني بالأمس بيتا ذكرتني به النار، ثم أدخلتني الحمام الساخن. حرارة الحمام كانت تذكرهم بحرارة جهنم، فهو أدخله الحمام حتى ينظفه ويعد لهذه الليلة، فكانت النتيجة عكسية أنه لما دخل الحمام تذكر جهنم.

وفي سواحل البحر تفرقوا حين راونا، فما كنت تسمع عامة الليل إلا الصراخ والتعوذ من النار، فلما أصبحنا تعاقبنا آثارهم فلم نرى منهم أحدا. يعني المراد أن هؤلاء عباد كانوا إذا جن الليل يذهبون إلى سواحل البحر يتعبدون الله سبحانه وتعالى هناك.

كان هذا الرجل عبد الواحد بن زيد، يعني هاجم أو أتى يعني ليله إلى الساحل، فلما راى العباد أن هناك أناسا يرونهم ذهبوا وتفرقوا يمينا وشمالا لحرصهم على الخلوة مع الله سبحانه وتعالى، وأما إذا جاء النهار خلاص ينقضون يذهبون إلى أعمالهم وحياتهم، وهذا حال الإنسان المخلص يحاول أن يستر عبادته عن الناس، إذا جاء الليل يقوم بين يدينا، إذا جاء النهار لا يحاول أن يظهر للناس أنه كان والله في عباده أو قيام ليل، من يتعامل بصورة طبيعية.

نعم قال: فصل من السلف من إذا رأى النار طرب وتغيرت حاله، قال تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ [الواقعة: 73]. قال مجاهد وغيره: يعني أن نار الدنيا تذكر بنار الآخرة. الآية في سورة يس لما أخبر الله عن نار الدنيا، إنها جعلناها في سورة الواقعة: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: 73-74].

ما معنى أن نار الدنيا تذكرة؟ كما قال مجاهد: أي أن نار الدنيا من أهداف خلقها -وهذه انظروا هذه القضية- أن نار الدنيا يخبرنا أن من أهداف وجودها في هذه الحياة ليس فقط أن تطبخ عليه الطعام وأن تخرج بها في كشته هكذا مع الشباب وتدفي أكثر، هذه من مقاصدها، لكن من مقاصد وجودها أيضا أن تذكرك بنار جهنم. بالتالي المطلوب منك بالتالي إذا رأيت نار الدنيا أن تفكر، ولو لم يكن دائما، لكن أقل شيء يجعل لك شيء من الاعتبار في هذا الموضوع.

نعم قال بحيان التلميذ: سمعت منذ 30 سنة. أن عبد الله بن مسعود مر على الذين ينفخون على الكير فسقط. خرجه الإام أحمد على الكير، هم الحدادون لما ينفخ على الكير من أجل إحماء الحديد.

نعم قال أخرج ابن أبي الدنيا من رواية سعد بن الأخرَم، قال: كنت أمشي مع ابن مسعود فمر بحدادين وقد أخرج حديد من النار، فقام ينظر إليه ويبكي.

وعن عطاء الخرساني، كان القرني يقف على موضع الحدادين فينظر إليهم كيف ينفخون الكير ويسمع صوت النار فيصرخ ثم يسقط.

وعن ابن أبي الذباب أن طلحه أبا زيد مر بكير حداد فوقفا عليه يبكيان.

وقال الأعمش: أخبرني من رأى ربيع بن خيثم مر بالحدادين فنظر إلى الكير وما فيه فخر.

وقال مطرف الوراك: كان جمعة وهرم بن حيان إذا أصبح غداة فمرا بأكْمُرة حدادين فنظرا إلى الحديد كيف ينفخ فيقفان ويبكيان ويستجيران من النار.

وقال حماد بن سلمة عن ثابت: كان بشير بن كعب وقراء البصرة يأتون على الحدادين فينظرون إلى شهيق النار فيتعوذون بالله.

وعلاء بن محمد قال: دخلت على عطاء السلمي فرأيت مغشيا عليه، فقلت لامرأته: ما شأنه؟ قالت: أشعلت جارتنا التنور، فلما نظر إليه غشي عليه. أشعلت جارتنا تنور الخبز وما شابه ذلك.

نعم قال عن معاويه الكندي قال: مر عطاء السلمي على سبيل فأصابه النار الريح فسمع ذلك منها فغشي عليه.

قال الحسن: كان عمر رضي الله عنه ربما توقد له النار ثم يقول: يا ابن الخطاب، هل لك على هذا صبر؟

وكان الأحنف بن قيس جيء إلى المصباح بالليل فيضع اصبعه فيه ثم يقول: حس حس، ثم يقول: يا حنيف، ما لك على ما صنعت يوم كذا؟ ما لك على ما صنعت يوم كذا؟ يتذكر معاصيه يضع على النار ثم يقول: يا أيها الإصبع، أشعر بحري نار الدنيا، ما الذي جعلك تعصي في هذا اليوم والذي جعلك تعصي في ذلك اليوم؟

وهكذا من باب التذكر. وهذا قصص عجيب، يعني هكذا حال السلف رضوان الله تعالى عليهم مع نار الدنيا؛ كل إنسان منهم يحاول أن يكون له مشهد معها يذكره بنار الآخرة. هذا يقف مع الحدادين، وهذا يضع اصبع في النار، وهذا إذا رأى تنور الخباز يتذكر نار جهنم.

هذه المشاهد التي نحن ربما نمر عليها كثيرا في حياتنا، وربما لا نعبأ بها ولا نلتفت لها، ولا تزيدنا إيمانا أو خوفا، بالنسبة للسلف الموضوع يختلف؛ أي موضوع في الدنيا يذكر بالدار الآخرة كان موضوع حساس في حياتهم. وشوف الحساسية النفسية اللي عندهم، أنه شغله بسيطه طفل مع شعوره نار، يعني قضية بالنسبة لك أنت لربما لو سنوات ضوئية لا يصبح معك مثل هذا.

هؤلاء السلف رضوان الله عليهم كانوا شديدي حساسيه لأقل أمر يذكرهم بالله سبحانه وتعالى. وهذا بالتالي يجب على المؤمن يعني أن يحاول أن يقتدي بهم في هذه القضية دائما؛ لا تمر عليك الأفكار أو الأمور كما تمر على الناس. أهل الدنيا هم الذين لا يفكرون بالأمور إلا بميزانها الدنيوي، أما المسلم وطالب العلم خصوصا يجب أن يكون له ورد من الخواطر في هذه الأمور، وقياس الأشياء بعضها على بعض، والاعتبار بالدنيا على الآخرة، وهكذا.

نعم قال: وقال المشتري بن حارثة: دخلت على عبد فإذا بين يديه نار قد أجدها وهو يعاتب نفسه، ولم يزل يعاتبها حتى مات.

وكان كثير من الصالحين يذكر النار وأنواع عذابها برؤيه ما يشبهه بها في الدنيا أو يذكره بها، كرؤية البحر وأمواله من رؤوس المشوية، بكاء الأطفال وفي الحر والبرد وعند الطعام والشراب وغير ذلك، وسنذكر ما تيسر من ذلك فرقا في مواضعه إن شاء الله تعالى. يمكن أن يذكر بالدار الآخرة يستغل ويوظف إيمانيا لزيادة الإيمان، هذه الفكرة باختصار.

وقال: وقد سبق أن منهم من كان يذكر النار بدخول الحمام. رويت بن طلحة قال: انطلق رجل ذات يوم فنزل ثيابه وتمرا في الرمضاء وهو يقول لنفسه: ذوقي نار جهنم، ذوقي نار جهنم، أشد حرا جيفة بالليل بطالة بالنهار. فبينه -بالليل يعني لا تقومين الليل لله سبحانه، نائم للفجر، وأيضا بطالة بالنهار لا تشتغل بالعلم ولا بالذكر ولا بأشياء نافعة، ويلوم نفسه ويحاسبها على يعني سلوكياتها في الحياة-.

قال: فبينا كذلك إذا أبصر النبي صلى الله عليه وسلم في ظل شجره فاتاه فقال: غلبتني نفسي. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ولم يكن لك بد من الذي صنعته، لقد فتحت لك أبواب السماء ولقد باها الله بك الملائكة. خرجه ابن أبي الدنيا وهو مرسلا، وخرجه الطبراني ونحوه ضعيف. هذا الحديث أصل ضعيف، يعني هذه القصة ضعيفة.

قال: وخرجه الطبراني نحو من حديث موصولا في إسناده من لا يعرف حاله والله.

قال: فصل من الخائفين ممنوعه خوف جهنم من النوم. من الخائفين من منعه خوف جهنم من النوم، قال أسد بن وداعة: كان شداد بن أوس إذا أوى فراشه كأنه حبة على مقلاة من النار.

فالفصل السابق: من إذا خاف الطامة وتغيرت حاله، الآن سيذكر من إذا خاف من نار جهنم لم ينم، سيذكر في الفصل الذي يليه من إذا خاف من جهنم أصابه مرض. فهو يركز ويركز في ذهن قضية الخوف من النار، ماذا فعلت بأحوال من سبق؟ الخوف من النار ماذا فعل بأحوال السابقين؟ حتى أنت تنظر أن الخوف من النار ماذا فعل بك؟ هل فعلا الخوف من النار يؤثر في حياتك؟

ربما بعض الشباب الآن تخوف بالدار وبعد المحاضرة يذهب يعصي ولا كأنه في شيء تمام. هذه مشكله أحبابي الكرام تدل على أننا نعاني من قسوة القلب، أننا إذا ذكرنا بالنار ربما نخاف خوفا لحظيا، لكن بعد ذلك ما أسهل وما أسرع أن نعود إلى المعاصي والذنوب.

فيجب يعني الإنسان اخواني في هذه الحياة حاول أن تطول على الأقل مدة العبرة ولا تكن قصيرة، حاول يعني يستمر معك الاعتبار لثلاثة أيام مع الوقت بتحسن أو نتححسن أربعة خمسة، لكن أن تكون فترة اعتبارك ساعة ثم الساعة الثانية معصية، هذه هشاشة إيمانية. هذه يسميها أنا ماذا؟ هشاشة إيمانية، أن أنت للاعتبار والاتعاظ لا يستمر مفعوله معك يعني مباشرة بتسرع إلى المعصية وتنسى كأن هناك شيئا قد قيل حول نار جهنم. فحاول أن تقوي نفسك تجاه هذه المواعظ حتى يستديم أثرها في حياتك.

نعم قال: قال أسد بن وداعة: كان شداد بن أوس إذا أوى فراشه كان حبة على مقلى، فيقول: اللهم إن ذكر جهنم لا يدعني أنام، فيقوم إلى مصلاه.

وقال أبو سليمان الدارني: كان طاووس يفترش فراشه ثم يتجفى عليه فيتقلى كما تقلى الحبة على المقلى، ثم يثب فيدرجه ويستقبل القبلة، يذهب فيصفط فراشه فيضع على اليمين ويذهب يصلي، يعني لا يستطيع أن ينام الليل ويبكي. فعوت بعد ذلك وقالت له مولاه: افسدت على نفسك. فقال: إن صهيبا إذا ذكر الجنة.

وعن أبي مهدي قال: ما كانت مقاربة سفيان الثوري: إذا ذكر الجنة طال شوقه، وإذا ذكر النار طار نومه. نعم قال: وعن أبي مهدي قال: ما كان سفيان الثوري ينام إلا أول الليل، ثم ينتفض فزعا مرعبا ينادي: النار النار شغلتني! ذكر النار عن النوم والشهوات. ثم يتوضأ ويقول على أثر وضوء: اللهم إنك عالم بحالي غير معلم، وما أطلب إلا أفكارك لا تحتاج أحدا حتى يعلمك، فأنت يا رب تعلم حاجتي من دون أن أعلمك.

نعم قال في هذا المعنى يقول عبد الله بن مبارك رحمه الله تعالى: إذا الليل أظلم كابدوه. المبارك يصف قوما من العباد فيقول: إذا الليل أظلم كابدوه فيسفر عنهم نومهم ركوع. أي يأتي الصباح فيسفر آيات الصباح وهم ما زالوا راكعين، دلالة طول القيام، إذا أظلم الليل كابدوه فيسفر عنهم نومهم، أطار الخوف نومهم فقاموا وأهل الأمن في الدنيا هجوع. يعني الإنسان الذي يأمن مكر الله تجده نائما، وأما الإنسان الذي لا يأمن مكر الله وهكذا ينبغي أن يكون المسلم، فانه يقوم خوفا من الله. قال: وما فرسهم إلا أياهم أزرهم، وما وزنهم إلا ملاء وأذرعوا. يعني كان هذا دلالة على رثاثة الحال وعلى التقشف في هذه الحياة الدنيا، قال: وما ليلهم فيهن إلا تخوف، وما نومهم إلا عشاش مروع، والوانهم صَفْرَا. حتى هيئتهم وألوانهم تغيرت من شدة الخوف، وألوانهم صُفْر كأن وجوههم عليها جساد، وهي بالورس مشبع، والورس هذا نوع من الصبغة لونها أصفر، فهي تشبه حال الإنسان الذي هو مصفر من الخوف، نواحل أيهم النحَال. أي اصبحت أجسامهم نحيلة نواحل قد أذرع بها الجهد والسرى إلى الله في الظلماء والناس هُجُوع، ويبكون أحيانا كأن عجيِدهم أي كان صوتهم عند البكاء إذا نام الناس الحنين المرجَّع، كأنها صوت حنين الناقة إذا حنت إلى ولدها وقد ضاع عنها، هذا هو الحنين المرجَّع، صوت عادي تصدره الناقة إذا فقدت ولدها، ومجلس ذكر فيه موقد شهدته، وأعينهم من رهبة الله تدمع. أي أن هؤلاء إذا حضروا مجالس العلم ومجالس الذكر كيف يكون حالهم، قالوا: ومجلس ذكر فيه موقد شهدته، وأعينهم من رهبة الله تدمع، تهطل عيونهم من خشية الله.

نعم قال: كان عُبَّاد بني ابن زياد التيمي له إخوة، قال: كان عباد بن زياد له إخوة متعبدون، فجاء الطاعون فاخترمهم فقال يرثاهم، فرمهم. يعني ماتوا جميعا، فتية يعرف التخشع فيهم من كلهم أحكام القرآن، غلاما كلهم حفظ القرآن وأتقنه وهو غلام صغير لم يكبر بعد. نعم دلالة على أنهم نشؤوا في طاعة الله، قد برى جلده التهجد حتى عاد جلدا مصفرا وعظاما تتجافى عنه من الخوف، إذا الجاهلون بات ياما بانين وعبرة ونحيب، ويظلون بالنهار صيام يقرؤون القرآن لا ريب فيه، ويبيتون سجدا وقياما.

قال فصل ممنعة خوف النار من الضحك. خوف النار منعه من أن يضحك، هكذا كان أثر خوف النار على حياته. قال فصل منع خوف النار من الضحك ومنهم من منعه خوف النار من الضحك، فقال إسماعيل السدي: قال الحجاج لسعيد بن جبير: بلغني أنك لم تضحك؟ قال: كيف أضحك وجهنم قد سُحِّرت، والأغلال وقد نُصبت، والزبانية قد عُدّت؟ وقال عثمان بن عبد الحميد: وقع في جيران غزوان حريق، فذهب يطفئه فوقعت شجرة على أصبع من أصابعه، فقال: أُراني غزوان راح يطفي الحريق معهم فوقعت شعلة من النار على أصبع غزوان، نعم فماذا قال؟ فقال: أُراني قد أوجعتني نار الدنيا، والله لا يراني ضاحكا حتى أعرف أينجيني من نار جهنم أم لا.

كما قلنا يعني هذا ليس هذا الموقف مطلوبا منك، يعني هل يا شيخ آخذ فكرة أن المطلوب مني في الحياة أن لا أضحك؟ لا، لكن هو يخبرك عن حالة نفسية لبعضهم، أن هو اتخذ هذا القرار، مش ضروري أنت تتخذ هذا القرار، النبي صلى الله عليه وسلم كانت أحواله متنوعة يمازح فلانا ويمازح زوجاته ويبكي في لحظات، الأحوال المتنوعة هي الأكمل، لكن المراد أن المهم أن يكون للنار أثر في حياتك هذا هو المطلوب، أنت اختر الأثر، أنت نصيبك، لكن المهم الخلاصه أنه يجب أن يكون لذكر النار أثر في مشاعرك وأحاسيسك.

وقد كانت جماعة من السلف يعاهدون الله ألا يضحكوا أبدا حتى يعلموا أن مصيرهم إلى الجنة أم إلى النار، منهم: جمعة الدوسي، وربيع بن الخراش وأخوه ربيع، وأسلم العجلي، ووهيب بن الورد وغيرهم. ورواية يزيد الرقاشي عن أنس قال: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وجبريل معه، سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم هَدَّةً. فقال: هكذا سقط على الأرض. الهَدَّة هو صوت الشيء إذا وقع على أرض ووصل إلى القرار. قال فقال جبريل: ما هذه؟ قال: حجر أرسله الله من شفير جهنم، فهو يهوي فيها منذ سبعين عاما فبلغ قعرها الآن. قال: فما ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إلا يتبسم، تبسم خرجه ابن أبي الدنيا وغيره. يزيد الرقاشي شيخ صالح لا يحفظ الحديث، وخرج الطبراني بإسناد ضعيف إلى أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه، وفي حديثه قال: فما ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكا حتى قُبِض. وسياتي امتناع الملائكة من الضحك منذ خلقت جهنم فيما بعد إن شاء الله تعالى.

وفي حديث أبو ذر الطويل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قلت يا رسول الله، ما كانت صحف موسى؟ قال: كانت عِبَرا كلها، عجبت لمن أيقن بالموت وهو يفرح، وعجبت النار... وهذه القوس حطوها قبل القوسان ضعوهما قبل كانت. قال: وذكر الحديث بطوله أخرجه ابن حبان في صحيحه وغيره.

فصل من حدث له من خوف النار مرض. ومنهم من حدث له من خوف النار مرض ومنهم من مات من ذلك. وكان الحسن يقول في وصف الخائفين: قد براهم الخوف فهم مثال القداح، ينظر إليهم الناظر فيقول: مرضى وما بهم مرض. ويقول: وقد خلط القوم من ذكر الآخرة، من ذكر الآخرة أمر عظيم. طبعا القداح تعرفه كان نحيل جدا، فيقول: قد براهم الخوف هذا القدح، يعني كيف أنت تبري القلم؟ ماذا يحدث بالقلم إذا بريته؟ يمحو شوي شوي يصغر حجمه، فيقول: الخوف قد برى هؤلاء، فأصبحوا من شدة نحولهم كالقداح، القداح جمع قدح، والقدح هو العود النحيل.

نعم قال: واستمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا يتهجد في الليل ويقرا سورة الطور، فلما بلغ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَّا لَهُ مِِن دَافِعٍ﴾ [الطور: 7-8]، قال عمر: قسم ورب الكعبة حق. ثم رجع لمنزله ثم مرض شهرا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه. وكان جماعة من عباد البصرة مرضوا من الخوف ولازموا منازلهم، ابن زياد وعطاء السلمي، وكان عطاء قد صار صاحب فراش عدة سنين. وكان يرون أن بدء مرض عمر بن عبد العزيز الذي مات فيه كان من الخوف.

وروى الإمام أحمد عن حسين بن محمد عن فضيل بن محمد عن مطرف قال: حدثني الثقة أن شابا من الأنصار دخل خوف النار قلبه فجلس في البيت، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فقام إليه فاعتنقه فشاق شاقة خرجت نفسه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: جهزوا صاحبكم. النار كبدة. ورواه ابن مبارك به بنحوه. وروي من وجه آخر متصلا خرجه ابن أبي الدنيا، حدثنا الحسن بن يحيى قال حدثنا حازم بن جبل بن أبي نظرة العبدي عن أبي عن أبي سنان عن الحسن عن حذيفه قال: كان شاب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي عند ذكر النار حتى حبسني ذلك في البيت، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فاتاه النبي صلى الله عليه وسلم فلما نظر إليه الشاب قام إليه معتنقا وخر ميتا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: جهزوا صاحبكم، فإن الفرق من النار فلذ كبده، والذي نفسي بيده لقد أعاده الله منها. أظن لقد أعاده، نعم قد أعاده الله منها، فمن رجع شيئا طلبه، ومن خاف شيئا هرب منه. والمرسل أصح وحازم بن جبلة قال ابن مخلد الدوري الحافظ: لا يكتب حديث هو الحديث عموما هذا الحديث الذي ذكره هنا.

نعم قال: وقال حفص بن عمرو الجعفي: اشتكى داود أياما، وكان السبع علته أنه مر باية فيها ذكر النار فكررها مرارا في ليلة، فأصبح مريضا وجدوه قد مات وراسه على لمنة. خرجه ابن نعيم على نبينا يعني زي طوبة.

نعم قال: أخرج أيضا، وخرج أيضا هو ابن أبي الدنيا وغيرهما من غير وجه قصة منصور بن عمار الذي مر به بالكوفه ليلا وهو يناجي ربه، فقرأ منصور هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]. قال منصور: فسمع لم أسمع بعدها حسنة مضيت، فلما كان من الغد رجعت، فاذا جنازه قد اخرجت، واذا عجوز فسالتها عن امر الميت ولم تكن عرفتني، فقالت: هذا رجل لا جزاه الله خيرا من رب البارحه، وهو قائم يصلي فتلى آية من كتاب الله فتفطرت مرارته ووقع ميتا.

فأنتم القصة يعني ماذا حدث؟ يعني هذا منصور قرأ هذه الآية وهو ماشي في الطريق، فقرأها بجانب بيت هذا البيت كان فيه هذا الشاب عم يصلي، فسمع هذه الآية من الخارج فخر مغشيا عليه ثم مات. فاليوم الثاني مرت الجنازه، فهذا الرجل الذي قرأ هذه الآية ما يعرف جنازة من، فسأل العجوز: جنازة من؟ قال: جنازة ابني، مر البارحه رجل امام بيتنا الله لا يجزيه الخير تمام، فقرأ هذه الآية فخر مغشيا عليه ثم مات.

نعم قال: أرابنا بالدنيا نعيد فكره حتى لا تفهم خطأ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم قرأت عليه هذه الآيات ولم يمت ولم يغشى عليه، فهذه أحوال نُعذِر أصحابها لصدقهم مع الله، لكن كما قال ابن القيم وغيرهم: هل هذا هو المطلوب، أم المطلوب أن تكون متماسكا أكثر؟ لا المطلوب أن تكون متماسكا أكثر. لكن أنا لماذا أخاف حالة من هذا التعليق؟ هذه المشكلة التي تصير أنه أحيانا هذا التعليق يشعر إمام من أمامي الآن أنه لا هذا الحال خطأ إذا أنا مطلوب منا أكون متماسك الآن. لا مو أنت مش صح، لأنه أنت أيضا جاف زيادة عن اللزوم كما يقولون، يعني أنت جاف زيادة عن اللزوم مخطئ في جفائك عندما تذكر النار، فلا تظن نفسك يعني متمكن أه أنا أحسن، لأنه هذا أغشي عليه والشيخ علق لنا أن هذا ليست هي الحالة الصحيحة، ليست الحالة الصحيحة، لكن أنت أيضا لست الحالة الصحيحة، المطلوب منهج النبي صلى الله عليه وسلم منهج الصحابة.

نعم قال: روى ابن أبي الدنيا عن محمد بن الحسين قال: حدثني بعض أصحابنا قال: حدثني عبد الوهاب قال: بينما أنا جالس في الحدادين ببلقيس إذ مر رجل فنظر إلى النار في الكور فالتصق فسقط، فقمنا نظرنا فإذا هو قد مات. وبإسناد عن البخترية عن ابن يزيد عن حارثة الأنصاري أن رجلا من العباد وقف على كور حداد وقد كشف عنه فجعل ينظر إليه ويبكي، قالت ثم شاق شاقة فمات. قالوا حدثت عن عبد الرحيم بن مطرف بن قدامة الرواس أن بني أبي عن مولى لنا قال: لما مات المنصور بن معتمد صاحت أمه وقتيلة جهنم: ما قتل ابني إلا خوف جهنم.

وروي من غير وجه علي بن فضيل مات من سماع قراءة هذه الآية: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: 27]. من ربعنا أن علي ابن الفضيل بن عياض كان شديد الحساسية لذكر جهنم، كما قلنا في المجلس السابق هذه مرت معنا فكره هذا علي ابن الفضيل بن عياض.

نعم قال: يونس بن عبد العال قال: عبد الله بن وهب من كتاب الأهوال فمر في صفة النار ثم مات رحمه الله. كان يقرا كتاب يطالع كتاب اسمه كتاب الأهوال ذكرت فيه صفه جهنم، فماذا كان حدث معه؟ أن أغشي عليه ثم مات بعد أيام. كيف أنت تقرا الرسائل بالرجب ثم تسمع هذا الكلام فيغمى عليك تمام، لكن نحن يرحم الله ضعفنا لقسوة قلوبنا ربما نسمع هذا الكلام يأتي على قلوبنا فلا نشعر بالشيء، لكن هم حتى القراءة في كتاب الأهوال جعلته يخشى عليه ومات بعد ذلك.

نعم قال فصل أحوال بعض الخائفين. خرج مسلم في صحيحه من حديث أنس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «والذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا». قالوا: وما رأيت ما رأيت يا رسول الله؟ قال: «رأيت الجنة والنار». وفي الصحيحين عن ابن عباس النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لما كسفت الشمس رأيت النار، فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع منها.

قال روى الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا: لو أبرزت النار للناس ما رأى أحد إلا مات. وروي موقوفا. وخرج أبو يعلى المرسلين في مسنده وغيره من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه خطب فقال: لا تنسوا العظيمتين الجنة والنار. ثم

بكى حتى جرى وبلت دموعه جانبي لحيته، ثم قال: والذي نفس محمد بيده لتعلمون ما أعلم عن الآخرة لما مشيتم إلى الصعودات، ولا حسيم على رؤوسكم إلى الجبال، وتختلون بها، وتذكرون الله سبحانه وتعالى خوفا من حر جهنم.

قال: روى ابن أبي الدنيا بإسناد عن عبد الأعلى: ما جلس قوم مجلس فلم يذكروا الجنة والنار إلا قالت الملائكة: اغفل العظيمتين.

وعن عامر بن يساف عن يحيى بن أبي كثير قال: قطع قلوب الخائفين طول الخلودين، قطع قلوب العارفين بالله ذكر الخلودين الجنة والنار.

قالوا عن بكر المزني أن أبا موسى الأشعري خطب الناس بالبصرة، فذكر في خطبته النار فبكى، قال فبكى سقطت دموعه على المنبر، قال وبكى الناس يومئذ بكاء شديدا.

عن إراهيم بن محمد البصري قال: نظر عمرو بن عبد العزيز إلى رجل عنده متغير اللون فقال له: ما الذي أرى بك؟ فقال: أسقامنا أمراض يا أمير المؤمنين إن شاء الله. فاعاد عليه، أنت عمر بن عبد العزيز! فعمر يقول له: ما شأنك أيها الشاب؟ فقال: الأمراض، ما أراد أن يخبر ما هو سبب هذا المرض. فقال: فعاد عليه عمر، فاعاد عليه رجل مثل ذلك ثلاث مرات، فقال: إذا صح عليك يا فلان خبرنا ايش طبيعة هذا المرض. والرجل لا يريد أن يتكلم، قال فقال: إذا بيت إلا أن أخبرك، فإني ذقت حلاوة الدنيا فصغى فصغر في عيني زهرتها وملاعبها، واستوى عندي حجارتها وذهبها، ورأيت وكأن الناس يساقون إلى الجنة وانه ساقوا إلى النار، فأسهرت بذلك ليلي وأظمأت له نهاري، وكل ذلك صغير في جنب عفو الله وثواب الله عز وجل وجنب عقابه.

قال: هذا الكلام يشبه حديثا مشهورة، وهو حديث روي من وجوه المرسلة، وروي مسندا متصلا من رواية يوسف بن عطية الصفار وفيه ضعف، عن ثابت: أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال للشاب من الأنصار: كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنا بالله حقا. قال: انظر ما تقول، فإن لكل قول حقيقة. قال: رسول الله يا حارثة، أنت لما أمنت بالله حقا هذا ما زال ادعاء عليك أن تاتي بالدليل والحجة على أنك أصبحت مؤمنا بالله حقا، وهذا حديث مشهور عليك أن تعتني به.

نعم، قال: يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي وظلمة ونهاري، وكاني بعرش ربي بارزا، وكاني أنظر حياتي يا رسول الله. هكذا كانت حياة حارثة.

قال: عزفت نفسي عن الدنيا فماذا كانت النتيجة؟ ما معنى عزفت؟ أي أعرضت نفسي عن الدنيا، قال: فأسهرت ليلي وأظمات نهاري. هذه كانت النتيجة؛ أسهر ليله بالقيام وأضمن نهاره بالصيام، وكل يوم كأنه ينظر إلى عرش الرحمن بارزا أمامه.

قال: وكاني بعرش ربي بارزا، وكاني أنظر إلى أهل الجنه يتزاورون.

في هذه قضية الخاطر أحبابي الكرام، لابد هذه القضية أن تفعل أيضا في حياتك، أن تجلس هكذا مع نفسك جلسات تفعل فيها خاطرك في تذكر أمور الآخرة، التذكر المستمر لأور الآخرة يزيد خوفا من الدنيا وابتعادا عن الدروب.

صفات الشباب وبعض الأخوات لا تريد أن تفكر، حتى لما يقرأ القرآن أو يقرأ ورد في القرآن هي لحظات ربما لا تتجاوز ثواني معدودة في جنة وفي نار، لكن هل تفكر في موضوع الجنة وياخذ هذا حيز من يومك؟ هل تفكر في موضوع النار ويجود خاطرك في صفات أهلها حتى تنظر حتى تعتبر؟

فقضية تفعيل الخاطر قضية واردة عند السلف، يعني هو خاطر يجلس ربما مش دقائق، بالايام وقضية معينة من قضايا الإيمان تاخذ وقته وتاخذ حيزا كبيرا من تفكيره، وهو ذاهب وهو عائد وهو يقضي أمور الحياة يفكر في قضية مشهد الجنة، ويفكر في قضية مشهد النار. الإنسان الذي دائما خاطره متعود على هذه الأفكار ودائما ترد عليه، هذا الإنسان في العادة يكون قويما، حتى لو أخطأ سريعا ما يعود إلى الله سبحانه وتعالى ويستغفر، وتكون أخطاء معدودة على الأصابع.

لكن الإنسان الذي لا يفعل قضية الخاطر والتفكير في قضايا الإيمان وقضايا الدار الآخرة، أعود فأقول: يبقى هشا في إيمانه، يبقى آيلا للسقوط أمام أي شهوة من شهوات الحياة.

إذن، تفعيل لقضية الخاطر، الخواطر تفعيل في أمور الجنة والنار مما يزيدك إيمانا وحصانة أمام الشهوات التي تعيشها ليلا ونهارا.

فهنا حارثة كان موضوع الخاطر عنده حاضر، قال: فكاني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكاني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتعاونون فيها.

نعم، قال: فصر فألزم، عبد نور الله الإيمان في قلبه والمرسلين، يعني قال: ما شاء الله، عبد نور الله بعد قلبه حارث، عبد أنور عرف الطريق فلزمه. عرفت فالزم، هذه الخلاصة.

نعم، قالوا: قال أحمد بن أبي الحواري حدثنا علي بن أبي الحر قال: أوحى الله إلى ابن زكريا عليه السلام: يا يحيى وعزة لو الفردوس اطلاع لجسمكم لزهقت نفسك اشتياقا، ولو طلعت إلى جهنم طلعت لبكيت بالصديد بعد الدموع، ولا لبست الحديد بعد المسوح. طبعا المسوح هي ثياب رقيقة أصلا يلبسها الزهاد، ثياب مرقعة، ثياب مهترئة، فيقول: إذا لبست الحديد بعد هذه الثياب المهترئة دلالة الخوف من نار جهنم.

قالوا: ذكر ابن أبي الدنيا بإسناد عن سفيان قال: كان عمر بن عبد العزيز ساكتا وأصحابه يتحدثون، فقال: مالك لا تتكلم يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت مفكرا في أهل الجنة كيف يتزاورون فيها، وفي أهل النار كيف يصطرفون فيها، ثم بكى.

وعن مغيث الأسود أنه كان يقول: زوروا القبور كل يوم بفكركم، وتوهموا جوامع الخير كل يوم بعقولكم، وشاهد الموقف كل يوم بقلوبكم، وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة والنار بهمامكم، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وطباقها.

حقيقة، كلام يستحق أن تظهر تحته خط، كلام جامع من هذا العابد. أحيانا في كلمات قصص كثيرة تمر عليها خلص تمشي، لكن في كلمات أنا أظن هي الكلمات الجامعة التي ينبغي أن نلتفت إليها، كيف يكون حال المؤمن الذي يبحث عن صلاح قلبه؟

هذه دعنا نقراها بهدوء مرة أخرى، أقرأها وعن محيط الأسود أنه كان يقول: زوروا القبور كل يوم بفكركم. على المقبرة التي بجانب بيتك لا يكفيك، أن تزور القبور بفكرك وتتفكر في أحوال أهلها؟ هذه قضية خاصة النساء، كون النساء لا يستحب لهن زيارة القبور، نقول لكم مسلك آخر: أن تزوروا القبور بماذا؟ بأفكاركم وخواطركم.

ثم قال: قال وتوهموا جوامع الخير كل يوم بعقولكم، توهموا أي تصوروا ما هي جوامع الخير التي إذا فعلها الإنسان صلح حاله مع الله من الصلاة، من القرآن، من الذكر، من الأوراد، من الأعمال النافعة التي جمع فيها الله من الخير الكثير.

قال: وشاهد الموقف كل يوم بقلوبكم، موقف بين ييدي الله يوم القيامة، عليك كل يوم تستعرض هذه المعاني على قلبك صباحا ومساء، هذه المعاني لا يجب أن تغيب عن الإنسان المسلم في كل يوم ليلا ونهارا.

نعم، قال: وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة والنار بهمّامكم، يعني تخيلوا أهل الجنة والملائكة تسوقهم إلى الجنة، ثم تخيل مشهد أهل النار والملائكة تقودهم إلى النار، وأنا وأنتم بالتأكيد سنكون مع أحد الفريقين: أما أن نكون ممن يذهب به إلى الجنة، واما أن نكون ممن يساق إلى النار والعياذ بالله.

ودائما تخيل نفسك انك أحد هذا الركب، يعني لا تتخيل أن هؤلاء قوم سيحدث بهم كذلك، هو أنت الذي سيحدث به كذلك، مش قوم قصة أناسا سيذهبون إلى الجنة ويذهبون إلى النار، الذي سيذهب إلى الجنة أو إلى النار أنا وأنت، نحن من سيفعل بنا هذا المشهد.

قال: وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها. كلام جميل جامع حقيقة للإنسان، يمكن أن تذكره وعظا للناس حتى في حياتك العملية.

نعم، قالوا عن صالح المري أنه قال: للبكاء دواعي الفكرة في الذنوب، فإن جابت على ذلك القلوب إلا نقلتها إلى الموقف.

حقيقة كلام صالح يقول: للبكاء دواعي، يعني بعض الناس يقول لك يا شيخ أنا مش قادر أبكي، الدموع لا تأتي إلى العين عندي، فيقول هنا صالح المري: البكاء له دواعي يعني له أمور تستجنبه، أول قضية يمكن تستجلب لك البكاء ما هي؟ أن تتفكر في ذنوبك وخطاياك التي هتكت فيها الستر بينك وبين الله، فهذا حري أن يستجلب لك الدموع.

طيب، قال: فان أجابت على ذلك القلوب؟ يعني إذا القلب وافقك فجعلك تبكي، إذا القلب تواصل مع العين وجعلها تبكي بسبب الذنوب والمعاصي فهذا خير. طيب أنا تذكري للمعاصي لم يجعلني أبكي، أعطيني داعي آخر أو مستجلب آخر للبكاء، فماذا قال؟ قال: وإلا نقلتها إلى الموقف وتلك الشدائد والأهوال.

الطريقة الأخرى لجلب البكاء أن تفكر في ماذا؟ يوم القيامة وشدائده وأهواله، وأنك أنت من سيفعل به ذلك. يمكنك كتاب نافع حقيقة للحارث المحاسبي يعينك على البكاء بتذكر الموقف، وهو كتاب التوهم، رسالة حتى رسالة قصيرة قرأناها قديما في غراس، رسالة التوهم رسالة نافعة من قراها ولم يبكي فليراجع قلبه، لأن طريقة صياغة الحارث المحاسبي لهذه الرسالة رائعة، لن تجد إماما استطاع أن يسوق موضوع الجنة والنار وأهوال القيامة على طريقة المحاسبي في هذه الرسالة القصيرة، فهذه طريقة أخرى للبكاء.

طيب، أکمل، قال: فان أجابت إلى ذلك وإلا فعرض عليها التقلب بين أطباق النيران.

الطريقة الثالثة: أقل شيء أن تفكر في النار وأطباقها ودركاتها، وأهل النار وهم يصرخون فيها ويسترخون والصديد يخرج منهم، والزقوم يقطع أمعاءهم. وهذا الله عز وجل أتى بالآيات كثيرة في القرآن الكريم وهو يرسم حالة الماء الحامي يغلي وهو يأتي على وجوههم ويشوي الوجوه، والزقوم يقطع الأمعاء، والقيء والصديد يخرج منهم. هذه كلها معالم، أنت لا تحتاج أن تبحث عن كتاب تزكية حتى تقرا، هذه مذكورة في كتاب الله سبحانه وتعالى، المطلوبة أن تستجلب البكاء عند ذكرها.

نعم، قال: ثم صاح فغشي عليه، وتصايح الناس من جوانب المسجد.

قالوا عن سلیمان الدراني قال: خرج مالك بن دينار بالليل إلى قاعة الدار وترك أصحابه في البيت، فقام إلى الفجر قائما في وسط الدار، فقال لهم: إني كنت في وسط الدار خطر ببالي أهل النار، فلم يزالوا يعرضون علي بسلاسلهم وأغلالهم حتى الصباح.

فكان مالك بن دينار... هل تعرفون أنه كان رجلا يعاقر الخمر ويشربها بإدمان، حتى ابتلاه الله سبحانه وتعالى بوفاة ابنت الصغيرة؟ ذكر القصة يطول. أنصحك عد إلى سير أعلام النبلاء واقرأ قصة توبة مالك بن دينار.

لماذا أقول هذا عن مالك وهو إمام الزهد والعبادة؟ مالك أصبح إماما في الزهد والعبادة، إذا ذكر الزهد والعبادة قيل: مالك بن دينار. حتى تعرف أنه بعض الشباب عنده مشكله مع رصيد الماضي، قد يكون عاش حياة فيها لهو وعبث وفجور وبعد عن الله، فيتصور أنه لا يا شيخ، خلاص، لا يمكن أصبح إنسان صالح، أنا خلاص ذهب العمر وعشت حياة مليئة بالفساد والفجور والعلاقات المحرمة، بالتالي لا يمكن أصبح مثل هؤلاء القوم الذين نقرا سيرهم. لا يا اخي الكريم، وأنت تكلم عن مثالية زائدة مالك بن دينار كان إنسانا يشرب الخمر بنهم ويعيش حياة كيف اليوم نحن نصور حياة ألف أن تفعل ذلك وبكل سهولة. لكن إذا عزمت وتوكلت على الله واستمررت في هذا الطريق، إياك أن يغرك الشيطان ويضحك عليك في هذه الجزئية، بجزئية أنني إنسان عندي معاصي وذنوب كثيرة، قد تكون معاصيك أقل من معاصي بعض التابعين الذين تابوا.

الفضيل بن عياض ماذا كان؟ قاطع طريق.

الفضيل بن عياض يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعباده تلعب. عابد الحرمين كان إخواني قاطع طريق، يعني مش إنسان كان بعيد عن الالتزام في فترة مثلا تاريخ نحكي عن العشرينيات الثلاثينيات، ثم أصبح عابد الحرمين! بالتالي هذه رحمة الله سبحانه وتعالى، أن تستطيع أيها الإنسان أن تغير من أخطائك، أن تغير من حياتك وتصبح إنسان مميز في جوانب الخير، لكن بالعزم والإصرار والقرار الجريء بعد توفيق الله أولا واخيرا.

نعم، قال: وكان سعيد بن جبير يقول في وصف الخائفين: إذا مر بايه من ذكر النار صرخوا منها فرقا كأن زفيرا نار في آذانهم، وكان الآخرة نصب أعينهم. وقال الحسن: لله عبادا كما رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين، وكما رأى أهل النار في النار معذبين.

وقال أيضا: والله ما صدق عبد بالنار قط إلا ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأن المنافق لو كان النار خلف ظهره لما يصدق بها حتى يهجم عليها.

وقال وهب بن منبه: كان عابد في بني إسرائيل قام في الشمس يصلي حتى اسود وتغير لونه، فمر به إنسان فقال: كأن هذا حرق بالنار. قال: إن هذا من ذكرها، فكيف بمعاينتها؟

وقال ابن عيينة: مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأعانق أبكارها، ومثلت نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحا. قال: فأنت في الأمنية فاعمل.

جميل هذا الكلام، هذا الطرح لهذه القضية، يعني قال: أنا فكرت في موضوع الجنة وتخيلت تلك اللحظات الجميلة، وذكرت موضوع النار وتخيلت تلك اللحظات الكئيبة، ثم بعد أن تخيلت عدت إلى نفسي فقلت لها: أنت ماذا تريدين؟ تريدين هذا المشهد الجميل مع الحور مع الطعام والشراب، أم تريدين النار والسلاسل والأغلال؟ فقالت: أنا أريد ماذا؟ أن أعود إلى الدنيا لأعمل صالحا حتى أكون مع أهل الجنة. فقلت لها: إذا أنت في الأمنية فاعملي لأن.

أنت تتمنين أن تكوني في الدنيا حتى تعملي صالحاً؛ أنت ما زلت في الأمنية، وما زالت الأمنية حقيقة، فاستغلي إذاً هذه اللحظات حتى تكوني مع ذاك الرب. نعم، حاكياً عن الجن الذين استمعوا القرآن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ۖ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ حَرَوْا رَشَداً * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن: 14-15]. هو الظالم، والظلم هنا المراد به أعلى أنواع الظلم، وهو الكفر والشرك بالله. قال تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 31-32] تخويف وتهديد ووعيد بنار جهنم. قال تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحاسٍ فَلَا تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 35-36]. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 39-40]. ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: 41]. ولهذا روى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ هذه السورة على الجن وأبلغهم إياها، لما تضمن الذكر خلقهم وموتهم وبعثهم وجزائهم. وأما سار وفد جن نصيبين -وافد جن نصيبين- زار النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقرا عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه السورة، سورة الرحمن -لأنها تعطيهم بماذا؟ خلاصه أمرهم-. قالوا: وأما سائر الخلق فأشرفهم الملائكة، وهم متوعدون سورة الجن هذا المقروء، سورة الرحمن نعم. سورة الرحمن نعم.

قال: وأما سائر الخلق فأشرفهم الملائكة، وهم متوعدون على المعصية بالنار، وهم خائفون منها. قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ۚ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 26-29]. حتى الملائكة توعدهم الله بجهنم لو صدر من أحدهم شيء خاطئ تجاه الله سبحانه وتعالى.

وقد استفاض عن جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أن هاروت وماروت كانا ملكين، وأانهما بعد الوقوع في المعصية بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا لعلمهما بالقضاء. وقد روي في ذلك حديث مرفوع من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخرجه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه. ولكن قد قيل إن الصحيح أنه موقوف على كعب الأحبار، أنه من الإسرائيليات؛ قضية أن هاروت وماروت أنزلهما الله للأرض واختبرهما فوقعا في الزنا، فلما زنا خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختار عذاب الدنيا على عذاب الآخرة. لكن كما قال الكثير من أهل العلم: لا يوجد شيء ثابت حقيقة في هذه التفاصيل، نعم ذكرها ابن كثير وغيرهم في التفاسير، لكن بالنصوص تروى عن كعب الأحبار، وكعب الأحبار يأخذ من الكتب السابقة، فلا نستطيع أن نجزم بصحة هذه التفاصيل ولا بكذبها، ونقول: الله تعالى أعلم بها.

أخرج الإمام أحمد من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لسايل جبريل عليه السلام فقال لهم: أرَ- لا أرَ ميكائيل عليه السلام يضحك». فقال جبريل: ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار. تقرا لكن تحتاج إلى اثبات. وقال أيضاً في كتابه من حديث أبي عمران الجوني قال: بلغنا أن جبريل جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -جبريل عليه السلام يبكي- فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما يبكيك يا جبريل؟». قال: وما تبكي أنت يا محمد وما جفت عيناه؟ خلق الله جهنم مخافه أن عصيه فيبقيني فيها فيبقيني فيها. وقد روي نحوه من وجوه أخرى مرسلة أيضاً. وخرج الطبراني من حديث محمد بن احمد بن أبي خيثمة قال: حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا أبي عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر أنه أن جبريل جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حزيناً لا يرفع رأسه فقال له: «ما لاراك يا جبريل حزيناً؟». قال: إني رأيت نفخة من جهنم فلم ترجع، فمن جهنم قال: إني رأيت نفحة من جهنم فلم ترجع إلي روحي بعد. فقال لم يرفعه عن زيد إلا علي، تفرد به ابنه محمد بن علي بن خلف، وهذا يدل على أن غيره أو وقفه.

عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: وخرج الطبراني أيضاً من طريق سلام الطويل عن الأجنح الكندي عن علي بن عدي الكندي عن عمر بن الخطاب قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غير حينه الذي كان يأتيه فيه، في غير الوقت المعتاد أن يأتي به نعم. قال: فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يا جبريل، مالي أراك متغير اللون؟». قال: ما جئتك حتى أمر الله بمنافيخ النار بمنافيخ النار. قال: يا جبريل وصف للنار ونعت لي جهنم. فذكر الحديث وسنذكره إن شاء الله تعالى مفرقا في الكتاب في مواضع، ثم قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «حسبي جبريل، لا ينصدع قلبي فأموت». قال: فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى جبريل وهو يبكي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تبكي يا جبريل وأنت من الله من المكان الذي أنت فيه؟». فقال: وما لي لا أنا أحق منك بالبكاء علي أن أكون في علم الله على غير الحال التي أنا عليها وما أدري لعلي أبتلى بما ابتلي به إبليس فقد كان مع الملائكة وما أدري لعله أبتلى بما ابتلي به هاروت وماروت.

قال: فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبكي جبريل عليه السلام فما زالا يبكيان حتى نادى منادٍ من فوق العرش: يا محمد ويا جبريل، إن الله عز وجل قد آمنكما أن تعصيه. فارتفع جبريل، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمر بقوم من الانصار يضحكون فقال: «تضحكون وراءكم جهنم! فلو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولما أسرتم الطعام والشراب، وأخرجتم إلى الصعوس تجارون إلى الله عز وجل». فنودي: يا محمد لا تقنط عبادي، إنما بعثتكم يسراً لا أبعثكم عسراً. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «سددوا وقاربوا». سلام الطويل ضعيف جداً، وحري بهذا الحديث أن يكون ضعيفاً جداً جداً إذا لم يكن موضوعاً بهذه التفاصيل. نعم بعض أجزائه وردت في أحاديث أخرى، لكن بهذه التفاصيل الحديث غير مقبول للبتة.

روى ابن أبي الدنيا من حديث أبي فضالة عن أشياخه قال: إن الله عز وجل لم يضحك أحداً منذ خلقت جهنم مخافة أن يغضب الله عليهم فيعذبهم. وبإسناده عن بكر العابد قال: قلت لجليس لابن أبي ليلة: أبا الحسن، تضحك الملائكة؟ قال: ما ضحك من دون العرش منذ خلق جهنم. يعني كل الملائكة الذين تحت العرش، من دون العرش أي تحت العرش، لم يضحكوا منذ خلقت جهنم. طبعا هذه كلها قصص تروى، لكن لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك حديث صحيح في قضية أن الملائكة يضحكون أو لا، وإنما يروى وأغلبه هو الله أعلم مأخوذ عن الإسرائيليات.

قال محمد بن كعب قال: لما خلقت النار طارت الملائكة من أماكنها، فلما خلق بني آدم عادت وراء عين. بإسناده عن طاووس قال: لما خلقت النار طارت الملائكة، فلما خلقت بني آدم سكنت. فأما البهائم والبحوث والطير لما خلق الله النار، ظنت الملائكة أن الله خلق النار من أجلها، فلما خلق الله بني آدم عرفت الملائكة أنه لا يعني في هناك خلق خلقوا من أجل النار ولم تخلق من أجلنا. قال: فأما البهائم والوحوش والطير فقد روي ما يدل على خوفها أيضاً. قال عامر بن ياسر عن يحيى بن أبي كثير قال: بلغنا أنه إذا كان يوم نوح داء عليه السلام ياتي الوحش من البراري، وتاتي السباع من الغياط، وتاتي الهوام من الجبال، وتاتي من الأووكار، ويجتمع الناس ولذلك اليوم ياتي داوود عليه السلام حتى يبقى المنبر فيخرج فيأخذ في الثناء على ربه فيضجون بالبكاء والصراخ، ثم يأخذ في ذكر الجنة والنار، الطائفة من الناس وطائفة من السباع وطائفة من الهوام وطائفة من الوحوش وطائفة من الرهبان المتعبدان المتعبدان، ثم يأخذ في ذكر الموت والقيامة ويأخذ في نياحة على نفسه فيموت طائفة من هؤلاء وطائفة من هؤلاء ومن كل صنف من طائفة. خرجه ابن أبي الدنيا.

بعد القصص ماشي عليها قالوا: الحيوان من جمادات وغير فقد أخبر الله سبحانه أنها تخشاه. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 74]. أحياناً أحبابي إلى الفائدة هكذا؛ بعض الكتب أنت تقراها أحياناً من كل قراءة الكتاب تركز على ربما عشر فوائد أو عشرين فائدة، لن تجني هذه الفائدة إلا إذا قرأت الكتاب كاملاً. مثل هذه الكتب يعني تجدون الحديث الضعيف والموضوع والشيء الذي لا يقبل أصلاً، فلا يهولنك ذلك، أنت تعرف ما لماذا أنا أقرا مثل هذا الكتاب؟ أنا اقتطع نص بعض الفوائد التي إذا ما قرات لن اقتطع نصها، لكن أثناء المسير سيمر معنا أحاديث موضوعة غير مقبول، كنا نتمنى فلم يذكرها، لكن هذه كانت طريقة العلماء في كتابة كتب الزهد والسلُوك، يرون ما وجدوا في الكتب من غير تحرير ولا تنخيل من باب أنه باب زهد، لكن أنت اليوم لا، اليوم محسوب عليك الكلام، فإذا خطبت الناس أو كلمت الناس لا كلمهم إلا بالصحيح الثابت، هكذا يفعل طالب العلم اليوم.

قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: كل حجر تفجر من الموت يشققه عن ماء ويتردى عن راس جبل فهم من خشية الله عز وجل، ونزل بذلك القرآن. وخرج للجمس للزوجه من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: إن الحجر إلى الأرض ويجتمع عليه الفئام من الناس ما استطاعوا أنه ليهبط من خشية الله، ما استطاعوا أن يرفعوه. الصخرة تسقط، وسبب سقوطها احنا بنحكي والله في منحدر جبري أو شيء أو اهتزاز أرضي، لكن كثير من الصخور تسقط من خشية الله، وإن كنا نحن لا نشعر بهذا المعنى.

قال ابن أبي الدنيا: أحمد بن عاصم عن العباداني قال: حدثنا الفضيل بن العباس، وكان من الأبدال، وكانت دموعه قد أثرت في وجهه وكان من الأولياء. ما معنى من الأبدال؟ أي من الأولياء كبار الأولياء هؤلاء يسمون الأبدال. قال: وكان يصوم الدهر، يفطر كل ليلة على رغيف. قال: من رئيس؟ قال: مر عيسى عليه السلام بجبل من بين نهرين؛ نهر عن يمينه ونهر عن يساره، ولا يدري من أين يجيء هذا الماء ولا إلى أين يذهب. قال: أما الذي يجري عن يسارك فمن دموع عيني اليسرى. قال: من ماذا؟ قال: خوف من ربي أنه يجعلني من وقود النار. قال عيسى: فانا أدعو الله عز وجل أن يهبك لي. فدعى الله فدعى الله فهبه له. فقال عيسى: قد وهبت لي. قال: فجاء منه الماء حتى احتمل عيسى فذهب به. قال له عيسى: اسكن بعزة الله، فقد استوهبتك من ربي فهبك لي، فما هذا؟ قال: البكاء الأول فبكاء الخوف، وأما البكاء الثاني فالبكاء الشكر. قال عبد الله بن عمرو بن العاص -يعني واضح هذه التفاصيل إسرائيليات لا يلتفت لها كثيراً-.

قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: إن القمر ليبكي من خشية الله. قال طاووس: إن القمر ليبكي من خشية الله ولا ذنب له ولا يسأل عن عمل ولا يجاز به. وهذا كله يحتاج إلى إثبات وإلا فهو في الأصل مأخوذ من الإسرائيليات.

فصل: النار في الدنيا تخاف من نار جهنم، وهذه النار التي في الدنيا تخاف من نار جهنم. روى نفيع -نفيع أبو داود- عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ناركم هذه لجزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، ولولا أنها أطفئت بالماء مرتين ما دفعت بها، وأنها لتدعو الله أن لا يعيدها فيها». إنه يقول: إن نار الدنيا هي مأخوذة من نار جهنم لكنها أطفئت مرتين فخف حرها ولهيبها على النار جهنم، هذا هو المراد. أخرجهم من رفيع فيه ضعف وقد روي موقوفاً على أنس. وخرج الحاكم -قال وخرج الحاكم من حديث جسر بن فرقد عن الحسن عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «نوركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، ولولا أنه في البحر مرتين منفعة بها، وايم الله إن كانت لكافيه وأنها لتدعو الله وتستجيب الله لو عذبته في نار الدنيا بس يوم القيامة إذا كانت كافيه لو كانت نار الدنيا هي عذابكم يوم القيامة أنك تلقى فيها لا تكفي حتى تخاف منها، فما بالك بأن نار الآخرة أضعاف أضعاف نار الدنيا». نعم قال وأنها تدعو الله وتستجير الله لا يعيدها في النار أبداً. وقال: صحيح الإسناد، الدنيا تدعو الله وتستجير من الله أن لا يلقيها في نار الآخرة، نهر الدنيا تستجير من الله تلقى في نار الآخرة. وقال: صحيح الإسناد، في ذلك نظراً، فإن اليسرى ابن فرقة ضعيف.

روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي رجاء قال: لما القي إبراهيم عليه السلام في النار أوحى الله إليها: لإن ضريتيه أو آذيتيه لأردنك إلى النار الكبرى. فخرت مغشياً عليها ثلاثة أيام لا ينتفع الناس منها بشيء. والله يسامحنا بالدنيا، كما قلنا سابقاً في كتب يعني يجمع ما هب ودب من هذه الأمور، فبالتالي دائماً كتب ابن أبي الدنيا وإن كانت هي المعتمد الأساسي لكثير من علماء السلوك من المتأخرين كابن القيم وابن رجب، لكن كتب ابن أبي الدنيا يعني إذا لم أقل.

أكثرها كثير مما فيها من الروايات ضعيف جداً، بل بكت بعضها موضوع، وكثير منها موضوع، ويجمع من الإسرائيليات ومما يوجد في الكتب وكذا؛ فبالتالي دائماً لما تقرأ ابن أبي الدنيا بدك تكون متحرج جداً، وتتأكد من قصته ومن إسناده قبل أن تحدث به الناس. نعم.

قال: وروي عن ابن عمران الجني، قال: بلغنا عن عبد الله بن عمرو، سمعت النار، فقال: إن في هذا فقيراً، والذي نفسي بيده إنها تستجير من النار الكبرى أن تعاد إليها. وعن الأعمش عن مجاهد، قال: ناركم هذه تستعيد من نار جهنم.

الباب الرابع في أن البكاء من خشية النار ينجي منها، وأن التعود من النار يجيب الإعادة منها. قال: قد تكاثرت النصوص أن البكاء من خشية الله يقتضي النجاة منها، والبكاء من خوف النار خوف نار جهنم هو البكاء من خشية الله؛ لأنه بكاء من خشية عقاب الله، وصحبته البكاء من خوف جهنم هو شكل من أشكال البكاء من ماذا؟ من خشية الله، فهما متلازمان.

طيب، قال: لأنه بكاء من عقاب الله وسخطه والبعد عنه وعن رحمته وجواره.

قال: روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضلع». يخرجه النسائي. يعود في الضلع، هل يمكن إذا حلفت لبناً من ضلع أن يعود؟ فهذا مثال على الاستحالة، كأنه أقول: يستحيل عين بكت من الله أن تعذب في النار إلا إذا عاد اللبن في الضرع، وهذا لا يمكن، وهذه من أساليب العرب أنهم إذا أرادوا أن يجزموا بحدوث شيء علقوا عدم حدوثه على أمر ماذا؟ مستحيل. نعم.

قال: خرجه النسائي والترمذي وقال: صحيح. وعن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. الخراجة وقال: حسن. عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «حرمت النار على عين دمعت من خشية الله، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله». وذكر عين ثالثة، خرجه الإمام أحمد وهذا لفظه النسائي والحاكم وقال: صحيح الإسناد يخرجه الجوف سجاني ولفظه: «حرمت النار على عين سهرت في كتاب الله، وحرمت النار على عين دمعت من خشية الله، وحرمت النار على عين غضت عن محارم الله أو فقدت في سبيل الله».

وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «فمن المؤمن يخرجون من عينيه الدموع ولو كانت مثل رأس الذباب من خشية الله ثم تصيب شيئاً من حر وجهه إلا حرمه الله على النار». موقوفاً على من دون ابن مسعود. وفي الباب أحاديث أخر في المنام يعني على التابعين، وهذا يكون من قبيل المقطوع في علم مصطلح الحديث.

قال في الباب حديث آخر في المعنى مسنده ومرسله، وفيها أيضاً عن معاذ بن جبل ابن عباس من قبلهما غير مرفوع. وخرج ابن أبي الدنيا من طريق نفي عن أبي داود عن الزي بن أرقم أن رجلاً قال: يا رسول الله، بما أتقي النار؟ بما أتقي به النار؟ عينيك، فإن عين بكت من خشية الله لا تمسها النار أبدا. قال: ونفع سبق أنه ضعيف، ومن طريق النضر بن سعيد رفعه قال: ما ابرقت عينا عبد بمائها من خشية الله إلا حرم جسدها على النار، فإن فرضت على خده لم يرهق وجهه قطرة ولا ذلة، ولو أن عبدا بكى في أمة من الأمم لأجل الله عز وجل، بكى ذلك العبد تلك الأمة تلك الأمة من النار، وما من عمل إلا وله وزن أثواب إلا الدمعة فإنها تطفئ بحوراً من النار وأقتل رؤي هذا المعنى أو بعضهم موقوفاً من كلام الحسن وأبي عمران الجوني وخالد بن معدان وغيرهم. هذا كلام أشبه بكلام التابعين وليس.

أو فاستخرجته هي. نعم. قال روى أيمن، قال: حدثنا حماد، قال: حدثنا مبارك، قال: حدثنا ثابت على نفسه، قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: 24] وبين يديه رجل أسود فهتف بكاف نزل عليه السلام. قال: فإن الله عز وجل يقول: وعزتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي لا تبكي عين عين عبد في الدنيا من خشيتي إلا كثره من خشية. احذف النون: لا تبكي عين عبدا في الدنيا من خشيتي بدون نون. قال: لا تبكي عين عين في الدنيا من خشية إلا كثره ضحكه في الجنة. يعني كأن الله عز وجل يرزقها قرار العين والهدوء والسرور في جنات النعيم، إلا كثره ضحكه في الجنة.

قال فصل التعود من النار، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 191] إلى قوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: 195]. يعني أن المؤمن يجب أن يكون حاله في الدنيا أن يكثر الاستعاذة من حر جهنم؛ لأنه لو سالتك: ما هو أسوء شيء يمكن أن يحدث معك؟ أسوء شيء أن تدخل نار جهنم، يعني أسوء شيء يمكن معك ليس ألا تتزوج، بعض الشباب يقول لك الأمور طيبة إن شاء الله بتدبر حالك، لكن أسوء شيء يمكن أن يحدث معك هو أن تدخل نار جهنم، بالتالي أكثر شيء ينبغي أن تستعيذ منه في هذه الحياة أن تستعيذ من نار جهنم. نعم.

في ذكر الملائكة الذين لا يلتمسون مجالس الذكر، وفيه أن الله عز وجل يسألهم وهو أعلم بهم، فيقولوا: مما يتعوذون؟ فيقولون: من النار. فيقول: هل راها؟ قالوا: لا والله ما راوها. فيقول: وكيف راوها؟ فيقولونها كان أشد منها فراراً وأشد منها مخافة. فقال: فيقول: إني أُشهدكم أني قد غفرت لهم. وخرجت التلفزيون والنسائي وابن حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «فالمسلم يسأل الله جنة ثلاثاً إلا قالت الجنة: اللهم ادخله الجنة من النار ثلاثاً. قالت النار: اللهم أجره من النار».

وخرج البزار وأبو يعلى المسلمين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «فاستجاب من النار سبع مرات، إلا قالت النار إلى ربي إن عبدك فلان استجاره مني ولا سأل عبد الجنة سبع مرات، إلا قالت الجنة يا ربي إن عبدك فادخله الجنة».

وروى صالح المري عن أبانا عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول الله عز وجل: «انظروا في ديوان العبد فمن رأيتموه يسأل الجنة أعطيته، استعاذ به من النار أعذته»، وإسناده ضعيف.

وقال: رأوا صالح عبد الله بن صالح قال: حدثنا أيوب عن عبد الله بن سليمان عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد أو عن أبي حجيرة أو عن ابن أبي حجاره الأكبر عن أبي هريرة أو أحدهما حدثه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا كان يوم حار فإذا قال رجل: لا إله إلا الله، ما أشد حر هذا اليوم، اللهم اجرني من حر جهنم، قال الله لجهنم إن عبداً من عباد استجارني من حرك، وأنا أُشهدك أني قد اجرته، وإذا كان يوم شديد البرد فقال العبد: لا إله إلا الله، ما أشد برد هذا اليوم، اللهم اجرني من زمهرير جهنم، قال الله لجهنم إن عبداً من عباد استجارني من زمهريرك وأنا أُشهدك أني قد اجرته». فقالوا: وما زمهرير جهنم؟ قال: بيته يبقى فيه الكافر فيتميز من شدة برده.

وقال أبو يحيى القتال عن مجاهد يعني يتميز جسده أن يتقطع من شدة البرد. نعم. قال عن المجاهدين إلى النار يوم القيامة فتنزوي، فيقول: ما شاني؟ كيف تقول انه قد كان يستجير مني؟ فيقول: خلوا سبيله. وقال سفيان عن مسعر بن عبد الأعلى: الجنة والنار القية القيت السمعة من ابن آدم، فإذا قال: أعوذ بالله من النار، قالت الجنة والنار تسمعاني ماذا تقول أنت في الحياة الدنيا؟ طيب.

قال: فإذا قال الرجل: أعوذ بالله من النار، قالت النار: اللهم أعثه. وقال: أسأل الله الجنة، قالت الجنة: والله أهم بلغه، أنها تؤمن على دعائك. قالوا: عثمان بن أبي العتيقة، قال ابن مسلم الخولاني: ما عرضت لي دعوة لي دعوة إذا ذكرت، قال: ما عرضت لي دعوة لذكرت جهنم فصرفتها إلى الاستعادة منها. اردت أن أدعو الله كلما عرضت لي دعوة، كلما هممت أن أدعو الله بشيء بدي أدعو الله سبحانه وتعالى أن يوسع لي في الرزق، أدعو أن أنجح في اختبار، أدعو بشيء. قال: ما أتيت أدعو الله بدعوة إلا تذكرت جهنم فأصرف كل دعاء إلى الاستعاذة من جهنم وأنسى الشيء الذي أردت أن أدعوه من أجله. نعم.

أبو سنان عيسى بن سنان عن طائر الخرساني قال: من استجار بالله من جنس مرات قالت جهنم ولا حاجة لي فيك.

الباب الخامس في ذكر مكان جهنم، قال: روى عطية عن ابن عباس قال: الجنة في السماء السابعة ويجعله الله حيث يشاء يوم القيامة في الأرض السابعة. اخرجه أبو نعيم.

قال: أخرج ابن منده من حديث أبي يحيى القداس عن مجاهد قال: قلت لابن عباس الجنة؟ قال: فوق سبع سماوات. قلت: تحت سبعة أبحر مطبقة؟ قال: ربيها بإسناد في ضعف فيه ضعف عن أبي الزعراء عن ابن مسعود قال: الجنة في السماء السابعة العليا والنار في الأرض السابعة السفلى، ثم قرأ قوله: كثير من السلف أن النار جعلها الله في الأرض السابعة، أن الله جعلها في الأرض السابعة، وسياتي معنا البئر الذي في ماذا في اليمن، تذكرون قصة البئر الذي في اليمن ورهوت؟ هذا سياتي معنا إن شاء الله. يعني هذا البئر له ارتباط بالأرض السابعة هذه الأمور لانها وارد.

قال: ثم قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ﴾ [المطففين: 18] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ﴾ [المطففين: 7] اللي في سجين. خرجه ابن منده. فإذا كان يوم القيامة جعلها الله حيث يشاء. وقال محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب عن بشر بن شغاف عن عبد الله بن سلمان قال: إن الجنة عن عبد الله بن سلام قال: إن الجنة في السماء من النار في الأرض. خرجه ابن خزيمة بن أبي الدنيا. ورا ابن أبي الدنيا بإسناده عن قتادة قال: كان يقولون الجنة في السماوات السبع وأن جهنم في الأراضي السبع. وروى القاءوا عن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22] قال: الجنة في السماء. وقد استدل بعضهم لهذا بأن الله تعالى أخبر أن الكفار يعرضون على النار غدواً وعشياً، يعني مده في مده البرزخ، وأخبر أنه لا تفتح لهم أبواب السماء، فدل أن النار في الأرض. وقال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: 7].

وفي حديث البراء بن عازم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صفة قبض الروح قال: في روح الكافر حتى ينتهوا بها إلى السماء، قال: حتى ينتهوا بها السماء فيستفتحون فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخِيَاطِ﴾ [الأعراف: 40] قال: يقول قال تعالى اكتبوا كتابه في السجين في الأرض السفلى، قال: فتطرحه روحه طرحاً، فخرجه الإمام أحمد وغيره.

قالوا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صفة قبض الروح وقال: في روح الكافر فتخرج كانتني ريح جيفه، فينطلقون به إلى باب الأرض فيقولون: ما أنت هذه الريح؟ فلما أتؤوا على أرض قالوا ذلك حتى يأتوا به إلى أرواح الكفار. خرجها ابن حبان والحاكم وغيرهما.

قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: ما أرواح الكفار في الأرض السابعة.

قال رحمه الله تعالى: البحار تشجر يوم القيامة. قال: روى الإمام أحمد تشتعل يوم القيامة كما جاء في أي سورة؟ ﴿وَإِذَا البحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: 6] أحسنت. نعم. قال رحمه الله تعالى: روى الإمام أحمد بإسناد فيه نظر أن يعلم بن أمية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البحر هو جهنم». فقالوا لاعلى فقال: ألا ترون أن الله عز وجل يقول: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29]، لا والذي نفس يعلى بيده لا أدخلها أبداً حتى أعرض حتى أعرض على الله عز وجل، ولا يصيبني منها قطره حتى ألقى الله عز وجل. وهذا يرى أن البحار هي جزء من جهنم، هو يرى أن البحار الجنة. فقال: والله لأركب البحار أبدا ولا تصيبني منها قطره. طب ما دليلك على أن البحار جزء من جهنم؟ قال: انها يوم القيامة تصبح ماذا نارا وتسجر، فهكذا كان تصوره رحمه الله تعالى عليه وهذا انتبهت في المراد به أن البحيرة تفجر أو تفجر يوم القيامة فتسير بحرا واحدة بثبوت هذا الحديث.

قال: وهذا إن ثبت لو ثبت هذا الأثر فليس المراد أن البحار هذا الماء هو من جهنم، يعني هذا فكيف يكون الماء نارا؟ إن المراد أنها جهنم تتفجر من تحت المياه. قال: وأنت ثبت هذا فالمراد أن جهنم لما يأتي يوم القيامة ستتفجر وتخرج من تحت مياه البحار، هذا هو المراد والله أعلم. قال: فتصير بحراً واحداً ثم تصدر ويوقد عليها فتسير نارا، وزاد في نار جهنم، وقد فسره فقد فسر غير واحد من السلف قوله تعالى: ﴿وَإِذَا البحَارُ سُجِّرَتْ﴾ بنحو هذا.

وروى المبارك من فضالة عن كثير أبي محمد عن ابن عباس قال: تسجر حتى تصير نارا. وروى مجاهد عن شيخ من بجيلة من بجيل لا تعرف زائدة قال عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا البحَارُ سُجِّرَتْ﴾ قال: تكور الشمس والقمر والنجوم في البحر، فيبعث الله عليها ريحاً دبوراً فتنفخه حتى يرجع نارا. خرجنا بدنيا وابن أبي حاتم. قال: وخرج بن أبي الدنيا وابن أبي حاتم أيضاً من.

طريقة مجاهد، عن الشعبية، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: 49]، قال: هذا هو البحر تنتثر الكواكب فيه، وتكور الشمس والقمر، فيكون هو جهنم. قال: وروى ابن جرير عن كعب في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: 48]، قال: تبدل السماوات فتصير جنانًا، وتبدل الأرض فيصير مكان البحر نارًا. وقد سبق عن ابن عباس أنه قال: النار سبعة أبحر مطبقة.

وروي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال: لا يتوضأ بماء البحر لأنه طبق جهنم. وكذا قال سعيد بن أبي الحسن أخو البصري: البحر طبق جهنم. لكن هذا مردود تمامًا؛ لأنه يخالف الحديث الصحيح المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم، سئل عن الوضوء بماء البحر فقال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته». فهذا لا يقبل أبدا أن نقول لا يتوضأ بماء البحر، مرفوض تمامًا.

نعم، قال رحمه الله تعالى: وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله، فإن تحت البحر نارًا، وتحت النار بحرًا». قال: أخرج ابن أبي هاتم بإسناد ابن سعيد قال: إن هذا البحر يعني بحر الروم وسط الأرض، والأنهار كلها تصب فيه، والبحر الكبير يصب فيه، وأسفله آبار كلها مطبقة بالنحاس، فإذا كان يوم القيامة أسجد.

وذكر ابن أبي الدنيا عن العباس بن يزيد البحريني قال: سمعت الوليد بن هشام، وقلت له: عما أخذت هذا؟ قال: عن رجل من أهل الكتاب أسلم فحسن إسلامه، قال: لما التقم الحوت يونس عليه السلام جال به الأحر السبع، فلما كان آخر ذلك انتهى به الحوت إلى قعر البحر في موضع يلي قعر جهنم، فسبح يونس في بطن الحوت فسمع قارون تسبيحه وهو في النار، وذكر بقية الخبر.

وعبيد المكتب قال عن مجاهد، عن علي بن عمر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن جهنم محيطة بالدنيا، وأن الجنة من ورائها، فلذلك كان الصراط على جهنم طريقًا إلى الجنة. غريب منكر. قال: وقد روي عن بعضهم ما يدل على أن النار في السماء. وروى مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22]، قال: الجنة والنار. وكذا قال جويبر عن الضحاك.

نتقل إلى القول الثاني، إذا القول الأول أن النار تحت الأرض السابعة، هناك قول آخر بدأ الآن بطرحه وهو أن بعض أهل العلم قال: النار لا هي في السماء كما أن الجنة في السماء. هذا قول ذكره بعض أهل العلم، هذه الآية: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ أي الجنة والنار؛ لأن الجنة والنار هي الرزق الذي يوعد به الإنسان إذا كان صالحًا فرزقه الجنة، وإذا كان طالحًا فرزقه النار، فالمراد ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ قالوا الرزق المراد به الجنة والنار، فهذا قد يستدل به على أن النار في السماوات.

نعم، قال رحمه الله تعالى: وروى عاصم عن جرين عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أوتيت بالبراق فلم تزايل طرفه أنا وجبريل حتى أتينا بيت المقدس، وفتحت لنا أبواب السماء، ورايت الجنة والنار». خرجه الإمام أحمد وغيره، وقال في رواية المروذي: وفي حديث حذيفة أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: رايت ليلة أسرى به الجنة والنار في السماء، فقرات هذه الآية: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ فكاني لم أقرأها قط، وهو تصديق لما قاله حذيفة. قاله عنه الخلال في كتاب سنتي. وهذا اللفظ الذي احتج به الإمام أحمد ولم نقف عليه بعد في حديثه، إنما روي عنه ما تقدم.

قال: وروي عن حذيفة أنه قال: والله ما زال البراق حتى فتحت لهما أبواب السماء، ورايا الجنة والنار ووعد الله الآخرة أجمع، ولم يرفعه. وهذا كله ليس بصريح في أنه رآى النار في السماء كما لا يخفى؛ لأنه قد يكون رأى يمثل له أنه النار وليست هي النار الحقيقية نفسها، قد يكون رأى شيئًا مثل له أنه، كما يمثل له في الصلاه وهو يصلي الكسوف، ولم يمثل له صلى الله عليه وسلم النار، هل هذا يعني أن النار خرجت من الأرض حتى أصبحت؟ لا، إنما المراد مثل له هذه النار في السماء. فهذا حقيقة ليس لا يوجد فيه دليل واضح أن النار في السماء.

نعم، قال: وأيضًا فلا تقدير صحة ذلك اللفظ لا يدل على أن النار في السماء، إنما يدل على انه راها وهو في السماء، والميت يرى في قبره الجنة والنار وليست الجنة في الأرض، ولقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف الجنة والنار وهو في الأرض، وكذلك في بعض طرق الاسراء حديث أبي هريرة أنه مر على أرض الجنة والنار في مسيره إلى بيت المقدس، ولم يدل شيء من ذلك على أن الجنة في الأرض.

فحديث حذيفة إن ثبت أنه رأى الجنة والنار في السماء، في السماء ظرف للرؤية لا للمرئي والله أعلم، أن الرؤيا وقعت له وهو في السماء صلى الله عليه وسلم، وأما المرئي وهي النار فليس المراد أنها كانت في السماء، وإنما مثلت له وهو صلى الله عليه وسلم في السماء، إذا قال هو ظرف للرؤية التي وقعت منه صلى الله عليه وسلم وليست ظرفًا للمرئي وهي نار جهنم بذاتها.

نعم، قال رحمه الله تعالى: وفي حديث أبي هارون العبري، وهو ضعيف جدًا، على أبي سعيد الخدري في صفة الاسراء أنه صلى الله عليه واله وسلم رأى الجنة والنار فوق السماوات، ولو صح لحمل على ما ذكرناه. وأيضًا فقد روى القاضي أبو يعلى بإسناد جيد أبي بكر المروذي أن الإمام أحمد فسر لهم من القرآن آيات متعددة، فكان مما فسره له قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: 6]، قال: أطباق النيران. قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: 6]، قال: جهنم. وهذا يدل على أن النار في الأرض بخلاف ما عن المروذي والله أعلم.

قالوا: وأما المروي عن مجاهد فقد تأوله بعضهم على أن المراد أن أعمال الجنة والنار مقدرة في السماء من الخير والشر، وقد صرح بذلك مجاهد في رواية أخرى عنه، وقد ورد في بعض طرق الاسراء أنه صلى الله عليه واله وسلم رأى جهنم في طريقه إلى بيت... المروي عن مجاهد يقصد ماذا؟ يقصد تفسير للايه السابقة: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ أنها الجنة والنار، فما تأويل ذلك؟ قال: المراد على أن أعمال الجنة والنار مقدرة في السماء من الخير والشر.

يعني الآن مر معنا أن مجاهد ماذا فسر قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾، ماذا فسره؟ أي أن الجنة والنار في السماء، فهنا ابن رجب يقول: قد يؤول كلام مجاهد أن المراد أن الجنة والنار في السماء أن أعمال الجنة التي ستعملها قدرت لك في السماء عند الله، وأعمال التي ستؤدي بك إلى النار التي تعملها قدرت لك في السماء، فالرزق حقيقة ليس المراد به الجنة والنار، وإنما المراد به أعمال الجنة واعمال النار، هذا هو المراد به على المعنى الدقيق.

قال رحمه الله تعالى: وقد ورد في بعض طرق حديث الاسراء أنه صلى الله عليه واله وسلم رأى جنة في طريقه إلى بيت المقدس. وروي عن عبادة بن الصامت أنه وقف على سور بيت المقدس الشرقي يبكي وقال: ها هنا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جهنم.

قال الباب السادس في ذكر طبقاتها ودركاتها وصفتها. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: 145]. وقد قرئ الدرك بسكون الراء وتحريكها، يعني هكذا وهكذا. وهذه الآية فيها دليل على أن النار دركات كما أن الجنة درجات، فهذه الآية من الأدلة على انقسام النار إلى مراتب. نعم، قال: وهي لغات. قال الضحاك: الدرج إذا كان بعضها فوق بعض، والدرك إذا كان بعضها أسفل.

يعني ماذا؟ جعلت النار درجات، والنار درجات؛ لأن الدرج في اللغة العربية هو الشيء الذي يكون وينتقل هكذا ويعلو، وأما الدرك فهو الشيء ثم يبدأ يتنازل عن الشيء الذي يذهب تصاعديًا العرب تسميه درج، والشيء الذي يذهب تنازليًا العرب تسميه درك. نعم، وقال غيره: الجنة درجات والنار درجات، وقد تسمى النار درجات أيضًا كما قال تعالى بعد أن ذكر اهل الجنة وأهل النار: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: 132] وقال: ﴿أَفَمَن تَبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 162]، على أنه يمكن أن يطلق الدركان، أن يطلق على الدركات أنها درجات، يمكن أن يطلق على الدركات أيضًا أنها درجات، واستدل بهذه الآية: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا﴾.

نعم، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ تَبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 162-163]. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: درجات الجنة تذهب علوًا، ودرجات النار تذهب سفولًا.

في قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ [الحجر: 44] قال: لها سبعة أطباق. وعن قتادة: لكل مشهورة أنها أبواب لا أطباق، وفسرها الأبواب بأنها أطباق أي درجات أو درجات، لكن المشهور أنها سبعة أبواب لا أبواب حقيقية لنار جهنم، وليس التفسير الذي ذكره. وعن قتادة: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾ [الحجر: 44] قال: هي والله منازل بأعمالهم.

وعن يزيد بن أبي مالك الهمداني قال: لجهنم سبعة نيران تاتلق، ليس منها نار إلا وهي تنظر إلى التي تحتها مخافة أن تاكلها. وهي تنظر -هذا في خطأ في الكتاب- قال: لجهنم سبعة نيران تاتلق، ليس منها نار إلا وهي تنظر إلى التي تحتها مخافة أن تاكلها.

عن ابن جريج في قوله: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ قال: أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية، وفيها أبو جهل. قال: وروى مسلم في آخر المصائب والعياذ بالله.

نعم، قال: وروى سليمان سلام للمدائن، وهو ضعيف، عن الحسن، عن أبي سنان، عن الضحاك قال: للنار سبعة أبواب، وهي سبعة أدرك بعضها على بعض، فأعلاها فيه أهل التوحيد يعذبون على قدر أعمالهم وأعمالهم في الدنيا، ثم يخرجون منها، أهل التوحيد الذين لهم عصاة الذين سيكتب لهم أن يدخلوا النار ثم يخرجون منها. نعم، قال: وفي الثانية اليهود، وفي الثالثة النصارى، وفي الرابعة الصابئون، وفي الخامسة مجوس، والسادس فيه مشركو العرب، وفي السابع المنافقون، وهو قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: 145]. هذا يعني ليس فيه شيء ثابت حقيقة.

قال وروى علي بن المسيب عن أبيه وخيبة بن عبد الرحمن قال: قال ابن مسعود: أي أهل النار أشد عذاب؟ قالوا: اليهود والنصارى والمجوس. قال: لا، ولكن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، في توابيت من نار مطبقة عليهم ليس لها أبواب.

طبعًا هنا المراد بالمنافقين الكفار، وليس المنافق الذي فيه خصال النفاق وهو مؤمن، عرفتم؟ يعني هو إنسان كافر، لكنه كان يظهر النفاق في الدنيا، يظهر في الدنيا أنه مسلم، فهذا عذابه أشد من عذاب الكافر المصرح بكفره؛ لأنه المنافق هذا يلعب بهذا الدين ويعبث به وسبب في أذية الناس وما شابه ذلك، فالمنافق الكافر أشد عذابًا من الكافر المصرح بكفره. نعم، أحسن الله إليكم.

قال رحمه الله تعالى: وروى عاصم عن أبي صالح، عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: 145] قال: الدرك الأسفل بيوت لها أبواب تطبق عليها، فيوقد من فوقهم ومن تحتهم. قال تعالى: ﴿لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: 16].

وقال ابن المبارك عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن سحر، قال عن أبي يسار قال: الظلة من جهنم فيها سبعون زاوية، في كل زاوية صنف من العذاب ليس في الأخرى. وروى ابن أبي هاتم بإسناده عن كعب قال: اقتحام العقبة اقتحام، والعقبة في كتاب الله يعني قوله: ﴿فَلَاقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: 11] سبعون درجة في النار. وعن ضمره قال: سمعت أبا رجاء قال: بلغني أن العقبة التي ذكر الله في كتابه مطلعها سبعة آلاف سنة، ومهبطها سبعة آلاف سنة. وعن عطية: العقبة هي التلة.

يعني مثل الطورية من حديد أو شيء من ذلك، قال: مقمعة من حديد، ثم لقيني ما لك في يده مقمعة من حديد، قالوا: نعم الرجل، قال: نعم الرجل أنت لو كنت تكثر الصلاة من الليل، فانطلقوا به حتى وقفوا بي على سفير جهنم، فإذا هي مطوية كطي البئر لها قرون كقرون البئر بين كل قرنين الذي له بناء حوله، له بناء حوله مبني. نعم، قال: بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد، وإذا فيها رجال معلقون بالسلاسل رؤوسهم أسفلهم، وعرفت رجلًا من قريش، فانصرفوا بي عن ذات اليمين، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إن عبد الله رجل صالح»، لذلك الملائكة قالت له: لا ترى، يعني لا تقلق، رجل فيه صلاة الله عز وجل لا يدخله النار بإذن الله.

نعم، قال الباب السابع في ذكر قعر جهنم وعمقها. قال عن خالد بن عمير قال: خطبنا عتبة بن غزوان فقال إنه ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفة جهنم فيهوي فيها سبعين عامًا ما يدرك لها قعرا، والله لتملا أنها لتملا، أفعجبتم؟ خرجه هكذا مسلم موقوفًا، وأخرجه الإمام أحمد موقوفًا ومرفوعًا، والموقوف أصح. متخيل أن الحجر لما يلقى في النار يجلس سبعين سنة حتى يصل إلى قعر النار، ما هذه المسافة المخيفة؟ ما هذه المساحة العظيمة جدا لجهنم؟ هذا هو المراد. نعم، قال: أخرجه الترمذي من

حديث الحسن قال عتبة بن غزوان على منبرنا هذا يعني منبر البصرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الصخرة العظيمة لتلتقي من شفير جهنم فتهوي سبعين عاما وما تفضي إلى قعرها».

قال: وكان عمر يقول أكثروا ذكر النار فإن حرها شديد وإن قعرها بعيد وإن مقامعها حديد. ثم قال: لا يعرف للحسن سماع من عتبة بن غزوان.

قال وخرج مسلم أيضا من حديث أبي هريرة قال: كنا عند النبي صلى الله عليه واله وسلم يوما فسمعنا وجبة، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: «أتدرون ما هذا؟» فقلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين خريفا فالآن انتهى إلى قعرها».

قال وخرج أيضا عن أبي هريرة قال: والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعين.

وخرج الحاكم من حديث أبي هريرة أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أخذ سبع خلفات بشحومهن فألقينا من شفير جهنم -الخليفات هي الغنم أو الشاة الحامل- ما انتهينا إلى آخرها سبعين عاما».

قال وخرج البزار والطبراني من حديث بريدة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «إن الحجر ليزن سبع خلفات يرمى به في جهنم فيهوي سبعين خريفا وما يبلغ قعرها».

ولو خرج ابن حبان في الصحيح من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «لو أن حجرا قذف به في جهنم لهوى سبعين خريفا قبل أن يبلغ قعرها». وقد سبق من حديث أنس وأبي سعيد معنى حديث أبي هريرة في سماع الهدى.

قال رحمه الله تعالى: وقال ابن المبارك: أخبرنا يونس عن الزهري قال: بلغنا أن معاذ بن جبل كان يحدث عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: والذي نفسي بيده إنما بين شفير النار وقعرها كصخرة زينة سبع خلفات بشحومهن ولحومهن وأولادهن تهوي من شفته النار قبل أن تبلغ قعرها سبعين خريفا.

قال ابن المبارك: وأخبرني زكريا بن أبي مريم الخزاعي قال: سمعت أبا أمامة يقول: إنما بين شفير جهنم ومسيرة سبعين خريفا من حجر يهوي أو صخرة تهوي عظمها كعظم عشر عشاوات عظام -العشاوات هي الناقة الحامل المقرب، الناقة إذا أصبحت في الشهر العاشر من حملها تسمى عشراء-.

فقال له رجل: هل تحت ذلك من شيء يا أبا أمامة؟ قال: نعم، غي وأثام.

وقد روي ذلك بإسناد ضعيف من طريق لقمان بن عامر عن أبي همامة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم وزاد فيه: قلت وما غي وما أثام؟ قال: بئر يسيل فيهما صديد أهل النار، وهما اللتان ذكرهما الله تعالى في كتابه ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59] وفي الفرقان ﴿يَلْقَ أَاثَامًا﴾ [الفرقان: 68].

البئران اللذان اسمهما غي وأثام هذان تحت قعر جهنم لسه يعني بعد أن يصل الحجر إلى قعر جهنم بعد سبعين سنة الآن وصل إلى القعر صحيح فيسأله في الحديث السابق هل تحت قعر جهنم شيء؟ قال: نعم تحته بئران البئر الأول اسمه غي والبئر الثاني اسمه أثام، وجاء تفسيرها في هذا الحديث وإن كان الحديث موقوفا وليس مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

قال رحمه الله تعالى: وقد روي من وجه آخر قال حريز بن عثمان قال حدثني عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي عن أبي أمامة أنه كان يقول: إن جهنم ما بين شفتيها إلى قعرها سبعون أو قال خمسون خريفا للحجر المتردي والحجر مثل سبع خلفات مملوءة شحما ولحما. خرجه الجوزجاني.

وروى مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «ما من حاكم يحكم بين الناس إلا يحبس يوم القيامة وملك آخذ بقفاه حتى يوقفه على جهنم -ثم يرفع رأسه إلى الله عز وجل فإن قال له: ألقه ألقه في مهوى أربعين خليفة»-.

القاضي الذي لا يقضي بالحق هكذا يكون حاله، ولذلك الإنسان يهرب من منصب القضاء ولا يحرص عليه إلا من رحم الله.

قال خرجه الإمام أحمد ورواه عبد الله بن الوليد الوصافي قال حدثنا عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: «يجيء بالوالي يوم القيامة فينبذ على جسر جهنم فيرتج على ذلك الجسر به ارتجاجا لا يبقى منه مفصل إلا زال عن مكانه، فإن كان مطيعا لله في عمله مضوا به، وإن كان عاصيا لله في عمله خرق به الجسر في جهنم مقدار خمسين عاما».

فقال له عمر: من يطلب العمل بعد هذا؟ هل هناك إنسان يتولى القضاء بعد أن يسمع هذا الحديث؟ قال أبو ذر: سلت الله أنفه وألصق خده بالتراب. فجاء أبو الدرداء فقال له عمر: يا أبا الدرداء هل سمعت من النبي صلى الله عليه واله وسلم حديثا حدثني به أبو ذر؟ قال: فأخبره أبو ذر فقال: نعم ومع الخمسين خمسون عاما يهوي به إلى النار.

الوصافي لا يحفظ الحديث كان شيخا صالحا رحمه الله، كان هذا نوع تضعيف للحديث رحمه الله.

قال وروى سويد بن عبد العزيز وفيه ضعف شديد عن سيار عن أبي وائل أن أبار ذر قال لعمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول -تذكروا معناه في حديثه وإن كان سيئا-: «خرق به الجسر فهو في قعرها سبعين خريفا».

وفي موعظة الأوزاعي للمنصور قال: أخبرني يزيد بن جابر عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري أن أبا ذر سليمان قال لعمر: سمعنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول -فذكره بمعناه- وقال: «هوى به في النار سبعين خريفا».

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب».

ولو خرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «إن الرجل يتكلم بالكلمة لا يرى بها باسأ يهوي بها في النار سبعين خريفا». وخرجه البزار نحوه من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه واله وسلم.

هو لا يرى بها لكن الكلمه عظيمة القدر عند الله سبحانه وتعالى، كلمة شديدة في الانحراف والبعد عن الله عز وجل.

وفي تفسير ابن جرير قال من رواية العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾ [البقرة: 80] قال: ذكر أن اليهود وجدوا في التوراة مكتوبا أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة وإلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم ثابتة في أصل الجحيم. قال: وكان ابن عباس يقول إن الجحيم صخر وفيها شجرة الزقوم، فزعم أعداء الله أنه إذا خلى العدد الذي وجدوه في كتابهم أياما معدودة وإنما يعني بذلك السير الذي ينتهي إلى أصل الجحيم.

فقالوا: إذا خلى العدد انقضى الأجل فلا عذاب وتذهب جهنم وتهلك فذلك بعد أن نجلس في النار أياما معدودة، فذلك قوله ﴿لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾ [البقرة: 80] يعني يعنون بذلك الأجل.

فقال ابن عباس: لما اقتحموا من باب جهنم ساروا في العذاب حتى انتهوا إلى شجرة الزقوم آخر يوم من الأيام المعدودة وهي أربعون سنة، فلما أكلوا من شجرة الزقوم هملا وملاوا البطون آخر يوم من الأيام المعدودة قال لهم خزنة سقر: زعمتم أنكم لن تمسكم النار إلا أياما معدودة وقد خلى العدد وأنتم في الأبد، فأخذ بهم في الصعود في جهنم يرهقون.

ففي هذه الرواية عن ابن عباس أن قال: جهنم ومسافة عمقها أربعون عاما، وأن ذلك هو معنى ما في التوراة ولكن اليهود حرفوه فجعلوه مسافة ما بين طرفيها وزعموا أنه إذا انقضت هذه المدة أن جهنم تخرب وتهلك، فإن ذلك من كذبهم على الله وتحريفهم التوراة.

قال فصل: سعة جهنم طولا وعرضا. أما سعة جهنم التي استفدناها خلاصة ما يريد في الماضي لو سالك شخص: كم قعر جهنم يعني كم المسافة بين أعلى جهنم وبين قعرها؟ الصحيح المشهور أنه سبعون عاما، هذه خلاصة كل النصوص التي أتى بها في الفصل السابق.

الآن سننتقل إلى موضوع آخر والآن أصلاً كتاب ابن رجب أصلاً في ذكر صفات النار فانت الآن سيتدرج بك في ذكر كل شيء يتعلق بصفتها، فتمشي صفة الآن سنبدأ بصفة طولها وعرضها كم طولها وكم عرضها؟

قال رحمه الله: أما سعة جهنم طولا وعرضا فروى مجاهد عن ابن عباس قال: أتدرون ما سعة جهنم؟ قلنا: لا. قال: أجل والله ما تدرون، إنما بين شحمة أذن أحدهم وأنفه مسيرة سبعين خريفا تجري فيه أودية القيح والدم. قلنا: أنهار؟ قال: بل الأودية.

ثم قال: أتدرون ما بين شحمة أذن أحدهم؟ -المفروض أنه يتكلم عن أهل النار-.

قال: أتدرون ما سعة جهنم؟ قلنا: لا. قال: حدثت أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطُوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: 67] فأين الناس يومئذ؟ قال: على جسر جهنم. خرجه الإمام أحمد وخرج النسائي والترمذي منه المرفوع وصححه الترمذي وخرجه الحاكم وقال صحيح الإسناد.

الباب الثامن في ذكر أبوابها وسرادقها وصنادقها قال الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾ [الحجر: 43-44].

خرج الإمام أحمد والترمذي من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «إن لجهنم سبعة أبواب باب منها لمن سل سيفه على أمته».

وخرج الإمام أحمد من حديث عتبة بن عبد السلمي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «إن للجنة ثمانية أبواب وإن لجهنم سبعة أبواب، وبعضها أفضل من بعض». هذا هو المشهور أن أبواب جهنم سبعة.

وفي حديث أبي رزين العقيلي قال: إن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال لعمر: الهي كان للناس وحياة الهك؟ -قلنا: حلف بحياه الله- قال: عمر الهي كان للنار سبعة أبواب ما منهن بابان يسير الراكب بينهما مسيرة سبعين عاما؟ خرجه عبد الله بن الإمام أحمد وابن أبي عاصم والطبراني والحاكم وغيرهم.

وخرج البيهقي من حديث أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم في حديث المرور على الصراط قال: «فناج مسلم ومخدوش مرسل ومطروح فيها لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم».

روى أبو إسحاق عن هبيرة بن مريم قال عن علي قال: أبواب جهنم سبعة بعضها فوق بعض. وقال بأصبعه وعقد خمسين وأضجع يده، ثم يمتلئ الأول والثاني والثالث حتى عقدها كلها. خرجه ابن أبي حاتم وغيره.

ورواه بعضهم عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي بمعناه.

وخرج ابن أبي حاتم من طريق حطان الرقاشي قال: سمعت عليا يقول هل تدرون كيف أبواب جهنم؟ قلنا هي أبوابنا هذه. قال: لا هي هكذا بعضها فوق بعض. وفي رواية له أيضا بعضها أسفل من بعض. وخرجه البيهقي ولفظه: أبواب جهنم هكذا، ووضع يده اليمنى على ظهر يده اليسرى.

وعن ابن جريج في قوله ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ [الحجر: 44] قال: أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم وفيها أبو جهل، ثم الهاوية. خرجه ابن أبي الدنيا وغيره.

وقال جويبر عن الضحاك قال: سمى الله أبواب جهنم هكذا. تفسير آخر في اجتهاد أو أن يقال إن المراد أن أبواب جهنم ليست يعني هكذا بجانب بعضها البعض كل باب بينه وبين الباب هكذا سبعون، لا إن المسافة طوليا هناك باب ثم بعده سبعون خريفا تلقى باب آخر ثم بعده تمشي سبعين سنة تجد باب ثالث وهكذا يمكن أن يكون هذا هو المراد أن أبوابها أسفل من بعض يعني كل باب بعد سنة باب آخر بعد سبعين سنة باب آخر، وليس المراد أنها أبواب بجانب بعضها البعض هذا قد يكون تفسير آخر لهذا الكلام.

قال رحمه الله تعالى عن الضحاك: سمى الله أبواب جهنم لكل باب منها جزء مقسوم، باب لليهود وباب للنصارى وباب للمجوس وباب للصابئين وباب للمنافقين وباب للذين أشركوا وهم كفار العرب وباب لأهل التوحيد وأهل التوحيد يرجى لهم ولا يرجى للآخرين من النار في النهاية.

لكن هذا التفسير هنا المذكور وعد الضحاك يلغي الكلام السابق أو يعني يضعف الكلام السابق أن أبواب جهنم باب ثم بعده باب من هنا يدل على أن هناك.

أبواب بجانب بعضها وكل باب له طائفة، لكن لو كانت الأبواب تحت بعضها فكأن كل طائفة ستدخل من جميع هذه الأبواب؟ أو أن مثلاً هناك بعض الطوائف على الأقل ستدخل من جميع الأبواب حتى تصل إلى قعر جهنم؟ فبالتالي واضح من القضية، حتى في تصنيف أبواب جهنم هل هي أسفل بعضها البعض أو بجانب بعضها؟

يوجد هناك نقاش بين أهل العلم. وقال آدم بن أبي إياس: حدثنا أحمد بن سلمان عن عطاء بن سائب، عن أبي ميسرة في قوله: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ [الزمر: 72] قالوا لجهنم سبعة أبواب، بعضها أسفل من بعض. وقال عطاء الخراساني: إن لجهنم سبعة أبواب، أشدها ريحاً للزناة الذين ركبوه بعد العلم، خرجه أبو نعيم، العلم بعد أن عرفه تحريمه نعم. قالوا عن كعب، قال: لجهنم سبعة أبواب، باب منها للحرورية، للخوارج، للحرورية (الراء الثاني ساقط انتبهوا لنا)، قالوا: هذا كله من حديث ابن عمر المتقدم، يدل على أن كل باب من الأبواب السبعة لعمل من الأعمال السيئة، كما أن أبواب الجنة ثمانية، كل باب منها لعمل من أعمال الصالحة، كما أن الجنة هناك باب للصيام، وباب للجهاد، وباب للصلاة، فكذلك النار هناك أبواب لأذونا، وهناك باب لمن يفعل المرابي، وهناك أبواب لكذا. فابواب جهنم مقسمة على حسب المعاصي، كما أن أبواب الجنة مقسمة على حسب الطاعة.

قالوا عن وهب بن منبه قال: بين كل بابين سنة، كل باب أشد حراً من الذي فوقه. (وخرج فعل فوقه) يعني هذه كلها تدل على أنها لا تحت بعضها البعض. فلاحظوا يعني واضح أن القضية فيها خلاف بين أهل العلم في طريّق ترتيب أبواب النار، هل هي أبواب أسفل بعضها البعض أم أبواب بجانب بعضها البعض؟ تحتاج إلى تحرير.

قال: وخرج الثعلبي في تفسيره بإسناد مجهول إلى منصور بن عبد الحميد بن أبي رباح، عن أنس، عن بلال أن عربية تسلّت خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾ [الحجر: 44]، فخرت مغشياً عليها. فلما أفاقت قالت: يا رسول الله، كل عضو من أعضائي يعذب على كل باب منهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لكل باب منهم جزء مقسوم، يعذب على كل باب على قدر أعمالهم». فقلت: ما لي إلا سبعة؟ أعطيك سبعة أعبد، أنا عندي سبعة عبيد، أشهدك، وكان أشهدك أن كل عبد منهم لكل باب منه أبواب جهنم حر لوجه الله عز وجل. فجاء جبريل فقال: بشيراً، أن الله قد حرمها على أبواب جهنم. وهذا حديث لا يصلح مرفوعة، ومنصور بن عبد الحميد قال فيه ابن حبان: لا تحل الرواية عنها.

قال: وصحيح ما رواه مخلد بن الحسن عن هشام بن حسان (الروايات عنه عن هذه المؤنث...) قال: وصحيح ما روى مخلد بن الحسن عن هشام بن حسان، قال: أخرجنا حجاجاً خرجنا حجة حجاجاً، فنزلنا منزلاً في بعض الطريق، فقرأ رجل كان معنا هذه الآية: لها سبعة أبواب، فسمعتهم امرأة فقالت: أعد رحمك الله، فأعادها، فقالت: خلفت في البيت سبعة أعبد، أُشهدكم أنهم أحرار، ولكل باب لكل باب واحد منهم، خرجه ابن أبي الدنيا.

وخرج البيهقي من حديث الخليل بن مرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان لا ينام حتى يقرأ تبارك وحم السجدة، وقال: الحواميم سبع، وأبواب جهنم سبع، جهنم والحطمة والهاوية والجحيم. وقال: تجيء كل... هذه أسماء بركات جهنم هنا ذكرت على أنها أسماء لأبواب جهنم. وقال: تجيء كل حم منها يوم القيامة -أحسبه قال- تقف على باب من هذه الأبواب فتقول: اللهم لا تدخل هذا الباب كل من يؤمن به ويقرأني. قالوا: هذا منقطع، والخليل بن مرة فيه نظر.

فجعل في قبلته سبعة أحجار، فكان إذا قضى صلاته قال: يا أحجار أشهُدكم أن لا إله إلا الله. خلف مرض الرجل فعرج بروحه، قال: فرأى فرأيت في منامي أنه أمر بي إلى النار، قال: فرأيت حجراً من تلك الأحجار أعرِفه بعينه قد عظم، فسد عني باباً من أبواب جهنم، قال: حتى سد عني بقية الأحجار أبواب جهنم السبعة، قال: فصارون أبواب جهنم تغلق على أهلها يوم القيامة.

وقد وصف الله أبوابها بأنها مغلقة على أهلها، فقال: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مَّؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: 8]، وقال تعالى: ﴿عَلَيْهِم نَارٌ مَّوْصَدَةٌ﴾ [البلد: 20]. وقال مجاهد: هي بلغة قريش: أوصد الباب، أغلقه. يعني قوله مقصداً. وقال مقاتل: يعني أبوابها مطبقة عليهم، فلا يفتح لها باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر روح آخر إلى الابد.

قالوا من أصعب عذاب جهنم النفسية الصعبة، أن أبواب جهنم مغلقة، هنتخيل أنك في عذاب وفي نار، لكن لو كان الباب مفتوح يبقى عندك أمل أن تخرج في يوم من الأيام، تماماً كيف إنسان مسجون ويكون باب السجن عليه مغلق تماماً، الآن إذا الباب كان فيه فرجة يبقى الإنسان عنده أمل أنه لعل هذه الفرجة تتسع ويخرج منها في يوم من الأيام، لكن أصعب السجن ما كان بابه مغلقاً تماماً من أوله إلى آخره، هذا نفسياً يختلف عن الباب الذي يكون فيه فرجة، فمن صعوبة عذاب جهنم أنك تجد الأبواب مغلقة، لذلك الله ذكر هذا العذاب قال: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مَّؤْصَدَةٌ﴾ حتى يعطيك شعور الإحباط، اليأس، القنوط الذي يعاني منه أهل جهنم، أنه حتى مع شدة العذاب مجرد أن تفكر بعملية خروج من النار لن تفكر؛ لأن الباب مغلق بإحكام، لا أحد يخرج ولا أحد يدخل، انتهى الأمر، هذا نفسياً لو أنت فكرت فيه شعور متعب جداً نعم.

قال رحمه الله تعالى: وقد ورد في ذلك مرفوع، خرجه ابن مردويه من طريق شجاع بن أشرس، قال: حدثنا شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنها عليهم صدقة لمطبقة. ولكن رفعه، ولكن رفعه لا يصح. وقد خرجه آدم بن أبي إياس في تفسيره عن شريك بهذا الإسناد موقوفاً على أبي هريرة. ورواه إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح من قوله، ولم يذكر فيه أبا هريرة. وكذلك وكذلك قال عطاء الخرساني وغيره في المعتادة أنها المطبقة. وقال الضحاك قال: حائط لا باب له. ومراده والله أعلم أن الأبواب أطبقت فصار الجدار كانه لباب له الباب؛ لأنه مغلق كأنه لا باب خلاص كأنه جزء من...

قال: وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِم نَارٌ مَّوْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مَّمَدَّدَةٍ﴾ [البلد: 20-21] معناها: أطبقت عليهم بعمود. قال قتادة: وكذلك هو في قراءة... إلى شدة اليأس، يعني الله عز وجل أحبابي الكرام رسم لك معالم اليأس والإحباط من الخروج من النار، يقول: هذه الأبواب مغلقة، وبعد أنها مغلقة بإحكام عليها أعمدة وأوتاد تمنع أيضاً من فتحها. يعني كيف تقول: أنا أغلقت الباب، وبعد ما أغلقت وضعت عليه أعمدة ممددة ضخمة، حتى عملية مجرد أن تفكر أن الباب يمكن أن يفتح، لن يفتح مرة أخرى. ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مَّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مَّمَدَّدَةٍ﴾ ليس فقط كذلك، في عمد ممدد وفي رواية قراءة أخرى: وفي عمود ممددة، أي أعمدة موضوعة على الأبواب لشدة اليأس والإحباط من الخروج مرة أخرى.

قال رحمه الله تعالى: قلقت هذا وكذلك هو في قراءة عبد الله: بعمود. بالبائقة لعطية: هي عمد من حديد في النار. وقال مقاتل: أطبقت الأبواب عليهم ثم شدت بأوتاد من حديد حتى يرجع عليهم غمها وحرها. قالوا: على هذا قوله ممددة صفة للعمد، يعني أن العمد التي أوثقت بها الأبواب ممددة مطولة، والممدود الطويل أرسخ وأثبت من القصير.

وفي تفسير العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿فِي عَمَدٍ مَّمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: 9] العمد الممددة قال: هي عليهم مغلقة، أدخلهم في عمد، أدخلهم في عمد فمدت فمدت عليهم بعماد وفي أعناقهم السلاسل فسدت به الأبواب. وقيل: إن الممددة صفة للأبواب، رواه شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس. وقيل: المراد بالعمود الممددة القيود الطوال الطوال، رواه إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح، ورواه أبو خباب الممدد... هناك تفسير آخر أنها السلاسل والأغلال التي توضع في أيديهم وفي أعناقهم تكون طويلة ممدودة. قال ورواه أبو خباب الكلبي عن زبيد عن إبراهيم قال: قال عبد الله بن مسعود من قوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مَّمَدَّدَةٍ﴾ قال: هي الأدهم، هو القيد الأدهم، هي القيود والسلاسل. وقد تقدم أن عبد الله كان يقرأها بعمود والأدهم القيد. وكذا قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مَّمَدَّدَةٍ﴾ قال: في عمد من حديد مغلولين فيه، وتلك العمود من نار من نار قد احترقت من النار فهي ممددة لهم. وقيل إن المراد بالعمود الممددة الزمان الذي لا انقطع، قاله أبو فاطمة والمتطاوله تفسير بعيد حقيقة.

وقال السدي: ومن قراها في عمد يعني بالفتح فهي عمد من نار، ومن قراها في عمد يعني بالضم فهو أجل ممدود. وقال سعيد بن بشير عن قتادة: أي مطبقة، أطبقها الله عليهم، فلا ضوء فيها ولا فرج ولا خروج منها آخر الأبد. قال: وهذا الإطباق نوعان: أحدهما خاص لمن يدخل في النار، أو من يريد الله التضييق عليه، أجارنا الله من ذلك. قال أبو توبة اليزاني: إن في النار أقواماً مقصدة عليهم، كما يطبق الحق على كما يطبق الحق على طبقة، خرجه ابن أبي حاتم. والثاني: الإطباق العام، وهو إطباق النار على أهلها المخلدين فيها. وقد قال سفيان وغيره في قوله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: 103] قالوا: هو طبق هو طبق النار على أهلها.

وقال في حديث مسكين مسكين أبي فاطمة عن اليمان بن يزيد قال عن محمد بن حمير قال عن محمد... يقول: هناك نوعان من الإطباق، هناك تجديد وتضييق على نوع معين من الكفار أو أنواع معينة من البشر أراد الله أن يضيق عليهم تضييقاً خاصاً، فهذا سنة. وهناك الإطباق العام وهو اغلاق أبواب جهنم عموماً على كل من يدخل فيها. فالاغلاق ومد الأعمده يقول: هناك نوعان من... هناك نوع على أشخاص معينين أراد الله أن يزيد مقدار العذاب عليهم، وهناك إطباق عام على كل جهنم يعني، فهناك إطباق بعد إطباق على أنواع معينين، هناك إطباق عام لكل من يدخل هذه النار.

طيب قال رحمه الله تعالى عن محمد بن حمير عن محمد بن علي عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خروج الموحدين من النار قال: ثم يبعث الله ملائكة معهم مسامير من النار وأطباق من النار فيطبقونها على من بقي فيها ويسمرونها بتلك المسامير، يتناسب. وكان ماذا يفهم من هذا؟ كان الإطباق النهائي لجهنم متى يكون؟ بعد أن يخرج الموحدون منها، يعذبون يخرجون منها. الإطباق النهائي، ملائكة تاتي بمسامير خلص، ضل حدا موحد في النار؟ ما ضل. تاتي الملائكة بتطبق المسامير خلاص، إنه لن يخرج منها أحدهم بعد الموحدين. قال: يتناساهم الجبار على عرشه من رحمته، ويشتغل عنهم أهله ويشتغلوا عنهم بأهل الجنة، ويشتغلوا عنهم أهل الجنة بنعيمهم ولذاتهم، خرجه الاسماعيلي وغيره، وهو حديث منكر قاله الدارقطني.

قال ورواه ابن أبي حاتم بإسناده عن سعيد بن جبير قال: ينادي رجل في شعب من شعاب النار مقدار ألف عام ألف عام: يا حنان يا منان! فيقول الله تعالى: يا جبريل اخرج عبدي! فيجده فيجدها مطبقة، فيقول: يا رب انها عليهم مطبقة مصدة. فقال قتادة عن أبي أيوب بن عمر: إذا أجاب الله أهل النار بقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108] أطبقت عليهم، فبئس القوم بعد تلك الكلمة، وإن كان إلا الزفير. فبئس القول... (يعني شعروا باليأس والإحباط نعم). قال: فبئس القوم بعد تلك الكلمة وإن كان إلا الزفير والشهيق، أي لا إلا الزفير، وإن كان لا يجدون إلا زفيراً وشهيقاً نعم.

قال أبو الزعراء عن ابن مسعود: أو إذا قيل لهم اخسئوا فيها ولا تكلمون أطبقت عليهم فلم يخرج منها أحد. وقال أبو عمران الجوني قال: إذا كان يوم القيامة أمر الله بكل جبار عنيد، وكل شيطان مريض، وكل من يخاف في الدنيا، وكل من يخاف في الدنيا شره، وكل من يخاف في الدنيا شره العبيد، فاوثقوا فاوثقوا بالحديد، ثم أمر بهم إلى جهنم التي لا تبيتم هذا الكلام -قال- ثم أوصدها عليهم ملائكة رب العبيد فقال: فلا والله لا تستقر أاقدامهم على قرار أبداً، والله لا والله لا ينظرون فيها إلى أديم سماء أبداً، ولا والله لا تلتقي جفون أعينهم على غمض نوم أبداً، ولا والله لا يذوقون فيها بارد شراب أبداً.

قال رحمه الله تعالى: وفي معنى إطباق النار على أهلها يقول بعض السلف رضي الله عنهم: ألبس النظيح من النحاس ومنعوا خروج الأنفاس، فالأنفاس في أجوافهم تتردد، والنيران على أبنائهم الأبواب، وغضب عليهم رب الارباب.

وأنشد بعضهم في هذا المعنى: لو أبصرت عيناك أهل الشقى سيقوا إلى النار وقد أحرِقوا يصلونها حين عصوا ربهم وخالفوا الرسل وما صدقوا تقول أخراهم لأولاهم في لجج في لجج المهل وقد أغرِقوا قد كنتم حذرتم حرها لكن من النيران لم تُفرِقوا وجيء بالنيران مذمومة شرارها من حولها محرقة... (شرارها من حولها محرق، مذمومة شرارها من حولها محرق، شرارها من حولها من حولها محرق) وقيل للنيران أن احرقوا، وقيل للخزان أن أطبقوا الأبواب، وقيل للخزان أن أطبقوا.

وقد ورد في بعض أحاديث الشفاعة فتح باب النار، فخرج الطبراني من رواية قال: حدثني مطر أبو موسى مولى آل طلحة قال عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إني آتي جهنم فأضرب بابها فيفتح لي فأدخلها، فأحمد الله بمحامده ما حمده بها أحد قبله مثلها، ولا يحمده أحد بعدي ثم أخرج منها من...».

قال: «لا إله إلا الله مخلصاً»، فيقوم إلي ناس من قريش فينتسبون إلي فأعرف نسبهم ولا أعرف وجوههم، فأتركهم في النار. إسنادهم ضعيف بهذا الحديث.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. طب إخواني دقائق معدودة لأخوات.